← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 127713

المهيأ في كشف أسرار الموطأ

عثمان الكماخي

Полный текст (1 812 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

١٤٢ - قال محمد: أخبرنا يحيى بن سعيد، أن أنس بن مالك صلى بهم في سفرٍ كان معهُ فيه فصلى سجدتين، ثم نَاءَ للقيام فسبح بعضُ أصحابه، فرجع، ثم لما قضى صلاته سجد سجدتين، لا أدري: أقَبْلَ التسليم أو بعدهُ. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة: ثنا، وفي نسخة محمد: أخبرنا يحيى، وفي نسخة: ثنا ابن سعيد بن قيس الأنصاري المدني، يكنى أبا سعيد القاضي، ثقة، ثبت كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين، من أهل المدينة، مات سنة أربع وأربعين ومائة كذا في (التقريب) (١)، أن أنس بن مالك ﵁ صلى إمامًا بهم، أي: يحيى ومن معهم في سفرٍ كان أي: يحيى معهُ فيه أي: في السفر، فصلى سجدتين، أي: ركعتين، ثم نَاءَ أي: قام للقيام، فشرع فيه فيسبح بعضُ أصحابه، أي: تنبيهًا لما به، فرجع، عن قصد القيام أو بعده إن كانت الصلاة ثنائية، ثم لما قضى صلاته أي: بالسجدتين بالتشهد، سجد سجدتين، قال أي: يحيى: لا أدري: أقَبْلَ التسليم أي: سجد قبله، أو بعدهُ، وفي نسخة: أم بعده. فهذا الحديث لا لنا ولا لغيرنا، كما قاله علي القاري. لما فرغ من بيان حكم الفعل الزائد، من أفعال الصلاة يفعله المصلي سهوًا، شرع في بيان حكم العقل الزائد، يفعله المصلي قصدًا، فقال: هذا * * * باب العبث بالحصا في الصلاة وما يكره من تسويته بيان حكم فعل العبث، وهو بفتحتين، عمل ما لا فائدة فيه بالحصى، وهي الحجارة الصغار، يفرش بها المساجد، ونحوها في الصلاة، وبيان حكم ما أي: فعل يكره للمصلي أن يفعله، من تسويته أي: تسوية الحصى عند إرادة السجدة عليها بلا ضرورة، لتسويتها فيكره تسويته بلا احتياج إليه، وما كان النهي فيه ظنيًا، كراهته تحريمه إلا لصارت وإن لم يكن الدليل، نهيًا بل كان مقيد الترك الغير جازم، فهي تنزيهية، والمكروه تنزيهًا إلى

стр. 282

الخلاف أقرب، والمكروه تحريمًا إلى الحرمة أقرب، فتعاد الصلاة مع كونها صحيحة، كترك واجب وجوبًا، وتعاد استحبابًا بترك غيره. قال صاحب (الهداية) في التجنيس: كل صلاة أديت مع الكراهة؛ فإنها تعادل على وجه الكراهة؛ لقوله ﷺ : "لا يصلى بعد صلاة مثلها"، تأويله النهي عن الإِعادة بسبب الوسوسة؛ فلا يتناول الإعادة بسبب الكراهة، قاله صدر الإِسلام علي البزدوي في (الجامع الصغير). ١٤٣ - أخبرنا مالك، حدثنا أبو جعفر القارئ، قال: رأيت ابن عمر إذا أراد أن يسجد سَوَّى الحصى تسوية خفيفةً؛ وقال أبو جعفر: كنت يومًا أصلي وابن عمر ورائي فالتفتُّ فوضع يدَهُ في قفايَ فَغَمَزَني. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة: محمد أخبرنا، وفي نسخة: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة: قال: ثنا أبو جعفر القارئ، بالهمز، ويبدل وقفًا، وهو قارئ المدينة، وهو شيخ الإِمام نافع، وقرأ عليه مالك وغيره، واسمه يزيد بن القعقاع، وقيل: جندب بن ضرورة، وقيل: فيروز، (ق ١٣٧) ثقة، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين، من أهل المدينة، مات سنة سبع وعشرين ومائة، كذا في (تقريب التهذيب) (١). قال: رأيت ابن عمر ﵄، إذا أراد أن يسجد سَوَّى الحصى تسوية خفيفةً؛ أي: لا قليلة تصل إلى حد الكثرة في العمل، وفي الصحيحين من حديث معيقب، أن رسول الله ﷺ قال في الرجل يسوي التراب، حيث سجد: "إن كنتَ فاعلًا فواحدة"، وقال أبو جعفر: أي: القارئ: كنت يومًا أصلي وابن عمر ورائي، أي: واقفًا خلفي، فالتفتُّ أنا في: أثناء صلاتي، فوضع يدَهُ في قفايَ فَغَمَزَني، أي: أشارني بعينه إلى خطأي، والمراد بالالتفات أن يميل المصلي يمينًا أو يسارًا، وهو مكروه، وهذا الحديث موقوف إلى ابن عمر في طريق: محمد بن الحسن، ومرفوع في طريق البيهقي، عن أبي

стр. 283

هريرة ﵁: "إياكم والالتفات في الصلاة، فإنها هلكة". وفي طريق البخاري عن عائشة ﵂، أنها قالت: سألتُ رسول الله ﷺ عن التفات الرجل في الصلاة، فقال ﷺ : "هو من اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد" (١). وقال ﷺ : "لا يزال الله مقبلًا على العبد، وهو في صلاته، ما لم يلتفت، فإذا التفت انصرف عنه" (٢) كذا في (مراقي الفلاح). * * * ١٤٤ - أخبرنا مالك، أخبرنا مسلم بن أبي مَرْيَمَ، عن عليِّ بن عبد الرحمن المعَاوِيِّ أنه قال: رآني عبد الله بن عمر وأنا أعبَثُ بالحصى في الصلاة، فلما انصرفت نهاني وقال: اصنعْ كما كان رسول الله ﷺ يصنعُ، فقلت: وكيف كان رسول الله ﷺ يصنعُ؟ قال: كان رسول الله ﷺ إذا جلس في الصلاة وضع كفَّه اليُمنى على فخِذِه اليمنى وقبض أصابعه كلَّها، وأشار بأُصبعه التي تلي الإِبْهَام، ووضع كفه اليسرى على فَخِذِهِ اليسرى. قال محمد: وبصنيع رسول الله ﷺ نأخُذُ، وهو قولُ أبي حنيفة. فأما تسوية الحصى فلا بَأسَ بتسويته مرَّة واحدةً، وتركُهَا أفضل، وهو قولُ أبي حنيفة.

стр. 284

• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، أخبرنا، وفي نسخة: أخبرني مسلم بن أبي مَرْيَمَ، واسمه يسار المدني، مولى الأنصاري، ثقة كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين من أهل المدينة، كما في (التقريب) (١)، روى عن ابن عمر، وأبي سعيد، وجماعة، وعنه: شعبة والسفيانان، وابن جريج، ومالك وآخرون، وثقة أبو داود والنسائي وابن معين، وأثنى عليه مالك، وقال: كان رجلًا صالحًا، يهاب رفع الأحاديث، وروى له البخاري ومسلم، ومات في خلافة المنصور، كما قاله الزرقاني، عن عليَّ بن عبد الرحمن المُعَاوِيِّ، بضم الميم وفتح العين المهملة وبعد الألف واو. قال ابن عبد البر: منسوب إلى بني، معاوية، فخذ من الأنصار، تابعي، مدني، قاضي المدينة، ثقة كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين من أهل المدينة، كما قاله ابن حجر في (تقريب التهذيب) (٢)، وروى له مسلم وأبو داود والنسائي، أنه قال: رآني عبد الله بن عمر بن الخطاب وأنا والحال أنا أعَبثُ من باب فرح، أي: لعب بالحصى أي: بصغار الحصى في الصلاة، فلما انصرفت أي: فرغت عنها بالسلام، نهاني أي: عن العود إلى العبث لكراهته، كالعبث بكل شيء، ولم يأمره بالإِعادة؛ لأن ذلك كان يسيرًا لا يشغله عن صلاته، وجاء في حديث أبي ذر: "ومسح الحصى مرة واحدة، وتركها خيرٌ من حمر النعم". قال أبو عمر (٣) في رواية ابن عيينة: عن مسلم، عن علي، فلما انصرف ومر قال: فرغ عن صلاته، قال: لا تقلب الحصى؛ فإن تقلب الحصى من الشيطان، وقال: اصنعْ كما كان رسول الله ﷺ (ق ١٣٨) يصنعُ، فقلت: كيف وفي نسخة: وكيف كان رسول الله ﷺ يصنعُ؟ ولعله كان عبثه حال التشهد، فمن هنا، قال: كان رسول الله ﷺ إذا جلس في الصلاة أي: للتشهد وضع كفَّه اليُمنى على فخِذِه اليمنى وقبض أصابعه كلَّها، وأشار بأُصبُعه التي تلي الإِبْهَام. وذكر أبو يوسف في (الأمالي) أنه كان يقبض الخنصر والبنصر، ويحلق بالوسطى

стр. 285

والإِبهام، ويشير بالسبابة. عن الحلواني: يقيم الإِصبع عند "لا إله" ويضع عند "إلا الله"؛ ليكون الرفع للنفي والوضع للإثبات. زاد سفيان بن عيينة، عن مسلم: بإسناده المذكور: وقال: هي، أي: الإِشارة للشيطان، أي مطردته، لا سهو أحدكم ما دام يغيره بإصبعه، ويقول هكذا. قال الباجي - من علماء المالكية -: إن معنى الإِشارة: دفع السهو، وقمع الشيطان؛ الذي يوسوس، كذا قاله الزرقاني (١)، ووضع كفه اليسرى على فَخِذِهِ اليسرى، وعن كثير من المشايخ لا يشير أصلًا، وهو خلاف الرواية والدراية. انتهى، قاله علي القاري. وقد وضعت في هذه المسألة رسالة مستقلة، ذكرتُ فيها الرواية والدراية. انتهى. قال محمد: وبصنيع رسول الله ﷺ نأخُذُ، أي: نعمل، قال -تعالى- في سورة الحشر: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]، وهو قولُ أبي حنيفة. فأما تسوية الحصى فلا بَأسَ بتسويته مرَّة واحدةً، وتركُهَا أفضل، وهو قولُ أبي حنيفة، رحمه الله تعالى. وكذا قول مالك والشافعي وأحمد، ولا يعرف المسألة خلاف، فالسلف من العلماء، وإنما خالفوا فيها بعض الخلف، في مذهبنا من الفقهاء، كذا قاله علي القاري. لما فرغ من بيان ما يلزم المصلي ما يتركه من العبث، شرع في بيان حكم ما يجب على المصلي أن يفعله في صلاته من التشهد، فقال: هذا * * * باب التشهد فى الصلاة بيان حكم أبي حنيفة في القعدتين على الأصح، وفرض عند الشافعي في الأخيرة دون الأولى، ورواه عن مالك: أبو مصعب، وقال: من تركه بطلت صلاته، واستدلوا بالوجوب بقوله ﷺ : "فإذا صلى أحدكم، فليقل: التحيات الزاكيات لله. . " إلى آخره.

стр. 286

١٤٥ - أخبرنا مالك، حدثنا عبد الرحمن بن القاسم، عن عائشة، أنها كانت تتشهد فتقول: التحيَّات الطَّيبَات الصلوات الزَّاكيات لله، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسوله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته. السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، السلام عليكم. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة أخرى: محمد أخبرنا مالك بن أنس، بن عامر بن عمير الأصبحي، من كبار أتباع التابعين، من الطبقة السابعة من أهل المدينة، حدثنا، وفي نسخة قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، ﵁، أحد الفقهاء السبعة المشهورين، من أكابر التابعين من الطبقة الثانية، من طبقات التابعين من أهل المدينة، كما قال أبو الفرج بن عبد الرحمن بن الجوزي في (طبقاته) (١)، عن أبيه، كذا في نسخة: عن عائشة، ﵂، أنها كانت تتشهد في قعدة الصلاة؛ فتقول: التحيَّات، هي جمع تحية من حيا فلان فلانا إذا دعا لى عند ملاقاته، كقوله: حياك الله، أي: أبقاك، والمراد هنا: أعز الألفاظ التي تدل على الملك والعظمة، وسبب الجمع أنهم كانوا يحبون الملك بأثنية مختلفة، نعم أنعم صباحًا، وأبيت اللعن، ورعش كذا (ق ١٣٩) سنة، فالمعنى الملك، وقيل: البقاء الدائم، وقيل: العظمة، وقيل: السلامة من النقص، وقيل: العبادة القولية، وقيل: الإِثنية كلها، الطَّيبَات أي: العبادات الخالصة عن جميع المعيبات، أو العبادات المالية الصلاة الصلاة العبادات الفعلية مطلقًا، أو الصلوات الخمس، أو الرحمة الكاملة، أو الدعوات كلها، الزَّاكيات أي: الأعمال التي يزكو لصاحبها الثواب في الآخرة، أو العبادات الثاميات أو الواقيات لله، أي: مختص لواجب الوجود لذاته، وهذه التعظيمات على مثال من يدخل على السلطان، وعلى الأمير فيثنه أولًا ثم يخدم ثم يبذل المال، واجبًا منه أن يرجع عليه بالقبول والإِقبال. أشهد أن لا إله إلا الله، أي: اعلم وتيقن أن الألوهية والعبودية بالحق مقصورة لذاته تعالى وحده تأكيد لا شريك له، تأكيد

стр. 287

آخر، والمعنى أنه متفرد في ذاته، لا شريك له في صفاته، وأشهد أن محمدًا عبدُه وهو في الأصل صفة بمعنى المملوك، استعمل استعمال الأسماء على ما قاله سيبويه، وإنما أثر على غيره؛ لأنه لا اسم للمؤمن أشرف من العبودية في صفات المخلوقين، وهي الرضا بما يفعله الرب، والعبادة ما يرضيه، والعبودية هي التواضع الذي من العبادة، لبقائها في العقبى بخلاف العبادة، فإنها تُنبئ عن كمال التذلل، وهو المقصود، ورسوله، أي: المعظم لديه، السلام أي: أنواع التعظيم الذي وجه إلى الأنبياء والرسل، نازل عليك أيها النبي. قال النووي والطيبي: والتعريف في السلام للعهد التقريري، أي: ذلك السلام الذي توجه إلى الأنبياء والرسل، ويجوز أن يكون للعهد الخارجي إشارة إلى قوله تعالى: ﴿وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ [النمل: ٥٩]. ولا شك أن هذين التقديرين أولى من تقدير النكرة؛ لأن أصل سلامًا عليك ثم حذف الفعل، وأقيم المصدر مقامه، وعدل عن النصب إلى الرفع على الابتداء للدلالة على ثبوته واستقراره. وذكر صاحب (الأقليد) عن أبي حامد أن التذكير فيه للتعظيم، وهو وجه من وجوه الترجيح، لا يقف على الوجوه المتقدمة. قال الطيبي: من حكمة العدول عن الغيبة إلى الخطاب في هذا مع أن لفظ الغيبة هو مقتضى السياق، وكان يقول: السلام على النبي، فينتقل من تحية الله تعالى إلى تحية النبي ﷺ ، كما قاله الزرقاني. ورحمة الله أي: إحسانه، وبركاته، أي: زيادته من كل خير، لما انتقل المصلي من "أيها النبي ورحمة الله وبركاته" انتقل إلى تحية النبي ﷺ بقوله: "التحيات لله، والسلام عليكم أيها النبي ورحمة الله وبركاته"، انتقل إلى تحية نفسه، ثم إلى الصالحين، السلام، أي: الأمان فى الدارين من الهوان، علينا وعلى عباد الله الصالحين، جمع صالح وهم الذين قاموا بحقوق الله تعالى، وبحقوق عباده، وقيل: السلام هو الله - تعالى - فمعناه: الله علينا، أي: حفظنا ورقيب علينا، وقيل: هو (ق ١٤٠) جمع سلامة، أي: جنسها الفرق بينه وبين مفرده التاء، السلام عليكم كذا في (الموطأ) لمالك، يعني بقول المصلي بعد إتمام التشهد: السلام عليكم.

стр. 288

قال ابن عبد البر: روى عن النبي ﷺ أنه كان يسلم تسليمة واحدة، من طرق معلومة لا تصح (١). لكن روي عن الخلفاء الأربعة: وابن عمر وأنس، وابن أبي أوفى، وجمع من التابعين، أنهم كانوا يسلمون واحدة، واختلفوا عن أكثرهم، فروي عنهم تسليمتان كما رويت الواحدة، والعمل المشهور المتواتر بالمدينة التسليمة الواحدة، ومثله يصح الاحتجاج به؛ لوقوعه في كل يوم مرارًا والحجة له قوله ﷺ : "تسليمتين"، من وجوه كثيرة صحاح؛ كما قاله الزرقاني (٢). * * * ١٤٦ - أخبرنا مالك، عن ابن شهاب الزهري، عن عروة بن الزبير، عن عبد الرحمن بن عبدٍ القَارِيِّ، أنه سمع عمر بن الخطاب على المنْبَرِ، يُعَلِّم الناس التشهد، يقول: قولوا: التحيَّات لله، الزَّاكيَات الطَّيِّبات الصَّلَوَات لله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسوله. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة: محمد أخبرنا مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر بن عمير الأصبحي، من كبار أتباع التابعين، من الطبقة السابعة من أهل المدينة، عن ابن شهاب أي: محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، من التابعين من الطبقة الرابعة، من أهل المدينة، عن عروة بن الزبير، أي: ابن العوام، من التابعين من الطبقة الثانية من أهل المدينة، كما قاله أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي - من علماء الحنبلية - في (طبقاته) (٣)، عن عبد الرحمن بن عبدٍ بالتنوين القَارِيِّ،

стр. 289

بتشديد الياء، نسبة إلى قارة بطن من خزيمة ابن مدركة المدني، عامله عمر بن الخطاب على بيت المال، يقال: إنه رأى النبي ﷺ ، وذكره العجلي في ثقات التابعين، واختلف قول الواقدي فيه، قال تارة: له صحبة، وتارة: تابعي، مات سنة ثمان وثمانين كذا قاله الزرقاني (١)، أنه سمع عمر بن الخطاب ﵁ على المنْبَرِ، يُعَلِّم الناس التشهد، قال في (الاستذكار): ما أورده مالك، عن عمر، وابنه، وعائشة حكمه: الرفع؛ لأن من المعلوم أنه لا يقال بالرأي، ولو كان رأيًا لم يكن ذلك القول من الذكر أولى من غيره، من سائر الأذكار، فلم يبق إلا أن يكون توقيفًا، وقدر رفعه غير مالك عن عمر عن النبي ﷺ : يقول: قولوا: أي: أيها المؤمنون في قعدة الصلاة: التحيَّات جمع تحية، ومعناه السلام أو البقاء أو العظمة، أو السلامة من الآفات والنقص، أو الملك، أو أنواع والتسليمات لله، أي: خالصة له، الزَّاكيَات أي: الأعمال الصالحة لله، أي: خالصة له وحده، الطَّيِّبات أي: الأقوال الصادقة، وهو ما طاب من القول وحسن أن يثني به على الله دون ما لا يليق لصفاته، مما كان الملوك يحيون به، وقيل: الطيبات ذكر الله، وقيل: الأقوال الخالصة كالدعاء والثناء، وقيل: الأعمال الصالحة، وهو أعم؛ أي لله، وكان اكتفى بما قبله أو ما بعده. الصَّلَوَات أي: الدعوات الكاملة والعبادة كلها لله أي: خالصة له على عباده، السلام عليك أيها النبي أي: إحسانه - تعالى - ورحمة الله وبركاته، أي: زيادته من كل خير، السلام علينا، أي: الأمان في الدارين من الهوان، ليكن لنا وعلى عباد الله الصالحين، جمع صالح، وهم الذين قاموا بحقوق الله تعالى، وحقوق عباده، والإِيقان (ق ١٤١) بأنواع التعظيم، على أن المراد بالسلام العظيم هذا المعنى معتبرًا إن اشتق الصالح من باب حسن، وأما إن اشتق من باب نصر فيكون معنى الصالحين، أي: الذين صرفوا أعمارهم في طاعته - تعالى - وهذا المعنى أخص من الأول، وإنما خص ذكر السلام لحين بيان يمتاز لهم عند ربهم، وحث كافة الناس على أن لا يتأخروا عنهم، أشهد أن لا إله إلا الله، أي: اعلم وتيقن أن الألوهية والعبودية بالحق مقصورة لذاته - تعالى - وأشهد أن محمدًا عبدُه أي: دائم في عبوديته - تعالى - ورسوله أي: المعظم لديه، والحديث رواه الحاكم في (مستدركه).

стр. 290

قال الفاكهاني: ينبغي للمصلي أن يستحضر في هذا المحل جميع الأنبياء والملائكة والمؤمنين: ليوافق لفظه مع قصده. وقال البيضاوي: عليه أن يقروه ﷺ بالذكر لشرفه ومزيد حق عليه، وفيها استحباب البداه للمصلي نفسه في الدعاء، ثم الحاضرين من الإِمام والمأموم، والملائكة ثم للمؤمنين والمؤمنات جميعًا ليسقط ما عليه من حقهم أن يدعوا لهم. * * * ١٤٧ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن ابن عمر أنه كان يتشهد فيقول: بسم الله التحيَّات لله الصلوات لله، الزَّاكيات لله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، شهدت أن لا إله إلا الله وشهدت أن محمدًا رسول الله، يَقُولُ هذا في الركعتين الأولَيَيْن، ويدعُو بما بَدَا له إذا قضى تشهده، فإذا جلس في آخر صلاته تشهد كذلك، إلا أنهُ يُقدِّم التشهد ثم يدعو بما بَدَا لهُ، فإذا أراد أن يسلم قال: السلام على النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، السلام عليكم - عن يمينه - ثم يردُّ على الإِمام؛ فإن سلم عليه أحدٌ عن يساره رد عليه. قال محمد: التشهد الذي ذكِرَ كله حَسَن، وليس يُشبهُ تشهدَ عبد الله بن مسعود، وعندنا تَشهُّدُهُ؛ رَوَاهُ عن رسول الله ﷺ ، وعليه العامة عندنا. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا عن نافع، عن ابن عمر ﵄ أنه كان يتشهد أي: في قعدة الصلاة، فيقول: أحيانًا بسم الله، وفي رواية الطبراني، عن ابن الرستم: بسم الله وبالله خير الأسماء، ولفظ "بسم الله" موجود موقوفًا، كما صححه الحاكم، ومعدوم مرفوعًا، كما ضعفه الحافظ البخاري، والترمذي، والنسائي، والبيهقي، وغيرهم، وهذا خلاصة ما قاله الزرقاني. التحيَّات لله، أي: العظمة له، الصلوات لله أي: العبادات الفعلية - مطلقًا - وفي نسخة: والصلوات بالواو،

стр. 291

الزاكيات لله، بغير الواو، وفي نسخة بالواو، أي: الأعمال التي يزكو لصاحبها الثواب في الآخرة، أو العبادات النامية له تعالى. السلام عليك أيها النبي قال الحافظ العسقلاني في (فتح الباري) (١): ورد طرق حديث ابن مسعود بما يقتضي المغايرة بين زمانه ﷺ فيقال لفظ الخطاب وبعده بلفظ الغيبة. فروى البخاري في الاستئذان من طريق أبي معمر، عن ابن مسعود بعد أن ساق حديث التشهد. قال وهو بين ظهرانينا، فلما قبض قلنا: السلام على النبي، ورواه أبو عوانة والجوزجاني، وأبو نعيم الأصبهاني، والبيهقي من طرق متعددة من طريق أبو نعيم: شيخ البخاري فيه بلفظ: فلما قبض قلنا: السلام على النبي بحذف لفظ عليك أيها النبي، وكذا رواه أبو بكر بن أبي شيبة عن أبي نعيم، وهذا صحيح بلا ريب، وقد وجدتُ له متابعًا قويًا. قال عبد الرزاق: أخبرنا ابن جريج، أخبرني عطاء أن الصحابة كانوا يقولون والنبي ﷺ حي: السلام عليك أيها النبي، فلما مات قالوا: السلام على النبي، وهذا إسناد صحيح، كما قاله الزرقاني (٢). أقول وبالله التوفيق: يلزم على العبد المؤمن أن بعد حياته ﷺ ومماته سويًا، ويصلي عليه بالتعظيم، كأنه حاضر عنده، فإنه تعالى قادر على أن يسمعه صوت المصلي عليه، وإن (ق ١٤٢) كان في مكان كما أسمعه دقة النعل لبلال، ﵁، وهو في السماء ليلة المعراج، وبلال في مكة في تلك الليلة. ورحمة الله، أي: إحسانه تعالى عليك أيها النبي، وبركاته أي: زيادته من كل خير، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، شهدت أن لا إله إلا الله وشهدت أن محمدًا رسول الله، بغير واو أظهر في معنى الإِنشاء من أشهد، غايته أن أشهد أدل على الحال، ولذا اختاره أهل الحال، يَقُولُ أي: يقرأ هذا أي: التشهد في الركعتين الأولَيَيْن، أي: في

стр. 292

قعدتهما التي بعدهما، ويدعُو أي: ابن عمر، أي: ظهر إذا قضى تشهده، وهذا محمول عند أبي حنيفة على السنن والنوافل، وأجازه مالك في رواية ابن نافع، والمذهب رواية علي وغيره عنه كراهة الدعاء في التشهد الأول؛ لأن المطلوب تقصيره في القعدة الأولى، ووجوب سجود السهو إذا صلى على النبي ﷺ ، في القعدة الأولى من الفرائض. وقد حُكِيَ أن أبا حنيفة رأى رسول الله ﷺ في منامه يقول له: لم أمرت بالسجدة لمن صلى عليَّ في جلوسه الأول من صلاته الرباعية؟ فقال: يا رسول الله، فإنه صلى عليك، بلا قصد، فتبسم رسول الله، ورضي عنه بهذا الجواب، كما في (البحر الرائق). فإن قيل: ما الحكمة في تقديم النفي على الإثبات فى قوله: "لا إله الا الله"، وتقديم الإثبات على النفي في قوله: "الله لا إله إلا هو"؟ قال بعض العارفين: إنما قدم النفي على الإِثبات، ردًا على مزاعم الشريك ومدعيه؛ لأن المناسب في لسان العرب من طرق البلاغة والفصاحة أن يجاب مدعي الإِثبات بالنفي، وهو من أسرار البلاغة المحمدية. وقيل: إنما قدم النفي على الإِثبات؛ ليفرغ الموحد قبله فيما سوى الله - تعالى - ليواطئ اللسان القلب، فإذا أفرغه عن غيره أثبت فيه الله، حتى لا يكون مع الله غيره، ولا يكون مشغولًا بشيء غيره؛ لأن القلب المشغول بغيره - تعالى - كيف أن يذكر الله - تعالى - مع ذكر غيره. وإنما قدم الإِثبات في قوله: "الله لا إله إلا هو" نظر إلى حقيقة التوحيد؛ لأن الموجود المطلق هو الله - تعالى - وما سواه هالك، إلا وجهه. فإذا جلس في آخر صلاته تشهد كذلك، أي: كما سيق، إلا أنهُ يُقدِّم التشهد أي: يقدم ما يشمل بشهادتين، ثم يدعو بما بَدَا أي: ظهر لهُ، أي: مما لا يسأل من الناس، كما هو مقتضى القياس. وقال طاووس، والنخعي، وأبو حنيفة: لا يدعو في الصلاة إلا بما في القرآن، كذا أطلق ابن بطال وجماعة، عن أبي حنيفة. والموجود في كتب الحنفية: أنه لا يدعو في الصلاة، إلا بما في القرآن، وثبت في الحديث؛ أو كان مأثورًا أعم من أن يكون مرفوعًا، أو غير مرفوع لكن ظاهر الحديث يرد

стр. 293

عليهم، وكذا يرد على قول ابن سيرين: لا يدعو في الصلاة إلا بأمر الآخرة، فإذا أراد أن يسلم أي: للصلاة بنية الخروج عنها، قال: السلام على النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أي: ليتصل لفظ السلام في آخر التشهد، وهذه زيادة تكرير في التشهد، كان ابن عمر اختاره، ليختمه بالسلام على النبي ﷺ والصالحين؛ لأنه فصل بين التشهد والدعاء (ق ١٤٣)، ورُوي عن مالك استحباب ذلك. قال القاضي سعيد بن زيد الباجي - من علماء المالكية: ولا يثبت السلام عليكم عن يمينه تسليمة التحليل، ثم يردُّ أي: ينوي برده على الإِمام؛ فإن سلم عليه أحدٌ أي: من المأمومين بأن كان عن يساره بأن كان مصليًا مع الإِمام رد عليه، أي: وإلا فلا أعلم أن السلام مشروع بالاتفاق، وهو ركن عند مالك، والشافعي، وأحمد، وأبو حنيفة واجب، وهو تسليمتان عند أبي حنيفة، وأحمد، والشافعي في الأصح. وقال مالك: هو واحد فلا يسن بالزيادة للإِمام والمنفرد، وأما الإِمام فيستحب أن يسلم ثلاثًا: اثنين عن يمينه، وشماله، والثالثة تلقاء وجهه، يرد بها على إمامه. قال في (الاستذكار): ما أورده في التشهد: عن عمر وابنه، وعائشة كلمة الرفع: من المعلوم أنه لا يُقال بالرأي، ولو كان رأيًا لم يكن ذلك القول من المنكر أولى من غيره، من سائر الأفكار. قال محمد: التشهد الذي ذكِرَ كله، وكذا ما لم يذكر مما ذكره غيره في الحض وغيره حَسَن، أي: مقبول مستحسن، وهو لا ينافي كونه واجبًا، وليس يُشبهُ أي: كلما ذكر تشهدَ عبد الله بن مسعود، ﵁، أي: من جهة صحة روايته، وحجة ثقاته؛ إذ رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه كلهم عن ابن مسعود باللفظ الذي فيما يليه. وقد قال الحافظ العسقلاني (١): حديث ابن مسعود أصح حديث رُوي في التشهد، وعليه العمل عند أكثر أهل العلم من الصحابة ومن بعدهم، ثم رأيت كلام الترمذي. وعند تَشهُّدُهُ؛ أي: عبد الله بن مسعود؛ لأنه رَوَاهُ عن رسول الله ﷺ ، أي: مرفوعًا بالنص

стр. 294

الصريح، وبالطريق الصحيح، وعليه العامة، أي: عامة أهل العلم، كما تقدم، أي: عامة أصحابنا، على ما هو معلوم عندنا، واعلم أنهم اتفقوا على أنه يجزئ بكل واحد من التشهد المروي عن النبي ﷺ من طريق أصحابه الثلاثة: عمر بن الخطاب، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عباس، واختاره أبو حنيفة بتشهد ابن مسعود، ومالك: تشهد ابن عمر، والشافعي وأحمد: تشهد ابن عباس ﵃ أجمعين. * * * ١٤٨ - أخبرنا مُحِلّ بن مُحْرِزِ الضَّبيُّ عن شقيق بن سَلَمَة بن وائِل الأسَدِيّ، عن عبد الله بن مسعود، قال: كنا إذا صلينا خلف رسول الله ﷺ ، قلنا: السلامُ على الله فقضى رسول الله ﷺ صلاته ذات يوم، ثم أقبل علينا فقال: "لا تقولوا السلام على الله، فإن الله هو السلام، ولكن قولوا: التحيَّات لله والصَّلوات والطَّيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله". قال محمد: وكان عبد الله بن مسعود يَكْرَهُ أن يُزَادَ فيه حرفٌ أو يُنقص منه حرفٌ. • قال محمد: أخبرنا مُحِلّ بضم الميم، وفتح وكسر الحاء، وتشديد اللام، ابن مُحْرِزِ بضم الميم وسكون حاء فكسر لام وزاي، الضَّبيُّ: بتشديد الموحدة، نسبة إلى قبيلة بني الضبي، الكوفي، لا بأس به، كان في الطبقة السادسة من طبقات التابعين من أهل الكوفة، مات سنة ثلاث وخمسين ومائة، كما في (تقريب التهذيب). وفي نسخة: محمد قال: ثنا رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة أخرى: محمد أخبرنا عن شقيق بن سَلَمَة بن وائِل الأسَدِيّ، يُكنى أبا وائل الكوفي، ثقة مخضرم، كان في الطبقة الرابعة، من طبقات

стр. 295

التابعين المحدثين من أهل الكوفة، مات في خلافة عمر بن عبد العزيز، عن عبد الله بن مسعود، ﵁، أنه قال: كنا إذا صلينا خلف رسول الله ﷺ ، قلنا: السلامُ على الله، وفي بعض الروايات زيادة: السلام على جبريل، السلام على ميكائيل، فقضى رسول الله ﷺ (ق ١٤٤) صلاته، أي: أداها وفرغ عنها ذات يوم، أي: يوم من الأيام، ثم أقبل علينا فقال: لا تقولوا السلام على الله، أي: من عباده كما في رواية حيث يوهم أنه محتاج إلى الدعاء بالسلام من جانب الأنام؛ فإن الله هو السلام، أي: بذاته ومنه السلام لمخلوقاته. كما ورد: اللهم أنت السلام، ومنك السلام، والنهي نهي تنزيه، ولكن قولوا: أمر وجوب التحيَّات أي: أنواع التعظيم لله، أي: مختص به تعالى، والصَّلوات أي: العبادات الفعلية مطلقًا، أو الصلوات الخمس، والراحة الكاملة، والدعوات كلها، والطَّيبات، أي: العبادات الخالصة عن جميع المعيبات، أو العبادات المالية أو الأذكار، من الباقيات الصالحات، السلام عليك أي: أنواع التعظيم الذي وجه إلى الأنبياء والرسل، والتعريف فيه للعهد التقريري، أي: ذلك السلام الذي توجه إلى الأنبياء والرسل، ويجوز أن يكون للعهد الخارجي، إشارة إلى قوله تعالى في سورة النمل: ﴿وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ [النمل: ٥٩]. ولا شك أن هذين التقديرين أولى من تقدير النكرة؛ لأن أصله سلام عليك أي: سلمت سلامًا عليك، ثم حذف الفعل، وأقيم المصدر مقامه، وعدل عن النصب إلى الرفع على الابتداء؛ للدلالة على ثبوت المعنى واستقراره. قال صاحب (الإِقليد): التنكير فيه للتعظيم، وهو وجه من وجوه الترجيح، أي: أنواع التعظيم من الله - تعالى - أو من عباد الله الصالحين ينبغي لك أيها النبي. قال الطيبي: من حكمة العدول من الغيبة إلى الخطاب في هذا المقام، مع أن مقتضى الظاهر أن يقول: السلام على النبي؛ إشعارًا إلى من إذا ذكر الحقيقة بالسلام، من الله ومن الملائكة، ومن عباد الله الصالحين من الإِنس والجان عن قلب حاضر، يجد ذلك المن من نفسه، محركًا للإِقبال على ذلك الحقيق بالسلام، ويجعل التحقيق بالسلام حاضرًا في يديه، وحيًا من عنده، ويسلم عليه بأنواع التعظيم والخضوع، فإذا بعد ذلك المن في

стр. 296

نفسه محركًا للإِقبال على ذلك الحقيق بالسلام، على قدر الحقيق به عند الله تعالى كيف كان؛ فإنه تعالى صلى عليه أولًا بالذات، وأخبر المؤمنين بصلاة المؤمنين على النبي، ﵇، ثانيًا ثم أمرهم بها عليه ثالثًا، فقال في سورة الأحزاب: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦]. وفي الخبر عن علي ﵁، أن لفظ هذه الآية نداء النفس، أي: نداء القلب، وها نداء الروح كأنه - تعالى - يقول: عظموا أيها المخاطبون شأن محمد ﷺ في وقت الصلاة عليه، بنفوسكم وقلوبكم وأرواحكم لا بلسانكم فقط، فرد الله - تعالى - على النبي بمقابلة الصلاة بقوله: ورحمة الله، أي: إحسانه تعالى عليك أيها النبي، ورد الله تعالى عليه البركة بمقابلة الطيبات، بقوله: وبركاته، أي: زيادته من كل خير. قيل: أثنى رسول الله ﷺ ليلة المعراج على الله تعالى بالتحيات لله والصلوات والطيبات، بإلهام من الله تعالى، رد الله تعالى على رسوله وحياه (ق ١٤٥) بمقابلة التحيات بقوله: السلام عليك أيها النبي، ورد الله تعالى على الرحمة بمقابلة الصلوات، بقوله: ورحمة الله، ورد الله عليه البركة بمقابلة الطيبات، بقوله: وبركاته، بمناسبة كل واحد منها الآخر من الآخر، أما مناسبة السلام بالتحيات؛ فلأنه تحية السلام، وأما مناسبة الرحمة للصلوات فلأنها بمعناها، وأما مناسبة البركات بالطيبات فلكونها النمو والكثرة، فلما أفاض الله بإنعامه على نبيه بالثلاثة، والنبي أكرم خلق الله تعالى وأجودهم عطف بإحسانه من ذلك الفيض، بإخوانه الأنبياء، والملائكة، وصالح المؤمنين من الإِنس والجن، فقال: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، جمع صالح، وهو القائم بحقوق الله وحقوق عباده، فعمهم به. كما قال رسول الله ﷺ : "إنكم إذا قلتم بها أصابت كل عبد صالح في السماء والأرض" (١)، وليس شيء أشرف من العبودية في صفات المخلوقين، وهو الرضا بما يفعله الرب، والعبادة ما يرضيه، والعبودية: أقوى من العبادة؛ لبقائها في العقبى بخلاف العبادة.

стр. 297

فلما قال ذلك ﷺ ، إحسانًا منه: شهد الملكوت الأعلى والسموات والأرض، وجبريل، بوحي وإلهام فقال كل واحد منهم: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أي: أعلم وأتيقن ألوهية الله - تعالى - وعبودية محمد ﷺ ورسالته، فيقصد المصلي - إن شاء - هذه الألفاظ مرادة له، قاصدًا معناها الموضوعة له من عنده، كان المصلي يحيي الله ويثني عليه، ويسلم على النبي ﷺ ، وعلى نفسه وعلى أولياء الله تعالى، خلافًا كما قال بعض العلماء: إنه حكاية سلام الله تعالى، لا ابتداء سلام من المصلي، كذا في (سلم الفلاح). قال محمد: وكان عبد الله بن مسعود ﵁، يَكْرَهُ أن يُزَادَ فيه حرفٌ أو يُنقص منه حرفٌ. وهذا يدل على غاية حفظه، ونهاية ضبطه. وذكر ابن الهمام، قال: أبو حنيفة: أخذ حماد بيدي وعلمني التشهد، وقال: حماد: أخذ إبراهيم النخعي: بيدي وعلمني التشهد، وقال إبراهيم النخعي: أخذ علقمة بيدي، وعلمني التشهد، وقال علقمة: أخذ عبد الله بن مسعود بيدي وعلمني التشهد، وقال عبد الله بن مسعود: أخذ رسول الله ﷺ بيدي وعلمني التشهد، ما يعلمني السورة من القرآن، وكان يأخذ علينا بالواو والألف واللام. انتهى. والمعنى أنه كان يقول: التحيات لله والصلوات، بالواو العاطفة وبالألف واللام في موضعي السلام، بخلاف حديث ابن عباس، وروى مسلم والأربعة بلفظ: "التحيات المباركات، الصلوات الطيبات لله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين"، وفي رواية الترمذي والنسائي، هنا في الموضعين سلامٌ بالتنكير: "أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله"، فاختاره الشافعي؛ لزيادة المباركات، وهي موافقة (ق ١٤٦) لقوله تعالى في سورة النور: ﴿تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾ [النور: ٦١]، واختار أبو حنيفة وجمهور العلماء، تشهد ابن مسعود، ﵁؛ لأنه أصح في (شرح المنية). وحُكي أعرابيًا دخل على أبي حنيفة، وهو جالس مع أصحابه فقال: أبواوٍ أم بواوين؟ فقال أبو حنيفة: بواوين، فقال بارك الله فيك في: لا، ولا، فلم يعلم أحد

стр. 298

من أصحابه السؤال والجواب، فسألوه من ذلك، فقال: سألني عن التشهد: أبواو واحد، كتشهد أبي موسى الأشعري، ﵁، أم بواوين، كتشهد ابن مسعود ﵁؟ فقلت له: بواوين، فقال: بارك الله فيك، كما بارك في شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية، كذا قاله علي القاري. لما فرغ من بيان أحكام التشهد الواجب، شرع في بيان أحكام السنة فقال: هذا * * * باب السنة في السجود السنة في السجود هي: الطريقة المرضية في الشريعة، وهي الطريقة المسلوكة في الدين من غير افتراض ولا وجوب، وهي نوعان: أحدهما: سنة الهدي؛ التي أخذها لتكميل الدين، وتاركها يستوجب إساءة؛ كالجماعة والأذان والإِقامة قال محمد: إذا أصر أهل المصر على ترك الأذان والإِقامة أُمِروا بهما، وإن أبوا يُقَاتَلون بالسلاح؛ لأن ترك ما هو إعلام الدين، استخفاف بالدين. وثانيهما: زوائد وتاركها لا يستوجب إساءة وكراهة، كسير النبي ﷺ لباسه وقيامه وتعوده، وتطويل الركوع والسجود، كذا قاله عبد الرحمن بن قرشي في (شرح المنار) لحافظ الدين النسفي. ١٤٩ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن ابن عمر، أنه كان إذا سجد وضع كفيه على الذي يضع عليه جَبْهَتَهُ، قال: ولقد رَأيْتهُ في بَرْدٍ شديد، وإنه لَيُخْرِجُ كفَّيْه من بُرْنِسِهِ حتى يَضَعَهُما على الحصى. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا نافع، بن عبد الله، المدني، مولى عبد الله بن عمر، ثقة، فقيه، مشهور، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة، عن ابن عمر، ﵄، أنه كان إذا سجد أي: إذا أراد

стр. 299

السجود، وضع كفيه أي: بعد وضع ركبتيه على الذي أي: قرب المكان الذي يضع عليه جَبْهَتَهُ، وفي قوله: وضع كفيه رد على من يقول: السنة للمصلي أن يضع يديه على الأرض بكمالهما، وهو أن يضعهما مع المرفقين، واليد المطلقة والمطلق مصروف إلى الكمال، وكمال اليدين مع المرفقين، وهذا خطأ، وفي وضع اليدين مع المرفقين تشبيه بأفعال التغليب، وهو مكروه. وهذا الحديث مطلق ومجمل، فيقيد ويفصل، بما ورد: إذا سجدت فضع كفيك وارفع مرفقيك، رواه أحمد ومسلم عن البراء بن عازب ﵁، وورد عنه: "إذا سجد أحدكم فليباشر بكفيه الأرض، عسى الله أن يكف عنه الغل يوم القيامة"، رواه الطبراني في (الأوسط) (١) عن أبي هريرة ﵁. وورد أن رسول الله ﷺ لما سجد وضع وجهه بين كفيه، رواه مسلم (٢) من حديث وائل، قال: أي: نافع ولقد رَأيْتهُ أي: والحال أني رأيت ابن عمر في يوم بَرْدٍ بفتح الباء وسكون الراء، والدال ضد الحر شديد، وإنه بكسر الهمزة، أي: والحال أنه لَيُخْرِجُ من الإِخراج كفَّيْه من بُرْنِسِهِ بضم الباء الموحدة، وسكون الراء المهملة وضم النون والسين (ق ١٤٧) المهملة، كل ثوب ثوبه منه ملتزق من ذراعه أو جبة أو غير ذلك. وقال الجوهري: هو قلنسوة طويلة، كان الناس يلبسونها في صدر الإِسلام - كذا في (النهاية) - والمعنى المراد هنا الأول، حتى يَضَعَهُما على الحصى، وتحصيلًا للأفضل، وهو بفتح الحاء المهملة، وسكون الصاد والباء الموحدة الممدودة جمع حصيات، وحصى، أي: أحجار صغار، وفي نسخة: الحصى، وفيه دلالة على استحباب كشف اليدين، في أحوال الصلاة كلها إلا لضرورة لا يطاق عليها.

стр. 300

وقال التمرتاشي في (منح الغفار)؛ لأن إخراجهما منه أقرب إلى التواضع، وأبعد من التشبيه بالجبابرة. * * * ١٥٠ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن ابن عمر أنه كان يقول: من وضع جَبْهَتَهُ بالأرضِ فليضعْ كفيْه، ثم إذا رفع جبهتهُ فليرفع كفَّيه، فإن اليدين تسجُدان كما يسجدُ الوجه. قال محمد: وبهذا نأخُذُ، ينبغي للرجل إذا وضع جَبْهَتَهُ ساجدًا أن يضع كفَّيه بحِذَاء أذنَيهِ، ويجمع أصابعه نحو القبلة، ولا يفتَحُهما، فإذا رفع رأسه رفعهما مع ذلك، فأما مَنْ أصابه برد يُؤذِي وجعل يديه على الأرض من تحت كساء أو ثوبٍ فلا بأس بذلك وهو قولُ أبي حنيفة. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة أخرى: محمد أخبرنا شافع، عن ابن عمر ﵁، أنه كان يقول: من وضع أي: إذا أراد أن يضع جَبْهَتَهُ بالأرضِ فليضعْ كفيْه، أي: والفاء تعليلية، للأمر بوضع الكفين، وأن مخففة من الثقيلة، ضمير الشأن محذوف تقديره: إنه أي: إن الشأن واليد مبتدأ، ويسجدان خبره، فضمير اسم إن، والمبتدأ مع خبره خبرها، وقيل: إن مخففة من الثقيلة، فأهملت على ما هو الأصح؛ لأن كلمة أن لا تعمل إلا لمشابهتها بالفعل من وجوه، فلما خفف زال المشابه اللفظي، فلا تعمل والإِشكال في رفع اليدين وفي نسخة مصحفة: البدين بالباء التحتية، فإعراب اليدين ظاهر. كما قاله الشيخ زاده في (حاشية تفسير البيضاوي)، في قوله تعالى في سورة طه: ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ [طه: ٦٣]، بتخفيف النون من الثقيلة، في قراءة حفص من السبعة، كما يسجدُ الوجه، أي: كانقياد الوجه لله تعالى، وقد قال الله تعالى في سورة النحل: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [النحل: ٤٩]، وفي سورة النور: ﴿كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾ [النور: ٤١].

стр. 301

وفي صحيح مسلم (١) عن ابن عباس ﵄، قال النبي ﷺ : "أمِرتُ أن أسجد على سبعة أعضاء، على: الجبهة - وأشار بيده على أنفه - واليدين، والركبتين، وأطراف القدمين، ولا يكف الثياب والشعر"، كما قاله الزرقاني. قال محمد: وبهذا أي: بوضع الركبتين على الأرض قبل اليدين، إذا قصد السجود، ويرفع اليدين قبل الركبتين إذا أراد القيام نأخُذُ، أي: نعمل ونفتي، ينبغي للرجل أي: للمصلي إذا وضع جَبْهَتَهُ أي: قصد وضعها ساجدًا أي: مريد السجدة، أن يضع كفَّيه بحِذَاء، بكسر الحاء المهملة، والذال المعجمة الممدودة، أي: بمقابل أذُنَيهِ، بضمتين وبضمة، ويجمع أصابعه نحو القبلة، أي: يميل المصلي أصابع يديه جهة الكعبة مضمومة، وإن كان أفاقيًا وعينها إن كان مكيًا، وكذا يوجهها أصابع رجليه ولا يفتَحُهما، تأكيد لما قبلها، وهو نهي تنزيهي، وفي نسخة: ويجمع بدل ويوجه، فحينئذٍ أن يكون جملة: ولا يفتحهما تأكيدًا لما قبلها، أي: يضم المصلي أصابع يديه إذا وضعهما على الأرض ويوجهها جانب الكعبة، فإذا رفع رأسه رفعهما مع ذلك، أي: مع رفع رأسه والظاهر أنه بعد ذلك (ق ١٤٨) إنما عبر عنه بالمعية حذرًا من زيادة التأخير، فأما مَنْ أي: المصلي أصابه برد بفتح الموحدة والراء الساكنة، والدال ضد الحر، يُؤذِي أي: يؤثر، وفي نسخة يؤذيه، فجعل يديه على الأرض من تحت كساء أي: ولو منفصلًا عنه، أو ثوبٍ، أو ولو متصلًا به، فلا بأس، أي: فلا كراهة، بذلك أي: بما ذكر، وهو قولُ أبي حنيفة، رحمه الله تعالى. فلما فرغ من بيان بعض أحكام الصلاة، شرع في بيان أحكامها، فقال: هذا * * * باب الجلوس في الصلاة بيان أحكام الجلوس بالضرورة، وبغيرها في الصلاة، أي: سواء كانت فريضة أو نافلة.

стр. 302

١٥١ - أخبرنا مالك، حدثنا عبد الله بن دينار، عن ابن عمر أنه صلَّى إلى جَنْبِهِ رجلٌ. فلما جَلَسَ الرجلُ تربّع وثنى رجلَهُ. فلما انصرف ابن عمر عَابَ ذلك عليه، قال الرجل: فإنّك تفعلُهُ. قال: إني أشْتكي. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة: ثنا، وفي نسخة محمد: أخبرنا مالك، أي: مالك بن أنس بن عمير بن أبي عامر الأصبحي، من كبار أتباع التابعين، من الطبقة السابعة من أهل المدينة، حدثنا عبد الله بن دينار، العدوي، مولى ابن عمر، ثقة في الطبقة الرابعة من أهل المدينة، مات سنة سبع وعشرين، وقيل: قبلها بعد المائة، قاله ابن حجر (١). وفي نسخة: عن بدل حدثنا، عن ابن عمر أنه صلَّى إلى جَنْبِهِ رجلٌ. فلما جَلَسَ الرجلُ تربّع، أي: الرجل في جلوسه حال تشهده، وثنى رجلَهُ، أي: رد إحديهما على الأخرى، وعطفها على الأخرى. قال الباجي - من المالكية -: التربع ضربان: أحدهما أن يخالف بين رجليه، فيضع رجله اليمنى تحت ركبته باليسرى، ورجله اليسرى تحت ركبته اليمنى، والثاني: أن يتربع ويثني رجله اليمنى فيكون عند إليته اليمنى، ويشبه أن تكون هذه هي التي عابها ابن عمر، كما قال: فلما انصرف ابن عمر أي: من الصلاة، عَابَ ذلك أي: أنكر فعله هذا، قال الرجل: فإنّك تفعلُهُ. قال: أي: ابن عمر: إني أشْتكي، أي: ضعفًا أو مرضًا، فأجاز في العذر دون غيره؛ فإن المحذورات تبيح المحظورات. قال أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي الحنبلي في (طبقاته): كان الرجل إذا رأى رؤيا قصها على رسول الله ﷺ ، قال ابن عمر: فتمنيت أن أرى رؤيا فأقصصها عليه، وكنتُ غلامًا شابًا عزبًا أنام في المسجد، فرأيتُ كأن ملكين أخذاني فذهبا بي إلى النار، فإذا هي مطوية البئر فإذا لها قرنان، وأرى فيها ناسًا قد عرفتهم، فجعلتُ أقول: أعوذ بالله من النار، فلقيها ملك آخر، فقال: لن ترع فقصصتها على حفصة، فقصتها حفصة على النبي

стр. 303

- ﷺ فقال: "نعم الرجل عبد الله لو كان يصلي من الليل"، فكان بعد لا ينام من الليل إلا قليلا (١). وقال: رأيتُ في المنام كأن بيدي قطعة استبرق، ولا أشير بها إلى مكان من الجنة إلا طارت بي إليه، قصصتها حفصة، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمر، فقال: تمنوا، فقال عبد الله بن الزبير: أما أنا فأتمنى الخلافة، وقال عروة: أتمنى أن يؤخذ عني العلم، وقال مصعب: أتمنى ولاية العراق، والجمع بين عائشة بنت طلحة وسكينة بنت الحسين، وقال ابن عمر: أتمنى المغفرة، فنالوا ما تمنوا، ولعله قد غُفِرَ له. * * * ١٥٢ - أخبرنا مالك، حدثنا عبد الرحمن بن القاسم، عن عبد الله بن عمر، أنه كان يرى أباه يَتَرَبَّع في الصلاة إذا جلس، قال: فَفَعلتُه وأنا يومئذ حديث السِّنِّ، فنهاني أبي، وقال: إنَّها لَيْسَتْ بسُنَّةِ الصلاةِ إنما سُنَّةُ الصلاة أن تَنْصِبَ رجلَك اليمنى، وتثْني رجلَك اليُسْرى. قال محمد: وبهذا نأخُذ، وهو قولُ أبي حنيفة. وكان مالك بن أنس يأخذ بذلك في الركعتين الأوُلَيَيْن، فأما في الرابعة، فإنه كان يقول: يُفضي الرجل بإلْيَتَيْه إلى الأرض، ويجعل رجليه على الجانب الأيمن. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة: محمد أخبرنا: حدثنا عبد الرحمن بن القاسم، أي: محمد بن أبي بكر الصديق التيمي ﵁، كان عبد الرحمن في الطبقة السادسة، وأبوه (ق ١٤٩) في الثانية من طبقات التابعين

стр. 304

من أهل المدينة، كما قاله أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي، في (طبقاته) (١)، عن عبيد الله بالتصغير ابن عمر بن الخطاب، ﵁، أنه أي: عبيد الله، العدوي، المدني، يكنى أبا بكر شقيق سالم، ثقة تابعي، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين، من أهل المدينة، مات سنة ست ومائة، كما قاله ابن حجر في (تقريب التهذيب)، كان يرى أباه أي: عبد الله بن عمر، يَتَرَبَّع في الصلاة إذا جلس، أحيانًا، قال: أي: عبيد الله فَفَعلتُه أي: التربع، وأنا يومئذ حديث السِّنِّ، فنهاني أبي، أي: عبد الله بن عمر، والحال أني صغير دون البلوغ، أو مراهق، وأول بلوغ، فقال: أي: ابن عمر: إنَّها أي: هذه الجلسة لَيْسَتْ بسُنَّةِ الصلاةِ، بل سنتها الجلوس على الركبتين، إنما سُنَّةُ الصلاة المشروعة أن تَنْصِبَ رجلَك؛ أي: قدمك اليمنى وتثْني بفتح التاء وكسر النون، أي: وتعطف رجلَك اليُسْرى، وتفرشها، وهذه الضمة، أي: إنما سنة حكمها الرفع، كما نقله علي القاري عن السيوطي (٢). قال محمد: وبهذا أي: بقول ابن عمر، أن سنة الصلاة في الجلوس أن تنصب رجلك اليمنى وتثني رجلك اليسرى، نأخُذُ أي: نعمل ونفتي، وهو أي: قولنا، بالأخذ بقول ابن عمر، قولُ أبي حنيفة. لما روى النسائي عن ابن عمر، ﵄، أنه قال: من سنة الصلاة أن تنصب القدم اليمنى، وتستقبل بأصابعها القبلة، ويجلس على اليسرى (٣)، ورواه البخاري (٤) من غير ذكر استقبال القبلة. وكان مالك بن أنس الأصبحي يأخذ أي: يعمل ويفتي بذلك أي: الافتراش في الركعتين الأوُلَيَيْن، فأما في الرابعة، وكذا في الثالثة، إذ المراد بها القعدة الثانية، فإنه كان يقول: يُفضي بضم الياء وسكون الفاء، وكسر الضاد، أي: يصل الرجل أي: والمرأة بالأولى بإلْيَتَيْه، بفتح الهمزة، أي: طرفي مقعده إلى الأرض، ويجعل رجليه على

стр. 305

الجانب الأيمن، أي: مخرجتين إليه، ويسمى التورك، والمشهور أن هذا التفصيل مذهب الشافعي. والتورك سنة عند مالك في التشهدين، ولعل ما ذكر رواية عنه، وعندنا التورك سنة في حق المرأة؛ لأنه أستر لها. * * * ١٥٣ - أخبرنا مالك، أخبرنا صَدَقَةُ بن يَسَار، عن المُغِيرَة بن حكيم، قال: رأيت ابن عمر يجلس على عَقِبَيْهِ بين السجدتين في الصلاة، فذكرت ذلك له، فقال: إنما فَعَلتُه منذ اشْتَكَيْتُ. قال محمد: وبهذا نأخُذُ، لا ينبغي أن يجلس على عقبيه بين السجدتين، ولكنه يجلس بينهما، كجلوسه في صلاته، وهو قولُ أبي حنيفة. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة أخرى: بنا، رمزًا إلى أخبرنا، وفي نسخة: محمد أخبرنا أخبرني صَدَقَةُ بن يَسَار، وفي نسخة: ثنا رمزًا إلى حدثنا، أي: الجوزي، نزيل مكة، تابعي صغير، ثقة، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين من أهل مكة، مات سنة اثنين وثلاثين ومائة، عن المُغِيرَة بن حكيم، قال: رأيت ابن عمر يجلس على عَقِبَيْهِ بين السجدتين في الصلاة، أي: فيما بين السجدتين، أو في القعدتين، فذكرت ذلك له، أي: سألتُ ابن عمر عن الجلوس على العقبين بين السجدتين في الصلاة، هل هو سنة، فقال: إنما فَعَلتُه منذ اشْتَكَيْتُ، والمعنى أنه خلاف السنة إلا أني فعلته لعذر، والضرورات تبيح المحظورات. قال محمد: وبهذا نأخُذُ، أي: نعمل ونفتي بأنه: لا ينبغي أن يجلس أي: المصلي على عقبيه بين السجدتين، فضلًا عن القعدتين، ولكنه أي: المصلي يجلس بينهما، أي: بين السجدتين كجلوسه في صلاته، والجلوس بين السجدتين مقدار تسبيحة سنة، وهو قولُ أبي حنيفة. فإن قيل ما (ق ١٥٠) الحكمة: لم جعل الله الركوع واحدًا، والسجود اثنين؟

стр. 306

فالجواب: قال النيسابوري: الركوع أيضًا؛ لأن الركوع هو الانحناء، وهو يتكرر أيضًا، واحد للركوع، وواحد بعد رفع الرأس، والحط للسجود، وهذا الانحناء هو الركوع، وأما كون السجدة اثنين؛ فلأن إبليس أمر بالسجدة فأبى عنها، واستحفظها، وكان من الكافرين، وأمرنا أن نسجد ووعدنا ربنا بالجنة، فسجدنا ثانيًا شكرًا لهذه النعمة، ورغمًا لإِبليس. وقيل: إن آدم صلوات الله على نبينا وعليه - لما سجد تاب الله عليه، فرفع رأسه من السجدة، وسجد ثانيًا شكرًا لله - تعالى - فكانتا ميراثًا لنا، هذا خلاصة ما في (خواتم الكلم) (١). لما فرغ من بيان أحكام الجلوس في الصلاة، شرع في بيان أحكام القعود فيها، فقال: هذا * * * باب صلاة القاعد بيان أحكام صلاة القاعد، أخذ المصنف هذه الترجمة من قوله تعالى في سورة آل عمران: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٩١]. ومن قوله ﷺ : "صل قائمًا فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب"، رواه أحمد، والبخاري، والأربعة (٢)، عن عمران بن حصين الفرق بين الجلوس والقعود في الصلاة: الجلوس: وضع المصلي إليته على الأرض متربعًا، كما في الباب السابق. والقعود: أن يضع الرجل ركبتيه، وساقيه على الأرض، وأن يضع إليته على ساقيه.

стр. 307

١٥٤ - أخبرنا مالك، حدثنا الزُّهْري، عن السائب بن يَزيد، عن المطَّلب بن أبي وَدَاعَة السَّهْمي، عن حفصة زوج النبي ﷺ ، أنها قالت: ما رأيت النبي ﷺ يُصلي في سُبْحَتِه قاعدًا قطُّ، حتى كان قبل وفاته بعام فكان يصلي في سُبْحَتِه قاعدًا، ويقرأ بالسورة ويُرَتِّلُهَا، حتى تكون أطوَلَ من أطولَ منها. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، وهو من أتباع التابعين، من الطبقة السابعة من الطبقات الحنفية، كان أصل مولده بواسط، من قرى العراق، وفي نسخة: محمد، أخبرنا مالك، أي: ابن أنس بن عمير بن عامر الأصبحي، من كبار أتباع التابعين من الطبقة السادسة، من أهل المدينة، حدثنا الزُّهُري، وفي نسخة: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة: بنا رمزًا إلى أخبرنا الزهري، وهو محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، يُكنَى أبا بكر من التابعين، من الطبقة الرابعة من الطبقات السبعة، من أهل المدينة. قال مالك: ما أدركتُ فقيهًا محدثًا غير واحد، قيل: من هو؟ قال: ابنِ شهاب الزهري، كذا قال أبو الفرج بن الجوزي - من علماء الحنبلية - عن السائب بن يزيد، بتحتية وزاي معجمة وهو: ابن سعد الكندي، آخر من مات في المدينة من الصحابة سنة إحدى وتسعين أو قبلها، عن المطلب بتشديد الطاء ابن أبي وَدَاعَة بفتح الواو والدال وهو: الحارث بن صبير بضم المهملة وبفتح الموحدة، ابن سُعَيْد مصغر ابن السَّهْمي، كذا في نسخة، يعني أبي عبد الله، صحابي، أسلم يوم الفتح، ونزل بالمدينة مات فيها، وأمه أروى بنت الحارث بن عبد المطلب، بنت عم النبي ﷺ صحابية هاشمية، عن حفصة زوج النبي ﷺ ، فيه من لطائف ثلاثة أصحاب يروي بعضهم عن بعض، أنها قالت: ما رأيت النبي ﷺ يُصلي في سُبْحَتِه بضم السين وسكون الموحدة، أي: النافلة وسميت بذلك لاشتمالها على التسبيح من قبيل تسمية الكل باسم بعضه، وخصت به دون الفريضة.

стр. 308

قال ابن الأثير (١): لأن التسبيحات في الفرائض نفل في النوافل يلزم أنها نوافل في مثلها، قاعدًا قطُّ، بفتح القاف (ق ١٥١) وتشديد الطاء المضمومة، قال ابن هشام في (مغني اللبيب)، هو ظرف زمان لاستغراق ما مضى ويختص بالنفي، يقال: ما فعلته قط انتهى. والمعنى: فيما رأيت فيما انقطع من عمري يصلي سبحته قاعدًا، بل قام حتى تورمت قدماه، كما قاله الزرقاني (٢)، حتى كان أي: الزمان قبل وفاته بعام أي: بسنة فكان يصلي في سُبْحَتِه قاعدًا، إما لكبره أو لضعفه، ويقرأ بالسورة أي: القصيرة ويُرَتِّلُهَا، بباين بيانها لتبيين معانيها، ويقرأها تمهل، وترتيل ليقع مع ذلك التدبر، كما أمره الله تعالى في سورة المزمل: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل: ٤]. ولذا كانت قراءته ﷺ حرفًا فحرفًا كما قالت أم سلمة، وغيرها حتى تكون أي: في الكمية من حيثية الكيفية أطوَلَ من أطولَ منها، أي: في الكمية والعطف يحتمل أن يكون من عطف الفرد أو من عطف الجمل، فتأمل كما قاله علي القاري. * * * ١٥٥ - أخبرنا مالك، حدثنا إسماعيل بن محمد بن سعيد بن أبي وقاص، عن مولى لعبد الله بن عمرو بن العاص، عن عبد الله بن عمرو، أن رسول الله ﷺ قال: "صلاةُ أحَدِكم وهو قاعدٌ مثلُ نصفِ صلاتهِ وهو قائم". • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة: ثنا، وفي نسخة أخرى: محمد أخبرنا حدثنا، وفي نسخة: قال: ثنا رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة: ثنا إسماعيل بن محمد بن سعيد بن أبي وقاص، ﵁، ثقة، حجة، روى له الخمسة، مات سنة أربع وثلاثين ومائة، عن مولى لعبد الله بن عمرو كذا بالواو أن رسول الله ﷺ قال: "صلاةُ أحَدِكم أي: في النافلة وهو قاعدٌ أي: من غير عذر، والجملة حالية،

стр. 309

مثلُ نصف صلاتهِ أي: في الأجر، وهو قائم، جملة حالية أخرى، وفي قوله: "أحدكم" إشارة إلى أن رسول الله ﷺ ليس كسائر الأنام في هذا المقام فإنه إما أن يصلي معذورًا أو مجوزًا مشكورًا فيكون أجره في الصورتين موقورًا، والحديث رواه أحمد، والنسائي، وابن ماجه عن ابن عمر. والطبراني عن ابن عمر، وعن عبد الله بن السائب، وعن المطلب بن أبي وداعة بلفظ: "صلاة القاعد نصف صلاة القائم". كذا قاله علي القاري. قال ابن عبد البر: قوله: "صلاة أحدكم وهو قاعد مثل نصف صلاته وهو قائم" لما في القيام من المشقة أو لما يشاء أن يتفضل به. وقد سُئِلَ رسول الله ﷺ عن أفضل الصلاة، فقال: "طول القنوت"، والمراد صلاة النافلة؛ لان الغرض أن: من أطال القيام فصلى قاعدًا فصلاته باطلة عند الجميع يلزم عليه إعادتها، فكيف تكون نصف فضل صلاة، بل هو عاصٍ، وإن عجز عنه ففرض الجلوس اتفاقًا؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٢]. فليس القيام أفضل منه؛ لأن كلًا أدى فرضه على وجهه. فإن قيل: قال رسول الله ﷺ : "مثل نصف صلاته"، ولم يقل: نحو نصف صلاته؟ أجيب: إشعارًا بأن صلاة النافلة قعودًا ناقصة صورة، ومعنى من الصلاة قيامًا كما قاله الأصوليون. لفظ المثل يستعمل فيما إذا كان المذكور مساويًا لما سبقه من اللفظ والمعنى، ولفظ النحو يستعمل فيما إذا كان المذكور مساويًا لما سبقه في المعنى فقط. هذا خلاصة ما نقله علي القاري عن المبرك شاه في باب خُلق رسول الله ﷺ من (شرح الشمائل) للترمذي. قال أبو عبد الله الباجي، اسمه سعيد بن زيد - من علماء المالكية - يريد ﷺ بنصف صلاة القائم، أجر الصلاة؛ لان الصلاة لا تتبعض، وهذا وإن كان عامًا لكن المراد بعض الصلوات؛ لأن القيام ركن باتفاق فهو فيمن صلى الفريضة غير مستطيع للقيام أو نافلة مطلقًا.

стр. 310

وعن الماجشون، أنه في المريض يستطيع القيام لكن القعود أرفق به، فأما من أقعده في فرض أو نافلة فثوابه مثل صلاة القائم، والأول أظهر، كذا قاله الزرقاني (١). * * * ١٥٦ - أخبرنا مالك، حدثنا الزُّهري، أن عبد الله بن عمرو قال: لما قَدِمنا المدينة نَالَنَا وَبَاءٌ من وَعْكِهَا شديدٌ، فخرج رسول الله ﷺ على الناس وهم يُصلُّونَ في سُبْحَتِهِمْ قعودًا، فقال: "صلاة القاعد مثلُ نصف صلاة القائم". • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة: محمد أخبرنا حدثنا الزُّهري، وهو محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، يُكنى أبا بكر من التابعين من الطبقة الرابعة من طبقات أهل المدينة، أن عبد الله بن عمرو بالواو، أي: عمرو بن العاص، كما في (الموطأ) لمالك، قال: الزرقاني (٢): هذا الحديث منقطع، كما قال ابن عبد البر (٣) وغيره: لأن الزهري ولد سنة ثمان وخمسين، وعبد الله بن عمرو مات بعد الستين فلم يلقه. انتهى. يقول الفقير: هذا وهم من الزرقاني، وليس في ظاهر العبادة قيد يخصص أن عبد الله بن عمرو مات سنة إحدى وستين أو اثنين أو ثلاث ولفظ بعد يعم الأعوام بين الستين والسبعين، ومع هذا قال أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي في (طبقاته): إن الزهري تابعي من الطبقة الرابعة من أهل المدينة، وكونه من الطبقة الرابعة يشعر ملاقاته به فهذا الحديث ليس منقطعًا، بل هو مرفوع ومتصل. والحديث المنقطع: هو الذي رُوي عمن لا يمكن أن يكون قد رآه الراوي. والحديث المرفوع: ما أضيف إلى رسول الله ﷺ خاصة من قول أو فعل أو تقرير،

стр. 311

كقول الصحابي: أمرنا رسول الله ﷺ بكذا، أو نهانا عن كذا، أو من السنة، أو كنا لا نرى بأسًا، أو كنا نفعل كذا ورسول الله ﷺ فينا، ونحوه، فهو مرفوع كما قاله الأصوليون. قال: لما قَدِمنا المدينة يعني نحن المهاجرين، نَالَنَا أي: أصابنا وَبَاءٌ بفتح الواو، أي: طاعون، قال رسول الله ﷺ : "إن هذا الطاعون رجز - أي: عذاب - وبقية عذاب عُذبَه قوم"، رواه مسلم (١) عن أسامة بن زيد ﵁، وقال ﷺ : "إن هذا الوباء رجزًا - أي: عذابًا - أهلك الله به: الأمم قبلكم، وقد بقي منه في الأرض شيء يجيء أحيانًا ويذهب"، رواه أحمد عن أبي بن كعب ﵁، كما فصلناه في (بركات الأبرار). من وَعْكِهَا بفتح وسكون، أي: من حُمى المدينة، شديدٌ، بالرفع، صفة الوباء، ولا يبعد أن يكون خبر مبتدأ محذوف هو هو، أي: وعكها. قال ابن عبد البر (٢): أهل اللغة قالوا: الوعك لا يكون إلا من الحمى، دون سائر الأمراض، ذكره السيوطي (٣). وفي (القاموس): الوعك أذى الحمى ووجعها، ومقتها في البدن، وألم من شدة التعب، فخرج رسول الله ﷺ على الناس، أي: جمع ليس بهم عذر، وهم يُصلُّونَ في سُبْحَتِهِمْ أي: نافلتهم، وفي زائدة عرضًا من أخرى محذوفة، كقولك: ضربت فيمن رغبت، أصله ضربت من رغبت فيه، قاله ابن هشام في (مغني اللبيب) (٤)، قعودًا، أي: ظننا منهم أن الأمرين مستويان يقتضي ظاهره الإِباحة (ق ١٥٣)، فقال: "صلاة القاعد مثلُ نصف صلاة القائم"، ولا يبعد أن يراد بالناس الذين أصابهم ننبههم على أنهم لا يتساءلون في أمر القيام ما دام لهم عليه قدرة فإنه أفضل وثوابه أكمل. * * *

стр. 312

١٥٧ - أخبرنا مالك، حدثنا الزُّهري، عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ ركب فرسًا، فصُرع عنهُ، فَجُحِشَ شِقُّه الأيمن، فصلى صلاة من الصلوات وهو جالس، فَصَلَّيْنَا جلوسًا، فلما انصرف قال: "إنما جعل الإمام لِيُؤْتَمَّ به، إذا صلى قائمًا فصلوا قيامًا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمدُ، وإن صلى قاعدًا فصلوا قعودًا أجمعين". قال محمد: وبهذا نأخُذُ، صلاة الرجل قاعدًا للتطوع مثلُ نصفِ صلاتِه قائمًا؛ فأما ما رُوي في قوله: "إذا صلى الإمام جالسًا فصلوا جلوسًا أجمعين"، فقد رُوِي ذلك وقد جاء ما قد نَسخَه. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة: ثنا، وفي نسخة أخرى: محمد أخبرنا، حدثنا الزُّهري، وهو محمد بن مسلم بن الشهاب الزهري، تابعي في الطبقة الرابعة من أهل المدينة، وفي نسخة: "عن" في مكان "حدثنا"، عن أنس بن مالك بن النضر بن ضمضمة ﵁، قال: أخذت أمي أم سليم، بيدي حتى قدم رسول الله ﷺ فأتت بي رسول الله ﷺ فقالت: هذا ابني وهو غلام كاتب، فخدمته تسع سنين، فما قال لشيء صنعته قط أسأت، أو بئس ما صنعت، وقالت أمي: يا رسول الله، خُوَيْدِمَك أنس، ادع الله له، فقال: "اللهم أكثر ماله وولده، وأطل عمره، واغفر ذنبه" (١). قال: لقد دفنت من صلبي مائة غير اثنين أو قال: واثنين، وإن ثمرتي تحمل في السنة مرتين، وكان كرمه يحمل في السنة مرتين، وكان يصلي فيطيل القيام حتى تفطر قدماه دمًا، كذا قاله أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي في (طبقاته).

стр. 313

أن رسول الله ﷺ ركب فرسًا، أي: شموسًا يرعب في كل شيء، ويرى عن ظهره حمله، فصُرع عنهُ، بصيغة المجهول، أي: سقط عن ظهره، فَجُحِشَ بضم الجيم وكسر الحاء المهملة، فشين معجمة بشِقُّه أي: خدش، كذا قاله النووي (١). قال ابن عبد البر (٢): الجحش فوق الخدش. وقال الرافعي: يقال: جحش فهو مجحوش، أي: إذا أصابه مثل الخدش أو أكثر، والشجح جلده، وكانت قدمه قد انفكت من الصرعة، كما في رواية لبشر بن المفضل، عن حميد، عن أنس، عند الإِسماعيلي. قال ابن حجر (٣): ولا ينافي ما هنا لاحتمال وقوع الأمرين. قال: وأخرج عبد الرزاق الحديث عن: ابن جريج عن الزهري، فقال: فجحش ساقه الأيمن، فقيل: لفظ ساقه مصحف عن شقه، والتصحيف إما أن يكون محسوسًا بالبصر، أو السمع، فالأول إما في الإِسناد كحديث شعبة، عن العوام بن الخراجم، بالراء والجيم، صحفه يحيى بن معين، فقال مراجم بالراء والحاء، وإما في المتن كحديث من صام رمضان وأتبعه ستًا من شوال، صحفه أبو بكر الصولي. رواه بعضهم واحل الأحدب، وإما في اللفظ، إذا صحفوا "بالخنصر واحتجر في المسجد" "باحتجم بالمسجد" من تصحيف السمع، وأما في المغني: كما روى عن محمد بن المثنى: نحن قوم لنا شرف نحن من عنزة قد صلى رسول الله ﷺ إلينا يريد أن النبي ﷺ صلى على عنزة، والعنزة حربة نصبت بين يدي المصلي تتوهم أنها قبيلة، وهذا تصحيف عجيب. فصلى صلاة من الصلوات أي: الخمس وهو أي: والحال أنه ﷺ جالس، لعذره، فَصَلَّينَا أي: نحن معشر الصحابة جلوسًا، أي: جالسين تبعًا له، وسيأتي أن: بعضهم صلوا قيامًا، فأشار إليهم أن اجلسوا، فلما انصرف قال: "إنما جُعِلَ، أي: نصب أو اتخذ أو نحوهما، ذكره الرافعي.

стр. 314

ويجوز أن يريد إنما جُعِلَ الإمام لِيُؤْتَمَّ به، أي: ليقتدى به في جميع أفعاله، وفي نسخة غير مصححة: وإنما (ق ١٥٤) جعل بالواو لكنها غير معتبرة، إذا صلى أي: الإِمام قائمًا فصلوا قيامًا، أي: ذو قيام أو قائمين، وإذا ركع فاركعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمدُ، وهذا يدل على المشاركة، كما قال به الشافعي، في قول لا على المقاسمة. كما قال به علماؤنا، لكن لهم دليل آخر، ويدل هذا بأن المراد به: مجرد المشاركة في القول مع قطع النظر عن المقول، وإن صلى أي: الإِمام قعودًا أي: قاعدًا كما في نسخة، أي: سواء كانت بعذر أو بغير عذر، كما هو الظاهر المتبادر، لكن قرينة الحال تفيد تقييده بالضرورة في حق الإِمام، وإطلاقه في حق المأمومين، فصلوا قعودًا أي: أنتم كذلك، أجمعين، بالباء مجتمعين، وليحيى أجمعون بالواو. وقال الرافعي: هكذا رواه أكثرهم، وهو: تأكيد الضمير في فصلوا، ورواه آخرون أجمعين على الحال. وفي (الموطأ) ليحيى عن مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂، أنها قالت: صلى رسول الله ﷺ وهو شاكِ على وزن قاضٍ من الشكاية، وهو: المرض، فصلى جالسًا وصلى وراءه قوم قيامًا فأشار إليهم أن اجلسوا، فلما انصرف قال: "إنما جُعلَ الإمام ليؤتم به، فإذا ركع فاركعوا وإذا رفع فارفعوا، وإذا صلى جالسًا فاجلسوا" (١). وفي سندٍ آخر ليحيى في (الموطأ) لمالك عن هشام بن عروة عن أبيه، وقد أرسله مالك، وأسنده جماعة عن أبيه، عن عائشة زوج النبي ﷺ أنها قالت: إن رسول الله ﷺ خرج من بيتي في مرضه فأتى المسجد، فوجد أبا بكر وهو قائم يصلي بالناس، فاستأخر أبو بكر، فأشار رسول الله ﷺ أن كما أنت، فجلس رسول الله ﷺ إلى جنب أبي بكر، فكان أبو بكر يصلي بصلاة رسول الله ﷺ ، وكان الناس يصلون بصلاة أبي بكر، أي: يتعرفون منه ما كان النبي ﷺ يفعله، لضعف صوته عن أن يُسمع الناس تكبير الانتقال، فكان أبو بكر يسمعهم ذلك، ذكره السيوطي (٢).

стр. 315

قال محمد: وبهذا أي: بما ذكر من الحديثين الأوليين نأخُذُ، أي: نعمل ونقول: صلاة الرجل قاعدًا للتطوع وهو شامل للسنن والنوافل مثلُ نصفِ صلاتِه قائمًا؛ أي: في الأجر، فأما ما رُوى في قوله: "إذا صلى الإمام جالسًا فصلوا جلوسًا أجمعين"، فقد رُوِي ذلك أي: بلا شبهة، كما في نسخة، فقد جاء أي: ورد ما قد نَسخَه، أي: حديث قد رفع حكم هذا الحديث، فإن القائم يقتدي بالقاعد الذي يركع ويسجد، وبالعكس في قول أبي حنيفة، وعامة أصحابه وهو مذهب مالك والشافعي. وقال محمد وأحمد وإسحاق: لا يقتدي القائم بالقاعد، وهو القياس لأن اقتداء القائم بالقاعد اقتداء كامل الحال يناقضها. اعلم أن الحديث الذي عرف تاريخه أنه مؤخر فهو ناسخ وما عرف تاريخه أنه مقدم فهو منسوخ، والنسخ في اللغة الإِزالة، أي: الإِعدام لذات الشيء، أو صفته، وإن كان مزيل الثاني صفة أيضًا، كقولهم: نسخت الظل إذا أزالته ورفعته بواسطة انبساط ضوءها على محل الظل. وفي الشرع: رفع تعلق (ق ١٥٥) حكم شرعي بدليل شرعي متأخر عن ذلك الحكم المتقدم، والناسخ: ما دل على الرفع المذكور، وتسميته ناسخًا مجازًا؛ لأن الناسخ في الحقيقة هو الله تعالى. ويُعرف النسخ بأمور طرحها ما ورد في النص كحديث: بريدة في صحيح مسلم: "كنتُ نهيتكم عن زيارة القبور، ألا فزوروها، فإنها تذكركم الآخرة" (١)، ومنها ما يجزم الصحابي بأنه متأخر كقول جابر: كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ : ترك الوضوء مما مسته النار (٢)، أخرجه أصحاب السنن، ومنها ما يُعرف بالتاريخ، كذا قاله الشيخ شهاب الدين: أحمد بن حجر العسقلاني، في (نخبة الفكر من اصطلاح أهل الأثر). وفي (الهداية): ويصلي القائم خلف القاعد خلافًا لمحمد، وعكسه فهذا يدل على أن محمدًا مخالف في المسألة، وعبارة محمد مشيرة إلى أنه موافق، ولعل عنه روايتين،

стр. 316

ومراده بالنسخ نسخ وجوب قعود المأمومين من غير عذر مع الإِمام قاعدًا بعذر، فإن الإِجماع على خلافه اليوم مما سبق إما منسوخ أو مخصوص به ﷺ . * * * ١٥٨ - قال محمد: حدثنا بِشر، حدثنا أحمد، أخبرنا إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق السَّبِيعيِّ، عن جابر بن يزيد الجُعْفِي، عن عامر الشَّعْبيّ، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يَؤُمَّنَّ الناسَ أحدٌ بعدِي جالسًا". فأخذ الناس بهذا. • قال محمد: أخبرنا بِشر بن أحمد، وفي بشر، حدثنا أحمد، أخبرنا الهمداني يكنى أبا يوسف الكوفي، ثقة تكلم فيه بلا حجة، كان في الطبقة السابعة من طبقات التابعين من أهل الكوفة، وهي كانت في الإِقليم الثالث من الأقاليم السبعة، مات سنة ستين ومائة بعد الهجرة، كذا في (تقريب التهذيب)، و (خلاصة الهيئة)، وفي نسخة: أنا، رمزًا إلى أخبرنا إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق السَّبِيعيِّ، وفي نسخة: "عن" بدل "بن" عن جابر بن يزيد الجُعْفِي، بفتح وسكون، يكنى أبا عبد الله الكوفي، ضعيف، رافضي، كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين من أهل الكوفة، مات سنة سبع وعشرين ومائة، عن عامر الشَّعْبِيّ، بفتح فسكون، وهو أحد الأعلام من أهل الكوفة، قال: أدركتُ خمسمائة من الصحابة، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل الكوفة. قال مكحول: ما رأيتُ أفقه منه من أهل الكوفة، مات سنة أربع ومائة، فالحديث مرسل وهو حجة عندنا وعند الجمهور. قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يَؤُمَّنَّ الناسَ أحدٌ بعدِي جالسًا". فأخذ الناس بهذا. والظاهر أنه من قول محمد، والإِشارة إلى الشعبي فإنه نص على النسخ غيره فاختصاص جواز الجلوس به، كما قاله علي القاري. قال الحميدي: هذا منسوخ في قوله: إذا صلى جالسًا فصلوا جلوسًا، هذا هو في

стр. 317

مرضه القديم، ثم صلى بعد ذلك جالسًا والناس معه قيامًا لم يأمرهم بالقعود، وإنما يؤخذ بالآخر من فعل النبي ﷺ ؛ لأنه ﷺ صلى في مرضه الذي مات فيه جالسًا والناس خلفه قيامًا، كما في البخاري. وقال الشرنبلالي (١) في (مراقي الفلاح): وضح اقتداء قائم بقاعد؛ لأن النبي ﷺ صلى الظهر يوم السبت أو الأحد في مرض موته جالسًا والناس خلفه قيامًا، وهي آخر صلاة صلاها إمامًا، وصلى خلف أبي بكر الركعة الثانية، صبح يوم الاثنين مأمومًا، ثم أتم لنفسه، ذكره البيهقي في (المعرفة). لما فرغ من بيان حكم صلاة القاعد، شرع في بيان حكم الصلاة في الثوب الواحد، فقال: هذا * * * باب الصلاة في الثوب الواحد بيان أحكام الصلاة (ق ١٥٦) التي يصليها الرجل في الثوب الواحد، وفي نسخة: في ثوب واحد بالتنوين، أخذ المصنف لفظ الصلاة في هذه الترجمة من قوله تعالى: ﴿عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١]، والثوب من قوله تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ﴾ [الأعراف: ٣١]. قال تعالى في سورة الأعراف: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِد﴾ [الأعراف: ٣١]، أي: ستر عورتكم عند إرادة الصلاة وطواف ونحوهما، وأخذ الواحد من ثوب واحد في الحديث الثاني في هذا الباب، وقد أجمعوا على أن ستر العورة شرط لصحة الصلاة، وذلك أصحاب مالك، إلى أنه واجب في الصلاة، كما ذهب أئمتنا إلى أنه واجب في الطواف. ١٥٩ - أخبرنا مالك، أخبرنا بُكَيْرُ بن الأشَجّ، عن بُسْرِ بن سعيد، عن

стр. 318

عبيد الله الْخَوْلانِيّ، قال: كانت ميمونة زوج النبي ﷺ تصلي في الدِّرْع والخِمَار، ليس عليها إزار. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة أخرى: محمد قال: أخبرنا بُكَيْرُ بالتصغير ابن الأشَجّ، بفتح الهمزة والشين المعجمة، وتشديد الجيم، مولى بني مخزوم، المدني، نزيل مصر، ثقة، روي له الستة، كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين من أهل مصر، مات سنة عشرين ومائة، وقيل: بعدها، عن بُسْرِ بضم الموحدة، وسكون السين المهملة فراء ابن سعيد، المدني العابد، ثقة، حافظ، من رجال الجميع، مولى ابن الحضرمي، ثقة جليل، كان في الطبقة الثانية من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة مائة، كذا في (تقريب التهذيب) (١)، عن عبيد الله بضم العين، ابن الأسود، ويقال له: ابن أسد، ربيب ميمونة، الْخَوْلانِيّ، وبفتح الخاء المعجمة، وسكون الواو، ثقة روى له الشيخان، قال: أي: عبيد الله، كانت ميمونة زوج النبي ﷺ تصلي في الدِّرْع، بكسر الدال المهملة، وسكون الراء والعين، أي: القميص، والخِمَار، بكسر الخاء المعجمة، وهو ما يغطي المرأة في رأسها، ليس عليها أي: على ميمونة إزار، أي: ولا رداء اكتفاءً بما عليها مما يسترها. * * * ١٦٠ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة: أن سائلًا سأل رسول الله ﷺ عن الصلاة في ثوب واحد، قال: "أو لِكُلِّكُم ثوبان؟ ". • قال محمد: أي: ابن الحسن بن قرقر الشيباني، من السابعة من طبقات الحنفية: أخبرنا مالك، أي: ابن أنس بن عامر بن عمير الأصبحي، من أتباع التابعين، من السابعة

стр. 319

من الطبقات من أهل المدينة، وفي نسخة: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، أخبرنا ابن شهاب، وهو محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، من التابعين من الطبقة الرابعة من الطبقات السبعة من أهل المدينة، وفي نسخة قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، عن سعيد بن المسيب، أي: ابن حزن يُكنى أبا محمد، من التابعين من الطبقة الأولى من الطبقات السبعة من أهل المدينة، قال: ما بقي أحد أعلم بقضاءٍ قضاه رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر ﵄ مني. وما كان إنسان يجترئ عليه يسأل عن شيء حتى يستأذنه، كما يستأذن الأمير. وسأل رجل وهو مريض عن حديثه وكان مضطجعًا فجلس فحدثه، فقال له الرجل: وددتُ أنك لم تتعب، فقال: إني كرهت أن أحدثكم عن رسول الله ﷺ وأنا مضطجع. وقال: لا تملؤوا أعينكم من أعوان الظلمة إلا بالإِنكار من قلوبكم، لكيلا تحبط أعمالكم الصالحة، وكان يسرد الصوم. وعن بردٍ مولاه قال: ما نوديت الصلاة منذ أربعين سنة إلا وسعيد بن المسيب في المسجد، وصلى الغداة بوضوء العشاء خمسين سنة. قال: ما أكرمت العباد أنفسها بمثل طاعة الله تعالى (ق ١٥٧)، ولا أهانتها بمثل معصية الله، وكفى بالمؤمن نعمة من الله تعالى أن يرى عدوه يعمل بمعصية الله تعالى. وقال: من استغنى بالله افتقر إليه الناس. وقال: إن الدنيا نزلة، فهي إلى كل نزل وأنزل منها من أخذها بغير حقها، أو طلبها بغير وجهها ووضعها في غير سبيلها. وقال: ما من شريفٍ ولا عالمٍ ولا ذي فضل إلا فيه عيب، ولكن من الناس من لا ينبغي أن يذكر عيوب من كان فضله أكثر من نقصه، وهب نقصه لفضله. وقال: ما يلبس الشيطان من شيء إلا آتاه من قبل النساء. وقال - وهو ابن أربع وثمانين سنة - وقد ذهبت عينيه، وهو يعشو بالأخرى: ما من شيء عندي أخوف من النساء. وكان عمر بن عبد العزيز يقول: ما كان بالمدينة عالم إلا يأتني بعلمه.

стр. 320

كما قاله أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي في (طبقاته) (١)، عن أبي هريرة ﵁ أن سائلًا، قال الحافظ: لم أقف على اسمه، ولكن ذكر شمس الأئمة السرخسي الحنفي في كتابه (المبسوط) أن السائل: ثوبان، سأل رسول الله ﷺ عن الصلاة أي: جوازها في ثوب واحد، أي: إزار أو سروال، أو قميص، قال: "أو لِكُلِّكُم بفتح الواو بعد همزة الاستفهام الإنكاري، ثوبان؟ " أي: حاصلان أو موجودان. قال الخطابي: لفظ استخبار ومعناه: الإِخبار عما لهم عليه من قلة الثياب، ووقع في ضمنه الفتوى من طريق الفحوى، كأنه يقول: إذا علمتم أن ستر العورة فرض، والصلاة لازمة، وليس لكل واحد منكم ثوبان، فكيف لم تعلموا أن الصلاة في الثوب الواحد جائزة، كما نقله علي القاري عن السيوطي (٢). * * * ١٦١ - أخبرنا مالك، أخبرنا موسى بن ميسرة، عن أبي مرة مولى عقيل بن أبي طالب، عن أم هانئ ابنة أبي طالب، أنها أخبرته، أن رسول الله ﷺ صلى عام الفتح ثماني ركعات ملتحفًا بثوب. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة: محمد أخبرنا أخبرنا موسى بن ميسرة بفتح الميم وسكون التحتية وفتح السين المهملة والراء، الديلي بكسر الدال وسكون التحتية، مولاهم يكنى أبا عروة المدني، ثقة، كان في الطبقة السادسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة ثلاثين ومائة، بعد الهجرة، عن أبي مُرة، بضم الميم وفتح الراء المشددة والهاء، وقيل: اسمه يزيد بتحتية وزاي، وقيل: عبد الرحمن، المدني الثقة، من رجال الجميع، مولى عقيل، بفتح
следующие страницы →