ومراده بالنسخ نسخ وجوب قعود المأمومين من غير عذر مع الإِمام قاعدًا بعذر، فإن الإِجماع على خلافه اليوم مما سبق إما منسوخ أو مخصوص به ﷺ .
* * *
١٥٨ - قال محمد: حدثنا بِشر، حدثنا أحمد، أخبرنا إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق السَّبِيعيِّ، عن جابر بن يزيد الجُعْفِي، عن عامر الشَّعْبيّ، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يَؤُمَّنَّ الناسَ أحدٌ بعدِي جالسًا". فأخذ الناس بهذا.
• قال محمد: أخبرنا بِشر بن أحمد، وفي بشر، حدثنا أحمد، أخبرنا الهمداني يكنى أبا يوسف الكوفي، ثقة تكلم فيه بلا حجة، كان في الطبقة السابعة من طبقات التابعين من أهل الكوفة، وهي كانت في الإِقليم الثالث من الأقاليم السبعة، مات سنة ستين ومائة بعد الهجرة، كذا في (تقريب التهذيب)، و (خلاصة الهيئة)، وفي نسخة: أنا، رمزًا إلى أخبرنا إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق السَّبِيعيِّ، وفي نسخة: "عن" بدل "بن" عن جابر بن يزيد الجُعْفِي، بفتح وسكون، يكنى أبا عبد الله الكوفي، ضعيف، رافضي، كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين من أهل الكوفة، مات سنة سبع وعشرين ومائة، عن عامر الشَّعْبِيّ، بفتح فسكون، وهو أحد الأعلام من أهل الكوفة، قال: أدركتُ خمسمائة من الصحابة، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل الكوفة.
قال مكحول: ما رأيتُ أفقه منه من أهل الكوفة، مات سنة أربع ومائة، فالحديث مرسل وهو حجة عندنا وعند الجمهور. قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يَؤُمَّنَّ الناسَ أحدٌ بعدِي جالسًا". فأخذ الناس بهذا. والظاهر أنه من قول محمد، والإِشارة إلى الشعبي فإنه نص على النسخ غيره فاختصاص جواز الجلوس به، كما قاله علي القاري.
قال الحميدي: هذا منسوخ في قوله: إذا صلى جالسًا فصلوا جلوسًا، هذا هو في
стр. 317
مرضه القديم، ثم صلى بعد ذلك جالسًا والناس معه قيامًا لم يأمرهم بالقعود، وإنما يؤخذ بالآخر من فعل النبي ﷺ ؛ لأنه ﷺ صلى في مرضه الذي مات فيه جالسًا والناس خلفه قيامًا، كما في البخاري.
وقال الشرنبلالي (١) في (مراقي الفلاح): وضح اقتداء قائم بقاعد؛ لأن النبي ﷺ صلى الظهر يوم السبت أو الأحد في مرض موته جالسًا والناس خلفه قيامًا، وهي آخر صلاة صلاها إمامًا، وصلى خلف أبي بكر الركعة الثانية، صبح يوم الاثنين مأمومًا، ثم أتم لنفسه، ذكره البيهقي في (المعرفة).
لما فرغ من بيان حكم صلاة القاعد، شرع في بيان حكم الصلاة في الثوب الواحد، فقال: هذا
* * *
باب الصلاة في الثوب الواحد
بيان أحكام الصلاة (ق ١٥٦) التي يصليها الرجل في الثوب الواحد، وفي نسخة: في ثوب واحد بالتنوين، أخذ المصنف لفظ الصلاة في هذه الترجمة من قوله تعالى: ﴿عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١]، والثوب من قوله تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ﴾ [الأعراف: ٣١].
قال تعالى في سورة الأعراف: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِد﴾ [الأعراف: ٣١]، أي: ستر عورتكم عند إرادة الصلاة وطواف ونحوهما، وأخذ الواحد من ثوب واحد في الحديث الثاني في هذا الباب، وقد أجمعوا على أن ستر العورة شرط لصحة الصلاة، وذلك أصحاب مالك، إلى أنه واجب في الصلاة، كما ذهب أئمتنا إلى أنه واجب في الطواف.
١٥٩ - أخبرنا مالك، أخبرنا بُكَيْرُ بن الأشَجّ، عن بُسْرِ بن سعيد، عن
стр. 318
عبيد الله الْخَوْلانِيّ، قال: كانت ميمونة زوج النبي ﷺ تصلي في الدِّرْع والخِمَار، ليس عليها إزار.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة أخرى: محمد قال: أخبرنا بُكَيْرُ بالتصغير ابن الأشَجّ، بفتح الهمزة والشين المعجمة، وتشديد الجيم، مولى بني مخزوم، المدني، نزيل مصر، ثقة، روي له الستة، كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين من أهل مصر، مات سنة عشرين ومائة، وقيل: بعدها، عن بُسْرِ بضم الموحدة، وسكون السين المهملة فراء ابن سعيد، المدني العابد، ثقة، حافظ، من رجال الجميع، مولى ابن الحضرمي، ثقة جليل، كان في الطبقة الثانية من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة مائة، كذا في (تقريب التهذيب) (١)، عن عبيد الله بضم العين، ابن الأسود، ويقال له: ابن أسد، ربيب ميمونة، الْخَوْلانِيّ، وبفتح الخاء المعجمة، وسكون الواو، ثقة روى له الشيخان، قال: أي: عبيد الله، كانت ميمونة زوج النبي ﷺ تصلي في الدِّرْع، بكسر الدال المهملة، وسكون الراء والعين، أي: القميص، والخِمَار، بكسر الخاء المعجمة، وهو ما يغطي المرأة في رأسها، ليس عليها أي: على ميمونة إزار، أي: ولا رداء اكتفاءً بما عليها مما يسترها.
* * *
١٦٠ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة: أن سائلًا سأل رسول الله ﷺ عن الصلاة في ثوب واحد، قال: "أو لِكُلِّكُم ثوبان؟ ".
• قال محمد: أي: ابن الحسن بن قرقر الشيباني، من السابعة من طبقات الحنفية: أخبرنا مالك، أي: ابن أنس بن عامر بن عمير الأصبحي، من أتباع التابعين، من السابعة
стр. 319
من الطبقات من أهل المدينة، وفي نسخة: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، أخبرنا ابن شهاب، وهو محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، من التابعين من الطبقة الرابعة من الطبقات السبعة من أهل المدينة، وفي نسخة قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، عن سعيد بن المسيب، أي: ابن حزن يُكنى أبا محمد، من التابعين من الطبقة الأولى من الطبقات السبعة من أهل المدينة، قال: ما بقي أحد أعلم بقضاءٍ قضاه رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر ﵄ مني.
وما كان إنسان يجترئ عليه يسأل عن شيء حتى يستأذنه، كما يستأذن الأمير.
وسأل رجل وهو مريض عن حديثه وكان مضطجعًا فجلس فحدثه، فقال له الرجل: وددتُ أنك لم تتعب، فقال: إني كرهت أن أحدثكم عن رسول الله ﷺ وأنا مضطجع.
وقال: لا تملؤوا أعينكم من أعوان الظلمة إلا بالإِنكار من قلوبكم، لكيلا تحبط أعمالكم الصالحة، وكان يسرد الصوم.
وعن بردٍ مولاه قال: ما نوديت الصلاة منذ أربعين سنة إلا وسعيد بن المسيب في المسجد، وصلى الغداة بوضوء العشاء خمسين سنة.
قال: ما أكرمت العباد أنفسها بمثل طاعة الله تعالى (ق ١٥٧)، ولا أهانتها بمثل معصية الله، وكفى بالمؤمن نعمة من الله تعالى أن يرى عدوه يعمل بمعصية الله تعالى.
وقال: من استغنى بالله افتقر إليه الناس.
وقال: إن الدنيا نزلة، فهي إلى كل نزل وأنزل منها من أخذها بغير حقها، أو طلبها بغير وجهها ووضعها في غير سبيلها.
وقال: ما من شريفٍ ولا عالمٍ ولا ذي فضل إلا فيه عيب، ولكن من الناس من لا ينبغي أن يذكر عيوب من كان فضله أكثر من نقصه، وهب نقصه لفضله.
وقال: ما يلبس الشيطان من شيء إلا آتاه من قبل النساء.
وقال - وهو ابن أربع وثمانين سنة - وقد ذهبت عينيه، وهو يعشو بالأخرى: ما من شيء عندي أخوف من النساء.
وكان عمر بن عبد العزيز يقول: ما كان بالمدينة عالم إلا يأتني بعلمه.
стр. 320
كما قاله أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي في (طبقاته) (١)، عن أبي هريرة ﵁ أن سائلًا، قال الحافظ: لم أقف على اسمه، ولكن ذكر شمس الأئمة السرخسي الحنفي في كتابه (المبسوط) أن السائل: ثوبان، سأل رسول الله ﷺ عن الصلاة أي: جوازها في ثوب واحد، أي: إزار أو سروال، أو قميص، قال: "أو لِكُلِّكُم بفتح الواو بعد همزة الاستفهام الإنكاري، ثوبان؟ " أي: حاصلان أو موجودان.
قال الخطابي: لفظ استخبار ومعناه: الإِخبار عما لهم عليه من قلة الثياب، ووقع في ضمنه الفتوى من طريق الفحوى، كأنه يقول: إذا علمتم أن ستر العورة فرض، والصلاة لازمة، وليس لكل واحد منكم ثوبان، فكيف لم تعلموا أن الصلاة في الثوب الواحد جائزة، كما نقله علي القاري عن السيوطي (٢).
* * *
١٦١ - أخبرنا مالك، أخبرنا موسى بن ميسرة، عن أبي مرة مولى عقيل بن أبي طالب، عن أم هانئ ابنة أبي طالب، أنها أخبرته، أن رسول الله ﷺ صلى عام الفتح ثماني ركعات ملتحفًا بثوب.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة: محمد أخبرنا أخبرنا موسى بن ميسرة بفتح الميم وسكون التحتية وفتح السين المهملة والراء، الديلي بكسر الدال وسكون التحتية، مولاهم يكنى أبا عروة المدني، ثقة، كان في الطبقة السادسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة ثلاثين ومائة، بعد الهجرة، عن أبي مُرة، بضم الميم وفتح الراء المشددة والهاء، وقيل: اسمه يزيد بتحتية وزاي، وقيل: عبد الرحمن، المدني الثقة، من رجال الجميع، مولى عقيل، بفتح
стр. 321
العين وكسر الفاء وسكون اللام، ابن أبي طالب، الصحابي الشهير، أخو علي كرم الله وجهه، ورضي الله عنه.
قال الحافظ: كان اسمه يزيد وعقيل، مولى أخته أم هانئ، مدني مشهور بكنيته، ثقة، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة، عن أم هانئ بكسر النون فهي بنت أبي طالب، عم النبي ﷺ أنها أخبرته، أي: بأمره، أن رسول الله ﷺ صلى عام الفتح أي: في بيتها، أو في غير بيتها ثماني ركعات بفتح النون، كذا في الأصل وهو لغة، وهي صلاة الضحى، ملتحفًا أي: حال كونه ﷺ متلففًا بثوب.
قال الباجي - من المالكية: قال البخاري: قال الأزهري: الملتحف المتوشح، وهو (ق ١٥٨) المخالف بين طرفيه على عاتقيه.
* * *
١٦٢ - أخبرنا مالك، أخبرني أبو النَّضْر، أن أبا مُرَّة مولى عقيل أخبره أنه سمع أمَّ هانئ ابنة أبي طالب تُحدّث: أنَّها ذهبت إلى رسول الله ﷺ عام الفتح، فوجدته يغتسل وفاطمة ابنته ﵂ تستره بثوب، قالت: فسلمتُ - وذلك ضُحى - فقال رسول الله ﷺ : "من هذا؟ " فقلت: أنا أم هانئ ابنة أبي طالب، قال: "مرحبًا بأم هانئ". فلما فرغ من غسله قام فصلَّى ثمانِي ركعات مُلْتَحفًا في ثوب، ثم انصرف، فقلت: يا رسول الله، زعم ابن أمّي أنه قاتل رجلًا أجَرْتُه، فلانُ ابن هُبَيْرَة، فقال رسول الله ﷺ : "قد أجَرْنَا مَنْ أجَرْتِ يا أم هانئ".
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة أخرى: محمد أخبرنا، وفي نسخة: ثنا، رمزًا إلى حدثنا أخبرني بالإِفراد، وفي نسخة قال: ثنا، وفي نسخة: ثنا، رمزًا إلى حدثنا أبو النَّضْر، بفتح النون، وكسر الضاد والراء، أو سكون
стр. 322
الضاد، وهو سالم بن أبي أمية، أن أبا مُرَّة بضم الميم وفتح الراء المشددة، مولى عقيل أخبره أي: أبا النضر، أنه أي: أبا مرة سمع أمَّ هانئ بكسر النون فهمزة بنت أبي طالب تُحدّث: أي: تروي أنَّها ذهبت إلى رسول الله ﷺ عام الفتح، أي: فتح مكة، فوجدته يغتسل أي: في بيتها أو بيت غيرها، وفاطمة ابنته ﵂ تستره بثوب، جملتان حاليتان، وفيه ستر المحارم عند المحارم عند الاغتسال، وذلك مباح، وفي الصحيح: عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أم هانئ، أن النبي ﷺ دخل بيتها يوم فتح مكة واغتسل وصلى ثماني ركعات، فلم أر صلاة قط أحسن منها، غير أنه يتم الركوع والسجود، تظهر أن هذا الاغتسال وقع في بيتها.
قال الحافظ: ويجمع بينهما بأن ذلك تكرر منه، ويؤيده ما رواه ابن خزيمة من طريق مجاهد عن أم هانئ أن أبا ذر ستره لما اغتسل، وفي هذه الرواية أن فاطمة سترته، ويحتمل أنه نزل ببيتها بأعلى مكة، وكانت هي في بيت آخر بمكة، فجاءت إليه فوجدته يغتسل، فيصح القولان، وأما الستر فيحتمل أن أحدهما ستره في ابتداء الغسل والآخر في أثنائه، كما قاله الزرقاني (١). قالت: أي: أم هانئ، فسلمتُ وذلك ضُحى أي: وقت ضحى من الضحوة، وهي ارتفاع النهار ما بين الإِشراق والزوال، فقال رسول الله ﷺ ، أي: بعد رد السلام، ولم تذكره للعلم به.
قال أبو عمر (٢): فيه جواز السلام على من يغتسل، ويرده عليه، "من هذا؟ " أي: الشخص أو المسلم، فقلت: أنا أم هانئ بنت أبي طالب، وهذا يدل على أن الستر كان كثيفًا، وعلم أنها امرأة؛ لأن ذلك الموضع لا يدخل عليه فيه الرجال، واحتج به من رد شهادة الأعمى لأنه ﷺ لم يميز صوت أم هانئ مع علمه بها، قال: "مرحبًا أي: أتيت مكانًا واسعًا، بأم هانئ"، بباء الجار، وفي رواية: يا أم هانئ، بياء النداء، والأولى أولى؛ لأنها رواية الأكثر، فلما فرغ من غسله بضم الغين المعجمة قام فصلَّى ثمانِيَ ركعات بكسر النون وفتح الياء مفعول فصلى، حال كونه ﷺ مُلْتَحفًا أي: ملتفًا في ثوب، أي: في ثوب واحد كما في (الموطأ) لمالك.
стр. 323
روى كريب عن أم هانئ: سلم في كل ركعتين، أخرجه ابن خزيمة.
وفيه: رد على من تمسك به لصلاتها موصولة سواء صلى ثماني أو أقل.
وللطبراني عن ابن أبي أوفى: أنه صلى ركعتين فسألته امرأته، فقال: إن النبي ﷺ صلى يوم الفتح ركعتين، ورأت أم هانئ بقية الثمان، وهذا يقوي أنه صلاها مفصولة، ثم انصرف، أي: من صلاته، وقال النووي: توقف عياض وغيره في دلالة هذا الحديث، وقالوا: إنها أخبرت عن وقت صلاته لا عن بيتها فلعلها صلاة شكر لله تعالى على الفتح (١).
قال: ويرده ما رواه أبو داود بسند صحيح عن أم هانئ أن النبي ﷺ سبحته الضحى ثمان ركعات يسلم من كل ركعتين، فقلت: يا رسول الله، زعم أي: قال، أو ادعى ابن أمّي أي: علي بن أبي طالب، والأم شفيقة، وأمها فاطمة بنت أسد بن هاشم، لكن خصت الأم لأنه آكد في القرابة؛ ولأنها بصدد الشكاية، فذكرت ما يعينها على الشكوى، حيث أصابت من محل يقتضي أن لا تصاب منه لما جرت العادة أن الإِخوة من جهة الأم أشد في الرحمة والشفقة ورقة القلب، كأنها ذكرت الابن مع الأم إشعارًا بأن الابن أخذ خلقًا من خلق أمه، فإن المضاف يكتسب ما في المضاف إليه من الشرافة والحساسة والشفقة، كغلام الأمير، وغلام [الكخاني] (٢)، وابن الأم، على أخ لي من أب وأم، وأمي فاطمة بنت أسد بن هاشم شفيقة، وعلي أخي لا يرحم، بل قال: إني أقله، كما في قوله: أنه أي: علي ﵁ قاتل أي: مريد قتل رجلًا أجَرْتُه، بفتح الهمزة والجيم، أي: أعطيته الأمان، فلابنُ بالنصب على أنه بدل من رجل، وبالرفع على أنه: خبر مقدر، أي: هو ابن هُبَيْرَة، بالتصغير، قيل: هو جعدة بن هبيرة، ورده ابن عبد البر بأنه ابنها، فلا يحتاج إلى إجارته، لصغر سنه، والحكم بإسلامه، ولا يعرف لهبيرة ابن من غير أم هانئ.
قال ابن حجر: والذي يظهر لي أن في العبارة حذفًا أو تحريفًا، أي: فلان ابن عم هبيرة، أو قريب هبيرة، فسقط لفظ عم أو تغير لفظ قريب بلفظ ابن، وقد سمى ابن هشام في (سيرته) وغيره الذي أجرته الحارث بن هشام، وعبد الله بن ربيعة، وهما مخزوميان، فصح أن يكون كل منهما ابن عم هبيرة؛ لأنه مخزومي، وقيل: الحارث وزهيرة بن أبي
стр. 324
أمية المخزوميان، كما نقله علي القاري عن السيوطي (١). فقال رسول الله ﷺ : "قد أجَرْنَا أي: أمنا على أن فتح مكة كان عنوة، أي: غلبة وقهرًا.
قال ابن عبد البر: فيه جواز أمان المرأة، وأن تقاتل، وبه قال الجمهور، منهم الأئمة الأربعة. وقال الماجشون: إن أجازه الإِمام جاز، وإلا رد لقوله ﷺ : "قد أَجَرْنَا مَنْ أجَرْتِ".
وأجاب الجمهور: إنما قال ذلك تطييبًا لنفسها بإسعادها إن كانت صادفت حكم الله تعالى في ذلك، كما قاله الزرقاني.
* * *
١٦٣ - أخبرنا مالك، أخبرني محمد بن زيد التَّيْمي، عن أمّه أنَّها سألت أمّ سلمة زوج النبي ﷺ ، ماذا تصلي فيه المرأة؟ قالت: في الخِمَارِ والدِّرْع السَّابغِ الذي يُغَيَّبُ ظهرَ قدمَيْها.
قال محمد: وبهذا كله نأخُذُ، فإذا صلَّى الرّجلُ في ثوب واحد توَشَّحَ به توشُّحًا جاز، وهو قولُ أبي حنيفة.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة: محمد أخبرنا، أخبرني أي: وحدي محمد بن زيد التَّيْمي، عن أمّه اسمها: أم حرام، ذكره المزي، نقله السيوطي (٢)، أنَّها أي: أم حرام، سألت أمّ سلمة زوج النبي ﷺ ، ماذا أي: أي ثوب هذا الثوب الذي يصح أن تصلي فيه المرأة؟ "في" مبتدأ و"ذا" خبره، قالت: أي: أجابت أم سلمة بأن تصلي المرأة بالخِمَارِ بكسر الخاء المعجمة والميم والألف والراء،
стр. 325
والثوب الذي يستر بها المرأة رأسها وعنقها عند إرادة الصلاة، والدِّرعْ (ق ١٦٠) أي: القميص السابغ، أي الكامل، والسبغ بالسين الهملة والباء الموحدة، والغين المعجمة القصاء المشتمل الذي يُغَيَّبُ بتشديد الياء التحتية، أي: يستر ظهور قدمَيْها.
هذا رواية عن أبي حنيفة، لكن ظهورهما وبطونهما ليسا بعورة في أصح الروايتين عند أبي حنيفة لعموم الضرورة، كما في (مراقي الفلاح).
قال ابن عبد البر: هذا الحديث في (الموطأ) موقوف ورفعه عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار.
قال السيوطي: أخرجه أبو داود من طريقه عن محمد بن زيد عن أمه، عن أم سلمة، أنها سألت رسول الله ﷺ : تصلي المرأة في درع وخمار وليس عليها إزار؟ قال: "إذا كان الدرع سابغًا يغطي".
ثم رواه من طريق مالك موقوفًا.
قال محمد: وبهذا كله نأخُذُ، أي: نعمل ونفتي، فإذا صلَّى الرّجلُ في ثوب واحد أي: إزار وقوله: توشَّحَ به توشُّحًا قيد اتفاقي لا احترازي، أو قيد، وهو بالتاء الفوقية والواو والشين المعجمة المشددة، والحاء المهملة: ثوب يلفه الرجل بجميع جسده جاز، وهو أي: جواز صلاة الرجل في ثوب واحد، قولُ أبي حنيفة.
ولا أظن في المسألة خلافًا إلا أنه يكره عندنا أن يصلي وليس على كتفه شيء، إلا إذا لم يكن معه ثوب آخر، كذا قاله علي القاري.
لما فرغ من بيان أحكام الصلاة في الثوب الواحد، وصلاة الضحى، شرع في بيان أحكام صلاة التهجد والوتر وكميتها وكيفيتها، فقال: هذا
* * *
باب صلاة الليل
بيان أحكام صلاة التهجد والوتر من الليل. . أخذ المصنف هذه الترجمة من قوله تعالى في سورة الذاريات: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ [الذاريات: ١٧]، يعني: أن المتقين يذكرون الله ويصلون أكثر الليل، وينامون أدناه، كما في (عيون التفاسير).
стр. 326
ومن قوله ﷺ : "رحم الله امرأة قامت بالليل، فصلت ثم أيقظت زوجها فصلى"، وقال ﷺ : "أفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل"، والأحاديث في هذا كثيرة.
١٦٤ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن ابن عمر، أن رجلًا سأل رسول الله ﷺ كيف الصلاة بالليل؟ قال: "مَثْنَى مَثْنَى، فإذا خشى أَحُدُكم أن يُصبح فَلْيُصَلِّ ركعةَ واحدة تُوتِرُ له ما قد صلَّى".
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة: ثنا، وفي نسخة أخرى: محمد أخبرنا، أخبرنا نافع، وفي نسخة: قال: ثنا، وليحيى عن مالك عن نافع وعبد الله بن دينار، كلاهما مولى عبد الله بن عمر، وفي نسخة أخرى: أخبرني نافع، عن ابن عمر، ﵄.
قال ابن حجر: ولم يختلف على مالك في إسناده، إلا أن في رواية مكي بن إبراهيم عن مالك أن نافعًا وعبد الله بن دينار أخبراه، كما في (الموطأ) للدارقطني، وأورده الباقون بالعنعنة، ذكره السيوطي، أن رجلًا للنسائي من أهل البادية لم أقف على اسمه، وللطبراني في (الصغير) أن ابن عمر، لكن يكره عليه رواية عبد الله بن شقيق، عن ابن عمر، كذا قاله الزرقاني.
سأل رسول الله ﷺ وهو يخطب: كيف الصلاة بالليل؟ قال السيوطي (١): وفي رواية: محمد بن نصر، قال: يا رسول الله، كنتَ تأمرنا أن نصلي بالليل، فكيف الصلاة بالليل؟ قال: "صلاة الليل مَثْنَى مَثْنَى"، أي: اثنين اثنين، وكرر للمبالغة، أي: مرتين مرتين، وهو غير منصرف، للعدل والوصف.
ولمسلم من طريق عقبة بن حارث، قال: قلت لابن عمر: ما معنى مثنى مثنى، قال: تسلم من كل ركعتين، ذكره السيوطي.
وليحيى: فقال رسول الله ﷺ : "مثنى مثنى".
стр. 327
قال السيوطي (١): زاد أصحاب السنن، وابن خزيمة من طريق علي الأزدي، عن ابن عمر: وصلاة النهار: مثنى مثنى. انتهى.
وورد في بعض الأحاديث ما يدل على أن الأربع أفضل في الوقتين، وهو قول أبي حنيفة، وفي بعضها: أن الأربع في النهار، وركعتان في الليل، وبه قال صاحباه، ومذهب الشافعي: أن الركعتين أفضل في الوقتين.
فالأولى: أن بعضها ركعتين بتسليمة، وبعضها أربع بلا فصل، فإذا خشى أَحدُكُم أن يُصبح أي: أن يدخل في الصباح، فَلْيُصَلِّ ركعةَ واحدة أي: ركعة واحدة مضافة إلى ركعتين مما مضى، قوله: تُوتِرُ له مجهول، على أنه صفة لركعة واحدة، أي: تجعل وترًا ما قد صلَّى، من شفع قبلها.
* * *
١٦٥ - أخبرنا مالك، حدثنا الزُّهري، عن عُرْوَة، عن عائشة، أن رسول الله ﷺ كان يصلي من الليل إحْدى عَشْرة ركعة، يُوتِرُ منهن بواحدة، فإذا فرغ منها اضطجع على شقه الأيمن.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد أخبرنا، حدثنا الزُّهري، أي: محمد بن مسلم بن مالك الزهري، يكنى أبا بكر، من الطبقة الرابعة من الطبقات السبعة من أهل المدينة، وهو تابعي، عن عُرْوَة بن الزبير بن العوام، من التابعين، من الطبقة الثانية من الطبقات السبعة من أهل المدينة، كما قاله أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي، الحنبلي في طبقاته (٢).
عن عائشة، ﵂ أن رسول الله ﷺ كان أي: أحيانًا أو غالبًا يصلي من الليل، وفي نسخة: بالليل، أي: فيه مبتديًا من إجرائه إحْدى عَشْرة ركعة، بسكون الشين
стр. 328
المعجمة، وبنو تميم تكسرها يُوتِرُ منها بواحدة، أي: منضمة إلى شفع قبلها، فإذا فرغ منها، أي: من تلك الواحدة، أو من صلاة الليل، اضطجع على شقه الأيمن، للاستراحة ليقوم نشيطًا لصلاة الصبح.
قال السيوطي: كذا رواه جماعة الرواة (للموطأ)، وأما أصحاب الزهري فرووا هذا الحديث منه إسناده، هذا فجعلوا الاضطجاع بعد ركعتي الفجر لا بعد الوتر، قيل: إنه الصواب دون ما قاله مالك.
قال ابن عبد البر: ولا يدفع ما قاله من ذلك لوضعه من الحفظ والإِتقان ولثبوته في ابن شهاب، وعلمه بحديثه. انتهى.
ولا يخفى أنه لا منع من الجمع؛ فإنه ﵇ كان يضطجع تارة التهجد إذا كان في الوقت سعة، وأخرى بعد سنة الفجر إذا كان أدركه الصبح. والله أعلم.
* * *
١٦٦ - أخبرنا مالك، حدثنا عبد الله بن أبي بكر عن أبيه، عن عبد الله بن قيس بن مَخْرَمَة، عن زيد بن خالد الجُهنيّ، قال: قلت: لأرْمُقَنَّ صلاة رسول الله ﷺ اللَّيْلَةَ، قال: فتوسَّدْتُ عَتَبَتَهُ أو فُسْطَاطَهُ، قال: فقام يصلي ركعتين خفيفتين، ثم صلَّى ركعتين طويلتين، ثم صلى ركعتين دونهما، ثم صلى ركعتين دونهما، ثم صلي ركعتين دون اللتين قبلهُما، ثم أوْتَر.
• أخبرنا مالك، حدثنا وفي نسخة: ثنا، رمزًا إلى: حدثنا، وفي نسخة أخرى: بنا، رمزًا إلى أخبرنا عبد الله بن أبي بكر أي: محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري، فقيه، ثقة، مدني، تابعي من الطبقة الثالثة من أهل المدينة، كان على قضاء المدينة، فلما ولي عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم ولاه إمرة المدينة، قالت امرأته: ما اضطجع على
стр. 329
فراشه منذ أربعين سنة، مات سنة خمس وثلاثين ومائة من الهجرة، وله سبعون سنة، كما قاله أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي في (طبقاته)، عن أبيه، أي: أبي بكر هو محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري، النجاري بالنون والجيم المشددة، المدني، القاضي، اسمه وكنيته واحد، وقيل: يكنى أبا محمد، ثقة، عابد، كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين، مات سنة عشرين ومائة (ق ١٦٢) من الهجرة، عن عبد الله بن قيس بن مَخْرَمَة، بفتح الميمين وبينهما خاء معجمة ساكنة فراء وهاء، عن زيد بن خالد الجُهنيّ، بضم الجيم وفتح الهاء والنون، نسبة إلى قبيلة جهينة، مدني، صحابي، شهير، مات بالكوفة سنة ثمان وستين ملأ الهجرة وله خمس وثمانون سنة، قال: قلت أي: في نفسي، أو بعض أصحابي، لأرْمُقَنَّ بفتح اللام الابتدائية، كاللام في قوله تعالى في سورة آل عمران: ﴿لَلَّذِي بِبَكَّةَ﴾ [آل عمران: ٩٦]، وفتح الهمزة وسكون الراء المهملة وضم الميم، وفتح القاف والنون الثقيلة، أي: لأرقبن وأنظرن البينة، وعدل عن الماضي فلما رمقت استحضارًا بتلك الماضية عند المخاطبين واستقرارًا في قلوب السامعين، صلاة رسول الله ﷺ اللَّيْلَةَ، أي: في هذه الليلة، حتى أرى أنه ﷺ كم يصلي؟ وكيف يصلي ما صلاه؟ قال: فتوسَّدْتُ عَتَبَتَهُ أي: فوضعت رأسي على عتبة بابه ﷺ كما وضعت رأسي على وسادتي، والتزمت على بابه كيلا يفوتني من فعله وقوله: شيء، فاعتبر يا مسكين واسمع أقوال الصحابة وأحوالهم، أو فُسْطَاطَهُ، بضم الفاء وكسر السين المهملة والطاءين بينهما ألف: سترة باب البيت من شعر وأو للشك من الراوي، والمعنى: إن كان رسول الله ﷺ في الحضر لازم باب بيته كالعتبة، وإن كان في السفر لازم قريب سترة باب خيمته ﷺ وأترقبه متى يخرج من بيته فيصلي، بهذا المعنى يندفع وهم التجسس المنهي عنه، قال أي: الراوي، فقام أي: النبي ﷺ يصلي ركعتين خفيفتين، أي: تهوينًا على النفس على الطاعة وتمرينًا لها على العبادة، وتدريجًا لها على الإِطالة في غير الملالة، ثم صلَّى ركعتين طويلتين، كذا في الأصل مرتين، وفي (الشمائل) للترمذي: ثلاث مرات للمبالغة في طولها، فكأنه قال: قدر ركعتين طويلتين مرتين أو ثلاث مرات، ثم صلى ركعتين دونهما، أي: أقل في الطول، ثم صلى ركعتين دونهما، وهذا الطريق البدلي كما كان الأول من باب الترقي، فسلك المسلمون في باب التخلي والتحلي، ثم صلى ركعتين دون اللتين قبلهُما، كذا في نسخة، وكذا في (المصابيح) برواية زيد بن خالد الجهني، وكذا في مسلم والترمذي، والنسائي برواية قتيبة.
стр. 330
وكذا في سنن أبي داود برواية القعنبي، فيكون صلاة التهجد عشر ركعات ثم أوْتَر؛ فذلك ثلاث عشرة ركعة، فهذا يدل على أنه أوتر بثلاث؛ لأنه صلى عشرًا في خمس دفعات، كما قاله ابن الملك في (شرح المصابيح)، ويؤيده ما قاله مالك في (الموطأ) فتلك ثلاث عشرة ركعة.
* * *
١٦٧ - أخبرنا مالك، أخبرنا محمد بن المُنْكَدِر، عن سعيد بن جُبير، عن عائشة، أنَّ رسول الله ﷺ قال: "ما من امرِئ تكون له صلاة بالليل يَغْلبُه عليها نومٌ إلَّا كتب الله له أجر صلاته، وكان نومه عليه صدقة".
• أخبرنا مالك, وفي نسخة: محمد، وفي نسخة أخرى: ثنا رمزًا إلى: حدثنا، أخبرنا محمد بن المُنْكَدِر، على صيغة اسم الفاعل، عن سعيد بن جُبير، بضم الجيم وفتح الموحدة، وسكون التحتية والراء، وهما تابعيان جليلان، أما محمد بن المنكدر فمن الطبقة الرابعة من أهل المدينة، وأما سعيد بن جبير، (ق ١٦٣) يكنى أبا عبد الله فمن الطبقة الثانية من أهل الكوفة، ومنقبة محمد بن المنكدر، أن المنكدر دخل على عائشة فقالت له: ألك ولد، قال: لا، فقالت: لو كان عندي عشرة آلاف درهم لوهبتها لك، فما أمست حتى بعث إليها معاوية بعشرة آلاف درهم، فاشترى منها جارية، فهي أم محمد وأبي بكر وعمر، وكان لمحمد بن المنكدر جار مبتلى فكان يرفع صوته من الليل يصيح، وكان محمد يرفع صوته بالحمد، فقيل له في ذلك، فقال: يرفع صوته بالبلاء، وأرفع صوتي بالنعمة.
стр. 331
وبينا هو ذات ليلة قائم يصلي إذا يبكي فكثر بكاؤه حتى فزع أهله، وسألوه ما الذي أبكاك؟ فاستحجم عليهم، فتمادى في البكاء، فأرسلوا إلى ابن أبي حازم، فجاء فقال: يا أخي ما الذي أبكاك؟ فقال: مرت بي آية من كتاب الله في سورة الزُمَر: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر: ٤٧]، أي: ظهر لهم وقت البعث ما لم يكونوا يحتسبون في الدنيا أنه نازل بهم من العقاب، بدل ما يحتسبون من الثواب؛ لأن أعمالهم مع كثرتها لا تنفعهم مع شركهم، كذا في (عيون التفاسير)، فبكى ابن أبي حازم، واشتد بكاؤه، فقال بعض أهله: جئنا بك لتفرج عنه فزدته، فأخبرهم ما أبكاهما.
قال: إن الله تعالى يحفظ المؤمن في ولده وولد ولده وفي دويرته، ودويرات أحواله فما يزالون في حفظ وعافية ما كان بين أظهرهم منقبة سعيد بن جبير أنه كان إذا قام إلى الصلاة كأنه ولد، وكان يبكي الليل حتى غشى، وسمع ويردد هذه الآية بضعًا وعشرين مرة في سورة البقرة: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٨١].
وكان يختم في كل ليلتين، وكان يخرج في السنة مرتين، مرة للحج، ومرة للعمرة.
قال: لدغتني عقرب، فأقسمت أمي على أن أسترقي فأعطيت الراقي يدي التي لم تلدغ، وكرهت أن أحنثها، وكان له ديك يقوم من الليل بصياحه، فلم يصح ليلة حتى أصبح، فلم يصل تلك الليلة، فشق عليه فقال: ما له قطع الله صوته، فلم يسمع له صوت بعدها، فقالت له أمه: يا بني لا تدع على شيء بعدها.
قال: إن الخشية أن تخشى الله حتى تحول خشيتك بينك وبين معصيتك، فتلك الخشية.
والذكر: طاعة الله، فمن أطاع الله فقد ذكره، ومن لم يطعه فليس بذاكر، وإن أكثر التسبيح والتلاوة كذا ذكره أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي في (طبقاته) (١).
عن عائشة، ﵂، أنَّ رسول الله ﷺ قال: "ما من امرِئ أي: شخص تكون له صلاة بالليل أي: بطريق الورد، يَغْلبُه عليها أي: على صلاته نوم.
قال الباجي - من المالكية: هو على وجهين: أحدهما: أنه يذهب به النوم فلا يستيقظ، والثاني: أن يستيقظ، ويمنعه غلبة النوم من الصلاة، فهنا حكمة: أن ينام حتى
стр. 332
يذهب عنه مانع النوم، إلَّا كتب الله أي: أثبت له أجر صلاته، (ق ١٦٤) بناء على حسن نيته، وقد ورد: "نية المؤمن خير من عمله". فإن الباجي يريد التي اعتادها، ويحتمل ذلك عندي وجوهان: أحدهما: أن يكون له أجرها غير مضاعف، ولو عملها لكان له أجرًا مضاعفًا؛ لأنه لا خلاف أن الذي يصلي أكمل حالًا وأفضل مآلًا، ويحتمل أن يريد أن له أجر نيته، أي دون أداء طاعته، ويحتمل أن يكون له أجر من تمنى أن يصلي مثل تلك الصلاة، ولعله أراد أجر تأسفه على ما فاته منها. انتهى.
قال ابن عبد البر (١): في الحديث دليل على أن المرء يجازى على ما نوى من الخير، وإن لم يعمله، كما لو عمله، وأن النية يعطى عليها كالذي يعطى على العمل، إذا حيل بينه وبين ذلك العمل بنوم أو نسيان أو غير ذلك من وجوه الموانع، فيكتب له أجر ذلك العمل، وإن لم يعمله، فضلًا من الله ونعمة، كما نقله علي القاري عن السيوطي (٢). وكان نومه عليه صدقة، قال الباجي: يعني أنه لا يحتسب عليه، ويكتب له أجر المصلين، ذكره السيوطي، والحديث رواه أحمد وأبو داود، والنسائي، عن عائشة ﵂.
* * *
١٦٨ - أخبرنا مالك، حدثنا داود بن الحُصَيْن، عن عبد الرحمن الأعرج أن عمر بن الخطاب قال: من فاته من حِزْبه شيء من الليل فقرأه من حين تزول الشمس إلى صلاة الظهر فكأنَّه لم يَفتْهُ شيء.
• أخبرنا مالك، حدثنا وفي نسخة: ثنا، رمزًا إلى حدثنا داود بن الحُصَيْن، بضم الحاء المهملة وفتح الصاد والياء الساكنة والنون، الأموي، مولاهم، يكنى أبا سليمان المدني، ثقة، إلا في عكرمة، ورُمي برأي الخوارج، كان في الطبقة السادسة (٣) من طبقات التابعين
стр. 333
من أهل المدينة، مات سنة خمس وثلاثين ومائة، عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، يكنى أبا داود المزني، مولى ربيعة بن الحارث، ثقة، ثبت عالم، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين، من أهل المدينة، مات سنة سبع عشرة بعد المائة من الهجرة (١)، أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: من فاته من حِزْبه أي: من ورده شيء أي: من قراءة أو صلاة أو نحوها من الليل أي: من أوله أو أوسطه أو آخره بأن نام عنه أو غلبته ضعف أو حصل له مانع، فقرأه أي: تدارك تلك القراءة ونحوها من حين تزول الشمس أي: إذا انتقلت من المكان التي طلعت فيه.
كما روى ابن شهاب عن السائب بن يزيد، وعبد الله بن عبد الله، عن عبد الرحمن بن عبد القاري عن عمر: من نام عن حزبه فقرأ ما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر كتب له كأنما قرأ من الليل، وهذا أولى من حديث داود بن حصين، لأن زوال الشمس إلى صلاة الظهر وقت ضيق لا يسع الحزب. رواه مسلم والأربعة (٢) من طريق يونس عن ابن شهاب به مرفوعًا، كما قاله السيوطي (٣). إلى صلاة الظهر فكأنَّه لم يَفتْهُ شيء.
قال ابن الملك: والمعنى: من فاته حزبه بأن غفل عنه وشيء منه، أو ذهب عن الوقت الذي كان يفعله فيه ففعله في وقت آخر كتب له من الأجر مثل ما لم يفت؛ لأن تعين ذلك الوقت إن لم يكن يقينًا من الشارع وهو الله، وإنما كان باعتبار فعله وجميع الأوقات، وبالنسبة إليه سواء، فعلى هذا تخصيص الليل بالذكر؛ لأن ورد العابدين يوجد فيه غالبًا، فإن قلت: كان التشبيه في كأنه يفضي أن يكون الأجر فيه لقص وليس كذلك.
قلت: هذا من قبيل التشابه لأن تعيين ذلك الوقت، (ق ١٦٥) ولم يكن بتعيين الشارع حتى يكون التفويت منقصًا بوقوعه، ولو كان التعبير بطريق الندب يكون تشبيهًا. انتهى.
ولا يخفى أن صلاة التهجد من تعيين الشارع بطريق الندب، وكذا تأخير الوتر إلى
стр. 334
آخر الليل لمن لم يثق بالانتباه، وقد يجب التلاوة على بعض القراء من الحفاظ خوف النسيان في الليل لاشتغاله في ضروريات معاشه في النهار.
كما أشار إليه في قوله تعالى في سورة المزمل: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا (٦) إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا﴾ [المزمل: ٦، ٧]، وبهذا يتعين أن صلاة الليل والتلاوة فيه أفضل فيكون تشبيه الناقص بالكامل، وإلحاقه به في محله، ثم الظاهر المتبادر أن تدارك ما فات في الليل يكون في جميع أجزاء النهار.
كما في حديث رواه الترمذي في (شمائله) (١) عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ إذا لم يصل بالليل ومنعه من ذلك النوم أو غلبته عيناه صلى من النهار ثنتي عشرة ركعة، لا أنه مخصوص في التدارك أفضل، وأصله قوله تعالى في سورة الفرقان: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾ [الفرقان: ٦٢]، ففي تفسير البغوي: قال ابن عباس والحسن وقتادة، يعني خلفًا وعوضًا يقوم أحدهما مقام الآخر، فمن فاته عمل في أحدهما قضاه في الآخر كما قاله علي القاري (٢).
* * *
١٦٩ - أخبرنا مالك، حدثنا زيد بن أسْلَمْ، عن أبيه، أنه قال: كان عمر بن الخطاب يصلي في كل ليلة ما شاء الله أن يصلي، حتى إذا كان من آخر الليل أيْقظ أهلَه للصّلاة، ويَتْلو هذه الآية ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ [طه: ١٣٢].
• أخبرنا مالك، حدثنا زيد بن أسْلَمْ العدوي، يُكنى أبا عبد الله وأبا أسامة، مولى عمر بن الخطاب ﵁، مدني، عدوي، عالم ثقة في أكابر التابعين، وكان من الطبقة الثالثة، مات سنة ست وثلاثين ومائة (٣)، عن أبيه، أنه أي: أسلم، قال: كان عمر بن
стр. 335
الخطاب ﵁ يصلي في كل ليلة ما شاء الله أن يصلي، وما موصولة، وشاء صلتها، والله فاعله، وأن مصدرية، ويصلي مفعول شاء، والالتفات إلى الاسم الجليل لتربية المهابة وألا يزان بدور أن المشبه على عنوان الألوهية المتتبعة لسائر الصفات، كما فصلناه في تفسير سورة الأعلى في (نور الأفئدة). حتى إذا كان من آخر الليل أيْقظ أهلَه أي: عياله للصّلاة، أي: لإِدراك شيء من صلاة السحور والاستغفار فيه، ويحتمل أن يكون إيقاظه لصلاة الصبح، وإنما كان فإنه امتثل الآية، وفيه أهله منه ما كان هو يفعله، ويَتْلو هذه الآية في سورة طه ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ﴾ أي: مطلقًا، أو صلاة الليل والنهار، أشقها وأصعبها، يؤيده قوله: ﴿وَاصْطَبِرْ﴾ أي: اصبر ﴿عَلَيْهَا﴾ أي: على مجاهدتها، ﴿لَا نَسْأَلُكَ﴾ أي: لا نكلفك ﴿رِزْقًا﴾ بتحصيله لنفسك ولا لغيرك، ﴿نَحْنُ نَرْزُقُكَ﴾ أي: رزقًا حسنًا من حيث لا تحتسب، ﴿وَالْعَاقِبَةُ﴾ أي: الجنة ﴿لِلتَّقْوَى﴾ ولأهلها. لقوله تعالى: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص: ٨٣].
روى ابن مردويه عن أُبَيّ قال حين نزلت هذه الآية: كان ﷺ يأتي بباب عليّ ﵁ فيقول: "الصلاة رحمكم الله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣].
* * *
١٧٠ - أخبرنا مالك، أخبرنا مَخْرَمَة بن سليمان الوَالبيّ، قال: أخبرني كرَيْب مولى ابن عباس أن ابن عباس أخبره: أنه بات عند ميمونة زوج النبي ﷺ ، وهي خالته، قال: فاضطجعت في عَرْض الوسادة، واضطجع رسول الله ﷺ وأهله في طولها، قال: فنام رسول الله ﷺ حتى إذا انتصف الليل أو قبله بقليل أو بعده بقليل، جلس رسول الله ﷺ ، فمسح النوم عن وجهه بيده، ثم قرأ العشر الآيات: الخواتِم من سورة آل عمران، ثم قام إلى شَنٍّ معلَّق،
стр. 336
فتوضأ منه فأحسن وُضوءه، ثم قام يصلي، قال ابن عباس: فقمت فصنعت مثل ما صنع رسول الله ﷺ ، ثم ذهبت فقمت إلى جانبه، قال: فوضع رسول الله ﷺ يده اليمنى على رأسي، وأخذ بأُذني اليمنى بيده اليمنى فَفَتَلَهَا، قال: فصلى ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم أوْتَرَ، ثم اضطَجَعَ حتى جاءه المؤذِّن، فقام فصلى ركعتين، خَفيفتين، ثم خرج فصلى الصبح.
قال محمد: صلاة الليل عندنا مَثْنى مَثْنَى، وقال أبو حنيفة: صلاة الليل إن شئت صلَّيْتَ ركعتين، وإن شئت أربعًا، وإن شئت صليت ستّا، وإن شئت ثمانيًا وإن شئت ما شئت بتكبيرة واحدة، وأفصل ذلك أربعًا أربعًا. وأما الوتر: فقولنا وقول أبي حنيفة فيه واحد، الوترُ، ثلاثٌ لا يُفصَلُ بينهن بتسليم.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد أخبرنا، وفي نسخة: بنا رمزًا إلى أخبرنا، أخبرنا مَخْرَمَة بإسكان الخاء المعجمة، وفتح غيرها، ابن سليمان الوَالبيّ، بكسر اللام والموحدة، المدني، روى عن ابن الزبير وأسماء بنت أبي بكر وعده جماعة، وثقه ابن معين وغيره (١).
قال الواقدي: قتلته الحرورية بقديد سنة ثلاثين ومائة وهو ابن سبعين سنة، قال: أخبرني أي: وحدي، كرَيْب بالتصغير مولى ابن عباس روى عن مولاه، وابن عمر، وزيد بن ثابت، وأسامة، وعائشة، وميمونة، وأم سلمة، وعنه ابناه رشدين، ومحمد، وعبد بن الأشج، ومكحول، وموسى بن عقبة، وآخرون، وثقه ابن معين، وابن سعد، والنسائي، واحتج به الجماعة، مات سنة ثمان وتسعين (٢). أن ابن عباس ﵄، أنه كان عالمًا فقيهًا وحديثًا وعربية وأنسابًا وشعرًا وتفسيرًا، روى الطبراني في (الكبير) أنه قال: دعاني رسول الله ﷺ فقال: "نعم ترجمان القرآن أنت"، ودعا لي جبريل مرتين (٣).
стр. 337
وعنه: وضع ﷺ يده على كتفي ومنكبي، ثم قال: "اللهم فقهه في الدين، وعلمه التأويل" (١) رواه أحمد والطبراني برجال الصحيح.
وعنه: أن رسول الله ﷺ وضع يده في صدره فوجد بردها في صدره، ثم قال: "اللهم احش جوفه علمًا وحلمًا" (٢).
وعنه: ضمني رسول الله ﷺ إلى صدره، وقال: "اللهم علمه الحكمة"، وفي رواية "الكتاب" (٣)، رواهما البخاري.
أخبره أنه بات عند ميمونة زوج النبي ﷺ ، وهي خالته، أي: أخت أم ابن عباس، وسبب وروده، وزاد شريك بن أبي نمر عن كريب، عند مسلم، فرقبتُ رسول الله ﷺ كيف يصلي. زاد أبو عوانة: من هذا الوجه "بالليل".
ولمسلم من طريق عطاء عن ابن عباس، قال: بعثني العباس إلى النبي ﷺ .
وزاد النسائي من طريق حبيب بن أبي ثابت عن كريب في إبلٍ أعطاه إياها من الصدقة، أي: صدقة التطوع، أو ليستولي طرفه في مصالح غيره، وأسلم عن الضحاك بن عثمان عن مخرمة، فقلت لميمونة إذا قام ﷺ فأيقظيني، فكأنه عزم في نفسه السهر ليطلع على الكيفية التي أرادها، ثم خشي أن يغلبه النوم فوصى، أي: ميمونة أن توقظه، وفيه فضل ابن عباس وقوة فهمه وحرصه على تعلم أمر الدين وتعليمه، كذا قاله الزرقاني (٤).
قال: أي: ابن عباس: فاضطجعت أي: وضعت جنبي بالأرض في عَرْض بفتح العين على المشهور وبضمها أيضًا، وأنكره الباجي - من علماء المالكية - نقلًا ومعنى قال: لأن العرض: هو الجانب، وهو لفظ مشترك، وردَّه العسقلاني بأنه لما قال في طولها، تعين المراد، وقد صحت به الرواية. الوسادة، بكسر الواو، ما يتوسد به، ويسمى المخدة، وهو
стр. 338
ما يضعون وجوههم أو رؤوسهم عليه للنوم، وعن محمد بن نصر: وسادته ﷺ من أدم أي: من جلد مدبوغ، حشوه ليف، ذكره السيوطي وكذا فراشه.
وعن عائشة ﵂: أنها قالت: إنما كان فراش رسول الله ﷺ الذي ينام عليه من أدم حشوه ليف، أي: ليف النخل، كما قاله الترمذي في (شمائله) (١).
واضطجع رسول الله ﷺ وأهله أي: ميمونة خالة ابن عباس (ق ١٦٧) في طولها، أي: الوسادة. قال ابن عبد البر: كان ابن عباس - والله أعلم - مضطجعًا عند أرجلهما وعند رأسهما.
وقال الباجي: وهذا ليس بالبين؛ لأنه لو كان كذلك لقال توسدت عرضها، وقوله: اضطجعتُ في عرض: يقتضي أن العرض محل لاضطجاعه، وفي رواية طلحة بن نافع عند ابن خزيمة: ثم دخل ﷺ مع أهله ميمونة وفي فرشها، وكانت ليلة صائفا، وفيه يبيت الصغير عند محرمه، وأن زوجها عندها، والاضطجاع مع الحائض، وترك الاحتشام في ذلك بحضرة الصغير، وإن كان مميزًا بل مراهقًا.
وللبخاري في التفسير من رواية شريك عن كريب، فتحدث ﷺ مع أهله ساعة، ولأبي زرعة الرازي في (العلل): عن ابن عباس: أتيتُ خالتي ميمونة، فقلتُ: إني أريد أن أبيت عندكم، فقالت: كيف وإنما الفراش واحد، والحال أنه من مسح، أي: صوت يعبر عنه بالملاس، هذا خلاصة ما في (الشمائل).
فقلتُ: لا حاجة لي بفراشكم، أفرش نصف إزاري، وأما الوسادة فإني أوضع رأسي مع رأسكما من وراء الوسادة: فجاء رسول الله ﷺ ، فتحدثت ميمونة بما قلت، فقال: هذا شيخ قريش.
قال: أي: ابن عباس ﵄: نام رسول الله ﷺ حتى إذا انتصف الليل أي: تقريبًا، أو قبله بقليل أو بعده بقليل، وأو للشك في حقيقة مقداره، وفي رواية الشيخين: فلما كان ثلث الليل الأخير أو بعضه، جلس رسول الله ﷺ ، فمسح النوم أي: أثره من باب إطلاق المسبب أو عينه من باب إطلاق الحال على المحل، "إذا" ظرفية، وقبله
стр. 339
ظرف لجلس، أي: جلس رسول الله ﷺ وقت الانتصاف، أي: وقت نصف الليل أو قبله بقليل، أو بعده بقليل، فمسح عن وجهه بيده.
وفي (الموطأ) لمالك: حتى إذا انتصف الليل أو قبله بقليل أو بعده بقليل استيقظ رسول الله ﷺ فجلس يمسح النوم عن وجهه بيده، بالإِفراد، فإن جعلت إذا ظرفية، فقبله ظرف لاستيقظ أي: استيقظ وقت الانتصاف أو قبله، وإن جعلت شرطية فمتعلق بفعل مقدر، واستيقظ، جواب الشرط، أي: حتى إذا انتصف الليل أو قبله أو بعده استيقظ فمسح النوم عن وجهه بيديه. كما قاله الزرقاني.
وفي رواية (الصحيحين) قيد فنظر في السماء ثم قرأ بالعشر آيات الخواتِم، جمع الخاتمة بالجر صفة الآيات، وفي نسخة: الخواتيم بالياء، وكذا في الشمائل للترمذي من هذا الطريق، وإضافة العشر إلى الآيات من قبيل الصفة إلى موصوفها، واللام تدخل في العدد المضاف نحو الثلاثة الأثواب من سورة آل عمران، أولها: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [آل عمران: ١٩٠]، إلى آخر السورة، فيه حل القراءة للمحدث حدثًا أصغر، هو إجماع عليه، كذا في المناوي، ثم أي: بعد قراءة هذه الآيات، قام إلى شَن بفتح الشين المعجمة وتشديد النون، أي: مائلًا إلى قربة بالية، معلَّق، أي: معلقة إلى جدار أو خشبة لتبريد مائها أو المحافظة (ق ١٦٨) من قطعها، فتوضأ منه أي: من مائه فأحسن وُضوءه، أي: أتمه بأن أتى بمندوباته، ثم قام يصلي، أي: حال كونه مصليًا، ولمحمد بن نصر: ثم أخذ ردائه حضرميًا فتوشحه ثم دخل البيت فقام يصلي، قال ابن عباس، ﵄، فقمت أي: من مرقدي، فصنعت مثل ما صنع رسول الله ﷺ ، أي: من مسح الوجه من النوم وقراءة العشر آيات، والقيام إلى الشن والتوضؤ منه، ثم ذهبت أي: إلى قربه ﷺ ، فقمت إلى جانبه، أي: جانبه، كما في نسخة، وفي رواية الشيخين: فقمتُ فتوضأتُ فقمت عن يساره، قال: أي: ابن عباس: فوضع رسول الله ﷺ يده اليمنى على رأسي، للتبرك وتنزيل الرحمة عليه، وأخذ بأُذني بضم الهمزة وسكون الذال المعجمة اليمنى بيده اليمنى فَفَتَلَهَا، أي: دلكها، زاد محمد بن نصر: فعرفت أنه إنما صنع ذلك ليؤنسني بيده في ظلمة الليل، وقيل: فعل ذلك إيقاظًا له وتنبيهًا له من النعاس، وقيل: ليتنبه بهيئة الصلاة، وموقف الإِمام، والأول أظهر، ذكره السيوطي.
وقال الشمني: لو قام المؤتم منفردًا عن يساره الإِمام، أو خلفه كره، لما روى الجماعة
стр. 340
عن كريب مولى ابن عباس، قال: بتُّ عند خالتي ميمونة فقام رسول الله ﷺ يصلي من الليل، فقمتُ عن يساره، فأخذني بيمينه فأدارني من ورائه، فأقامني عن يمينه، فصليت معه. وفي الحديث دليل على أن العمل القليل لا يبطل الصلاة، وأن صلاة الصبي صحيحة، وأن له موقفًا من الإِمام كالبالغ، وأن الجماعة في غير المكتوبات جائزة.
أقول: وقد صرح في (الفروع) اتفاق الفقهاء بكراهية الجماعة في النوافل، إذا كان سوى الإِمام الأربعة.
قال في (الكافي): إن التطوع بالجماعة إنما تكره إذا كان على سبيل التداعي، أما لو اقتدى واحد بواحد، أو اثنان بواحد لا تكره، واقتدى ثلاثة بواحد اختلف فيه، وإن اقتدى أربعة بواحد كره اتفاقًا، كذا في (الوسائل شرح الشمائل).
ثم قام فصلى ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ست مرات، فتكون اثني عشرة ركعة، وفي العطف بثم إشارة إلى أنه ﷺ فصل بين كل ركعتين، وبه صرح في رواية طلحة بن نافع، عن ابن عباس، عند ابن خزيمة، قال: ويسلم من كل ركعتين، ولمسلم من رواية علي بن عبد الله بن عباس، التصريح بالفصل أيضًا، وأنه ﷺ استاك بين كل ركعتين إلى غير ذلك، كذا قاله الزرقاني.
ثم أي: بعد ما صلى النبي ﷺ اثنتى عشرة ركعة من النوافل، أوْتَرَ، أي: صلى الوتر ثلاث ركعات، ثم أي: بعد ما صلى صلاة الوتر ثلاثًا، اضطَجَعَ أي: رقد فنام حتى نفخ حتى جاءه المؤذِّن، وهو بلال كما سُمِّي في رواية البخاري على ما ذكره السيوطي. فقام فصلى ركعتين خَفيفتين، يعني سنة الفجر، ثم خرج من بيت ميمونة إلى المسجد، فصلى صلاة الصبح، أي: فرضه بجماعة، والحديث رواه الترمذي في (الشمائل).
قال محمد: صلاة الليل عندنا يعني: نفسه، وأبا يوسف مَثْنى مثنى، أي: ثنتين ثنتين، وهو أفضل، كرره تأكيدًا في بيان الحكم، وهما لا ينصرفان للعدل من عدد مكررة هي ثنتين ثنتين وللوصف (ق ١٦٩) بنيتا، وأن أصولهما لم تبن لتكرر العدل، فإنهما معدولتان باعتبار الصيغة والتكرير وهما نكرتان تدخل عليهما لام التعريف كالمثنى والثلاث والرباع، كذا قاله عبد الله بن محمد البيضاوي (١)، وغيره في تفسير قوله تعالى
стр. 341
في سورة النساء: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣].
وقال أبو حنيفة، رحمه الله تعالى: صلاة الليل أي: التهجد وغيره من النوافل، إن شئت صلَّيْتَ ركعتين، وإن شئت أربعًا، أي: بجلستين وإن شئت صليت ستَّا، وإن شئت ثمانيًا، وإن شئت بتكبيرة واحدة، أي: زيادة على ذلك من أنواع الشفع إلا أن بعد كل ركعتين لا بد من قعدة، وأفضل ذلك أي: جميع ما ذكر من الأعداد أربعًا أربعًا، فينبغي المناسك أن يصلي تارة أربعًا وأخرى ركعتين جمعًا بين الروايات الواردة في ذلك.
فأما الوتر: فقولنا أي: معشر الحنفية كلنا، وقول أبي حنيفة رحمه الله تعالى، وهو إمامنا فيه أي: في حق الوتر واحد، أي: إسلام واحد لا تعدد فيه، كما بينه بقوله: الوترُ، ثلاثُ ركعات لا يُفصَلُ بينهن بتسليم، أي: في قعدة الأولى، وهذا لا ينافي كونهم مختلفين في أن صلاة الوتر واجبة، كما قال أبو حنيفة رحمه الله تعالى، أو سنة كما قال، فسنبين تفصيله في باب الوتر إن شاء الله تعالى.
لما ذكر أحكام صلاة الليل، شرع في ذكر حكم الحدث في الصلاة، فقال: هذا
* * *
باب الحدَثِ في الصلاة
بيان حكم الحدث، أي: عدم الطهارة يعرض للمصلي في الصلاة.
أخذ المصنف: محمد بن الحسن بن فرقد الشيباني - رحمه الله تعالى - في هذه الترجمة لفظ الحديث من مفهوم قول ابن عباس أثر الماء، والمفهوم مشتق من الفهم، وهو تصور المعنى من لفظ المخاطب، كذا عرفه السيد الشريف الجرجاني، وأخذ لفظ الصلاة من قوله: كبر في الصلاة.
١٧١ - أخبرنا مالك، حدثنا إسماعيل بن أبي حكيم، عن عطاء بن يَسَار، أنَّ رسول الله ﷺ كبّر في صلاة من الصَّلوات، ثم أشار إليهم بيده: أن امكثوا،
стр. 342
فانطلق رسول الله ﷺ ثم رجع، وعلى جلده أثر الماء فصلى.
قال محمد: وبهذا نأخُذُ: مَنْ سبقه حدث في صلاته، فلا بأس بأن ينصرف ولا يتكلم، فيتوضأ، ثمّ يبني على ما صلى، وأفضل ذلك: أن يتكلم ويتوضأ، ويستقبل صلاته، وهو قولُ أبي حنيفة.
• أخبرنا مالك، أي: ابن أنس بن عمير بن عامر الأصبحي، من أتباع التابعين، من الطبقة السابعة من أهل المدينة، كما قاله أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي في (طبقاته) (١)، وفي نسخة: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة: محمد أخبرنا، وفي نسخة أخرى: محمد قال: ثنا حدثنا إسماعيل بن الحكيم، القرشي مولاهم المدني ثقة كان في الطبقة السادسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة ثلاثين بعد المائة، وفي نسخة: حكيم بالتنوين، عن عطاء بن يَسَار، وهو تابعي جليل كان من الطبقة الرابعة من أهل البصرة، وكان كثير الرواية لم يرفع رأسه إلى السماء ولم يضحك أربعين سنة، فرفع رأسه مرة ففتق فتقًا في بطنه.
عن بشر بن منصور، قال: كنتُ أوقد بين يديه في غداة باردة فقلت له: أيسرك الساعة لو أنك أمرت أن تلقي نفسك في هذه النار، ولا تبعث إلى الحساب؟ فقال: أي ورب الكعبة، ثم قال: والله ما ذلك لو أمرت بذلك لخشيت أن تخرج نفسه فرحًا قبل أن أصل إليها، وكان إذا فزع من وضوئه ارتعد وانتفض وبكى بكاءً شديدًا، فقيل له: بم تبكي؟ فقال: إني أريد أن أقوم (ق ١٧٠) بين يدي الله تعالى.
وعن مرار قال: انقطاع عطاء قبل موته بثلاثين سنة وما رأيته إلا وعيناه تفيضا، وما كنت أشبهه إلا بثكلى، وكأنه لم يكن من أهل الدنيا، وكانت الفاكهة تمر لا يعلم سعرها ولا يعرفها.
وعن صالح المري قال: كان عطاء لا يكاد يدعو بما يدعو بعض أصحابه ويؤمن، فحبس بعض أصحابه، فقيل له: ألك حاجة، قال: دعوة من عطاء أن يفرج الله عني، قال صالح: فأتيته، فقلتُ: ألا تحب أن يفرج الله عنك، قال: بلى، والله قلت: فإن بنيك
стр. 343
فلان قد حبس فادع الله أن يفرج عنه، فرفع يديه وبكى وقال: يا إلهي قد تعلم حاجتنا قبل أن نسألها منك، فاقضها لنا، فوالله ما برحنا من البيت حتى دخل الرجل، وقلت: ما تشتهي، قال: والله أشتهي أن أكون رمادًا لا يجمع منه سعة لا في الدنيا ولا في الآخرة، فأبكاني والله، وعلمت أنه أراد النجاة من عسر الحساب، وكان يقول: رب ارحم في الدنيا غربتي، وفي القبر وحدتي، وطول مقامي بين يديك.
قال صالح المري: حزنتُ عليه لما مات حزنًا شديدًا، فرأيته في المنام، فقلت: ألستَ في زمرة الموتى؟ قال: بلى، قلت: فماذا صرت إليه؟ قال: صرت والله إلى خيرٍ كثير، ورب غفور شكور، وقلت: أما والله لقد كنتَ طويل الحزن في الدنيا، فتبسم وقال: أما والله لقد أعقبني ذلك راحة طويلة، وفرح دائم، ثم قلت: ففي أي الدرجات؟ قال: ﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ [النساء: ٦٩]، كما قال: أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي في (طبقاته) (١).
عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ كبّر في صلاة من الصَّلوات، ظاهره أنه كبر ودخل في الصلاة، ولا يبعد أن يقدر أراد أن يكبر، ويؤيده أنه لم يستخلف ولا يتصور وقوفهم في الصلاة من غير الإِمام، إلا أن يحمل على أنه مخصوص به ﷺ ، ويؤيد الأول، ثم أشار إليهم بيده: أن امكثوا، بفتح الهمزة وكسر النون وسكون الميم، أي: توقفوا في مكانكم، فانطلق رسول الله ﷺ ، أي: فذهب بسرعة وتوضأ أو اغتسل، ثم رجع وعلى جلده: بشرة أعضائه أثر الماء أي: بلله ولمعانه، فصلى، أي: بنا أو استأنف.
قال محمد: وبهذا أي: ببناء الصلاة، إن عرض للمصلي حدث في صلاته انصرف من غير مكث، ويتوضأ ويبني ما لم يفعل ما يفسد الصلاة، نأخُذُ، أي: نفعل ونفتي، مَنْ سبقه حدث في صلاته، فلا بأس أي: لا كراهة بأن ينصرف من غير توقف، ولا يتكلم، أي: ولا يفعل شيئًا من مفسدات الصلاة إلا ما يحتاج إليه من الضروريات، فيتوضأ، ثمّ يبني على ما صلى، وفيه: أن الحدث لا يدل صريحًا على أنه ﷺ سبقه الحدث، أو يحتمل أنه تذكر حدثًا سابقًا، وأفضل أي: والندب ذلك إذا حدث في الصلاة أن يتكلم ويتوضأ، ويستقبل صلاته، أي: يستأنفها ولا سيما إذا كان في أولها ولا يفوت الجماعة،
стр. 344
وهو قولُ أبي حنيفة، وأشار المصنف بقوله: وأفضل ذلك إلى أنه يكره للمصلي، (ق ١٧١) ويبني على ما صلى.
قال السكاكي صاحب (معراج الدراية على الهداية): ويكره فيمن سبقه حدث في صلاته أن يتوضأ ويبني على ما صلى.
وعند الثلاثة لا يكره، وندب استئنافها، انتهى، كما في (عيون المذاهب).
لما فرغ من بيان أحكام ما يعرض للمصلي في صلاته من الحدث، شرع في بيان فضل القرآن وما يستحب من ذكر الله تعالى، فقال: هذا
* * *
باب فضل القرآن وما يُسْتَحَبُّ من ذكر الله
في بيان فضل، أي: زيادة ثواب قراءة القرآن، وهو في اللغة مصدر بمعنى الجمع، سُمي لأنه مجموع فيه سور وآيات وكلمات وحروف وأحكام، ووعدٌ ووعيدٌ وقصص وأخبار، وفي العرف: هو المنزل على الرسول، المكتوب في المصاحف، المنقول عنه نقلًا متواترًا، كما قاله حافظ الدين أحمد بن محمود النسفي، في (المنار) والمفسرون.
وإضافة فضل إلى القرآن بمعنى اللام، لكن المراد بالقرآن هنا سورة الإِخلاص، وستعرف اختصاصه بها إن شاء الله تعالى، وما، أي: بيان فضل كلام مستحب، أي: ليس المتكلم به من ذكر الله بيان بما هو مما.
وقال رسول الله ﷺ : "من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير في يوم مائة مرة، كانت له عدل مثل ثواب إعتاق عشر رقاب، وكتب له مائة حسنة، ومحيت عنه مائة سيئة، وكانت له حرزًا - أي: حصنًا - من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي، ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به إلا أحدٌ عمل أكثر من ذلك" (١)، رواه مالك في (الموطأ) عن أبي هريرة ﵁.
وفي هذه الترجمة تعليم للطالبين طريق استخراج الأحكام من الآيات والأحاديث
стр. 345
النبوية، حيث أخذ المصنف في هذه الترجمة لفظ فضل من مفهوم قوله ﷺ : "إنها لتعدل ثلث القرآن"؛ لأن في لسان العرب من طريق البلاغة والفصاحة أن إيجاب مدعي النفي بالإِثبات فإن تكرر رجل: يتل هو الله أحد، ادعاء منه عدم زيادة ثواب: قل هو الله أحد، وأجاب ﷺ ورد ادعائه نفى الزيادة وأثبت الفضل والزيادة بقوله: "والذي نفسي بيده إنها لتعدل ثلث القرآن"، وأخذ فيها لفظ القرآن من قوله ﷺ : "ثلث القرآن"، وأخذ لفظ ما يستحب من الحديث الثاني في هذا الباب من قوله: معاذ بن جبل: "أحب إليَّ من أن أحمل"، وأخذ لفظ ذكر الله من قوله: "لأن ذكر الله".
١٧٢ - أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي صَعْصَعَةَ، عن أبيه، أنه أخبره عن أبي سعيد الْخدْرِيّ، أن رجلًا سمع رجلًا من الليل يقرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾: يُرَدّدها، فلما أصبح، حدّث النبي ﷺ ، كأنَّ الرجل يَتَقَالُّها، فقال النبي ﷺ : "والذي نفسي بيده إنَّها لَتْعدِلُ ثُلثَ القرآن".
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة: محمد أخبرنا، وفي نسخة: محمد: أخبرنا، وفي نسخة: محمد: أخبرنا عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي صَعْصَعَةَ، بمهملات مفتوحات الأعين الأولى فهي ساكنة، وهو زيد الأنصاري ثقة مات في خلافة المنصور، عن أبيه، عبد الله بن أبي صعصعة التابعي الثقة.
قال الحافظ ابن حجر: هذا هو المحفوظ، ورواه جماعة عن مالك فقالوا: عن عبد الله بن عبد الرحمن عن أبيه، أخرجه النسائي، والإِسماعيلي، والدارقطني، وقالوا: الصواب هو الأول كما قاله الزرقاني. أنه أي: أباه عبد الله أخبره عبد الرحمن عن أبي سعيد بن مالك بن سنان الْخدْرِيّ، ﵁، (ق ١٧٢) كان من الطبقة الثالثة ممن شهد الخندق وغيرها، واستصغر يوم أحد فرد فخرج يتلقى النبي ﷺ حين يرجع فنظر إليه.
وقال أبو سعيد: قال: قلت: نعم بأبي وأمي قد نوت فقبلت ركبته، فقال: آجرك الله في أبيك، وكان قتل يومئذٍ شهيدًا.
стр. 346
قال: كان لرجل من الأنصار فقال له أهله: ائت النبي ﷺ فاسأله، فأتاه وهو يخطب وهو يقول: "من استعف أعفه الله، ومن استغنى أغناه الله، ومن سألنا فوجدنا أعطيناه"، فذهب ولم يسأله. وقال: أصبحت وليس عندنا طعام وقد ربطت ببطني حجرًا من الجوع، فقالت امرأتي: ائت النبي ﷺ فقد أتاه فلان فسأله فأعطاه، وفلان فسأله فأعطاه، فقلت في نفسي: لا، حتى أجد شيئًا، فأتيته وهو يخطب فأدركت من قوله: "من يستغني يغنه الله، ومن استعف يعفه الله"، فما سألت بعده أحدًا، وما زاد الله ، فرزقنا حتى ما أعلم أهل بيت من الأنصار أكثر أموالًا منا، كما قاله أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي في (طبقاته).
أنه سمع رجلًا، هو قتادة بن النعمان، أخو أبي سعيد لأمه، كما رواه أحمد وغيره، وبه جزم ابن عبد البر، وكانوا متجاورين التنسي عن أبي سعيد أن رجلًا سمع رجلًا فكأنه أبهم نفسه وأخاه، من الليل، أي: فيه أو سندًا منه حال كونه يقرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، أي: سورته حال كونه يُرَدّدها، أي: يكررها ليحصل زيادة ثوابها، فلما أصبح، أي: إذا دخل أبو سعيد في الصباح، ذهب إلى رسول الله ﷺ حدّث أي: أخبر النبي ﷺ ، كأنَّ الرجل يقللها، أي: يعد ثوابها قليلًا؛ لأنه يكرر قراءتها وتوهم أنه كلما يكون قليلًا في الكمية يكون يسيرًا في الكيفية.
وفي رواية ليحيى الليثي عن مالك: يتقالها بتشديد اللام، أي: يعتقد أنها قليلة في العمل، لا في التنصيص.
وللدارقطني من طريق إسحاق بن الطباع عن مالك، فقال أبو سعيد الخدري: إن لي جارًا يقوم بالليل فما يقرأ إلا بقل هو الله أحد، قوله: الرجل منصوب على أنه اسم كان، ويقللها خبرها وفيه تشبيه المعقول بالمحسوس، حيث شبه أبو سعيد الخدري أحوال رجل يقرأ قل هو الله أحد أو يكررها بأحوال رجل تاجر يسعى في كسبه، ولم يربح على طريق تشبيه المركب بالمركب، كما قال: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [العصر: ١ - ٣]، وبأحوال حيوان يحمل نقدًا ولا ينتفع من المحمول، كما قال تعالى حكاية عن بني إسرائيل في سورة الجمعة: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة: ٥].
стр. 347
والمراد بالمثل هنا: غرابة حالهم العجيبة الشأن كحال الحمار، حُمِّلوا التوراة، أي: آسفوا عليها، وقوله: ﴿ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا﴾: أي: لم يعملوا بما فيها، وضع الحمل موضع العمل على طريق المشاكلة، أو لأنهم لم يعملوا بما فيها كأنهم لم يحملوها، قوله: ﴿أَسْفَارًا﴾: جمع سفر بكسر السين، وهو الكتاب ووجه الشبه أمر عقلي منتزع من عدة أمور لوحظ من جانب القارئ بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، ومن جانب الرجل التاجر والحمار، وشبه حاله بأحوالهما من عدم الانتفاع، فاطلب تفصيل هذا المقام في شرح أداة التشبيه من (شرح التلخيص) (ق ١٧٣)، فقال النبي ﷺ : مخاطرةً ودفعًا لما في قلب القارئ: "والذي، أي: أقسم بالله الذي نفسي، أي: روحي بيده، يتصرف بقدرته وإرادته، وإنما قسم تعظيمًا لأمره، وتفخيمًا لقدرته، وإظهارًا للفضل، ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾: إنَّها أي: سورة الإِخلاص لَتْعدِلُ أي: لتساوي في المعنى ثُلثَ القرآن في المبنى، لاشتماله على التوحيد والأحكام والوعد والوعيد، وفي قوله ﷺ : "والذي نفسي بيده إنها لتعدل ثلث القرآن"، مبالغات في تأكيد نفي القارئ، بقل هو الله أحد بزيادة ثوابها، حيث أثبت ﷺ زيادة ثوابها، وأكدها بواو القسم، والجملة الإِسمية، واللام في جواب القسم.
قال ابن عبد البر: في القرآن آيات كثيرة، أكثر مما فيها من التوحيد، كآية الكرسي، وآخر سورة الحشر، ولم يرد فيها ذلك، وأجاب أبو العباس القرطبي: بأنها اشتملت على اسمين من أسماء الله تعالى متضمنًا جميع أوصاف الكمال، لم يوجد في غيرها من السور، وهما الأحد والصمد؛ لأنهما يدلان على أحادية الذات المقدسة، الموصوفة بجميع أوصاف الكمال؛ لأن الأحد يشعر بوجوب الذي لا يشارك فيه غيره، والصمد يشعر بجميع أوصاف الكمال الذي انتهى سؤدده، فكان يرجع مرجع الطلب معه وإليه، ولا يتم ذلك على وجه التحقيق، إلا لمن جاز فضائل الكمال، وذلك لا يصلح إلا الله تعالى، كما قاله الزرقاني (١).
* * *
стр. 348
١٧٣ - أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد، قال: سمعت سعيد بن المسِّيب يقول: قال مُعَاذ بن جَبَل: لأن أذكر الله من بُكرة إلى اللَّيل، أحبُّ إليَّ من أن أحْمِل على جياد الخيل، من بكرة حتى الليل.
قال محمد: ذكر الله حَسَنٌ على كلِّ حال.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، وفي نسخة أخرى: أخبرنا مالك بن أنس بن عمير بن أبي عامر الأصبحي، من أتباع التابعين، ومن الطبقة السابعة من أهل المدينة، أخبرنا يحيى بن سعيد، وفي نسخة: ثنا، أي: ابن سعيد القطان، يكنى أبا سعيد، من أجلاء التابعين، ومن الطبقة السادسة من أهل البصرة، كان يختم كل يوم وليلة بين المغرب والعشاء، وأقام عشرين سنة يختم كل ليلة ولم يفته الزوال في المسجد أربعين سنة، وما روى يطلب الجماعة قطعًا، قيل له في مرضه: يعافيك الله، فقال: من أحب إليَّ أحبه الله. وقال لرجل: اقرأ، فقرأ الدخان، فلما أخذ في القراءة تغير يحيى، فلما بلغ: ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الدخان: ٤٠]، صعق وارتفع صدره من الأرض، وتقدس وانقلب، فأصاب الباب، فقار ظهره وسال الدم، فصرخ النساء، فخرج من عنده، فوقفوا على الباب، حتى أفاق فدخلوا فإذا هو نائم على فراشه، وهو يقول: ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الدخان: ٤٠]، وما زالت به تلك الصرخة.
قال ابن المدني: سنح لي ليلة خالد بن الحارث، فقلت: ما فعل ربك بك؟ قال: غفر لي، إن الأمر لشديد، قلت: ما فعل يحيى بن سعيد؟ قال: تراه كما ترى الكواكب في أفق السماء، كذا قاله أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي في (طبقاته).
قال: سمعت سعيد بن المسِّيب يقول: قال مُعَاذ بضم الميم ابن جَبَل بن عمرو بن أوس، يكنى أبا عبد الرحمن، صحابي جليل القدر، أسلم وهو ابن ثمان عشرة من الطبقة الأولى من طبقات الأصحاب، أردفه رسول الله ﷺ وراءه، وبعثه إلى اليمن بعد غزوة تبوك، وشيعه ماشيًا في خروجه، وهو راكب، وسيجيء (ق ١٧٤) تفصيل صفته وزهده ومرضه ووفاته، إن شاء الله تعالى؛ لأن أذكر الله بفتح اللام والهمزة، أي: والله لذكري
стр. 349
لله من بُكرة بضم الموحدة، أي: أول النهار إلى اللَّيل، إلى آخر النهار، أحبُ إليَّ أي: أفضل عندي، من أن أحْمِل بكسر الميم المخففة، أي: أركب على جياد بكسر الجيم والياء التحتية والألف والدال جمع جواد، وهو السابق من الخيل، أي: الفرس في سبيل الله، كما في الجهاد والحج، من بكرة بضم الموحدة، أي: أول النهار حتى الليل، أي: إلى انتهاء النهار، يعني ذكر الله عندي خير من الجهاد والحج وغيرهما من وجوه البر.
قال محمد بن الحسن الشيباني: ذكر الله أي: ذكر العباد بالطاعة إلى الله تعالى، وذكر الله بعباده بالعون والرحمة والتوفيق، حَسَنٌ على كلَّ حال، كلمة على متعلق إلى ذكر الله، وبمعنى اللام التعليلية كقوله في سورة البقرة: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٥]، أي: هدايته إياكم، كذا قاله ابن هشام في (مغني اللبيب)، يعني ذكر المؤمنين لله لأجل جميع أحوالهم حسن.
لأن الإِنسان لا يخلو من أربعة أحوال؛ إما أن يكون في الطاعة، أو في المعصية، أو في النعمة، أو في الشدة؛ فإن كان في الطاعة ينبغي له أن يذكر الله بالعبادة الخالصة، ويسأله قبولها، والتوفيق إلى اختتامها إلى غيرها، وإن كان في المعصية ينبغي أن يذكر الله بالامتناع منه، ويسأل منه التوبة وقبولها، وإن كان في النعمة أن يذكر الله بالشكر، وإن كان في الشدة ينبغي أن يذكر الله بالصبر على همه.
* * *
١٧٤ - أخبرنا مالك، حدثنا نافع، عن ابن عُمر أنَّ النبي ﷺ قال: "إنَّما مَثَل صاحب القرآن كَمَثَلِ صاحب الإبل المُعْقَلَة. إن عَاهَدَ عليها أمْسَكَهَا وإن أطْلَقَهَا ذهبَتْ".
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة أخرى: محمد قال: أخبرنا، حدثنا نافع، وفي نسخة أخبرنا عن ابن عُمر ﵄ أنَّ النبي ﷺ قال:
стр. 350
"إنَّما مَثَل صاحب القرآن بفتح الميم والثاء المثلثة المفتوحة، واللام، أي: صفة الذي يتلوه ناظرًا إلى المصحف، والذي يتلوه بظهر القلب، ويفهم ما فيه، كَمَثَلِ صاحب الإبل المُعْقَلَة، بتشديد القاف المفتوحة وتخفيفها. والمعنى أن القرآن كالإبل المعقلة، وهي المشددة بالعقال بكسر العين، وهو يعقل أي: يربط رجله من الحبال، إن عَاهَدَ أي: زاع صاحب الإِبل عليها أي: مع حفظها بربطها، على أن كلمة على بمعنى مع، كقوله تعالى في سورة البقرة: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ [البقرة: ١٧٧]، أمْسَكَهَا جواب أن، أي: دام له إمساكها وانتفع بها، وإن أطْلَقَهَا أي: إن حل وثاقها من رجلها وأرسلها صاحبها ذهبَتْ أي: على رأسها، وفات له منافعها، وفيه تشبيه المعقول بالمحسوس، شبه رسول الله ﷺ صاحب القرآن بصاحب الإِبل، فإن صاحب الإِبل إن راعى حقها ومشربها ومباركها وغيرها انتفع منها، وإلا فلا.
قال رسول الله ﷺ : "القرآن شافع مشفع، وما حل مصدق، فمن جعله أمامه قاده إلى الجنة، ومن جعله خلف ظهره ساقه إلى النار". وفي الحديث رد بمذهب الجبرية، من الفرق الضالة؛ فإنهم ذهبوا إلى أنه لا فعل للعبد أصلًا، وإن حركاته بمنزلة الجمادات، لا قدرة للعبد عليها، (ق ١٧٥) ولا قصد ولا اختيار، وهذا باطل، لأنا نفرق بالضرورة بين حركة البطش، وحركة الارتعاش.
ونعلم أن الأول باختياره دون الثاني، وهو إلى الاختيار فعل ما ظهر به الشيء، كذا عرفه سيد الشريف الجرجاني.
ولأنه لو لم يكن للعبد فعل أصلًا لما صح تكليفه، ولا ترتب استحقاقه الثواب والعقاب على أفعاله، كقوله تعالى في سورة السجدة: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٧]، كما قاله سعد الدين التفتازاني في (شرح العقائد لعمر النسفي).
لما فرغ من بيان حكم الذكر المشروع، شرع في بيان حكم الذكر غير المشروع، فقال: هذا
* * *
стр. 351
باب الرجل يُسَلَّم عليه وهو يصلي
بيان ما يعرض بصلاة الرجل، مما يوجب قطع الصلاة، ومما يكره للمصلي أن يفعله فيها، يُسَلَّم عليه، بصيغة المجهول، أي: يسلم إنسان على رجل، وهو أي: والحال أن الرجل يصلي.
أخذ المصنف هذه الترجمة من قوله تعالى في سورة آل عمران: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ﴾ [آل عمران: ٣٩].
ومناسبة بين هذا الباب وذلك الباب مفهوم الملائكة والعدم.
١٧٥ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، أن ابن عمر: مرَّ على رجل يصلي. فسلم عليه، فرد ﵇، فرجع إليه ابن عمر، فقال: إذا سُلِّم على أحدكم وهو يصلي فلا يتكلم؛ ولْيُشر بيده.
قال محمد: وبهذا نأخُذُ، لا ينبغي للمصلي أن يرد السلام إذا سُلِّم عليه، وهو في الصلاة، فإن فعل فسدت صلاته، ولا ينبغي لأحد أن يُسَلم عليه، وهو يصلي وهو قولُ أبي حنيفة.
• أخبرنا مالك، أي: ابن أنس بن عمير بن أبي عامر الأصبحي، من كبار أتباع التابعين، من الطبقة السابعة من أهل المدينة، وفي نسخة: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة أخرى: محمد أخبرنا، وفي نسخة محمد قال: ثنا، أخبرنا نافع، أي: المدني، مولى عبد الله بن عمر، وفي نسخة: عن نافع أن ابن عمر، ﵄، مرَّ على رجل يصلي، أي: ولم يعلم ابن عمر أن الرجل مصلٍ فسلم أي: ابن عمر عليه، أي: على الرجل فرد ﵇، أي: فأجابه بالكلام، فرجع إليه ابن عمر ورد عليه، وأنكر ما فعله، فقال إذا سُلِّمَ بصيغة المجهول، على أحدكم أيها المصلون وهو أي: أحد منكم يصلي فلا يتكلم؛ أي: بغير ذكر الله؛ لأن التكلم بغير كلام الله - تعالى - فيها يوجب قطعها، ولْيُشر بصيغة الأمر الغائب، أي: يلزم أن يشير المصلي منكم لرد السلام، بيده، فإن الإِشارة تقوم مقام
стр. 352
العبارة عند الضرورة، وفي (الظهيرية): ولو سلم إنسان على مصلٍ فأشار إلى رد السلام برأسه أو بيده أو بأصبعه لا يفسد صلاته، وكذا لو طلب من المصلي إنسان شيئًا فأومأ برأسه أو بيده بلا أو نعم لا يفسد صلاته؛ انتهى.
لكن كره للمصلي أن يشير بيده برد السلام بغير عذر، كذا قاله التمرتاشي في (منح الغفار): لا ينبغي فيها، والمكروه ضد المحبوب، وما كان النهي فيه ظنيًا وهي كراهية تحريمه إلا لصادف، وإن لم يكن الدليل نهيًا بلا كان مقيدًا للترك الغير الجازم، فهي تنزيهية، والمكروه تنزيهًا إلى الحل أقرب، والمكروه تحريمًا إلى الحرمة أقرب، وتعاد الصلاة مع كونها صحيحة، كترك واجب وجوبًا، أو تعاد استحبابًا بترك غيره.
قال صاحب (الهداية) في التجنيس كل صلاة أديت مع الكراهة فإنها تعاد على وجه الكراهة، وقوله ﷺ : "لا يصلي بعد صلاة مثلها"، تاويله النهي عن الإِعادة بسبب الوسوسة؛ فلا يتناول الإعادة بسبب الكراهية، كذا نقله الشرنبلالي (ق ١٧٦) في (مراقي الفلاح)، على صدر الإِسلام علي البزدوي.
قال محمد: وبهذا أي: بقول ابن عمر نأخُذُ، أي: نعمل ونُفتي، لا ينبغي أي: يحل للمصلي أن يرد السلام أي: بالكلام إذا سُلِّم بصيغة المجهول عليه، أي: على المصلي، وهو في الصلاة، فإن فعل أي: إن رد المصلي السلام بلسانه فسدت صلاته، ولا ينبغي أي: يكره أن يُسَلم أي: إنسان خارج الصلاة عليه، أي: على المصلي، وهو يصلي، وهو أي: عدم اللايغ بالسلام على المصلي قولُ أبي حنيفة، ﵀.
واعلم أن رد المصلي بالسلام بلسانه عمدًا أو سهوًا، مفسد للصلاة؛ لأنه ليس من الأذكار، والكلام مفسد للصلاة، عمدًا كان أو سهوًا؛ لأن رد السلام ليس من الأذكار؛ بل هو كلام وخطاب، والكلام مفسد مطلقًا، كما ذكره الشمني في (شرح النقابة).
قلت: ظاهر كلام ابن عمر على أن كلام المصلي في صلاته يفسدها، وكلام ذي اليدين وهو: أقصرت الصلاة يا رسول الله، وهو رسول الله ﷺ في الصلاة.
وقال رسول الله ﷺ : "كل ذلك لم يكن"، أي: قصرها، ولا النسيان مني، وقال المأمومون: نعم وقع بعض ذلك، وهذا الكلام يدل على أن كلام المصلي في صلاته لا يفسدها.
стр. 353
كيف يكون التوجيه بين الكلامين؟ قلت: كلام ذي اليدين خطاب خاص للنبي ﷺ ، وجواب خاص له، وذلك لا يبطل الصلاة عندنا.
وفي رواية أبي داود بإسناد صحيح: أن الجماعة أومؤوا برؤوسهم، بأن نعم، فعلى هذه الرواية لم يتكلموا، ولم تفسد صلاتهم.
هذا الحديث موقوف لفظًا، ومرفوع حكمًا، كما روى البخاري في باب: لا يرد السلام في الصلاة، عن عبد الله بن مسعود ﵁.
قال: كنتُ أُسلَّم على النبي ﷺ وهو في الصلاة، فيرد عليَّ، فلما رجعنا سلمتُ عليه فلم يرد عليَّ، وقال: "إنَّ في الصلاة لشغلًا".
لما فرغ من بيان ما يمنع أن يفعله المصلي في صلاته، شرع أن يبين ما يفعله المصلي في صلاته، فقال: هذا
* * *
باب الرجلان يصليان جماعة
بيان ما يفعله الرجلان، أي: اللذان، وحال كونهما يصليان، أي: صلاة نافلة مع جماعة، أي: كيف ينبغي لهما أن يقضي في الصلاة النافلة مع الإِمام.
جعل المصنف - رحمه الله تعالى - هذه الترجمة تلميحًا إلى قول أنس بن مالك، فصففت أنا واليتيم، وراءه ﷺ في الحديث الثالث من هذا الباب.
١٧٦ - أخبرنا مالك، حدثنا الزُّهْرِيّ، عن عُبيد الله بن عبد الله بن عُتبة، عن أبيه، قال: دخلت على عمر بن الخطاب بالهاجرة؛ فوجدته يسبّح، فقمت وراءه فقربني، فجعلني بحذائه عن يمينه، فلما جاء يَرْفَأ تأخرت، فصَفَفْنَا وراءه.
стр. 354
• أخبرنا مالك، أي: ابن أنس بن عمير بن مالك بن عامر الأصبحي، من كبار أتباع التابعين، من الطبقة السابعة من أهل المدينة، وفي نسخة: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة: محمد أخبرنا حدثنا الزُّهْرِيّ، أي: محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، يكنى أبا بكر، من التابعين من الطبقة الرابعة من أهل المدينة، عن عُبيد الله بصيغة التصغير ابن عبد الله بن عُتبة، بضم العين وسكون التاء المثناة، عن أبيه، أي: عبد الله بن عتبة بن مسعود الهذلي، وهو ابن أخي عبد الله بن مسعود، ولد في عهد النبي ﷺ ، ووثقه جماعة، وهو من كبار التابعين، مات بعد السبعين، كذا قاله الزرقاني.
قال: دخلت على عمر بن الخطاب ﵁ بالهاجرة؛ بكسر الجيم، وهو نصف النهار عند زوال الشمس مع الظهر، ومن عند زوالها إلى العصر؛ لأن الناس يسكنون في بيوتهم، كأنهم قد تهاجروا، وقد يطلق على شدة الحر، فالباء فيه للظرفية، كقوله في سورة آل عمران: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ﴾ [آل عمران: ١٢٣]، أي: نجيناكم بسحر، كما قاله ابن هشام في (مغني اللبيب)، فوجدته يسبّح، أي: يصلي سنة الزوال، أو سنة الظهر، أي: فرضه لعذرية عدم الجماعة، لكن أورده يحيى في (جامع سبحة الضحى) فقمت وراءه أي: خلفه فقرَّبني، بتشديد الراء، وفي نسخة: فقلبني بتخفيف اللام، ويلائمه قوله: فجعلني بحذائه بكسر الحاء المهملة، بمقابلته صادرًا عن يمينه، أي: عن جهتها؛ لأنه مقام الواحد، فلما جاء يَرْفَأ بفتح التحتية، وسكون الراء، وفتح الفاء والهمزة، وإبداله، اسم حاجب عمر أدرك الجاهلية، وحج مع عمر في خلافة أبي بكر، وله ذكر في الصحيحين في قصة منازعة العباس وعلي في صدقة رسول الله ﷺ ، تأخرت ليصلي معنا، فصَفَفْنَا فوقفنا كلانا وراءه أي: خلف عمر، فدل هذا الحديث على أن المقتدي إذا كان واحدًا يقف يمين جنب الإِمام، وإذا كان متعددًا يصف خلفه.
قال سعيد بن زيد الباجي - المالكي: رأي مالك حكم الهاجرة حكم صلاة الضحى، والهاجرة وقت الحر، وقد رأى زيد بن أرقم قومًا يصلون من الضحى فقال: لقد علموا أن الصلاة في غير هذا الوقت أفضل، إن رسول الله ﷺ صلاة الأوابين بين حين ترمض الفصال، وفيه جواز الإِمامة في النافلة.
قال مالك وابن حبيب: لا بأس أن تنفل في الخاصة، والنفر القليل نحو الرجلين والثلاثة، من غير أن كثيرًا مشهورًا بالليل والنهار في غير نافلة رمضان.
стр. 355
وقال ابن عبد البر: فيه أن عمر كان يصلي الضحى، وكان ابنه ينكرها، ويقول: الضحى صلاة، كما قاله الزرقاني (١).
* * *
١٧٧ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، أنه قام على يسار ابن عمر في صلاة قال: فجعلني عن يمينه.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، أخبرنا نافع، وفي نسخة: ثنا، وفي نسخة: عن نافع أنه أي: نافع المدني، مولى ابن عمر، قام أي: وحده عن يسار جنب ابن عمر في صلاة اقتدى به فيها، فجعلني أي: أقامني عن يمينه أي: ابتداءً أو حولني بعد ما قصت عن يساره. انتهى.
وفيه التفات من الغيبة إلى التكلم مقتضى أن يقال: فجعله ووجه الالتفات أن يحصل للسامع نشاط للإِصغاء إلى كلام المتكلم؛ لأن جديد لذة، وأما تقييد لفظ جعل بمفعول به، وهو ياء المتعنم فلترتيبه الفائدة؛ لأن الحكم كلما زاد خصوصًا زاد غرابة، وكلما زاد غرابة زاد إفادة، كما يظهر بالنظر إلى قولنا: فلان بن فلان حفظ التورية، هذا خلاصة ما في (شرح التخليص).
* * *
١٧٨ - أخبرنا مالك، حدثنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس بن مالك، أن جدّته دعت رسول الله ﷺ لطعام، فأكل، ثم قال: "قوموا فَلْنصل بكم"، قال أنس: فقمت إلى حَصِير لنا كان قد أسودّ من طول ما لُبِس، فنضحته بماء، فقام عليه رسول الله ﷺ ، قال: فَصَفَفْتُ أنا واليتيم وراءه، والعجوز وراءنا، فصلى بنا ركعتين ثم انصرف.