← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 127713

المهيأ في كشف أسرار الموطأ

عثمان الكماخي

Полный текст (1 812 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

باب الرجل يُسَلَّم عليه وهو يصلي بيان ما يعرض بصلاة الرجل، مما يوجب قطع الصلاة، ومما يكره للمصلي أن يفعله فيها، يُسَلَّم عليه، بصيغة المجهول، أي: يسلم إنسان على رجل، وهو أي: والحال أن الرجل يصلي. أخذ المصنف هذه الترجمة من قوله تعالى في سورة آل عمران: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ﴾ [آل عمران: ٣٩]. ومناسبة بين هذا الباب وذلك الباب مفهوم الملائكة والعدم. ١٧٥ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، أن ابن عمر: مرَّ على رجل يصلي. فسلم عليه، فرد ﵇، فرجع إليه ابن عمر، فقال: إذا سُلِّم على أحدكم وهو يصلي فلا يتكلم؛ ولْيُشر بيده. قال محمد: وبهذا نأخُذُ، لا ينبغي للمصلي أن يرد السلام إذا سُلِّم عليه، وهو في الصلاة، فإن فعل فسدت صلاته، ولا ينبغي لأحد أن يُسَلم عليه، وهو يصلي وهو قولُ أبي حنيفة. • أخبرنا مالك، أي: ابن أنس بن عمير بن أبي عامر الأصبحي، من كبار أتباع التابعين، من الطبقة السابعة من أهل المدينة، وفي نسخة: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة أخرى: محمد أخبرنا، وفي نسخة محمد قال: ثنا، أخبرنا نافع، أي: المدني، مولى عبد الله بن عمر، وفي نسخة: عن نافع أن ابن عمر، ﵄، مرَّ على رجل يصلي، أي: ولم يعلم ابن عمر أن الرجل مصلٍ فسلم أي: ابن عمر عليه، أي: على الرجل فرد ﵇، أي: فأجابه بالكلام، فرجع إليه ابن عمر ورد عليه، وأنكر ما فعله، فقال إذا سُلِّمَ بصيغة المجهول، على أحدكم أيها المصلون وهو أي: أحد منكم يصلي فلا يتكلم؛ أي: بغير ذكر الله؛ لأن التكلم بغير كلام الله - تعالى - فيها يوجب قطعها، ولْيُشر بصيغة الأمر الغائب، أي: يلزم أن يشير المصلي منكم لرد السلام، بيده، فإن الإِشارة تقوم مقام

стр. 352

العبارة عند الضرورة، وفي (الظهيرية): ولو سلم إنسان على مصلٍ فأشار إلى رد السلام برأسه أو بيده أو بأصبعه لا يفسد صلاته، وكذا لو طلب من المصلي إنسان شيئًا فأومأ برأسه أو بيده بلا أو نعم لا يفسد صلاته؛ انتهى. لكن كره للمصلي أن يشير بيده برد السلام بغير عذر، كذا قاله التمرتاشي في (منح الغفار): لا ينبغي فيها، والمكروه ضد المحبوب، وما كان النهي فيه ظنيًا وهي كراهية تحريمه إلا لصادف، وإن لم يكن الدليل نهيًا بلا كان مقيدًا للترك الغير الجازم، فهي تنزيهية، والمكروه تنزيهًا إلى الحل أقرب، والمكروه تحريمًا إلى الحرمة أقرب، وتعاد الصلاة مع كونها صحيحة، كترك واجب وجوبًا، أو تعاد استحبابًا بترك غيره. قال صاحب (الهداية) في التجنيس كل صلاة أديت مع الكراهة فإنها تعاد على وجه الكراهة، وقوله ﷺ : "لا يصلي بعد صلاة مثلها"، تاويله النهي عن الإِعادة بسبب الوسوسة؛ فلا يتناول الإعادة بسبب الكراهية، كذا نقله الشرنبلالي (ق ١٧٦) في (مراقي الفلاح)، على صدر الإِسلام علي البزدوي. قال محمد: وبهذا أي: بقول ابن عمر نأخُذُ، أي: نعمل ونُفتي، لا ينبغي أي: يحل للمصلي أن يرد السلام أي: بالكلام إذا سُلِّم بصيغة المجهول عليه، أي: على المصلي، وهو في الصلاة، فإن فعل أي: إن رد المصلي السلام بلسانه فسدت صلاته، ولا ينبغي أي: يكره أن يُسَلم أي: إنسان خارج الصلاة عليه، أي: على المصلي، وهو يصلي، وهو أي: عدم اللايغ بالسلام على المصلي قولُ أبي حنيفة، ﵀. واعلم أن رد المصلي بالسلام بلسانه عمدًا أو سهوًا، مفسد للصلاة؛ لأنه ليس من الأذكار، والكلام مفسد للصلاة، عمدًا كان أو سهوًا؛ لأن رد السلام ليس من الأذكار؛ بل هو كلام وخطاب، والكلام مفسد مطلقًا، كما ذكره الشمني في (شرح النقابة). قلت: ظاهر كلام ابن عمر على أن كلام المصلي في صلاته يفسدها، وكلام ذي اليدين وهو: أقصرت الصلاة يا رسول الله، وهو رسول الله ﷺ في الصلاة. وقال رسول الله ﷺ : "كل ذلك لم يكن"، أي: قصرها، ولا النسيان مني، وقال المأمومون: نعم وقع بعض ذلك، وهذا الكلام يدل على أن كلام المصلي في صلاته لا يفسدها.

стр. 353

كيف يكون التوجيه بين الكلامين؟ قلت: كلام ذي اليدين خطاب خاص للنبي ﷺ ، وجواب خاص له، وذلك لا يبطل الصلاة عندنا. وفي رواية أبي داود بإسناد صحيح: أن الجماعة أومؤوا برؤوسهم، بأن نعم، فعلى هذه الرواية لم يتكلموا، ولم تفسد صلاتهم. هذا الحديث موقوف لفظًا، ومرفوع حكمًا، كما روى البخاري في باب: لا يرد السلام في الصلاة، عن عبد الله بن مسعود ﵁. قال: كنتُ أُسلَّم على النبي ﷺ وهو في الصلاة، فيرد عليَّ، فلما رجعنا سلمتُ عليه فلم يرد عليَّ، وقال: "إنَّ في الصلاة لشغلًا". لما فرغ من بيان ما يمنع أن يفعله المصلي في صلاته، شرع أن يبين ما يفعله المصلي في صلاته، فقال: هذا * * * باب الرجلان يصليان جماعة بيان ما يفعله الرجلان، أي: اللذان، وحال كونهما يصليان، أي: صلاة نافلة مع جماعة، أي: كيف ينبغي لهما أن يقضي في الصلاة النافلة مع الإِمام. جعل المصنف - رحمه الله تعالى - هذه الترجمة تلميحًا إلى قول أنس بن مالك، فصففت أنا واليتيم، وراءه ﷺ في الحديث الثالث من هذا الباب. ١٧٦ - أخبرنا مالك، حدثنا الزُّهْرِيّ، عن عُبيد الله بن عبد الله بن عُتبة، عن أبيه، قال: دخلت على عمر بن الخطاب بالهاجرة؛ فوجدته يسبّح، فقمت وراءه فقربني، فجعلني بحذائه عن يمينه، فلما جاء يَرْفَأ تأخرت، فصَفَفْنَا وراءه.

стр. 354

• أخبرنا مالك، أي: ابن أنس بن عمير بن مالك بن عامر الأصبحي، من كبار أتباع التابعين، من الطبقة السابعة من أهل المدينة، وفي نسخة: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة: محمد أخبرنا حدثنا الزُّهْرِيّ، أي: محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، يكنى أبا بكر، من التابعين من الطبقة الرابعة من أهل المدينة، عن عُبيد الله بصيغة التصغير ابن عبد الله بن عُتبة، بضم العين وسكون التاء المثناة، عن أبيه، أي: عبد الله بن عتبة بن مسعود الهذلي، وهو ابن أخي عبد الله بن مسعود، ولد في عهد النبي ﷺ ، ووثقه جماعة، وهو من كبار التابعين، مات بعد السبعين، كذا قاله الزرقاني. قال: دخلت على عمر بن الخطاب ﵁ بالهاجرة؛ بكسر الجيم، وهو نصف النهار عند زوال الشمس مع الظهر، ومن عند زوالها إلى العصر؛ لأن الناس يسكنون في بيوتهم، كأنهم قد تهاجروا، وقد يطلق على شدة الحر، فالباء فيه للظرفية، كقوله في سورة آل عمران: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ﴾ [آل عمران: ١٢٣]، أي: نجيناكم بسحر، كما قاله ابن هشام في (مغني اللبيب)، فوجدته يسبّح، أي: يصلي سنة الزوال، أو سنة الظهر، أي: فرضه لعذرية عدم الجماعة، لكن أورده يحيى في (جامع سبحة الضحى) فقمت وراءه أي: خلفه فقرَّبني، بتشديد الراء، وفي نسخة: فقلبني بتخفيف اللام، ويلائمه قوله: فجعلني بحذائه بكسر الحاء المهملة، بمقابلته صادرًا عن يمينه، أي: عن جهتها؛ لأنه مقام الواحد، فلما جاء يَرْفَأ بفتح التحتية، وسكون الراء، وفتح الفاء والهمزة، وإبداله، اسم حاجب عمر أدرك الجاهلية، وحج مع عمر في خلافة أبي بكر، وله ذكر في الصحيحين في قصة منازعة العباس وعلي في صدقة رسول الله ﷺ ، تأخرت ليصلي معنا، فصَفَفْنَا فوقفنا كلانا وراءه أي: خلف عمر، فدل هذا الحديث على أن المقتدي إذا كان واحدًا يقف يمين جنب الإِمام، وإذا كان متعددًا يصف خلفه. قال سعيد بن زيد الباجي - المالكي: رأي مالك حكم الهاجرة حكم صلاة الضحى، والهاجرة وقت الحر، وقد رأى زيد بن أرقم قومًا يصلون من الضحى فقال: لقد علموا أن الصلاة في غير هذا الوقت أفضل، إن رسول الله ﷺ صلاة الأوابين بين حين ترمض الفصال، وفيه جواز الإِمامة في النافلة. قال مالك وابن حبيب: لا بأس أن تنفل في الخاصة، والنفر القليل نحو الرجلين والثلاثة، من غير أن كثيرًا مشهورًا بالليل والنهار في غير نافلة رمضان.

стр. 355

وقال ابن عبد البر: فيه أن عمر كان يصلي الضحى، وكان ابنه ينكرها، ويقول: الضحى صلاة، كما قاله الزرقاني (١). * * * ١٧٧ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، أنه قام على يسار ابن عمر في صلاة قال: فجعلني عن يمينه. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، أخبرنا نافع، وفي نسخة: ثنا، وفي نسخة: عن نافع أنه أي: نافع المدني، مولى ابن عمر، قام أي: وحده عن يسار جنب ابن عمر في صلاة اقتدى به فيها، فجعلني أي: أقامني عن يمينه أي: ابتداءً أو حولني بعد ما قصت عن يساره. انتهى. وفيه التفات من الغيبة إلى التكلم مقتضى أن يقال: فجعله ووجه الالتفات أن يحصل للسامع نشاط للإِصغاء إلى كلام المتكلم؛ لأن جديد لذة، وأما تقييد لفظ جعل بمفعول به، وهو ياء المتعنم فلترتيبه الفائدة؛ لأن الحكم كلما زاد خصوصًا زاد غرابة، وكلما زاد غرابة زاد إفادة، كما يظهر بالنظر إلى قولنا: فلان بن فلان حفظ التورية، هذا خلاصة ما في (شرح التخليص). * * * ١٧٨ - أخبرنا مالك، حدثنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس بن مالك، أن جدّته دعت رسول الله ﷺ لطعام، فأكل، ثم قال: "قوموا فَلْنصل بكم"، قال أنس: فقمت إلى حَصِير لنا كان قد أسودّ من طول ما لُبِس، فنضحته بماء، فقام عليه رسول الله ﷺ ، قال: فَصَفَفْتُ أنا واليتيم وراءه، والعجوز وراءنا، فصلى بنا ركعتين ثم انصرف.

стр. 356

قال محمد: وبهذا نأخذ، إذا صلى الرجل الواحد مع الإِمام قام عن يمين الإِمام، وإذا صلى الاثنان قاما خلفه، وهو قولُ أبي حنيفة. • أخبرنا مالك، وفي نسخة محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، حدثنا إسحاق، وفي نسخة: قال: بنا رمزًا إلى أخبرنا، وفي نسخة أخرى: حدثني بالإِفراد، ابن عبد الله بن أبي طلحة، زوج أم سليم أم أنس بن مالك ﵁، (ق ١٧٨) وهو ابن النضر بن ضمضم، قال: أخذت أمي أم سليم بيدي مقدم رسول الله ﷺ بالمدينة، فأتت بي رسول الله ﷺ فقالت: هذا ابني، وهو غلام كاتب، فخدمته تسع سنين، وفي رواية عشر سنين، فما قال لشيءٍ صنعته قط، أسأت أو بئس ما صنعت (١)، وقالت أمي: يا رسول الله خويدمك أنس، ادع الله له، فقال: "اللهم أكثر ماله، وولده، وأطل عمره، واغفر ذنبه" (٢) قال: فلقد دفنتُ من صلبي مائة، غير اثنين أو اثنين، وإن تمرتي تحمل في السنة مرتين، ولقد بقيت حتى سئمت الحياة، وأنا أرجو الرابعة، وكان كرمه يحمل في كل سنة مرتين، وكان يصلي فيطيل القيام حتى تقطر قدماه دمًا، وشكى له قيم العطش في أرضه، فصلى ركعتين ودعا فثارت سحابة فغشيت أرضه حتى ملأت صهريجه. فقال لغلامه: انظر أين بلغت هذه؛ فنظر فإذا هي لم تعد أرضه. قال أبو غالب: لم أر أحدًا كان أفر بكلامه من أنس، وكان إذا أشفى على ختم القرآن من الليل أبقى منه سورة فيختم عند عياله، وكان إذا ختم جمع ولده وأهل بيته فدعا لهم، وكان من الطبقة الثانية ممن لم يشهد بدرًا، وممن له إسلام قديم، كذا قاله أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي في (طبقاته) (٣). أن جدّته أي: جدة أنس بن مليكة، بضم الميم وفتح اللام وسكون التحتية وفتح الكاف والهاء، جدة أنس من طرف أمه، وجدة إسحاق من جهة أبيه؛ لأن مُليكة أم أم سليم هي أم أنس بن مالك، وأم أبي طلحة، هو أبو إسحاق الراوي، فكانت مليكة

стр. 357

جدة أنس بن مالك، وإسحاق بن أبي طلحة، هذا خلاصة ما قاله الشراح، وجواب لاختلافهم في إرجاء الضمير في حدة، فإن بعضهم أرجعه إلى أنس بن مالك، وبعضهم إلى إسحاق بن أبي طلحة ﵁، دعت رسول الله ﷺ أي: حليلية لطعام، أي: لأجله صنعته، كما في رواية: فأكل أي: فحض وأكل منه، وفي رواية: وأكلت منه ثم دعا بوضوء، فتوضأ ثم قال: "نتوضأ ومر هذا اليتيم فليتوضأ، ومر العجوز فلتتوضأ، ولأصل لكم"، ذكره علي القاري عن السيوطي. ثم قال: أي: رسول الله ﷺ كما في (الموطأ) لمالك، قوموا فَلْنصل بنون العظمة، وفي رواية يحيى الليثي: فلأصلي بكسر اللام وضم الهمزة وفتح الياء وسكونها. قال ابن مالك: وجهه عند فتح الياء لام كي، والفعل بعدها منصوب بأن مضمرة واللام ومصحوبها خبر لمبتدأ محذوف، تقديره فقيامكم لأصلي، ويجوز على مذهب الأخفش أن الفاء زائدة، واللام متعلقة بقوموا، وعلى رواية سكون الياء يحتمل أنها لام كي أيضًا، وسكنت الياء تخفيفًا، أو لام الأمر، وتثبت في الجزم إجراء للمعتل مجرى الصحيح، كقراءة قنبل ﴿مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ﴾ [يوسف: ٩٠]، وروي بحذف الياء، فاللام لام الأمر، وأمر المتكلم نفسه بفعل مقرون باللام، فيصبح قليلًا في الاستعمال، ومنه قوله تعالى في سورة العنكبوت: ﴿وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾ [العنكبوت: ١٢]. وحكى ابن فرقول عن بعض الروايات: فلنصل (ق ١٧٩) بالنون وكسر اللام والجزم، واللام على هذا لام الأمر، وكسرها لغة معروفة، وقيل: إن في رواية فاضل: بحذف اللام، وأخرى: فلأصلي بفتح اللام، مع سكون الياء، على أنها لام ابتداء للتأكيد، أو لام أمر فتحت على لغة بني سلمة، وتثبت الياء في الجزم، إجراء للمعتل مجرى الصحيح كما مر، أو جواب قسم محذوف، وألفًا وجواب شرط محذوف، أي: إن قمتم فوالله لأصلي لكم. قال ابن سيد: وهو غلط؛ لأنه لا وجه للقسم؛ إذ لو أريد القسم لقيد الأصلين. وأنكر الحافظ: وروى الرواية بهذا وبما قبله، بكم، أي: جماعة، وفي (الموطأ) لمالك برواية يحيى الليثي: لكم، أي: لأجلكم. قالط السهيلي: الأمر هنا بمعنى الخبر، وهو كقوله تعالى في سورة مريم: ﴿فَلْيَمْدُدْ لَهُ

стр. 358

الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾ [مريم: ٧٥]، ويحتمل أنه أمر لهم بالاهتمام، ولكن أضاف إلى نفسه، لارتباط فعلهم بفعله. انتهى. وبدأ رسول الله ﷺ في هذه القصة بالطعام قبل الصلاة، وفي قصة عتبان بالصلاة قبل الطعام؛ لأنه بدأ في كل منهما بأصل ما دُعي لأجله، قال أنس: فقمت إلى حَصِير أي: حصيف لنا أي: مستعمل كان قد أسودّ من طول أي: زمان ليس أي: استعمل فيه. قال الرافعي: لأنه يريد فرش ما فرش فلقد لبسته الأرض، وهذا كما أن يستر به الكعبة، والهودج سمي لباسًا لهما، كما ذكره السيوطي (١). ولعل الوجه أن يقال: لأن اللباس قد يستعمل بمعنى الفراش، ومنه قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧]، فنضحته أي: غسلت الحصير غسلًا خفيفًا بماء، أي: ليلين لا لنجاسته، قاله إسماعيل القاضي، وقال غيره: النضح ماتر ماء طهور، لما شاء فيه فتطيب النفس، كما قال: اغسل ما رأيت وانضح ما لم تر. وقال عمر: ثوب المسلم محمول على الطهارة حتى تيقن النجاسة، فالنضح الذي هو الرش، لقطع الوسوسة فيما شك فيه. قال سعيد بن زيد الباجي - المالكي: الظاهر إنما نضح كما خاف أن يناله من النجاسة؛ لأنهم كانوا يلبسونه ومعهم صبي، فنضح، فقام عليه رسول الله ﷺ ، فيه جواز الصلاة على الحصير، وما رواه ابن أبي شيبة وغيره، عن شريح بن هانئ، أنه سأل عائشة ﵂: أكان النبي ﷺ يصلي على الحصير، والله يقول: ﴿وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا﴾ [الإسراء: ٨]، قالت: لم يكن يصلي على الحصير (٢). ففيه يزيد بن المقدام ضعيف، وهذا الخبر شاذ مردود، لمعارضة ما هو أقوى منه كحديث الباب، وبما في البخاري عن عائشة ﵂، أن النبي ﷺ كان له حصير يبسطه، ويصلي عليه (٣).

стр. 359

وفي مسلم عن أبي سعيد: أنه رأى النبي ﷺ يصلي على حصير (١). فَصَفَفْتُ أنا، قوله: واليتيم مرفوع على أنه عطف على ضمير ابن سعد الحميري، زاد الشمني مولى رسول الله ﷺ له ولأبيه صحبة، وراءه أي: خلف النبي ﷺ ، والعجوز وراءنا، (ق ١٨٠) هي: مليكة المذكورة. ومن اللطائف: روى النسفي في (الطيوريات) بسنده: أن أبا طلحة زوج أم أنس قام إليها مرة يضربها فقام أنس ليخلصها، وقال: خل عن العجوز، فقالت: أتقول العجوز؟ عجز الله ركنك، أي: صيرك ضعيفًا بلا قوة. فصلى بنا ركعتين ثم انصرف، أي: إلى بيته، أو من الصلاة، واعترض إدخال هذا الحديث في سبحة الضحى، وليس فيه ما يدل على ذلك. وقد قال أنس: إنه لم ير النبي ﷺ يصلي الضحى إلا مرة واحدة في دار رجل الأنصار الضخم، الذي دعاه ليصلي في بيته، ليتخذ مكانه مصلى (٢) رواه البخاري. وأجاب سعيد بن زيد الباجي: بأن مالك لعله بلغه أن حديث مليكة كان ضحى، واعتقد أنس أن المقصود منها التعليم لا الوقت، فعلم يعتقد صلاة ضحى. وأجاب ابن العربي بأن مالكًا نظر إلى كون الوقت الذي وقعت فيه تلك الصلاة، هو وقت صلاة الضحى، فحمله عليه، وأن أنسًا لم يطلع على أنه ﷺ نوى بتلك الصلاة صلاة الضحى. انتهى. وفي هذا الحديث إجابة الدعوة، لو كان الداعي امرأة، لكن حيث تؤمن الفتنة، والأكل من طعام الدعوة، وصلاة النافلة جماعة في البيوت، وكأنه ﷺ أراد تعليمهم أفعال الصلاة بالمشاهدة، لأجل المرأة؛ لأنها قد يخفى عليها بعض التفاصيل، لبعد موقفها، وفيه تنظيف مكان المصلى وقيام الرجل مع الصبيان صغارًا، وتأخير النساء عن صفوف الرجال، وقيام المرأة صفًا وحدها، إذا لم يكن معها المرأة غيرها، وجواز صلاة المنفرد خلف الصف، وفيه الاقتصار في نافلة النهار على ركعتين، خلافًا لمن اشترط أربعًا،

стр. 360

وصحة صلاة الصبي المميز ووضوءه، كذا قاله الزرقاني (١). قال محمد: وبهذا أي: المذكور في هذا الحديث، نأخذ، أي: نعمل ونُفتي، إذا صلى الرجل، وفي حكمه الصبي الواحد مع الإِمام قام عن يمينه، أي: مساويًا له عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وواضعًا أصابع رجليه إزاء عقب الإِمام عند محمد، وإذا صلى الاثنان قاما خلفه، أي: الإِمام، يعني ندبًا فيهما، وهو أي: المذكور قولُ أبي حنيفة، ﵀، وعن أبي يوسف يقوم الإِمام بين الاثنين. لما روى مسلم عن ابن مسعود، ﵁، أنه صلى بعلقمة والأسود، فقام بينهما. لما فرغ من بيان جواز الصلاة على الحصير ملبوسًا بالأرض، شرع في بيان جواز الصلاة على التراب بغير سجادة، فقال: هذا * * * باب الصلاة في مَرَابِض الغنم بيان جواز الصلاة في مرابض، أي: موضع الغنم، هو جمع مربض بكسر الباء الموحدة كمجلس، وهو الموضع الذي يكون فيه الغنم بالليل، كما في (المصباح). ١٧٩ - أخبرنا مالك، عن محمد بن عمرو بن حلحلة الدُّؤَلي، عن حُميد بن مالك بن الْخَيْثم، عن أبي هريرة، أنه قال: أحْسن إلى غنمك، وأطِبْ مُرَاحَها، وصَلَّ في ناحيتها، فإنها من دواب الجنة. قال محمد: وبهذا نأخذ، لا بأس بالصلاة في مَراح الغنم، وإن كان فيه من أبوالها وبعرها؛ ما أكَلْتَ لحمَه فلا بأس ببوله. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: باب الصلاة في مرايح الغنم، محمد قال: ثنا، رمزًا إلى

стр. 361

حدثنا، وفي نسخة أخرى: محمد: أخبرنا مالك بن أنس بن عمير بن أبي عامر الأصبحي، من أتباع التابعين، من الطبقة السابعة من أهل المدينة، عن محمد بن عمرو بن حلحلة بفتح الحائين المهملتين، وما بينهما لام ساكنة، وبعدهما لام مفتوحة، وهاء بعدها، الدُّؤَلي، بضم المهملة وفتح الهمزة، ويجوز إبداله، المدني، ثقة كان في الطبقة السادسة (١)، عن حُميد بالتصغير ابن مالك بن (ق ١٨١) الْخَيْثم، بفتح الخاء المعجمة، وسكون التحتية، ففتح المثلثة مصغرًا ويقال: مالك جده واسم أبيه عبد الله، ثقة، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين (٢). عن أبي هريرة، ﵁، أنه قال: أحْسن أي: حميد بن مالك بن الخيثم إلى غنمك، أي: فإن الله يحب المحسنين، وأطِبْ أي: خلص عن المؤذيات مُرَاحَها بضم الميم، أي: الموضح الذي يجتمع فيه الغنم في آخر النهار، كذا ذكره السيوطي (٣)، وصَلِّ في ناحيتها، أي: في طرف تلك البقعة، وهو أمر إباحة، أي: يجوز لك أن تصلي في ناحية منها، وإن كانت الغنم موجودة فيها، لعدم تنفرها وكمال أنسها؛ ولأن أصحاب الغنم كانوا ينظفون المرابض، فأبيحت الصلاة فيها لذلك. وأما معاطن الإِبل فلا تصلى الصلاة فيها؛ لأن أصحاب الإِبل يتغوطون ويبولون في المعاطن، وإن كان المكان طاهرًا فيجوز فيه الصلاة. وإليه ذهب أبو حنيفة رحمه الله تعالى كما قاله ابن الملك، في (شرح المصابيح)، فإنها من دواب الجنة، هذا الحديث موقوفًا ظاهرًا ومرفوع حكمًا، لما روى أبو هريرة من طريق آخر أن رسول الله: ﷺ قال: "صلوا في مرابض الغنم، ولا تصلوا في معاطن الإبل" (٤)، رواه الترمذي. ومفهوم الحديث: أن لا يُصلى في معاطن الإِبل ونحوها؛ لتمردها الموجب

стр. 362

لتشويش قلب المصلي عندنا، وروى ابن عدي والبيهقي عن أبي هريرة، ﵁ مرفوعًا: صلوا في مراح الغنم، وامسحوا رغامها؛ فإنها من دواب الجنة (١). والرغام، بضم الراء المهملة، والغين المعجمة، ما يسيل من أنفها. قال محمد: أي: المصنف ابن الحسن بن فرقد الشيباني، الكوفي من أتباع التابعين، من الطبقة السابعة من الطبقات الحنفية، وهو ابن ثمان وخمسين سنة، مات في اليوم الذي مات في الكسائي وقال الرشيد في حقه: دفن الفقه والعربية في الري، وبهذا أي: بحديث أبي هريرة نأخذ، أي: نعمل ونُفتي، لا بأس لا فساد بالصلاة تُصلى في مَراح أي: في موضع طاهر من مرابض الغنم، وإن كان أي: ولو وجد فيه أي: في جانب واحد من أبوالها وبعرها؛ أنث الضمير باعتبار جنسه، وما أكل على بناء المجهول، لحمها، أي: من غيرها كالإِبل والبقرة، وفي نسخة: ما أكَلْتَ على صيغة الخطاب، والظاهر أن من تعرف الكاتب فلا بأس ببوله، وفي نسخة: ما أكل لحمه فلا بأس ببولها، وما موصولة مبتدأ، وأكل صفته ولحمها نائب الفاعل، لأكل فلا بأس خبر المبتدأ، وفيه: أنه لا دلالة في الأحاديث السابقة على أن يصلى فوق بولها أو بعرها من غير سجادة ونحوها، بل قول أبي هريرة: صل في ناحية، يأتي عن هذا المعنى، وأيضًا فلا يحصل الفرق حينئذٍ بين مرابض الغنم ومعاطن الإِبل. والشارع ﷺ فرَّق بينهما، وفضَّل (ق ١٨٢) فيهما، وقالوا: صلوا في مرابض الغنم، ولا تصلوا في أعطان الإِبل، وأما طهارة بول مأكول اللحم ودونه فيومئذٍ من دليل آخر، محمد خلافًا لأبي حنيفة، وأبي يوسف؛ فإنه نجس نجاسة خفيفة عنهما، ولذا لم يقل هنا، وهو قول أبي حنيفة؛ إلا أنه يجوز عند محمد: شرب بول ما يؤكل لحمه للتداوي وغيره، ويجوز عند أبي يوسف للتداوي؛ لحديث العرنيين، ولا يجوز عند أبي حنيفة مطلقًا، ولعله يحمل الحديث على التخصيص، أو وجد ما يدل على نسخه، والله أعلم. لما فرغ من بيان جواز الصلاة في مرابض الغنم، شرع في بيان عدم جواز الصلاة في الأوقات الثلاثة، فقال: هذا * * *

стр. 363

باب الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها بيان أسرار النهي في الأوقات الثلاثة عن الصلاة عند - أي: حين - طلوع الشمس وعند غروبها، والمناسبة بين هذا الباب وبين السابق ظرف الزمان والمكان، ويجوز في عين عند ثلاث حركات، كما في (القاموس)، وكسرها أكثر من ضمها وفتحها؛ فإنهم اسم المكان الحضور وظرف لا مصدر أو لزمانه، نحو الصبر عند الصدمة الأولى، وجئتك عند طلوع الشمس، ومعناه القرب كما قال تعالى في سورة النجم: ﴿عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (١٤) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى﴾ [النجم: ١٤، ١٥]، فساغ أن تتصرف الأسماء وتعرف، كما قاله ابن الهمام فإضافتها إلى طلوع الشمس من قبيل إضافة المحل إلى الحال، فإن قيل: لم قيد المصنف الصلاة بقيد؟ أجيب: إشعارًا بأن الصلاة التي نهى المؤمنون عنها ليست جميع الصلوات، بل هي الصلاة حين طلوع الشمس وعند زوالها، وعند غروبها، وإنما كرر كلمة "عند" لتأكيد النهي حكمًا. قال الشيخ الإِمام العالم العامل الزاهد الفقيه أبو الليث نصر بن محمد السمرقندي في (خزانة الفقه): ثلاث أوقات لا يجوز فيها شيء من الصلاة، ولا سجدة تلاوة: حين تنزع الشمس حتى تبيض، وحين تنصب في كبد السماء، أي: وسطها حتى تزول، وحين تصفر الشمس للغيبوبة حتى تغرب، وحين تنصب إلا عصر يومه، انتهى. ١٨٠ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ قال: "لا يتحرى أحدُكم فيصلي عند طلوع الشمس ولا عند غروبها". • أخبرنا مالك، وفي نسخة: بنا، وفي نسخة أخرى: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا أخبرنا نافع أي: مولى عبد الله بن عمر، المدني، وفي نسخة: "عن" موضع "أخبرنا"، عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ قال: "لا يتحرى أي: لا يطلب ولايقصد أحدُكم قوله: لا يتحرى بصيغة النفي، وفي نسخة: لا يتحر بصيغة النهي.

стр. 364

قال السيوطي: هكذا وقع بلفظ الخبر. قال السهيلي: يجوز الخبر عن مستقر أمر الشرع، أي: لا يكون إلا هذا. قال العراقي: يحتمل أن يكون نهيًا أو إثبات الألف إشباع، لكن نسخة النفي، كما رواه التنيسي، أقوى من نسخة النهي؛ لأن حكم النفي هو عبارة عن الإِخبار بترك الفعل، كذا قاله السيد الجرجاني، وقد يقع الخبر موضع الإِنشاء لحمل الخطاب على مطلوب المتكلم بأن يكون المخاطب ممن لا يحب أن يكذب الطالب، أي: أن ينسب إلى الكذب، كقولك لصاحبك الذي لا يجب تكذيب: لا تقوم عندي، وهو (ق ١٨٣) أدنى من قولك له: لا تقم عندي فكذلك قوله ﷺ : "لا يتحرى" بصيغة الخبر أحرى من رواية لا يتحر بصيغة الإِنشاء؛ فإن مطلوبه ﷺ أن لا يقصد أحد في هذه الأوقات الثلاثة الصلاة، هذا خلاصة مفهوم ما قاله السعد الدين التفتازاني في قبيل (الفصل والوصل) من (شرح التلخيص). فيصلي بالنصب في جواب النفي، أو النهي، والمراد نفي التحري والصلاة معًا. وقال ابن خروف: يجوز الجزم على العطف، أي: لا يتحر ولا يصل، والرفع على القطع، أي: لا يتحرى، ولا يقصد فهو يصلي، فالجامع بين الجملتين التضاد، وهو أن لا يتحرى، أي: لا يصلي الصلاة. وفي رواية القضبي: فحينئذٍ يتحرى أن يصلي، ومعناه لا يتحرى الصلاة، يعني لا يقصدها عند الوقتين، فحينئذٍ يكون الفاء زائدة، يعني: دخولها في الكلام كخروجها، كما نقله ابن هشام عن سيبويه. عند طلوع الشمس ولا عند غروبها، في هذين الوقتين، والمنع من تأخير الفرض إليه ذكره السيوطي (١)، وأراد به أنه لا يجوز أداء الفرض فيها، وعندنا لا يجوز صلاة ولا سجدة تلاوة تليت قبل ذلك الوقت، وصلاة جائزة حضرت، كذلك عند طلوع الشمس وعند غروبها، إلا عصر يومه، لما روى الجماعة إلا البخاري (٢)، من حديث عقبة بن

стр. 365

عامر الجهني: ثلاث ساعات كان رسول الله ﷺ نهانا أن نصلي فيهن، ونقبر فيهن موتانا: حين طلوع الشمس بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل، وحين تضيف للغروب حتى تغرب. ومعنى تضيف: تميل، وهو بالتاء المثناة الفوقية، والضاد المعجمة المفتوحتين، والمثناة التحتية المشددة، وأصله تتضيف حذف منه إحدى التاءين، قال الترمذي: قبر الموتى هنا محمول على الصلاة. وكذلك روي عن ابن المبارك، وروى ابن دقيق العيد في (الإِمام) عن عقبة بن عامر، قال: نهانا رسول الله ﷺ أن نصلي على موتانا عند ثلاثة أوقات: عند طلوع الشمس، وعند استوائها في وسط السماء، وعند غروبها. فإن قيل: روى الجماعة (١) عن أبي هريرة ﵁، أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة"، أجيب بأن التعارض لما وقع بين هذا الحديث وبين النهي عن الصلاة في الأوقات الثلاثة، رجعنا إلى القياس كما هو حكم التعارض، فرجحنا حكم هذا الحديث في صلاة العصر، وحكم النهي في صلاة الفجر، وما عكسنا؛ لأن سبب الصلاة جزء من وقتها ملاق لأدائها، وآخر وقت وهو وقت التغير ناقص؛ لأنه وقت كراهة، فإذا شرع فيه فقد وجبت ناقصة، فلا تفسد بطرق الغروب الذي هو وقت الفساد، للملائمة بينهما في النقصان. وأما الفجر فإن جميع وقتها كامل، فإذا شرع فيها فقد وجبت كاملة فتفسد بطرق الطلوع، الذي هو وقت الفساد لعدم الملائمة بينهما. * * * ١٨١ - أخبرنا مالك، أخبرنا زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن عبد الله

стр. 366

الصُنَابِحي أن رسول الله ﷺ قال: "إن الشمس تطلع ومعها قرن الشيطان، فإذا ارتفعت فارقها، ثم إذا استوت قارنها، فإذا زالت فارقها، ثم إذا دنت للغروب قارنها، فإذا غربت فارقها"، قال: ونهى رسول الله ﷺ عن الصلاة بتلك الساعات. • أخبرنا مالك، أي: ابن أنس بن عمير بن أبي عامر الأصبحي، من كبار (ق ١٨٤) أتباع التابعين، من الطبقة السابعة من أهل المدينة، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، وفي نسخة: محمد أخبرنا، وفي نسخة أخرى: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، أخبرنا زيد بن أسلم، وفي نسخة: "عن" موضع "أخبرنا" عن عطاء بن يسار، تابعي جليل القدر، كان من الطبقة الرابعة من أهل البصرة، وكان كثير الرواية لم يرفع رأسه إلى السماء، ولم يضحك أربعين سنة، فرفع رأسه مرة ففتق في بطنه، وقد مر منقبته في باب بيان حكم الحدث في الصلاة، عن عبد الله الصُنَابِحي بضم الصاد المهملة بعدها نون وألف فموحدة مكسورة، فحاء مهملة نسبة إلى صنابح، بطن من مراد، هكذا قال جمهور الرواة عن مالك، عبد الله بلا أداة كنية، صحابي، كما حققه الزرقاني في شرح (الموطأ) لمالك، أن رسول الله ﷺ قال: "إن الشمس تطلع بفتح اللام، ومعها قرن الشيطان. قال الخطابي: قيل: معناه: مقارنة الشيطان عند دنوها للطلوع والغروب، والمراد به الجن - كما سيأتي - من أن له قرنين يطلعان معها، فإذا ارتفعت أي: الشمس قدر رمح، على ما قيل زايلها, بالزاي والألف والياء التحتية واللام، أي: فارق الشيطان عن الشمس، كما قال صاحب (القاموس). ومنه ﴿فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ﴾ [يونس: ٢٨]، وزايله، ومن الله وزيالًا: فارقه، والتزايل: التباين. انتهى. وقيل: من قرنه قوته، من قولك: أنا مقارن لهذا الأمر، أي: مطيق له قويٌ عليه، وذلك أن الشيطان إنما يقوى أمره في هذه الأوقات؛ لأنه يسول لعبدة الشمس أن يسجدوا لها، في هذه الأوقات. وقيل: قرنه، حزبه وأصحابه؛ الذين يعبدون الشمس. وقيل: إن الشيطان يقابلها عند طلوع الشمس، وينتصب دونها حتى يكون بين

стр. 367

قرنيه، وهما جانبا رأسه، فينقلب سجود الكفار للشمس عبادة له، ثم إذا استوت أي: الشمس في كبد السماء، أي: وسطها قارنها بالنون، ثم إذا زالت أي: مالت، وفي نسخة: فإذا بالفاء، موضع، ثم فارقها، بالقاف، ثم إذا دنت أي: قربت للغروب قارنها بنون تليها هاء، فإذا غربت فارقها"، قال: أي: الراوي عبد الله الصنابحي: ونهى رسول الله ﷺ عن الصلاة بتلك الساعات، أي: الثلاث فهي تحريم في الطرفين، وكراهة في الوسط عند الجمهور في النافلة لا الفريضة. وقالت طائفة من السلف: بالإِجابة مطلقًا؛ وإن أحاديث النهي منسوخة، وبه قال داود وابن حزم، وغيرهما من الظاهرية، وحُكي عن طائفة المنع مطلقًا في جميع الصلاة. وصح عن أبي بكر وكعب بن عجزة منع صلاة الفرض في هذه الأوقات. وقال الشافعي: يجوز في الفرائض، وما له سبب من النوافل. وقال أبو حنيفة ﵀: يحرم الجميع سوى عصر يومه، ويحرم المنذورة أيضًا. وقال مالك وأحمد: النوافل دون الفرائض، كذا قاله الزرقاني. أخرج ابن عساكر (١) عن ابن عباس، ﵄، قال: والذي نفسي بيده، ما طلعت الشمس - قط - حتى ينخسها - أي: يطردها - سبعون ألف ملك، فيقولون لها: اطلعي، فتقول: لا أطلع على قوم يعبدوني من دون الله، فيأتيها ملك فتشعل لضياء بني آدم، فيأتيها شيطان يريد أن يصدها من الطلوع فتطلع بين قرنيه فيحرقه الله تعالى تحتها، وذلك قول رسول الله ﷺ : "ما طلعت إلا بين قرني الشيطان، وما غربت الشمس قط إلا خرت لله سجادًا، فيأتيها يريد أن يصدها عن السجود، فتغرب بين قرنيه، فيحرقه الله تعالى تحتها"، وقد قال رسول الله ﷺ : "ولا غربت إلا بين قرني الشيطان"، كما قاله جلال الدين عبد الرحمن السيوطي الشافعي (٢) في (الهيئة السنية). * * *

стр. 368

١٨٢ - أخبرنا مالك، أخبرني عبد الله بن دينار، قال: كان عبد الله بن عمر يقول: كان عمر بن الخطاب يقول: لا تَحَروا بصلاتكم طلوعَ الشمس ولا غروبها فإن الشيطان يطلع قرناه مع طلوعها، ويغربان مع غروبها، قال: وكان يضرب الناس على تلك الصلاة. قال محمد: وبهذا كله نأخذ، ويوم الجمعة وغيره عندنا في ذلك سواء، وهو قولُ أبي حنيفة. • أخبرنا مالك، أي: ابن أنس بن عمير بن أبي عامر الأصبحي، من كبار أتباع التابعين، من الطبقة السابعة من أهل المدينة، وفي نسخة: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة: محمد: أخبرنا، قال: أخبرني وحدي عبد الله بن دينار العدوي، مولاهم، أبو عبد الرحمن المدني، مولى ابن عمر، تابعي ثقة، في الطبقة الرابعة، مات سنة سبع وعشرين ومائة بعد الهجرة، كما قاله صاحب (التقريب) (١). قال: كان عمر بن الخطاب ﵁ يقول: هكذا رواه موقوفًا، ومثله لا يقال رأيًا، فحكمه الرفع، وقد رفعه ابنه عبد الله، أخرجه البخاري ومسلم (٢) من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، قال: حدثني ابن عمر، ﵁، أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تَحَروا بفتح التاء والحاء المهملة، وتشديد الراء، أي: لا تقصدوا بصلاتكم بالموحدة، أي: عند طلوعَ الشمس ولا غروبها فإن الشيطان يطلع قرناه، أي: جانبا رأسه مع طلوعها، ويغربان مع غروبها، هذا على طريق المشاكلة، كما قال الله تعالى في سورة النساء: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٢]. المشاكلة: هي ذكر الشيء بلفظ غيره، لوقوع ذلك الشيء في صحبة ذلك الغير، كما قاله الخطيب الدمشقي في (تلخيص المفتاح)، فالمراد بقرينه أولاد إبليس، وبطلوعهما انتشارهم في وجه الأرض، وبغروبها اجتماعهم عتد أبيهم؛ فإنه إذا طلعت الشمس ينتشر

стр. 369

أولاده في وجه الأرض، ويفسدون فيها، واذا غربت يجتمعون عند آبائهم، فيسألهم أبوهم: ما فعلتم اليوم بابن آدم، فيقول بعضهم: ألقيت فيهم السرقة، فيقول له إبليس: هذا ليس بشيء، ويقول بعضهم: ألقيت فيهم المقاتلة، فيقول: هذا، ويقول بعض أولاده: ألقيتُ فيهم الزنا، فيقول: لا بأس به، ويقول بعضهم: ألقيت كذبًا، فيقول له إبليس: هذا عمل عندي ليس فوقه عمل، فيقربه إلى نفسه، فَيُقَبِّلُه بين عينيه، ويمسح رأسه، ويقول: أنا راضٍ عنك، وكان أي: عمر يضرب الناس أي: يدفعهم بتأديبه على أي: لأجل تلك الصلاة. وفي رواية "عن" موضع "على"، وهي للتعليل كاللام، كما قال - تعالى - في سورة البقرة: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٥]، أي: لهدايته إياكم، وكان الظاهر أن يقال: عن أو على كل تقدير، فيدل على أن النهي للتحريم، ولا يبعد أن يكون المراد من تلك الصلاة المنهية قبل (ق ١٨٦) الغروب، ويقويه قول أنس بن مالك حين سأل عن التطوع بعد العصر: كان عمر يضرب الأيدي عن صلاة بعد العصر؛ لحديث رواه مسلم عن ابن عباس ﵄، لتضارب الناس مع عمر. قال محمد: وبهذا كله نأخذ، أي: نعمل بعموم ما ذكر من الأحاديث وإطلاقها، ويوم الجمعة وغيرها وكذا مكة وغيرها، عندنا أي: معشر الحنفية في ذلك أي: في النهي عن الصلاة في هذه الأوقات الثلاثة؛ إلا عصر يومه سواء، أي: مستوٍ، وهو قولُ أبي حنيفة، رحمه الله تعالى، أي: خلافًا للشافعي، حيث استثنى يوم الجمعة في وقت الاستواء، لما رواه الشافعي عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ نهى عن الصلاة نصف النهار حتى تزول الشمس إلا يوم الجمعة، وبه قال أبو يوسف، واستثنى الشافعي أيضًا حرم مكة في مطلق الأوقات، لحديث جبير بن مطعم مرفوعًا: "يا بني عبد مناف لا تمنعوا أحدًا طاف بهذا البيت، وصلى أية ساعة شاء من ليل أو نهار" (١). الجواب عنها مقرر في محله لا نطول هذا بذكره، كما قاله علي القاري.

стр. 370

لما فرغ من بيان أسرار النهي عن الصلاة في الأوقات الثلاثة، شرع في بيان النهي عن الصلاة في شدة الحر، فقال: هذا * * * باب الصلاة في شدة الحر بيان تأخير الصلاة، أي: صلاة الظهر والألف واللام للعهد، في وقت شدة الحر، وجه المناسبة ما بين هذا الباب والباب السابق نهي عن الصلاة، واستنبط المصنف - رحمه الله تعالى - هذه الترجمة من قوله ﷺ : "فإن شدة الحر من فيح جهنم" (١). ١٨٣ - أخبرنا مالك، أخبرني عبد الله بن يزيد مولى الأسود بن سفيان عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، وعن محمد بن عبد الرحمن بن ثَوْبَان، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: "إذا كان الحر فأبردوا عن الصلاة، فإن شدة الحرِّ من فَيْحِ جهنم"، وذكر أن النار اشْتكت إلى ربها، فأذِن لها في كل عام بَنفَسَيْن، نفس في الشتاء ونفس في الصيف. قال محمد: وبهذا نأخذ، نُبْرِدُ بصلاة الظهر في الصيف، ونصلي في الشتاء حين تزول الشمس، وهو قولُ أبي حنيفة. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة: محمد أخبرنا، أخبرني، وفي نسخة: قال: أخبرني عبد الله بن يزيد بالياء التحتية المفتوحة، والزاي المعجمة، والياء التحتية الساكنة، والدال المهملة المفتوحة، غير منصرف للعلمية ووزن الفعل، المخزومي، المدني، المقبري، الأعور، ثقة كان في الطبقة السادسة من طبقات التابعين، مات سنة ثمان وأربعين ومائة، مولى الأسود بن سفيان بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، القرشي، المخزومي، ابن أخي أبي سلمة

стр. 371

ابن عبد الأسد زوج أم سلمة. ذكره ابن عبد البر، وقال: في صحبته نظر، وأشار في (الإِصابة) إلى ترجيح أنه صحابي، عن أبي سلمة إسماعيل أو عبد الله، أو اسمه كنيته ابن عبد الرحمن، أي: ابن عوف الزهري، وعن بالواو، إيماءً عن تحويل السند لتقوية الحكم، والمعنى ابن يزيد روى عن أبي سلمة، وعن: محمد بن عبد الرحمن بن ثَوْبَان، بلفظ تثنية ثوب العامري، عامر قرشي، المدني من أواسط التابعين، عن أبي هريرة، ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا كان الحر أي: اشتد الحر، أصله: اشتد على وزن افتعل من الشدة، ثم أدغمت إحدى الدالين في الأخرى، فأبردوا بقطع الهمزة وكسر الواو المهملة، أي: أخروا إلى أن تبرد الوقت، يقال: أبرد إذا دخل في البرد، وأظهر إذا دخل في الظهيرة، عن الصلاة، أي: بصلاة الظهر، لما جاء في رواية، وعن تأتي بمعنى الباء، كرميت البهم عن القوس، أي: به، قال القاضي عياض: وبه جزم النووي. وقال القاضي عياض: "أو" زائدة، أي: أبردوا الصلاة، يقال: أبرد الرجل أي: إذا فعله في برد النهار أو للمجاوزة، (ق ١٨٧) أي: تجاوزوا عن وقتها المعتاد إلى أن تنكسر شدة الحر، وقال الخطابي: أي: فأخِّروا عن الصلاة مبردين، أي: داخلين في وقت الإِبراد، فإن شدة الحرِّ تعليل لمشروعية الإِبراد من فَيْحِ جهنم"، بفتح الفاء، وإسكان الياء التحتية، وحاء مهملة - أي: غليانها - أو انتشار شررها وتنفسها، وجهنم اسم أعجمي عند أكثر النجاة، وقيل: عربي ولم ينصرف، للتأنيث والعلمية، سميت بذلك لبعد قعرها، كما في (المحكم). وحكمة رفع المشقة؛ لأنها قد تسلب الخشوع المقصود فيها، وهذا أظهر، وقيل: لأنها الساعة التي ينتشر فيها العذاب؛ لقوله ﷺ في حديث عمرو بن عبسة عند مسلم: "أقصر عن الصلاة عند استواء الشمس؛ فإنها ساعة تسجر فيها جهنم" (١). واستشكل بأن الصلاة مظنة الرحمة، ففعلها مظنة طرد العذاب، فكيف أمر بتركها؟ وأجيب بأن التعليل: إذا جاء من الشارع وجب قبوله، وإن لم يفهم معناه. واستنبط له ابن المنير معنى مناسبًا؛ فقال: وقت ظهور أثر العذاب والغضب لا يمنع

стр. 372

فيه الطلب إلا من أذن له فيه، والصلاة لا تنفك عن كونها طلبًا ودعاء، فناسب الافتقار. واستدل بحديث الشفاعة؛ حيث اعتذر الأنبياء كلهم للأمم، بأن الله غضب غضبًا لم يغضب مثله، ولا يغضب بعده مثله، سوى نبينا ﷺ ، فلم يعتذر بل طلب؛ لأنه أذن له في ذلك. ويمكن أن يقال: تسجر جهنم، أي: تحمى بسبب فيحها، وفيحها سبب وجود الحر، وهو مظنة المشقة؛ التي هي مظنة سلب الخشوع، فناسب أن لا يصلي فيها، لكن يرد عليه أن سجرها في جميع السنة، والإِيراد مختص بشدة الحر، فهما متغايران، فحكم الإِيراد دفع المشقة، وحكم الترك وقت سجرها، لكونه وقت ظهور أثر الغضب، قال الحافظ: واستدراكه مبني على مذهبه من الاختصاص، أما على مذهب مالك من ندب الإِبراد في جميع السنة، ويزداد لشدة الحر قد استدرك. وذكر أي: النبي ﷺ ، فهو بالإِسناد المذكور، وهم من جعله موقوفًا على أبي هريرة، أو معلقًا وقد أفرده أحمد في (مسنده)، ومسلم من طرق أخرى عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ ، ذكر أن النار اشْتكت إلى ربها ، بلسان المقال - كما رجحه - فحول الرجال ابن عبد البر، فقالت: يا رب أكل بعضي بعضًا، وقيل: شكواها بلسان الحال، أو تكلم خازنها، أو من شاء الله عنها، قال ابن عبد البر: لكلا القولين وجه ونظائر، ولا رجح حمله على الحقيقة، أنطقها الله الذي أنطق كل شيء. ورجح البيضاوي المجاز فقال: شكواها مجاز عن غليانها، وأكل بعضها بعضًا مجاز عن ازدحام أجزائها، فأذِن لها في كل عام بَنفَسَيْن، بفتحات وسكون الياء والنون بعدها تثنية نَفَس، وهو ما يخرج من الجوف، ويدخل فيه من الهواء، فشبه الخارج من حرارتها، وبردها إلى الدنيا بالنفس الخارج من جوف الحيوان، نفس في الشتاء ونفس في الصيف، هما بالجر على البدل، أو البيان، ويجوز الرفع بتقدير أحدهما. وقال الزين بن المنير: المختار الحقيقة (ق ١٨٨) في اشتكائها داخل بعضها ببعض، والنفس لصلاحية القدرة لذلك؛ ولأن استعارة الكلام المحال لكن الشكوى وتغييرها والتعلل له بالإِذن والقبول والنفس وقصره على الاثنين فقط بعيد عن المجاز، خارج عما ألف من استعماله، كما قاله الزرقاني.

стр. 373

قال محمد: وبهذا أي: وبهذا الحديث نأخذ، أي: نعمل لغيرنا من الفقهاء، نُبْرِدُ بصيغة التكلم مع غيره، من الإِبراد والتبريد، أي: نؤخر بصلاة الظهر في الصيف، ونصلي أي: الظهر في الشتاء أي: استحبابًا فيهما حين تزول الشمس، أي: تميل عن وسط السماء في أول وقته بناءً على المسارعة إلى العبادة، دليل على كمال الطاعة، وهو أي: الإِبراد بصلاة الظهر في الصيف، وأن نصلي صلاة الظهر في الشتاء حين تميل الشمس عن وسط السماء قولُ أبي حنيفة، ﵀. وروى البخاري (١) من حديث خالد بن دينار، قال: صلى بنا أميرنا الجمعة، ثم قال لأنس: كيف كان رسول الله ﷺ يصلي الظهر؟ قال: كان النبي ﷺ إذا اشتد البرد بكرَّ بالصلاة، أي: صلاة الظهر، في أول وقتها في الشتاء، وإذا اشتد الحر أبردها، أخرها قليلًا ثم يصليها. لما فرغ من بيان تأخير الصلاة في وقت شدة الحر، شرع في بيان أحوال الرجل، من نسيان الصلاة، أو تفويت الصلاة به، فقال: هذا * * * باب الرجل ينسى الصلاة أو يفوته وقتها في بيان أحوال الرجل ينسى الصلاة، أي: يغفل الرجل عنها، كما قال السيد الشريف الجرجاني: النسيان هو الغفلة عن معلوم. انتهى. أو تفوته، أي: تفوت الصلاة ذلك الرجل عن وقتها، كلمة "أو" للتخيير، وفي نسخة: أو يفوته وقتها، وهو مرفوع على أنه فاعل، يفوت. والمناسبة بين هذا الباب والباب السابق تأخير الصلاة. واستنبط المؤلف - رحمه الله تعالى - من هذه الترجمة في هذا الباب من قوله ﷺ : "مَنْ نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها" (٢).

стр. 374

١٨٤ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب الزهري، عن سعيد بن المسَّيب، أن رسول الله ﷺ حين قَفَل من خَيْبَر، أسْرَى، حتى إذا كان من آخر الليل عَرّس، وقال لبلال: اكلأْ لنا الصبحَ، ونام رسول الله ﷺ وأصحابُه، فكلأ بلال ما قُدِّرَ له، ثم استند إلى راحلته وهو مقابل الفجر، فغلبتْه عيناه، فلم يستيقظ رسول الله ﷺ ولا بلال ولا أحد من الركب حتى ضربتهم الشمس، ففزع رسول الله ﷺ ، فقال: "يا بلال، ما هذا؟ " فقال بلال: يا رسول الله أخذ بنفسي الذي أخذ بنفسك، قال: "اقتادوا"، فبعثوا رواحلهم فاقتادوها شيئًا، ثم أمر رسول الله ﷺ بلالًا، فأقام الصلاة فصلى بهم الصبح، ثم قال حين قضى الصلاة: "من نسى صلاة أو نام عنها فليصلِّها إذا ذكرها"، فإن الله قال: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤]. قال محمد: وبهذا نأخذ، إلا أن يذكرها في الساعات التي نهى رسول الله ﷺ عن الصلاة فيها: حين تطلع الشمس حتى ترتفع وتَبْيَضّ، ونصفَ النهار حتى يزول، وحين تحمرّ الشمس حتى تغيب، إلا عصرَ يومه، فإنه يصليها، وإن احمرَّت الشمس قبل أن تغيب، وهو قولُ أبي حنيفة. • أخبرنا مالك، أي: ابن أنس بن عمير بن أبي عامر الأصبحي، من أتباع التابعين، من الطبقة السابعة من أهل المدينة، وفي نسخة: بنا، رمزًا إلى أخبرنا، وفي نسخة أخرى: محمد أخبرنا، وفي نسخة أخرى: ثنا رمزًا إلى حدثنا، أخبرنا ابن شهاب، وفي نسخة: أخبره بالإِفراد، وفي نسخة أخرى: قال: أخبرني ابن شهاب، أي: الزهري، وهو محمد بن مسلم بن مالك الزهري، يُكنى أبا بكر، تابعي من الطبقة الرابعة من أهل المدينة، عن لسعيد بن المسَّيب، أي: ابن حزن بن أبي وهب بن عمرو بن عامر بن عمران بن مخزوم القرشي، المخزومي، من كبار التابعين، من الطبقة الأولى من أهل المدينة، وقد مرَّ منقبته

стр. 375

تفصيل في باب الصلاة في الثوب الواحد، أن رسول الله ﷺ . قال السيوطي: هذا حديث مرسل، وصله مسلم وغيره من طريق بن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، كذا قاله علي القاري، وقال الزرقاني: في رواية الإِرسال لا تضر من وصله، أي رفعه. والمرسل: هو الذي يروي التابعي عن النبي ﷺ ، مع ترك صحابي، وذلك عند أبي حنيفة وأحمد، وأكثر العلماء حجة إلا عند الشافعي. والمرفوع: ما أضيف إلى النبي ﷺ ، خاصة من قول أو فعل أو تقرير، مثال المرفوع من القول صريحًا أن يقول الصحابي: سمعتُ رسول الله ﷺ (ق ١٨٩) بكذا. والمرفوع من الفعل صريحًا أن يقول الصحابي: رأيت رسول الله ﷺ فعل كذا، ويفعل كذا، ومثال المرفوع من التقريرات: يقول الصحابي: فعلتُ بحضرة النبي ﷺ كذا أو هو أو غيره فعل فلان بحضرة النبي ﷺ كذا، أو يقول فلان بحضرة النبي ﷺ كذا كما قاله أحمد بن علي العسقلاني الشهير بابن حجر في (نخبة الفكر). ص قَفَل أي: رجع من القفول، بضم القاف والفاء وسكون الواو واللام، الرجوع من السفر، قفل كنصر وضرب، قفولًا رجع فهو قافل، كما في (القاموس)، من غزوة خَيْبَر، بخاء معجمة مفتوحة، وياء تحتية ساكنة، والباء الموحدة المفتوحة، والراء في آخره على وزن ديلم، اسم بلدة قريبة من المدينة، ممنوع من الصرف للتأنيث والعلمية، والمراد من خيبر هي وما اتصل بها من فتح وادي القرى؛ لأن القوم كان حين قرب من المدينة أسْرَى، أي: سار ليلًا، أي: ذهب فيه، سار وأسري بمعنى لكن في أسرى مبالغة لزيادة مبنى، وفي رواية أبي مصعب: أسرع، وفي مسلم: أسرى ليلة، وقيل: الهمزة للتعدية، ومفعوله محذوف، تقديره: أسرى رسول الله ﷺ بأصحابه، وفي رواية مسلم تفصيل، وهو أن ليلة نصب على الظرف الإِسراء، فلا حاجة لذكره معه؛ لأن السرى الإِسراء لا يكون إلا ليلًا، فيلزم تجريد الإِسراء عن معنى السير في الليل، ويستعمل في مطلق السير، فيكون ليله بيانًا أن الإِسراء كان في الليل، أو أجيب بأن ذكر ليله لدفع توهم أن الإِسراء كان في جميع الليالي، بل كان في ليلة واحدة، وهي ليلة أسري فيه، حين رجع من غزوة خيبر إلى المدينة المنورة، وفي رواية لأحمد من حديث ذي مخبر، وكان رسول الله ﷺ يفعل الإِسراع: لقلة الزاد.

стр. 376

فقال قائل: يا نبي الله، انقطع الناس، وراءك فحبس وحبس الناس معه حتى تكاملوا إليه، فقال: "هل لكم أن تهجعوا هجعة! " فنزل، فنزلوا، والهجوع: النوم ليلًا، كذا في (القاموس) حتى إذا كان من آخر الليل. وللطبراني عن ابن عمر: حتى إذا كان مع السحر، وكان الناس بين النوم واليقظة، عَرّس، بفتح العين المهملة وفتح الراء المشددة، من التعريس، وهو نزول المسافر آخر الليل للنوم والاستراحة، وقال أي: رسول الله ﷺ لبلال، أي: ابن رباح، المؤذن، هو ابن حمامة، وهي أمه مولى أبي بكر الصديق، من السابقين الأولين، وشهد بدرًا والمشاهد، مات بالشام، سنة سبع عشرة أو ثمان عشرة، وقيل: سنة عشرين، وله بضع وستون سنة: اكلأْ بكسر الهمزة، والكاف الساكنة، وفتح اللام، وسكون الهمزة، أي: احفظ وراقب لنا الصبحَ، أي: وقته، بحيث إِذا طلع الفجر توقظنا ولا ترقد، ومنه قوله تعالى في سورة الأنبياء: (ق ١٩٠) ﴿قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [الأنبياء: ٤٢]، أي: يحفظ، والمصدر كلاءة بالفتح والمد. فنام رسول الله ﷺ وأصحابُه، أي: أكثرهم ممن معه، فكلأ أي: راقب بلال وفي مسلم: فصلى بلال ما قُدِّرَ له، بالبناء للمفعول من التقدير، أي: ما قدره الله له من الأوقات، وكتبه في اللوح المحفوظ، بمقدار قدره في الأزل، وأظهره في عالم الكون، ثم استند أي: بلال إلى راحلته أي: لإِدراك بعض راحلته، وهو أي: والحال أن بلال مقابل بصيغة اسم الفاعل، أى: متوجه إلى جانب مطلع الفجر، فغلبتْه عيناه، أي: فنام وغفل عما ابتلاه الله تعالى، فلم يستيقظ رسول الله ﷺ ، أي: لم ينتبه هو ولا بلال ولا أحد من الركب أي: من جماعة الصحب، وفي مسلم: ولا أحد من أصحابه، حتى ضربتهم الشمس، أي: طلعت عليهم وأدركوا حره لديهم، وهذا لا ينافي خبر "إن عيني تنام ولا ينام قلبي"؛ لأن القلب إنما يدرك الحسيات المتعلقة به، كالحديث والألم، ولم يدرك نحو طلوع الشمس، مما يتعلق بالعين، وإنما يدرك ذلك بالعين، والعين نائمة، وإن كان القلب يقظان، كذا قاله النووي. وقال الحافظ ابن حجر (١): لا يقال القلب، وإن كان لا يدرك المرئيات، يدرك إذا كان يقظان مرور الوقت الطويل؛ لأنا نقول: قلبه ﷺ كان إذ ذاك مستغرقًا بالوحي،

стр. 377

ولا يلزم فيه وصفه بالنوم، كما كان يستغرق حاله اتقاء الوحي، ويكون الحكمة في ذلك بيان الشيء بالفعل؛ فإنه أوقع في النفس كما في قصة السهو في اليقظة. وقال ابن المنذر: إن القلب قد يحصل له السهو في اليقظة؛ لمصلحة الشرع، ففي النوم أولى، ذكره السيوطي (١)، ففزع رسول الله ﷺ ، بكسر الزاي، انتبه وقام كأنه من الفزع الذي بمعنى الخوف؛ فإن المنتبه، لا يخلو من فزع ذلك؛ للتأسف على ما فاتهم من وقت الصلاة، وفيه أنه لم يكن ذلك من عادته منذ بعث، ذكره السيوطي. فقال: أي: رسول الله ﷺ : "يا بلال، ما هذا؟ " أي: كيف هذا الحال؟ ونومك بهذا المنوال؟ فقال بلال: لضيق الحال: يا رسول الله أخذ بنفسي أي: غلبها الذي أخذ بنفسك، أي: والله غالب على أمره، وعامل وفق قضائه وقدره، والمعنى: استولى بقدرته عليَّ، كما استولى عليك، مع علو منزلتك، أو المراد أن النوم غلبني كما غلبك. وقال ابن عبد البر: قبض نفسي الذي قبض بنفسك؛ فالباء زائدة، أي: توفاها متوفي نفسك على النفس، والروح واحدة، ويؤيده خبر أن الله قبض أرواحنا، ومنه قوله تعالى في سورة الزمر: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ [الزمر: ٤٢]، كما قاله علي القاري. أقول وبالله التوفيق: المراد بها هنا جوهر نورانية يتعلق جميع بدن الحيوان ظاهره وباطنه، فيحس به المحسوسات، وإذا انقطع تعلقه عن ظاهر البدن نام فلا يحسها، وإذا انقطع عنه وباطنه جميعًا مات، كما قال السيد الشريف الجرجاني: هو الجوهر: النجاري، اللطيف، الحامل لقوة الحياة والحس، والحركة الإِرادية، وسماها الحكيم: الروح الحيوانية، فهي جوهر مشرق للبدن، فعند الموت ينقطع ضوءه عن (ق ١٩١) ظاهر البدن وباطنه، فيثبت أن النوم والموت من جنس واحد؛ لأن الموت هو الانقطاع الكلي، والنوم هو الانقطاع الناقص، فثبت أن لقاء والحكيم دبر تعلو جوهر النفس بالندب على ثلاثة أضرب: الأول: بلغ ضوء النفس على جميع أجزاء البدن وظاهره وباطنه، فهو اليقظة، وانقطع ضوؤها عن ظاهره دون باطنه فهو النوم، أو بالكلية فهو الموت، انتهى.

стр. 378

قال: أي: النبي ﷺ : "اقتادوا"، بكسر الهمزة، وسكون القاف، والتاء الفوقية والألف، وبضم الدال، أمر من الاقتياد ومزيد للقود، وهو الجر من قدم الدابة ضد السوق، ومنه القائد مقدم الحزم، والمعنى ارتحلوا من هذا المحل؛ فإنه أوقعنا في الوجل، أي: الخوف، زاد مسلم: فإن هذا حضر لاقيه الشيطان. قال ابن الملك في (شرح المشارق): فإن قلت: كيف حضرهم الشيطان وفوات الواجب لم يكن بتقصير منهم؟ قلت: يمكن حضوره ثابتًا وقت النوم لعدم احتياطهم فيه، وإن لم يكن ثابتًا وقت القوت، وفيه ندب الاجتناب عن موضع الفعل القبيح، انتهى. ولا يخفى قبح عدم الاحتياط إلى النبي ﷺ وأصحابه الكرام، مع أمر بلال لمحافظة الوقت في ذلك المقام، فالصواب في ذلك: الجواب: أن الشيطان حضر بلالًا ونومه بما غير له حالًا، وإنما لم ينسبه بلال إلى الشيطان، كما قال فتى موسى: ﴿وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ﴾ [الكهف: ٦٣]، نظرًا إلى الفاعل الحقيقي، كما هو شأن أرباب الجمع، وأصحاب الكمال، والنبي ﷺ لما كان في مكان جمع الجمع نسبة إلى السبب، مراعاة للأدب مع الرب، وإعطاء كل ذي حق حقه، في استيفاء المطلب، وفيه استحباب الاجتناب عن موضع وقع فيه شيء من أسباب الاحتجاج، فبعثوا أي: أقاموا رواحلهم أي: دوابهم، فاقتادوها بفتح الفاء وسكون القاف، والتاء الفوقية والألف وضم الدال، ماضٍ عطف على بعثوا، أي: أخذ بزمام دوابهم، وجروا بها شيئًا، أي: زمانًا قليلًا، أو اقتيادًا يسيرًا. وفي حديث عمران: فسار غير بعيد، ثم نزل، وهذا يدل على أن هذا الارتحال وقع على خلاف أمرهم المعتاد. وفي مسلم: ثم توضأ ﷺ ، زاد ابن إسحاق: وتوضأ الناس، ثم أمر رسول الله ﷺ بلالًا، فأقام الصلاة، ولأحمد: فأمر بلالًا, فأذن ثم قام النبي ﷺ فصلى ركعتين قبل الصبح، أي: قبل فرض الفجر، ثم أمره، فأقام الصلاة، فصلى بهم الصبح، أي: فرضه. زاد الطبراني (١) من حديث عمران: قلنا: يا رسول الله، أنعيدها من الغد لوقتها؟ قال: "نهانا الله عن الربا ويقبله منا؟ "، ثم قال أي: النبي ﷺ حين قضى الصلاة: "من

стр. 379

نسى صلاة، زاد العقبي: أو نام عنها فليصلِّها إذا ذكرها"، زاد الشيخان: لا كفارة لها إلا ذلك، فإن الله يقول: هكذا رواه يحيى؛ أيضًا، ولمسلم: فإن الله تعالى قال في سورة طه: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ طه: ١٤]، واللام بمعنى الوقت، وإضافة المصدر إلى المفعول، أي: وقت ذكرك لصلاتي. قال مجاهد: أقم الصلاة لتذكرني، فيها اللام للتعليل، ولا يخفى أن الذكر بالكسر جاء في اللغة بمعنى الذكر بالضم، هو التذكر، فيتحد القراءتان، وتتوافق الروايتان، وفي رواية زيد بن أسلم ﵁، أنه قال مرسلًا برواة (الموطأ) اتفاقًا لمالك: عرس رسول الله ﷺ ليلة بطريق، وَوَكَّل بلالًا أن يوقظهم للصلاة، فرقد بلال ورقدوا حتى استيقظوا، وقد طلعت الشمس، فاستيقظ القوم، وقد فزعوا، أي: والحال استيقظوا متأسفين لفوت وقت صلاة الفجر، فأمرهم رسول الله ﷺ أن يركبوا حتى يخرجوا من ذلك الوادي. وقال: "إن هذا واد به الشيطان"، فركبوا حتى خرجوا من الوادي، ثم أمرهم رسول الله ﷺ أن ينزلوا ويتوضؤوا، وأمر بلالًا ينادي بالصلاة، ويقيم، فصلى رسول الله ﷺ بالناس، ثم انصرف إليهم وقد رأى من فزعهم، فقال: "يا أيها الناس، إن الله قبض أرواحنا حين شاء، ثم ردها إلينا في حين غير هذا؛ فإن رقد أحدكم عن صلاة أو نسيها، ثم فزع إليها فليصلها كما كان يصلي لوقتها". ثم التفت رسول الله ﷺ إلى أبي بكر ﵁ فقال: "إن الشيطان أتى بلالًا وهو قائم يصلي، فاضطجعه، ثم لم يزل يهدئه كما يهدئ الصبي حتى قام"، ثم دعا رسول الله ﷺ بلالًا فأخبر بلال رسول الله ﷺ مثل الذي أخبر رسول الله ﷺ أبا بكر، فقال أبو بكر: أشهد أنك رسول الله، كما في (الموطأ) لمالك. قال محمد: وبهذا نأخذ، أي: نفتي الفائتة إذا ذكرناها، إلا أن يذكرها، لكن الناسي بها لا يصليها إذ ذكرها في الساعات أي: في جنسها الصادق بالساعة التي نهى رسول الله ﷺ عن الصلاة فيها، نهي تحريم هنا بينها بقوله: حين تطلع الشمس حتى ترتفع وتبيض، ونصفَ النهار بالنصب، أي: في انتصافه، وهو وقت استوائها، حتى تزول أي: تميل الشمس عن كبد السماء، وحين تحمرّ الشمس، أي: حين شرعت في الغروب، حتى تغيب، أي: بكمالها إلا عصرَ يومه، استثناء مفرغ، والمعنى أنه ﷺ بنى جميع أنواع

стр. 380

الصلوات من النوافل والنذور، وقضاء الفرائض وأدائها، إلا أداء صلاة العصر، فإنه أي: المصلي بصلاة العصر يصليها، وإن وصلية احمرَّت الشمس أي: شرعت في الغروب، قبل أن تغرب، بضم الراء، وفي نسخة: تغيب، أي: لو وقع بعض أجزاءها بعد الغروب، بخلاف صلاة الفجر، فإنه إذا طلعت الشمس وهو في الصلاة، ولم يسلم بطلت صلاة الفجر، وهو أي: القول بجواز صلاة العصر حين احمرت الشمس قبل الغروب، ولو وقع بعض أجزائها بعد الغروب، قولُ أبي حنيفة، ﵀، نعمان بن ثابت، بن هاوس، بن هرمز، بن ملك، بن شيبان، من الطبقة السادسة من الحنفية. * * * ١٨٥ - أخبرنا مالك، أخبرنا زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، وعن بُسْر بن سعيد، وعن الأعرج، يحدثونه عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: "من أدرك من الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس فقد أدركها، ومن أدرك من العصر ركعة قبل غروب الشمس فقد أدركها". • أخبرنا مالك، وفي نسخة: قال محمد: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة (ق ١٩٣) أخرى: ثنا أخبرنا زيد بن أسلم، وفي نسخة: عن زيد بن أسلم؛ العدوي، مولى أبي عبد الله، وأبي أسامة الفقيه، ثقة، عالم، وكان مرسلًا، وهو من الطبقة الوسطى من التابعين، كانت له حلقة في المسجد النبوي. قال أبو حازم: لقد رأيت في حلقة زيد بن أسلم أربعين حبرًا، فقيهًا، أوتي خصلة من خصالهم التواشي بما في أيديهم، فيما يرى متحاربان ولا متنازعان في حديث لا ينفعهما قط، وكان عالمًا، يتغير القرآن له في كتاب. وكان يقول: ابن آدم، اتق الله يحبَّك الناس، وإن كرهوا. مات في ذي الحجة سنة ست وثلاثين ومائة، وله في (الموطأ) واحد وخمسون حديثًا مرفوعًا.

стр. 381

عن عطاء بن يسار، بتحتية وفتح سين مهملة، ضد اليمين؛ الهلالي أبي محمد المدني، مولى ميمونة، كان من الطبقة الرابعة، من أهل البصرة، ثقة، تابعي فاضل، كثير الحديث، صاحب مواعظ وعبادة، مات سنة أربع وتسعين أو تسع وتسعين، وثلاث أو أربع ومائة بالأسكندرية، في ما قيل، وعن بُسْر بضم الموحدة وإسكان السين المهملة، آخره راء، ابن سعيد، المدني، العابد، ثقة حافظ، كان في الطبقة الثانية من طبقات التابعين، مات سنة مائة، وعن الأعرج، عبد الرحمن بن هرمز، المدني، ثقة ثبت عالم، المدني، مولى ربيعة بن الحارث، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة سبع عشرة ومائة، كرر المصنف تحويل السند مرتين، مبالغة في تقوية حكم الحديث، فقال كلاهما في (الموطأ) لمالك: يحدثونه أي: يخبرون زيد بن أسلم، عن أبي هريرة، ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من أدرك أي: وصل وبلغ من صلاة الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس فقد أدركها، أي: وصل ثواب صلاة الصبح، باعتبار نية لا باعتبار عمله. وقد أخرج الدارقطني من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: "إذا صلى أحدكم ركعة من صلاة الصبح ثم طلعت الشمس فليصل إليها ركعة أخرى"، والحديث نصّ في عدم فساد فرض الفجر، وبه عمل الشافعي وغيره. وأما عندنا: من صلى ركعة من صلاة الفجر، وطلعت الشمس قبل السلام، بطلت. ويلزم عليه أن يقضيها بعد ارتفاع الشمس برمح أو رمحين، مع سنتها بأذان وإقامة، ولنا حديث عقبة بن عامر الجهني المقدم عن النهي في الأوقات الثلاثة؛ فإنه يفيد بطريق الاستدلال الفساد بعد طلوع الشمس، وإذا تعارضا قدم النهي فيجعل حمل ما روى على ما قبل النهي عن الصلاة في الأوقات المكروهة، كما قال محمد بن عبد الله التمرتاشي في (منح الغفار) في باب سبق الإِمام حدث. ومن أدرك أي: من وصل ركعة من صلاة العصر ركعة قبل غروب الشمس فقد أدركها، أي: صلاة العصر بكمالها أداءً وثوابًا. لما فرغ من بيان كيفية قضاء صلاة الفجر، شرع في بيان أداء الصلاة في البيوت؛ لأجل المشقة، فقال: هذا * * *

стр. 382

باب الصلاة في الليلة المطيرة وفضل الجماعة بيان أحكام الصلاة التي يصليها الرجل في بيته؛ لأجل المشقة في الليلة الممطرة بصيغة اسم الفاعل من باب الأفعال، وفي نسخة: المطرة، أي: في ليلة ذي مشقة. اقتبس (ق ١٩٤) المصنف - رحمه الله تعالى - في هذه الترجمة الليلة الممطرة من قوله في سورة النمل: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا﴾ [النمل: ٥٨]، أي: أرسلنا على قوم لوط ﵇ مطر الحجارة، يقال: مطر في الرحمة، وأمطر في العذاب. وفي (القاموس): أمطرهم الله لا يقال إلا في العذاب، ويوم ممطر وماطر ومطر ككتف ذو مطر، ومكان ممطور ومطير. انتهى. وهو، أي: الاقتباس المفهوم من قولنا: اقتبس في اللغة الأخذ يقال: اقتبسها أخذها، كذا في (القاموس)، وفي اصطلاح أهل البديع، وهو أن يضمن الكل شيئًا من القرآن والحديث. كذا قاله محمد بن عبد الرحمن، خطيب دمشقي في (تلخيص المفتاح)، وعطف قوله، وفضل الجماعة على قوله: "الصلاة"، واقتبسه من قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣]، والجامع بين هذا الباب والباب السابق التضاد، وهو قضاء الصلاة وأدائها. ١٨٦ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن ابن عمر، أنه نادى بالصلاة في سفر، في ليلة ذات بردٍ وريح، ثم قال: ألَا صلُّوا في الرِّحال، ثم قال: إن رسول الله ﷺ كان يأمر المؤذن إذا كانت ليلة باردة ذات مطر يقول: "ألا صلّوا في الرحال". قال محمد: وهذا حسن، وهو رُخْصَة، والصلاة في الجماعة أفضل. • أخبرنا مالك، أي: ابن أنس بن عمير بن أبي عامر الأصبحي، من أتباع التابعين، من الطبقة السابعة من أهل المدينة، وفي نسخة: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة أخرى:

стр. 383

محمد قال: ثنا، وفي نسخة: محمد: أخبرنا، أخبرنا نافع، المدني، مولى عبد الله بن عمر، تابعي، وفي نسخة: "عن" موضع "أخبرنا"، عن ابن عمر, ﵄، أنه نادى أي: دعا الناس بالصلاة الباء بمعنى الإِلصاق، وهو الإِيصال، وهو حقيقي، نحو أمسكتُ بزيد إذا قبضت على شيء من جسمه من يد أو ثوب ونحوهما، ومجازي نحو: مررت بزيد، أي: ألصقت مروري بمكان يقرب من زيد، وهو المراد هنا. فالمعنى: دعا ابن عمر الناس بمكان تصلى فيه الصلاة، كما قاله ابن هشام في (مغني اللبيب)، في سفر في ليلة ذات بردٍ وريح، وكان ابن عمر مسافرًا، فأذن بمحل يقال له: ضجنان، بفتح الضاد المعجمة وسكون الجيم، ونونين بينهما ألف بزنة فعلان غير منصرف. قال في (الفائق): جبل بينه وبين مكة خمس وعشرون ميلًا. وقال البخاري من طريق عبيد الله بن عمر، قال: حدثني نافع، قال: أذن ابن عمر في ليلة باردة بضجنان. كذا قاله الزرقاني، ثم قال: بفتح المثلثة والميم المشددة، اسم إشارة إلى المكان البعيد، كقوله تعالى في سورة الإِنسان: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا﴾ [الإنسان: ٢٠]، وثم ظرف لا ينصرف، كذا قاله ابن هشام، والتعبير بثم إشعار، بأن عبد الله بن عمر قال عقب النداء بلا مهلة، ويؤيده الفاء في (الموطأ) لمالك، حيث قال: ألَا أخره صلُّوا في الرِّحال، بفتح الهمزة، وتخفيف اللام، حرف العرض والتحضيض، ومعناهما طلب الشيء، ولكن العرض طلب بلين، والتحضيض طلب بحث، وتختص إلا هذه بالفعلية، كما قال في سورة النور: ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [النور: ٢٢]، والرحال بكسر الراء والحاء المهملة، والألف واللام، جمع الرحل، وهو المسكن والمنزل، فالمعنى: صلوا في منازلكم، تأخر عن المجيء كيلا يصبكم المشقة، وهذا الأمر استحبابي لا حكمي، ثم قال: أي: ابن عمر: إن رسول الله ﷺ كان يأمر المؤذن إذا كانت ليلة باردة ذات مطر، أي: ماء سحاب أو مشقة، يقول: "ألا صلّوا في الرحال"، يعني: يأمر ﷺ المؤذن بأن يقول للناس: صلوا في منازلكم (ق ١٩٥). قال محمد: وهذا أي: ما رواه ابن عمر حسن، وهي أي: الصلاة في الرحال عند المشقة رُخْصَة، والصلاة في الجماعة أفضل، وكلمة "في" للمصاحبة، نحو: ﴿ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ﴾ [الأعراف: ٣٨]، أي: معهم. * * *

стр. 384

١٨٧ - أخبرنا مالك، أخبرنا أبو النَّضْر، عن بُسْر بن سعيد، عن زيد بن ثابت، قال: إن أفضل صَلَاتِكم في بيوتكم إلا صلاة الجماعة. قال محمد: وبهذا نأخذ وكل حسن. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، قال: حدثنا أبو النَّضْر، بفتح النون وسكون الضاد المعجمة، اسمه سالم بن أبي أمية، مولى عمر بن عبيد الله بن معمر القرشي التيمي المدني، روى عنه: مالك والثوري، وابن عيينة، كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين، من أهل المدينة، كذا قاله الطيبي في (زيل شرح المشكاة والمصابيح)، وابن حجر في (تقريب التهذيب) (١)، عن بُسْر بضم الموحدة وإسكان السين المهملة آخره راء، ابن سعيد، المدني العابد، ثقة حافظ، من التابعين، عن زيد بن ثابت، بن الضحاك بن لوزان، الأنصاري البخاري، يكنى أبا سعيد، أو أبا خارجة، صحابي مشهور، كتب الوحي. قال مسروق: كان من الراسخين في العلم، مات سنة خمس أو ثمان وأربعين، وقيل: بعد الخمسين. قال: إن أفضل صَلَاتِكم في بيوتكم إلا صلاة الجماعة، أي: لكن الصلاة مع الجماعة أزيد ثوابًا على صلاة الرجل وحده بسبع وعشرين درجة. قال ابن عبد البر: كذا هو موقوف على زيد في جميع الموطآت، وهو مرفوع عنه من وجوه صحاح, ذكره السيوطي. قال محمد: وبهذا أي: بهذا الحديث نأخذ أي: نعمل ونفتي وكل أي: من الرخصة والعزيمة حسن، أي: مستحسن شرعًا، فقد ورد أن الله يحب أن يؤتى رخصه، كما يؤتى عزائمه، كما قاله علي القاري. وقال الشرنبلالي: يسقط حضور الجماعة بواحد من ثمانية عشر سببًا: الأول: مطر، والثاني: برد شديد، والثالث: خوف ظالم، والرابع: ظلمة شديدة في الصحيح،

стр. 385

والخامس: خوف حبس معسرًا أو مظلومًا، والسادس: عمى، والسابع: فلج، والثامن: قطع يد ورجل من خلاف، كذا قاله ابن الهمام، والتاسع: سقام، والعاشر: إقعاد، والحادي عشر: وحل أي: طين في طريق المسجد بعد انقطاع المطر، والثاني عشر: زمانة، والثالث عشر: شيخوخة، والرابع عشر: تكرار فقه لا نمو ولا لغة بجماعة تفوته ولم يداوم على تركها، والخامس عشر: حضور طعام تشوقه نفسه لشغل بألم، كمدافعة أحد الأخبثين، والسادس عشر: إرادة سفر تهيأ له، والسابع عشر: قيامه بمريض يتضرر بغيبته، والثامن عشر: شدة ريح ليلًا، وإذا انقطع عن الجماعة لعذر من الأعذار المبيحة للتخلف من الجماعة، وكانت نيته حضورها، لولا العذر الحاصل يحصل له ثوابها؛ لقوله ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى"، كما في (نور الإِيضاح) و (نجاة الأرواح). * * * ١٨٨ - أخبرنا مالك، قال: حدثنا نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : "فضل صلاة الجماعة على صلاة الرجل وحده بسبع وعشرين درجةً". • أخبرنا مالك، ابن أنس بن عمير بن أبي عامر الأصبحي، من كبار أتباع التابعين من الطبقة السابعة من أهل المدينة، حدثنا نافع، المدني، تابعي، مولى عبد الله بن عمر، وفي نسخة: "عن" موضع "حدثنا"، عن ابن عمر، ﵄، أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "فضل من باب التفعيل، صلاة الجماعة على صلاة الرجل وحده بسبع وعشرين درجةً"، أي: مرتبة. وللبخاري من حديث ابي سعيد الخدري: "بخمس وعشرين درجة" (١). زاد أبي داود: وإذا صلاها في فلاة، فأتم ركوعها وسجودها بلغت خمسين صلاة (٢) رواه ابن حبان والحاكم، وقال: على شرط الشيخين.

стр. 386

وقال الترمذي: وعامة من روى عن النبي ﷺ : إنما قال خمسًا وعشرين إلا ابن عمر، قال: بسبع وعشرين درجة. وفي حديث أبي هريرة: رفعه بخمس وعشرين درجة، والجمع بينهما: أنه قال: الأول بالقليل ثم بالكثير، وقيل: ذلك باختلاف المصلين فلبعضهم سبع وعشرين، والآخر خمس وعشرين، بحسب كمال الصلاة، والمحافظة على خشوعها وإتمام ركوعها وسجودها، وكثرة عددهم، وفضلهم، وشرفهم بقعتهم ومحلهم. قال ابن عباس ﵄: فضل صلاة الجماعة على صلاة الواحد بخمس وعشرين درجة، فإن كانوا أكثر فعلى عدد من في المسجد، فقال رجل: وإن كانوا عشرة آلاف؟ قال: وإن كانوا أربعين ألفًا. . فعلم أن التضعيف المذكور مرتب على أقل عدد تحصل به الجماعة، وأنه يزيد بزيادة المصلين، كما ذكره السيوطي. وقال بعضهم: صلاة واحدة في المسجد الحرام تفضل صلاة من صلى ببلده فرادى عمر نوح ﵇ بنحو الضعف. قال: فإن انضم إلى ذلك أنواع أخر من الكمالات، عجز الإِنسان عن حصر الثواب كما نقله علي القاري عن ابن حجر المكي في (حاشيته على الإِيضاح منسك النووي). لما فرغ من بيان أحكام الصلاة في الليلة الممطرة، شرع في بيان أحكام قصر الصلاة، فقال: هذا * * * باب قَصْرِ الصلاة في السفر بيان أحكام قصر الصلاة في السفر، وإضافة الباب إلى قصر بمعنى في، وإضافة القصر إلى الصلاة بمعنى اللام. والقصر في اللغة: الحبس؛ تقول: قصرت الشيء إذا حبسته أي: جعلت الصلاة ركعتين في السفر، وفي الاصطلاح: تخصيص الشيء بشيء. والسفر لغة: قطع المسافة، وشرعًا: هو الخروج من بيته قصد مسيرة ثلاثة أيام بلياليها فما فوقها بسير الإِبل، ومشي الأقدام، كذا قاله السيد الشريف محمد الجرجاني

стр. 387

الحنفي، وأما تقييد القصر بالسفر، فلتربية الفائدة؛ أي: لتقوية فائدة الخبر، واقتبس المصنف هذه الترجمة من قوله تعالى في سورة النساء: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ [النساء: ١٠١]، وأيَّد اقتباسه بقول عائشة وغيرها. ١٨٩ - أخبرنا مالك، أخبرني صالح بن كَيْسَان، عن عُرْوَة بن الزُّبَيْر، عن عائشة، أنها قالت: فُرِضَتْ الصلاة ركعتين؛ في السفر والحَضَر، فزيد في صلاة الحضر، وأقرّت صلاة السفر. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة أخرى: محمد قال: بنا، رمزًا إلى أخبرنا، أخبرني صالح بن كَيْسَان، بفتح الكاف وسكون التحتية، يكنى أبا محمد، وأبي الحارث المدني، مؤدب ولد عمر بن عبد العزيز، ثقة، فقيه من الطبقة الرابعة من أهل المدينة، وهي من الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة، كذا في (خلاصة الهيئة)، وهو من التابعين، لقي جماعة من الصحابة، وهو ابن تسع سنين، مات بعد الهجرة سنة ثلاثين أو بعد الأربعين، كذا في (التقريب) (١). (ق ١٩٧) عن عُرْوَة بن الزُّبَيْر بن العوام، تابعي ثقة جدًا، من الطبقة الثانية، من أهل المدينة، مات قبل المائة من الهجرة، قال: سلوني فقد تركت حتى كدت أن أنسى، وإني لأُسأل عن الحديث فيفتح لي حديث يومي، واجتمع قوم في الحرم فقالوا: تمن، فقال: أتمنى أن يؤخذ عني العلم، وكان يتألف الناس على خدمته، وقال: رب كلمة اجتملتها أورثتني عزًا طويلًا. وقال: إذا رأيت الرجل يعمل الحسنة، فاعلم أن لها عنده إخوان؛ فإن الحسنة تدل على أختها، وإن السيئة تدل على أختها. وقال لبنيه: تعلموا؛ فإنكم إن تكونوا صغار قوم، عسى أن تكونوا كبراءهم، واسوءتاه، ماذا أقبح من شيخ جاهل.

стр. 388

وكان إذا جاء الرطب تسلم حائطه فيدخل الناس فيأكلون، ويحملون، وكان إذا دخله ردد هذه الآية: ﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [الكهف: ٣٩]، حتى يخرج، وكان يقرأ ربع القرآن كل يوم، نظرًا في المصحف، يقوم به الليل، فما تركه إلا ليلة قطعت رجله، ثم عاود الليلة القليلة، ووقعت الأكلة في رجله فقطعت وهو صائم، ولم يمسكه أحد، ولم يتضرر وجهه، ودخل أكبر ولده اصطبله فرفسه، أي: دق عنقه دابة فقتلته، فما سمع من شيء حتى قدم المدينة، فقال: اللهم إنه كان لي أربع أطراف فأخذت واحدًا، وأبقيت لي ثلاثة، فلك الحمد، وكان لي بنون أربع فأخذت واحدًا، وأبقيت ثلاثة، فلك الحمد، دائم الله، لئن أخذت فقد أبقيت، ولئن ابتليت لطال ما عافيت، وقال له الأطباء: نعطيك شيئًا لئلا تحس، قال: لا شأنكم، فنشروها بالمنشار، فما حرك عضوًا عن عضو، وصبر. فلما رأى القدم بأيديهم: دعا بها فقبلها، ثم قال: أما والذي حملني عليك إنه ليعلم أني ما مشيت بك إلى حرام قط، وقال: معصية، أو قال: سوء، وكان برد الصوم، ومات يوم مات وهو صائم. ورأى رجلًا يصلي فخفف، فقال: أما كان لك إلى الله حاجة، إني لأسأل الله تعالى في صلاتي حتى أسأله الملح. وقال: إذا جعل أحدكم لله تعالى شيئا فلا يجعل ما يستحي أن يجعل الكريم؛ فإن الله تعالى أكرم الأكرمين، وأحق من اختير له، كذا قاله أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي من الحنبلية في (طبقاته) (١). عن عائشة، ﵂، قالت؛ فُرِضَتْ الصلاة على بناء المجهول، أي: فرض الله الصلاة، أي: جنس الصلاة حين فرضها، وهي الصلوات الخمس والمراد بها الرباعية، ركعتين؛ في السفر والحَضَر، أي: في صدر الإِسلام، كررها لإِفادة عموم التثنية لكل صلاة. قال أبو السعادات ابن الأثير في (شرح المسند): إن قصر الصلاة في السنة الرابعة من الهجرة، وهو مأخوذ من قول غيره: إن نزول آية الخوف كان فيها.

стр. 389

وذكر الدولابي: أن القصر كان في ربيع الآخر من السنة الثانية. وذكر السهيلي: بلفظ بعد الهجرة بعام، أو نحوه، وقيل: بعد الهجرة بأربعين يومًا. فزيد في صلاة الحضر، وأقرّت أي: جعلت مقررة على حالها من القصر، صلاة السفر، وفي بعض النسخ: في، لكنها لم توجد (ق ١٩٨) في الأصل. روى ابن خزيمة وابن حبان والبيهقي، من طريق الشعبي، عن مسروق، عن عائشة ﵂ أنها قالت: فرضت صلاة الحضر والسفر ركعتين ركعتين، فلما قدم النبي ﷺ المدينة واطمأن، زيد في صلاة الحضر، ركعتان ركعتان، وتركت صلاة الفجر، أي: قررت على ركعتين لطول القراءة، وصلاة المغرب، لأنها وتر النهار (١). واحتج بظاهر الحديث الحنفية وموافقوهم على أن القصر في عزيمة لا رخصة، واستدل مخالفوهم بقوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ [النساء: ١٠١]؛ لأن نفي الجناح لا يدل على العزيمة، والقصر إنما يكون من بطول منه، ولقوله ﷺ : "صدقة تصدق الله بها عليكم". فالمفروض أربع، إلا أنه رخص بأداء ركعتين، وأجابوا عن حديث عائشة بأنه غير مرفوع، وبأنها لم تشهد زمان فرض الصلاة، قاله الخطابي وغيره. قال الحافظ: وفيه نظر؛ لأنه مما لا مجال للرأي فيه؛ فله حكم الرفع، وعلى تسليم أنها أخذته عن النبي ﷺ أو عن صحابي أدرك ذلك. وقول إمام الحرمين: لو ثبت لنقل متواترًا فيه نظر أيضًا؛ لأن التواتر في مثل هذا لا يلزم، والذي يظهر وبه تجمع الأدلة أن الصلاة فرضت ليلة الإِسراء ركعتين، إلا المغرب، ثم زيد بعد الهجرة إلا الصبح، ثم بعد أن استقر فرض الرباعية، وخففت منها في السفر عند نزول قوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ [النساء: ١٠١]. * * *

стр. 390

١٩٠ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن ابن عمر: أنه كان إذا خرج إلى خَيْبر قصر الصلاة. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة أخرى: محمد قال: ثنا، وفي نسخة: محمد أخبرنا، أخبرنا نافع، المدني، مولى عبد الله بن عمر، وفي نسخة: "عن" في موضع "أخبرنا"، أن عبدالله بن عمر: أنه كان إذا خرج إلى خَيْبر قصر الصلاة، وخيبر حصن قرب المدينة، وإن أدى إلى تعارض لما بينهما من المسافة، ومذهب أبي حنيفة أنها لا تقصر في أقل من ثلاث مراحل. وقال مالك والشافعي وأحمد: تقصر في مرحلتين. وقال الأوزاعي: في مرحلة. وقال داود الطائي: يجوز القصر في طويل السفر وقصره، كذا قاله علي القاري، وقال الزرقاني (١): ما بين خيبر والمدينة ستة وتسعون ميلًا. * * * ١٩١ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، أن ابن عمر كان إذا خرج حاجّا أو مُعْتَمِرًا قَصَرَ الصلاة بذي الحُلَيْفَة. • أخبرنا مالك، وفي نسخة محمد قال: ثنا، وفي نسخة أخرى: محمد أخبرنا مالك بن أنس، وفي نسخة: أخرى: ثنا، أخبرنا نافع، وفي نسخة أخرى: ثنا، وفي نسخة أخرى: "عن" موضع "أخبرنا"، أن عبد الله بن عمر كان إذا خرج من المدينة حاجّا أو مُعْتَمِرًا قيد أن اتفاقيات واقعات قَصَرَ الصلاة أي: ابتدأ في قصرها بذي الحُلَيْفَة، بضم الحاء المهملة وفتح اللام وسكون الياء التحتية وفتح الفاء والهاء، مكان على أربعة أميال من المدينة، وعلى مائة ميل من مكة، والجمهور على أنه لا يجوز القصر إلا بعد مفارقة بنيان
следующие страницы →