وقال الترمذي: وعامة من روى عن النبي ﷺ : إنما قال خمسًا وعشرين إلا ابن عمر، قال: بسبع وعشرين درجة.
وفي حديث أبي هريرة: رفعه بخمس وعشرين درجة، والجمع بينهما: أنه قال: الأول بالقليل ثم بالكثير، وقيل: ذلك باختلاف المصلين فلبعضهم سبع وعشرين، والآخر خمس وعشرين، بحسب كمال الصلاة، والمحافظة على خشوعها وإتمام ركوعها وسجودها، وكثرة عددهم، وفضلهم، وشرفهم بقعتهم ومحلهم.
قال ابن عباس ﵄: فضل صلاة الجماعة على صلاة الواحد بخمس وعشرين درجة، فإن كانوا أكثر فعلى عدد من في المسجد، فقال رجل: وإن كانوا عشرة آلاف؟ قال: وإن كانوا أربعين ألفًا. . فعلم أن التضعيف المذكور مرتب على أقل عدد تحصل به الجماعة، وأنه يزيد بزيادة المصلين، كما ذكره السيوطي.
وقال بعضهم: صلاة واحدة في المسجد الحرام تفضل صلاة من صلى ببلده فرادى عمر نوح ﵇ بنحو الضعف.
قال: فإن انضم إلى ذلك أنواع أخر من الكمالات، عجز الإِنسان عن حصر الثواب كما نقله علي القاري عن ابن حجر المكي في (حاشيته على الإِيضاح منسك النووي).
لما فرغ من بيان أحكام الصلاة في الليلة الممطرة، شرع في بيان أحكام قصر الصلاة، فقال: هذا
* * *
باب قَصْرِ الصلاة في السفر
بيان أحكام قصر الصلاة في السفر، وإضافة الباب إلى قصر بمعنى في، وإضافة القصر إلى الصلاة بمعنى اللام.
والقصر في اللغة: الحبس؛ تقول: قصرت الشيء إذا حبسته أي: جعلت الصلاة ركعتين في السفر، وفي الاصطلاح: تخصيص الشيء بشيء.
والسفر لغة: قطع المسافة، وشرعًا: هو الخروج من بيته قصد مسيرة ثلاثة أيام بلياليها فما فوقها بسير الإِبل، ومشي الأقدام، كذا قاله السيد الشريف محمد الجرجاني
стр. 387
الحنفي، وأما تقييد القصر بالسفر، فلتربية الفائدة؛ أي: لتقوية فائدة الخبر، واقتبس المصنف هذه الترجمة من قوله تعالى في سورة النساء: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ [النساء: ١٠١]، وأيَّد اقتباسه بقول عائشة وغيرها.
١٨٩ - أخبرنا مالك، أخبرني صالح بن كَيْسَان، عن عُرْوَة بن الزُّبَيْر، عن عائشة، أنها قالت: فُرِضَتْ الصلاة ركعتين؛ في السفر والحَضَر، فزيد في صلاة الحضر، وأقرّت صلاة السفر.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة أخرى: محمد قال: بنا، رمزًا إلى أخبرنا، أخبرني صالح بن كَيْسَان، بفتح الكاف وسكون التحتية، يكنى أبا محمد، وأبي الحارث المدني، مؤدب ولد عمر بن عبد العزيز، ثقة، فقيه من الطبقة الرابعة من أهل المدينة، وهي من الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة، كذا في (خلاصة الهيئة)، وهو من التابعين، لقي جماعة من الصحابة، وهو ابن تسع سنين، مات بعد الهجرة سنة ثلاثين أو بعد الأربعين، كذا في (التقريب) (١).
(ق ١٩٧) عن عُرْوَة بن الزُّبَيْر بن العوام، تابعي ثقة جدًا، من الطبقة الثانية، من أهل المدينة، مات قبل المائة من الهجرة، قال: سلوني فقد تركت حتى كدت أن أنسى، وإني لأُسأل عن الحديث فيفتح لي حديث يومي، واجتمع قوم في الحرم فقالوا: تمن، فقال: أتمنى أن يؤخذ عني العلم، وكان يتألف الناس على خدمته، وقال: رب كلمة اجتملتها أورثتني عزًا طويلًا.
وقال: إذا رأيت الرجل يعمل الحسنة، فاعلم أن لها عنده إخوان؛ فإن الحسنة تدل على أختها، وإن السيئة تدل على أختها.
وقال لبنيه: تعلموا؛ فإنكم إن تكونوا صغار قوم، عسى أن تكونوا كبراءهم، واسوءتاه، ماذا أقبح من شيخ جاهل.
стр. 388
وكان إذا جاء الرطب تسلم حائطه فيدخل الناس فيأكلون، ويحملون، وكان إذا دخله ردد هذه الآية: ﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [الكهف: ٣٩]، حتى يخرج، وكان يقرأ ربع القرآن كل يوم، نظرًا في المصحف، يقوم به الليل، فما تركه إلا ليلة قطعت رجله، ثم عاود الليلة القليلة، ووقعت الأكلة في رجله فقطعت وهو صائم، ولم يمسكه أحد، ولم يتضرر وجهه، ودخل أكبر ولده اصطبله فرفسه، أي: دق عنقه دابة فقتلته، فما سمع من شيء حتى قدم المدينة، فقال: اللهم إنه كان لي أربع أطراف فأخذت واحدًا، وأبقيت لي ثلاثة، فلك الحمد، وكان لي بنون أربع فأخذت واحدًا، وأبقيت ثلاثة، فلك الحمد، دائم الله، لئن أخذت فقد أبقيت، ولئن ابتليت لطال ما عافيت، وقال له الأطباء: نعطيك شيئًا لئلا تحس، قال: لا شأنكم، فنشروها بالمنشار، فما حرك عضوًا عن عضو، وصبر.
فلما رأى القدم بأيديهم: دعا بها فقبلها، ثم قال: أما والذي حملني عليك إنه ليعلم أني ما مشيت بك إلى حرام قط، وقال: معصية، أو قال: سوء، وكان برد الصوم، ومات يوم مات وهو صائم.
ورأى رجلًا يصلي فخفف، فقال: أما كان لك إلى الله حاجة، إني لأسأل الله تعالى في صلاتي حتى أسأله الملح.
وقال: إذا جعل أحدكم لله تعالى شيئا فلا يجعل ما يستحي أن يجعل الكريم؛ فإن الله تعالى أكرم الأكرمين، وأحق من اختير له، كذا قاله أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي من الحنبلية في (طبقاته) (١).
عن عائشة، ﵂، قالت؛ فُرِضَتْ الصلاة على بناء المجهول، أي: فرض الله الصلاة، أي: جنس الصلاة حين فرضها، وهي الصلوات الخمس والمراد بها الرباعية، ركعتين؛ في السفر والحَضَر، أي: في صدر الإِسلام، كررها لإِفادة عموم التثنية لكل صلاة.
قال أبو السعادات ابن الأثير في (شرح المسند): إن قصر الصلاة في السنة الرابعة من الهجرة، وهو مأخوذ من قول غيره: إن نزول آية الخوف كان فيها.
стр. 389
وذكر الدولابي: أن القصر كان في ربيع الآخر من السنة الثانية.
وذكر السهيلي: بلفظ بعد الهجرة بعام، أو نحوه، وقيل: بعد الهجرة بأربعين يومًا.
فزيد في صلاة الحضر، وأقرّت أي: جعلت مقررة على حالها من القصر، صلاة السفر، وفي بعض النسخ: في، لكنها لم توجد (ق ١٩٨) في الأصل.
روى ابن خزيمة وابن حبان والبيهقي، من طريق الشعبي، عن مسروق، عن عائشة ﵂ أنها قالت: فرضت صلاة الحضر والسفر ركعتين ركعتين، فلما قدم النبي ﷺ المدينة واطمأن، زيد في صلاة الحضر، ركعتان ركعتان، وتركت صلاة الفجر، أي: قررت على ركعتين لطول القراءة، وصلاة المغرب، لأنها وتر النهار (١).
واحتج بظاهر الحديث الحنفية وموافقوهم على أن القصر في عزيمة لا رخصة، واستدل مخالفوهم بقوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ [النساء: ١٠١]؛ لأن نفي الجناح لا يدل على العزيمة، والقصر إنما يكون من بطول منه، ولقوله ﷺ : "صدقة تصدق الله بها عليكم".
فالمفروض أربع، إلا أنه رخص بأداء ركعتين، وأجابوا عن حديث عائشة بأنه غير مرفوع، وبأنها لم تشهد زمان فرض الصلاة، قاله الخطابي وغيره.
قال الحافظ: وفيه نظر؛ لأنه مما لا مجال للرأي فيه؛ فله حكم الرفع، وعلى تسليم أنها أخذته عن النبي ﷺ أو عن صحابي أدرك ذلك.
وقول إمام الحرمين: لو ثبت لنقل متواترًا فيه نظر أيضًا؛ لأن التواتر في مثل هذا لا يلزم، والذي يظهر وبه تجمع الأدلة أن الصلاة فرضت ليلة الإِسراء ركعتين، إلا المغرب، ثم زيد بعد الهجرة إلا الصبح، ثم بعد أن استقر فرض الرباعية، وخففت منها في السفر عند نزول قوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ [النساء: ١٠١].
* * *
стр. 390
١٩٠ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن ابن عمر: أنه كان إذا خرج إلى خَيْبر قصر الصلاة.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة أخرى: محمد قال: ثنا، وفي نسخة: محمد أخبرنا، أخبرنا نافع، المدني، مولى عبد الله بن عمر، وفي نسخة: "عن" في موضع "أخبرنا"، أن عبدالله بن عمر: أنه كان إذا خرج إلى خَيْبر قصر الصلاة، وخيبر حصن قرب المدينة، وإن أدى إلى تعارض لما بينهما من المسافة، ومذهب أبي حنيفة أنها لا تقصر في أقل من ثلاث مراحل.
وقال مالك والشافعي وأحمد: تقصر في مرحلتين.
وقال الأوزاعي: في مرحلة.
وقال داود الطائي: يجوز القصر في طويل السفر وقصره، كذا قاله علي القاري، وقال الزرقاني (١): ما بين خيبر والمدينة ستة وتسعون ميلًا.
* * *
١٩١ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، أن ابن عمر كان إذا خرج حاجّا أو مُعْتَمِرًا قَصَرَ الصلاة بذي الحُلَيْفَة.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة محمد قال: ثنا، وفي نسخة أخرى: محمد أخبرنا مالك بن أنس، وفي نسخة: أخرى: ثنا، أخبرنا نافع، وفي نسخة أخرى: ثنا، وفي نسخة أخرى: "عن" موضع "أخبرنا"، أن عبد الله بن عمر كان إذا خرج من المدينة حاجّا أو مُعْتَمِرًا قيد أن اتفاقيات واقعات قَصَرَ الصلاة أي: ابتدأ في قصرها بذي الحُلَيْفَة، بضم الحاء المهملة وفتح اللام وسكون الياء التحتية وفتح الفاء والهاء، مكان على أربعة أميال من المدينة، وعلى مائة ميل من مكة، والجمهور على أنه لا يجوز القصر إلا بعد مفارقة بنيان
стр. 391
بلده، وفي رواية عن مالك: لا بد أن يكون على المصر على ثلاثة أميال.
قال سعيد بن زيد الباجي: خص ابن عمر سفره بالحج والعمرة؛ لأنهما لا خلاف في القصر فيه.
وقال أبو عمر: وكان ابن عمر يتبرك بالمواضع التي كان ﷺ ينزلها ويتمثل فعله بكل ما يمكنه، ولما علم أنه ﷺ قصر العصر بذي الحليفة حين خرج في حجة الوداع فعل مثله، وإنما سفر ابن عمر في غير الحج والعمرة، فكان (ق ١٩٩) يقصر إذا خرج من بيوت المدينة، ويقصر إذا رجع حتى يدخل بيوتها، كما رواه عنه نافع، كذا قاله الزرقاني (١).
* * *
١٩٢ - أخبرنا مالك، أخبرني ابن شهاب الزُّهْريِّ، عن سالم بن عبد الله، أن ابن عمر خرج إلى رِيم، فقصر الصلاة في مسيرة ذلك.
• أخبرنا مالك، أي: ابن أنس بن عمير بن أبي عامر الأصبحي، من أتباع التابعين من الطبقة السابعة من أهل المدينة، وفي نسخة: ثنا، وفي نسخة أخرى: محمد قال، وفي نسخة: محمد أخبرنا، أخبرني ابن شهاب، وهو محمد بن مسلم بن شهاب الزُّهْرِيّ، من التابعين من الطبقة الرابعة، من الطبقات السبعة من أهل المدينة، عن سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵁، كان تابعيًا من الطبقة الثانية، من أهل المدينة المنورة، كان سالم أشبه أولاده به، وكان يحبه حبًا شديدًا، فإذا قيل له في ذلك أنشد: يلومونني في سالم والوهن في جلده بين العين والأنف سالم، وكان سالم يخرج إلى السوق فيشتري حوائج نفسه، وزحمه رجل فقال له: بعض هذا يكفي، فقال الرجل: ما أراك إلا رجل سوء، فقال: ما أحسبك أبعدت، ولم يكن أحد في زمانه أشبه عن معنى من الصالحين منه في الزهد والفضل والعيش، كان يلبس الثوب بدرهمين.
وقال له سليمان بن عبد الملك - رآه حسن السحنة - أي شيء تأكل؟ قال: الخبز والزيت، وإذا وجدت اللحم أكلته. قال: أو تشتهيه، قال: إذا لم أشتهه تركته حتى أشتهيه.
стр. 392
ودخل هشام بن عبد الملك الكعبة، فإذا هو بسالم، فقال: سلني حاجة، قال: إني لأستحي أن أسأل في بيته غيره، فلما خرج في أثره، فقال: الآن قد خرجت فسلني، قال: من حوائج الدنيا أم الآخرة؟ قال: من حوائج الدنيا، قال سالم: ما سألت من يملكها، فكيف أسأل من لا يملكها؟
ودخل مكة فصلى العشاء، ثم قام إلى ناحية من باب بني شيبة، فلم يزل يميل يمينًا ويسارًا، حتى طلع الفجر، ثم جلس فاجتنب غيره، كذا قاله أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي من الحنبلية في (طبقاته).
أن ابن عمر بن الخطاب ﵄ خرج إلى رِيم، بكسر الراء، منصرف وغير منصرف، موضع قريبة من المدينة، ذكره في (النهاية)، فقصر الصلاة في مسيرة ذلك، أي: أثناء سيره هنالك.
* * *
١٩٣ - أخبرنا مالك، حدثنا نافع، أنه كان يسافر مع ابن عمر البَريدَ فلا يَقْصُرُ الصلاة.
قال محمد: إذا خرج المسافر أتمّ الصلاة، إلا أن يريد مسيرة ثلاثة أيام كَوَامِل بسير الإِبل، ومشى الأقدم، فإذا أراد ذلك قصر الصلاة حين يخرج من مصره، ويجعل البيوت خلف ظهره، وهو قولُ أبي حنيفة.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد أخبرنا، وفي نسخة أخرى: محمد قال: ثنا رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة أخرى: ثنا، حدثنا نافع، أنه كان يسافر مع ابن عمر البَريدَ، محل ثلاثون ميلًا من المدينة، كما قاله الزرقاني.
وقال الشمني: أربع فراسخ من المدينة، فلا يَقْصُرُ الصلاة، لعدم تحقق المسافة الشرعية في قصر الصلاة.
стр. 393
قال محمد: إذا خرج المسافر أي: مريد السفر أتمّ الصلاة، أي: في جميع الأحوال، إلا أن يريد أي: يقصد مسيرة ثلاثة أيام كَوَامِل، كذا في نسخة، أي: بلياليها، بسير الإِبل، أي: يوجد المعتدل، ومشى الأقدم أي: يحبب عرف الأنام، فإذا أراد ذلك قصر الصلاة أي: وجوبًا عندنا، وجوازًا عند غيرنا، لكن لا يقصر في بلده بل يقصر حين يخرج من مصره، ويجعل البيوت أي: بيوت بلده، (ق ٢٠٠) ولو في يمينه ويساره خلف ظهره، لما روى ابن أبي شيبة في (مصنفه)، عن حرب بن الأسود الدؤلي: أن عليّا خرج من البصرة، صلى الظهر أربعًا، ثم قال: لو جاوزنا هذا الخص؟ والخُص بضم الخاء المعجمة وتشديد الصاد المهملة: البيت من القصب، أو ما يسقف من خشب، وهو أي: قصر الصلاة حين يخرج من مصره، ويجعل البيوت خلف ظهره، قولُ أبي حنيفة، وهو نعمان بن ثابت بن طاووس بن هرمز بن ملك بني شيبان، من الطبقة السادسة، من طبقات الفقهاء الحنفية، وهو تابعي ولد في عهد الصحابة، سنة ثمانين، وقيل: إحدى وستين، وقيل: ثلاث وستين، ولقي جماعة منهم، كأنس بن مالك، وعامر بن الطفيل، وعبد الله بن الزهري، وسهل بن سعد الساعدي، وهو ابن سبعين سنة، ومات ببلدة بغداد، وهي في الإِقليم الثالث من الأقاليم السبعة.
لما فرغ من بيان أحكام قصر الصلاة في السفر، شرع في بيان صلاة المسافر، فقال: هذا
* * *
باب المسافر يدخل المِصْرَ أو غيره متى يُتِمُّ الصلاة ؟
بيان صلاة المسافر، وهو من جاوز عمارة موضع إقامته، قاصدًا مسيرة ثلاثة أيام من قصر أيام السنة ولياليها بالسير الوسط، مع الاستراحات المعتادة فينزل المسافر في ذلك للأكل والشرب، وقضاء الحاجة والتوضؤ والصلاة، ولأكثر النهار حكم كله، فإذا خرج قاصدًا محلًا وبكر في اليوم الأول، وسار إلى وقت الزوال حتى بلغ المرحلة فنزل للاستراحة، وبات بها ثم يكر في اليوم الثاني، وسار إلى بعد الزوال ونزل، ثم يكر في اليوم الثالث، وسار إلى الزوال فبلغ المقصد.
قال شمس الأئمة: السرخسي: الصحيح أنه كذا قاله التمرتاشي، والشرنبلالي،
стр. 394
فعلى تقدير صلاة إضافة إلى لفظ المسافر من قبيل إضافة الفعل إلى فاعله، أو إلى محله، يدخل أي: المسافر الذي استحكم سفره؛ بمضي ثلاثة أيام مسافر المصر، أي: وطنه الأصلي الذي ولد فيه، أو غيره، أي: غير المصر من قرية يصح الإِقامة فيها، متى يريد أن يتم الصلاة، يعني لا يزال المسافر الذي استحكم سفره حتى يدخل مصره أو قريته، وجملة يدخل صفة المسافر؛ لأنه جنس في قوة النكرة، ويجوز أن تكون حالًا أو خبر المبتدأ محذوف.
وهذه الترجمة مفهوم التي قبلها، أو المناسبة بين هذا الباب والباب السابق ظاهرة.
١٩٤ - أخبرنا مالك، حدثنا ابن شهاب الزهري، عن سالم بن عبد الله، عن ابن عمر أنه قال: أصلى صلاةَ المسافر ما لم أُجْمعْ مُكْثا، وإن حبسني ذلك اثنتى عشرة ليلة.
• أخبرنا مالك, وفي نسخة: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة أخرى: محمد قال: ثنا، وفي نسخة أخرى: محمد أخبرنا، حدثنا ابن شهاب هو محمد بن مسلم الزهري، يكنى أبا بكر، تابعي في الطبقة الرابعة، من الطبقات السبعة من أهل المدينة، كذا قاله أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي، من علماء الحنبلية في (طبقاته)، وهي في الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة، كذا قاله سيد علي بن الحسين في (خلاصة الهيئة)، وفي نسخة: حدثنا ابن شهاب الزهري، وفي نسخة أخرى: أخبرني بالإِفراد، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه ابن عمر، ﵄، وفي نسخة: عن ابن عمر أنه قال: أصلى صلاةَ المسافر أي: أستمر على قصرها ما لم أُجْمعْ بضم الهمزة وكسر الميم من الإِجماع، وهو العزم على الأمر، كما قال تعالى في سورة يونس: ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ﴾ [يونس: ٧١]، أي: أجمعوا مع شركائكم على أمركم، (ق ٢٠١) أي: ما لم أعزم مُكْثا، بتشديد الميم والفتح أفصح، أي: لبثًا.
والمعنى: ما لم أنو على الإِقامة، وإن وصلية حبسني ذلك أي: ولو منعني المقام ذلك السفر، اثنتى عشرة ليلة، الظاهر أنه ظرف المكث وما بينهما جملة وصلية.
стр. 395
اعلم أن المسافر عندنا إن نوى إقامة خمسة عشر يومًا صار مقيمًا، وإن نوى أقل فلا.
وقال مالك والشافعي: إذا نوى إقامة أربعة أيام، غير يومي الوصول والخروج، أتم صلاته.
وعن ابن عباس ﵄ تسعة عشر يومًا.
وعن أحمد: أنه إذا نوى إقامة مرة يفعل فيها أكثر من عشرين صلاة، أتم.
* * *
١٩٥ - أخبرنا مالك، حدثنا الزُّهْرِي، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه، أن عمر كان إذا قَدِمَ مكة صلى بهم ركعتين، ثم قال: يا أهل مكة، أتموا صلاتكم فَإِنّا قوم سَفْرٌ.
• أخبرنا مالك، أي: ابن أنس بن عمير بن أبي عامر الأصبحي، من كبار أتباع التابعين، في الطبقة السابعة من أهل المدينة، وهي في الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة، كذا قاله السيد محمد بن الحسين، في (خلاصة الهيئة)، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة أخرى: ثنا، وفي نسخة محمد: أخبرنا حدثنا الزُّهْرِي، أي: محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، يكنى أبا بكر، وفي نسخة: "عن" موضع "حدثنا"، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه، وهو ابن عمر ﵄، أن أي: عبد الله بن عمر كان إذا قَدِمَ مكة صلى بهم أي: بأهل مكة إمامًا؛ لأنه الخليفة ولا يؤم الرجل في سلطانه، ركعتين، ثم قال: أي: بعد سلامه من الصلاة، خطابًا لمن صلى معه من المقيمين في الصلاة الرباعية: يا أهل مكة، أتموا صلاتكم أي: أربعًا فَإِنّا أي: الحجاج قوم سَفْرٌ، بفتحتين جمع أسفار، كفرخ جمع أفراخ، أي: مسافرين، وأما السفر بفتح السين وسكون الفاء بمعنى الكتابة، يقال: سفرت الكتاب وأسفره سفرًا من باب الثاني، كذا قاله محمد الواني، وندب هذا القول لدفع أنه نهي، وهذا الحديث موقوف إلى ابن عمر.
стр. 396
وجاء مرفوعًا، فقد روى أبو داود والترمذي (١)، وقال: حسن صحيح عن عمران بن حصين ﵁، قال: غزوت مع رسول الله ﷺ وشهدت معه الفتح، فأقام بمكة ثمان عشرة ليلة، لا يصلي إلا ركعتين، يقول: "يا أهل مكة، صلوا أربعًا؛ فإنا سفر" ولعل وجه قصره ﷺ ؛ لأنه كان على جناح السفر، مع أنه من جملة هذه المدة في عرفة ومنى، ويشترط أن يكون فيه الإِقامة في بلدة واحدة، كذا قاله علي القاري.
* * *
١٩٦ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن ابن عمر، أنه كان يقيم بمكة عشرا فَيَقصر الصلاة، إلا أن يشهد الصلاة مع الناس فيصلي بصلاتهم.
• أخبرنا مالك، أي: ابن أنس بن عمير بن أبي عامر الأصبحي، من أتباع التابعين في الطبقة السابعة من أهل المدينة، وهي في الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة، كما في (خلاصة الهيئة)، وفي نسخة: ثنا رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة أخرى: محمد قال: ثنا، وفي نسخة أخرى: محمد أخبرنا، أخبرنا نافع، المدني التابعي؛ مولى ابن عمر، عن ابن عمر، ﵄، أنه كان يقيم بمكة عشرا أي: عشر ليال فيقصر الصلاة، أي: لعدم تكميل العدة، أو لكونه لم ينو الإِقامة، فَيَقصر الصلاة، الرباعية في جميع الحالات، إلا أن يشهد الصلاة أي: يحضرها مع الناس أي: مع الإِمام والقوم المقيمين، فيصلي بصلاتهم، أي: مع صلاتهم؛ لأنه فرضية يصير (ق ٢٠٢) أربعًا تبعًا للإِمام.
* * *
١٩٧ - أخبرنا مالك، أخبرنا هشام بن عُروة، أنه سأل سالم بن عبد الله عن المسافر، إذا كان لا يدري متى يخرج، يقول: أخْرُجُ اليومَ، بل أخْرُجُ غدًا، بل الساعَة، فكان كذلك حتى يأتي عليه لَيَالٍ كثيرة، أيقصر أم ما يصنع؟ فقال: يقصر وإن تَمَادَى به ذلك شهرًا.
стр. 397
قال محمد: نرى قصر الصلاة إذا دخل المسافر مصرًا من الأمصار، وإن عزم على المُقام إلا أن يعزم مقام خمسة عشر يومًا فصاعدًا، فإذا عزم على ذلك أتمّ الصلاة.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة أخرى: محمد قال: ثنا، وفي نسخة: محمد أخبرنا مالك، أخبرنا هشام بن عُروة، أي: ابن الزبير بن العوام، وهو من أكابر العلماء، وأجلاء التابعين، في الطبقة الرابعة من الطبقات السبعة من أهل المدينة المنورة، وهي بلدة مباركة في الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة، أنه سأل سالم بن عبد الله أي: ابن عمر بن الخطاب، عن حال المسافر، إذا كان لا يدري أي: لا يعلم متى يخرج، يقول: أي: المسافر متردد أخْرُجُ اليومَ، بالنصب بل أخْرُجُ غدًا، بل الساعَة، وكلمة بل للإِضراب، وهو الإِعراض عن الشيء، بعد الإِقبال عليه، نحو: ضربت زيدًا بل عمرًا، وكذا قاله الشريف الجرجاني، وكررها السائل في سؤاله، إشعارًا باختلاف أحوال المسافر من التردد في الخروج من منزله، واهتمامًا بالحكم الذي يطلبه؛ فكان أي: متماديًا، وفي نسخة: وكان بالواو، حتى يأتي عليه أي: المسافر لَيَالٍ كثيرة، أو أيام كثيرة أيقصر أم ما يصنع؟ كلمة، أم هنا أم المنقطعة التي لا يقارفها معنى الإِضراب متضمنة معنى الاستفهام الطلبي، وما موصولة منصوب محلها على أنه مفعول يصنع، والعائد محذوف، والتقدير: أي الشيء الذي يصنعه المسافر، ويجوز أن يكون مرفوعًا محلها على الابتداء، ويصنع خبره، ولا يجوز أن تكون استفهامية، كما قال ابن هشام في (مغني اللبيب) لا يدخل الاستفهام على الاستفهام، قال: أي: أجاب سالم بن عبد الله بن عمر عن سؤال هشام بن عروة بقوله: يقصر وإن تَمَادَى به أي: لو استمر مع المسافر ذلك أي: التردد شهرًا، والباء للمصاحبة، كما قال تعالى في سورة هود: ﴿اهْبِطْ بِسَلَامٍ﴾ [هود: ٤٨]، أي: معه به، الكثرة فإن الحكم في شهر في شهرين، فصاعدًا، وفي سنتين كذلك.
والدليل عليه ما رواه أبو داود (١) بإسناد، قال النووي: على شرط البخاري ومسلم عن جابر: أن النبي ﷺ أقام بتبوك عشرين يومًا يقصر الصلاة.
стр. 398
وروى البيهقي في (المعرفة) بسنده قال النووي: إنه على شرط الشيخين أن ابن عمر قال: أربح علينا الثلج، أي: أغلق.
قال محمد: نرى بصيغة المتكلم مع الغير، أي: نختار قصر الصلاة إذا دخل المسافر مصرًا من الأمصار، وفي معناه قرية من القرى، وإن وصلية عزم على المُقام، بضم الميم، أي: لو قصد الإِقامة ما دون العدد المعتبر، إلا أن يعزم أي: يقصد على المقام أي: على الإِقامة خمسة عشر يومًا فصاعدًا، فإذا عزم على ذلك أي: على الإِقامة مدة خمسة عشر يومًا، أتمّ الصلاة.
* * *
١٩٨ - أخبرنا مالك، أخبرنا عطاء الخُرَاسانيِّ، قال سعيد بن المسيّب: من أجْمع على إقامة أربعة أيام فليتمَّ الصلاة.
قال محمد: ولسنا نأخذ بهذا، يقصر المسافر حتى يُجْمع على إقامة خمس عشرة ليلة، وهو قول ابن عمر وسعيد بن جُبير وسعيد بن المسيّب.
• أخبرنا مالك، أي: ابن أنس بن عمير بن أبي عامر الأصبحي، من كبار أتباع التابعين، من الطبقة السابعة من أهل المدينة، وهي في الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة، وفي نسخة: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة أخرى: محمد قال: ثنا، وفي نسخة أخرى: محمد أخبرنا مالك، أخبرنا عطاء بن أبي مسلم بن ميسرة، وقيل: (ق ٢٠٣) عبد الله الخُرَاسانيِّ، أبو عثمان؛ مولى المطلب بن أبي صفرة، على الأشهر، وقيل: مولى لهذين أصله من مدينة بلخ، من خراسان، وهما بلدان في الإِقليم الرابع من الأقاليم السبعة، فتحها عمر بن الخطاب مع الصحابة، ﵃، وجعل قبلة أهلها بين مغربي الصيف والشتاء، فصار البلخ شرقيًا محازيًا بركن الحجر الأسود من الكعبة المكرمة، وهذا خلاصة ما قاله العيني (شارح الهداية)، في بيان سمت القبلة.
وفي نسخة: بنا، رمزًا إلى أخبرنا، وفي نسخة أخرى: قال: ثنا عطاء الخراساني، سكن بالشام، وولد سنة خمسين، وكان فاضلًا، عالمًا بالقرآن عاملًا به، وثقه ابن معين،
стр. 399
وروى عنه مالك ومعمر والأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز، وغيرهم، مات سنة خمس وثلاثين ومائة، كذا قاله الزرقاني.
قال: أي: عطاء بن أبي مسلم بن ميسرة، في الطبقة الأولى من الطبقات السبعة، من أهل المدينة، هي في الإِقليم الثاني، من الأقاليم السبعة وقد مر منقبته تفصيلًا في باب الصلاة في الثوب الواحد، من أجْمع أي: عزم ونوى على إقامة أربعة أيام أي: غير يومي الدخول والخروج، كما قال به مالك والشافعي، فليتم الصلاة أي: أربعة تقطع، ذلك حكم السفر.
قال محمد: أي: ابن الحسن بن فرقد الشيباني، من أتباع التابعين، في الطبقة السابعة من أهل الكوفة، وهي في الإِقليم الثالث من الأقاليم السبعة، ولسنا أي: ما كنا معشر الحنفية نأخذ أي: نعمل ونُفتي بهذا، أي: بأس سعيد بن المسيب، بل نقول: يقصر المسافر الصلاة حتى يُجْمع أي: يعزم وينوي على إقامة خمس عشرة ليلة.
لما رواه الطحاوي عن ابن عباس ﵄، وابن عمر ﵄، أنهما قالا: إذا قدمت بلدة، وأنت مسافر، وفي نفسك أن تقيم خمسة عشر يومًا فأكمل الصلاة بها، وإن كنت لا تدري متى تظعن فاقصرها، والظعن الارتحال.
وفي الكتب الستة (١) عن أنس بن مالك ﵁، أنه قال: خرجنا مع النبي ﷺ من المدينة إلى مكة فكان يصلي ركعتين ركعتين حتى رجعنا إلى المدينة، قيل له: كم أقمتم بمكة؟ قال: أقمنا بها عشرًا؛ فإن قيل: يحتمل أنهم يعزمون على السفر كل يوم أجيب بأن هذا الحديث في حجة الوداع، كما صرح به المنذري، فلا بد أنهم قصدوا إقامة أكثر من أربعة أيام لأجل النُسك، فإنه ﷺ دخل مكة يوم الأحد، صبح رابعة من ذي الحجة يتأتى هذا الاحتمال في إقامته ﷺ عام الفتح تسعة عشر يومًا، فيما روى البخاري من حديث ابن عباس: أن رسول الله ﷺ أقام بمكة تسعة عشر يومًا يقصر الصلاة، وفي بعض الطرق: بمكة عام الفتح.
قال المنذري: حديث أنس يخبر عن مقامه ﷺ (ق ٢٠٤) في حجة الوداع،
стр. 400
وحديث ابن عباس يخبر عن مقامه ﷺ في عام الفتح، وهو قول ابن عمر وسعيد بن جُبَير وسعيد بن المسيّب، فكان له قولان، وفي (غاية البيان) عن العلماء، في مدة الإِقامة للمسافر ثمانية عشر قولًا.
* * *
١٩٩ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن ابن عمر: أنه كان يصلي مع الإِمام بِمنى أربعًا، وإن صلى لنفسه صلَّى ركعتين.
قال محمد: وبهذا نأخذ، إذا كان الإِمام مقيمًا والرجل مسافرًا، وهو قولُ أبي حنيفة.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد أخبرنا، وفي نسخة أخرى: حدثنا، وفي نسخة أخرى: محمد قال: ثنا رمزًا إلى حدثنا، أخبرنا نافع، المدني، مولى ابن عمر تابعي، وفي نسخة: "عن" موضع "أخبرنا"، وفي نسخة: حدثنا نافع، عن ابن عمر: أنه كان يصلي مع الإِمام بِمنى أربعًا، وإن صلى لنفسه صلَّى ركعتين، أي: لأنه مسافر.
قال محمد: أي: المصنف ابن الحسن الشيباني، وبهذا أي: بأثر ابن عمر نأخذ، أي: نعمل ونفتي، إذا كان الإِمام مقيمًا والرجل مسافرًا، أي: فيجب على المأموم إتمام صلاته، تبعًا لإِمامه، وهو أي: إتمام الرجل صلاة إذا كان إمامه مقيمًا، قولُ أبي حنيفة، نعمان بن ثابت، تابعي في الطبقة السادسة من طبقات الفقهاء، وهو ابن سبعين سنة، ومات ببلده بغداد وهي في الإِقليم الثالث من الأقاليم السبعة، كذا في (خلاصة الهيئة).
لما فرغ من بيان صلاة المسافر، شرع في بيان قراءته في حال سفره، فقال: هذا
* * *
باب القراءة في الصلاة في السفر
بيان حكم القراءة في الصلاة، أي: حال كونها في صلاة المسافر، في السفر، أي: قدر المستحب منها، والمناسبة بين هذا الباب والباب السابق ظاهرة.
стр. 401
٢٠٠ - أخبرنا مالك, حدثنا نافع، أن ابن عمر كان يقرأ في السفر في الصبح بالعشر السُّور من أول المفصّل، يرددهنَّ في كل ركعة سورة.
قال محمد: يقرأ في الفجر في السفر بالسماء ذات البروج، والسماء والطارق، ونحوهما.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة أخرى: محمد أخبرنا، وفي نسخة أخرى: محمد قال: ثنا، أخبرنا نافع، أي: المدني، مولى ابن عمر، وفي نسخة: حدثنا، وفي نسخة: "عن" في موضع "أخبرنا" أن ابن عمر كان يقرأ في السفر في الصبح والباء بالعشر السُّور متعلقة أن يقرأ وهو من قبيل إضافة صفة إلى موصوفها، تقديره يقرأ ابن عمر، في حالة سفره في صلاة الصبح بسور عشرة، واللام تدخل في العدد المضاف، نحو: الثلاث الأثواب، قوله: من أول طوال المفصّل، بيان بالعشرة السور، وهو أي: أول المفصل سورة الحجرات على الأصح.
فإن قيل: لم سمي المفصل به؟
أجيب عنه: لكثرة فصوله، وقيل: لقلة المنسوخ فيه كذا قاله في (مراقي الفلاح).
يرددهنَّ هذا: أي: يقرأ ابن عمر في صلاة الصبح منهن في كل ركعة من ركعتي الفجر، قوله سورة، أي: سورة واحدة لدفع التوهم شاء من قوله بالعشر السورة، يعني: يقرأ ابن عمر في حال سفره في كل ركعة واحدة من ركعتي صلاة الفجر عشر سور تمامًا، وكما يؤيده هذا الوهم قوله: يرددهن أي: يكرر هذه السور في كل ركعة من ركعتي الفجر، وليس الأمر كذلك، بل الأمر الصحيح يقرأ استحبابًا في كل ركعة من ركعتي الفجر سورة واحدة من المفصل وفاتحة الكتاب، هذا إن لم يحصل بها مشقة وكان في الوقت سعة، وإلا وللضرورة يقرأ سورة شاء لأنه ﷺ قرأ بالمعوذتين في السفر والمعوذتين (ق ٢٠٥) بكسر الواو المشددة على صيغة اسم الفاعل، كأنهما تخففان من يقرأهما، نقلناه في تفسير (نور الأفئدة).
стр. 402
قال محمد: ابن الحسن الشيباني، من أتباع التابعين، من الطبقة السابعة من طبقات الحنفية، وهو ابن سنة ثمان وخمسين، مات بالكوفة في الإِقليم الثالث من الأقاليم السبعة يقرأ أي: المسافر في صلاة الفجر في حال السفر: والسماء ذات البروج، والسماء والطارق، ونحوهما وفي نسخة الشارح: يقرأ المصلي أي: ينبغي للمسافر أن يقرأ إلى آخره.
اعلم أن سنة القراءة في السفر عجلة الفاتحة، مع أي سورة تشاء؛ لما روى البخاري عن البراء بن عازب ﵁، عن النبي ﷺ ، كان في سفره يقرأ في العشاء في إحدى الركعتين والتين والزيتون (١)، وأما في حاله المهملة فنحو سورة البروج مع الفاتحة، لإمكان مراعاة السنة بذلك مع التخفيف، وأما في الحضر واستحسنوا في غير الضرورة طوال المفصل في الفجر والظهر، وأوساطه في العصر والعشاء، وهي من البروج إلى لم يكن وقصاره في المغرب.
لما روى عبد الرزاق في (مصنفه) عن سفيان الثوري، عن علي بن زيد عن الحسن وغيره: قال: كتب عمر إلى أبي موسى الأشعري: أن اقرأ في المغرب بقصار المفصل، وفي العشاء بأوساطه، وفي الصبح بطوال المفصل، كما قاله علي القاري.
لما فرغ من بيان القراءة في الصلاة في السفر، شرع في بيان حكم الجمع بين الصلاتين، في حال السفر والمطر، فقال: هذا
* * *
باب الجمع بين الصلاتين في السفر والمطر
بيان جواز الجمع بين الصلاتين، تأويله أن يؤخر الأولى إلى آخر وقتها فيصليها فيها، ويعجل الصلاة الثانية؛ فيصليها في أولها في حال السفر والمطر، وفي نسخة: الحضر، وهو تصحيف من الناسخ؛ لأنه لم يوجد في هذا الباب حديث يشهد على الحضر، والمناسبة بين هذا الباب والباب السابق الصلاة السفرية.
стр. 403
٢٠١ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ كان إذا عَجِل به السَّيْرُ جمع بين المغرب والعشاء.
• أخبرنا مالك بن أنس بن عمير بن أبي عامر الأصبحي، من أتباع التابعين في الطبقة السابعة من أهل المدينة، وهي في الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة أخرى: بنا، رمزًا إلى أخبرنا، وفي نسخة: محمد أخبرنا، أخبرنا نافع، أي: مولى ابن عمر، وفي نسخة: "عن" موضع "أخبرنا"، عن ابن عمر، ﵄ أن رسول الله ﷺ كان إذا عَجِل بضم العين المهملة وكسر الجيم المشددة، أي: أسرع وحصر به أي: بذاته ﷺ السَّيْرُ مرفوع على أنه نائب فاعل لعجل، ونسبة الفعل إلى السير مجاز وتوسع، يجمع بين المغرب والعشاء، جمع تأخير.
ففي الصحيح من رواية الزهري، عن سالم، عن أبيه، رأيتُ النبي ﷺ إذا عجله السير في السفر يؤخر المغرب حتى يجمع بينها وبين العشاء، وفي نسخة: جمع بصيغة الماضي، وقال مالك والشافعي وأحمد: الجمع جمع تقديم.
* * *
٢٠٢ - أخبرنا مالك، حدثنا نافع، أن ابن عمر حين جمع بين المغرب والعشاء في السفر؛ سار حتى غاب الشَّفَق.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد أخبرنا، حدثنا نافع، أن ابن عمر حين جمع بين المغرب والعشاء في السفر؛ سار (ق ٢٠٦) أي: ذهب بعد الغروب حتى غاب الشَّفَق، ظاهره دليلهم، ولا يبعد أن يقال: المعنى حتى قرب أن يغيب الشفق؛ بأن يصلي المغرب في آخر وقته، والعشاء في أول وقته.
* * *
стр. 404
٢٠٣ - أخبرنا مالك, أخبرنا داود بن الحُصين، أن عبد الرحمن بن هُرْمُز أخبره، قال: كان رسول الله ﷺ يجمع بين الظهر والعصر في سفره إلى تَبُوك.
قال محمد: وبهذا نأخذ، والجمع بين الصلاتين: أن تُؤَخَّر الأولى منهما فتصلى في آخر وقتها، وتُعَجِّل الثانية فتصلى في أول وقتها.
وقد بلغنا: عن ابن عُمَر أنه صلى المغرب حين أخَّرَ الصلاة قبل أن يغيب الشفق، خلاف ما روى مالك، وهو قولُ أبي حنيفة.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة أخرى: محمد أخبرنا، وفي نسخة أخرى: بنا، رمزًا إلى أخبرنا، أخبرنا داود بن الحُصين، بمهملتين، مصغر، الأموي مولاهم، أبو سليمان المدني، ثقة، تابعي في الطبقة السادسة من طبقات أهل المدينة، مات سنة خمس وثلاثين ومائة، كذا في (التقريب من أسامي الرجال) (١)، أن عبد الرحمن بن هُرْمز بضم الهاء، وسكون الراء، المهملة والميم المضمومة، والزاي المعجمة غير منصرف بالعلمية والعجمة، يكنى: أبا داود المزني، مولاهم ربيعة بن الحارث، ثقة من خيار التابعين، في الطبقة الخامسة من أهل المدينة، مات سنة سبع عشرة ومائة بالإِسكندرية، وهي جزيرة في الإِقليم الثالث من الأقاليم السبعة، كذا في (خلاصة الهيئة)، أخبره، أي: بين إلى داود بن الحصين، عن أبي هريرة، هكذا رُوي عن يحيى مسندًا ورُوي عنه مرسلًا الجمهور، وأن (الموطأ) ليحيى الليثي عن مالك، هكذا خلاصة ما قاله الزرقاني.
قال: أي: عبد الرحمن بن هرمز، عن أبي هريرة، ﵁، أنه قال: كان رسول الله ﷺ يجمع بين الظهر والعصر، أي: جمع تقديم إن ارتحل بعد زوال الشمس، وجمع تأخير إن ارتحل قبل الزوال على ما رواه أبو داود وغيره، عن معاذ بن جبل ﵁، أنه قال: أن النبي ﷺ : كان في غزوة تبوك، إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس آخر
стр. 405
الظهر حتى يجمعها إلى العصر فيصليهما جميعًا، وإن ارتحل بعد زيغ الشمس صلى الظهر والعصر جميعًا، كذا قاله الزرقاني (١).
في سفره إلى تَبُوك، يجوز صرفه ومنعه، لوزن الفعل، كتقول والعلم كزبور، وهو اسم كتاب أنزل على داود، صلوات الله على نبينا وعليه.
قال محمد: وبهذا أي: بهذا الحديث الذي رواه عبد الرحمن بن هرمز عن أبي هريرة، على ما رواه يحيى الليثي في (الموطأ) لمالك نأخذ، أي: نعمل ونفتي بالجواز، والجمع بين الصلاتين، أي: المراد الجمع بينهما عندنا أن تُؤَخِّر الأولى على صيغة المضارع المجهول الغائبة، وكذا المعطوفات عليها منهما فتصلى في آخر وقتها، وتُعَجَّل الثانية فتصلي في أول وقتها.
وقد بلغنا أي: والحال وصل إلينا عن ابن عُمَر ﵄، أنه صلى المغرب حين أي: وقت أخَّرَ الصلاة قبل أن يغيب الشفق، وهو الحمرة الحاصلة بعد غروب الشمس، وبها قال أبو يوسف ومحمد بقول ابن عمر ﵄، أنه قال: الشفق: الحمرة، وهو مروي عن أكابر الصحابة، وعليه إطباق أهل اللسان.
وقال أبو حنيفة، رحمه الله تعالى: الشفق هو البياض الذي يحصل في الأفق بعد الحمرة، ونقل رجوع أبو حنيفة إلى قولهما.
وفي المبسوط قول الإِمام: أحوط، وقولهما أوسع، أي: أرفق للناس.
قال ابن النجيم: إن الصحيح المفتى به قول أصحاب المذهب لا قول صاحبه، واستفيد منه أنه لا يفتى ولا يعمل إلا بقول الإِمام، وما عدل عنه إلى قولهما إلا لموجب من ضعف، أو ضرورة وتعامل واستفيد فيه (ق ٢٠٧) أيضًا أن بعض المشايخ، وإن قال الفتوى على قول أبي يوسف ومحمد، وإن كان دليل الإِمام واضحًا ومذهبه ثابتًا لا يلتفت إلى فتواه، وإذا ظهر لنا دليله وصحته، وأنَّه أقوى من دليلها، وجب علينا اتباعه والعمل به، كذا نقلنا في (سلم الفلاح، شرح مذنب نور الإِيضاح)، هذا خولف خلافًا ما روي مالك، من أنَّه جوز الجمع بين المغرب والعشاء جمع تقديم، والأصل منع الجمع، وقد قال
стр. 406
الله في سورة النساء: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣]، وهو أي: جواز الجمع بين المغرب والعشاء، وبأن تؤخر المغرب قبل أن تغيب الشفق البياض وتصلي وبعدها أن تصلي العشاء قولُ أبي حنيفة، نعمان بن ثابت الكوفي.
* * *
٢٠٤ - أخبرنا مالك، حدثنا نافع، عن ابن عُمَر، أنه كان إذا جمع الأمراءُ بين المغرب والعشاء جمع معهم في المطر.
قال محمد: ولسنا نأخذ بهذا، لا نجمع بين الصلاتين في وقت واحد، إلا الظهْرَ والعصر بعَرَفة، والمغربَ، والعشاءَ بالْمُزْدَلِفَةِ، وهو قولُ أبي حنيفة.
قال محمد: وبلغنا عن عمر بن الخطاب أنه كتب في الآفاق: أن يجمعوا بين الصلاتين، ويخبرهم: أن الجمع بين الصلاتين في وقت واحدٍ كبيرةٌ من الكبائر، أخبرنا بذلك، الثقات عن العَلَاءِ بن الحارث عن مكحول.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: أخبرنا، وفي نسخة أخرى: ثنا رمزًا إلى حدثنا، حدثنا نافع، وفي نسخة: "عن" موضع "حدثنا"، عن ابن عُمَر، ﵄، بأنه كان إذا جمع الأمراءُ أي: جمع أمير، أي: الأئمة في ذلك الوقت، بين المغرب والعشاء جمع معهم في المطر، أي: حذوا من وقت الجماعة الثانية، فقد قال مالك وأحمد: يجوز ذلك بين المغرب والعشاء جمع تقديم لا بين الظهر والعصر كما عمم الشافعي سواء قوي المطر أو ضعف إذا بل الثوب، وهذه رخصة عندهم بمن يصلي في مسجد جماعة يقصدونه من بعد ويتأذى بالمطر في طريقه، وأما من هو في المسجد أو يصلي في بيته جماعة، أو عشى فركن أو كان المسجد في باب داره ففيه خلاف الشافعي وأحمد، وأما الرجل من غير مطر فلا يجوز الجمع به عند الشافعي.
وقال أحمد بجوازه، وهو وجه اختاره المتأخرون من أصحاب الشافعي، وعن ابن سيرين مولى أنس بن مالك، أنه يجوز من غير مرض ولا خوف ولا حاجة اتخذه عادة.
стр. 407
واختار ابن المنذر وجماعة جواز الجمع في الحضر من غير خوف ولا مرض ولا مطر.
قال محمد: ولسنا أي: لم نكن نأخذ، لا نعمل ولا نفتي بهذا أي: بأثر ابن عمر: لا نجمع بين الصلاتين في وقت واحد، أي: السفر أو المطر يعني الجمع بين صلاتي الظهر والعصر وبين صلاتي المغرب والعشاء لعذر سفر أو مطر غير جائز عندنا، خلافا للشافعي فإنه مخير إن شاء صلى الظهر وقت العصر أو وقت الظهر، وكذا في المغرب والعشاء، كذا في (شرح مجمع البحرين) لابن مالك، إلا الظهْرَ والعصر بعَرَفة هي علم لمواضع الموقف للحجاج، سمي بالجمع منصرف، ولا اعتبار للتاء في اللفظ أنها علامة لجمع التأنيث مع الألف قبل التاء، وإنما سمي الموقف بعرفات؛ لأن الناس يتعارفون فيه أو لأن جبريل ﵇ كان يدور بإبراهيم صلوات الله على نبينا وعليه في مواضع العبادة، وقيل: إن جبريل ﵇ لما علَّم إبراهيم المناسك وأوصله إلى عرفات فقال له: أعرفت كيف تطوف، وأي: موضع تقف؟ قال: نعم، فإذا أردت تفصيله، فاطلبه من قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٨]، يعني: يجوز الجمع للحاج بين صلاتي (ق ٢٠٨) الظهر وصلاة العصر في وقت الظهر بعرفات بشرطين: أحدهما: الإِمام، والثاني: الإحرام.
فلا يجوز للمنفرد أن يجمع بين صلاتي الظهر والعصر في وقت الظهر في عرفات، ولا يجوز أن يصلي العصر بالجماعة مع الإِمام في وقت الظهر لمن صلى الظهر في جماعة بلا إحرام ثم أحرم.
لكن يجوز أن يصلي العصر في وقته لمن صلى الظهر بجماعة بلا إحرام، ثم أحرم للحج، كذا بيناه في (سلم الفلاح)، والمغربَ، والعشاءَ بالْمُزْدَلِفَةِ، يعني: يجوز الجمع بين صلاتي العشاء والمغرب جمع تأخير بمزدلفة وسميت بمزدلفة لاجتماع الناس فيها، ومنه قوله تعالى في سورة الشعراء: ﴿وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ﴾ [الشعراء: ٦٤]، أي: جمعناهم، وهو أي: ما ذكر مفصلًا قولُ أبي حنيفة، أي: نعمان بن ثابت الكوفي، مات في بغداد.
قال محمد: وبلغنا أي: الخبر عن عمر بن الخطاب ﵁، أنه كتب في الآفاق، قال أهل اللغة: بمد الهمزة والفاء والقاف بينهما ألف النواحي والواحد أُفق وهو
стр. 408
الناحية والطريق، ينهاهم أي: حال كونه ينهى أهل النواحي أن يجمعوا بين الصلاتين، ويخبرهم: أن الجمع بين الصلاتين في وقت واحدٍ كبيرةٌ من الكبائر، لأنه عزم منه أداء صلاة في غير وقتها، وهي فاسدة فيكون تاركًا لتلك الصلاة.
أخبرنا بذلك، أي: بأن الجمع بين الصلاتين كبيرة من الكبائر، الثقات بكسر المثلثة، أي: العدول من الرواة، عن العَلَاءِ بن الحارث بن عبيد، وهو ابن سبعين سنة، مات سنة ستة وثلاثين بعد المائة (١).
عن مكحول، أبي عبد الله، ثقة فقيه، كثير الإِرسال، مشهور، مات سنة بضع عشرة ومائة، تابعي من الطبقة الخامسة من أهل الشام، وهي في الإِقليم الثالث من الأقاليم السبعة، ومكحول كان معلمًا للأوزاعي، قال الزهري: العلماء أربعة: ابن المسيب بالمدينة، والشعبي بالكوفة، والحسن البصري بالبصرة، ومكحول بالشام، فلم يكن في زمان مكحول: أبصر بالفُتيا منه، وكان لا يفتي حتى يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، هذا رأيي والرأي يخطئ ويصيب.
روى عن جماعة من الصحابة، وعنه كثير خلق.
لما فرغ من بيان جواز الجمع بين صلاتي الظهر والعصر بالتأخير، والمغرب والعشاء في السفر والمصر، شرع في بيان جواز الصلاة على الدابة في السفر، فقال: هذا
* * *
باب الصلاة على الدابة في السفر
بيان حكم الصلاة على الدابة في حال السفر. أخذ المصنف هذه الترجمة من قوله تعالى في سورة البقرة، ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥]، أي: قبلة الله.
قال عبد الله بن عمر: نزلت هذه في المسافر يصلي التطوع حيث ما توجهت به راحلته، كذا في (معالم التنزيل) للبغوي، والمناسبة بين هذا الباب والباب السابق، الصلاة في السفر.
стр. 409
٢٠٥ - أخبرنا مالك, حدثنا عبد الله بن دينار، قال: عبد الله بن عمر: كان رسول الله ﷺ يصلي على راحلته في السفر حيث ما تَوَجَّهَتْ به، قال: وكان عبد الله بن عمر يصنع ذلك.
• أخبرنا مالك, وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة أخرى: محمد أخبرنا، حدثنا عبد الله بن دينار العدوي، مولاهم أبو عبد الرحمن، المدني، مولى ابن عمر، ثقة، تابعي في الطبقة الرابعة من أهل (ق ٢٠٩) المدينة، وهي في الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة، مات سنة سبع وعشرين ومائة، كذا في (التقريب من أسماء الرجال)، وفي نسخة: أخبرنا، قال: قال عبد الله بن عمر: كان رسول الله ﷺ يصلي أي: صلاة نافلة بإيمائه وإشارته على راحلته أي: على ناقته وهي من جياد الإِبل، فقد ورد: "الناس كإبل مائة لا تجد فيها راحلته"، في السفر قيل: قدر فرسخين، وقيل: قدر رمح، والأصح في كل موضع يقضي فيه المسافر، ولا يشرط السفر، وشرطه أحمد، وعن أبي يوسف وهو مذهب الشافعي.
ورواية عن أحمد: يجوز التنفل في المطر أيضًا على الدابة، حيث ما تَوَجَهَتْ أي: راحلته ﷺ به، والباء للتعدية والضمير المجرور، إما عائد إلى حيث أو إلى النبي ﷺ ، فالعائد إلى حيثما محذوف، أي: إليه، كذا قاله الهروي يمينًا وشمالًا يوافق القبلة أم لا ومفهومه أنه ﷺ يجلس عليها على هيئته التي يركبها عليه، ويستقبل بوجهه ما استقبلته الراحلة، فتقديره إلى حيث توجهت، فقوله: توجهت متعلق بيصلي.
قال: أي: عبد الله بن دينار: وكان عبد الله بن عمر يصنع ذلك، أي: يصلي على دابته لكمال متابعته فيما هنالك عقب المرفوع بالموقوف مع أن الحجة قائمة بالمرفوع لبيان أنَّ العمل استمر على ذلك ولم يتطرق إليه نسخ ولا معارض راجح.
* * *
стр. 410
٢٠٦ - أخبرنا مالك، أخبرني أبو بكر بن عُمر بن عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر، أن سعيدًا أخبره: أنه كان مع عبد الله بن عمر في سفر، فكنت أسير معه وأتحدَّث معه، حتى إذا خَشيت أن يطلع الفجر، تخلَّفْت، فنزلت، فأوْتَرْت، ثم ركبت فلحقته، فقال لي ابن عمر: أين كنت؟ قال: فقلت: يا أبا عبد الرحمن نزلت فأوْتَرْتُ، وخشيت أن أُصبح، فقال: أليس لك في رسول الله ﷺ أسْوَة حسنة؟ فقلت: بلى والله، قال: فإن رسول الله ﷺ كان يُوتِر على البعير.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد أخبرنا، وفي نسخة أخرى: محمد قال، أخبرني أي: وحدي أبو بكر بن عُمر، بلا واو، وفي رواية يحيى: عن أبي بكر بن عمرو، بالواو وجميع الرواة يقولون بخلافه.
قال السيوطي: ليحيى عن مالك عن أبي بكر بن عمرو، عن سعيد بن يسار، وقال ابن عبد البر: كذا وقع في نسختنا، وكان أحمد بن خالد، يقول: عن أبي بكر بن عمر، كذا قاله جماعة أصحاب مالك، وهو كما قاله، وأنه أبو بكر بن عمر بن عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر، كذا رواه جماعة، أي: ابن الخطاب، ولم أقف على اسمه، أن سعيدًا أي: ابن يسار، أخبره أي: إلى أبي بكر بن عمر أنه أي: سعيد كان مع عبد الله بن عمر في سفر، فكنت أسير معه أي: مترافقين، وأتحدَّث معه، أي: متوفقين حتى إذا خشيت أن يطلع الفجر، تخلَّفْت، أي: عن السير معه فنزلت، أي: عن الدابة فأوْتَرْت، أي: فصليت الوتر على الأرض، وهذا يدل على وجوبه، ثم ركبت فلحقته، أي: أدركت ابن عمر، فقال لي ابن عمر: أين كنت؟ أي: فيما تخلفت، فقلت: يا أبا عبد الرحمن نزلت فأوْتَرْتُ، وخشيت أن أُصبح، أي: أدخل في الصباح فيفوتني الوتر، فلذا تأخرت، فقال: أي: عبد الله بن عمر: أليس لك في رسول الله ﷺ أسْوَة حسنة بكسر الهمزة وفتحها، أي: اقتداء يستحسن نقلًا وعقلًا، فقلت: بلى والله، قال: فإن رسول الله ﷺ كان يُوتِر على البعير، ظاهره دائمًا، ويحتمل أنه يقع أحيانًا لعذر به ﷺ (ق ٢١٠)
стр. 411
والله أعلم، ومع الاحتمال لا يصلح الاستدلال هذا.
وقال الطحاوي: ويعارض حديث الوتر على البعير حديث حنظلة بن سفيان عن نافع، عن ابن عمر، أنه كان يصلي على راحلته ويوتر بالأرض، ويزعم أن النبي ﷺ فعل ذلك، والعجب من الخصم أن يقول الوتر فرض على النبي ﷺ ثم يزعمون جواز هذا الفرض على الراحلة، ويقولون لخصمهم: لو كان فرضًا لما أُدي على الراحلة.
* * *
٢٠٧ - أخبرنا مالك، أخبرني عمرو بن يحيى، عن سعيد بن يسار، عن عبد الله بن عمر، قال: رأيتُ رسول الله ﷺ يصلي على حمار وهو متوجِّه إلى خَيْبَر.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد أخبرنا، وفي نسخة أخرى: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، أخبرنا عمرو بن يحيى، بن عمار بن أبي حسن المازني، ثقة في الطبقة السادسة من أهل المدينة، مات في سنة مائة بعد الثلاثين، وفي نسخة: أخبرني بالإِفراد، وفي نسخة: "عن" موضع "أخبرنا"، عن سعيد بن يسار، المدني، ثقة، تابعي، في الطبقة الرابعة مات سنة سبع عشرة ومائة، وقيل: قبلها، عن عبد الله بن عمر، ﵄، أنه قال: رأيت رسول الله ﷺ يصلي على حمار لم يتابع عليه عمرو بن يحيى، وإنما يقولون: على راحلته.
قال النسائي: أي حديث ابن عمر، فالمعروف والمحفوظ فيه راحلته، وبين الصلاة على الدابة والصلاة على الراحلة فرق في التمكن لا يجهل، وأما غير ابن عمر فروى جابر: كان ﷺ يصلي أينما كان وجهه على الدابة، وقال الحسن: كان الصحابة يصلون في أسفارهم على دوابهم أينما كانت وجوههم، كذا قاله في (التمهيد)، لكن لرواية عمرو شاهد يحيى بن سعيد عن أنس، رأى النبي ﷺ يصلي على حماره وهو ذاهب إلى خيبر، رواه السراج بإسناد حسن.
стр. 412
وهو أي: النبي ﷺ متوجِّه إلى خَيْبَر، بخاء معجمة أوله وراء آخره، زاد الحسيني عن مالك خارج (الموطأ) ويومئ إيماءً، أي: الركوع والسجود أخفض منه تمييزًا بينهما وليكون البدل على وفق الأصلي، وهذا الحديث أخرجه مسلم عن يحيى عن مالك به.
* * *
٢٠٨ - أخبرنا مالك، أخبرني يحيى بن سعيد؛ قال: رأيت أنس بن مالك في سفر يصلي على حماره، وهو متوجه إلى غير القبلة، يَركع ويسجد إيماء برأسه، من غير أن يضع وجهه على شيء.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة أخرى: محمد أخبرنا، وفي نسخة أخرى: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، أخبرنا يحيى بن سعيد بن قيس الأنصاري، المدني، أبو سعيد القاضي، تابعي، ثقة، ثبت، في الطبقة الخامسة من أهل المدينة، مات سنة أربع وأربعين أو بعدها ومائة (١)، وفي نسخة: قال: أخبرنا، وفي نسخة أخرى: قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، قال: رأيت أنس بن مالك في سفر يصلي على حماره، وهو متوجه إلى غير القبلة، يَركع ويسجد إيماء برأسه، من غير أن يضع وجهه على شيء، بردعه أو غيرها.
زاد البخاري ومسلم: عن محمد بن سيرين عن أنس أنه قال: لولا أني رأيتُ رسول الله ﷺ فعله لم أفعله.
قال المهلب: هذه الأحاديث تختص قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤]، أي: جانب المسجد الحرام، وتبين أن قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥]، أي: قبلة الله في النافلة.
وقد أخذ بمضمونها فقهاء الأمصار؛ إلا أن أحمد وأبا ثور استحبا أن يستقبل القبلة
стр. 413
بالتكبير حال ابتداء الصلاة، (ق ٢١١) لما رواه أبو داود، وأحمد، والدارقطني (١) عن أنس: كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يتطوع في السفر استقبل بناقته القبلة، ثم صلى حيث توجهت ركابه. واختلف في السفر الذي لا تقتصر فيه الصلاة، فأجاز الجمهور: في كل سفر، وخصه مالك في المشهور عنه بسفر القصر، وحجته أن هذه الأحاديث إنما وردت في أسفاره ﷺ ولم ينتقل عنه أنه سافر سفرًا قصيرًا فصنع ذلك، كذا قاله الزرقاني (٢).
* * *
٢٠٩ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، أن ابن عمر لم يصل مع صلاة الفريضة في السفر التطوعَ قبلها ولا بعدها، إلا من جوف الليل، فإنه كان يصلي نازلًا على الأرض، وعلى بعيره أينما توجّه به.
قال محمد: لا بأس بأن يصلي المسافر على الدابة تطوعًا إيماء وحيث كان وجهه، ويجعل السجود أخفض من الركوع، فأما الوَتْرُ والمكتوبة فإنهما تُصَلّيان على الأرض، وبذلك جاءَت الآثار.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، وفي نسخة أخرى: محمد أخبرنا، وفي نسخة أخرى: ثنا، أخبرنا نافع، المدني، مولى ابن عمر، وفي نسخة: أن ابن عمر لم يصل مع صلاة الفريضة في السفر التطوع أي: القوافل الشوامل للسنن الرواتب، قبلها ولا بعدها، أي: قبل صلاة فرض أداها وبعدها إلا من جوف الليل، وهو يشمل أول الليل وآخره، فإنه أي: ابن عمر، كان يصلي نازلًا على الأرض، أي: لأنه كان ينزل بالليل في المنزل، وعلى بعيره أي: ويصلي التطوع على مركوبه، أينما توجّه، والباء للتعدية، والضمير المجرور إما عائد إلى أين، أو إلى ابن عمر.
قال محمد: أي: ابن الحسن الشيباني: لا بأس أي: لا كراهة بأن يصلي المسافر على دابته تطوعًا أي: سننًا رواتب وغيرها، إيماء أي: إشارة، حيث, وفي نسخة: حيثما
стр. 414
كان وجهه، من الجهات الأربع، ويجعل السجود أي: إيمائه إليه، أخفض من الركوع، أي: من إيمائه إليه، والجملة استثنائية بيانية أو حالية، فأما الوَتْرُ لكونه واجبًا عند أبي حنيفة وآكد السنن عند صاحبيه، والمكتوبة أي: أداءً وقضاء أو نذرًا فإنهما أي: صلاة الوتر والمكتوبة، تُصَلّيان على صيغة المجهول، على الأرض، وكذا صلاة الجنازة والسجدة التي تليت على الأرض. وعن أبي حنيفة: ينزل الراكب لسنة الفجر لأنها آكد الرواتب، وعنه أنها واجبة، وبذلك أي: في حق أن تكون صلاة الوتر والمكتوبة تصليان على الأرض، جاءَت الآثار، أي: الأحاديث والأخبار، منها الوارد هنا ستة آثار.
* * *
٢١٠ - قال محمد: أخبرنا أبو حنيفة، عن حُصين، قال: كان عبد الله بن عمر يصلي التطوع على راحلته إيماءً أينما توجهت به، فإذا كانت الفريضة والوتر نزل فصلى.
• قال محمد: أخبرنا أبو حنيفة، أي: سلطان المجتهدين في الذهب، برهان الأئمة في المشارق والمغارب، الإِمام الأعظم، والهمام الأكرم نعمان بن ثابت بن طاوس بن هرمز بن ملك بن شيبان، تابعي ولد في عهد الصحابة سنة ثمانين، وقيل: إحدى وستين، وكان في الطبقة السادسة من طبقات الفقهاء وهو ابن سبعين سنة، في أشهر الروايات، ومات سنة خمسين ومائة ببغداد، وهي بلدة في الإِقليم الثالث من الأقاليم السبعة. عن حصين بالتصغير، وهو ابن مالك البجلي، صدوق تابعي، في الطبقة الثالثة من أهل الكوفة، وهي بلدة في الإِقليم الثالث من الأقاليم السبعة. قال: أي: حُصين بن مالك، كان عبد الله بن عمر يصلي التطوع أي: السنن الرواتب وغيرها، على راحلته إيماءً أينما توجهت أي: راحلة ابن عمر، به، والباء للتعدية والضمير المجرور عائد إلى حيث ما أو إلى ابن عمر، فإذا كانت أي: الصلاة (ق ٢١٢) الفريضة أي: إذا أوقعت الفريضة، أو الوتر نزل فصلى على الأرض لكونه واجبًا بمنزلة الفرض.
* * *
стр. 415
٢١١ - قال محمد: أخبرنا عمر بن ذرّ الهَمْدَانيّ، عن مجاهد، أن ابن عمر كان لا يزيد على المكتوبة في السفر على الركعتين، لا يصلي قبلها ولا بعدها، ويُحْيي الليل على ظهر البعيرِ أينما كان وجهه، وينزل قبل الفجر فيوتر بالأرض، وإذا أقام ليلة في منزل أحيا الليل.
• قال محمد: أخبرنا عمر بن ذرّ بكسر الذال المعجمة وتشديد الراء المهملة، ابن عبد الله بن ذرارة الهَمْدَانيّ، بفتح الهاء وسكون الميم وفتح الدال المهملة، والألف والنون والياء نسبة إلى قبيلة، كوفي، كانت في الإِقليم الثالث من الأقاليم السبعة، وهو من أتباع التابعين، ثقة، في الطبقة السادسة، كذا قاله ابن حجر (١)، وفي نسخة: قال محمد: أنا، رمزًا إلى أخبرنا، عن مجاهد بن جبر، بفتح الجيم، وسكون الموحدة يكنى أبا الحجاج المخزومي، مولاهم المكي، ثقة، إمام في التفسير وفي العلوم، وكان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل مكة، مات سنة إحدى أو اثنين أو ثلاث أو أربع ومائة وله ثلاث وثمانون، كذا في (تقريب التهذيب)، أن ابن عمر كان لا يزيد على المكتوبة في حال السفر على الركعتين، لا يصلي قبلها ولا بعدها، أي: سننًا من السنن النوافل.
ويؤيده ما رواه البخاري (٢) من حديث حفص بن عاصم، فقال: سافر ابن عمر فقال: صحبتُ النبي ﷺ فلم أر يسبح في السفر، وقد قال الله تعالى في سورة الأحزاب: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]، أي: متابعة، ومعنى يسبح: يصلي التطوع، ويُحْيي بضم التحتية وسكون الحاء المهملة وبعدها ياء تحتية مكسورة، من الإِحياء، أي: يقيم ابن عمر الليل أي: بالصلاة على ظهر البعيرِ أينما كان وجهه، أي: وجه نفسه أو وجه بعيره، وينزل قبل الفجر فيوتر بالأرض، وفي نسخة: في الأرض، وإذا أقام ليلة في منزل أحيا الليل، أي: بالصلاة على الأرض.
* * *
стр. 416
٢١٢ - قال محمد: أخبرنا محمد بن أَبَانَ بن صالح، عن حماد بن أبي سليمان، عن مجاهد، قال: صحبت عبد الله بن عمر من مكة إلى المدينة، فكان يصلي الصلاة كلها على بعيره نحو المدينة، ويومئ برأسه إيماءً ويجعل السجود أخفض من الركوع، إلا المكتوبة والوتر، فإنه كان ينزل لهما، فسألته عن ذلك فقال: كان رسول الله ﷺ يفعله حيث كان وجهه، يومئ برأسه، ويجعل السجود أخفض من الركوع.
• قال محمد: أخبرنا محمد بن أَبَانَ بفتح الهمزة، وبالموحدة المخففة والألف والنون ابن صالح القرشي، ويقال له: الجعفي، الكوفي، ضعفه أبو داود وابن معين، وقيل: كان مرجئًا صدوق، كان في الطبقة العاشرة من طبقات التابعين من أهل الكوفة، مات سنة ثمان وثلاثين ومائة، وعاش تسعين سنة، كذا قاله الذهبي في (الميزان)، وابن حجر في (تقريب التهذيب). عن حماد بن أبي سليمان، مسلم مولى إبراهيم بن أبي موسى الأشعري، وهو أفضل التابعين وأكمل أئمة المهتدين، في الطبقة الخامسة من فقهاء الكوفة، عن مجاهد، وهو تابعي، قال: صحبت عبد الله بن عمر ﵄، لم يقل صاحبت تأدبًا، من مكة إلى المدينة، فكان يصلي الصلاة أي: جنسها كلها أي: جميع أنواعها، على بعيره نحو المدينة، أي: جانبها مع أن الصلاة بين مكة والمدينة، ويومئ أي: يشير برأسه إيماءً ويجعل السجود أي: في إيمائه إليه أخفض أي: أسفل من إيمائها إلى ركوعه، أي: قيامًا على أصلهما، إلا المكتوبة والوتر، استثناءً من كلها فإنه أي: الشأن أو ابن عمر كان ينزل لهما، أي: حيث لم يكن له عذر في أدائها على الأرض، وإلا فيجوز أداء الفريضة على الدابة إن خاف زيادة المرض أو سبعًا، (ق ٢١٣) أو عدوًا، أو كانت الدابة جموحًا، أو كان الطين والوحل بحال يغيب فيه وجهه، وهذا إذا كانت الدابة تسير بنفسها، وإن كانت تسير بتسييرها صاحبها، فالفريضة لا تجوز كما لا تجوز التطوع، كذا ذكره الشمني،، ويشكل إذا كان الخوف من عدو، وكذا إذا كان الطين والوحل،
стр. 417
لا سيما إذا كان الوقت ضيقًا، فسألته أي: ابن عمر، عن ذلك أي: عن التطوع على الدابة، فقال: كان رسول الله ﷺ يفعله، أي: يصلي التطوع حيث كان وجهه، أي: وقع وجهه وهو في سفره، يومئ برأسه، ويجعل أي: إيمائه إلى السجود أخفض أي: أسفل من إيمائه إلى الركوع، وترك تتمة ما فعله اختصارًا.
* * *
٢١٣ - قال محمد: أخبرنا إسماعيل بن عيّاش، قال: حدثني هشام بن عُروة، عن أبيه، أنه كان يصلي على ظهر راحلته، يسجد حيث توجهت، ولا يضع جَبهته، ولكن يشير للركوع والسجود برأسه، فإذا نزل أوتر.
• قال محمد: أخبرنا إسماعيل بن عيّاش، بالتحتية المشددة، هو ابن مسلم العنسي بالنون، أبو عتبة الحمصي، صدوق في روايته عن أهل بلده، من أتباع التابعين، في الطبقة الثامنة، مات سنة إحدى أو اثنين وثمانين بعد المائة، وله بضع وتسعون، كذا قاله ابن حجر في (التقريب من أسماء الرجال) (١).
قال: حدثني أي: وحدي، وفي نسخة: ثنا، رمزًا إلى حدثنا هشام بن عُروة، عن أبيه، وهو عروة بن الزبير بن العوام، كان في الطبقة الثانية من أهل المدينة، كذا قال أبو الفرج من علماء الحنبلية، في (طبقاته) (٢)، أنه كان يصلي على ظهر راحلته، أي: دابته يسجد كذا في نسخة: أي: يومئ برأسه إلى السجود أخفض من إيمائه إلى الركوع، حيث توجهت، أي: راحلته، ولا يضع جَبهته، أي: على شيء، ولكن يشير للركوع والسجود برأسه، أي: كما سبق، فإذا نزل عن راحلته أوتر، أي: يصلي صلاة الوتر على الأرض لكونها واجبة عند أبي حنيفة، وسنة مؤكدة عند صاحبيه.
* * *
стр. 418
٢١٤ - قال محمد: أخبرنا خالد بن عبد الله، عن المغيرة الضبيّ، عن إبراهيم النَّخَعي، أن ابن عمر كان يصلي على راحلته حيث كان وجهه، تطوعًا، ويومئ إيماء ويقرأ السجدة فيومئ، وينزل للمكتوبة والوتر.
• قال محمد: أخبرنا وفي نسخة: حدثنا خالد بن عبد الله، أي: ابن محرز المازني البصري، كان في الطبقة السابعة من أهل البصرة وهي في الإِقليم الثالث من الأقاليم السبعة (١)، كذا في (خلاصة الهيئة)، عن المغيرة بضم فكسر الضبي، بفتح الضاد المعجمة وكسر الموحدة المشددة، وهو أبو هشام الكوفي، الأعمى، ثقة متقن، إلا أنه كان يدلس ولا سيما عن إبراهيم من الطبقة السادسة، مات سنة ثلاث وثلاثين ومائة في الصحيح، كذا قاله ابن حجر في (التقريب) (٢)، عن إبراهيم النَّخَعي، بفتحتين، ابن يزيد بن الأسود بن عمرو بن ربيعة بن الحارث بن سعد بن مالك، تابعي، رأى عائشة ﵂، ودخل عليها، وثبت له سماع، وأدرك عصر الصحابة ﵃، أخذ العلم عن علقمة والأسود من أصحاب عبد الله بن مسعود ﵁.
وروى عن: عبد الرحمن السلمي، صاحب علي بن أبي طالب ﵁.
وكان أعلم الكوفة، والمقتدى في وقته، كان يفتي وهو ابن ست عشرة سنة، والعصر عصر بقية التابعين، كان في الطبقة الرابعة من طبقات الفقهاء، وهو ابن ست وأربعين، ومات سنة ست وتسعين، وقيل سنة خمس ومائة، كذا قاله في (طبقات الحنفية)، أن ابن عمر كان يصلي على ظهر (ق ٢١٤) راحلته أي: دابته، حيث كان وجهه، أي: وجه نفسه تطوعًا، ويومئ إيماء ويقرأ السجدة أي: آيتها فوق الدابة، فيومئ أي: بسجدتها وهذا تيسير إلى مذهب الشافعي، من أن سجدة التلاوة سنة لا واجبة كما هو عندنا، وينزل للمكتوبة والوتر.
* * *
стр. 419
٢١٥ - قال محمد: أخبرنا الفضيل بن غَزْوان، عن نافع، عن ابن عمر، قال: كان أينما توجهت به راحلته صلى التطوع، فإذا أراد أن يُوتِرَ نزل فأوتر.
• قال محمد: أخبرنا الفضيل بن غَزْوان، بفتح الغين المعجمة، وسكون الزاي المعجمة، وهو ابن يزيد الرقاشي، إنه تابعي في الطبقة الثانية من أهل البصرة، وهي بلدة في الإِقليم الثالث من الأقاليم السبعة، كذا قاله أبو الفرج ابن الجوزي في (طبقاته) (١)، عن نافع، المدني، مولى ابن عمر ﵄، أنه قال: أي: نافع، كان أي: ابن عمر أينما توجهت به راحلته صلى التطوع، والباء للتعدية والضمير المجرور إلى ابن عمر يعني أنَّ ابن عمر يصلي التطوع على دابته إلى أيِّ جانب توجهت دابته، وتقبله إليه، فإذا أراد أن يُوتِرَ نزل فأوتر، أي: صلى الوتر.
وفي مسند أحمد والصحيحين (٢) عن جابر: أن رسول الله ﷺ كان يصلي على راحلته حيثما توجهت به، فإذا أراد أن يصلي المكتوبة نزل فاستقبل القبلة.
ولا يبعد أن يقول المكتوبة الفرض والوتر الواجب؛ لأنه فرض عملي عند من يقول به، كذا قاله علي القاري.
لما فرغ من بيان الصلاة على الدابة في السفر، شرع في بيان الصلاة الفائتة، فقال: هذا
* * *
باب الرجل يصلي فيذكر عليه صلاة فائتة
بيان حال الرجل يصلي، أي: مع الإِمام، فتذكر من باب التفعل، أي: طلع في قلبه، وفي نسخة: فيذكر أن عليه، أي: ثبت عليه صلاة فائتة، أصلها فاوت قلبت واوه
стр. 420
همزة لوقوعها بعد الألف الزائدة وجمعها فوائت، فالذكر المستفاد منه قوله: فيذكر على نسخة مصدر من ذكر يذكر ذكر بكسر الذال المعجمة، وسكون القاف فيكون بمعنى ما يجري على اللسان من التلفظ، وبضم الذال المعجمة وسكون الكاف فيكون بمعنى ما يجري في القلب ويحضر فيه، وهنا بمعنى الحضور فيه، واستنبط المصنف هذه الترجمة من قوله تعالى في سورة طه: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤]، والمناسبة بين هذا الباب وذاك الباب إسقاط ما لزم عليه.
* * *
٢١٦ - أخبرنا مالك، حدثنا نافع، عن ابن عمر، أنه كان يقول: من نسي صلاةً من صلاته فلم يذكرها إلا وهو مع الإِمام، فإذا سلم الإِمام فليصل صلاته التي نسى، ثم ليصلّ بعدها الصلاة الأخرى.
قال محمد: وبهذا نأخذ، إلا في خصلة واحدة: إذا ذكرها وهو في صلاة في آخر وقتها، يخاف إن بدأ بالأولى أن يخرج وقت هذه الثانية قبل أن يصليها، فليبدأ بهذه الثانية حتى يفرغ منها، ثم يصلي الأولى بعد ذلك. وهو قولُ أبي حنيفة وسعيد بن المسيب.
• أخبرنا مالك، أي: ابن أنس بن عمير بن أبي عامر الأصبحي، الإِمام، من كبار أتباع التابعين، في الطبقة السابعة من أهل المدينة، وهي بلدة في الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، أبرنا نافع، المدني، مولى ابن عمر، وفي نسخة: حدثنا، وفي نسخة: "عن" موضع "أخبرنا"، عن ابن عمر، ﵄، أنه كان يقول: من نسى صلاةً أي: تركها كما يقال: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧] , أي: تركهم، كذا في الأخرى أو من غفل عنها كذا قاله السيد الشريف الجرجاني.
стр. 421
فالغفلة عن الشيء هي أن يخطر ذلك الشيء بباله، من صلاته أي: من أنواع صلاته من المكتوبة والوتر، فلم يذكرها أي: فلم يخطرها بباله إلا أي: لكن أحضرها في باله، وهو أي: والحال أنه يصلي مع الإِمام، فإذا سلم الإِمام وسلم هو أيضًا فليصل صلاته التي (ق ٢١٥) نسىَ، أي تركها، ثم ليصل بعدها الصلاة الأخرى، أي: غير الأولى من الصلوات، ومذهبنا أنه إذا دخل في صلاة فتذكر فائتة، وفي الوقت سعة تبطل صلاته الأولى، فيجب عليه أن يقدم القضاء ثم يصلي الأداء.
قال محمد رحمه الله تعالى: وبهذا أي: بحديث ابن عمر نأخذ أي: نعمل ونُفتي إلا في خصلة واحدة، أي: وهي ضيق الوقت كما بينه بقوله: إذا ذكرها أي: أحضر صلاة الفائتة، وهو في صلاة في آخر وقتها، وفي نسخة: وهو يصلي صلاة يخاف إن بدأ بالأولى أي: الفائتة، أن يخرج وقت هذه الثانية قبل أن يصليها، أي: الثانية فليبدأ بهذه الثانية حتى يفرغ منها، ثم يصلي الأولى، أي: الفائتة بعد ذلك، وهو أي: أن يصلي الوقتية أولًا في آخر الوقت ثم الفائتة، قولُ أبي حنيفة وسعيد بن المسيب، أي: ابن حزن يكنى أبا محمد، من أجلاء التابعين، بل أفضلهم، كان في الطبقة الأولى من الطبقات السبعة من أهل المدينة، وهي في الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة وقد مر منقبته تفصيلًا في باب الصلاة في الثوب الواحد.
واعلم أن الترتيب فرض بين الفروض الخمسة والوتر، فائت كلها أو بعضها.
وقال أبو يوسف ومحمد - رحمهما الله: لا ترتيب بين الفروض والوتر، على أنَّ الوتر سنة عندهما. وقال مالك: الترتيب في قضاء الفوائت واجب بالذكر ساقط بالنسيان في خمس وما دونها.
وقال الشافعي: الترتيب في الفروض مستحب لنا لما في الصحيحين من حديث جابر أن عمر بن الخطاب ﵁ جعل يسب كفار قريش يوم الخندق، وقال: يا رسول الله ما كدت أصلي العصر حتى كادت الشمس أن تغرب، فصلى ﷺ العصر بعد ما غربت الشمس، وصلينا بعدها المغرب، ولو كان الترتيب مستحبًا لما أخَّر النبي ﷺ لأجله المغرب التي تأخيرها مكروه بالاتفاق وغير جائز عند الشافعي على القول بضيق وقتها عنده، وعند مالك.
стр. 422
وروى أحمد والنسائي والترمذي (١): عن ابن مسعود ﵁، أنه قال: إنَّ رسول الله ﷺ شغل عن أربع صلوات يوم الخندق حتى ذهب من الليل ما شاء الله، فأمر بلالًا فأذن له ثم أقام، فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ثم أقام فصلى المغرب، ثم أقام فصلى العشاء. ولا شك أن الأحوط في مذهبنا في سرعة الأداء للقضاء.
لما فرغ من بيان حال الرجل يصلي فتذكر أن عليه فائتة، شرع في بيان حال الرجل يصلي المكتوبة في بيته، ثم يدركها أن الناس يصلونها مع الإِمام هل يعيدها أم لا، فقال: هذا
* * *
باب الرجل يصلي المكتوبة في بيته ثم يدرك الصلاة
بيان حال الرجل يصلي، أي: صلاة (ق ٢١٦) المكتوبة أي: المفروضة في بيته ثم يدرك الصلاة أي: الصلاة التي يصليها الناس مع الإِمام، هل يعيدها أم لا؟
والمناسبة بين هذا الباب وذاك الباب أن يصليها بعد الوقت الأول.
٢١٧ - أخبرنا مالك، حدثنا زيد بن أسلم، عن رجل من بني الدِّيل يقال له: بُسْر بن مِحْجن، عن أبيه، أنه كان مع رسول الله ﷺ ، فأذَّن بالصلاة، فقام رسول الله ﷺ فصلى، والرجل في مجلسه، فقال رسول الله ﷺ : "ما منعك أن تصلي مع الناس، ألست رجلًا مسلمًا؟ " قال: بلى، ولكني كنت صليت في أهلي، فقال رسول الله ﷺ : "إذا جئت فصلِّ مع الناس، وإن كنت قد صليت".
стр. 423
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة: محمد أخبرنا، حدثنا زيد بن أسلم، العدوي، مولى عمر أبو عبد الله، وأبو أسامة المدني، ثقة، عالم، وكان يُرسل من الطبقة الثالثة من أهل المدينة، مات سنة ست وثلاثين ومائة، عن رجل من بني الدِّيل بكسر الدال وسكون الياء التحتية عند الكسائي، وأبي عبيد ومحمد بن حبيب وغيرهم، وقال سيبويه والأخفش وحاتم وغيرهم: الديل بضم الدال وكسر الهمزة، وهو ابن بكر بن عبد مناف بن كنانة، يقال له: بُسْر بضم الموحدة، وسكون السين المهملة في رواية الجمهور عن مالك، وأكثر الرواة عن زيد بن أسلم والثوري عن زيد بكسر الموحدة ومعجمة.
قال نعيم: والصواب ما قاله مالك، ابن مِحْجن، بكسر الميم، وسكون المهملة، وفتح الجيم، ونون، تابعي صدوق، عن أبيه، أي: عن محجن بن أبي محجن، صحابي قليل الحديث.
قال أبو عمر: وهو معدود في أهل المدينة، روى عنه ابنه بُسر، ويقال: إنه كأسرته زيد بن حارثة، في جمادى الأولى سنة ست، وبذلك جزم ابن الحذاني (رجال الموطأ)، أنه أي: محجن كان مع رسول الله ﷺ ، أي: في المسجد وغيره فأذَّن بصيغة المجهول، بالصلاة أي: أقام المؤذن لأجل الصلاة، فقام رسول الله ﷺ يصلى والرجل أي: من الرجال في مجلسه، أي: قاعد لم يقم ليصلي معه ﷺ ، فقال له: أي: الرجل، كذا في (الموطأ) لمالك رسول الله ﷺ أي: بعد فراغه من الصلاة، أو قبل شروعها: "ما منعك أن تصلي مع الناس، أي: جماعة المصلين، وقد قال تعالى في سورة البقرة: ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣]، ألست رجلًا مسلمًا؟ " أي: منقاد لما بينه الله تعالى من الأحكام؟
قال سعيد بن زيد الباجي - المالكي -: والهمزة تحتمل أن تكون استفهامية أو توبيخية، وهو الأظهر، ولكن لا يقتضي أن من لم يصل مع الناس ليس بمسلم، وإنما هذا مثل أن تقول للقرشي مالك لا تكون كريمًا؟ ألست بقرشي لا تريد نفيه من قريش، إنما توبيخه على ترك أخلاقهم، قال: بلى، ولكني كنت صليت في أهلي، ولعله كان سمع "لا صلاتين في يوم"، ولم يعلم بالإِعادة لفضل الجماعة، فقال رسول الله ﷺ : "إذا جئت أي: بعد صلاتك في بيتك إلى المسجد وأدركت الجماعة فصلِّ مع الناس، وإن وصلية كنت قد
стр. 424
صليت"، وذلك لدفع التهمة، وإحراز فضل الجماعة، وزيادة الطاعة، وهذا عام مخصوص البعض، فلا يجوز له إعادة الصبح والعصر لكراهة الوقت ولا المغرب لأن النافلة لا تكون ثلاثة، ولا يمكنه أن يصليها أربعًا لمخالفة الإِمام، كما سيأتي في قوله:
* * *
٢١٨ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، أن عبد الله بن عمر كان يقول: من صلى المغرب أو الصبح، ثم أدركهما فلا يعيد لها غير ما قد صلاهما.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: بنا، رمزًا إلى أخبرنا، وفي نسخة أخرى: محمد أخبرنا، وفي نسخة (ق ٢١٧) أخرى: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، أخبرنا نافع، المدني، مولى ابن عمر، وفي نسخة: صحيحة عن نافع، أن عبد الله بن عمر كان يقول: من صلى المغرب أو الصبح، ثم أدركها مع الإِمام كما في (الموطأ) ليحيى الليثي، عن مالك، وفي نسخة: فأدركهما، فلا يُعيدها، وفي نسخة: فلا يعدهما بصيغة النهي، فاللام في لهما للاختصاص، نحو الجنة للمؤمنين، وهذا الحصر للمسجد، والمنبر للخطيب، بلالان، فالنفي بجواز الإِعادة مخصوص لصلاة الصبح والمغرب، فيكون من قبيل قصر الصفة على الموصوف، والمراد بالصفة عدم الجواز، وبالموصوف صلاة الصبح والمغرب، وهي ليست من الصفة النحوي دون الجواز، والعدم يتعلق أنَّ بالصلاة يعني المخاطب، يعتقد أن عدم جواز الإِعادة على جميعها، وخص عدم الجواز بإعادة صلاة الصبح والمغرب، ويسمى هذا القصر إفراد لقطع الشركة، التي اعتقدها المخاطب.
قال مالك: لا أرى بأسًا أن يصلي مع الإِمام من كان قد صلى في بيته إلا صلاة المغرب؛ فإنه إذا أعادها كانت شفعًا، أي: فإنها تصير حينئذٍ فلا تكون وتر النهار، فيكون ظاهره مخالفًا لما ثبت في الأخبار من أن المغرب وتر النهار، والوتر المعروف وتر الليل، ولذا يستحب تأخيره، لقوله ﷺ : "اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتر"، غير أي: لكن بعيد ما أي: الصلاتين قد صلاهما منفردًا من صلاة الظهر والعشاء، فإن من صلى الظهر والعشاء منفردًا يجوز له أن يعيدهما مع الإِمام فتكونان نافلتين، ولا يجوز إعادة غيرهما
стр. 425
مع الإِمام من صلاة العصر والمغرب والفجر عند أبي حنيفة، وقال الشافعي والمغيرة: تعاد الصلوات كلها لعموم حديث محجن إذا لم يحضر صلاة من غيرها، ولحديث أبي داود وغيره، عن يزيد بن الأسود: شهدتُ مع النبي ﷺ محجته، فصليت معه الصبح، فلما قضى صلاته إذا برجلين لم يصليا معه قال: "ما منعكما أن تصليا معهم، فإنها لكما نافلة؟ " وقال أبو حنيفة: لا يعيد الصبح ولا العصر ولا المغرب.
قال محمد بن الحسن: لأن النافلة بعد الصبح والعصر لا تجوز ولا تكون النافلة وترًا، وأجابوا عن حديث أبي داود بمعارضته بخبر النهي والمانع مقدم ويحمل على ما قبل النهي جمعًا بين الأدلة، كذا قاله الزرقاني (١).
* * *
٢١٩ - أخبرنا مالك، أخبرنا عفيف بن عَمرو السّهمي، عن رجل من بني أسد، أنه سأل أبا أيوب الأنصاري، فقال: إني أصلي ثم آتي المسجد، فأجد الإِمام يصلي، أفأُصلي معه؟ قال: نعم، صلّ معه، ومن فعل ذلك فله مثل سهم جَمْع - أو سهم جَمْع.
قال محمد: وبهذا كله نأخذ، بقول ابن عمر أيضًا: ألَّا نُعيد صلاة المغرب والصبح؛ لأن المغرب وَتْرٌ، فلا ينبغي أن يصلي التطوع وترًا، ولا صلاة تطوع بعد الصبح، وكذلك العصر عندنا، هي بمنزلة المغرب، وهو قولُ أبي حنيفة.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، أخبرنا عفيف بن عَمرو أي: بفتح العين السّهمي، مقبول (٢) الرواية، في الطبقة السادسة من أهل المدينة، مات