← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 127713

المهيأ في كشف أسرار الموطأ

عثمان الكماخي

Полный текст (1 812 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

فالغفلة عن الشيء هي أن يخطر ذلك الشيء بباله، من صلاته أي: من أنواع صلاته من المكتوبة والوتر، فلم يذكرها أي: فلم يخطرها بباله إلا أي: لكن أحضرها في باله، وهو أي: والحال أنه يصلي مع الإِمام، فإذا سلم الإِمام وسلم هو أيضًا فليصل صلاته التي (ق ٢١٥) نسىَ، أي تركها، ثم ليصل بعدها الصلاة الأخرى، أي: غير الأولى من الصلوات، ومذهبنا أنه إذا دخل في صلاة فتذكر فائتة، وفي الوقت سعة تبطل صلاته الأولى، فيجب عليه أن يقدم القضاء ثم يصلي الأداء. قال محمد رحمه الله تعالى: وبهذا أي: بحديث ابن عمر نأخذ أي: نعمل ونُفتي إلا في خصلة واحدة، أي: وهي ضيق الوقت كما بينه بقوله: إذا ذكرها أي: أحضر صلاة الفائتة، وهو في صلاة في آخر وقتها، وفي نسخة: وهو يصلي صلاة يخاف إن بدأ بالأولى أي: الفائتة، أن يخرج وقت هذه الثانية قبل أن يصليها، أي: الثانية فليبدأ بهذه الثانية حتى يفرغ منها، ثم يصلي الأولى، أي: الفائتة بعد ذلك، وهو أي: أن يصلي الوقتية أولًا في آخر الوقت ثم الفائتة، قولُ أبي حنيفة وسعيد بن المسيب، أي: ابن حزن يكنى أبا محمد، من أجلاء التابعين، بل أفضلهم، كان في الطبقة الأولى من الطبقات السبعة من أهل المدينة، وهي في الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة وقد مر منقبته تفصيلًا في باب الصلاة في الثوب الواحد. واعلم أن الترتيب فرض بين الفروض الخمسة والوتر، فائت كلها أو بعضها. وقال أبو يوسف ومحمد - رحمهما الله: لا ترتيب بين الفروض والوتر، على أنَّ الوتر سنة عندهما. وقال مالك: الترتيب في قضاء الفوائت واجب بالذكر ساقط بالنسيان في خمس وما دونها. وقال الشافعي: الترتيب في الفروض مستحب لنا لما في الصحيحين من حديث جابر أن عمر بن الخطاب ﵁ جعل يسب كفار قريش يوم الخندق، وقال: يا رسول الله ما كدت أصلي العصر حتى كادت الشمس أن تغرب، فصلى ﷺ العصر بعد ما غربت الشمس، وصلينا بعدها المغرب، ولو كان الترتيب مستحبًا لما أخَّر النبي ﷺ لأجله المغرب التي تأخيرها مكروه بالاتفاق وغير جائز عند الشافعي على القول بضيق وقتها عنده، وعند مالك.

стр. 422

وروى أحمد والنسائي والترمذي (١): عن ابن مسعود ﵁، أنه قال: إنَّ رسول الله ﷺ شغل عن أربع صلوات يوم الخندق حتى ذهب من الليل ما شاء الله، فأمر بلالًا فأذن له ثم أقام، فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ثم أقام فصلى المغرب، ثم أقام فصلى العشاء. ولا شك أن الأحوط في مذهبنا في سرعة الأداء للقضاء. لما فرغ من بيان حال الرجل يصلي فتذكر أن عليه فائتة، شرع في بيان حال الرجل يصلي المكتوبة في بيته، ثم يدركها أن الناس يصلونها مع الإِمام هل يعيدها أم لا، فقال: هذا * * * باب الرجل يصلي المكتوبة في بيته ثم يدرك الصلاة بيان حال الرجل يصلي، أي: صلاة (ق ٢١٦) المكتوبة أي: المفروضة في بيته ثم يدرك الصلاة أي: الصلاة التي يصليها الناس مع الإِمام، هل يعيدها أم لا؟ والمناسبة بين هذا الباب وذاك الباب أن يصليها بعد الوقت الأول. ٢١٧ - أخبرنا مالك، حدثنا زيد بن أسلم، عن رجل من بني الدِّيل يقال له: بُسْر بن مِحْجن، عن أبيه، أنه كان مع رسول الله ﷺ ، فأذَّن بالصلاة، فقام رسول الله ﷺ فصلى، والرجل في مجلسه، فقال رسول الله ﷺ : "ما منعك أن تصلي مع الناس، ألست رجلًا مسلمًا؟ " قال: بلى، ولكني كنت صليت في أهلي، فقال رسول الله ﷺ : "إذا جئت فصلِّ مع الناس، وإن كنت قد صليت".

стр. 423

• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة: محمد أخبرنا، حدثنا زيد بن أسلم، العدوي، مولى عمر أبو عبد الله، وأبو أسامة المدني، ثقة، عالم، وكان يُرسل من الطبقة الثالثة من أهل المدينة، مات سنة ست وثلاثين ومائة، عن رجل من بني الدِّيل بكسر الدال وسكون الياء التحتية عند الكسائي، وأبي عبيد ومحمد بن حبيب وغيرهم، وقال سيبويه والأخفش وحاتم وغيرهم: الديل بضم الدال وكسر الهمزة، وهو ابن بكر بن عبد مناف بن كنانة، يقال له: بُسْر بضم الموحدة، وسكون السين المهملة في رواية الجمهور عن مالك، وأكثر الرواة عن زيد بن أسلم والثوري عن زيد بكسر الموحدة ومعجمة. قال نعيم: والصواب ما قاله مالك، ابن مِحْجن، بكسر الميم، وسكون المهملة، وفتح الجيم، ونون، تابعي صدوق، عن أبيه، أي: عن محجن بن أبي محجن، صحابي قليل الحديث. قال أبو عمر: وهو معدود في أهل المدينة، روى عنه ابنه بُسر، ويقال: إنه كأسرته زيد بن حارثة، في جمادى الأولى سنة ست، وبذلك جزم ابن الحذاني (رجال الموطأ)، أنه أي: محجن كان مع رسول الله ﷺ ، أي: في المسجد وغيره فأذَّن بصيغة المجهول، بالصلاة أي: أقام المؤذن لأجل الصلاة، فقام رسول الله ﷺ يصلى والرجل أي: من الرجال في مجلسه، أي: قاعد لم يقم ليصلي معه ﷺ ، فقال له: أي: الرجل، كذا في (الموطأ) لمالك رسول الله ﷺ أي: بعد فراغه من الصلاة، أو قبل شروعها: "ما منعك أن تصلي مع الناس، أي: جماعة المصلين، وقد قال تعالى في سورة البقرة: ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣]، ألست رجلًا مسلمًا؟ " أي: منقاد لما بينه الله تعالى من الأحكام؟ قال سعيد بن زيد الباجي - المالكي -: والهمزة تحتمل أن تكون استفهامية أو توبيخية، وهو الأظهر، ولكن لا يقتضي أن من لم يصل مع الناس ليس بمسلم، وإنما هذا مثل أن تقول للقرشي مالك لا تكون كريمًا؟ ألست بقرشي لا تريد نفيه من قريش، إنما توبيخه على ترك أخلاقهم، قال: بلى، ولكني كنت صليت في أهلي، ولعله كان سمع "لا صلاتين في يوم"، ولم يعلم بالإِعادة لفضل الجماعة، فقال رسول الله ﷺ : "إذا جئت أي: بعد صلاتك في بيتك إلى المسجد وأدركت الجماعة فصلِّ مع الناس، وإن وصلية كنت قد

стр. 424

صليت"، وذلك لدفع التهمة، وإحراز فضل الجماعة، وزيادة الطاعة، وهذا عام مخصوص البعض، فلا يجوز له إعادة الصبح والعصر لكراهة الوقت ولا المغرب لأن النافلة لا تكون ثلاثة، ولا يمكنه أن يصليها أربعًا لمخالفة الإِمام، كما سيأتي في قوله: * * * ٢١٨ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، أن عبد الله بن عمر كان يقول: من صلى المغرب أو الصبح، ثم أدركهما فلا يعيد لها غير ما قد صلاهما. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: بنا، رمزًا إلى أخبرنا، وفي نسخة أخرى: محمد أخبرنا، وفي نسخة (ق ٢١٧) أخرى: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، أخبرنا نافع، المدني، مولى ابن عمر، وفي نسخة: صحيحة عن نافع، أن عبد الله بن عمر كان يقول: من صلى المغرب أو الصبح، ثم أدركها مع الإِمام كما في (الموطأ) ليحيى الليثي، عن مالك، وفي نسخة: فأدركهما، فلا يُعيدها، وفي نسخة: فلا يعدهما بصيغة النهي، فاللام في لهما للاختصاص، نحو الجنة للمؤمنين، وهذا الحصر للمسجد، والمنبر للخطيب، بلالان، فالنفي بجواز الإِعادة مخصوص لصلاة الصبح والمغرب، فيكون من قبيل قصر الصفة على الموصوف، والمراد بالصفة عدم الجواز، وبالموصوف صلاة الصبح والمغرب، وهي ليست من الصفة النحوي دون الجواز، والعدم يتعلق أنَّ بالصلاة يعني المخاطب، يعتقد أن عدم جواز الإِعادة على جميعها، وخص عدم الجواز بإعادة صلاة الصبح والمغرب، ويسمى هذا القصر إفراد لقطع الشركة، التي اعتقدها المخاطب. قال مالك: لا أرى بأسًا أن يصلي مع الإِمام من كان قد صلى في بيته إلا صلاة المغرب؛ فإنه إذا أعادها كانت شفعًا، أي: فإنها تصير حينئذٍ فلا تكون وتر النهار، فيكون ظاهره مخالفًا لما ثبت في الأخبار من أن المغرب وتر النهار، والوتر المعروف وتر الليل، ولذا يستحب تأخيره، لقوله ﷺ : "اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتر"، غير أي: لكن بعيد ما أي: الصلاتين قد صلاهما منفردًا من صلاة الظهر والعشاء، فإن من صلى الظهر والعشاء منفردًا يجوز له أن يعيدهما مع الإِمام فتكونان نافلتين، ولا يجوز إعادة غيرهما

стр. 425

مع الإِمام من صلاة العصر والمغرب والفجر عند أبي حنيفة، وقال الشافعي والمغيرة: تعاد الصلوات كلها لعموم حديث محجن إذا لم يحضر صلاة من غيرها، ولحديث أبي داود وغيره، عن يزيد بن الأسود: شهدتُ مع النبي ﷺ محجته، فصليت معه الصبح، فلما قضى صلاته إذا برجلين لم يصليا معه قال: "ما منعكما أن تصليا معهم، فإنها لكما نافلة؟ " وقال أبو حنيفة: لا يعيد الصبح ولا العصر ولا المغرب. قال محمد بن الحسن: لأن النافلة بعد الصبح والعصر لا تجوز ولا تكون النافلة وترًا، وأجابوا عن حديث أبي داود بمعارضته بخبر النهي والمانع مقدم ويحمل على ما قبل النهي جمعًا بين الأدلة، كذا قاله الزرقاني (١). * * * ٢١٩ - أخبرنا مالك، أخبرنا عفيف بن عَمرو السّهمي، عن رجل من بني أسد، أنه سأل أبا أيوب الأنصاري، فقال: إني أصلي ثم آتي المسجد، فأجد الإِمام يصلي، أفأُصلي معه؟ قال: نعم، صلّ معه، ومن فعل ذلك فله مثل سهم جَمْع - أو سهم جَمْع. قال محمد: وبهذا كله نأخذ، بقول ابن عمر أيضًا: ألَّا نُعيد صلاة المغرب والصبح؛ لأن المغرب وَتْرٌ، فلا ينبغي أن يصلي التطوع وترًا، ولا صلاة تطوع بعد الصبح، وكذلك العصر عندنا، هي بمنزلة المغرب، وهو قولُ أبي حنيفة. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، أخبرنا عفيف بن عَمرو أي: بفتح العين السّهمي، مقبول (٢) الرواية، في الطبقة السادسة من أهل المدينة، مات

стр. 426

بعد المائة (١)، عن رجل من بني أسد، وهم قبيلة، أنه أي: الرجل سأل أبا أيوب الأنصاري، أي: خالد بن زيد بن كليب البدري، من كبار الصحابة، مات غازيًا بالروم سنة خمسين، وقيل بعدها، يزار قبره الآن مدفون في خارج حصن القسطنطينية، وهي بلدة طيبة صانها الله وسلطانها من الآفات، كانت في الإِقليم الخامس من الأقاليم (ق ٢١٨) السبعة، كذا في (خلاصة الهيئة)، فقال: أي: ذلك الرجل: إني أصلي أي: في بيتي صلاة الظهر ثم آتي المسجد، أي: أحضره فأجد الإِمام يصلي، أي: بتلك الصلاة بعينها أفأُصلي معه؟ أي: ثانيًا؟ قال: أي: أبو أيوب، خالد بن زيد: نعم، صلّ معه، أي: استحبابًا، ومن فعل ذلك فله مثل سهم جَمْع أي: له مثل ثواب الجماعة، أو سهم جَمْع، برفع السهم على أنه عطف على مثل واد للشك، من الراوي، أي: ثوابه مقدار سهم الجماعة بلا نقصان ولا زيادة، والسهم بمعنى النصيب، والجمع يطلق على الاثنين والثلاثة والأكثر، والأظهر أن المعنى له سهم الجمع بين الصلاتين صلاة الغداة وصلاة الجماعة، وفائدته التنبيه على أن مثوبة صلاة الأولى باقية، وإنها غير باطلة، بل هي الفريضة ونافلة. قال محمد: أي: ابن الحسن بن فرقد الشيباني: وبهذا أي: بالحديث المذكور في هذا الباب على التأويل وغيره كله أي: جميع الأحاديث نأخذ أي: نعمل أو نفتي، ونأخذ بقول ابن عمر أيضًا، أي: نعمل في الأحاديث السابقة، هذا عطف الخاص على العام، اهتمامًا بالشأن هذا الحكم أن لا يُعيد صلاة المغرب والصبح؛ وجملة لا يعيد محلها مرفوع على أنه خبر أنَّ؛ لأنها مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير محذوف عائدًا إلى ابن عمر تقديره أنه؛ أي: ابن عمر لا يعيد صلاة المغرب والصبح، لأن المغرب وَتْرٌ، أي: للنهار، فلا ينبغي أن يصلي التطوع وترًا، لكن لو دخل مع الإِمام في صلاة المغرب بعد ما صلاها منفردًا أتم أربعًا؛ لأن مخالفة الإِمام أخف من التنفل بثلاث، ولو سلم مع الإِمام تفسد صلاته، فيقضي أربعًا؛ لأنها لزمته بالاقتداء، وعن بُسر: وإن سَلَّمَ مع الإِمام فلا شيء عليه، ولا صلاة تطوع أي: لا سنة ولا نافلة بعد الصبح، وكذلك أي: كما لا صلاة تطوع بعد الصبح لا صلاة تطوع بعد الصبح لا صلاة تطوع بعد صلاة العصر أي: عندنا، كما في نسخة، وهي أي: صلاة العصر بمنزلة المغرب والصبح، أي: في منع التطوع بعدها، وهو

стр. 427

أي: عدم جواز التطوع بعد صلاة الصبح والعصر، قولُ أبي حنيفة، أي: نعمان بن ثابت بن طاوس، عليه الرحمة من الملك القدوس. لما فرغ من بيان بعض أحوال الرجل المؤمن، شرع في بيان بعضها، فقال: هذا * * * باب الرجل تحضره الصلاة والطعام، بأيهما يبدأ بيان حال الرجل يحضره الصلاة والطعام، بأيهما يبدأ، أي: في الفعل والمناسبة بين هذا الباب وذلك حضوره بها. قدَّم المصنف في هذه الترجمة لفظ الصلاة على الطعام اهتمامًا لشأنها، وإشعارًا بأنها مقدمة على الطعام إذا كان الوقت ضيقًا فإنه إذا بدأ بأكل الطعام خرج وقت الصلاة وفاتته، يلزم عليه أن يقدم الصلاة على الطعام. ٢٢٠ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن ابن عمر، أنه كان يُقَرِّب إليه الطعامُ، فيسمع قراءة الإِمام وهو في بيته، فلا يَعْجَلُ عن طعامه حتى يقضي منه حاجته. قال محمد: لا نرى بهذا بأسًا، ولا نحبّ أن لا تُتَوَخَّى تلك الساعة. • أخبرنا مالك، أي: ابن أنس بن عمير بن أبي عامر الأصبحي، الإِمام، من كبار أتباع التابعين، في الطبقة السابعة من أهل المدينة، وهي بلدة في الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة، وفي نسخة: محمد أخبرنا، وفي نسخة أخرى: قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، أخبرنا نافع، أي: المدني، مولى ابن عمر، وفي نسخة: "عن" موضع "أخبرنا"، عن ابن عمر، ﵄، أنه كان يُقَرِّب إليه الطعامُ، بصيغة المجهول، (ق ٢١٩) من التقريب، أي: يؤتى إليه بالطعام فيسمع قراءة الإِمام، أي: بكمال قربه مع خوف قوته وهو أي: والحال أن ابن عمر في بيته، فلا يَعْجَلُ بصيغة المجهول، من التعجيل، أي: فلا يسرع ولا يعدل عن طعامه إلى الصلاة حتى يقضي منه أي: من الطعام حاجته؛ فإن وقوع الطعام ممزوجًا بالصلاة أولى من كون الصلاة مخلوطة بالطعام، فإن في الصلاة شغلًا كما ورد نقله.

стр. 428

قال محمد: لا نرى أي: لا نظن بهذا أي: تأخير الصلاة بأسًا، أي: كراهة، بل هو الأفضل، لما ورد في الحديث المتفق عليه: "إذا وُضِعَ العَشَاء - بفتح العين - وأُقيمت الصلاة، فابدؤوا بالعَشَاء". والجمهور ذهبوا إلى أن الأمر للندب، فقيل: إنه مقيد بمن كان محتاجًا إلى الأكل وهو المشهور، وقيل: على إطلاقه، وإليه ذهب ابن حجر في (فتح الباري شرح البخاري). وأما حديث: "إذا حضر العشَاء والعَشَاء، فابدؤوا بالعَشَاء"، والعَشَاءُ - بفتح العين: الطعام الذي يؤكل بعد زوال الشمس من وسط السماء إلى نصفَ النهار، وبالكسر صلاة المغرب والعشاء، فمعناه الصحيح، إلا أنه بهذا اللفظ لا أصل له في كتب الحديث، كما قال العراقي في (شرح الترمذي). وقال السخاوي: رأيتُ الحديث، في (مصنف ابن أبي شيبة) بلفظ: "إذا حضر العَشَاء، وحضرت الصلاة"، وتعقبه السيوطي بأن من عزاه إلى (مصنف ابن أبي شيبة) فقد وهم، ثم رأيت العسقلاني ذكر أنه رأى بخط الحافظ الدارقطني من أن ابن أبي شيبة أخرج عن إسماعيل، وهو ابن علية، عن ابن إسحاق، قال: حدثني عبد الله بن رافع، عن أم سلمة مرفوعًا: "إذا حضر العَشَاء، وحضر العِشَاء، فابدؤوا بالعَشَاء"، فإن كان ضبطه فذاك، وإلا فقد رواه أحمد عن إسماعيل بلفظ: "وحضرت الصلاة"، ثم رجعت إلى (مصنف ابن أبي شيبة) فرأيت الحديث فيه، أخرجه أحمد في مسنده. انتهى والله أعلم بإعداد المعاد، ولا نحبّ على صيغة نفي الاستقبال المتكلم مع الغير، أي: لا نرضى أن تُتَوَخَّى أي: نقصد أكل الطعام في تلك الساعة، التي ضاقت عليه أو أقيمت للصلاة، فحينئذٍ يبدأ بالصلاة لخبر أنه ﷺ كان يأكل من كتف شاة، فدُعِي إلى الصلاة فألقى الشفرة ثم قام فصلى، وإن كان في الوقت سعة، وكان في النفس توقان إلى الطعام أو يخاف فساده يبدأ بالطعام، وفي نسخة: ونحب، أي: نستحسن أن لا نتوخى أي: لا نقصد ولا نتحرى لأكل الطعام في تلك الساعة التي حضر الطعام. قيل: المراد منها صلاة المغرب، لرواية: "إذا وُضِعَ العَشَاء، وحضرت الصلاة، فابدؤوا به، قبل أن تصلى المغرب".

стр. 429

والظاهر أن المراد بها جنس الصلاة؛ لأن حضور فائت في جميعها، ولقوله ﷺ : "لا صلاة بحضرة الطعام"، وهو يدل على العموم، كما قاله علي القاري. لما فرغ من بيان حال الرجل يحضره الصلاة والطعام بأيهما يبدأ، شرع في بيان فضل صلاة العصر، وبيان حكم الصلاة بعد العصر، فقال: هذا * * * باب فضل العصر والصلاة بعد العصر بيان فضل صلاة العصر وبيان (ق ٢٢٠) حكم الصلاة بعد العصر، إذ لا فضيلة فيها بعده، والواو لمجرد الجمع، وإلا فالعنوان غير مرتب على الحديثين، وفي هذا الباب حديثان: الأول: ما أخرجه المصنف بالواسطة عن السائب بن يزيد. ٢٢١ - أخبرنا مالك، أخبرني الزُّهْرِيّ، عن السائب بن يزيد، أنه رأى عمر بن الخطاب يضرب المُنْكَدِر بن عبد الله في الركعتين بعد العصر. قال محمد: وبهذا نأخذ، لا صلاة تطوع بعد العصر، وهو قولُ أبي حنيفة. • أخبرنا مالك، أي: ابن أنس بن عمير بن أبي عامر الأصبحي، الإِمام من كبار أتباع التابعين، في الطبقة السابعة من أهل المدينة، هي من الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، أخبرني أي: وحدي، وفي نسخة: أخبرنا الزُّهْرِيّ، وهو محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، يُكنى أبا بكر في الطبقة الرابعة من أهل المدينة، ثقة، من التابعين، عن السائب بن يزيد، أي: ابن سعيد بن ثمامة الكندي، وقيل غير ذلك في نسبه، ويعرف بابن أخت النمر، صحابي صغير، له أحاديث قليلة، وحج به ﷺ في حجة الوداع، وهو ابن سبع سنين، وولاه عمر سوق المدينة، مات سنة إحدى وتسعين، وقيل قبل ذلك، وهو آخر من مات بالمدينة من الصحابة، كذا قاله ابن حجر في (التقريب من أسماء الرجال) (١) في الحديث، أنه أي: السائب بن يزيد

стр. 430

رضي الله عنه رأى عمر بن الخطاب ﵁ يضرب أبا محمد المُنْكَدِر بن عبد الله، تابعي من الطبقة الرابعة من أهل المدينة، يُكنى أبا عبد الله، دخل على عائشة ﵂، فشكى إليها الحاجة، فقالت: أول شيء يأتني أبعث به إليك، فجاءتها عشرة آلاف درهم، فقالت: ما أسرع ما امتُحِنْتِ به يا عائشة؛ وبعثت بها إليه، فاتخذ منها جارية فولدت له بنوه: محمد، وأبو بكر، وعمر، وكلهم يذكر بالصلاح والعبادة ويحمل عنه الحديث. وقيل: قالت له: ألك ولد؟ قال: لا، فقالت: لو كان عندي عشرة آلاف درهم لوهبتها لك، فما أمست حتى بُعِثَ إليها بمال، فقالت: ما أسرع ما ابتُلِيتِ، وبعثت إلى المنكدر بعشرة آلاف درهم، فاشترى منها جارية فهي أم محمد، وأبي بكر، وعمر. قال محمد بن المنكدر: كابدت نفسي أربعين سنة، ثم استقامت، وكان ربما قام الليل يصلي، ويقول: كم من عين الآن ساهرة في رزقي. وكان له جار مبتلى، وكان يرفع صوته بالليل يصيح، وكان محمد يرفع صوته بالحمد، فقيل له في ذلك، فقال: يرفع صوته بالبلاء، وأرفع صوتي بالنعمة. وبينما هو ذات الليلة قائم يصلي إذا استبكا فكثر بكاؤه، حتى فزع أهله، وسألوه: ما الذي أبكاه؟ فاستعجم عليهم، فتمادى في البكاء، فأرسلوا إلى ابن أبي حازم، فجاء، فقال: يا أخي ما الذي أبكاك، فقال: مرت بي آية من كتاب الله تعالى في سورة الزمر: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر: ٤٧]، فبكى ابن أبي حازم، واشتد بكاؤه، فقال بعض أهله: جئنا بك لتفرج عنه فزدته، فأخبرهم ما أبكاهما، قال: إن الله تعالى يحفظ المؤمن في ولده وولد ولده، وفي دويرات حوله، فما يزالون في خفض دعائه فيه ما كان بين أظهرهم، كذا قاله أبو الفرج ابن الجوزي في (طبقاته) (١). في الركعتين أي: يضرب عمر بن الخطاب المنكدر بن عبد الله، بسبب الركعتين بعد صلاة العصر. وفي رواية: كان عمر يضرب الأيدي على صلاة بعد العصر، أي: يُعَذَّر من صلى بعد العصر، ويؤدبه، وخصت الأيدي لكونها توفع عند عقد الصلاة.

стр. 431

وقال ابن عباس ﵄: وقد كنتُ أضرب الناس مع عمر عليهما، أي: على الركعتين بعد العصر. وقال ابن الهمام: وكان هذا بمحضر من نكير فكان إجماعًا، كذا قاله علي القاري. وروى عبد الرزاق عن زيد بن خالد، أن عمر رآه وهو خليفة ركع بعد العصر فضربه، فذكر الحديث، وفيه: فقال عمر: يا زيد، لولا أني أخشى أن يتخذها الناس سلمًا إلى الصلاة حتى الليل لم أخذت فيهما. وروى عن تميم الداري نحو ذلك، وفيه: لكني أخاف أن يأتي بعدكم قوم يصلون ما بين العصر إلى الغروب، حتى يمروا بالساعة التي نهى ﷺ أن يُصلى فيها، ولعل مراده نهي تحريم، فلا ينافي أحاديث نهيه عن الصلاة بعد العصر، فإنه للتنزيه، كذا قاله الزرقاني. قال محمد: أي: ابن الحسن بن فرقد الشيباني: وبهذا أي: بقول السائب بن يزيد نأخذ، أي: نعمل ونفتي: لا صلاة تطوع بعد العصر، وهو قولُ أبي حنيفة. قدَّم المصنف هذا الحديث في النشر على الحديث الآتي على خلاف الملف في الترجمة، تنبيهًا على أن النهي مرجح على الأمر، إذا اجتمعا في حكم. وأما ما رُوي عن عائشة ﵂ في الصحيحين: ركعتان لم يكن رسول الله ﷺ يدعهما سرًا وعلانية، ركعتان قبل صلاة الصبح، وركعتان بعد العصر. فالعذر عنه أن الركعتين بعد العصر من خصوصياته، وكان أصلهما أنه ﷺ صلاهما جبرًا لما فاته من الركعتين بعد الظهر، أو قبل العصر، حين شغل عنهما بالقعود مع بعض الوفود. كان ﷺ إذا عمل عملًا أثبته وداوم عليه، وكان ينهى عنه غيرهما، كما أنه كان يواصل وينهى غيره عن الوصال، والله أعلم بالأحوال. * * *

стр. 432

٢٢٢ - أخبرنا مالك، أخبرني نافع، عن ابن عمر، قال: الذي تفوته العصر كَأنَّما وُتِرَ أهله وماله. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، أخبرني بالإِفراد نافع, أي: المدني، مولى ابن عمر، وفي نسخة: "عن" موضع "أخبرني"، عن ابن عمر، ﵄، أنه قال: الذي يفوته صلاة العصر أي: بخروجها عن الوقت كَأنَّما وُتِرَ بصيغة المجهول أهله وماله، بنصبهما ويُروى برفعهما، والحديث رواه أصحاب السنن عن ابن عمر، وفي (المصباح)، وترت: زيد حقه إثره من باب وعد نقصه، فكأنما وتر أهله وماله نصبهما على المفعولية، ومنه قوله تعالى في سورة القتال: ﴿وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٥]، فهو متعد إلى مفعولين. قال النووي: رُوي بنصب أهله ورفعه، والنصب هو الصحيح المشهور على مفعول ثان، ومن رفعه على من لم يسم فاعله، ومعناه انتزع عن أهله وماله، وهذا تفسير مالك بن أنس. وأما النصب، فقال الخطابي وغيره: معناه: نقص أهله وماله. وقال ابن الأثير في (النهاية): رُوي بنصب أهلا ورفعه، فمن نصبه جعله مفعولًا (ق ٢٢٢) ثانيًا: الوتر، وأُضمر فيه: نائب الفاعل عائد إلى الذي، ومن رفعه لم يضمر، وقام أهله مقام ما لم يسم فاعله لأنهم المصابون، المأخوذون، فمن رد النقص إلى الرجل ينصبهما، ومن رده إلى الأهل والمال رفعهما، وقيل: النصب على نزع الخافض، أي: وتر في أهله وماله، وقيل: الرفع على أنه بدل اشتمال أو بعض، وقيل: النصب على التمييز، أي: وتر من حيث الأهل على حد سفه نفسه في وجه، كما نقله علي القاري عن السيوطي. وقال المفسرون: إن سليمان بن داود ﵉ لما فاتته صلاة العصر لاشتغاله بالنظر إلى تلك الخيل استردها وعقر بسوقها وأعناقها تقربًا إلى الله تعالى، وبقي منها

стр. 433

مائة، فالخيل التي في أيدي الناس الآن من نسل تلك المائة. قال الحسن: فلما عقر الخيل أبدله خيرًا منها وأسرع، وهي الريح تجري بأمره كيف شاء، كذا قاله ابن العادل، في تفسير قوله تعالى في سورة (ص): ﴿رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ﴾ [ص: ٣٣]. فاطلب تفصيل هذه القصة فيما قبل هذه الآية، فإن قيل: الاشتغال بالخيل إلى أن يفوته الصلاة ذنب عظيم، ولا ينبغي لمنصب النبوة ذلك، أجيب عنه: بأن الاشتغال بالخيل بسب النسيان لوقت بالقصد والنسيان مرفوع عن المؤمنين، فلا ضرر فيه. قال رسول الله ﷺ : "من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها". وقال تعالى لموسى ﵇ في سورة طه: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤]، أي: وقت ذكرك لصلاتي، كما قاله المصنف في باب الرجل نسي الصلاة، فإن قيل: كيف عقر سليمان ﵇؟ أُجيب عنه: بأن المراد بعقرها من سوقها وأعناقها ضربها كالكي علامة أنها وقفت للغزاة في سبيل الله، كما قاله الإِمام أبو الليث في تفسير هذه الآية، أي: ﴿فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ﴾ [ص: ٣٣]. لما فرغ من بيان فضل صلاة العصر وفضل الصلاة بعد العصر، شرع في بيان وقت صلاة الجمعة، وبيان ما يستحب من الطيب والدهان، فقال: هذا * * * باب وقت الجمعة وما يستحب من الطيب والدهان بيان وقت الجمعة، وبيان ما يستحب من الطيب والدهان، إضافة الوقت إلى الجمعة من قبيل إضافة السبب إلى المسبب، فوقتها إذا زالت الشمس من وسط السماء، كالظهر عند الجمهور. وشذّ بعض الأئمة، وهو: أحمد، فجوز صلاتها قبل الزوال. واحتج مالك بفعل عمر وعثمان، لأنهما من الخلفاء الراشدين، الذين أُمِرْنَا باقتدائهم، كذا قاله الزرقاني (١).

стр. 434

والدهان: مصدر دهنه ككتبه كتابًا، وفي نسخة: والدهن، بفتح الدال، مصدر منه، ولا يبعد أن يكون بالضم للاسم مناسبة للتطيب، فالتقدير من استعمالهما. ٢٢٣ - أخبرنا مالك، أخبرني عَمِّي أبو سُهَيْل بن مالك، عن أبيه، قال: كنت أرى طِنْفِسَةً لِعَقِيل بن أبي طالب يوم الجمعة، تُطرح إلى جدار المسجد الغربي فإذا غشي الطَّنْفِسة كلَّها ظلُّ الجدار، خرج عمر بن الخطاب إلى الصلاة يوم الجمعة ثم يرجع بعد الصلاة، فنُقِيلُ قائلة الضَّحَاء. • أخبرنا مالك، أي: ابن أنس بن عمير بن أبي عامر الأصبحي، الإِمام من أتباع التابعين، في الطبقة السابعة من أهل المدينة، وهي في الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة، وفي نسخة: أخبرنا، وفي نسخة أخرى: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، قال: أي: مالك، كذا في نسخة، أخبرني عَمِّي أبو سُهَيْل بالتصغير ابن مالك بن أبي عامر الأصبحي، اسمه نافع، عن أبيه، (ق ٢٢٣) وهو مالك، تابعي ثقة، وفي هذا الباب ثلاثة أحاديث، الحديث الأول ما رواه المصنف بالواسطة عن أبي سهيل، قال: كنت أرى أي: أبصر طِنْفِسَةً بكسر الطاء، وسكون النون، وفتح الفاء، هو الأفصح، ويجوز ضمها وكسرها، كذا في (المطالع)، وفي (المصباح)، أن الطنفسة بكسرتين: بساط له حمل رقيق، وقيل: هو ما يُجعل تحت الرجل على كتفي البعير، والجمع طنافس، وفي (القاموس): الطنفسة: مثلثة بالطاء والفاء وبكسر الطاء والفاء، وبالعكس واحدة الطنافسة: البسط والثياب. وقال أبو علي: الثاني: بفتح الفاء لا غير، وهي بساط صغير، وقيل: حصير من سعف أو دوم عرض ذراع، لِعَقِيل بفتح العين ابن أبي طالب الهاشمي، أخي علي وجعفر، يوم الجمعة، بالنصب ظرف أرى، تُطرح بصيغة المجهول، والضمير عائد إلى الطنفسة، إلى جدار المسجد الغربي بالجر صفة الجدار، فإذا غشي الطَّنْفِسة كلَّها بالنصب تأكيد الطنفسة، ظلُّ الجدار بالرفع على أنه فاعل لغشى، خرج عمر بن الخطاب إلى الصلاة يوم الجمعة وصلى الجمعة بالناس في خلافته.

стр. 435

قال ابن حجر (١) في (فتح الباري على البخاري): هذا إسناد صحيح، وهو ظاهر أن عمر كان يخرج بعد زوال الشمس، وفهم بعضهم عكس ذلك، ولا يتجه إلا أن يحمل على أن الطنفسة كانت تفرش خارج المسجد وهو بعيد، والذي يظهر أنها كانت تفرش له داخل المسجد، وعلى هذا كان عمر يتأخر بعد الزوال قليلًا. وفي حديث السقيفة عن ابن عباس: فلما كان يوم الجمعة وزالت الشمس، خرج عمر فجلس على المنبر. قال مالك: والد أبي سهيل: ثم يرجع بالنون، أي: بعد صلاة الجمعة، كذا في (الموطأ) لمالك، فنُقِيلُ بفتح النون، وكسر القاف، من قال قيلولة، إذا نام نصف النهار، ومنه قوله تعالى في سورة الأعراف: ﴿وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ﴾ [الأعراف: ٤]، قائلة الضَّحَاء، مفعول مطلق مضاف إلى الضحاء بفتح الضاد المعجمة الممدوة بمعنى: الضحوة. وقال أحمد: يجوز الجمعة قبل الزوال في الساعة السادسة. لما روى مسلم (٢) عن سهل بن سعد الساعدي: أنه قال: ما كنا نقيل ولا نتغدى إلا بعد الجمعة في عهد رسول الله ﷺ ، وفي الاستدلال به نظر، ولا دلالة فيه إلا على التكبير، وجعل القيلولة والغداء على وجه التأخير. وروى أحمد عن ابن مسعود، ﵁، أنه كان يصلي الجمعة ضحى، ويقول: إنما عجلت بكم خشية الحر عليكم. وفيه: أنه لا يصح أن يكون معارضًا لعمله ﷺ . وقد روى البخاري (٣) أنه ﷺ كان يصلي الجمعة حين تميل الشمس، والقياس يقتضي ذلك؛ لأن الجمعة خلف عن الظهر. ويمكن تأويله بأنه أراد بالضحى آخره، وهو أول الزوال، وقوله: عجلت بكم،

стр. 436

أي: في الخطبة والصلاة على خلاف عادته في إطالتها في أيام البرد، والله أعلم. والحديث الثاني: ما رواه المصنف بالواسطة عن ابن عمر ﵄: * * * ٢٢٤ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، أن ابن عمر، كان لا يَروح إلى الجمعة إلا وهو مُدَّهِنٌ متطيّب، إلا أن يكون محرمًا. • أخبرنا مالك، وفي نسخة محمد أخبرنا، (ق ٢٢٤) وفي نسخة أخرى: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة أخرى: بنا، رمزًا إلى أخبرنا، أخبرنا نافع، المدني، مولى ابن عمر، وفي نسخة: "عن" موضع "أخبرنا"، أن ابن عمر، ﵄ كان لا يَروح أي: لا يذهب إلى الجمعة إلا وهو مُدَّهِنٌ بتشديد الدال، أي: متدهن بزيت أو نحوه لشعره، وبدنه، متطيّب، أي: بخور وغيره، إلا أن يكون محرمًا، فإن كلًا منهما حينئذٍ محرمًا. والحديث الثالث: ما رواه المصنف بالواسطة عن عثمان بن عفان فقال: * * * ٢٢٥ - أخبرنا مالك، أخبرنا الزُّهْرِي، عن السائِب بن يزيد، أن عثمان بن عفَّان زاد النداء الثالث يوم الجمعة. قال محمد: وبهذا كله نأخذ، والنداء الثالث الذي زيد هو النداء الأول، وهو قولُ أبي حنيفة. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، أخبرنا الزُّهْرِي، هو محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، يكنى أبا بكر، ثقة، تابعي في الطبقة الرابعة من أهل

стр. 437

المدينة، وفي نسخة: قال: ثنا، عن السائِب بن يزيد، أي: سعد بن ثمامة الكندي، وقيل غير ذلك في نسبه، ويعرف بابن نمر، صحابي صغير له أحاديث قليلة، وحج به ﷺ وهو ابن سبع سنين، وولاه عمر سوق المدينة، مات سنة إحدى وتسعين، وقيل: قبل ذلك، وهو آخر من مات بالمدينة من الصحابة، كذا قاله ابن حجر في (التقريب من أسماء الرجال) (١). أن عثمان بن عفَّان ﵁، وهو أشد هذه الأمة حياء. عن عائشة (٢) ﵂، أنها قالت: كان رسول الله ﷺ مضطجعًا في بيته، كاشفًا عن فخذيه، أو ساقيه، فاستأذن أبو بكر، فأذن له، وهو على ذلك الحالة، فتحدث أبو بكر، ثم استأذن فأذن له، وهو كذلك، فتحدث، أي: عمر، ثم استأذن عثمان، فجلس النبي ﷺ وسوى ثيابه، فلما خرج قالت عائشة ﵂: دخل أبو بكر فلم تهتش له، أي: لم تتحرك لأجل أبو بكر، ولم تبال له، ثم دخل عمر فلم تهتش له، ولم تبال له، ثم دخل عثمان فجلست وسويت ثيابك، فقال ﷺ : "ألا أستحي من رجلٍ تستحي منه الملائكة". والمراد من استحياء النبي ﷺ والملائكة من عثمان، توقيرهما وتعظيمهما له. وفي رواية: قال رسول الله ﷺ : "إن عثمان رجل حيي، وإني خشيت إن أذنت له على تلك الحالة أن لا يُبلغ إليَّ في حاجته"، كذا أورده الإِمام البغوي في المناقب من (المصابيح)، زاد النداء الثالث أي: الذي في المنارة الآن بعد الزوال، أُحْدِثَ في زمن عثمان ﵁، يوم الجمعة. وروى البخاري أيضًا من حديث السائب بن يزيد قال: الأذان يوم الجمعة كان حين يجلس الإِمام على المنبر في عهد رسول الله ﷺ ، وأبي بكر وعمر، فلما كان في خلافة عثمان، وكثروا، أمر بالأذان الثالث فأذن على الزوراء، وهي دار بسوق المدينة مرتفعة، فثبت الأمر على ذلك، ويسمى هذا الأذان ثالثًا باعتبار الشرعية؛ لأن الأول منها بين يدي الإِمام، والثاني إقامة الصلاة، والإِقامة قد تسمي أذانًا، كما في الحديث: "بين كل أذانين صلاة" (٣)؛ ولأن الأذان في أصل اللغة: الإِعلام.

стр. 438

قال محمد: أي: (ق ٢٢٥) ابن الحسن بن فرقد الشيباني، وبهذا أي: الحديث الذي ذكر في هذا الباب كله نأخذ، أي: نعمل ونُفتي، والنداء الثالث الذي زيد أي: في زمن عثمان وإن كان باعتبار حدوثه ثالثًا، هو النداء الأول، أي: لوقوعه أولًا، وهو قولُ أبي حنيفة، ولا أظن فيه خلافًا بين الأئمة هذا. وقال السيوطي: مالك عن صفوان بن سُليم: قال: لا أدري أعن النبي ﷺ أم لا، قال: "من ترك الجمعة ثلاث مرات من غير عذر ولا علة طبع الله على قلبه"، رواه يحيى. قال ابن عبد البر: هذا الحديث بسند من وجوه، أحسنها إسنادًا حديث أبي الجعد الضمري: أخرجه الشافعي في (الأم)، وأصحاب السنن الأربعة بلفظ: "من ترك الجمعة ثلاث مرات تهاونًا طبع الله على قلبه" (١). قال عبد الباقي: معنى الطبع على القلب أن يجعل بمنزلة المختوم عليه لا يصل إليه شيء من الخير. انتهى. وصفوان هذا: تابعي مدني، قيل: إنه لم يضع جنبه على الأرض أربعين سنة. وقال الإِمام أحمد: يستند بذكره القطر. وروى أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه والحاكم في (مستدركه)، وابن حبان عن سمرة بن جندب مرفوعًا: "من ترك الجمعة من غير عذر فليتصدق بدينار، فإن لم يجد فبنصف دينار" (٢). وفي رواية البيهقي: عنه أيضًا: "من ترك الجمعة بغير عذر فليتصدق بدرهم أو نصف درهم، أو صاع، أو قدر" (٣) والله أعلم.

стр. 439

لما فرغ من بيان وقت الجمعة، وبيان ما يستحب فيه، شرع في بيان القراءة في صلاة الجمعة، وبيان ما يستحب فيها، فقال: هذا * * * باب القراءة في صلاة الجمعة وما يستحب من الصمت بيان القراءة في صلاة الجمعة وبيان ما يستحب، أي: فيها من الصمت، أي: وما يستحسن شرعًا من السكون، وهو لا ينافي في وجوبه حكمًا، وفي هذا الباب ستة أحاديث، الحديث ما رواه المصنف بالواسطة عن الضحاك بن قيس ﵁ فقال: ٢٢٦ - أخبرنا مالك، حدثنا ضَمْرة بن سعيد المازِني، عن عُبَيْد الله بن عبد الله بن عُتْبَةَ، أن الضحاك بن قيس سأل النعمان بن بشير، ما كان يقرأ به رسول الله ﷺ ، على أثر سورة الجمعة يوم الجمعة؟ فقال: كان يقرأ بـ ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾. • أخبرنا مالك, وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، حدثنا ضَمْرة بفتح الضاد المعجمة، وسكون الميم، ابن سعيد بفتح السين، ابن أبي حنة، بمهملة ثم نون مشددة، وقيل: بموحدة، الأنصاري، المدني، ثقة من الطبقة الرابعة من كبار التابعين وأجلهم، كذا قال ابن حجر في (التقريب من أسماء الرجال) (١)، المازِني، بمعجمة ونون من بني مازن بن النجار، المدني، ثقة، روى له مسلم وأصحاب السنن، عن عُبَيْد الله بضم العين، ابن عبد الله بفتح العين وسكون الموحدة ابن عُتْبَةَ، بضمها أو سكون الفوقية، ابن مسعود من الطبقة الثانية من أهل المدينة، يُكنى أبا عبد الله، كان بحرًا من البحور في العلم. قال الزهري: أدركت أربعة أبحر من قريش: سعيد بن المسيب، وأبا سلمة بن عبد الرحمن، وعبيد الله (ق ٢٢٦) بن عبد الله، وعروة بن الزبير، وقال عمر بن عبد

стр. 440

العزيز: لو أدركني عبيد الله إذ وقعت فيما وقعت لهان عليَّ ما أنا فيه، وكان يأتيه عمر بن عبد العزيز في إمارته فربما حجبه، وربما أذن له، وذهب بصره آخر عمره، كذا قاله أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي من الحنبلية في (طبقاته) (١). أن الضحاك بن قيس أي: ابن خالد بن وهب الفهري، أبو أُنيس، الأمير المشهور، صحابي قُتل في وقعة برج راهط سنة أربع وستين، كذا قاله ابن حجر، سأل النعمان بن بشير، أي: ابن سعيد بن ثعلبة، الأنصاري، الخزرجي ﵁ له ولأبيه صحبة، ثم ولي الإِمارة بالكوفة، ثم قتل بحمص سنة خمس وستين، وله أربع وستون سنة، كذا قاله ابن حجر في (التقريب) (٢). وفيه رواية: التابعي عن التابعي الآخر، والصحابي عن الصحابي الآخر، ماذا أي: أي شيء من القرآن كان يقرأ به أي: يتلوه رسول الله ﷺ , على إثر سورة الجمعة بكسر الهمزة وسكون مثلثة، أي: عقبها في الركعة الأولى، يوم الجمعة؟ أي: في صلاتها بعد الفاتحة في الركعة الثانية، فقال: أي: النعمان بن بشير إلى الضحاك بن قيس، وفي نسخة فقال: كان أي: رسول الله ﷺ يقرأ ﴿هَلْ وفي نسخة: بهل أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾، قال أبو عمر: قوله على إثر سورة الجمعة، يدل على أنه كان يقرأها، فلم يحتج على السؤال عن ذلك لعلمه به؛ ويدل على أنه لو كان يقرأ معها شيئًا واحدًا أبدًا، لعلمه كما علم سورة الجمعة، ولكنه كان مختلفًا فسأله عن الأغلب منه. وقد اختلفت الآثار فيه والعلماء، وهو الاختلاف في المباح الذي ورد فيه التخيير، فروى أنه ﷺ كان يقرأ في العيدين والجمعة: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ , و ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾، وإذا اجتمع العيدان، أي: العيد والجمعة في يوم واحد قرأهما جميعًا. ورُوي عنه ﷺ : قرأ بسورة الجمعة في الركعة الأولى، وإذا جاءك المنافقون في الركعة الآخرة، واختاره الشافعي، وهو قول أبو هريرة، وعلي ﵄. والحديث الثاني ما رواه المصنف بالواسطة عن ثعلبة بن أبي مالك: * * *

стр. 441

٢٢٧ - أخبرنا مالك، حدثنا الزهري، في ثعلبة بن أبي مالك، أنهم كانوا زمانَ عمر بن الخطاب يصلون يوم الجمعة حتى يخرج عمر، فإذا خرج وجلس على المنبر وأذن المؤذِّن، قال ثعلبة: جلسنا نتحدث، فإذا سكت المؤذن وقام عمر سكتنا فلم يتكلم أحد منا. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: بنا، رمزًا إلى أخبرنا، وفي نسخة أخرى: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، قال: حدثنا، وفي نسخة: بنا، رمزًا إلى أخبرنا الزهري، هو محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، يكنى أبا بكر، كان محدثًا في الطبقة الرابعة من أهل المدينة، وهي في الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة، كما قاله ابن الجوزي في (طبقاته)، وسيد علي في (خلاصة الهيئة)، عن ثعلبة بن أبي مالك، أي: القرظي حليف الأنصار، أبو مالك، ويقال: ابن يحيى المدني، مختلف في صحبته، وقال العجلي: تابعي ثقة، كذا قاله ابن حجر في (التقريب من أسماء الرجال) (١). أنهم أي: ثعلبة وغيره من التابعين، وضمير الجمع راجع إلى أصحاب عمر ﵁ من التابعين بمعونة المقام، كانوا زمانَ عمر بن الخطاب ﵁، أي: في عهده يصلون يوم الجمعة أي: الصلاة النافلة حتى يخرج عمر، فحينئذ تترك الصلاة، فإذا خرج أي: تحقق خروجه، وجلس على المنبر وأذَّن المؤذِّن، قال ثعلبة بن أبي مالك القرظي: (ق ٢٢٧) جلسنا أي: حال كوننا نتحدث، أي: نتكلم بالعلم ونحوه، لا بكلام الدنيا في أثناء خروجه وقعوده على المنبر وجلوسه فيه، لا في حالة الأذان كما يتوهم، فإن الإِجابة والسكوت حينئذٍ ألزم. وكذا قاله ثعلبة بن أبي مالك، فإذا سكت المؤذن وقام عمر أي: على المنبر للخطبة، سكتنا أي: حينئذٍ فلم يتكلم أحد منا، كذا في نسخة، أي: لم يقع كلام مطلقًا فينا. وبه قال أبو يوسف ومحمد: أن لا بأس بالكلام، إذا خرج الإِمام قبل أن يخطب،

стр. 442

ولأن الكراهة للإِخلاص بغرض السماع والاستماع في تلك الحالة، والصلاة يمتد فيحصل الإِخلال بالاستماع بخلاف الكلام. وقال أبو حنيفة: إذا خرج الإِمام حرم الصلاة والكلام، لما روى ابن أبي شيبة في (مصنفه) (١)، عن علي وابن عباس ﵄، وابن عمر، أنهم كانوا يكرهون الصلاة والكلام بعد خروج الإِمام. والحديث الثالث ما رواه عن الزهري: * * * ٢٢٨ - أخبرنا مالك، حدثنا الزُّهْريُّ، قال: خروجه يقطع الصلاة، وكلامه يقطع الكلام. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: ثنا مالك بن أنس، وفي نسخة أخرى: محمد أخبرنا حدثنا وفي نسخة: قال: ثنا الزُّهْريُّ، أي: محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، يكنى أبا بكر، قال: أي: الزهري، خروجه أي: خروج الإِمام يقطع الصلاة، أي: الشروع في الصلاة النافلة، وكلامه أي: شروع الخطيب في الخطبة يقطع الكلام، أي: جواز كلام الناس. والحديث الرابع ما رواه المصنف عن مالك بن أبي عامر، فقال: * * * ٢٢٩ - أخبرنا مالك، أخبرنا أبو النَّضْر، عن مالك بن أبي عامر، أن عثمان بن عفان كان يقول في خطبته - قَلَّما يَدَع ذلك إذا خطب - إذا قام الإِمام

стр. 443

فاستمعوا وأنْصتُوا، فإن لِلْمنْصِت الذي لا يسمع من الحظ مثل ما للسامع المنصت. • أخبرنا مالك، أي: ابن أنس بن عمير بن أبي عامر الأصبحي، الإِمام، من أتباع التابعين، في الطبقة السابعة من أهل المدينة، وفي نسخة: بنا رمزًا إلى أخبرنا، وفي نسخة: محمد قال: أخبرنا أبو النَّضْر، بالضاد المعجمة، وفي نسخة: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، هو هاشم بن القاسم، في الطبقة الخامسة، البغدادي، وهي في الإِقليم الثالث من الأقاليم السبعة، عن مالك بن أبي عامر، أي: الأصبحي، سمع ابن عمر، تابعي، ثقة، من الطبقة الثانية، مات سنة أربع وسبعين على الصحيح. أن عثمان بن عفان ﵁ كان يقول في خطبته أي: دائمًا وغالبًا قَلَّما أي: في زمن قليل يَدَع أي: يترك ذلك أي: القول إذا خطب أي: إذا أراد أن يقرأ الخطبة، والمراد بقلة الترك: عدمه، فإن القلة قد تستعمل بهذا المعنى، فيقال: قلما أفعل كذا، أي: لا أفعله، كما قاله الشيخ زاده في حاشية تفسير قوله تعالى في سورة الملك: ﴿قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ [الملك: ٢٣]، والقول هو: إذا قام الإِمام أي: للخطبة فاستمعوا أي: خطاب للقريب وأنْصتُوا للبعيد، وهذا أصل في الجملة، لما يفعله رايس المتكبرين بمكة المشرفة، أنه إذا أراد بين يدي الخطيب قام وقرأ حديث: "إذا قلتَ لصاحبك يوم الجمعة والإمام يخطب صه، فقد لغوت، فاستمعوا وأنصتوا رحمكم الله"، فإن لِلْمنْصِت الذي لا يسمع أي: الخطيب من الحظ أي: النصيب من الأجر مثل ما أي: كثواب للسامع المنصت، وهذا من باب إلحاق الناقص بالكامل. وجوَّز بعض علمائنا أنه إذا كان بعيد أن يقرأ في نفسه. قال الراوي: يعني إذا لم يفرط في التهجير. قال سعيد بن زيد الباجي - المالكي -: والظاهر أن أجرهما في إنصات واحد ويتباين أحدهما في التهجير، وتلك قربة أخرى من الإِنصات، كذا قاله الزرقاني. والحديث الخامس ما رواه المصنف بالواسطة عن أبي هريرة ﵁. * * *

стр. 444

٢٣٠ - أخبرنا مالك، أخبرنا أبو الزِّنَاد، عن الأعرج, عن أبي هريرة, قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا قلتَ لصاحبك: أنْصتْ فقد لَغَوْت، والإمام يخطب". • أخبرنا مالك، وفي نسخة: حمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، أخبرنا أبو الزِّنَاد، بكسر الزاي وخفة النون، هو عبد الله بن زكوان، تابعي من الطبقة الخامسة عن الأعرج، عبد الرحمن بن هرمز، هكذا رواه يحيى وجماعة من الرواة، ورواه ابن وهب وابن القاسم، ومعن وسعيد بن عفير، في (الموطأ)، عن مالك عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، والحديث صحيح من الوجهين، وكلٌ عن سعيد والأعرج، عن أبي هريرة، عبد الله بن عامر أو عبد الرحمن بن صخر، أو عمرو بن عامر، وكان اسمه قبل إسلامه عبد الشمس. قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا قلتَ لصاحبك: أنْصتْ، أي: اسكت عن الكلام مطلقًا، واستمع الخطبة، سمي به صاحبًا؛ لأنه صاحبه في الخطاب، ولكونه الأغلب، فقد لغوت، أي: تكلمت بما لا ينبغي. وقال النضر بن شميل: معنى لغوت: خبت من الأجر، وقيل: بطلت فضيلة جمعتك، وقيل: صارت جمعتك ظهرًا. قال ابن وهب: أحد رواته معناه: أجزأت عنه الصلاة، وحرم فضيلة الجمعة، ولأحمد من حديث علي مرفوعًا: "ومن قال: صه، فقد تكلم، ومن تكلم فلا جمعة له"، ولأبي داود ونحوه ولأحمد والبزار عن ابن عباس ﵄ مرفوعًا: "من تكلم يوم الجمعة والإمام يخطب فهو كالحمار يحمل أسفارًا، والذي يقول له: أنصت، ليس له جمعة"، قال العلماء: ومعنى لا جمعة له كاملة للإِجماع على إسقاط فرض الوقت عنه، كذا قاله الزرقاني، والإِمام يخطب، جملة حالية تفيد أن وجوب الإِنصات من الشروع في الخطبة لا من خروج الإِمام كما يقوله ابن عباس ﵄، وابن عمر رضي الله

стр. 445

عنهما، وأبو حنيفة ﵀، قاله ابن عبد البر، وفي (الموطأ) لمالك عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا قلت لصاحبك أنصت والإمام يخطب يوم الجمعة فقد لغوت"، لكن المصنف - رحمه الله تعالى - حذف يوم الجمعة وهو ظرف لقوله: "إذا قلت" اختصارًا، وقدم قوله: "فقد لغوت"، اهتمامًا لشأنه. والحديث السادس ما رواه المصنف ﵀ بالواسطة عن أبي القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، ﵁ فقال: * * * ٢٣١ - أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الرحمن بن القاسم، أن أباه القاسم بن محمد رأى في قميصه دَمًا والإِمام على المنبر يومَ الجمعة، فنزع قميصه فوضعه. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: بنا رمزًا إلى أخبرنا، وفي نسخة أخرى: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، أخبرنا وفي نسخة: ثنا، وفي نسخة أخرى: بنا، رمزًا إلى أخبرنا عبد الرحمن بن القاسم، أن أباه القاسم بن محمد أي: ابن أبي بكر الصديق ﵁ رأى في قميصه دَمًا والإِمام على المنبر يومَ الجمعة، فنزع قميصه أي: خلعه عن جسده، فوضعه، أي: بين يديه، أو في جنبه فيصلي بدونه، ومن مناقب القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق ﵁. قال يحيى بن سعيد: ما أدركنا بالمدينة أحدًا نفضله على القاسم. قال أيوب: ما رأيت (ق ٢٢٩) رجلًا أفضل من القاسم ولو ترك مائة ألف وهي له حلال لم يتلجلج في نفسه منها بشيء، وإنَّ عليه رداء فقد صبغ بشيء من زعفران. وقال عمر بن عبد العزيز: لو كان إليَّ من الأمر شيء لوليت القاسم الخلافة. وعن أبي الزناد أنه قال: ما رأيتُ أحدًا أعلم بالسنة من القاسم، وكان الرجل لا يعد رجلًا حتى يعرف السنة، وكان يُسأل بمنى فيقول: لا أدري لا أعلم، فلما أكثروا عليه

стр. 446

قال: والله ما نعلم كل ما تسألونا عنه، ولو علمنا ما كتمناه، ولا يحل لنا أن نكتم، ولأن يعيش الرجل جاهلًا بعد أن يعرف حق الله تعالى، خيرٌ له من أن يقول ما لا يعلم. وقال له أعرابي: أنت أعلم أم سالم، أي: سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵁، فقال: ذاك منزل بنا، لم يزده عليها، كره أن يقول: هو أعلم مني فيكذب، أو يقول: أنا أعلم منه فيزكي نفسه. واجتمعوا عليه في صَدَقَةٍ قسَّمها وهو يصلي، فجعلوا يتكلمون، فقال ابنه: والله ما نال منها درهمًا ولا دانقًا؛ فأوجز في صلاته، ثم قال: يا بني قل فيما تعلم، وصدَّق ابنه، ولكنه أراد تأديبه في المنطق وحفظه. وقال لابنه حين مات: سن عليَّ التراب سنًا، وسوي عليَّ قبري، والحق بأهلك وإياك أن تقول كان. وهو كان في الطبقة الثانية من أهل المدينة، وهي في الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة كما قاله أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي من علماء الحنبلية في (طبقاته). لما فرغ من بيان صلاة الجمعة شرع في بيان صلاة العيدين، وأمر الخطبة فيهما، فقال: هذا * * * باب في بيان أحكام صلاة العيدين وبيان أمر الخطبة أي: حكمها، قدم باب صلاة الجمعة على باب صلاة العيدين لشرفها؛ فإن صلاة الجمعة فرض بدليل قطعي، وصلاة العيدين واجبة بدليل ظني، سُمي عيدًا؛ لأن لله تعالى عوائد الإِحسان إلى عباده، أو لأنه يعود ويتكرر كل عام، أو لأنه يعود بالفرح والسرور، وهو من الأسماء الغالبة على يوم الفطر والأضحى، وجمعه: أعياد، وقياسه أن يقال: أعواد؛ لأنه من العود لكن جمع بالياء فرقًا بينه وبين العَوْد؛ فإنه يجمع على عيدان وعود الله، فإنه يجمع على أعواد، ووجه المناسبة بين صلاة العيدين وصلاة الجمعة؛ لأن كلًا منهما صلاة نهارية، وتؤديان بالجمع العظيم، ولكون القراءة فيهما جهرًا، ويشتركان أيضًا في حق التكليف، وفي إضافة الصلاة إلى العيدين تعظيم لشأن صلاة العيدين، كما عظم الله تعالى بعباده بإضافتهم إلى نفسه، حيث قال في سورة الزمر: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ الآية [الزمر: ٥٣].

стр. 447

وكانت صلاة عيد الفطر في السنة الأولى من الهجرة كما رواه أبو داود مسندًا إلى أنس بن مالك ﵁، قال: قدم رسول الله ﷺ المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما، قال: "ما هذان اليومان؟ "، قالوا: كنا نلعب فيهما في الجاهلية، فقال رسول الله ﷺ (ق ٢٣٠): "إن الله قد أبدلكم بهما خيرًا منهما، يوم الأضحى ويوم الفطر"، كذا نقلناه في (سلم الفلاح شرح نور الإِيضاح ونجاة الأرواح). ٢٣٢ - أخبرنا مالك، أخبرنا الزهري، عن أبي عُبَيْد مَوْلى عبد الرحمن، قال: شهدت العيد مع عمر بن الخطاب، فصلى ثم انصرف، فخطب فقال: إن هذين اليومين نهى رسول الله ﷺ عن صيامهما، أحدهما يوم فطركم من صيامكم، والآخر يوم تأكلون من لحوم نُسُككُم، قال: ثم شهدت العيد مع عثمان بن عفَّان، فجاء فصلى، ثم انصرف فخطب، فقال: إنه قد اجتمع لكم في يومكم هذا عيدان، فمن أحبّ من أهل العَاليَة أن ينتظر الجمعة فلينتظرها؛ ومن أحب أن يرجع فليرجع، فقد أذنت له، فَقَال: ثم شهدت العيد مع عليّ وعثمان محصورٌ، فصلى ثم انصرف فخطب. • أخبرنا مالك، أي: ابن أنس بن عمير بن أبي عامر الأصبحي، الإِمام، كان في الطبقة السابعة من طبقات كبار أتباع التابعين من أهل المدينة في الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة، وفي نسخة: أخبرنا، وفي نسخة أخرى: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، أخبرنا الزهري، أي: محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، ويُكنى أبا بكر، تابعي ثقة، في الطبقة الرابعة من أهل المدينة، عن أبي عُبَيْد بضم العين، اسمه سعد، بسكون العين ابن عبيد الزهري، تابعي كبير، من رجال الجميع، ويقال له: أدريك، مَوْلى عبد الرحمن بن أزهر بن عوف الزهري، المدني، صحابي صغير، مات قبل الحرة، وهو ابن أخي عبد الرحمن بن عوف.

стр. 448

قال ابن عبد البر: وفي البخاري. قال ابن عيينة: من قال مولى ابن أزهر فقد أصاب، ومن قال: مولى عبد الرحمن بن عوف فقد أصاب، لاحتمال أنهما اشتركا في ولاية، أو أحدهما على الحقيقة والآخر على المجاز، بملازمته أحدهما للخدمة، أو للأخذ عنه، أو انتقاله من ملك أحدهما إلى ملك آخر، وجزم الزبيري بأنه مولى عبد الرحمن بن عوف، فعليه فنسبته إلى ابن أزهر هي المجازية، ولعلها بسبب انقطاعه بعد موت ابن عوف. قال: أي: أبي عبيد مولى عبد الرحمن، شهدتُ العيد أي: حضرت يومه مع عمر بن الخطاب، ﵁ فصلى زاد عبد الرزاق عن معمر عن الزهري: قبل أن يخطب بلا أذان ولا إقامة، ثم أي: بعد صلاة العيد انصرف فخطب أي: بالناس كذا في (الموطأ) لمالك، زاد عبد الرزاق فقال: أيها الناس إن رسول الله ﷺ نهى أن تأكلوا نسككم بعد ثلاثة أيام فلا تأكلوا بعد هذا. قال أبو عمر: أظن مالكًا إنما حذف هذا؛ لأنه منسوخ، كذا قاله الزرقاني (١). فقال: إن هذين اليومين فيه تغليب؛ فإن الغائب يشار إليه بذاك، فلما أن جمعهما بلفظ غلب الظاهر على الغائب، فقال: "هذان يومان"، كذا في نسخة، نهى رسول الله ﷺ عن صيامهما، نهي تحريم، يوم أي: بالرفع إما على أنه خبر مبتدأ محذوف أحدهما أو على البدل من يومان ومضاف إلى فطركم من صيامكم، وهو: أي أوله والآخر يوم تأكلون من لحوم نُسُككُم، أي: أضحيتكم، وهو أي: يوم تأكلون فيه عيد الأضحى، ولا يبعد أن يراد به ما بعده من أيام التشريق، وقد روى الشيخان عن عمرو عن أبي سعيد الخدري ﵄ أنهما قالا: نهي رسول الله ﷺ عن صوم يوم الفطر والنحر، لئلا يمتنع المؤمنون عن ضيافة الله تعالى، وهو إثم. كذا في (مراقي الفلاح). قال أبو عمر: فيه أن الضحايا نسك وأن الهدي منها مستحب كهدي التطوع إذا بلغ محله؛ قال تعالى في سورة الحج: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ [الحج: ٣٦] انتهى. ووصف اليومين إشارة إلى العلة في وجوب فطرهما، وهي الفصل من الصوم

стр. 449

وإظهار تمامه وحده بفطر ما بعده، (ق ٢٣١) والآخر النسك المتقرب بذبحه فيؤكل منه، ولو شُرع صومه لم يكن لمشروعية الذبح فيه معنى، فعبر عن علة التحريم بالأكل من النسك لا يستلزم النحر، كذا قاله الزرقاني. قال: أي: أبو عبيد، كما في (الموطأ) لمالك: ثم شهدت العيد أي: حضرت يومه مع عثمان بن عفَّان ﵁، فجاء فصلى، أي: صلاة العيد، وفي نسخة، فجاء ثم أي: بعد صلاة العيد ثم انصرف فخطب، أي: الناس، فقال: أي: عثمان في خطبته، أي: في وعظه إنه أي: الشأن قد اجتمع لكم في يومكم هذا عيدان، أي: أحدهما: الجمعة، وقد ورد أن يوم الجمعة يوم عيد، فمن أحبّ من أهل العَاليَة، وهي قرى بظاهر المدينة قدر نصف الفرسخ، وهي العوالي، أن ينتظر الجمعة أي: صلاة الجمعة فلينتظرها؛ أي: صلاة الجمعة حتى يصليها، ومن أحب أن يرجع أي: إلى منزله فليرجع، فقد أذنت له، أي: يجوز له أن يخرج قبل دخول وقت الجمعة، وليس على أهل القرى الجمعة، فَقَال: أي: أبو عبيد، كما في (الموطأ) لمالك، وفي نسخة قال: ثم شهدت العيد أي: حضرت يوم العيد، مع عليّ ﵁، والحال أن عثمان ﵁ محصورٌ. قال ابن إسحاق: لما كان مدة خلافة عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه، اثنتي عشرة سنة على قول وقعت الغزوات واتسعت الدنيا على الصحابة وكثرت الأموال حتى كان الفرس الواحد يستوي بمائة ألف درهم، حتى كان البستان يباع بالمدينة يباع بأربعمائة ألف درهم، وكانت المدينة عامرة كثيرة الخيرات والأموال والناس، يُجبى إليها خراج الممالك، وهي دار الأمان، وقبة الإِسلام، فبطر الناس بكثرة الأموال والخيل والنعم، وفتحوا الأقاليم الدنيا، واطمأنوا وتفرعوا، ثم أخذوا ينقمون على خليفتهم عثمان بن عفان ﵁، لكونه يعطي المال لأقاربه ويوليهم الولايات الجميلة، فتكلموا فيه، وكان قد صار له أموال عظيمة، وله ألف مملوك قال بهم الأمر، إلى أن قالوا: هذا ما يصلح للخلافة، وهموا بعزله، وساروا أيامًا، وكانوا رؤوس شعر وأهله. وفي سيرة مغلطاي: حاصره الكوفيون وعليهم الأشرف النخعي والمصريون في داره، وعبد الرحمن بن عديس وعمر بن الأحمق، وسودان بن حمران، ومحمد بن أبي بكر الصديق، وروي عن عبد الله بن سلام أنه قال: لما حوصر عثمان في داره ولى أبا هريرة على الصلاة، وكان ابن عباس يصلي أحيانًا؛ وأقام للناس في الحج في ذلك العام

стр. 450

عبد الله بن عباس وكان عثمان قد حج عشر حجج متواليات، خَرَّجه القعنبي. وقال الواقدي: حاصروه تسعة وأربعين يومًا. وقال الزبير: حاصروه شهرين وعشرين يومًا، وهو في الدار في ستمائة رجل، ثم دخلوا من دار أبي حزم الأنصاري، فضربه سيّار بن عياض الأسلمي بمشقص - أي بنصل طويل - في وجهه، فسال الدم على مصحف في حجره على آية في قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ١٣٧]. فذبحوه في بيته وهو شيخ كبير ابن ثلاث وثمانين سنة (ق ٢٣٢) , وكان ذلك أول وهن ثَمَّ على الأمة بعد نبيهم محمد ﷺ فإنَّا لله وإنا إليه راجعون، فقتلوه يوم الجمعة ثاني عشر من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين، كذا نقله صاحب الخميس من التاريخ عن (الاستيعاب)، فاطلب تفصيلها فيه. فصلى ثم انصرف فخطب، فهذا يدل على أن خطبة العيد بعد صلاتها بخلاف الجمعة؛ لأن الخطبة شرط لها، وشرط الشيء مقدم عليه، فلو صلى الجمعة ثم قرأ خطبتها لا تصح، كذا في مجمع الأنهر. * * * ٢٣٣ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب الزهري، أن النبي ﷺ كان يصلي يوم الفطر ويوم الأضحى قبل الخطبة، وذكر أن أبا بكر وعمر كانا يصنعان ذلك. قال محمد: وبهذا نأخُذُ، إنما رخّص عثمان في الجمعة لأهل العَاليَة، لأنهم ليسوا من أهل المِصْرِ. وهو قولُ أبي حنيفة. • أخبرنا مالك، أي: ابن أنس بن عمير بن أبي عامر الأصبحي، الإِمام من أتباع التابعين، في الطبقة السابعة من أهل المدينة، وهي من الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة، وفي نسخة: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، أخبرنا ابن شهاب أي:

стр. 451

محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، تابعي من الطبقة الرابعة، من أهل المدينة، وفي نسخة: قال: ثنا، أن النبي ﷺ كان يصلي يوم الفطر ويوم الأضحى، أي: في غير منى، إذ لا صلاة فيهما قبل الخطبة، هذا حديث مرسل متصل من وجوه، كما أخرجه الشيخان (١) من طريق عبيد الله عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ كان يصلي في الفطر والأضحى ثم يخطب بعد الصلاة، ولهما عن جابر أن النبي ﷺ خرج يوم الفطر فبدأ بالصلاة قبل الخطبة، وذكر أي: ابن شهاب الزهري أن أبا بكر وعمر ﵄ كانا يصنعان ذلك، أي: ما ذكر من الترتيب، فلا يكون منسوخًا، ففي الصحيحين عن ابن عباس ﵄، أنه قال: شهدتُ العيد مع رسول الله ﷺ وأبو بكر وعثمان فكلهم كانوا يصلون قبل الخطبة. واختلف في أول من غَيَّر ذلك، ففي مسلم عن طارق بن شهاب: أول من بدأ بالخطبة يوم العيد قبل الصلاة مروان، وفي ابن المنذر بسند صحيح عن الحسن البصري: أول من خطب قبل الصلاة عثمان، صلى بالناس ثم خطبهم، أي: على العادة - فرأى ناسًا لم يدركوا الصلاة ففعل ذلك، أي: يخطب قبل الصلاة، وهذه العلة غير الذي اعتل بها مروان؛ لأن عثمان ﵁ راعى مصلحة الجماعة في إدراكهم الصلاة، أما مروان فراعى مصلحتهم في إسماعهم سب من لا يستحق السب، والإِفراط في مدح بعض الناس، فقيل: هذا إنما راعى مصلحة نفسه، ويحتمل أن عثمان فعل ذلك أحيانًا بخلاف مروان، فواظب عليه، فلذا نسب إليه. ورُوي عن عمر مثل فعل عثمان، كذا قاله الزرقاني (٢). قال محمد: وبهذا أي: بهذا الحديث، كله، أي: بكل ما عمله النبي ﷺ وأبو بكر وعمر ﵄ نأخُذُ، أي: نعمل ونفتي، إنما رخّص عثمان ﵁ في الجمعة لأهل العَاليَة، وهي اسم موضع في جهة الشرق من المدينة، مسافته إلى المدينة خمسة أميال أو ستة، كما قيل، حيث قال لهم عثمان: من أحب من أهل العالية أن ينتظر صلاة الجمعة فلينتظرها، ومن أحب أن يرجع إلى منزله فليرجع فقد أذنت له (ق ٢٣٣) أن

стр. 452

يخرج من المصر قبل دخول وقت الجمعة؛ لأنهم أي: أهل العالية ليسوا من أهل المِصْرِ، أي: فلا جمعة على أهل القرى، وفي نسخة الشارح "مصر" بغير تعريف باللام ولا تنكير، لكنه غير مستقيم لأن (مصر) اسم بمصر القاهرة، والمصر اسم البلد مطلقًا، وهو أي: عدم وجوب الجمعة على أهل القرى قولُ أبي حنيفة ﵀، خلافًا للشافعي؛ فإن الجمعة واجبة على أهل القرى عنده كما قاله علي القاري. لما فرغ من بيان حكم صلاة العيد وأمر الخطبة، شرع في بيان حكم صلاة التطوع قبل صلاة العيد، وبعده، فقال: هذا * * * باب في بيان حكم صلاة التطوع قبل صلاة العيد أو بعده كلمة "أو" للتخيير، والمناسبة بين هذا الباب وذاك الباب التضاد، وهو الوجوب والنافلة. قال سعيد بن زيد الباجي - من المالكية - وأبو عمر: لا خلاف في جواز النفل قبل الغدو إلى المصلى لمن تأخر لحل النافلة، فيتنفل ثم يغدوا إليها، وكذا يجوز النافلة بعد الرجوع عنه إلى بيته، ويكره التنفل قبل صلاة العيد في المصلى اتفاقًا، وفي البيت عند عامة الجمهور، وهو الأصح، والتنفل بعد صلاة العيد في المصلى فقط، فلا يكره في البيت على اختيار الجمهور، لقول أبي سعيد الخدري ﵁، أنه قال: كان رسول الله ﷺ لا يصلي قبل العيد شيئًا فإذا رجع إلى منزله صلى ركعتين، كذا قاله الشرنبلالي في (مراقي الفلاح). ٢٣٤ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن ابن عمر، أنه كان لا يصلي يوم الفطر قبل الصلاة ولا بعدها. • أخبرنا مالك، أي: ابن أنس بن مالك بن عمير بن أبي عامر الأصبحي، الإِمام، من كبار أتباع التابعين، في الطبقة السابعة من أهل المدينة، هي من الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، أخبرنا نافع، وفي نسخة: "عن"

стр. 453

موضع "أخبرنا"، عن ابن عمر ﵄ أنه كان لا يصلي يوم الفطر، أي: في المصلى قبل الصلاة ولا بعدها، فيه؛ لأنه من أشد الناس اتباعًا للمصطفى. وفي الصحيحين عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ خرج يوم الفطر فصلى ركعتين - أي: للعيد - لم يصل قبلهما ولا بعدهما، وروى ابن ماجه بإسناد حسن وصححه الحاكم عن أبي سعيد الخدري ﵁: أن النبي ﷺ كان لا يصلي قبل العيد شيئًا، فإذا رجع إلى منزله صلى ركعتين. والحاصل أن صلاة العيد لم يثبت لها سنة قبلها ولا بعدها خلافًا لمن قاسها على الجمعة، وأما مطلق النقل فلم يثبت فيه منع بدليل خاص، إلا إن كان ذلك في وقت الكراهة الذي في جميع الأيام، وفي (الاستذكار) أجمعوا على أنه ﷺ لم يصل قبلها ولا بعدها، فالناس كذلك والصلاة فعل خير فلا يمنع منها إلا بدليل لا معارض له. * * * ٢٣٥ - أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، أنه كان يصلي قبل أن يغدو أربع ركعات. قال محمد: لا صلاة قبل صلاة العيد، وأما بعدها؛ فإن شئت صلَّيْت، وإن شئت لم تُصَلِّ، وهو قولُ أبي حنيفة. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة: ثنا، أخبرنا عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، أي: عن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق ﵁، كان في الطبقة الثانية من أهل المدينة، كذا قاله أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي الحنبلي، وقد مر في باب القراءة في صلاة الجمعة، وفي نسخة (ق ٢٣٤): قال: ثنا، أنه أي: القاسم بن محمد كان يصلي قبل أن يغدو أي: أن يسير إلى المصلى، والغَدو بالفتح السير في أول النهار إلى الزوال، كذا في الأختري، أربع ركعات أي: في المسجد بعد طلوع الشمس.

стр. 454

قال محمد: لا صلاة أي: صلاة مسنونة قبل صلاة العيد في المكان الذي يصلي فيه صلاة العيد فأما بعدها؛ فإن شئت صلَّيْت، أي: في غير المصلى، وإن شئت لم تُصَلِّ، أي: مطلقًا، وهو أي: التخيير في أن يصليها وأن لا يصليها قولُ أبي حنيفة. والحاصل أنه لا يتنفل قبل صلاته، إمامًا كان أو مأمومًا في مصلى العيد بالاتفاق، وفي البيت عند أكثر المشايخ، وكذا لا يتنفل بعد صلاة العيد في المصلى عند عامة المشايخ، ويتنفل في البيت، لما روى ابن ماجه بالواسطة عن أبي سعيد الخدري ﵁ أنه قال: كان رسول الله ﷺ لا يصلي قبل العيد شيئًا، فإذا رجع إلى منزله صلى ركعتين، كذا قاله علي القاري. لما فرغ من بيان حكم صلاة التطوع قبل صلاة العيد وبعدها، شرع في بيان حكم القراءة في صلاة العيدين، فقال: هذا * * * باب في حكم القراءة في صلاة العيدين أي: عيد الأضحى وعيد الفطر، والمناسبة بين هذا الباب وذاك الباب ظاهرة. ٢٣٦ - أخبرنا مالك، حدثنا ضَمْرَة بن سعيد المازني، عن عُبيد الله بن عبد الله بن عُتْبَة، أن عمر بن الخطاب سأل أبا واقد الليثي، ماذا كان يقرأ به رسول الله ﷺ في الأضحى أو الفطر؟ قال: كان يقرأ بـ ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ و ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾. • أخبرنا مالك، أي: ابن أنس بن مالك بن عمير بن أبي عامر الأصبحي، الإِمام، من كبار أتباع التابعين، في الطبقة السابعة من أهلِ المدينة، وفي نسخة: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة أخرى: محمد قال: ثنا، حدثنا ضَمْرَة بفتح الضاد المعجمة وسكون الميم وفتح الراء المهملة، ابن سعيد أي: حَنَّة بفتح المهملة، ثم نون مشددة، وقيل: بموحدة، المازني بكسر الزاي المعجمة، الأنصاري، المدني، ثقة، في الطبقة الرابعة، من كبار التابعين، جل

стр. 455

روايتهم، كذا قاله ابن حجر في (التقريب من أسماء الرجال) (١). عن عُبيد الله بضم العين ابن عبد الله بفتحها ابن عُتْبَة، بضمها وفوقية ساكنة، ابن مسعود الهزلي، المدني، أحد الفقهاء بها، يكنى أبا عبد الله المدني، ثقة، فقيه ثبت، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين، من أهل المدينة، مات سنة أربع وتسعين، وقيل: ثمان وتسعين ومائة، كذا في (تقريب التهذيب) (٢)، أن عمر بن الخطاب ﵁ سأل أبا واقد - بالقاف - الليثي، أي: الصحابي، قيل: اسمه الحارث بن مالك، وقيل: ابن عوف بن الحارث، مات سنة ثمان وستين، وهو ابن خمس وثمانين على الصحيح، وعبيد الله لم يدرك عمر، ففي هذا الحديث إرسال، لكنه صحيح بلا شك، وقد صرح باتصاله في رواية مسلم من طريق فليح عن ضمرة عن عبيد الله عن أبي واقد، قال: سألني عمر. قال النووي: هذه متصلة، فإنه أدرك أبا واقد بلا شك وسمعه بلا خلاف. ماذا أي: أي شيء من القرآن كان يقرأ به رسول الله ﷺ في صلاة عيد الأضحى أو عيد الفطر؟ قال سعيد بن زيد الباجي - المالكي: يحتمل أن يسأل على معنى الاختيار أو نسي فأراد أن يتذكر، وقال النووي: إنه شك في ذلك فأثبته، وأراد إعلام الناس بذلك أو نحو ذلك، هذا من المقاصد، (ق ٢٣٥) قالوا: ويؤيده أن عمر لم يعلم ذلك مع شهود صلاة العيد مع رسول الله ﷺ مرات، وقربه منه. قال: كان يقرأ بـ ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ أي: في الركعة الأولى، و ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ في الركعة الثانية. قال العلماء: حكمة ذلك ما اشتملت عليه من الإِخبار عن القرون الماضية، وإهلاك المكذبين، وشبيه ببروز الناس للعيد ببروزهم للبعث وخروجهم من الأجداث، كأنهم جراد منتشر. قال ابن عبد البر: معلوم أنه ﷺ كان يقرأ في العيد بسورتين، وليس في ذلك عند الفقهاء شيء يُقتدى، وكلهم يستحب ما روى أكثرهم ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١]، و ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ [الغاشية: ١]، لتواتر الروايات بذلك عن النبي

стр. 456

- ﷺ من حديث سمرة بن جندب وأنس وابن عباس ﵃، كذا قاله الزرقاني. لما فرغ من بيان حكم القراءة في صلاة العيد، شرع في بيان كمية التكبير وكيفيته في صلاة العيدين، فقال: هذا * * * باب في بيان كمية التكبير وكيفيته في العيدين والمناسبة بين هذا الباب وذاك الباب ظاهرة. ٢٣٧ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، قال: شهدت الأضحى والفطر مع أبي هريرة، فكبَّر في الأولى بسبع تكبيرات قبل القراءة، وفي الآخرة بخمس تكبيرات قبل القراءة. قال محمد: اختلف الناس في التكبير في العيدين، فما أخذت به فهو حَسَن، وأفضل ذلك عندنا: ما روي عن ابن مسعود: أنه كان يكبر في كل عيد تسعًا: خمسًا وأربعًا، فيهنّ تكبيرة الافتتاح، وتكبيرتا الركوع، ويوالي بين القراءتين، ويؤخرها في الأولى، ويقدمها في الثانية، وهو قولُ أبي حنيفة. • أخبرنا مالك، أي: ابن أنس بن عمير بن أبي عامر الأصبحي، الإِمام، من كبار أتباع التابعين، في الطبقة السابعة من أهل المدينة، ونسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة: ثنا، أخبرنا نافع، أي: المدني، وفي نسخة: "عن" في موضع "أخبرنا"، قال: شهدت أي: صلاة الأضحى والفطر مع أبي هريرة، ﵁، وهو إمام لكونه أميرًا في المدينة، فكبَّر في الركعة الأولى بسبع تكبيرات قبل القراءة، وفي الركعة الآخرة وفي نسخة: "وفي الأخيرة"، بالياء التحتية، مروي عن أبي يوسف أن التكبير بسبع سوى تكبيرة الإِحرام والركوع، وعند مالك وأحمد، تكبيرة الإِحرام، وفي الثانية خمس سوى

стр. 457

تكبيرة النهوض وتكبيرة الركوع، ولا موالاة بين القراءتين في الركعتين، لما روى أبو داود (١) وابن ماجه (٢) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "التكبير في الفطر سبع في الأولى، وخمسٌ في الثانية، والقراءة بعدهما كلتيهما"، وزاد الدارقطني: "سوى تكبيرة الصلاة"، كذا قاله علي القاري. قال بعض العلماء: حكمة هذا العدد أنه لما كان للوتر أثر عظيم في التذكير بالوتر الصمد الواحد الأحد، وكان للسبعة منها مدخل عظيم في الشرع جعل تكبير صلاة العيد وترًا، وجعل سبعًا في الأولى لذلك، وتذكيرًا بأفعال الحج السبعة من الطواف والسعي والجمار تشويقًا إليها؛ لأن النظر إلى العيد الأكبر أكثر وتذكيرًا بخالق هذا الوجود بالتفكر في أفعاله المعروفة من خلق السموات السبع والأرضين السبع وما فيهما في ستة أيام، وخلق آدم (ق ٢٣٦) في السابع يوم الجمعة. كذا قاله الزرقاني. قال محمد: اختلف الناس أي: الفقهاء في التكبير أي: في صلاتهما، فما أي: المروي، أخذت به فهو أي: أخذت به حَسَن، وأفضل أي: مما رواه غير عبد الله بن مسعود ﵁ ذلك، أي: المروي الذي أخذت به عندنا أي معمولٌ عند عامة فقهائنا، ما أي: حكم روى أبو حنيفة ﵀ عن ابن مسعود ﵁ أنه كان يكبر في كل عيد أي: صلاته تسعًا أي: باعتبار المجموع، قوله: خمسًا بدل البعض من تسعًا، أي: يكبر ابن مسعود في الركعة الأولى خمسًا وفي الركعة الثانية أربعًا، وكلمة "في" في قوله: فيهنّ بمعنى "من" التبعيضية، أي: بعض التكبيرات التسع تكبيرة الافتتاح، وتكبيرتا الركوع، فالزائد في كل ركعة ثلاث ويوالي على وزن يساوي لفظًا ومعنى، أي: يعاقب ويتصل ابن مسعود ﵁ بين القراءتين، قوله: ويؤخرها أي: القراءة في الركعة الأولى بعد التكبيرات الزوائد بيان للموالات، ويقدمها أي: القراءة في الركعة الثانية، وهو أي: الاتصال بين القراءتين وتأخيرها في الركعة الأولى، وتقديمها في الثانية: قولُ أبي حنيفة رحمه الله تعالى. وقد روى المصنف في باب صلاة العيدين من "الآثار" وقال: أخبرنا أبو حنيفة عن

стр. 458

حماد عن إبراهيم عن عبد الله بن مسعود ﵁، أنه كان قاعدًا في مسجد الكوفة ومعه حذيفة بن اليمان، وأبو موسى الأشعري، ﵃، فخرج عليهم الوليد بن عقبة بن أبي معيط، وهو أمير الكوفة يومئذٍ، فقال: إن غدًا عيدكم فكيف أصنع؟ فقالا: أي: أمرًا بابن مسعود بأن أخبرنا يا أبا عبد الرحمن، كيف يصنع؟ فأمره عبد الله بن مسعود ﵁، أن يصلي بغير أذان ولا إقامة، وأن يكبر في الأولى خمسًا، وفي الثانية أربعًا، وأن يوالي بين القراءتين، وأن يخطب بعد الصلاة، انتهى، وقد فصلناه في باب العيد من (سلم الفلاح شرح نور الإِيضاح). لما فرغ من بيان كمية التكبير وكيفية في صلاة العيد، شرع في بيان قيام شهر رمضان، فقال: هذا * * * باب قيام شهر رمضان وما فيه من الفضل أي: في بيان أحكام إحياء ليالي شهر رمضان، وما فيه أي: وبيان عمل في شهر رمضان، قوله: من الفضل، بيان بما فيه، أي: من النوافل الزوائد على الفرائض كالتراويح والتسبيح وقراءة القرآن، ورمضان: مصدر رمض إذا احترق فأضيف إليه الشهر وجعل علمًا لجميع أيام الشهر، ومنع من الصرف للعلمية، والألف والنون كما منع عثمان وسعدان، وإنما سموه بذلك إما لارتماضهم أي: لاحتراقهم فيه من حر الجوع والعطش، أو لارتماض الذنوب فيه أو لوقوعه أيام رمض الحر حينما نقلوا أسماء الشهور عن اللغة القديمة. كذا قاله عبد الله بن عمر بن محمد بن علي البيضاوي في تفسير قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ الآية [البقرة: ١٨٥]. ٢٣٨ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب الزُّهري، عن عُرْوَة بن الزُّبَيْر، عن عائشة، أن رسول الله ﷺ صلَّى في المسجد. فصلى بصلاته ناس، ثم كثروا في القَابِلَةِ، ثم اجتمعوا في الليلة الثالثة أو الرابعة، وكثروا، فلم يخرج إليهم

стр. 459

رسول الله ﷺ فلما أصبح قال: "قد رأيتُ الذي صنعتم البَارِحَة، فلم يمنعني أن أخرج إليكم إلا أني خَشيتُ أن يُفْرَض عليكم"، وذلك في رمضان. • أخبرنا مالك، أي: ابن أنس بن عمير بن أبي عامر الأصبحي، الإِمام في المذهب، من كبار أتباع التابعين، في الطبقة السابعة من أهل المدينة، وهي في الإِقليم (ق ٢٣٧) الثاني من الأقاليم السبعة، وفي نسخة: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة أخرى: محمد قال: ثنا، أخبرنا ابن شهاب أي: محمد بن مسلم بن شهاب الزُّهري، يُكنى أبا بكر، كان في الطبقة الرابعة، من أهل المدينة، عن عُرْوَة بن الزُّبَيْر، أي: ابن العوام، كان في الطبقة الثانية من أهل المدينة، قال لبنيه: يا بني سلوني ولقد تركت حتى كدت أن أنسى، وإني لأُسأل عن الحديث فيفتح لي حديث يومي، واجتمع قومٌ في الحرم فقالوا: تَمنَّ، فقال: أتمنى أن يؤخذ عني العلم، وكان يتألف الناس على خدمته، وقال: رب كلمة ذُلّ احتملتها أورثتني عزًا طويلًا، وقال: إذا رأيت الرجل يعمل الحسنة، فاعلم أن لها عنده أخوات، فإن الحسنة تدل على أختها، وقال لبنيه: تعلموا فإنكم إن تكونوا صغار قوم عسى أن تكونوا كبراءهم، واسوأتاه ماذا أقبح من شيخ جاهل؟ وكان إذا جاء الرطب تسلم حائطه فيدخل الناس فيأكلون ويحملون، وكان إذا دخل ردد هذه الآية في سورة الكهف: ﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [الكهف: ٣٩]، حتى يخرج، وكان يقرأ ربع القرآن كل يوم نظرًا في المصحف ويقوم به الليل، فما تركه إلا ليلة قطعت رجله، ثم عاود الليلة (القليلة) ووقعت الأكلة في رجله فقطعت وهو صائم ولم يمسكه أحد، ولم يَحْضرَّ وجهه، ودخل أكبر ولده اصطبله ففرسته دابة وقتلته، فما أحد سمع منه شيء، حتى قدم المدينة فقال: اللهم إنه كان لي أطراف أربعة فأخذتَ واحدًا وأبقيتَ لي ثلاثة فلك الحمد، وكان لي بنون أربعة فأخذتَ واحدًا وبقيت لي ثلاثة فلك الحمد، وايم الله لئن أخذت لقد أبقيت، ولئن ابتليتَ لطالما عافيت. وقال له الأطباء: نسقيك شيئًا لئلا تحس، فقال: لا، شأنكم، فنشروها بالمنشار فما حرك عضوًا عن عضو، وصبر، فلما رأى القدم بأيديهم دعا بها فقبلها، ثم قال: أما والذي حملني عليك، إنه ليعلم أني ما مشيتُ بك إلى حرام قط - أو قال معصية - أو قال:

стр. 460

سوء - وكان يسرد الصوم، ومات وهو صائم. كذا قاله أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي الحنبلي في (طبقاته). عن عائشة، أن رسول الله ﷺ صلَّى في المسجد أي: بعد صلاة العشاء في أول ليلة من رمضان على ما هو المتبادر من إطلاق الزمان، فصلى بصلاته أي: مع صلاته ﷺ ناس كثير أي: مقتدون به، ثم كثروا أي: الناس من القَابِلَةِ وهي الليلة الآتية التي هي الثانية، ثم اجتمعوا أي: مع الزيادة في الليلة الثالثة أي: فيها أو الرابعة شك من الراوي، وفي رواية مالك لمسلم من رواية يونس عن ابن شهاب: فخرج رسول الله ﷺ في الليلة الثانية فصلوا معه، فأصبح الناس يذكرون ذلك، فكثر أهل المسجد عن الليلة الثانية، فصلوا بصلاته، فلما كانت الليلة الرابعة عجز المسجد عن أهله، ولأحمد من رواية معمر عن الزهري: امتلأ المسجد حتى اضطر (ق ٢٣٨) بأهله، قاله الزرقاني. فكثروا أي: أكثر مما كانوا فلم يخرج إليهم رسول الله ﷺ أي: في الليلة الرابعة. قال ابن عبد البر: تفسير هذه الليالي المذكورات فيه بما رواه النعمان بن بشير ﵁ أنه قال: قمنا مع رسول الله ﷺ في شهر رمضان ثلاثةً وعشرين - أي: إلى ثلث الليل - ثم قمنا معه ليلة خمس وعشرين إلى نصف الليل، ثم قمنا معه ليلة سبع وعشرين حتى ظننا أنا لا ندرك الفلاح، أخرجه النسائي (١)، والفلاح: السحور، قالوا: ما عدد ما صلى؟ ففي حديث ضعيف: أنه صلى عشرين ركعة والوتر، أخرجه ابن أبي شيبة (٢) من حديث ابن عباس، وأخرجه ابن حبان (٣) في صحيحه من حديث جابر ﵁، أنه ﷺ صلى بهم ثمان ركعات ثم أوتر، وهذا أصح. ذكره السيوطي. فلما أصبح أي: النبي ﷺ ، قال: "قد رأيتُ الذي صنعتم البَارِحَة، أي: الكثرة والمزاحمة والحرص على العبادة معي، قد فعلتم في الليلة الماضية، فلم يمنعني أن أخرج إليكم أي: بعدها إلا أني خَشيتُ أن يُفْرَض عليكم"، أي: صلاة الليل فتعجزوا عنها، كما في رواية يونس عند مسلم، ونحوه من رواية عقيل عند البخاري، أي: تشق عليكم
следующие страницы →