← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 127713

المهيأ في كشف أسرار الموطأ

عثمان الكماخي

Полный текст (1 812 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

- ﷺ من حديث سمرة بن جندب وأنس وابن عباس ﵃، كذا قاله الزرقاني. لما فرغ من بيان حكم القراءة في صلاة العيد، شرع في بيان كمية التكبير وكيفيته في صلاة العيدين، فقال: هذا * * * باب في بيان كمية التكبير وكيفيته في العيدين والمناسبة بين هذا الباب وذاك الباب ظاهرة. ٢٣٧ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، قال: شهدت الأضحى والفطر مع أبي هريرة، فكبَّر في الأولى بسبع تكبيرات قبل القراءة، وفي الآخرة بخمس تكبيرات قبل القراءة. قال محمد: اختلف الناس في التكبير في العيدين، فما أخذت به فهو حَسَن، وأفضل ذلك عندنا: ما روي عن ابن مسعود: أنه كان يكبر في كل عيد تسعًا: خمسًا وأربعًا، فيهنّ تكبيرة الافتتاح، وتكبيرتا الركوع، ويوالي بين القراءتين، ويؤخرها في الأولى، ويقدمها في الثانية، وهو قولُ أبي حنيفة. • أخبرنا مالك، أي: ابن أنس بن عمير بن أبي عامر الأصبحي، الإِمام، من كبار أتباع التابعين، في الطبقة السابعة من أهل المدينة، ونسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة: ثنا، أخبرنا نافع، أي: المدني، وفي نسخة: "عن" في موضع "أخبرنا"، قال: شهدت أي: صلاة الأضحى والفطر مع أبي هريرة، ﵁، وهو إمام لكونه أميرًا في المدينة، فكبَّر في الركعة الأولى بسبع تكبيرات قبل القراءة، وفي الركعة الآخرة وفي نسخة: "وفي الأخيرة"، بالياء التحتية، مروي عن أبي يوسف أن التكبير بسبع سوى تكبيرة الإِحرام والركوع، وعند مالك وأحمد، تكبيرة الإِحرام، وفي الثانية خمس سوى

стр. 457

تكبيرة النهوض وتكبيرة الركوع، ولا موالاة بين القراءتين في الركعتين، لما روى أبو داود (١) وابن ماجه (٢) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "التكبير في الفطر سبع في الأولى، وخمسٌ في الثانية، والقراءة بعدهما كلتيهما"، وزاد الدارقطني: "سوى تكبيرة الصلاة"، كذا قاله علي القاري. قال بعض العلماء: حكمة هذا العدد أنه لما كان للوتر أثر عظيم في التذكير بالوتر الصمد الواحد الأحد، وكان للسبعة منها مدخل عظيم في الشرع جعل تكبير صلاة العيد وترًا، وجعل سبعًا في الأولى لذلك، وتذكيرًا بأفعال الحج السبعة من الطواف والسعي والجمار تشويقًا إليها؛ لأن النظر إلى العيد الأكبر أكثر وتذكيرًا بخالق هذا الوجود بالتفكر في أفعاله المعروفة من خلق السموات السبع والأرضين السبع وما فيهما في ستة أيام، وخلق آدم (ق ٢٣٦) في السابع يوم الجمعة. كذا قاله الزرقاني. قال محمد: اختلف الناس أي: الفقهاء في التكبير أي: في صلاتهما، فما أي: المروي، أخذت به فهو أي: أخذت به حَسَن، وأفضل أي: مما رواه غير عبد الله بن مسعود ﵁ ذلك، أي: المروي الذي أخذت به عندنا أي معمولٌ عند عامة فقهائنا، ما أي: حكم روى أبو حنيفة ﵀ عن ابن مسعود ﵁ أنه كان يكبر في كل عيد أي: صلاته تسعًا أي: باعتبار المجموع، قوله: خمسًا بدل البعض من تسعًا، أي: يكبر ابن مسعود في الركعة الأولى خمسًا وفي الركعة الثانية أربعًا، وكلمة "في" في قوله: فيهنّ بمعنى "من" التبعيضية، أي: بعض التكبيرات التسع تكبيرة الافتتاح، وتكبيرتا الركوع، فالزائد في كل ركعة ثلاث ويوالي على وزن يساوي لفظًا ومعنى، أي: يعاقب ويتصل ابن مسعود ﵁ بين القراءتين، قوله: ويؤخرها أي: القراءة في الركعة الأولى بعد التكبيرات الزوائد بيان للموالات، ويقدمها أي: القراءة في الركعة الثانية، وهو أي: الاتصال بين القراءتين وتأخيرها في الركعة الأولى، وتقديمها في الثانية: قولُ أبي حنيفة رحمه الله تعالى. وقد روى المصنف في باب صلاة العيدين من "الآثار" وقال: أخبرنا أبو حنيفة عن

стр. 458

حماد عن إبراهيم عن عبد الله بن مسعود ﵁، أنه كان قاعدًا في مسجد الكوفة ومعه حذيفة بن اليمان، وأبو موسى الأشعري، ﵃، فخرج عليهم الوليد بن عقبة بن أبي معيط، وهو أمير الكوفة يومئذٍ، فقال: إن غدًا عيدكم فكيف أصنع؟ فقالا: أي: أمرًا بابن مسعود بأن أخبرنا يا أبا عبد الرحمن، كيف يصنع؟ فأمره عبد الله بن مسعود ﵁، أن يصلي بغير أذان ولا إقامة، وأن يكبر في الأولى خمسًا، وفي الثانية أربعًا، وأن يوالي بين القراءتين، وأن يخطب بعد الصلاة، انتهى، وقد فصلناه في باب العيد من (سلم الفلاح شرح نور الإِيضاح). لما فرغ من بيان كمية التكبير وكيفية في صلاة العيد، شرع في بيان قيام شهر رمضان، فقال: هذا * * * باب قيام شهر رمضان وما فيه من الفضل أي: في بيان أحكام إحياء ليالي شهر رمضان، وما فيه أي: وبيان عمل في شهر رمضان، قوله: من الفضل، بيان بما فيه، أي: من النوافل الزوائد على الفرائض كالتراويح والتسبيح وقراءة القرآن، ورمضان: مصدر رمض إذا احترق فأضيف إليه الشهر وجعل علمًا لجميع أيام الشهر، ومنع من الصرف للعلمية، والألف والنون كما منع عثمان وسعدان، وإنما سموه بذلك إما لارتماضهم أي: لاحتراقهم فيه من حر الجوع والعطش، أو لارتماض الذنوب فيه أو لوقوعه أيام رمض الحر حينما نقلوا أسماء الشهور عن اللغة القديمة. كذا قاله عبد الله بن عمر بن محمد بن علي البيضاوي في تفسير قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ الآية [البقرة: ١٨٥]. ٢٣٨ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب الزُّهري، عن عُرْوَة بن الزُّبَيْر، عن عائشة، أن رسول الله ﷺ صلَّى في المسجد. فصلى بصلاته ناس، ثم كثروا في القَابِلَةِ، ثم اجتمعوا في الليلة الثالثة أو الرابعة، وكثروا، فلم يخرج إليهم

стр. 459

رسول الله ﷺ فلما أصبح قال: "قد رأيتُ الذي صنعتم البَارِحَة، فلم يمنعني أن أخرج إليكم إلا أني خَشيتُ أن يُفْرَض عليكم"، وذلك في رمضان. • أخبرنا مالك، أي: ابن أنس بن عمير بن أبي عامر الأصبحي، الإِمام في المذهب، من كبار أتباع التابعين، في الطبقة السابعة من أهل المدينة، وهي في الإِقليم (ق ٢٣٧) الثاني من الأقاليم السبعة، وفي نسخة: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة أخرى: محمد قال: ثنا، أخبرنا ابن شهاب أي: محمد بن مسلم بن شهاب الزُّهري، يُكنى أبا بكر، كان في الطبقة الرابعة، من أهل المدينة، عن عُرْوَة بن الزُّبَيْر، أي: ابن العوام، كان في الطبقة الثانية من أهل المدينة، قال لبنيه: يا بني سلوني ولقد تركت حتى كدت أن أنسى، وإني لأُسأل عن الحديث فيفتح لي حديث يومي، واجتمع قومٌ في الحرم فقالوا: تَمنَّ، فقال: أتمنى أن يؤخذ عني العلم، وكان يتألف الناس على خدمته، وقال: رب كلمة ذُلّ احتملتها أورثتني عزًا طويلًا، وقال: إذا رأيت الرجل يعمل الحسنة، فاعلم أن لها عنده أخوات، فإن الحسنة تدل على أختها، وقال لبنيه: تعلموا فإنكم إن تكونوا صغار قوم عسى أن تكونوا كبراءهم، واسوأتاه ماذا أقبح من شيخ جاهل؟ وكان إذا جاء الرطب تسلم حائطه فيدخل الناس فيأكلون ويحملون، وكان إذا دخل ردد هذه الآية في سورة الكهف: ﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [الكهف: ٣٩]، حتى يخرج، وكان يقرأ ربع القرآن كل يوم نظرًا في المصحف ويقوم به الليل، فما تركه إلا ليلة قطعت رجله، ثم عاود الليلة (القليلة) ووقعت الأكلة في رجله فقطعت وهو صائم ولم يمسكه أحد، ولم يَحْضرَّ وجهه، ودخل أكبر ولده اصطبله ففرسته دابة وقتلته، فما أحد سمع منه شيء، حتى قدم المدينة فقال: اللهم إنه كان لي أطراف أربعة فأخذتَ واحدًا وأبقيتَ لي ثلاثة فلك الحمد، وكان لي بنون أربعة فأخذتَ واحدًا وبقيت لي ثلاثة فلك الحمد، وايم الله لئن أخذت لقد أبقيت، ولئن ابتليتَ لطالما عافيت. وقال له الأطباء: نسقيك شيئًا لئلا تحس، فقال: لا، شأنكم، فنشروها بالمنشار فما حرك عضوًا عن عضو، وصبر، فلما رأى القدم بأيديهم دعا بها فقبلها، ثم قال: أما والذي حملني عليك، إنه ليعلم أني ما مشيتُ بك إلى حرام قط - أو قال معصية - أو قال:

стр. 460

سوء - وكان يسرد الصوم، ومات وهو صائم. كذا قاله أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي الحنبلي في (طبقاته). عن عائشة، أن رسول الله ﷺ صلَّى في المسجد أي: بعد صلاة العشاء في أول ليلة من رمضان على ما هو المتبادر من إطلاق الزمان، فصلى بصلاته أي: مع صلاته ﷺ ناس كثير أي: مقتدون به، ثم كثروا أي: الناس من القَابِلَةِ وهي الليلة الآتية التي هي الثانية، ثم اجتمعوا أي: مع الزيادة في الليلة الثالثة أي: فيها أو الرابعة شك من الراوي، وفي رواية مالك لمسلم من رواية يونس عن ابن شهاب: فخرج رسول الله ﷺ في الليلة الثانية فصلوا معه، فأصبح الناس يذكرون ذلك، فكثر أهل المسجد عن الليلة الثانية، فصلوا بصلاته، فلما كانت الليلة الرابعة عجز المسجد عن أهله، ولأحمد من رواية معمر عن الزهري: امتلأ المسجد حتى اضطر (ق ٢٣٨) بأهله، قاله الزرقاني. فكثروا أي: أكثر مما كانوا فلم يخرج إليهم رسول الله ﷺ أي: في الليلة الرابعة. قال ابن عبد البر: تفسير هذه الليالي المذكورات فيه بما رواه النعمان بن بشير ﵁ أنه قال: قمنا مع رسول الله ﷺ في شهر رمضان ثلاثةً وعشرين - أي: إلى ثلث الليل - ثم قمنا معه ليلة خمس وعشرين إلى نصف الليل، ثم قمنا معه ليلة سبع وعشرين حتى ظننا أنا لا ندرك الفلاح، أخرجه النسائي (١)، والفلاح: السحور، قالوا: ما عدد ما صلى؟ ففي حديث ضعيف: أنه صلى عشرين ركعة والوتر، أخرجه ابن أبي شيبة (٢) من حديث ابن عباس، وأخرجه ابن حبان (٣) في صحيحه من حديث جابر ﵁، أنه ﷺ صلى بهم ثمان ركعات ثم أوتر، وهذا أصح. ذكره السيوطي. فلما أصبح أي: النبي ﷺ ، قال: "قد رأيتُ الذي صنعتم البَارِحَة، أي: الكثرة والمزاحمة والحرص على العبادة معي، قد فعلتم في الليلة الماضية، فلم يمنعني أن أخرج إليكم أي: بعدها إلا أني خَشيتُ أن يُفْرَض عليكم"، أي: صلاة الليل فتعجزوا عنها، كما في رواية يونس عند مسلم، ونحوه من رواية عقيل عند البخاري، أي: تشق عليكم

стр. 461

فتتركوها مع المقدرة عليها، وليس المراد العجز الكلي؛ لأنه يسقط التكليف من أصله، وقد استشكلت هذه الخشية مع قوله سبحانه: "هن خمس وهن خمسون، لا يبدل القول لديّ"، فإذا أمن من التبديل كيف يخاف من الزيادة؟ وأجاب الخطابي بأن صلاة الليل كانت واجبة على النبي ﷺ وأفعاله الشرعية تجب على الأمة اقتداءً به فيها عند المواظبة، فترك الخروج إليهم لئلا يدخل ذلك في الواجب بطريق الأمر بالاقتداء به، لا من طريق إنشاء فرض جديد زائد على الجنس، وهذا كما يوجب المرء على نفسه صلاة نذر فيجب عليه ولا يلزم زيادة فرض في أصل الشيء، وباحتمال أن الله تعالى لما فرض من الصلاة خمسين ثم حط معظمها بشفاعة نبيه، فإذا عادت الأمة فيما استوعب لها والتزمت ما استعفى لهم نبيهم ﷺ وتبعه جماعة من الشراح، وهو مبني على وجوب قيام الليل والاقتداء بأفعاله في كل شيء، وفي كل من الأمرين نزاع. وجواب الكرماني بأن حديث الإِسراء يدل على أن المراد الأمن من نقض شيء ولم يتعد للزيادة فيه نظر؛ لأن ذكر المضعف بقوله: هن خمس إشارة إلى عدم الزيادة أيضًا؛ لأن التضعيف لا ينقص عن العشر، ودفع بعضهم في أصل السؤال بأن الزمان قابل للنسخ فلا مانع من خشية الافتراض، وفيه نظر؛ لأن قوله: لا يبدل القول لديَّ خبر، ولا يدخله النسخ على الراجح، وليس كقوله: مثل صوموا الدهر أبدًا؛ فإنه يجوز النسخ فيه. وقال سعيد بن زيد الباجي: قال القاضي أبو بكر: يحتمل أن يكون أوحى الله إليه أنه إن واصل الصلاة (ق ٢٣٩) معهم فرضها عليهم، ويحتمل أنه ﷺ ظن أن ذلك سيفرض عليهم لما جرت عادته بأن ما دام عليه على وجه الاجتماع من القرب فرض على أمته، ويحتمل أن يريد بذلك أنه خاف أن يظن أن واحدًا من أمته بعده إذا داوم عليها. قال القرطبي: قوله: أن تفرض عليكم، أي: تظنونه فرضًا، فتجب على من ظن ذلك، كما إذا ظن المجتهد حل شيء أو حرمته فيجب عليه العمل به، وقيل: كان حكمه ﷺ إذا واظب على شيء من الأعمال، واقتدى الناس به فيه، أنه يُفْرَض عليهم. انتهى. وذلك أي: عدم خروجه ﷺ إلى أن يصلي صلاة التراويح بالناس، خشية أن يفرض على أمته قيام ليالي رمضان، ثبت في رمضان.

стр. 462

قال ابن شهاب: فتوفى رسول الله ﷺ والأمر على ترك الجماعة في صلاة التراويح، وفي رواية ابن أبي ذئب عن الزهري: ولو لم يكن رسول الله ﷺ جمع الناس على القيام، رواه أحمد، كذا قاله الزرقاني (١). * * * ٢٣٩ - أخبرنا مالك، حدثنا سعيد المَقْبُرِيّ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، أنهُ سأل عائشة، كيف كانت صلاة رسول الله ﷺ في رمضان؟ قالت: ما كان رسول الله ﷺ يَزِيد في رمضان ولا غيره على إحدى عشرة ركعة، يصلي أربعًا، فلا تسأل عن حُسْنهنّ وطُولهنّ، ثم يصلي أربعًا، فلا تسأل عن حُسْنهنّ وطُولهنّ، ثم يصلي ثلاثًا، قالت: فقلت: يا رسول الله أتنام قبل أن تُوتر؟ فقال: "يا عائشة، عيناي تنامان ولا ينام قلبي". • أخبرنا مالك، أي: ابن أنس بن عمير بن أبي عامر الأصبحي، الإِمام، من أتباع التابعين، في الطبقة السابعة من أهل المدينة، حدثنا ابن أبي سعيد أي: ابن كيسان المَقْبُرِيّ، كذا في نسخة، وهو بفتح الميم، وسكون القاف، وضم الموحدة وفتحها، نسبته إلى المقبرة؛ لأنه كان مجاورًا لها، وهو تابعي ثقة، في الطبقة الرابعة من أهل المدينة، عن أبي سلمة اسمه عبد الله، وقيل: إسماعيل بن عبد الرحمن، أي: ابن عوف الزهري، التابعي ابن الصحابي، ثقة، مكثر، من الطبقة الثالثة من أهل المدينة، مات سنة أربع وتسعين، أنهُ أي: أبا سلمة سأل عائشة رضي الله تعالى عنها: كيف كانت صلاة رسول الله ﷺ في رمضان؟ والمراد: صلاة النافلة، قالت: ما كان رسول الله ﷺ يَزِيد في رمضان ولا غيره أي: بالأولى على إحدى عشرة ركعة، بسكون الشين المعجمة وبكسرها، أي: غير ركعتي الفجر، كما في رواية القاسم عنها، وفيه أن صلاته كانت متساوية في جميع السنة، ولا ينافي ذلك حديثها، كان ﷺ إذا دخل العشر من رمضان يتهجد فيه ما لا يتهجد في غيره؛ لأنه يحتمل على التطويل في الركعات دون الزيادة في العدد.

стр. 463

قال السيوطي لا يعارض ما رواه يحيى بن يحيى عن عائشة ﵂ أنها قالت: كان رسول الله ﷺ يصلي بالليل ثلاث عشرة ركعة؛ لأن هذا محمول على أنها ختمت فيه ما كان يفتتح صلاته من ركعتين خفيفتين قبل إحدى عشرة ركعة. انتهى. ويحتمل أن يكون محمولًا على اختلاف الحالات، وما ذكرته بطريق الحصر يكون أمرًا عاديًا عندها. وقال الحافظ ابن حجر: وأما ما رواه ابن أبي شيبة (١) من حديث ابن عباس ﵄، كان رسول الله ﷺ يصلي عشرين ركعة والوتر فضعيف، وقد عارض هذا (ق ٢٤٠) الحديث الصحيح، مع كون عائشة أعلم بحال النبي ﷺ ليلًا من غيرها، كذا ذكره السيوطي، ولا يبعد أنه حصل العلم من ابن عباس ﵄ من غير طريق عائشة ﵂ من سائر أمهات المؤمنين، ﵅، وعلى كل تقدير، فالعمل بالحديث الضعيف جائز عند الكل في فضائل الأعمال، والله أعلم بالأحوال، ويكفينا ما رواه البيهقي في (المعرفة) بإسناد صحيح عن السائب بن يزيد قال: كنا نقوم زمن عمر بن الخطاب بعشرين ركعة والوتر، فهذا كالإِجماع من غير نكير منكر في هذا الاجتماع، لا سيما وقد ورد: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين بعدهم"، الظاهر من كلام ابن عباس أنه ﷺ كان يصلي عشرين ركعة في ليالي رمضان من أولها. وكلام عائشة مشيرًا إلى صلاة التهجد يصلي أربعًا, ظاهره أنه بسلام واحد فلا تسأل عن حُسْنهنّ أي: في الكيفية وطُولهنّ أي: لأنه لا يمكن وصفها، والفاء جواب الشرط محذوف تقديره: إذا سألت أبا سلمة عن كيفية صلاته ﷺ وكميتها فلا تسأل عن حُسنهن؛ لأنهن من كمال كيفية صلاته ﷺ وكميتها، فلا تسأل الحسن والطول، تستغن لظهورهن عن السؤال، ثم يصلي أربعًا، فلا تسأل عن حُسْنهنّ أي: في الكيفية وطُولهنّ أي: في الكمية؛ لأن النبي ﷺ كان يصلي ثمان ركعات في المرتين، لا يعتبر أحد بحسنهن، يعني أربع ركعات في الطول والحسن، ثم أربعًا كذلك، وترتيب القراءة ونحو ذلك، فلا ينافي أنه يجلس في كل ركعتين ويسلم، لقوله ﷺ : "صلاة الليل مثنى مثنى"، ومحال أن يأمر بشيء ويفعل خلافه، كذا في (التمهيد).

стр. 464

ثم يصلي ثلاثًا، أي: ثلاث ركعات، الوتر غير فصل، كما هو الظاهر، قالت: أي: عائشة - كما في (الموطأ) لمالك - فقلت: يا رسول الله أتنام بهمزة الاستفهام الإِخباري؛ لأنها لم تعرف النوم قبل الوتر، مع أنه واجب يخاف فوته بالنوم قبل أن تُوتر؟ فإنه لا ينام حتى يوتر، وكان مقررًا عندها أن لا نوم قبل الوتر، فأجابها ﷺ بأنه ليس كغيره، فقال: "يا عائشة، عيناي تنامان ولا ينام قلبي". قال النووي: هذا من خصائص الأنبياء ﵈. انتهى. لأن القلب إذا قويت حياته لا ينام إذا نام البدن، ولا يكون ذلك إلا للأنبياء ﵈، كما قال ﷺ : "إنا معاشر الأنبياء تنام أعيننا، ولا تنام قلوبنا"، ولذا قال ابن عباس وغيره من العلماء: وبالأنبياء وحي ولو سلط النوم على قلوبهم كانت رؤياهم كرؤيا سواهم، ولذا كان النبي ﷺ ينام حتى ينفخ، ثم يصلي ولا يتوضأ؛ لأن الوضوء إنما يجب بغلبة النوم على القلب، لا على العين ولا يعارض نومه بالوادي ليلة التعريس؛ لأن رؤية الفجر بالعين لا بالقلب. قال ابن عبد البر (١): وفي هذا الحديث تقديم وتأخير؛ لأن السؤال بعد ذكر الوتر، ومعناه بأنه كان ينام قبل صلاته، وهذا يدل على أنه كان يقوم ثم ينام ثم يقوم ثم ينام ثم يقوم فيوتر، ولذا جاء الحديث: أربعًا ثم (ق ٢٤١) أربعًا، ثم ثلاثًا، أظن ذلك والله أعلم. ومن أجل ذلك أنه ﷺ كان ينام بينهن، فقالت: أربعًا ثم أربعًا، تعني بعد النوم، ثم ثلاثًا بعد النوم، ولذا قالت: أتنام قبل أن توتر؟ وقد قالت أم سلمة: كان يصلي ثم ينام قدر ما صلى، ثم يصلي قدر ما ينام، ثم ينام قدر ما صلى. الحديث. يعني فهذا شاهد لحمل خبر عائشة ﵂ على ما ذكره، وأخرجه البخاري في الصلاة عن عبد الله بن يوسف، وفي الصلاة عن إسماعيل، وفي الصفة النبوية عن القعنبي، ومسلم عن يحيى، وأصحاب السنن الثلاثة عن قتيبة، وعن طريق ابن القاسم، وابن مهدي، والترمذي من طريق معن الثانية عن مالك به، كذا قاله الزرقاني (٢). * * *

стр. 465

٢٤٠ - أخبرنا مالك، حدثنا الزُّهريّ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، أن رسول الله ﷺ كان يُرَغِّب الناس في قيام رمضان، من غير أن يأمر بعَزيمة، فيقول: مَنْ قام رمضان إيمانًا واحْتسَابًا غُفرَ له ما تقدَّم من ذنبه. قال ابن شهاب: فَتُوفِيَ النبي ﷺ والأمر على ذلك، ثم كان الأمر في خلافة أبي بكر وصَدْرًا من خلافة عمر على ذلك. • أخبرنا مالك، أي: ابن أنس بن عمير بن أبي عامر الأصبحي، الإِمام، من أتباع التابعين في الطبقة السابعة من أهل المدينة، وهي في الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، حدثنا الزُّهريّ، أي: محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، التابعي، كان في الطبقة الرابعة من أهل المدينة، وفي نسخة: قال: ثنا، عن أبي سلمة قيل: اسمه عبد الله، وقيل: إسماعيل بن عبد الرحمن بن عوف الزهري، المدني، ثقة، مكثر، تابعي ابن صحابي، كان في الطبقة الثالثة من أهل المدينة، كذا قاله ابن حجر في (التقريب من أسماء الرجال) (١)، وفي نسخة الشارح تبع (بالموطأ) لمالك عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ كان يُرَغِّب الناس بضم الياء التحتية، وفتح الراء المهملة، وتشديد الغين المعجمة المكسورة، أي: يحثهم في قيام رمضان، أي: في قيام لياليه بالعبادة، أمر استحباب لطلب زيادة الثواب، من غير أن يأمر بعَزيمة، أي: لا يأمرهم أمر إيجاب، بل أمرهم أمر ندب وترغيب، وفسره بصيغة الترغيب والندب دون الإِيجاب بقوله: فيقول: مَنْ قام رمضان. قال ابن عبد البر: رواة (الموطأ) على هذا اللفظ، وأما أصحاب ابن شهاب فاختلفوا، ورواه مالك ومعمر وقريش وأبو أويس، كذلك رواه ابن عيينة وحده عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة بلفظ: "من صام رمضان"، انتهى، والحديث بلفظ: "من صام" رواه أحمد وأصحاب الكتب السنة عن أبي هريرة، وبلفظ: "من قام" الشيخان والأربعة، وقد ورد بالجمع بينهما ومن الصحيحين.

стр. 466

قال النووي: المراد بقيام رمضان صلاة التراويح، وقال غيره: قيل: مطلق الصلاة الحاصل بها قيام الليل، كذا ذكره السيوطي، والأظهر أن المراد بالقيام إحياء الليل بالعبادة، أعم من أن يكون صلاة، أو طواف الكعبة، أو تلاوة القرآن، وغير ذلك من أنواع العبادات، وأصناف الطاعات، الشاملة للعلوم النافعة. إيمانًا أي: تصديقًا بسنته، واحْتسَابًا أي: طلبًا لثواب الآخرة، لا لرياء ونحوه مما يخالف الإِخلاص، (ق ٢٤٢) ونصبهما على المصدر أو الحال، وعلى العلة، كذا نقله علي القاري عن السيوطي، غُفرَ له بصيغة المجهول، ما تقدَّم من ذنبه، أي: ذنبه المتقدم، "فمن" للبيان لا للتبعيض، أي: الصغائر لا الكبائر، كما قطع إمام الحرمين والفقهاء، وعزاه عياض لأهل السنة، وجزم ابن المنذر بأنه يتناول بهما. وقال الحفاظ: إنه ظاهر الحديث. وقال ابن عبد البر: اختلف فيه العلماء فقال قوم: يدخل فيه الكبائر، وقال الآخرون: لا تدخل فيه لكن لا بد من أن يقيد بما لا يمكن تداركه من حقوق الله، ومن حقوق العباد، وألا يترتب عليه كثير من الفساد لأرباب العناد، كذا قاله علي القاري. وقال الزرقاني (١): وقد ورد في غفر أن ما تقدم وما تأخر عدة أحاديث جمعتها في كتاب مفرد، واستُشكِل بأن المغفرة تستدعي سبق ذنب المتأخر من الذنوب، ولم يأت بعد فكيف يغفر؟ وأجيب بأن ذنوبهم تقع مغفورة، وقيل: هو كناية عن حفظ الله تعالى بعباده في المستقبل عن الذنوب، كما قيل في قوله ﷺ : "إن الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرتُ لكم" انتهى. لكن ثبت أن الصلاة إلى الصلاة كفارة لما بينهما ما اجتنبت الكبائر، فإذا كانت الفرائض لا تكفرها فأولى قيام الليل من شهر رمضان، وهو سنة، وأجيب بأن المكفر ليس قيام الليل هو فعل العبد، بل فضل من الله تعالى، والذي يظهر لي والمراد بالكبائر فيما ثبت من الحديث أكبر الكبائر، وهو الكف، أو المراد بالكبائر هي مطلق الكبائر، والمطلق ينصرف إلى الكمال، والكامل في الكبائر هو المكفر كما فصلناه في باب التأمين.

стр. 467

قال ابن شهاب: فَتُوفِيَ رسول الله ﷺ ، وفي نسخة: النبي ﷺ والأمر على ذلك، أي: وحال الناس على ما كانوا عليه في زمنه ﷺ من ترك الناس الجماعة في صلاة التراويح، يعني لا يجتمعون على إمام يصلي بهم التراويح، خشية أن تفرض عليهم، ويصح أن يكون معناه لا يصلون إلا في بيوتهم، ويصلي الواحد منهم في المسجد، ويصح أن يكونوا لم يجتمعوا على إمام واحد، ولكنهم كانوا يصلون متفرقين، في رواية ابن أبي ذئب عن الزهري: لم يكن رسول الله ﷺ جمع الناس على القيام، رواه أحمد، وأدرج معمر قول ابن شهاب في نفس الخبر، رواه الترمذي، وما رواه ابن وهب عن أبي هريرة ﵁: خرج رسول الله ﷺ وإذا الناس يصلون على ناحية المسجد، فقال: "ما هذا؟ " فقيل: ناس يصلي بهم أبي بن كعب، فقال: "أصابوا، ونعم ما صنعوا"، ذكره ابن عبد البر، ففيه مسلم بن خالد وهو ضعيف، والمحفوظ أن عمر هو الذي جمع الناس على أبي بن كعب، كذا قاله ابن حجر. وقال سعيد بن زيد الباجي - المالكي: هذا مرسل من ابن شهاب. ثم كان الأمر أي: الحال في خلافة أبي بكر الصديق ﵁، وصَدْرًا من خلافة عمر أي: ابن الخطاب ﵁، بنصب صدرًا عطف على (ق ٢٤٣) خبر كان، وفي نسخة بخفضه عطف على خلافه، على ذلك أي: على ترك الجماعة في صلاة التراويح. قال النووي (١): أي استمر الأمر على هذه المدة، على أن كل واحد يقوم رمضان في بيته منفردًا. * * * ٢٤١ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، عن عُرْوَة بن الزُّبَيْر، عن عبد الرحمن بن عبد القَاريّ، أنَّه خرج مع عمر بن الخطاب ليلةً في رمضان، فإذا الناس أوْزَاع متفَرِّقُون، يصلي الرجل فيصلي بصلاته الرَّهْط، فقال عمر: والله إني لأَظُنّني لو جَمَعْتُ هؤلاء على قارئ واحد لكان أَمَثَلَ، ثم عَزَم

стр. 468

فجمعهم على أبي بن كعب، قال: ثم خرجت معه ليلةً أخرى والناس يصلُّون بصلاة قارئهم، فقال: نعْمَت البِدْعَة هذه، والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون فيها، يريد آخر الليل، وكان الناس يقومون أوَّله. قال محمد: وبهذا كلّه نأخذ، لا بأس بالصلاة في شهر رمضان، أن يُصَلِّي الناس تَطَوُّعًا بإمام، لأن المسلمين قد أجْمَعُوا على ذلك ورَأوْهُ حَسَنًا، وقد روي عن النبي ﷺ أنَّه قال: "ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن، وما رآه المسلمون قبيحًا فهو عند الله قبيح". • أخبرنا مالك، أي: ابن أنس بن عمير بن أبي عامر الأصبحي، الإِمام، من كبار أتباع التابعين، في الطبقة السابعة من أهل المدينة، وهي في الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، أخبرنا ابن شهاب، أي: محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، التابعي، في الطبقة الرابعة من أهل المدينة، عن عُرْوَة بن الزُّبَيْر أي: ابن العوام، من التابعين في الطبقة الثانية من أهل المدينة، عن عبد الرحمن بن عبد الله بالتنوين القَاريّ، بتشديد الياء نسبة إلى "قارة" بطن من خزيمة بن مدركة المدني عامله عمر بن الخطاب ﵁ على بيت المال، يقال: إنه رأى النبي ﷺ ، وذكره العجلي في ثقات التابعين، واختلف قول الإِمام الواقدي فيه قال تارة: له صحبة، وتارة: إنه تابعي، مات سنة ثمانين، كذا قاله الزرقاني، أنَّه خرج مع عمر بن الخطاب ليلةً في رمضان، أي: إلى المسجد النبوي، فإذا الناس الفاء للمفاجأة أوْزَاع بفتح الهمزة وسكون الواو فألف وعين مهملة، أي: جماعات متفَرِّقُون، نعت لفظي أو تأكيد مثل نفخة واحدة؛ لأن الأوزاع الجماعات المتفرقة لا واحد له من لفظه. قال ابن عبد البر: وهم القرون، قال تعالى في سورة المعارج: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ﴾ [المعارج: ٣٧]، وفي الحديث: "ما لي أراكم عزين" (١) رواه الإِمام أحمد في مسنده، وذكر ابن فارس والجوهري أن الأوزاع الجماعات، ولم يقولوا متفرقين، فعليه يكون النعت للتخصيص، أراد أنهم كانوا يتنفلون في المسجد بعد صلاة العشاء متفرقين،

стр. 469

يصلي الرجل أي: لنفسه، بيان لما أجمله أولًا، من قوله: (أوزاع) فيصلي بصلاته الرَّهْط، بفتح الراء المهملة، وسكون الهاء والطاء: الكثير ما دون العشرة من الرجال، ورهط الرجل قومه وقبيلته، والجمع راهط، كذا قاله صاحب الأختري، فقال عمر أي: ابن الخطاب: والله إني لأَظُنّني أي: لأحسب نفسي، وليحيى: والله إني لأدرى بضم الهمزة، أي: لأظنني لو جمَعْتُ هؤلاء أي: الأوزاع والجماعات على قارئ أي: على رجل واحد يقرأ القرآن ليكون إمامًا لهم لكان أي: أمرهم أو جمعهم أَمَثَلَ أي: أفضل وأكمل؛ لأنه أنشط الكثير من المصلين. قال سعيد بن زيد الباجي - من المالكية - وابن التين وغيرهما: استنبط عمر بن الخطاب ذلك من تقرير النبي ﷺ من صلى معه في تلك الليالي، وإن كان كره ذلك لهم فإنما كرهه خشية أن يُفرض عليهم، فلما مات ﷺ أمن ذلك. وقال ابن عبد البر (١): لم يسن عمر إلا ما رضيه ﷺ ، ولم يمنعه من المواظبة عليه إلا خشية أن يفرض على أمته، ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ (ق ٢٤٤) رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٣]، فلما أمن عمر ﵁ من ذلك أقامها، وأحياها في سنة أربعة عشرة من الهجرة، ويدل على أنه ﷺ من ذلك قوله: "إن الله فرض عليكم رمضان، وسننتُ لكم قيامه، فمن صامه وقامه إيمانًا واحتسابًا غُفِرَ له ما تقدم من ذنبه"، ثم عَزَم أي: جزم وتيقن بعد ما حسب وظن، فجمعهم على أبي بن كعب، أي: جعله إمامًا لهم. قال الحافظ ابن حجر (٢): وكان اختياره عملًا بقوله ﷺ : "يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله" (٣)، وقد قال عمر: أقرؤنا أُبيّ، وكان تميم الداري يصلي بالنساء، وقيل: سليمان بن أبي حثمة، قال ابن حجر (٤): ولعل ذلك كان في وقتين، كذا نقله علي القاري عن السيوطي. قال: أي: عبد الرحمن بن عبد القارئ: ثم خرجت معه أي: مع عمر ليلةً أخرى والناس أي: والحال أن الناس يصلُّون بصلاة قارئهم، أي: مع إمامهم المذكور، وهو صريح في أن عمر كان لا يصلي معهم؛ لأنه كان يرى أن الصلاة في بيته، ولا سيما

стр. 470

في آخر الليل أفضل، أو لأنه كان لا يصلي معهم إما لشغله بأمور الناس، وإما لانفراده بنفسه في الصلاة، فقال: أي: عمر، كما في (الموطأ) لمالك: نعْمَت البِدْعَة هذه، أي: هذه بدعة حسنة؛ إذ أصل البدعة ما أحدث على غير مثال سابق، ويطلق في الشرع على ما يقابل السنة، أي: ما لم يكن في عهده ﷺ وما يخالف السنة فهو ممنوع، والتي أي: الساعة أو الصلاة ينامون عنها أي: يغفلون عنها أفضل من الصلاة التي يقومون أي: الناس، وفي نسخة أخرى: ينامون، وتقومون بالفوقية، يريد أي: عمر بن الخطاب آخر الليل، والمعنى أن العبادة في آخر الليل أفضل من أوله، ولا سيما مع إخفاءها، وكان الناس أي: والحال أنهم يقومون أوَّله. قال الحافظ ابن حجر: هذا صريح منه بأن الصلاة في آخر الليل أفضل من أوله، وقد أثنى تعالى على المستغفرين بالأسحار، وقال أهل التأويل في يعقوب صلوات الله على نبينا وعليه في حق أولاده: ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ﴾ [يوسف: ٩٨]، أخرهم في الدعاء إلى وقت السحر؛ لأنه أقرب للإِجابة، ويأتي حديث: "ينزل ربنا تعالى إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الأخير"، وتأويله ينزل ملك من ملائكة الله تعالى (١) فيقول حاكيًا من قوله تعالى: "ألا من مستغفر فأغفر له، ألا من مسترزق فأرزقه ... " الحديث. قال محمد: وبهذا كلّه أي: بقول عمر بن الخطاب ﵁ نأخذ، أي: نعمل ونفتي بأنه لا بأس أي: لا كراهة بالصلاة في شهر رمضان، أن يُصَلِّي الناس أي: صلاة التراويح تَطَوُّعًا أي: بطريق التطوع لا باعتبار الوجوب بإمام أي: معه وإن كانت الجماعة بالنافلة بدعة مستحسنة؛ لأن المسلمين قد أجْمَعُوا على ذلك، حيث لم ينكر أحد من الصحابة على عمر هنالك، تم استمر عليه المسلمون، ورَأوْهُ حَسَنًا، أي: فإنه محض خير، وقد روي عن النبي ﷺ أنَّه قال: "ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن، وما رآه المسلمون قبيحًا فهو عند الله قبيح" (٢). كذا رواه الإِمام أحمد في مسنده، وفي (ق ٢٤٥) نسخة:

стр. 471

"ما رآه المسلمون حسنًا"، ولعل هذا باعتبار منطوقه ومفهومه مستفاد من قوله تعالى في سورة النساء: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ الآية [النساء: ١١٥]، ويؤيده حديث: "لا تجتمع أمتي على الضلالة" رواه الإِمام أحمد في مسنده، والعبرة بالأكثر فلا ينافيه كراهة الشيعة، بناءً على صفاتهم الشنيعة بحديث: "عليكم بالسواد الأعظم"، والله أعلم. لما فرغ من بيان أحكام قيام شهر رمضان وما فيه من الفضل، شرع في بيان حكم دعاء القنوت في صلاة الفجر، فقال: هذا * * * باب في بيان حكم دعاء القنوت في صلاة الفجر وفي نسخة: صلاة الصبح. ٢٤٢ - أخبرنا مالك، عن نافع، قال كان ابن عمر لا يقنت في الصبح. قال محمد: وبهذا نأخُذُ، وهو قولُ أبي حنيفة. • أخبرنا مالك، أي: ابن أنس بن عمير بن أبي عامر الأصبحي، الإِمام، من كبار أتباع التابعين، في الطبقة السابعة من أهل المدينة، عن نافع، المدني، مولى ابن عمر ﵄، قال: كان ابن عمر لا يقنت في الصبح. قال محمد: وبهذا نأخذ، وهو قول أبي حنيفة، وبهذا أي: بخبر نافع نأخُذُ، أي: نعمل ونفتي، وهو أي: خبر نافع قولُ أبي حنيفة، ﵀، وبه قال أحمد، وقال مالك والشافعي: يقنت فيه لنا ما روى النسائي وابن ماجه والترمذي، وقال: حسن صحيح عن أبي مالك الأشجعي سعد بن طارق قال: قلت لأبي: إنك صليتَ خلف النبي ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان وعلي بكوفة نحوًا من خمس سنين، أكانوا يقنتون في صلاة الفجر، قال: أي بنيَّ بدعةٌ أي: في غير النوازل، وروى ابن حبان عن أبي هريرة بسند صحيح قال: كان رسول الله ﷺ لا يقنت في صلاة الصبح إلا أن يدعو بقوم أو صلى بقوم.

стр. 472

وروى محمد في (الآثار) عن أبي حنيفة عن حماد عن إبراهيم عن الأسود بن يزيد أنه صحب عمر بن الخطاب سنتين على السفر والحضر فلم يره قانتًا في الفجر حتى فارقه. قال إبراهيم وأهل الكوفة: إنما أخذوا القنوت عن عليّ ﵁، قنت يدعو على معاوية حين حاربه، وأهل الشام أخذوا القنوت عن معاوية قنت يدعو على عليّ ﵁. وفي (الغاية البيان): وإن نزل بالمسلمين نازلة قنت الإِمام في صلاة الجهر، وهو قول الثوري، وأحمد، وقال جمهور أهل الحديث: القنوت عن النوازل مشروع في الصلاة كلها، وبه صرح الطحاوي، وقاله علي القاري. لما فرغ من بيان حكم دعاء القنوت في صلاة الفجر، شرع في بيان فضل صلاة الفجر في جماعة، فقال: هذا * * * باب في بيان فضل صلاة الفجر في الجماعة وبيان أمر أي: شأن سنة ركعتي الفجر أي: قبل فرض الفجر، فأمر سنتي الفجر أنهما سنة مؤكدة، وهما أقوى السنن، حتى روى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى، أنهما واجبتان، كذا قاله الشرنبلالي في (مراقي الفلاح)، و (نجاة الأرواح)، وهاتان الروايتان يدلان على اعتناء سنتي الفجر. ٢٤٣ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، عن أبي بكر بن سليمان بن أبي حثْمة، أن عمر بن الخطاب فَقَد سليمان بن أبي حثْمة في صلاة الصبح، وأن عمر غدا إلى السوق، وكان منزل سليمان بين السوق والمسجد، فمر عمر على أم سليمان، الشِّفاء، فقال: لم أر سليمان في الصبح؟ فقالت: بات يصلي فغلبته عيناه، فقال عمر: لأنْ أشهد صلاة الصبح أحبُّ إلى من أن أقوم ليلة.

стр. 473

• أخبرنا مالك، أي: ابن أنس بن عمير بن أبي عامر الأصبحي، الإِمام، من كبار أتباع التابعين، في الطبقة السابعة من أهل المدينة، وهي في الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة أخرى: ثنا، أخبرنا ابن شهاب، أي: محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، التابعي، كان في الطبقة الرابعة من أهل المدينة، عن أبي بكر أي: عبد الله بن سليمان بن أبي حثْمة، بفتح الحاء المهملة، وسكون الثاء المثلثة، وفتح الميم، ابن حذيفة، قرشيّ عدويّ، مدني ثقة، عارف بالنسب، وكان من فضلاء المسلمين وهو معدود من كبار التابعين، أن عمر بن الخطاب فَقَد أي: لم يجد أباه سليمان بن أبي حثْمة في صلاة الصبح، حيث لم يحضر الجماعة، وأن عمر غدا أي: ذهب إلى السوق، وكان منزل سليمان بين السوق والمسجد، أي: مسجد المدينة جملة معترضة، فمر عمر على أم سليمان، قوله: الشِّفاء، بالجر بدل من اللام، وهو بكسر الشين المعجمة، وبالفاء والمد بنت عبد الله القرشية العدوية. قال أحمد بن صالح المصري: اسمها ليلى، والشفاء لقب غلب عليها، أسلمت قبل الهجرة، وكانت من عقلاء النساء وفضلائهن، وكان رسول الله ﷺ يأتيها ويزورها ويقيل عندها، واتخذت لرسول الله ﷺ فراشًا وإزارًا ينام فيه، فلم يزل عندها حتى أخذه منهم مروان بن الحكم، وقال لها ﷺ : "علمي حفصة رقية النملة"، وأعطاها دارًا عند الحكاكين بالمدينة فنزلتها مع ابنها سليمان؛ ولأن عمر يقدمها في الرأي ويرعاها ويفضلها، وربما ولاها شيئًا من أمر السوق، روى عنها ابنها سليمان، وابناه: أبو بكر وعثمان، وحفصة أم المؤمنين وغيرهم، فقال: أي: عمر لم أر سليمان في الصبح؟ أي: في صلات، فقالت أي: الشفاء: بات أي: سليمان يصلي فغلبته عيناه، أي: بالنوم ففاته الجماعة، فقال عمر: لأن أي: أقسم بالله أشهد أي: أحضر صلاة الصبح أي: بالجماعة أحبُّ إلى من أن أقوم ليلة، لما في ذلك من الفضل الكبير، وروى عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن سليمان بن أبي حثمة عن أمه الشفاء أنها قالت: دخل عليَّ عمر وعندي رجلان نائمان تعني ابنها وزوجها سليمان، فقال: أما صليا الصبح؟ قلت: لم يزالا يصليان حتى أصبحنا فصلينا الصبح وناما، فقال: لأن أشهد الصبح في جماعة أحب إليَّ من قيام ليلة، كذا قاله الزرقاني. * * *

стр. 474

٢٤٤ - أخبرنا مالك، أخبر نافع، أنَّ ابن عمر أخبره عن حَفْصة زوج النبي ﷺ ، أنها أخبرته، أن رسول الله ﷺ كان إذا سَكَتَ المؤذِّن من صلاة الصبح، وبدأ الصبح، ركع ركعتين خفيفتين، قبل أن تقام الصلاة. قال محمد: وبهذا نأخذ، الركعتان قبل صلاة الفجر يُخَفَّفانِ. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، أخبر نافع، أي: المدني، مولى ابن عمر، ثقة ثبت، فقيه مشهور، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين، من أهل المدينة المحدثين، مات سنة سبع عشرة ومائة، أنَّ ابن عمر أخبره عن حَفْصة، قال ابن عبد البر: فيه رواية الصحابي عن الصحابية. وقال السيوطي: فيه رواية الأخ عن أخته، زوج النبي ﷺ ، أنها أخبرته، أن رسول الله ﷺ كان إذا سَكَتَ المؤذِّن من أذان صلاة الصبح، وليحيى: إن سكت المؤذن عن الأذان لصلاة الصبح، وبدأ بالألف، أي: وظهر الصبح أي: وطلع الفجر الثاني ركع أي: صلى ركعتين خفيفتين، وقد ثبت أنه ﷺ كان يقرأ فيهما بـ ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، و (الإِخلاص). وعن مالك عن يحيى بن سعيد أن عائشة زوج النبي ﷺ أنها (ق ٢٤٧) قالت: كان رسول الله ﷺ ليخفف ركعتي الفجر حتى إني لأقول: أقرأ بأم القرآن أم لا، رواه يحيى في (موطئه). قال ابن عبد البر: هكذا هذا الحديث عند رواة (الموطأ)، وقد رواه ابن عيينة وغيره عن يحيى بن سعيد عن محمد بن عبد الرحمن عن عجرة عن عائشة، ذكره السيوطي. قبل أن تقام الصلاة، أي: فرض الصبح. قال محمد: أي: المصنف ابن الحسن بن فرقد الشيباني، وبهذا أي: بقول ابن عمر، نأخذ، أي: نعمل ونفتي، الركعتان قبل صلاة الفجر يُخَفَّفانِ، بصيغة التثنية المؤنثة المجهولة للمضارع، يعني على طريق السنة. * * *

стр. 475

٢٤٥ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن عبد الله بن عمر، أنَّه رأى رجلًا ركع ركعتي الفجر ثم اضطجع، فقال ابن عمر: ما شأنه؟ فقال نافع: فقلت: يَفصل بَيْنَ صلاته، قال ابن عمر: وأيُّ فَصْل أفضل من السلام. قال محمد: وبقول ابن عمر نأخذ، وهو قولُ أبي حنيفة. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، أخبرنا نافع، عن عبد الله بن عمر، وفي نسخة: "عن" بدل "أخبرنا" أنَّه رأى رجلًا ركع أي: صلى ركعتي الفجر أي: سنته، ثم اضطجع، أي: على جنبه، فقال ابن عمر: ما شأنه؟ أي: ما سبب صنعه؟ فقال نافع: فقلت: يَفصل بَيْنَ صلاته، أي: بين صلاة سنة الفجر وبين فرضه، قال ابن عمر: وأيُّ فَصْل أي: فارق بين سنة الفجر وفرضه أفضل من السلام، هذا في الأصل بالضاد المعجمة؛ وذلك لأن الكلام إنما ورد للفصل وهو لكونه واجبًا أفضل من سائر ما يخرج من الصلاة من الفعل والكلام، ولا يبعد أن يكون أفصل بالصاد المهملة، أي: أفرق، والمعنى أن السلام فارق فلا يحتاج إلى فارق آخر بين السنة والفرض، وهذا لا ينافي فيما سبق من أنه ﷺ كان يضطجع في آخر التهجد تارة وأخرى بعد ركعتي الفجر في بيته للاستراحة. قال محمد: وبقول ابن عمر نأخذ، وهو أي: قول ابن عمر، قولُ أبي حنيفة. قال ابن حجر المكي في (شرح الشمائل): روى الشيخان (١) أنه ﷺ كان إذا صلى ركعتي الفجر اضطجع على شقه الأيمن، فتسن هذه الضجعة بين سنة الفجر وفرضه لذلك، أو لأمره ﷺ بها كما رواه أبو داود (٢) وغيره بسند لا بأس به خلافًا لمن نازع فيها، وهو صريح في ندبها لمن بالمسجد وغيره، خلافًا لمن خص ندبها بالبيت وقول ابن عمر: إنها بدعة، وقول النخعي: إنها ضجعة الشيطان، وإنكار ابن مسعود لها، فهؤلاء لم يبلغهم ذلك، وقد أفرط ابن حزم في قوله بوجوبها، وأنها شرط لصحة الصبح. انتهى. ولا يخفى أن عدم البلوغ إلى هؤلاء الأكابر، الذين بلغوا مبلغ الأعلى لا سيما ابن

стр. 476

مسعود الملازم له ﷺ حضرًا وسفرًا، وابن عمر المتفحص عن أحواله ﷺ ، في كمال التتبع والاتباع، فالصواب حمله إنكارهم على العلة السابقة من الفصل، أو على فعله في المسجد يين أهل الفضل، وليس أمره ﷺ على تقدير صحته صريحًا ولا تلويحًا على فعله في المسجد إذ الحديث كما رواه أبو داود (١) والترمذي (٢) وابن حبان (٣) عن أبي هريرة ﵁: أنه إذا صلى أحدكم ركعتي الفجر (ق ٢٤٩) فليضطجع على جنبه الأيمن، فالمطلق محمول على المقيد على أنه لو كان هذا في المسجد شائعًا في زمانه ﷺ لما كان يخفى على هؤلاء الأكابر الأعلام. لما فرغ من بيان فضل صلاة الفجر في الجماعة، وبيان أمر سنة الفجر، شرع في بيان حكم طول القراءة في الصلاة، وما يستحب فيها، فقال: هذا * * * باب طول القراءة في الصلاة وما يستحب من التخفيف في حق الإِمام مطلقًا، وفي بعض الصلاة خصوصًا، والمناسبة بين هذا الباب وذاك الباب ظاهرة. ٢٤٦ - أخبرنا مالك، حدثنا الزُّهري، عن عُبَيْد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن أمه أمّ الفَضْل، أنها سمعته يقرأ: ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ﴾ [المرسلات: ١]، فقالت: يا بُنيّ، لقد ذَكَّرْتَني بقراءتك هذه السورة، إنها لآخِر ما سمعتُ رسول الله ﷺ يقرأ في المغرب. • أخبرنا مالك، أي: ابن أنس بن عمير بن أبي عامر الأصبحي، الإِمام من كبار أتباع التابعين، في الطبقة السابعة من أهل المدينة، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى

стр. 477

حدثنا، وفي نسخة أخرى: ثنا، حدثنا الزُّهري، أي: محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، من التابعين، في الطبقة الرابعة من أهل المدينة، وفي نسخة قال: بنا، رمزًا إلى أخبرنا، وفي نسخة أخرى: قال: ثنا، عن عُبَيْد الله بضم العين بالتصغير ابن عبد الله بفتح العين، أي: ابن عتبة، بضم العين وسكون الفوقية، وفتح الموحدة، كما في (الموطأ) لمالك، ابن مسعود، أحد الفقهاء، عن ابن عباس، ترجمان القرآن، عن أمه وهي والدة ابن عباس الراوي عنها، واسمها لبابة الهلالية، بنت الحارث بن حزن، بفتح المهملة وسكون الزاي، وبعدها نون، أمّ الفَضْل، زوجة عباس عم النبي ﷺ يقال: إنها أول امرأة أسلمت بعد خديجة ﵂، ولها صحبة ورواية، وكان ﷺ يزورها ويقيل عندها، أنها أي: أم الفضل سمعته أي: ابنها عبد الله بن عباس يقرأ: ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ﴾ [المرسلات: ١]، أي: سورة المرسلات في الصلاة أو في غيرها، فقالت: يا بُنيّ بضم الموحدة، وفتح النون، وبفتح التحتية المشددة، تصغير الشفقة، لقد ذَكَّرْتَني بفتح الذال المعجمة وفتح الكاف المشددة من التذكير بقراءتك هذه السورة، أي: كنت بسبب قراءتك هذه السورة ملقيًا من قلبي ما نسيته إنها أي: سورة المرسلات لآخِر ما سمعتُ رسول الله ﷺ يقرأ أي: يقرؤها في المغرب، أي: كلها أو بعضها. زاد البخاري: ثم صلى لنا بعدها حتى قبض، وفي النسائي: أن هذه الصلاة التي حكتها أم الفضل كانت في بيته لا في المسجد، ذكره السيوطي، وفيه إيماء إلى أنه إنما طول صلاة المغرب، لكونه منفردًا، وإلا من عادته المعروفة أنه صلى بقصار المفصل، بل غالبًا كان يصلي فيها بـ (الكافرين)، و (الإِخلاص). * * * ٢٤٧ - أخبرنا مالك، حدثنا الزُّهري، عن محمد بن جُبَيْر بن مُطعم، عن أبيه، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقرأ بـ ﴿وَالطُّورِ﴾ [الطور: ١] في المغرب. قال محمد: العامّة على أن القراء تخفَّف في صلاة المغرب، يُقرأ فيها

стр. 478

بقصار المُفَصَّل، ونرى أن هذا كان شيئًا فَتُرك، أو لعلَّه كان يقرأ بعض السورة ثم يركع. • أخبرنا مالك, وفي نسخة: محمد قال: بنا، رمزًا إلى أخبرنا، وفي نسخة أخرى: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، حدثني الزُّهري، أي: محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، التابعي من الطبقة الرابعة من أهل المدينة، عن محمد بن جُبَيْر بضم وفتح الموحدة، وهو أي: محمد بن جبير، ثقة تابعي، عارف بالأنساب، في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين، من أهل المدينة، مات على رأس المائة، ابن مُطعم، بضم الميم وسكون الطاء المهملة، وكسر العين والميم، وهو ابن عدي بن نوفل بن عبد مناف القرشي النوفلي أبي سعيد، المدني، ثقة، من رجال الجميع، عارف بالأنساب، صحابي، أسلم يوم فتح (ق ٢٥٠) مكة، وقيل: قبله، وكان أحد الأشراف من علماء قريش وساداتهم، وكان في الطبقة السادسة من طبقات الأصحاب، مات سنة ثمان أو تسع وخمسين، كما قاله الزرقاني، وابن حجر العسقلاني في (التقريب من أسماء الرجال) (١)، عن أبيه، أي: جبير بن مطعم بن عدي، قال: أي: جبير بن مطعم، سمعت رسول الله ﷺ يقرأ بـ ﴿وَالطُّورِ﴾ [الطور: ١] في المغرب. قال ابن عبد البر (٢): في هذا الحديث شيء سقط، وهو معنى بديع، وذلك أن جبير بن مطعم سمع هذا الحديث عن النبي ﷺ وهو كافر، وحدث عنه وهو مسلم، فإنه قال: أتيتُ النبي ﷺ فداء أسارى بدر فسمعته يقرأ في المغرب بالطور، ولم أسلم يومئذ، وقال: لو كان ابن مطعم حيًا، وكلمني في هؤلاء النتنى عتقهم، وفي رواية: قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقرأ في المغرب: ﴿وَالطُّورِ﴾، فلما بلغ هذه الآية: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (٣٥) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ (٣٦) أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ﴾ [الطور: ٣٥ - ٣٧]، كاد قلبي يطير. وفي أخرى: قال: قدمتُ على النبي ﷺ في فداء أسارى بدر، فسمعته يقرأ في العتمة بالطور، وفي أخرى: أتيتُ رسول الله ﷺ لأكلمه في أسارى بدر فوافيته وهو

стр. 479

يصلي بأصحابه المغرب أو العشاء، فسمعته وهو يقرأ، وقد خرج صوته من المسجد: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ (٧) مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ﴾ [الطور: ٧، ٨]، فكأنما صدع قلبي، كما نقله علي القاري عن السيوطي. قال محمد: العامّة أي: عامة العلماء اتفقوا على أن القراءة تخففَّ في صلاة المغرب، يُقرأ فيها أي: في صلاة المغرب بقصار المُفَصَّل، وهي من: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ﴾ [البينة: ١]، إلى آخر القرآن، ونرى أي: والحال أن نختار أن هذا أي: ما سمعه جبير بن مطعم عن رسول الله ﷺ من قراءة الطور في صلاة المغرب كان شيئًا أي: طريقًا مسلوكًا في أول الأمر فَتُرك، بصيغة المجهول، أي: ترك في آخر الأمر، وفيه أنه ينافيه ما سبق من التصريح بأنه آخر ما صلاها ﷺ بالمرسلات، فالأولى أن يقال: إنما فعله لبيان الجواز، وأن إطالته غير مضرة، لا سيما عند من يقول بتطبيق وقت المغرب، أو لعلَّه أي: وأنا أرجو أن رسول الله ﷺ كان يقرأ بعض السورة ثم يركع، أي: ويقرأ بعضًا آخر ثم يركع، ويؤيد هذا الاحتمال ما قاله الطحاوي، من أن الباء في قوله: بالطور بمعنى (من)، أي: سمعه ﷺ يقرأ من هذه السورة، وفيه أن هذا أيضًا على خلاف عادته في قراءته، ثم كان الأولى أن يقال: أو لعله كان يقرأ بعض السورة ثم يركع، لأنه لم يرد أنه ﷺ كان يقرأها. * * * ٢٤٨ - أخبرنا مالك، أخبرنا أبو الزِّنَادِ، عن الأعْرَج، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "إذا صلى أحدكم للناس فَلْيُخَفِّفْ، فإن فيهم السَّقِيم والضعيف والكبير، وإذا صلى لنفسه فليُطَوِّل ما شاء". قال محمد: وبهذا نأخُذُ، وهو قولُ أبي حنيفة. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي أخرى: بنا، رمزًا إلى أخبرنا، أخبرنا أبو الزِّنَادِ، وفي نسخة: ثنا، هو عبد الله بن زكوان، تابعي في الطبقة

стр. 480

الخامسة (ق ٢٥١) من أهل المدينة، عن الأعْرَج، أي: عبد الرحمن بن هرمز، ويكنى أبا داود المدني، مولى ربيعة بن الحارث، ثقة، ثبت، عالم، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين، من أهل المدينة، مات سنة سبع عشرة ومائة، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "إذا صلى أحدكم للناس أي: إمامًا فَليُخَفِّفْ، أي: في صلاته أو في قراءته، وفيهما فإن فيهم السَّقِيم أي: المريض والضعيف أي: قليل القوة بحسب البنية، أو ضعف القلب، وفي (الموطأ) كرواية يحيى: فإن فيهم الضعيف والسقيم. قال السيوطي: المراد بالضعيف هنا ضعيف الخلقة، وبالسقيم من به مرض، والكبير. قال ابن عبد البر (١): أكثر الرواة للموطأ لا يقولون: "والكبير"، وهذا الحديث إنما قاله جماعة، منهم يحيى وقتيبة، وفي رواية لمسلم من وجه آخر عن أبي الزناد: "والصغير والكبير"، وزاد الطبراني من حديث عثمان بن أبي العاص: "والحامل والمرضع"، ومن حديث عدي بن حاتم: "والعابر في سبيل الله"، والبخاري من حديث ابن مسعود: "وذا الحاجة"، فإذا صلى لنفسه فليُطَوِّل ما شاء، أي: ما أراد وقدر. قال محمد: وبهذا أي: بهذا الحديث نأخُذُ أي: نعمل ونفتي وهو قولُ أبي حنيفة، ﵀. لما فرغ من بيان حكم طول القراءة في الصلاة، شرع في بيان حكم صلاة المغرب، فقال: هذا * * * باب بيان حكم صلاة المغرب وتر صلاة النهار وفي هذه الترجمة وجوه من الإِعراب؛ أحدها: أن يكون لفظ باب مرفوعًا على أنه خبر مبتدأ محذوف، تقديره: هذا باب كما قدرناه، وثانيها: أن يكون ساكنًا مقطوعًا عن الإِضافة إلى ما بعده، فلا نصيب له من الإِعراب، وثالثها: قوله صلاة مرفوع على أنه مبتدأ ومضاف إلى المغرب وخبره لفظ وتر مضاف إلى صلاة، تضاف إلى النهار، فإضافتها إلى المغرب من قبيل إضافة المسبب إلى السبب، ورابعها: أنها مجرورة على أنها مضاف

стр. 481

إليها حكم مقدر مضاف إليه بيان مقدر، مع ما يتعلق بكائن يكون صفة لباب تقديره: هذا باب كائن في بيان حكم صلاة المغرب، وخامسها: أن يكون لفظ الوتر مرفوعًا على أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره: هو، أي: حكم صلاة المغرب وتر صلاة النهار، وسادسها: أن يكون لفظ الوتر منصوبًا على أن يكون خبرًا ليكون مقدرًا، تقديره حكم صلاة المغرب، أن تكون وتر صلاة النهار. ٢٤٩ - أخبرنا مالك، حدثنا عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، قال: صلاة المغرب وتر صلاة النهار. قال محمد: وبهذا نأخُذُ، وينبغي لمن جعل المغرب وتر صلاة النهار كما قال ابن عمر أن يكون وتر صلاة الليل مثلها، لا يفصل بينهما بتسليم، كما لا يفصل في المغرب بتسليم، وهو قولُ أبي حنيفة. • أخبرنا مالك، أي: ابن أنس بن عمير بن أبي عامر الأصبحي، الإِمام، من كبار أتباع التابعين في الطبقة السابعة من أهل المدينة، وهي في الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، حدثنا عبد الله بن دينار، أي: العدوي التابعي، مولى ابن عمر، في الطبقة الرابعة من أهل المدينة، مات سنة سبع وعشرين ومائة، عن ابن عمر، أي: موقوفًا، قال: أي: حكم صلاة المغرب وتر صلاة النهار. وقال ابن عبد البر: رُوي مرفوعًا عن النبي ﷺ . قال السيوطي: (ق ٢٥٢) أخرجه الدارقطني بسند ضعيف من حديث ابن مسعود. قال البيهقي: الصحيح وقفه عليه. قلت: ولا يضره؛ فإنه في حكم المرفوع، انتهى. قال محمد: أي: المصنف: وبهذا نأخُذُ، أي: نعمل ونفتي بقول ابن عمر ﵁، وينبغي لمن جعل المغرب أي: صلاته وتر صلاة النهار كما قال ابن عمر ﵁ آنفًا موقوفًا أو مرفوعًا، والكاف فيه بمعنى المثل، وما مصدرية وهو في حيز النصب

стр. 482

على أنه نعت لمصدر مؤكد، أي: قال محمد قولًا مثل ما قاله ابن عمر، أو حال من تقديره محمد قال قولًا مماثلًا لما قاله ابن عمر، والمراد بالمماثلة المماثلة في عدد الركعات، وعدم الفصل في التسليم بين الشفع الأول والفرد، أن يكون أي: يجعل كما في النسخ قوله: وتر منصوب على أنه خبر أن يكون ومضاف إلى صلاة الليل مثلها، أي: مثل صلاة النهار في عدد الركعات، قوله: لا يفصل ذلك المرء بينهما أي: بين ركعات وتر صلاة الليل، بيان لقوله "مثلها"، وفي نسخة: "بينها"، أي: بين الشفع الأول وبين الفرد بتسليم، قوله: "لا يفصل" إخبار أو إنشاء، قوله: كما لا يفصل في المعرب بتسليم، أي: بين الشفع الأول والفرد، وهو أي: عدم الفصل بينهما قولُ أبي حنيفة، ﵀، خلافًا للشافعي، حيث يجوز الفصل والوصل، ولنا ما رواه النسائي والحاكم وقال: على شرط البخاري ومسلم، عن عائشة ﵂ أنها قالت: كان رسول الله ﷺ لا يسلم في الركعتين الأوليين من الوتر، وقد روى الطحاوي عن عقبة بن مسلم قال: سألتُ عبد الله بن عمر عن الوتر فقال: أتعرف وتر النهار؟ قلت: نعم، صلاة المغرب، قال: صدقت وأحسنت، وأما ما رُوي عن ابن عمر أن رجلًا سأل النبي ﷺ عن صلاة الليل فقال: "مثنى مثنى، فإذا خشيت فصل ركعة توتر لك ما صليت"، فمعناه صل ركعة مع ثنتين قبلها، ويفيد أن الوتر فرض (١) عملي لا اعتقادي، حيث يكتفى فيه بنية مطلقة. لما فرغ من بيان كون صلاة المغرب وتر صلاة النهار، شرع في بيان أحكام الوتر، فقال: هذا * * * باب في بيان أحكام صلاة الوَتْر وهو في اللغة: الفرد، خلافًا للشفع، بالفتح والكسر، وفي الشريعة: صلاة مخصوصة وهي واجبة في الأصح، وهو آخر أقوال أبو حنيفة، وروي عنه أنه سنة، وهو قولهما، وروي عنه بأنه فرض، ووفَّق المشايخ بين الروايات بأنه عملي لا اعتقادي، وفي

стр. 483

(المحيط) من أنكر أصل الوتر وأصل الأضحية كفر، ولا يكفر إن أنكر وصفهما يعني من قال: لم يوجد الوتر في شريعتنا وقال: ليست الأضحية شيئًا في شريعتنا كفر، أما لو أنكر وجوبية الوتر لا يكفر؛ لأنه من الاجتهاد، قال بعض الفقهاء: إن صلاة الوتر واجبة، وقال بعضهم: هي سنة، وقال بعضهم: هي فريضة، وكذا لو قال: إن الأضحية في عيد الأضحى ليست واجبة لا يكفر؛ لأنها واجبة على الأغنياء عند أبي حنيفة، (ق ٢٥٣) وسنة عند الشافعي، فصلاة الوتر ثلاث ركعات بتسليمة واحدة؛ لان النبي ﷺ كان يوتر بثلاث ركعات لا يسلم إلا في آخرهن، صححه الحاكم، وقال: على شرط الشيخين، ويقول في كل ركعة من الوتر وجوبًا بعد الفاتحة سورة، لما رُوي أنه ﷺ قرأ في الركعة الأولى منها بعد الفاتحة: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، وفي الثانية منه بعد الفاتحة: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، وفي الثالثة منه بعد الفاتحة بـ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، وقنت قبل الركوع في جميع السنة بعد رفع يديه حذاء أذنيه مع التكبير. وبيان أن الله تعالى لما بشَّر محمدًا ﷺ بالمعراج في قوله: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ (١٩) فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الانشقاق: ١٩، ٢٠]، قرأ ابن كثير والكسائي بفتح الباء في ﴿لَتَرْكَبُنَّ﴾ يعني لتصعدن يا محمد طبقًا من أطباق السماء بعد طبق ليلة المعراج، فأي حال لكفار مكة لا يصدقون بيوم القيامة؛ فإن القادر على تغيير الأجرام العلوية والسفلية من حال إلى حال أخرى لا بد بأن يكون قادرًا على أن يصعد عبده إلى حيث شاء، فقرأها النبي ﷺ عند أصحابه، فأوصاه أبو بكر الصديق ﵁، بأن قال: يا رسول الله إن وصلت إلى السماء صل ركعة، فلما وصل رسول الله ﷺ إلى العرش، صلى ركعة لنفسه، وللصديق ركعة، وقعد فتشهد فأمره الله تعالى أن يصلي له ركعة، فقام وقرأ الفاتحة وسورة معها وأراد أن يركع، فاطلع إلى النار وإلى أهلها فغشي عليه، على صيغة المفعول، فنثر جبريل ﵇ الكوثر عليه، فلما أفاق كبر مع رفع يديه إلى حذاء أذنيه، وقنت واستعاذ بالله من النار، فما صلى لنفسه صار سنة، وما صلى لصاحبه الصديق واجبًا، وما صلى لأمر الله تعالى صار فرضًا؛ فالوتر بهذا المعنى له فضيلة الفرض والواجب والسنة، كذا قاله ناصر الدين أبو الخير عبد الله بن عمر بن محمد بن الشافعي البيضاوي الشيرازي في تفسيره.

стр. 484

٢٥٠ - أخبرنا مالك، أخبرنا زيد بن أسْلم، عن أبي مُرّة، أنه سأل أبا هريرة: كيف كان رسول الله ﷺ يُوتِر؟ قال: فسكت، ثم سأله فسكت. ثم سأله فقال: إن شئت أخْبَرْتُك كيف أصنع أنا، قال: فأخْبرني قال: إذا صلَّيْتُ العشاء بعدها خمس ركعات، ثم أنام، فإنْ قمتُ من الليل صليتُ مَثْنى مَثْنى، وإن أنا أصحبت أصبحت على وتر. • أخبرنا مالك، أي: ابن أنس بن عمير بن أبي عامر الأصبحي، الإِمام، من كبار أتباع التابعين، في الطبقة السابعة من أهل المدينة، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة أخرى: بنا، وفي نسخة: أنا، وكل واحد منهما رمزًا إلى أخبرنا، فمن قال: أخبرنا أراد أنه قرأنا على الشيخ واستمع منا - كما بيناه في أول الكتاب - أخبرنا زيد بن أسْلم، أي: العدوي، مولى عمر أبو عبد الله وأبو أسامة، المدني، تابعي، ثقة عالم، كان يرسل الحديث، وكان في الطبقة الثالثة من أهل المدينة، وفي نسخة أخرى: أنا، وفي أخرى: بنا عن أبي مُرّة، بضم الميم، وتشديد الراء المهملة والهاء، اسمه يزيد، وقيل: عبد الرحمن، وكان مولى عقيل بن أبي طالب، ويقال: إنه مولى أم هانئ، والصحيح الأول. وقال الحافظ (١): هو مولى أم هانئ حقيقة، (ق ٢٥٤) ونسب إلى ولاء عقيل مجازًا بأدنى ملابسة؛ لأنه أخوها؛ ولأنه كان يكثر ملازمة عقيل، وكان أبو مرة مدنيًا وثقة ورجلًا من رجال الجميع، كما قال الزرقاني في باب صلاة الفجر، من شرح (الموطأ) لمالك، أنه أي: أبا مرة سأل أبا هريرة: كيف كان رسول الله ﷺ يُوتِر؟ قال: أي: أبا مرة فسكت، أي: أبا هريرة، ولعله للتفكر للتذكر، ثم سأله فسكت، لعله لما روى فيما يروي تفاصيل في كيفيات وتره ﷺ لا يقتضي المقام أن يأتي بها على وجه التمام، ثم سأله أي: فألح في السؤال فعدل عن أصل الجواب، وفق المقال فقال: أي: أبو هريرة على أسلوب الحكيم: إن شئت أخْبَرْتُك كيف أصنع أنا، أي: في وتر بناء على اختياري وقت اجتهادي

стр. 485

من بين مروياتي، قال: أي: أبو مرة فأخْبرني أي: على صيغة الأمر رجاء من أبي هريرة ﵁ الجواب، قال: أي: أبو هريرة: إذا صلَّيْتُ على صيغة الماضي المتكلم وحده، العشاء بعدها خمس ركعات، أي: مفصولات فركعتان سنة العشاء مؤكدة، وثلاثة للوتر، ثم أنام، أي: أرقد، فإنْ قمتُ أي: أنا من الليل صليتُ مَثْنى مَثْنى، أي: ولا أعيد الوتر ثانيًا، فإن أنا كذا في نسخة أصحبت أصبحت على وتر، أي: أديتُ أولًا، وهو أحوط بالسنة إلى من يشق بالانتباه بخلاف غيره، لما ورد "اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترًا". * * * ٢٥١ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن ابن عمر، أنه كان ذات ليلة بمكة والسماء مغيمة؛ فخشىَ الصبح فأوْتر بواحدة، ثم انكشف الغيم، فرأى عليه ليلًا فشفع بسجدة، ثم صلى سجدتين سجدتين، فلما خشي الصبح أوْتَرَ بواحدة. قال محمد: وبقول أبي هريرة نأخذ، لا نرى أن يشفع إلى الوتر بعد الفراغ من صلاة الوتر، ولكنه يصلي بعد وتره ما أحب ولا ينقص وتره، وهو قولُ أبي حنيفة. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: بنا، رمزًا إلى أخبرنا، وفي نسخة أخرى: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، أخبرنا نافع، أي: المدني، مولى عبد الله بن عمر، وفي نسخة: عن نافع، أخبرنا عن ابن عمر، ﵄، أنه كان ذات ليلة بمكة أي: المكرمة، والسماء مغيمة؛ فخشىَ الصبح أي: فخاف طلوعه أو فظن ظهوره، فأوْتر بواحدة، أي: ضم ركعة فصار وترًا، ثم انكشف الغيم، بفتح الغين المعجمة، وسكون التحتية والميم، فرأى أن عليه أي: على ابن عمر، كذا في نسخة بفتح الهمزة وتشديد النون ليلًا أي: بقي بعضه، فشفع أي: الركعة السابقة بسجدة، أي: بركعة، وهذا يحتمل أنه يتبين له ما قيل أن يأتي ما ينافي الصلاة، فيكون بناء الواحدة اللاحقة على الواحدة السابقة لورود النهي

стр. 486

عن التبيراء، ثم صلى سجدتين سجدتين، أي: ركعتين ركعتين من باب إطلاق الجزء على الكل، فلما خشي الصبح أوْتَرَ بواحدة، أي: كما تقدم - والله أعلم - وسيأتي عنه رواية أنه كان يفصل في الوتر بتسليمة، ولما كان ظاهر فعله أنه تعدد الوتر في صنعه. قال محمد: وبقول أبي هريرة نأخد، أي: نعمل، ولا يفعل لما فيه من الاحتمال، وأما قول أبي هريرة المشتمل على فعله فهو صريح يصلي للاستدلال مع أنه أقيس في الاستعمال، لا نرى أي: لا نختار أن يشفع على صيغة المجهول، بضم إلى الوتر بعد الفراغ من صلاة الوتر، ولكنه يصلي بعد وتره ما أحب ولا ينقض (ق ٢٥٥) بالضاد المعجمة وتره، وهو قولُ أبي حنيفة، ﵀. وبهذا يتبين ما يفعله بعض العامة من أنه إذا صلى الوتر أول الليل، وقام في آخره يصلي ركعتين جالسين، وبعدهما ركعة باعتبار نقض ثوابهما، ويجعلهما بمنزلة الواحدة، ثم يصلي صلاة الليل، ثم يوتر في آخره، نعم قال الإِمام أحمد: إذا أوتر ثم تهجد شفع بركعة ثم يعيده، كذا قاله علي القاري. لما فرغ من بيان أحكام صلاة الوتر مطلقًا شرع في بيان حكم صلاة الوتر على الدابة، فقال: هذا * * * باب الوتر على الدابة " باب" بالتنوين مرفوع على أنه خبر لمبتدأ محذوف كما قدرناه، وبالسكون لكنه ليس له نصيب من الإِعراب، وبالإِضافة إلى الوتر، قوله: "على الدابة" متعلق بمشروع مقدر مقدم عليها. ٢٥٢ - أخبرنا مالك، أخبرنا أبو بكر بن عمر، عن سعيد بن يَسَار، أن النبي ﷺ أوْتَرَ على راحلته. قال محمد: قد جاء هذا الحديث، وجاء غيره، وأحبّ إلينا أن يصلي على

стр. 487

راحلته تطَوُّعًا ما بَدَا لَهُ، فإذا بلغ الوتر نزل فأوتر على الأرض، وهو قول عمر بن الخطاب، وعبد الله بن عمر، وهو قولُ أبي حنيفة والعامة من فقهائنا. • أخبرنا مالك، أي: ابن أنس بن عمير بن أبي عامر الأصبحي، الإِمام من أتباع التابعين، في الطبقة السابعة من أهل المدينة، وفي نسخة قال: ثنا، أخبرنا أبو بكر بن عمر، بن عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، القرشي العدوي، المدني، من كبار التابعين، في الطبقة التاسعة من أهل المدينة، عن سعيد بفتح السين وكسر العين ابن يَسَار، بفتح التحتية وتخفيف السين المهملة، أي: الحباب بضم الحاء المهملة وموحدتين، مدني، تابعي، ثقة، متقن، في الطبقة الثالثة من أهل المدينة، مات سنة سبع عشرة ومائة، وقيل: قبلها بسنة، كذا قاله الحافظ العسقلاني في (تقريب من أسماء الرجال) (١). أن النبي ﷺ أوْتَرَ على راحلته، أي: صلى صلاة الوتر على دابته، محل هذه الجملة نصب على أنها مفعول ثان لأخبرنا، ففيه دلالة على أن الوتر ليس بواجب، لثبوت أحكام النافلة فيه، وهو فعله على البعير، وإن كان الأفضل فعله على الأرض، لتأكد أمره، فمن صلى على راحلته في الليل استحب أن ينزل للوتر، كذا قاله سعيد بن زيد الباجي من المالكية. وقال أبو عمر: أجمعوا على أنه لا يصلي الفرض على الدواب إلا في شدة الخوف، خاصة وغلبة مطر، بأن كان الماء فوقه وتحته ففيه خلاف؛ فلما أوتر ﷺ على البعير علم أنه سنة. انتهى. لكن استشكل بأن من خصائصه ﷺ وجوب الوتر عليه، فكيف صلاه راكبًا، وأجيب بأن محل الوجوب بالحضر بدليل إيثاره راكبًا في السفر، هذا مذهب مالك ومن وافقه، والقائل بوجوبه عليه مطلقًا قال: يحتمل خصوصية ثابتة له أو أنه تشريع للأمة بما يليق بالسنة في حقهم، فصلًا على البعير كذلك، وهو (٢) في نفسه، وأجيب عليه فاحتمال الركوب فيه لمصلحة التشريع، وبُعده لا يخفى، والأولى فيه أن الخصائص لا تثبت بالاحتمال، وهذا الحديث رواه البخاري عن إسماعيل، ومسلم عن يحيى، كلاهما عن مالك، كذا قاله الزرقاني (٣).

стр. 488

قال محمد: أي: ابن الحسن الشيباني: وقد جاء هذا الحديث بانفراده، وجاء غيره، أي: كثيرًا على خلافه، وأحبّ إلينا أن يصلي على راحلته (ق ٢٥٦) تطَوُّعًا ما بَدَا لَهُ، أي: للتسامح في أمر النوافل، فإذا بلغ الوتر أي: نويته أو وقته نزل أي: عن ظهر الدابة فأوتر، أي: صلى الوتر على الأرض، أي: وجوبًا عند أبي حنيفة، واحتياطًا عند صاحبيه، وهو أي: القول بالنزول للوتر قول عمر بن الخطاب، أي: في رواية عنه لما سبق، وقولُ أبي حنيفة والعامة من فقهائنا، أي: من أتباعه، كذا قاله علي القاري. لما فرغ من بيان حكم صلاة الوتر على الدابة، شرع في بيان تأخير صلاة الوتر، فقال: هذا * * * باب تأخير الوتر أي: باب في بيان حكم تأخير صلاة الوتر إلى طلوع الفجر. ٢٥٣ - أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الرحمن بن القاسم، أنه سمع عبد الله بن عامر بن ربيعة يقول: إنِّي لأوتر وأنا أسمع الإِقامة - أو بعد الفجر - يشكّ عبد الرحمن أيَّ ذلك. • أخبرنا مالك، أي: ابن أنس بن عمير بن أبي عامر الأصبحي، الإِمام، من أتباع التابعين في الطبقة السابعة من أهل المدينة، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، أخبرنا عبد الرحمن بن القاسم، أي: ابن محمد بن أبي بكر الصديق، ﵁، كان في الطبقة الثانية من أهل المدينة، وفي نسخة: ثنا، أنه أي: عبد الرحمن بن القاسم سمع عبد الله بن عامر بن ربيعة وكان عبد الله تابعي جليل القدر، وأبوه حليف بني عدي، يكنى أبا محمد المدني، ولد على عهد النبي ﷺ ووثقه العجلي، ومات سنة بضع وثمانين، كذا قاله ابن حجر (١) عامر بن ربيعة، يكنى أبا عبد الله العنبري، هاجر

стр. 489

الهجرتين، وشهد بدرًا والمشاهد كلها، وكان أسلم قديمًا، يقول: إنِّي لأوتر أي: أصلي الوتر أحيانًا وأنا أسمع الإِقامة أي: إقامة صلاة الصبح للجماعة، أو بعد الفجر أي: بعد تحقق انشقاقه، شكّ عبد الرحمن أيَّ ذلك الشك، أو فأي بفتح الهمزة، وتشديد التحتية المفتوحة نصب على أنه مقدم لقوله: "قال"، وليحيى: "لا وتر بعد الفجر من غير شك". * * * ٢٥٤ - أخبرنا مالك، عن عبد الرحمن بن القاسم، أنه سمع أباه يقول: إني لأوتر بعد الفجر. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، عن عبد الرحمن أي: ابن القاسم، أنه سمع أباه أي: القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق ﵁، يقول: إني لأوتر بعد الفجر، أي: من غير شك في هذه الرواية، وليس المعنى أن معنى الفجر وقت أداء الوتر، بل كان يصلي قضاء له مراعاة للترتيب الواجب عندنا المستحب عند غيرنا؛ وذلك لأن وقت العشاء والوتر واحد، لما روى أبو داود (١)، والترمذي (٢)، وابن ماجه (٣)، عن خارجة بن حذافة، قال: خرج علينا رسول الله ﷺ فقال: "إن الله أعزكم بصلاة هي خير لكم من حمر النعم، وهي الوتر، فجعلها لكم بين العشاء إلى طلوع الفجر". * * * ٢٥٥ - أخبرنا مالك، أخبرنا هشام بن عُرْوَة، عن أبيه، عن ابن مسعود أنه كان يقول: لا أبَالِي لو أقيمت الصبح وأنا أوتر.

стр. 490

• أخبرنا مالك، وفي نسخة: بنا، رمزًا إلى أخبرنا، وفي نسخة أخرى: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، أخبرنا هشام بن عُرْوَة، عن أبيه، أي: عروة بن الزبير بن العوام، كان في الطبقة الثانية من أهل المدينة، ومن التابعين. وقد مرّ بيان منقبته في باب قصر الصلاة في السفر، عن عبد الله بن مسعود ﵁، أنه كان يقول: لا أبَالِي لو أقيمت الصبح، وفي نسخة: لو أقيمت الصلاة وأنا أوتر، جملة حالية، والمعنى: إذا وقع ابتداء الوتر قبل طلوع الفجر، فلا أتركه بل أتمه فإنه يقع أداءً على أنه يصح الأداء بنية القضاء وبالعكس، لا سيما في الغرض العملي. * * * ٢٥٦ - أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الكريم بن أبي المُخَارِق، عن سعيد بن جُبَيْر، عن ابن عباس؛ أنه رَقَدَ ثم استيقظ، فقال لخادمه: انظر ماذا صنع الناس - وقد ذهب بصره - فذهب ثم رجع؛ فقال: قد انصرف الناس من الصبح، فقام ابن عباس فأوتر، ثم صلى الصبح. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: بنا، رمزًا إلى أخبرنا، وفي نسخة أخرى: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، أخبرنا عبد الكريم بن أبي المُخَارِق، بضم الميم وبالخاء المعجمة فألف فراء فقاف، أبو أمية المعلم البصري، وهي في الإِقليم الثالث من الأقاليم السبعة، من الطبقة السادسة من أهل مكة، فإن عبد الكريم نزل مكة، وبها لقيه مالك، واسم أبيه قيس، وقيل: طارق وأنه مات سنة ست أو سبع وعشرين ومائة. وروى البخاري من رواية سفيان عن عبد الكريم هذا في الذكر عند القيام من الليل، وروى له مسلم في مقدمة صحيحه، وأخرج له أصحاب السنن، إلا أن النسائي إنما روى له قليلًا، كما قال الزرقاني، عن سعيد بن جُبَيْر، الأسدي، مولاهم، الكوفي، وهي في الإِقليم الثالث من الأقاليم السبعة، ثقة، فقيه، تابعي في الطبقة الثانية من أهل الكوفة، روايته عن عائشة وأبي موسى الأشعري ونحوهما مرسلة، وهو ابن سبع وخمسين، وقيل: تسع وأربعين، قتل بين يدي الحجاج بن يوسف، وسبب قتله بين يديه روى أنه قال

стр. 491

له: ما سمعت ما قال الله في سورة المطففين: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين: ١ - ٣]، أي: ينقصون شيئًا حقيرًا من حقوق الناس، أراد تعالى هذا الوعيد للتجار، وقصد المطففين بما يفعلون الوعيد الأعظم الذي سمعت به فما ظنك بنفسك، وأنت تأخذ أموال الناس بلا كيل، وتقتلهم، هلا تخاف يومًا يقوم الناس لرب العالمين، فقتله سنة خمس وتسعين، ثم مات الحجاج، فرآه رجل في منامه فسأله عن حاله، وأجاب قال: إني قد قبضت روحي على الإِيمان، والحمد لله الملك المنان، ولكن قتلوني مرة لأجل كل رجل قتلته، وقتلوني سبعين مرة بسبب قتل سعيد بن جبير، فالآن أنا مترقب إلى عفوه تعالى، فعلم عن هذا كرامة سعيد بن جبير عند ربه، وذلك إذا قام كأنه وتد، وكان يبكي الليل حتى غشي عليه، وسمع يردد هذه الآية بضعًا وعشرين مرة: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٨١]، وكان يختم في كل ليلتين، وكان يخرج في كل سنة مرتين: مرة للحج، ومرة للعمرة، قال: لدغتني عقرب، فأقسمت أمي عليَّ أن أسترقي فأعطيت الراقي يدي التي لم تُلدغ، وكرهتُ أن أحنثها، وكان له ديك يقوم من الليل بصياحه، فلم يصح ليلة حتى أصبح، فلم يصل تلك الليلة، فشق عليه، فقال: ما له قطع الله صوته، فلم يُسمع له صوت بعدها، فقالت له أمه: يا بني لا تدع على شيء بعدها، قال: إن الخشية أن تخشى الله، حتى تحول خشيتك بينك وبين معصيتك، فتلك الخشية، والذكر طاعة الله، فمن أطاع الله فقد ذكره، ومن لم يطعه فليس بذاكر. قال معاوية بن إسحاق: لقيته فرأيته ثقيل اللسان، فقلت له في ذلك، فقال: قرأتُ القرآن البارحة مرتين ونصفه وقرأ القرآن في ركعة في الكعبة، وقرأ في الثانية (ق ٢٥٨) بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، وطلع عليه ابنه عبد الله، وكان به من الفقه، فقال: إني لأعلم خير حاله، قيل: وما هي: قال: أن تموت فأحتسبه، وقيل: من أعبد الناس؟ قال: رجل اجترع من الذنوب، فكلما ذكر ذنوبه احتقر عمله. ولما أخذه الحجاج قال: لا أرى إلا مقتولًا وسأجزكم كنت وصاحبان لي دعونا حين وجدنا حلاوة الذكر، ثم سأل الله الشهادة فكلا صاحباي رزقنا، وإني أنتظرها، فكأنه رأى أن الإِجابة عند حلاوة الدعاء، ودعا ابنه ليقتل فجعل ابنه يبكي، فقال لابنه: ما يبكيك ما بقاء أبيك بعد سبع وخمسين سنة، ولما أَتى به الحجاج قال: أنت الشقي بن

стр. 492

كسير، قال: بل أنا سعيد بن جبير، قال: بل الشقي بن كسير، قال: كانت أمي أعرف باسمي، قال: ما تقول في محمد، يعني النبي ﷺ ؟ قال: نعم، خير ولد بني آدم ﵇، المصطفى خير من بقي، وخير من مضى، قال: فما تقول في أبي بكر؟ قال: الصديق، خليفة رسول الله ﷺ ، ورضي الله عنه ثاني اثنين أعز الله به الدين، وجمع به الفرقة، ومضى حميدًا، وعاش سعيدًا، ومضى على منهاج نبيه ﷺ ، قال: فما تقول في حق عمر؟ قال: الفاروق، خيرة الله، وخيرة رسول الله ﷺ ، مضى حميدًا، وعاش سعيدًا، ومضى على منهاج صاحبيه، قال: فما تقول في عثمان بن عفان؟ قال: المقتول ظلمًا، قال: فما تقول في علي؟ قال: ابن عم النبي ﷺ وأول من أسلم، زوج فاطمة، وأبو الحسن والحسين، قال: فما تقول في حقي؟ قال: أنت أعلم بنفسك، قال: بث بعلمك، قال: اعفني، قال: لا عفى الله عني إن أعفيتك، قال سعيد بن جبير للحجاج: إني أعلم أنك مخالف لكتاب الله، ترى من نفسك أمورًا تريد بها الهيبة وهي تقحمك الهلاك، قال: أما والله لأقتلنك قتلة لم أقتلها أحد قبلك، ولا أقتل أحد بعدك، قال: إذن تفسد عليَّ دنياي، وأفسد عليك آخرتك، فأمر الحجاج لغلام بقتله، فضحك سعيد بن جبير، فقال له: فماذا أضحكك عند القتل، قال: من جرأتك على الله، ومن حلم الله عنك، فقال: يا غلام اقتله، فذبحه من قفاه، فلما أبين رأسه الشريف، قال: لا إله إلا الله ثلاثًا، فبلغ ذلك الحسن البصري ﵀، فقال: اللهم قاصم الجبابرة، اقصم الحجاج، فما بقي إلا ثلاثة أيام، حتى وقع في جوفة الدود فمات، وكان الحجاج يقول: ما لي ولسعيد بن جبير، وكلما أردتُ النوم أخذ برجلي، ولقد مات سعيد بن جبير وما على الأرض أحد إلا ويحتاج إلى علمه، كذا قاله عبد الرحمن بن الجوزي من علماء الحنبلية في (طبقاته). عن ابن عباس؛ ﵄ أنه رَقَدَ أي: نام ليلة قبل أداء الوتر، ثم استيقظ أي: من نومه، فقال لخادمه: أي: لم يسم انظر ماذا صنع الناس أي: هل صلوا صلاة الفجر أم لا؟ وقد ذهب بصره، أي: والحال يومئذٍ زال نور عينيه، ولم يدرك أثر الصبح، فذهب أي: الخادم، ثم رجع؛ فقال: قد انصرف الناس من الصبح، أي: من صلاته أو من المسجد، فقام ابن عباس فأوتر، أي: أولًا قضاء، ثم صلى الصبح، ففي هذا أن الوتر يصلى بعد طلوع الفجر (ق ٢٥٩) ما لم يصل الصبح رعاية للترتيب. * * *

стр. 493

٢٥٧ - أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد، أن عُبَادَة بن الصَّامِت كان يؤمّ قومًا، فخرج يومًا للصبح، فأقام المؤذِّن الصلاة، فأسكته حتى أوتر ثم صلي بهم. قال محمد: أحبّ إلينا أن يُوتِرَ قبل أن يطلع الفجر، ولا يؤخره إلى طلوعه. فإن طلع قبل أن يُوتِر فَلْيُوتِرْ ولا يتعمد ذلك، وهو قولُ أبي حنيفة. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة أخرى: بنا، رمزًا إلى أخبرنا، أخبرنا يحيى بن سعيد، أي: ابن قيس الأنصاري المدني، أبو سعيد القاضي، ثقة، ثبت في الطبقة الخامسة، مات سنة أربع وأربعين، أو بعدها، كذا قاله ابن حجر (١)، أن عُبَادَة بن الصَّامِت ﵁ بضم العين، وتخفيف الموحدة، وهو أبو الوليد الأنصاري، كان نقيبًا وشهد العقبة الأولى والثانية والثالثة، وشهد بدرًا والمشاهد كلها، ثم وجهه عمر إلى الشام قاضيًا ومعلمًا، فأقام بحمص ثم انتقل إلى فلسطين، ومات بها في الرملة، وقيل: ببيت المقدس سنة أربع وثلاثين، روى عنه جماعة من الصحابة والتابعين، كان يؤمّ قومًا، فخرج يومًا للصبح، أي: لملاقه فأقام المؤذِّن الصلاة، أي: صلاة الصبح كما في (الموطأ) لمالك فأسكته أي: عبادة بن الصامت، جعل المؤذن ساكنًا حتى أوتر ثم صلي بهم الصبح، كذا في نسخة، فكأنه تذكر به بعد خروجه، وأراد الترتيب حال القضاء في وقوعه. قال مالك: وإنما يوتر بعد الفجر من نام عن الوتر، فلا ينبغي لأحد أن يعتمد لذلك حتى يقع وتره بعد الفجر، يعني: يكره له ذلك، وفي صحيح ابن خزيمة عن أبي سعيد مرفوعًا: "من أدرك الصبح ولم يوتر فلا وتر له"، وهذا محمول على المعتمد أي: لا وتر له كاملًا لتفويته وقته الاختياري حتى أوقعه في الضروري، لما رواه أبو داود عن أبي سعيد أيضًا مرفوعًا: "من نسي الوتر أو نام عنه فليصله إذا ذكره ما لم يصل الصبح"، وشذت طائفة منهم طاوس فقالوا: يقض بعد طلوع الشمس.

стр. 494

وقال عطاء والأوزاعي: يقضى ولو طلعت الشمس إلى الغروب. وعن سعيد بن جبير: يقضي من القابلة، وقيل: يقضى مطلقًا. وقال الأكثرون - منهم مالك: لا يُقضى بعد صلاة الصبح. وقال محمد بن نصر: لم نجد عن النبي ﷺ في شيء من الأخبار أنه قضى الوتر ولا أمر بقضائه، ومن زعم أنه ﷺ في ليلة نومهم عن الصبح في الوادي قضى الوتر فلم يصب، كذا قاله الزرقاني. قال محمد: أحبّ إلينا يعني نفسه وأبا يوسف، وإلا فأوجب أبو حنيفة، أو أحب متضمن بمعنى الإِيجاب أن يُوتِرَ قبل أن يطلع الفجر، أي: لأن يقع في وقته ولا يؤخره إلى طلوعه الفجر، فإنه يخرج به وقته اتفاقًا، فإن طلع الفجر قبل أن يوتِر أي: بنوم أو نسيان فَلْيُوتِرْ أي: فليصل الوتر أولًا، ثم يؤد الفجر ثانيًا، ولا يتعمد وفي نسخة: ولا يتعمدن بالنون المشددة المفتوحة ذلك، أي: التأخير عن صلاة الفجر، وهو حرام عند أبي حنيفة، ومكروه عند صاحبيه، وهو أي: ما ذكر قولُ أبي حنيفة، ﵀. لما فرغ من بيان حكم تأخير صلاة الوتر إلى طلوع الفجر، شرع في بيان حكم السلام في أثناء الوتر، فقال: هذا * * * باب في بيان حكم السلام في أثناء الوتر أفرد المصنف هذا الباب بالذكر لبيان الاختلاف بين الأئمة في جواز السلام وعدم جوازه في أثناء الوتر (ق ٢٦٠). ٢٥٨ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن ابن عمر، أنه كان يسلم في الوتر بين الركعة والركعتين، حتى يأمر ببعض حاجته. قال محمد: ولسنا نأخذ بهذا، ولكنا نأخذ بقول عبد الله بن مسعود وابن عباس، ولا نرى أن يُسَلِّمَ بينهما.

стр. 495

• أخبرنا مالك، أي: ابن أنس بن عمير بن أبي عامر الأصبحي، الإِمام، في الطبقة السابعة من أهل المدينة، وكان من أتباع التابعين، وفي نسخة: ثنا، وفي نسخة أخرى: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى: حدثنا، أخبرنا نافع، أي: المدني، مولى ابن عمر، وفي نسخة: "في" موضع "أخبرنا" عن ابن عمر، أنه كان يسلم في الوتر بين الركعة والركعتين، حتى يأمر ببعض حاجته، وأخذ به الشافعي. قال محمد: ولسنا نأخذ أي: لا نعمل بهذا، أي: بما رواه نافع عن ابن عمر، ولكنا نأخذ أي: نعمل ونفتي بقول عبد الله بن مسعود وابن عباس، يعني: قال المصنف ﵀: ما رواه نافع عن ابن عمر معارض بما رُوي عن عبد الله بن مسعود وابن عباس، فرجحنا ما رُوي عنهما على ما روي عنه، لقوى في قولهما فإنهما أفقهان منه، يعني لا يترجح قولهما على قوله بسبب انضمام حديث ابن عباس إلى حديث ابن مسعود، بل يترجح قولهما بسبب قوتهما لكون صاحبهما أفقه من صاحبه، كما لا يترجح صاحب الجراحات على صاحب جراحة واحدة، حتى إن جرح رجل خطأ رجلًا جراحة واحدة صالحة للقتل، وجرح ذلك الرجل رجل آخر جراحات خطأ، كل واحدة منها صالحة للقتل، فمات المجروح فلا يترجح صاحب الجراحات على صاحب جراحة واحدة، فلا يكون أكثر الدية على صاحب أكثر الجراحات، بل يكون الدية على عاقلتها نصفين، بخلاف ما إذا كانت جراحة أحدهما أقوى في التأثير، كما إذا قطع أحدهما يد رجل، والآخر جزء أي: قطع رقبته فمات، فالقاتل هو قاطع الرقبة، لكون فعله أقوى في التأثير؛ لأن الحياة غير متصورة مع قطع الرقبة، فالدية على عاقلة قاطع الرقبة خاصة، كما قاله ابن المُلك، في بحث الترجيح من (شرح المنار). وكذا العمل هنا على قول عبد الله بن مسعود وابن عباس ﵃، كما قال محمد بن الحسن - رحمهما الله بقوله: ولا نرى أي: لا نختار أن يُسَلِّمَ على الغائب المجهول بينهما، أي: بين الركعتين والركعة من الوتر، لما ورد من آثار صريحة وأخبار صحيحة.
следующие страницы →