له: ما سمعت ما قال الله في سورة المطففين: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين: ١ - ٣]، أي: ينقصون شيئًا حقيرًا من حقوق الناس، أراد تعالى هذا الوعيد للتجار، وقصد المطففين بما يفعلون الوعيد الأعظم الذي سمعت به فما ظنك بنفسك، وأنت تأخذ أموال الناس بلا كيل، وتقتلهم، هلا تخاف يومًا يقوم الناس لرب العالمين، فقتله سنة خمس وتسعين، ثم مات الحجاج، فرآه رجل في منامه فسأله عن حاله، وأجاب قال: إني قد قبضت روحي على الإِيمان، والحمد لله الملك المنان، ولكن قتلوني مرة لأجل كل رجل قتلته، وقتلوني سبعين مرة بسبب قتل سعيد بن جبير، فالآن أنا مترقب إلى عفوه تعالى، فعلم عن هذا كرامة سعيد بن جبير عند ربه، وذلك إذا قام كأنه وتد، وكان يبكي الليل حتى غشي عليه، وسمع يردد هذه الآية بضعًا وعشرين مرة: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٨١]، وكان يختم في كل ليلتين، وكان يخرج في كل سنة مرتين: مرة للحج، ومرة للعمرة، قال: لدغتني عقرب، فأقسمت أمي عليَّ أن أسترقي فأعطيت الراقي يدي التي لم تُلدغ، وكرهتُ أن أحنثها، وكان له ديك يقوم من الليل بصياحه، فلم يصح ليلة حتى أصبح، فلم يصل تلك الليلة، فشق عليه، فقال: ما له قطع الله صوته، فلم يُسمع له صوت بعدها، فقالت له أمه: يا بني لا تدع على شيء بعدها، قال: إن الخشية أن تخشى الله، حتى تحول خشيتك بينك وبين معصيتك، فتلك الخشية، والذكر طاعة الله، فمن أطاع الله فقد ذكره، ومن لم يطعه فليس بذاكر.
قال معاوية بن إسحاق: لقيته فرأيته ثقيل اللسان، فقلت له في ذلك، فقال: قرأتُ القرآن البارحة مرتين ونصفه وقرأ القرآن في ركعة في الكعبة، وقرأ في الثانية (ق ٢٥٨) بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، وطلع عليه ابنه عبد الله، وكان به من الفقه، فقال: إني لأعلم خير حاله، قيل: وما هي: قال: أن تموت فأحتسبه، وقيل: من أعبد الناس؟ قال: رجل اجترع من الذنوب، فكلما ذكر ذنوبه احتقر عمله.
ولما أخذه الحجاج قال: لا أرى إلا مقتولًا وسأجزكم كنت وصاحبان لي دعونا حين وجدنا حلاوة الذكر، ثم سأل الله الشهادة فكلا صاحباي رزقنا، وإني أنتظرها، فكأنه رأى أن الإِجابة عند حلاوة الدعاء، ودعا ابنه ليقتل فجعل ابنه يبكي، فقال لابنه: ما يبكيك ما بقاء أبيك بعد سبع وخمسين سنة، ولما أَتى به الحجاج قال: أنت الشقي بن
стр. 492
كسير، قال: بل أنا سعيد بن جبير، قال: بل الشقي بن كسير، قال: كانت أمي أعرف باسمي، قال: ما تقول في محمد، يعني النبي ﷺ ؟ قال: نعم، خير ولد بني آدم ﵇، المصطفى خير من بقي، وخير من مضى، قال: فما تقول في أبي بكر؟ قال: الصديق، خليفة رسول الله ﷺ ، ورضي الله عنه ثاني اثنين أعز الله به الدين، وجمع به الفرقة، ومضى حميدًا، وعاش سعيدًا، ومضى على منهاج نبيه ﷺ ، قال: فما تقول في حق عمر؟ قال: الفاروق، خيرة الله، وخيرة رسول الله ﷺ ، مضى حميدًا، وعاش سعيدًا، ومضى على منهاج صاحبيه، قال: فما تقول في عثمان بن عفان؟ قال: المقتول ظلمًا، قال: فما تقول في علي؟ قال: ابن عم النبي ﷺ وأول من أسلم، زوج فاطمة، وأبو الحسن والحسين، قال: فما تقول في حقي؟ قال: أنت أعلم بنفسك، قال: بث بعلمك، قال: اعفني، قال: لا عفى الله عني إن أعفيتك، قال سعيد بن جبير للحجاج: إني أعلم أنك مخالف لكتاب الله، ترى من نفسك أمورًا تريد بها الهيبة وهي تقحمك الهلاك، قال: أما والله لأقتلنك قتلة لم أقتلها أحد قبلك، ولا أقتل أحد بعدك، قال: إذن تفسد عليَّ دنياي، وأفسد عليك آخرتك، فأمر الحجاج لغلام بقتله، فضحك سعيد بن جبير، فقال له: فماذا أضحكك عند القتل، قال: من جرأتك على الله، ومن حلم الله عنك، فقال: يا غلام اقتله، فذبحه من قفاه، فلما أبين رأسه الشريف، قال: لا إله إلا الله ثلاثًا، فبلغ ذلك الحسن البصري ﵀، فقال: اللهم قاصم الجبابرة، اقصم الحجاج، فما بقي إلا ثلاثة أيام، حتى وقع في جوفة الدود فمات، وكان الحجاج يقول: ما لي ولسعيد بن جبير، وكلما أردتُ النوم أخذ برجلي، ولقد مات سعيد بن جبير وما على الأرض أحد إلا ويحتاج إلى علمه، كذا قاله عبد الرحمن بن الجوزي من علماء الحنبلية في (طبقاته). عن ابن عباس؛ ﵄ أنه رَقَدَ أي: نام ليلة قبل أداء الوتر، ثم استيقظ أي: من نومه، فقال لخادمه: أي: لم يسم انظر ماذا صنع الناس أي: هل صلوا صلاة الفجر أم لا؟ وقد ذهب بصره، أي: والحال يومئذٍ زال نور عينيه، ولم يدرك أثر الصبح، فذهب أي: الخادم، ثم رجع؛ فقال: قد انصرف الناس من الصبح، أي: من صلاته أو من المسجد، فقام ابن عباس فأوتر، أي: أولًا قضاء، ثم صلى الصبح، ففي هذا أن الوتر يصلى بعد طلوع الفجر (ق ٢٥٩) ما لم يصل الصبح رعاية للترتيب.
* * *
стр. 493
٢٥٧ - أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد، أن عُبَادَة بن الصَّامِت كان يؤمّ قومًا، فخرج يومًا للصبح، فأقام المؤذِّن الصلاة، فأسكته حتى أوتر ثم صلي بهم.
قال محمد: أحبّ إلينا أن يُوتِرَ قبل أن يطلع الفجر، ولا يؤخره إلى طلوعه. فإن طلع قبل أن يُوتِر فَلْيُوتِرْ ولا يتعمد ذلك، وهو قولُ أبي حنيفة.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة أخرى: بنا، رمزًا إلى أخبرنا، أخبرنا يحيى بن سعيد، أي: ابن قيس الأنصاري المدني، أبو سعيد القاضي، ثقة، ثبت في الطبقة الخامسة، مات سنة أربع وأربعين، أو بعدها، كذا قاله ابن حجر (١)، أن عُبَادَة بن الصَّامِت ﵁ بضم العين، وتخفيف الموحدة، وهو أبو الوليد الأنصاري، كان نقيبًا وشهد العقبة الأولى والثانية والثالثة، وشهد بدرًا والمشاهد كلها، ثم وجهه عمر إلى الشام قاضيًا ومعلمًا، فأقام بحمص ثم انتقل إلى فلسطين، ومات بها في الرملة، وقيل: ببيت المقدس سنة أربع وثلاثين، روى عنه جماعة من الصحابة والتابعين، كان يؤمّ قومًا، فخرج يومًا للصبح، أي: لملاقه فأقام المؤذِّن الصلاة، أي: صلاة الصبح كما في (الموطأ) لمالك فأسكته أي: عبادة بن الصامت، جعل المؤذن ساكنًا حتى أوتر ثم صلي بهم الصبح، كذا في نسخة، فكأنه تذكر به بعد خروجه، وأراد الترتيب حال القضاء في وقوعه.
قال مالك: وإنما يوتر بعد الفجر من نام عن الوتر، فلا ينبغي لأحد أن يعتمد لذلك حتى يقع وتره بعد الفجر، يعني: يكره له ذلك، وفي صحيح ابن خزيمة عن أبي سعيد مرفوعًا: "من أدرك الصبح ولم يوتر فلا وتر له"، وهذا محمول على المعتمد أي: لا وتر له كاملًا لتفويته وقته الاختياري حتى أوقعه في الضروري، لما رواه أبو داود عن أبي سعيد أيضًا مرفوعًا: "من نسي الوتر أو نام عنه فليصله إذا ذكره ما لم يصل الصبح"، وشذت طائفة منهم طاوس فقالوا: يقض بعد طلوع الشمس.
стр. 494
وقال عطاء والأوزاعي: يقضى ولو طلعت الشمس إلى الغروب. وعن سعيد بن جبير: يقضي من القابلة، وقيل: يقضى مطلقًا. وقال الأكثرون - منهم مالك: لا يُقضى بعد صلاة الصبح. وقال محمد بن نصر: لم نجد عن النبي ﷺ في شيء من الأخبار أنه قضى الوتر ولا أمر بقضائه، ومن زعم أنه ﷺ في ليلة نومهم عن الصبح في الوادي قضى الوتر فلم يصب، كذا قاله الزرقاني.
قال محمد: أحبّ إلينا يعني نفسه وأبا يوسف، وإلا فأوجب أبو حنيفة، أو أحب متضمن بمعنى الإِيجاب أن يُوتِرَ قبل أن يطلع الفجر، أي: لأن يقع في وقته ولا يؤخره إلى طلوعه الفجر، فإنه يخرج به وقته اتفاقًا، فإن طلع الفجر قبل أن يوتِر أي: بنوم أو نسيان فَلْيُوتِرْ أي: فليصل الوتر أولًا، ثم يؤد الفجر ثانيًا، ولا يتعمد وفي نسخة: ولا يتعمدن بالنون المشددة المفتوحة ذلك، أي: التأخير عن صلاة الفجر، وهو حرام عند أبي حنيفة، ومكروه عند صاحبيه، وهو أي: ما ذكر قولُ أبي حنيفة، ﵀.
لما فرغ من بيان حكم تأخير صلاة الوتر إلى طلوع الفجر، شرع في بيان حكم السلام في أثناء الوتر، فقال: هذا
* * *
باب في بيان حكم السلام في أثناء الوتر
أفرد المصنف هذا الباب بالذكر لبيان الاختلاف بين الأئمة في جواز السلام وعدم جوازه في أثناء الوتر (ق ٢٦٠).
٢٥٨ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن ابن عمر، أنه كان يسلم في الوتر بين الركعة والركعتين، حتى يأمر ببعض حاجته.
قال محمد: ولسنا نأخذ بهذا، ولكنا نأخذ بقول عبد الله بن مسعود وابن عباس، ولا نرى أن يُسَلِّمَ بينهما.
стр. 495
• أخبرنا مالك، أي: ابن أنس بن عمير بن أبي عامر الأصبحي، الإِمام، في الطبقة السابعة من أهل المدينة، وكان من أتباع التابعين، وفي نسخة: ثنا، وفي نسخة أخرى: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى: حدثنا، أخبرنا نافع، أي: المدني، مولى ابن عمر، وفي نسخة: "في" موضع "أخبرنا" عن ابن عمر، أنه كان يسلم في الوتر بين الركعة والركعتين، حتى يأمر ببعض حاجته، وأخذ به الشافعي.
قال محمد: ولسنا نأخذ أي: لا نعمل بهذا، أي: بما رواه نافع عن ابن عمر، ولكنا نأخذ أي: نعمل ونفتي بقول عبد الله بن مسعود وابن عباس، يعني: قال المصنف ﵀: ما رواه نافع عن ابن عمر معارض بما رُوي عن عبد الله بن مسعود وابن عباس، فرجحنا ما رُوي عنهما على ما روي عنه، لقوى في قولهما فإنهما أفقهان منه، يعني لا يترجح قولهما على قوله بسبب انضمام حديث ابن عباس إلى حديث ابن مسعود، بل يترجح قولهما بسبب قوتهما لكون صاحبهما أفقه من صاحبه، كما لا يترجح صاحب الجراحات على صاحب جراحة واحدة، حتى إن جرح رجل خطأ رجلًا جراحة واحدة صالحة للقتل، وجرح ذلك الرجل رجل آخر جراحات خطأ، كل واحدة منها صالحة للقتل، فمات المجروح فلا يترجح صاحب الجراحات على صاحب جراحة واحدة، فلا يكون أكثر الدية على صاحب أكثر الجراحات، بل يكون الدية على عاقلتها نصفين، بخلاف ما إذا كانت جراحة أحدهما أقوى في التأثير، كما إذا قطع أحدهما يد رجل، والآخر جزء أي: قطع رقبته فمات، فالقاتل هو قاطع الرقبة، لكون فعله أقوى في التأثير؛ لأن الحياة غير متصورة مع قطع الرقبة، فالدية على عاقلة قاطع الرقبة خاصة، كما قاله ابن المُلك، في بحث الترجيح من (شرح المنار).
وكذا العمل هنا على قول عبد الله بن مسعود وابن عباس ﵃، كما قال محمد بن الحسن - رحمهما الله بقوله: ولا نرى أي: لا نختار أن يُسَلِّمَ على الغائب المجهول بينهما، أي: بين الركعتين والركعة من الوتر، لما ورد من آثار صريحة وأخبار صحيحة.
стр. 496
٢٥٩ - قال محمد: أخبرنا أبو حنيفة، حدثنا أبو جعفر، قال: كان رسول الله ﷺ يصلي بين صلاة العشاء الآخرة إلى صلاة الصبح ثلاث عشرة ركعة، ثماني ركعات تَطَوُّعًا، وثلاث ركعات الوتر وركعتي الفجر.
• قال محمد: أخبرنا سلطان المجتهدين في المذاهب، برهان الأئمة في المشارق والمغارب، الإِمام الأعظم، والهمام الأكرم أبو حنيفة، أي: نعمان بن ثابت بن طاوس بن هرمز بن ملك بن شيبان، كان في الطبقة السادسة، من طبقات صغار التابعين من أهل بغداد، ولد في ثمانين سنة، ومات في خمسين ومائة، وهو ابن سبعين سنة، قال: حدثنا أبو جعفر، المؤذن الأنصاري، المدني، تابعي مقبول من الطبقة الثالثة، ومن زعم أنه محمد بن الحسين فقد وهم، ويقال: اسمه أيوب، كذا قاله ابن حجر (١)، وفي نسخة: بنا رمزًا إلى أخبرنا، قال: أي: بأن قال أبو جعفر مرسلًا: كان رسول الله ﷺ يصلي ما أي: في زمان توسط بين وقت أداء صلاة العشاء إلى وقت صلاة الصبح، وإلى متعلق بيصلي، ومعناه: انتهاء الغاية الزمانية، نحو قوله في سورة البقرة: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، وكما يقولون: (ق ٢٦١) نحمدك إليك الله، أي: ينتهي حمدنا إليك يا الله، كذا قاله ابن هشام في (مغني اللبيب).
قوله: ثلاث عشرة ركعة، نصب على أنه مفعول يصلي، ومحل جملة، قال، نصب على أنه مفعول ثان، بقوله: حدثنا، تقديره: حدثنا أبو جعفر بأن قال: كان رسول الله ﷺ . . . إلخ، ثماني ركعات بنصب ثمان على أنه بدل مما قبله، تَطَوُّعًا، أي: نافلة وهي التهجد، وثلاث ركعات الوتر وركعتي الفجر، أي: ركعتي سنة الفجر، لكن اعتبر المصنف ركعتي الفجر من صلاة الليل، لقربه، كما يأخذ الشيء حكم مقارنه.
* * *
стр. 497
٢٦٠ - قال محمد: أخبرنا أبو حنيفة، عن حَمَّاد، عن إبراهيم النَّخَعِي، عن عمر بن الخطاب، أنه قال: ما أحب أني تركت الوتر بثلاث، وَأَنَّ لي حُمْرَ النَّعَم.
• قال محمد: أخبرنا أبو حنيفة، ﵀، من أفضل بقية التابعين، وأكمل أئمة المهديين، الأستاذ أبو إسماعيل، عن حَمَّاد، بن أبي سليمان، مسلم، مولى إبراهيم بن أبي موسى الأشعري، كان في الطبقة الخامسة من طبقات الحنفية، عن إبراهيم النَّخَعِي، أي: يزيد، بفتح النون والخاء المعجمة، تابعي جليل، وهو ابن الأسود بن عمرو بن ربيعة بن حارث بن سعد بن مالك، إنه رأى عائشة ﵂، في الطبقة الرابعة من طبقات الحنفية، عن عمر بن الحظاب، ﵁ أنه قال: ما أحب على بناء المفعول للماضي، أي: ما جعل محبوبًا أني تركت الوتر بثلاث، ومحل جملة "أني تركت" مرفوع على أنه نائب الفاعل، لأحب هذا خلاف مقتضى الظاهر، ومقتضاه أن يعبر عن معنى عدم حب ترك الوتر بثلاث ركعات بلفظ المضارع، ويقال: لا أحب أن أترك الوتر بثلاث ركعات، وإنما عدل عن مقتضاه تنبيهًا غنى تحقق عدم المحبة بترك الوتر بثلاث ركعات في قلبه، ويؤيد هذا المعنى أداة التأكيد، وكما قال تعالى في سورة النمل: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ [النمل: ٨٧]، أي: يفزع، وَأَنَّ لي حُمْرَ النَّعَم، عطف على أن تركت ومقتضى الظاهر أن يعبر عنه بلفظ المضارع، ويقول: وأن يكون لي حمر النعم، فلفظ حمر بضم وسكون جمع أحمر، ونصب على أنه اسم إن وخبره تقدم عليه؛ لكونه ظرفًا أو مضافًا إلى النعم، وهو بفتح النون والعين المهملة بمعنى الأنعام بفتح الهمزة وسكون النون وهي الحمر من الإِبل، وإضافته إلى النعم بمعنى اللام وفائدة الإِضافة التخصيص، فإن حمر النعم من الإِبل أحسن أنواعها عند العرب، هذا دليل على أن الوتر ثلاث ركعات بلا فصل بالسلام، ورد بما رواه نافع عن ابن عمر أنه كان يسلم في الوتر بين الركعتين والركعة حتى يأمر ببعض حاجته.
* * *
стр. 498
٢٦١ - قال محمد: أخبرنا عبد الرحمن بن عبد الله المَسْعودي، عن عمرو بن مُرَّة، عن أبي عُبَيْدَة، قال: قال عبد الله بن مسعود: الوتر ثلاث كثلاث المغرب.
• قال محمد: أخبرنا وفي نسخة: بنا، رمزًا إلى أخبرنا، وفي نسخة أخرى: ثنا عبد الرحمن بن عبد الله المَسْعودي، أي: الكوفي، هي بلد في الإِقليم الثالث من الأقاليم السبعة، وصدوق كان في الطبقة السابعة، مات سنة خمسة وستين، وقيل: ست وستين ومائة من الهجرة، عن عمْرو بن مُرَّة، بضم الميم وتشديد الراء، مولى عقيل بن أبي طالب، اسمه يزيد، وقيل: اسمه عبد الرحمن، كان في الطبقة السادسة.
عن أبي عُبَيْدَة، بالتصغير، أي: ابن عبد الله بن مسعود، مشهور بكنيته، والأشهر أنه لا اسم له غيرها، ويقال: اسمه عامر، كوفي ثقة، من كبار التابعين، (ق ٢٦٢) في الطبقة الثالثة، مات سنة ثمانين ومائة من الهجرة، كذا في (التقريب) لابن حجر (١). قال: قال عبد الله بن مسعود ﵁: الوتر ثلاث كثلاث المغرب، أي: في التسليمة الواحدة.
* * *
٢٦٢ - قال محمد: حدثنا أبو مُعَاوِيَة المكْفُوف، عن الأعمش، عن مالك بن الحارث، عن عبد الرحمن بن يَزيد، عن عبد الله بن مسعود، قال: الوِتْر ثلاثٌ كصلاة المغرب.
• قال محمد: حدثنا وفي نسخة: ثنا أبو مُعَاوِيَة المكْفُوف، أي: ممنوع البصر، هو محمد بن حازم، عن الأعمش، أي: سليمان بن مهران، يُكنى أبا محمد، روى عن عيسى بن يونس أنه قال: ما رأينا في زماننا مثل الأعمش، ما رأى الأغنياء والسلاطين في مجلس أحد أحقر منهم في مجلس الأعمش، وهو محتاج إلى درهم، قال وكيع: كان
стр. 499
الأعمش قريبًا من سبعين، ثم لم تفته تكبيرة الافتتاح، واختلفت ستين سنة ما رأيته يقضي ركعة، وكان من النساك وكان محافظًا على الصلاة في الجماعة، وعلى الصف الأول، وهو علّامة بكمال الإِسلام، قال: إني لأحب أن أعافى في إخواني، لأنهم إن بلوا بُليت معهم، إما بالمواساة أي المساوات، وفيها مؤنة وبالخذلان وفيه عار، قال ابن عياش: دخلتُ عليه في مرضه، فقلت: ألا أدعو لك طبيبًا؟ فقال: ما أصنع به، فوالله لو أن نفسي في يدي لطرحتها في حش إذا أنا مت فلا يؤذنن بي أحد، وأذهب بي وأطرحني في لحدي، وُلِدَ يوم قتل الحسين، وكان في الطبقة الرابعة من أهل الكوفة، وهي في الإِقليم الثالث من الأقاليم السبعة، كما قاله أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي من الحنبلية، عن مالك بن الحارث، السلمي الرقي، ويقال: الكوفي من الطبقة الرابعة من أهل الكوفة، مات سنة أربع وتسعين من الهجرة، عن عبد الرحمن بن يَزيد، أي: ابن قيس النخعي أبو بكر الكوفي، ثقة من كبار التابعين من الطبقة الثالثة من أهل الكوفة، مات سنة ثلاث وثمانين من الهجرة، عن عبد الله بن مسعود، ﵁، أنه قال: الوِتْر ثلاثٌ كصلاة المغرب، أي: من غير فصل بسلام.
* * *
٢٦٣ - قال محمد: أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم، عن ليث، عن عَطاء، قال: قال ابن عباس: الوتر كصلاة المغرب.
• قال محمد: أخبرنا وفي نسخة: بنا، رمزًا إلى أخبرنا، وفي نسخة أخرى: محمد قال: ثنا رمزًا إلى حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، بن سالم البغدادي، أبو إبراهيم الترجماني، لا بأس به، من الطبقة العاشرة من أهل بغداد، وهي بلدة من الإِقليم الثالث من الأقاليم السبعة، مات سنة ست وثلاثين بعد المائتين من الهجرة، عن ليث، أي: ابن أبي سليم بن زنيم، بالزاي والنون، مصغر، واسم أبيه أيمن، وقيل: أنس، وقيل غير ذلك، صدوق اختلط جدًا، ولم يميز حديثه، فترك، من الطبقة السادسة، مات سنة ثمان وأربعين ومائة من الهجرة، عن عَطاء، أي: ابن يسار الهلالي أبو محمد المدني، مولى
стр. 500
ميمونة زوجة النبي ﷺ ، ثقة، فاضل، صاحب مواعظ وعبادة، من صغار التابعين، ومن الطبقة الثانية من أهل المدينة، مات سنة أربع وتسعين، قال: قال ابن عباس: ﵄: الوتر كصلاة المغرب، أي: في كونه ثلاثًا من غير تسليم بين الركعتين والركعة إلا في آخره.
* * *
٢٦٤ - قال محمد: أخبرنا يعقوب بن إبراهيم، قال حدثنا حُصَيْن بن إبراهيم، عن ابن مسعود، قال: ما أجْزَأتْ ركعة واحدة قط.
• قال محمد: أخبرنا وفي نسخة: بنا، رمزًا إلى أخبرنا يعقوب يكنى أبا يوسف بن إبراهيم بن حبيب بن خنيس بن سعد بن حبة، الصحابي، يكنى أبا يوسف القاضي الأنصاري، المدني، (ق ٢٦٣) نزيل بغداد، ثقة فاضل، كان في الطبقة التاسعة من طبقات صغار التابعين من أهل بغداد، ولد سنة ثلاث عشرة ومائة، ومات سنة اثنين وثمانين ومائة، كذا قاله ابن حجر (١) وابن خلكان، قال: حدثنا حُصَيْن بن إبراهيم، عن ابن مسعود، قال: ما أجْزَأتْ أي: ما كفت عن الوتر ركعة واحدة قط، أي: أبدًا، وهي على ثلاثة أوجه:
أحدها: أن تكون ظرف زمان لاستغراق ما مضى، وهي بفتح وتشديد القاف، مضمومة في أفصح اللغات، وتختص بالنفي، يقال: ما فعلته قط، والعامة يقولون: لا نفعله قط، وهو لحق واشتقاقه من قططته، فمعنى ما قط فعلته، فيما انقطع من عمري؛ لأن الماضي منقطع عن الحال والاستقبال، وبنيت لتضمنها معنى مذ وإلى أن، إذ المعنى فدخلت إلى الآن على حركة، لئلا يلتقي ساكنان، وكانت الضمة تنبيهًا بالغايات، وقد تكسر على أصل التقاء الساكنين، وقد تبع قافه وطاءه في الضم، وقد تخفف طاءه مع ضمها أو إسكانها.
والثاني: أن تكون بمعنى حسب، وهي مفتوحة القاف، سكون الطاء، يقال: قطني وقطك وقط زيد درهم، كما يقال: حسبي وحسبك وحسب زيد درهم، إلا أنها مبنية؛ لأنها موضوعة على حرفين وحسب بوبه.
стр. 501
والثالث: أن تكون اسم فعل بمعنى يكفي، فيقال: قطني بنون الوقاية، كما يقال: يكفيني ويجوز نون الوقاية على الوجه الثاني، حفظًا للبناء، وعلى السكون، كما تجوز في لدن، ومن وعن لذلك. كذا قاله ابن هشام في (مغني اللبيب)، وفي قول ابن مسعود إيماء إلى رد من قال: كان الوتر ركعة ابتداءً فنسخ بنهيه ﷺ عن البتيراء، انتهى.
ولا يبعد أن يكون المعنى ما يجزئ ركعة واحدة مطلقًا لا في الوتر ولا في غيره، خلافًا لمن جوزها من الفقهاء.
* * *
٢٦٥ - قال محمد: أخبرنا سَلَّام بن سُليم الحنفي، عن أبي حمزة، عن إبراهيم النَّخَعِي، عن عَلْقَمَة، قال: أخبرنا عبد الله بن مسعود: أهْوَن ما يكون الوتر ثلاث ركعات.
• قال محمد: أخبرنا وفي نسخة: ثنا سَلَّام بتشديد اللام ابن سُليم بالتصغير الحنفي، يكنى أبا سليمان، ويقال له: الطويل المدايني، متروك من الطبقة السابعة، مات سنة تسع وتسعين، كذا في (التقريب في أسماء الرجال) (١)، عن أبي حمزة، أي: عبد الله بن الحازم البصري من الإِقليم الثالث، من الأقاليم السبعة، عن إبراهيم أي: ابن يزيد النَّخَعِي، بفتح النون والخاء المعجمة، تابعي، جليل، وهو ابن الأسود بن عمرو بن حارث بن سعد بن مالك أنه رأى عائشة ﵂، كان في الطبقة الرابعة من طبقات الحنفية، عن عَلْقَمَة، أي: ابن قيس بن عبد الله بن مالك النخعي، بفتح الخاء المعجمة بعدها عين مهملة هي قبيلة كبيرة باليمن، وهو عم الأسود النخعي، قال إبراهيم النخعي: وُلِدَ علقمة في حياة النبي ﷺ ثم قرأ القرآن على ابن مسعود، ﵁، وتفقه عليه، حتى كان أعلم من أصحابه، وسمع من عمرو وأبي الدرداء وطائفة من الصحابة، كان في الطبقة الثالثة من طبقات الحنفية، مات سنة اثنين وستين من الهجرة، كذا ذكره الذهبي، قال: أخبرنا عبد الله بن مسعود ﵁: أهْوَن ما يكون الوتر أي: أقله وأسهله،
стр. 502
ثلاث ركعات، أي: بتسليمة، والمعنى أنه لا يجوز أن يكون الوتر أقل من ثلاث ركعات، ولا مفهوم له حتى (ق ٢٦٤) يجوز أن يكون أزيد منه، وقال الشافعي وأحمد قال: الوتر ركعة، وأكثره أحد عشرة ركعة، وأدنى الكمال ثلاث ركعات. وقال مالك: الوتر ركعة قبلها شفع منفصل عنها، ولا حد لما قبلها من الشفع، وأقله ركعتان.
* * *
٢٦٦ - قال محمد: أخبرنا سعيد بن أبي عَرُوبَة، عن قَتَادَة، عن زُرَارَة بن أوْفَى، عن سعيد بن هشام، عن عائشة أم المؤمنين، أن رسول الله ﷺ : كان لا يُسلِّم في ركعتي الوتر.
• قال محمد: أخبرنا وفي نسخة: بنا، رمزًا إلى أخبرنا سعيد بن أبي عَرُوبَة، بفتح وضم وهو مهران، يكنى أبا النضر اليشكري مولاهم، وقال أحمد: كان يحفظ لم يكن كتاب، وقال ابن معين: وهو مراقبتهم، وقال أبو حاتم: هو قبل أن يختلط ثقة كان في التابعين، مات سنة ست وخمسين ومائة، روى له الجماعة، كذا قاله الذهبي الشافعي في (الكاشف) عن قَتَادَة، أي: ابن دعامة بن قتادة السدوسي أبو الخطاب البصري، ثقة، يقال له: ولد أكمه، من الطبقة الرابعة، مات سنة بضع عشرة من الهجرة، عن زُرَارَة بضم الزاي المعجمة والرائين بينهما ألف، ابن أوْفَى العامري الحارس، أبو حاجب البصري، قاضيها، ثقة عابد من الطبقة الثالثة من أهل البصرة، مات فجأة في الصلاة سنة ثلاث وتسعين من الهجرة، عن سعيد بن هشام، عن عائشة أم المؤمنين، أن رسول الله ﷺ : كان لا يُسلِّم في ركعتي الوتر، فهذه ثمانية من الطرق للإِمام محمد معارض للحديث الذي رواه عن الإِمام مالك، وهذا الحديث مرفوع كالنتيجة لما قبله من الرواة، وهو موقوف حقيقة ومرفوع حكمًا.
لما فرغ من بيان كمية الوتر وكيفيته، شرع في بيان حكم تلاوة آية السجدة من القرآن، فقال: هذا
* * *
стр. 503
المهيأ في كشف أسرار الموطأ
برواية محمد بن الحسن الشيباني (المتوفى سنة ١٨٩ هـ)
تأليف
عثمان بن سعيد الكماخي (المتوفى سنة ١١٧١ هـ)
تحقيق وتخريج
أحمد علي
[الجزء الثاني]
стр. 504
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 505
الْمُهَيَّأ في كَشفِ أسرَارِ الموَطّأِ
[٢]
стр. 506
جميع حقوق الطبع محفوظة للناشر
اسم الكتاب: المهيأ في كشف أسرار الموطأ
اسم المؤلف: عثمان بن سعيد الكماخي
اسم المحقق: أحمد علي
القطع: ١٧ × ٢٤ سم
عدد الصفحات: ١٨٨٨ صفحة
عدد المجلدات: ٤ مجلدات
سنة الطبع: ١٤٢٥ هـ - ٢٠٠٥ م
رقم الإيداع: ٢٩٦٥/ ٢٠٠٥ م
الترقيم الدولي: ٥ - ٠٨٨ - ٣٠٠ - ٩٧٧
دار الحديث
طبع - نشر - توزيع
١٤٠ شارع جوهر الصقلي أمام جامعة الأزهر
تليفون: ٥٨٩٩٤٠٩/ ٥٩١٨٧١٩/ ٥٩١٩٦٩٧ - فاكس: ٥٩١٩٦٩٧
www.darelhadith.com
E-mail: info@darelhadith.com
стр. 507
باب سجود القرآن
باب في بيان حكم سجود القرآن، فيه مضاف محذوف تقديره: حكم سجود تلاوة آية السجدة من القرآن، وحكم سماعها منه، وهو من قبيل إضافة الحكم إلى سببه، وهو إلا في الإِضافة؛ لأنها للاختصاص، وأقوى وجوهه اختصاص المسبب بالسبب؛ لأنه حادث به، والسجود في اللغة التذلل مع طأطأة الرأس، أي: نكوسه وخفضه، وفي الشريعة وضع الجبهة على الأرض على قصد العبادة، فالمسجود له في الحقيقة هو الله تعالى، كذا قاله البيضاوي في تفسير قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ [البقرة: ٣٤]، والقرآن في اللغة مصدر بمعنى الجامع؛ لأنه جامع الأحكام من الأمر والنهي، والحلال والحرام، والمواعظة والقصص، وفي الشريعة هو المنزل من اللوح المحفوظ على الرسول ﷺ المكتوب في المصاحف، المنقول من الرسول ﷺ نقلًا متواترًا، كذا قاله حافظ الدين أحمد بن محمود النسفي في أول (المنار)، وسجود التلاوة واجب عند الحنفية، لقوله تعالى في سورة النجم: ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ﴾ [النجم: ٦٢]، وسورة اقرأ: ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ [العلق: ١٩]، وهما أمران مطلقان، فمطلق الأمر الوجوب، وهو أي: سجود التلاوة سجدة واحدة بين تكبيرتين، تكبيرة عند الوضع، وأخرى عند الرفع، وهما سنتان، وقيل: ركنان.
وقال الأئمة الثلاثة: هو سنة لما في الصحيحين عن زيد بن ثابت ﵁، أنه قال: قرأت على النبي ﷺ (ق ٢٦٥) النجم، فلم يسجد، وأما عدم سجوده ﷺ حالة قراءة زيد بن ثابت فلا يدل على عدم الوجوب؛ لأن وجوبه ليس على الفور، ولعله تأخير صدر عن العذر، كما قاله علي القاري والزرقاني، وشرطه الطهارة عن الحدث والخبث، ولا يجوز له التيمم بلا عذر، واستقبال القبلة وستر العورة، وركنه: وضع الجبهة على الأرض، وصفته: الوجوب على الفور في الصلاة، وعلى التراخي إن كان في غيرها، وحكمه: سقوط الواجب في الدنيا، ونيل الثواب في العقبى، كما فصلته في (سلم الفلاح).
٢٦٧ - أخبرنا مالك، حدثنا عبد الله بن يزيد مولى الأسود بن سُفْيَان، عن
стр. 508
أبي سَلَمَة؛ أن أبا هريرة قرأ بهم: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ فسجد فيها، فلما انصرف حدَّثهم: أن رسول الله ﷺ سجد فيها.
قال محمد: وبهذا نأخذ، وهو قولُ أبي حنيفة، وكان مالك بن أنس لا يرى فيها سجدة.
• أخبرنا مالك، أي: ابن أنس بن عمير بن أبي عامر الأصبحي، الإِمام، من كبار أتباع التابعين، ومن الطبقة السابعة من أهل المدينة، وفي نسخة: بنا، رمزًا إلى أخبرنا، وفي نسخة أخرى: محمد قال: ثنا، حدثنا عبد الله بن يزيد أي: المخزومي المدني الأعور، من رجال الجميع، من الطبقة السادسة من أهل المدينة، مات سنة ثمان وأربعين ومائة من الهجرة، مولى الأسود بن سُفْيَان، أي: المخزومي الصحابي، عن أبي سَلَمَةَ؛ أي: ابن عبد الرحمن بن عوف الزهري، المدني، الثقة، قيل: اسم أبي سلمة عبد الله، وقيل: إسماعيل، ثقة مكثر، من الطبقة الثالثة من أهل المدينة، مات سنة أربع وتسعين، أو أربع ومائة، وكان مولده سنة بضع وعشرين، قوله: إن أبا هريرة قرأ بهم أي: ببعض أصحابه: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ إلى آخر السورة، نصب على أنه مفعول ثان لحدثنا، قال سعيد بن الباجي - المالكي: الأظهر أنه كان يصلي لقوله قرأ بهم فسجد فيها، أي: في آخرها أو عند قوله لا يسجدون، فلما انصرف من السجود حدَّثهم، أي: أخبرهم كما في (الموطأ) لمالك أن رسول الله ﷺ سجد فيها، أي: في آخر هذه السورة، رواه مسلم عن يحيى عن مالك ورواه البخاري من وجه آخر بنحوه.
قال محمد: وبهذا أي: بما رواه أبو هريرة نأخذ، أي: نعمل ونفتي وهو أي: ما قاله أبو هريرة قولُ أبي حنيفة، ﵀، ووافقه الشافعي وأحمد، وكان مالك بن أنس لا يرى أي: لا يختار فيها أي: في سورة ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ سجدة، وكذا الخلاف في سورة اقرأ والنجم، له ما رواه أبو داود عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ لم يسجد في شيء من المفصل، منذ تحول من المدينة، ولنا ما روى الجماعة إلا الترمذي عن أبي هريرة ﵁ قال: سجدنا مع رسول الله ﷺ في ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ [الانشقاق: ١]، و ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١]، في إسلام أبي هريرة في السنة السابعة من الهجرة، وأجيب عن ذلك الحديث بأن ابن عبد البر قال: ما رواه أبو داود عن ابن
стр. 509
عباس، ﵄، وهو منكر.
وقال عبد الحق: إنه ليس بقوي، أقول على تقدير صحته لا يقاوم معارضه لكمال قوته، مع أن المثبت مقدم على النافي، كذا قاله علي القاري (ق ٢٦٦).
* * *
٢٦٨ - أخبرنا مالك، حدثنا الزُّهري، عن عبد الرحمن الأعرج، عن أبي هريرة، أن عمر بن الخطاب قرأ بهم ﴿النَّجْمِ﴾ فسجد فيها، ثم قام فقرأ سورة أخرى.
قال محمد: وبهذا نأخذ، وهو قولُ أبي حنيفة، وكان مالك بن أنس لا يرى فيها سجدة.
• أخبرنا مالك وفي نسخة: ثنا، وفي نسخة أخرى: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا حدثنا الزُّهري، أي: محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، يكنى أبا بكر، تابعي في الطبقة الرابعة من أهل المدينة، عن عبد الرحمن الأعرج، أي: ابن هرمز، يكنى أبا داود، المدني، مولى ربعية بن الحارث، ثقة ثبت، عالم، مات سنة سبع عشرة، عن أبي هريرة، ﵁ أن عمر بن الخطاب ﵁ قرأ أي: في الصلاة، بهم أي: بأصحابه: ﴿النَّجْمِ﴾ أي: سورة النجم إلى آخرها، فسجد فيها، أي: عند تمام السورة، ثم قام فقرأ سورة أخرى، وفيه تنبيه على أنه كان في الصلاة، وأنه جمع بين السورتين في ركعة واحدة، ولم يكتف بنياته الركوع عن السجدة.
قال محمد: وبهذا أي: بما رواه أبو هريرة ﵁، عن عمر بن الخطاب ﵁، نأخذ أي: نعمل ونفتي، وهو أي: ما قاله أبو هريرة، قولُ أبي حنيفة، ﵀، وكان مالك بن أنس لا يرى أي: لا يختار فيها أي: في سورة النجم سجدة، أي لما سبق من أنه ﷺ لم يسجد من المفصل.
* * *
стр. 510
٢٦٩ - أخبرنا مالك, حدثنا نافع، عن رجل من أهل مِصْرَ، أن عمر بن الخطاب قرأ: سورة الحج، فسجد فيها سجدتين، وقال: إن هذه السورة فُضِّلَتْ بسجدتين.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، حدثنا نافع، أي: المدني، مولى ابن عمر، وفي نسخة: عن نافع، عن رجل من أهل مِصْرَ، بكسر الميم، وسكون الصاد المهملة، وفتح الراء؛ لأنه لا ينصرف للعلمية والعدل، فإنه عدول عن مصر، كما عدل عمر عن عامر، وهو علم لمصر القاهرة، في الإِقليم الثالث من الأقاليم السبعة، كما في (الخلاصة من علم الهيئة)، أن عمر بن الخطاب ﵁، قرأ: سورة الحج، فسجد فيها أي: لأجل قراءته في سورة الحج، وكلمة "في" هنا للتعليل، كما قال تعالى في سورة يوسف: ﴿فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ [يوسف: ٣٢]، أي: لحبه، وكما رُوي "أن امرأة دخلت النار في هرة حبستها"، أي: لأجل هرة حبستها ولم تطعمها حتى ماتت من الجوع، سجدتين, وقال: إن هذه السورة فُضِّلَتْ أي: على غيرها من السور بسجدتين، إحداهما في أوائلها، والأخرى في أواخرها.
* * *
٢٧٠ - أخبرنا مالك، حدثنا نافع، أن عبد الله بن عمر كان يسجد في الحج سجدتين.
٢٧١ - أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الله بن دِينَار، عن ابن عُمَر، أنه رآه يسجد في سورة الحج سجدتين.
قال محمد: قد روي هذا عن عمر وعن ابن عمر، وكان ابن عباس لا يرى في سورة الحج إلا سجدة واحدة: الأولى؛ وبهذا نأخذ، وهو قولُ أبي حنيفة.
стр. 511
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، رمزًا إلى أخبرنا، أخبرنا عبد الله بن دِينَار، قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وهو أي: عبد الله بن دينار العدوي، مولاهم، يكنى أبا عبد الرحمن المدني، مولى ابن عمر، ثقة، في الطبقة الرابعة من أهل المدينة، وتابعي، مات سنة سبع وعشرين من الهجرة، عن ابن عُمَر، أنه أي: عبد الله بن دينار، رآه أي: ابن عمر، يسجد في سورة الحج سجدتين، أي: مرتين.
قال محمد: قد روي هذا أي: تكرار السجدة عن عمر وعن ابن عمر، وكان ابن عباس لا يرى أي: لا يختار في سورة الحج إلا سجدة واحدة: الأولى؛ وهي الأولى لا الثانية، وبهذا نأخذ، أي: إنما نعمل بقول ابن عباس، وهو أي: قول ابن عباس ﵄، قولُ أبي حنيفة، ﵀، فإن الأولى سجدة تلاوة، والثانية سجدة صلاة، لاقترانها بالركوع.
قال الشافعي وأحمد: وثانيه الحج - أيضًا - سجدة تلاوة، لما روى أبو داود والترمذي من حديث عقبة بن عامر قال: قلتُ: يا رسول الله، أفضلت سورة الحج على سائر السور بسجدتين؟ قال: "نعم، فمن لم يسجد بهما فلا يقرأهما"، أي: لئلا يجب السجدة (ق ٢٦٧) عليه.
وأجيب بأن الترمذي قال: الإِسناد ليس بقوي، يعني باعتبار سنده، فأما سكوت أبي داود، دل على أن سنده قوي مع أنه بسبب تعدد إسناده، وبفعل عمر وابن عمر يتقوى، فيترجح على رأي ابن عباس، كما لا يخفى على أهل التحقيق، والله ولي التوفيق.
لما فرغ من بيان حكم قراءة آية السجدة، شرع في بيان حكم المار بين يدي المصلي، فقال: هذا
* * *
باب المَارِّ بين يدي المصلي
باب في بيان حكم المار بين يدي المصلي، والمناسبة بين هذا الباب وبين الباب السابق التضاد من القوة والضعف في الحكم.
стр. 512
٢٧٢ - أخبرنا مالك، حدثنا سالمٌ: أبو النضر: مَوْلى عمر، أن بُسْر بن سعيد أخبره: أن زيد بن خالد الجُهَنيّ أرسله إلى أبي جُهَيْم الأنصاري، يسأله: ماذا سمع من رسول الله ﷺ يقول في المارّ بين يدي المصلي؟ قال: قال رسول الله ﷺ : "لو يعلم المارّ بين يدي المصلي ماذا عليه في ذلك، لكان أن يقف أربعين، خيرًا له من أن يمرّ بين يديه"، قال: لا أدري؛ قال أربعين يومًا، أو أربعين شهرًا، أو أربعين سنة.
• أخبرنا مالك، أي: ابن أنس بن عمير بن أبي عامر الأصبحي، الإِمام، من كبار أتباع التابعين، في الطبقة السابعة من أهل المدينة، ولد سنة ثلاث وتسعين، ومات سنة تسع وسبعين ومائة، كذا قاله الذهبي في (الكاشف)، وفي نسخة: حدثنا، وفي نسخة أخرى: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، حدثنا سالمٌ: أبو النضر: بفتح النون، وسكون الضاد المعجمة، وهو سالم بن أمية، مَوْلى عمر، أي: ابن عبيد الله بالتصغير، ابن معمر القرشي التيمي المدني، كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات بعد المائة، كذا قاله الطيبي في زيل (شرح المصابيح)، وابن حجر في (تقريب التهذيب) (١) أن بسْر بن سعيد بكسر الموحدة، وسكون السين المعجمة أخبره أي: مولي عمر أن زيد بن خالد الجُهَنيّ بضم الجيم، وفتح الهاء، الأنصاري الصحابي، أرسله أي: بسر إلى أبي جُهَيْم الأنصاري، وهو بالتصغير، ابن الحارث بن الصمة، بكسر الصاد المهملة، وتشديد الميم، ابن عمرو الأنصاري، قيل: اسمه عبد الله، ينسب إلى جهيمة، وقيل: هو عبد الله بن جهم بن الحارث بن الصمة، وقيل: هو آخر غيره، صحابي معروف، هو ابن أخت أبيّ بن كعب، بقي إلى خلافة معاوية، يسأله: ماذا سمع من رسول الله ﷺ يقول أي: يذكر في المارّ أي: في حق من يمر بين يدي المصلي؟ أي: أمامه بالقرب منه.
стр. 513
قال الحافظ (١): هكذا روى مالك هذا الحديث في (الموطأ) لم يختلف عليه فيه أن المرسل هو زيد، وأن المرسل إليه هو أبو جهيم، وتابعه سفيان الثوري عن أبي النضر، عند مسلم وابن ماجه وغيرهما، وخالفهما ابن عيينة عن أبي النضر، قال: أي: أبو جهيم، قال رسول الله ﷺ : "لو يعلم المارّ بين يدي المصلي ماذا عليه من الضرر، المستفاد من على في ذلك، أي: في المرور المذكور، زاد الكشميهني من رواة البخاري بعد قوله: "ماذا عليه من الإثم"، قال الحافظ ابن حجر: وليست هذه الزيادة في شيء من الروايات غيره، والحديث في (الموطأ) دونها؛ قيل: وفي مصنف ابن أبي شيبة: يعني من الإِثم، فيحتمل أن يكون ذكرت في أصل البخاري حاشية، فظنها الكشميهني أصلًا، فليس لفظ: من الإِثم، صريحًا في الحديث، ولكن ما ذكره النووي في (شرح المهذب) بدونها، قال: وفي رواية رويناها في (الأربعين) لعبد القادر الرهاوي: "ماذا عليه من الإثم"، ذكره السيوطي، وجملة "ماذا عليه" في محل نصب سادة مسدّ مفعولي يعلم، وجواب "لو" قوله: لكان أن يقف، أي: مريد المرور أربعين: أي ساعة، أو غيرها، خبرًا بالنصب خبر كان. وفي رواية: بالرفع على أنه اسمها، وسوّغ الابتداء بالنكرة، لكونها موصوفة، قاله ابن العربي، ويحتمل أن اسمها ضمير الشأن، والجملة خبرها من أن يمر بين يديه، حتى لا يلحقه ذلك الإِثم.
وقال الكرماني: جواب "لو" ليس هو المذكور، بل التقييد، ولو لم يعلم ما عليه لوقف أربعين، ولو وقف أربعين لكان خيرًا له، وأبهم المعدد، تفخيمًا للأمر وتعظيمًا له.
قال الحافظ: السياق أنه عين المعدود، لكن شك الراوي فيه، ثم أبدى الكرماني لتخصيص الأربعين بالذكر حكمتين: أحدهما: كون الأربعة أصل جمع الأعداد، فلما أريد التكثير ضربت عشرة، وثانيهما: كون كمال أطوار الإِنسان بأربعين كالنطفة والعلقة والمضغة، ويحتمل غير ذلك، وفي ابن ماجه، وابن حبان من حديث أبي هريرة: "لكان أن يقف مائة عام خيرًا له من الخطوة التي خطاها"، وهذا أشعر بأن إطلاق الأربعين للمبالغة في تعظيم الأمر، لا لخصوص عدد معين.
стр. 514
وجنح الطحاوي إلى أن التقييد بالمائة وقع بعد التقييد بالأربعين، والمقام مقام زجر وتخويف فلا يناسب أن يتقدم ذكر المائة على الأربعين، بل المناسب أن يتأخر ومميز الأربعين إن كان هو السنة المدعى، أو ما دونها فمن باب أولى.
قال: أي: أبو النضر كما في (الموطأ) لمالك: لا أدري؛ قال أي: أقال بسر بن سعيد، كذا صرح الإِمام مالك في (الموطأ) بهمزة الاستفهام أربعين يومًا، أو أربعين كذا في نسخة شهرًا، أو أربعين سنة.
وللبزار من طريق أحمد بن عبدة الضبيّ، عن ابن عيينة عن أبي النضر: "لكان أن يقف أربعين خريفًا"، وجعل ابن القطان الجزم في طريق ابن عيينة، والشك في طريق غيره، دالًا على التعدد، وفي الحديث دليل على تحريم المرور بين يدي المصلي لمعناه النهي الآكد والوعيد الشديد على ذلك، ومقتضاه أن يعد من الكبائر، وفيه أخذ القرين عن قرينه ما فاته، وفيه استعمال "لو" في الوعيد، ولا يدخل ذلك في النهي؛ لأن محله أن يشعر بما يعاند المقدور، واستنبط ابن بطال من هو يعلم أن الإِثم يختص بمن يعلم بالنهي وارتكبه.
قال الحافظ: وأخذه من ذلك فيه بُعد، لكن هو معروف من أدلة أخرى، فظاهر الحديث: أن الوعيد يختص بمن مرَّ لا بمن وقف عامدًا مثلًا بين يدي المصلي، أو قعد أو رقد، لكن إن كانت العلة فيه التشويش على المصلي، فهو معنى المار، وظاهره عموم النهي في كل مصلى.
وخصه بعض المالكية، يعني: ابن عبد البر بالإِمام والمنفرد، لا المأموم؛ لأن المأموم لا يضره بمن مرّ بين يديه؛ لأن سترة إمامه سترة له، والتعليل المذكور لا يطابق المدَّعي؛ لأن السترة تفيد رفع الحرج على المصلي لا عن المار، والحديث رواه البخاري عن عبد الله بن يوسف، ومسلم عن يحيى، وكلاهما عن مالك، به كذا قاله الزرقاني.
* * *
٢٧٣ - أخبرنا مالك، حدثنا زيد بن أسْلَم، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخُدْرِي، عن أبيه، أن رسول الله ﷺ قال: "إذا كان أحدكم يصلي فلا يَدعْ أحدًا يمرّ بين يديه، فإن أبَى فَليُقاتِله، فإنما هو شيطان".
стр. 515
• أخبرنا مالك: وفي نسخة: محمد قال: ثنا، حدثنا زيد بن أسْلَم، العدوي، مولى (ق ٢٦٩) عمر، أبو عبد الله وأبو أسامة المدني، ثقة عالم، وكان يرسل، من الطبقة الثالثة من التابعين، مات سنة ست وثلاثين ومائة من الهجرة، حدثنا عبد الرحمن بن أبي سعيد الخُدْرِي، أي: سعد بن مالك الأنصاري الخزرجي، ثقة، من الطبقة الثالثة من طبقات الصحابة، له سبع وسبعون سنة، مات سنة اثنتي عشرة، عن أبيه، أي: عن أبي سعيد الخدري ﵁، وفيه رواية الصحابي عن الصحابي، فإن عبد الرحمن صحابي، كما كان أبوه أبو سعيد الخدري صحابيًا، أن رسول الله ﷺ قال: "إذا كان أحدكم يصلي فلا يَدعْ أي: فلا يترك، بل يمنع أحدًا لئلا يمرّ بين يديه، أي: المصلي، ولابن أبي شيبة عن ابن مسعود: إن المرور بين يدي المصلي يقطع نصف صلاته، فإن أبَى أي: إن لم يطع قول الدافع، بل أراد المرور، فليُقاتِله، بكسر اللام الجازمة وسكونها، أي: فليدفعه بالتسبيح أو بالإِشارة، إن عدم سترة أو يريد أن يمر بينه وبينها؛ لما في الصحيح من حديث أبي هريرة: "من نابه" أي: قاربه "شيء في صلاته فليسبح؛ فإنه إذا سبح التفت إليه وامتنع من المرور". كذا قاله علي القاري.
وقال القرطبي: أي: يزيد في دفعه الثاني أشد من الأول، وأجمعوا على أنه لا يلزمه أن يقاتله بالسلاح، لمخالفة ذلك لقاعدة الإِقبال على الاشتغال بها، والخشوع فيها، وقال أبو عمر ابن عبد البر: أحسبه خرج عن التغليظ، فإذا دفعه مدافعة يقصد بها قتله فمات فالدية في ماله، وقيل: على عاقلته، وقيل: هدر ولا قود؛ لأن أصله مباح، انتهى.
وأطلقت جماعة من الشافعية أن له قتاله حقيقة، واستبعده في "القبر" (١) وقال: المراد من المقاتلة: المدافعة، وقال سعيد بن زيد الباجي المالكي: يحتمل أن يريد: فليلعنه كما قال تعالى في سورة الذاريات: ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ﴾ [الذاريات: ١٠]، أي: لُعِنَ الكذابون، ويحتمل أن يريد: يؤاخذه ويؤدبه على ذلك بعد تمام صلاته، لما روى ابن ماجه عن أم سلمة زوج النبي ﷺ قالت: كان النبي ﷺ في حجرة أم سلمة فمر بين يديه عبد الله بن عمر، أو عمر بن أبي سلمة، فقال: بيده، أي: أشار بها، فرجع، فمرت زينب بنت أبي سلمة، فقال بيده، أي: أشار بها، فمضت، فلما صلى رسول الله ﷺ قال: "هن
стр. 516
أغلب هذا" ويدل على كون المقاتلة بعد إتمام الصلاة، والفاء في قوله: "فليقاتله"، فإنها بمعنى "ثم" التي للتراخي الزماني. قال تعالى في سورة المؤمنون: ﴿فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا﴾ [المؤمنون: ١٤]، فالفاء في هذه الآية بمعنى "ثم" للتراخي. فإنما هو شيطان"، أي: الذي يمر بين يدي المصلي باطل عمله، وخائب أمله، أي: لم ينل ما طلبه، فإن لفظ شيطان مأخوذ من شاط، بمعنى بطل، وقيل: من شياط، فمعناه أنه ممتلئ خبثًا وشرًا ونكرًا، كما قال تعالى في سورة الكهف: ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا﴾ [الكهف: ٧٤]، فإسناد شيطان إلى المارّ بين يدي المصلي حقيقة في الإِنس، فإن الشيطان على قسمين: أحدهما: شيطان الإِنس، والآخر (ق ٢٧٠): شيطان الجن، كما قال تعالى في سورة الأنعام: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ الآية [الأنعام: ١١٢]، أو مجاز الجن، وهو من قسم الاستعارة التخيلية، وهي أن يثبت للمشبه أمر مختص للمشبه به من غير أن يكون في المشبه أمر متحقق حسّا أو عقلًا، فاستعير لفظ الشيطان لمن مرَّ بين يدي المصلي، وأُثبت للمار أمورٌ مختصة للشيطان من الغرور والإِغفال والإِضلال وإلقاء الفتنة بين الناس، وغير ذلك من الحيل والشرور، ولذلك بيّن رسول الله ﷺ حال المار بطريق الصفة على الموصوف بالقصر الإِفرادي بقوله: "إنما هو شيطان".
* * *
٢٧٤ - أخبرنا مالك, حدثنا زيد بن أسْلَم، عن عَطاء بن يَسَار، عن كعب، أنه قال: لو كان يعلم المارُّ بين يدي المصلي ماذا عليه في ذلك، لكان أن يُخسف به خيرًا له.
قال محمد: يكره أن يمرّ الرجل بين يدي المصلي، فإن أراد أن يمرّ بين يديه، فَلْيَدْرأه ما استطاع ولا يقاتله، فإن قاتله كان ما يدخل عليه في صلاته من قتاله إياه أشد عليه من أن يمرّ هذا بين يديه، ولا نعلم أحدًا رأى قتاله، إلَّا ما رُوِيَ عن أبي سعيد الْخُدْرِيّ، وليست العامّة عليها، ولكنها على ما وصَفْت لك، وهو قولُ أبي حنيفة.
стр. 517
• أخبرنا مالك, وفي نسخة: بنا، رمزًا إلى أخبرنا، وفي نسخة أخرى: محمد قال: حدثنا زيد بن أسْلَم، وفي نسخة: "عن" مقام "حدثنا"، وهو العدوي مولى عمر، أبو عبد الله وأبو أسامة المدني، ثقة تابعي عالم، وكان يرسل، في الطبقة الثالثة من أهل المدينة، مات سنة ست وثلاثين من الهجرة، عن عَطاء بن يَسَار, بفتح التحتية والسين المهملة، وهو الهلالي، يكنى: أبا محمد المدني، مولي ميمونة، ثقة، فاضل، صاحب مواعظ وعبادة، من صغار التابعين، من الطبقة الثانية من أهل المدينة، مات سنة أربع وتسعين من الهجرة، كذا قاله ابن حجر في (التقريب). عن كعب، أي: الأحبار، كما صرح به يحيى في (الموطأ)، وهو ابن مانع، ويكنى أبا إسحاق، كان في الطبقة الأولى من التابعين من أهل الشام، وهو بلد طيب في الإِقليم الثالث من الأقاليم السبعة، أنه أي: كعب الأحبار، قال: لو كان يعلم المارُّ بين يدي المصلي أي: قدامه، ماذا عليه أي: من الضرر المستفاد من كلمة على في ذلك، أي: المرور المذكور، ومحل جملة: "ماذا عليه" نصب ساد مسدّ مفعوليّ "يعلم"، وجواب "لو" قوله: لكان، كذا في نسخة: باللام، وفي نسخة أخرى: بغيرها، والأولى أَوْلَى أن يُخسف به بصيغة المجهول، أي: أن يخسف الله بالمار، قوله: المصلي في الأرض خيرًا له، جمع أخير، وهو أفعل تفضيل تقدر فيه "من" ومنصوب على أنه خبر "كان"، ويخسف لازم من باب ضرب، يتعدى بالباء، قال الجوهري: خسف المكان يخسف خسوفًا ذهب في الأرض، وخسف الله به الأرض: أي غاب به فيها، يعني لو كان يعلم المار أمام المصلي كم ينزل عليه من العذاب لأجل مروره لكان أن يذهب تحت الأرض خيرًا له من أن يمرَّ قدام المصلي، وقسَّم المالكية أحوال المارّ والمصلي في الإِثم وعدمه أربعة أقسام بإثم المار دون المصلي، وعليه يأثمان جميعًا، وعكسه:
فالأولى: وإذا صلى إلى سترة وللمار مندوحة، فيأثم دون المصلي.
والثانية: إذا صلى في شرع سلوك بلا سترة، أو متباعد عنها ولا يجد المار مندوحة فيأثم المصلي لا المار.
والثالثة: مثل الثانية، لكن يجد المار مندوحة فيأثمان جميعًا.
والرابعة: مثل الأول، لكن لا يجد المار مندوحة، (ق ٢٧١) أي: وسعة فيأثمان، كذا قاله الزرقاني.
стр. 518
وفي رواية ابن أبي شيبة عن عبد الحميد بن عبد الرحمن مرسلًا: "لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه من ذلك لأحب أن ينكسر فخذه، ولا يمر بين يديه".
قال محمد: يكره أن يمرّ الرجل أي: فضلًا عن المرأة بين يدي المصلي، أي: قدامه فإن أراد أن يمرّ بين يديه، فَلْيَدْرأه أي: فليدفع الرجل عنه، أي: عن مروره ما استطاع أي: ما قدر عليه من تسبيح أو إشارة أو مدافعة بلطف عن مروره، ولا يقاتله، أي: لا يقصد ضربه، فإنه أي: المصلي إن قاتله أي: المار كان ما أي: إثم ضربه المار وقتله يدخل أي: المصلي عليه أي: على إثم الضرب والقتل في صلاته من قتاله، أي: من قتال نفس المصلي بيانًا لما إياه أي: المار أشد منصوب على أنه خبر كان عليه أي: على المصلي من إشغال أن يمرّ هذا أي: المار بين يديه، ولا نعلم أحدًا أي: والحال لا نعلم من أصحاب أبي حنيفة أحدًا من الصحابة روي أي: في هذا الحديث قتاله، أي: مما يؤدي إلى قتاله من لفظ فليقاتله، إلَّا ما رُوِيَ أي: حديث روي عن أبي سعيد الخُدْرِيّ، ﵁، فيكون مما تفرد به، فمتن حديثه شاذ بسببه، والحديث الشاذ الذي له إسناد واحد، يشذ بذلك شيخ ثقة، كان أو غير ثقة، فما كان عن غير ثقة فمتروك لا يقبل، وما كان عن ثقة يتوقف فيه ولا يحتج، كذا قال أهل الحديث، وليست العامّة أي: عامة الرواة من العلماء، أو جمهور الفقهاء عليها أي: على المقاتلة لا مبين ومعين، ولكنها أي: المقاتلة المفهومة من حديث فليقاتل، محمولة على ما وصَفْت لك من المدافعة، وهو أي: ما وصفه الإِمام محمد قولُ أبي حنيفة، ﵀.
* * *
٢٧٥ - أخبرنا مالك، حدثنا الزُّهْرِي، عن سالم بن عبد الله، عن ابن عمر، أنه قال: لا يقطع الصلاة شيءٌ.
قال محمد: وبه نأخذ، لا يقطع الصلاة شيءٌ مِمّا مرّ بين يَدَي المصلي، وهو قولُ أبي حنيفة.
стр. 519
• أخبرنا مالك, وفي نسخة: ثنا، وفي نسخة أخرى: محمد قال: ثنا، حدثنا الزُّهْرِي، أي: محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، تابعي يكنى أبا بكر، كان في الطبقة الرابعة من أهل المدينة، عن سالم بن عبد الله، عن ابن عمر، وهو أبوه، أنه أي: ابن عمر قال: لا يقطع الصلاة شيءٌ، أي: مما يمر بين يدي المصلي، والمرور يقطع نصف صلاته، أي: وهو ما يتعلق بالباطن من حضوره وكمال شعوره.
قال محمد: وبه نأخذ، يعني قال محمد: لا نعمل إلا بقول ابن عمر: لا يقطع الصلاة شيءٌ من مار بين يَدَي المصلي، وفي نسخة: مما مر بين يدي المصلي، وهو أي: عدم قطع المرور بين يدي المصلي صلاته، قولُ أبي حنيفة، أي: نعمان بن ثابت بن طاوس بن هرمز بن ملك بن شيبان، كان في الطبقة السادسة من طبقات الحنفية، وكان من صغار التابعين، ورواه مالك موقوفًا، وأخرجه الدارقطني من وجه آخر عن سالم عن أبيه مرفوعًا، لكن إسناده ضعيف، وجاء أيضًا مرفوعًا عن أبي سعيد عن أبي داود، عن أنس وأبي أسامة عن الدارقطني، وعن جابر عن الطبراني في الأوسط وفي إسناد كل منهما ضعيف، وقال قوم: تقطعها المرأة، والحمار، والكلب الأسود، قال عبد الله بن الصامت: يا أبا ذر (ق ٢٧٢) ما بال الكلب الأسود من الكلب الأحمر، والكلب الأصفر؟ قال: يا ابن أخي، سألتُ رسول الله ﷺ عن ما سألتني عنه فقال: "الكلب الأسود شيطان" (١)، رواه مسلم، وله أيضًا مرفوعًا عن أبي هريرة: "يقطع الصلاة: المرأة والحمار والكلب، ويبقى ذلك مثل مؤخرة الرحل" (٢) رواه الطبراني عن الحكم بن عمرو، وابن ماجه عن عبد الله بن مغفل نحوه من غير تقييد بالأسود.
ولأبي داود (٣) عن ابن عباس مثله، لكن قيد المرأة بالحائض، واختلف العلماء في العمل بهذه الأحاديث، فمال الطحاوي وغيره إلى أن حديث أبي ذر وما وافقه منسوخ بحديث عائشة في الصحيحين أنه ذكر عندها ما يقطع الصلاة الكلب والحمار والمرأة، وقالت: شبهونا بالحمر والكلاب، والله لقد رأيتُ النبي ﷺ يصلي وأنا على السرير بينه
стр. 520
وبين القبلة مضطجعة، وقالت ميمونة: كان النبي ﷺ يصلي وأنا نائمة إلى جنبه، فإذا سجد أصابني ثوبه وأنا حائض (١)، وتُعقِّب بأن النسخ إنما يصل إليه إذا علم التاريخ وتعذر الجمع والتاريخ هنا لم يتحقق، والجمع لم يتعذر، كذا قاله الزرقاني.
لما فرغ من بيان حكم بعض التطوع، شرع في بيان حكم بعضه، فقال: هذا
* * *
باب ما يستحب من التطوع في المسجد عند دخوله
٢٧٦ - أخبرنا مالك، حدثنا عامر بن عبد الله بن الزبير عن عمرو بن سليم الزرقي. عن أبي قتادة السُّلمي أن رسول الله ﷺ قال: "إذا دخل أحدكم المسجد فليصل ركعتين قبل أن يجلس".
قال محمد: هذا تَطَوُّع، وهو حَسَنٌ، وليس بواجب.
• باب في بيان حكم، ما أي: فعل يستحب بصيغة المجهول، أو يسن من صلاة التطوع في المسجد، من صلاة الضحى وإحياء الليل وغيرهما، لكن المراد بالتطوع هنا تحية المسجد بقرينة قوله: عند دخوله.
ووجد في نسخة الشارح فيه وبقرينة (ق ٢٧٣) ابن حبان في صحيحه: تحية المسجد، أي: تعظيمه، فإن جمعها تحيات يعني من دخل المسجد، وهو متوضئ يُسنُّ له أن يصلي ركعتين، تعظيمًا للمسجد، بالجلوس عندنا وإن كان الأفضل فعلها قبله، وإذا تكرر دخوله في اليوم يكفيه ركعتان، وإن أدَّى الفرض أو غيرها عند دخوله ينوب عن تحية المسجد، ومن تعظيم المسجد أن يقول عند دخوله فيه: "اللهم افتح لي أبواب رحمتك"، وعند خروجه منه: "اللهم إني أسألك من فضلك"؛ لأمر النبي ﷺ به، كذا نقلناه في (سلم الفلاح).
стр. 521
أخبرنا مالك، وفي نسخة: بنا، رمزًا إلى أخبرنا، وفي نسخة أخرى: محمد قال: ثنا، حدثنا عامر بن عبد الله بن الزبير بن العوام الأسدي أبي الحارث المدني، ثقة عابد، مات سنة إحدى وعشرين ومائة، عن عمرو بفتح العين ابن سليم بالتصغير، أي: ابن خلدة بفتح الخاء المعجمة، وسكون اللام والدال المهملة والهاء، الأنصاري، الزرقي بضم الزاي المعجمة، وبفتح الراء بعدها قاف نسبة إلى عامر بن زريق، ثقة، من كبار التابعين، مات سنة أربع ومائة، ويقال له: رؤية عن أبي قتادة الأنصاري، اسمه الحارث، ويقال: عمرو والنعمان بن ربعي، بكسر الراء، وسكون الموحدة، بعدها مهملة، السُّلمي ﵁، بفتحتين المدني شهد أحدًا وما بعدها، ولم يشهد بدرًا، مات سنة أربع وخمسين من الهجرة، وقيل: سنة ثمان وثلاثين، والأول أصح وأشهر، أن رسول الله ﷺ قال: "إذا دخل أحدكم المسجد محله نصب على أنه المفعول الثاني لحدثنا، فليركع أي: فليصل من إطلاق الجزء وإرادة الكل، ركعتين هذا العدد لا مفهوم لأكثره باتفاق، واختلف في أقله، والصحيح اعتباره، فلا يتأدى هذا المستحب بأقل من ركعتين قبل أن يجلس".
والحديث رواه أحمد وجماعة عن أبي قتادة ﵁، وابن ماجه عن أبي هريرة ﵁، ولفظ بعضهم: "إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين"، فهو (ق ٢٧٣) أمر ندب ونهي تنزيه بالإِجماع، سوى أهل الظاهر، فقالوا بالوجوب والتحريم، وسبب ورود هذا الحديث أن أبا قتادة ﵁، دخل المسجد فوجد النبي ﷺ جالسًا بين أصحابه فجلس معهم، فقال له النبي ﷺ : "ما منعك أن تركع؟ " قال: رأيتك جالسًا والناس جلوس، قال: "فإذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يركع ركعتين"، أخرجه مسلم.
قال محمد: هذا تَطَوُّع, وهو حَسَنٌ, وليس بواجب، أقول: لكن محله إذا لم يكن وقت الكراهة عندنا.
لما فرغ من بيان حكم تحية المسجد شرع في بيان حكم الانصراف عن الصلاة إلى شيء بعد إتمامها، فقال: هذا
* * *
стр. 522
باب الانتفال في الصلاة
باب في بيان حكم الانتفال في الصلاة، الانتفال بكسر الهمزة وسكون النون في كسر التاء وبعدها فاء وألف ولام بمعنى الفراغ عن الشيء، والانصراف عنه إلى غيره، وفي نسخة: الانفتال، بتقديم الفاء على التاء، وهو انصراف الوجه من شيء إلى شيء آخر، كما في الجوهري والأختري، وفيه إبدال مكان التاء بمكان الفاء.
٢٧٧ - أخبرنا مالك, أخبرني يحيى بن سعيد، عن محمد بن يحيى بن حبَّان، أنَّه سمعه يُحَدِّثُ عن وَاسع بن حَبَّان، قال: كنت أصلي في المسجد وعبد الله بن عمر مُسْنِدًا ظَهْره إلى القِبْلة، فلما قَضَيْتُ صلاتي انصَرَفْتُ إليه من قِبَلِ شِقِّي الأيسر، فقال: ما مَنَعَك أن تنصرف عن يمينك؟ قلتُ: رأَيتُك وانصرفْتُ إليك، فقال عبد الله، فإنك قد أصَبْتَ، فإن قائلًا يقول: انصرفْ على يمينك، وإذا كنت تصلي فانصرف حيثُ أحْبَبْتَ: على يمينك أو على يسارك، ويقول ناسٌ: إذا قَعَدْتَ على حاجتك فلا تستقبل القِبْلة، ولا بيت المقدس، قال عبد الله: لقد رقَيْتُ على ظهر بَيْت لَنَا، فرأيت رسول الله ﷺ على حاجته مُسْتَقْبِلَ بيت المقدس.
قال محمد: ويقول عبد الله بن عمر: نأخذ، ينصرف الرجل إذا سَلَّم على أيِّ شِقِّهِ أحَبَّ، ولا بأس أن يستقبل بالخَلَاء من الغائط والبول بيتَ المقدس، إنما يُكْرَه أن يستقبل القبلة، وهو قولُ أبي حنيفة.
• أخبرنا مالك، أي: ابن أنس بن عمير بن أبي عامر الأصبحي، الإِمام من كبار أتباع التابعين، في الطبقة السابعة من أهل المدينة، ولد سنة ثلاث وسبعين، ومات سنة تسع وسبعين، كذا قاله الذهبي في (الكاشف)، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا أخبرني يحيى بن سعيد، أي: ابن قيس الأنصاري المدني، أبو سعيد القاضي، ثقة ثبت في
стр. 523
الطبقة الخامسة من أهل المدينة، مات سنة أربع وأربعين بعد المائة من الهجرة، عن محمد بن يحيى بن حبَّان، بفتح المهملة ثم موحدة مشددة ابن أبي سعيد الأنصاري المدني ثقة فقيه، في الطبقة الرابعة من أهل المدينة، مات سنة إحدى وعشرين ومائة من الهجرة، وهو ابن أربع وسبعين سنة، كذا قاله ابن حجر، أنَّه أي: يحيى بن سعيد سمعه أي: محمد بن يحيى بن حبان، يُحَدِّثُ عن وَاسع بن حَبَّان، بفتح المهملة ثم الموحدة مشددة، ابن منقذ بن عمر الأنصاري المازني، صحابي ابن صحابي، وقيل: بل ثقة من كبار التابعين في الطبقة الثانية من أهل المدينة، كذا قاله ابن حجر في (التقريب في أسماء الرجال) (١)، قال: أي: واسع بن حبان: كنت أصلي في المسجد أي: مسجد المدينة على ما هو الظاهر وعبد الله بن عمر مُسْتنِدًا وفي نسخة: مسند بفتح الميم وسكون السين المهملة، وكسر النون وبعدها دال مهملة من الإِسناد، ظَهْره إلى القِبْلة أي: إلى جدارها، لما في (الموطأ) لمالك، أما إسناده إلى جدار القبلة، فللوعظ والإِفادة، فلما قَضَيْتُ صلاتي أي: أديتها وفرغت عنها انصَرفْتُ أي: استقبلت إليه من قِبَلِ شِقِّي الأيسر، بكسر القاف وفتح الموحدة، أي: من جهتي طرفي الأيسر اتفاقًا أو قصدًا لكون كأن في ذلك الجانب، وهو الأظهر، أو لئلا يفوته شيء من وعظه، أو لرعاية الأدب، فإنه إذا انصرف من شقه الأيمن، يجعل ابن عمر خلفه، وهو ثري الأدب. وفيه تنبيه على أن المعلم ينبغي له أن يكون على الشفقة للمتعلم، ويلزم عليه أن يستمر على التعظيم للمعلم في جميع أحواله، ليكون مرضيًا عند ربه، فقال أي: ابن عمر: (ق ٢٧٤) ما مَنَعَك أن تنصرف عن يمينك؟ مع أنه أشرف أو أيسر، قال: قلتُ: رأيتك أي: في هذه الشق، وانصرفْتُ إليك، وفي نسخة: انصرفت بلا واو، وليحيى: فانصرفت إليك، فقال عبد الله، فإنَّك قد أصَبْتَ، أي: ما تيقنت بالانصراف عن يمينك، فإن قائلًا أي: من الفقهاء، وفي نسخة فلانًا، أي: من العلماء يقول؛ انصرفْ أمر حاضر، أي: ارجع على يمينك، أي: لست على وجه العزيمة، فيقول واسع بن حبان: أما أنا فأقول: وإذا كنت تصلي أي: وفرغت، فانصرف حيثُ أحْبَبْتَ، أي: أي ظرف اخترت على يمينك أو على يسارك، ثم قال ابن عمر: ويقول ناسٌ، أي: من الفقهاء: إذا قَعَدْتَ على حاجتك أي: قضائها فلا تستقبل القِبْلة، أي: الكعبة، وهو ظاهر الكلام فيه،
стр. 524
ولا بيت المقدس، بفتح الميم وسكون القاف، وكسر الدال، وجوز ضم الميم، وتشديد الدال المفتوحة والمراد الصخرة لكونه قبله في الجملة، ولو كانت منسوخة وهو وجه وجيه وتنبيه منبه، ثم رأيت الإِمام أحمد وأبا داود وابن ماجه روي عن معقل الأسدي أنه ﷺ نهى أن نستقبل القبلتين ببول أو غائط (١)، فقال واسع بن حبان حاكيًا عن عبد الله: قال عبد الله: في مقام الاستدلال على جواز الاستقبال إلى بيت المقدس، كما قال ﷺ : "البينة على المدعي، واليمين على من أنكر"، لقد رقَيْتُ بفتح الراء المهملة وكسر القاف، وسكون التحتية والتاء للمتكلم، أي: صعدت، يقال: رقيت رقيًا إذا صعدت، كذا قاله الجوهري، على ظهر بَيْت لَنَا, وفي رواية الشيخين: بيت أختي حفصة، فرأيت رسول الله ﷺ أي: من غير قصد في نظره أو من وراء ظهره كائنًا على حاجته أي: قضائها حال كونه مُسْتَقْبِلَ بيت المقدس، ولعله كان يعذر هنالك أو قبل النهي عن ذلك.
قال محمد: ويقول عبد الله بن عمر نأخذ، أي: نعمل في المسألتين، ينصرف الرجل إذا سَلَّم على أيِّ شِقِّهِ أحَبَّ، أي: أي أختار، ولا بأس أن يستقبل بالخَلَاء أي: في الخلاء وهو كناية عن قضاءيات الحاجة، من الغائط والبول أي: أو أحدهما بيتَ المقدس، إنما يُكرَه أن يستقبل بذلك، أي: فيما ذكره القبلة، وهي جهة الكعبة، وهو قولُ أبى حنيفة ﵀. قال علي القاري: فيه إشكال وهو أنه يلزم من استقبال بيت المقدس استدبار الكعبة، وهو ممنوع عند علمائنا أيضًا عند قضاء الحاجة، ويستوي عندنا في هذه المسألة الصحراء والبناء، يقول الفقير: نعم يرد هذا الإِشكال إذا كان جواز استقبال بيت المقدس مخصوصًا لأهل المدينة، وأما إذا كان لسائر أهل البلاد فلا إشكال فيه؛ لأن بيت المقدس في طرف الشمال لأهل المدينة والكعبة في طرف الجنوب لأهلها بخلاف سائر البلاد، كذا قاله أهل الهيئة.
لما فرغ من بيان حكم الانصراف بعد إتمام الصلاة إلى وجه رجل معلم لينتفع من علمه، شرع في بيان حكم صلاة المغمى عليه، فقال: هذا
* * *
стр. 525
باب صلاة المُغْمَى عليه
باب في بيان حكم صلاة المُغْمَى عليه، وهو المغلوب عقله، (ق ٢٧٥) بخلاف المجنون؛ فإنه المسلوب عقله، والأنبياء ﵈ معصومون عن الجنون دون الإِغماء، وهو فتور غير أصلي لا بمخدر يخرج الفتور بالمحذورات وقوله: يزيل عمل القوي يخرج الصفة، كذا قاله السيد محمد الجرجاني في (تعريفاته).
٢٧٨ - أخبرنا مالك، حدثنا نافع، عن ابن عمر، أنه أغْمِيَ عليه ثم أفاق فلم يقض الصلاة.
قال محمد: وبهذا نأخذ إذا أغمي عليه أكثر من يوم وليلة. فأما إذا أغمي عليه يومًا أو أقل قضى صلاته.
• أخبرنا مالك, أي: ابن أنس بن عمير بن أبي عامر الأصبحي، الإِمام، من كبار أتباع التابعين، في الطبقة السابعة من أهل المدينة، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، مالك، حدثنا وفي نسخة: عن نافع، أي: المدني، مولى ابن عمر، عن ابن عمر، أنه أغْمِيَ عليه ثم أفاق فلم يقض الصلاة، أي: الفائتة حال الإِغماء؛ لكونه أكثر من يوم وليلة، وقد روى محمد في (الآثار) عن أبي حنيفة عن حماد عن إبراهيم النخعي، عن ابن عمر أنه قال في الذي أُغمي عليه يومًا وليلة: يقضي.
قال محمد: وبهذا أي: بعدم القضاء نأخذ أي: نعمل مع أصحاب أبي حنيفة، إذا أغمي عليه أكثر من يوم وليلة. فأما إذا أغمى عليه يومًا أو أقل قضى صلاته.
* * *
٢٧٩ - بلغنا عن عمار بن ياسر، أنه أغمي عليه أربع صلوات ثم أفاق، فقضى صلاته. أخبرنا بذلك أبو معشر المَدِيني عن بعض أصحابه.
стр. 526
• بلغنا عن عمار بن ياسر، أنه أغمي عليه أربع صلوات ثم أفاق، فقضاها.
قال محمد: أخبرنا بذلك أبو معشر المَدِيني، هو نجيح بن عبد الرحمن السندي بكسر السين المهملة، وسكون النون، وكسر الدال، والياء التحتية، مولى بني هاشم، مشهور بكنيته، ضعيف، كان في الطبقة السادسة من طبقات التابعين، من المدينة، مات سنة سبعين ومائة، ويقال: عبد الرحمن بن الوليد بن هلال، كذا قاله ابن حجر، عن بعض أصحابه، أي: أصحاب عمار ﵁، وروى الدارقطني عن يزيد مولى عمار بن ياسر أغمي عليه في الظهر والعصر والمغرب والعشاء، وأفاق نصف الليل فقضاهن (١)، وفيه تغليب فإن العشاء وقع في آخر وقتها أداءً لا قضاءً.
وقال مالك والشافعي: من أغمي عليه بمرض أو سبب مباح سقط عنه قضاء ما كان في حال إغمائه من الصلاة على الإِطلاق، وقال أحمد: الإِغماء يمنع وجوب القضاء بحال، كما قاله علي القاري.
لما فرغ من بيان حكم صلاة المغمى عليه، شرع في بيان حكم صلاة المريض، فقال: هذا
* * *
باب صلاة المريض
في بيان حكم صلاة المريض، والمناسبة بين هذا الباب وذاك الباب الآفات السماوية، فإضافة صلاة إلى المريض من إضافة الفعل إلى الفاعل، والمرض حالة للبدن خارجة على مجرى الطبيعة، وإذا تعبر على المريض كل القياس بأن لا يقوم أصلًا لا بقوة نفسه، ولا بالاعتماد على شيء أو تعسر عليه كل القيام بوجود ألم شديد أو خاف زيادة المرض، أو بطئه بسبب القيام، صلى قاعدًا بركوع وسجود.
كما روى الجماعة إلا مسلمًا عن عمران بن حصين ﵁ أنه قال: كانت بي بواسير، فسألتُ النبي ﷺ عن الصلاة، فقال: "صل قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا؛ فإن لم
стр. 527
تستطع فعلى جنبك"، زاد النسائي: "فإن لم تستطع فمستلقيًا"، قال الله تعالى في سورة آل عمران: (ق ٢٧٦) ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٩١]، كذا في (سلم الفلاح شرح مذنب نور الإِيضاح).
٢٨٠ - أخبرنا مالك، حدثنا نافع، أن عمر قال: إذا لم يستطع المريض السجود أومأ برأسه.
قال محمد: وبهذا نأخذ، ولا ينبغي له السجود على عودٍ، ولا شيء يرفعه إليه، ويجعل سجوده أخفض من ركوعه، وهو قولُ أبي حنيفة.
• أخبرنا مالك, وفي نسخة: ثنا، وفي نسخة أخرى: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا وفي نسخة: عن نافع، عن ابن عمر أنه قال: إذا لم يستطع المريض السجود أومأ أي: أشار إلى السجود برأسه.
قال محمد: وبهذا أي: بقول ابن عمر نأخذ، أي: نعمل ونفتي، ولا ينبغي له أي: للمريض أن يسجد على عودٍ، أي: بأن يرفع إلى وجهه لوحًا يسجد عليه، ولا على شيء يرفعه إليه، كوسادة ونحوها، ويجعل سجوده أي: وينبغي للمولى أن يجعل إشارته برأسه إلى سجوده أخفض أي: أسفل من إشارته إلى ركوعه؛ لأن ركنيه القيام للتوسل به إلى السجدة، لما فيها نهاية التعظيم، وإذا لم يقدر السجود لا يكون ركنًا فيخير في الإِشارة إلى الركوع والسجود، وإن لم يخفض إيمائه إلى السجود من الركوع لا تصح صلاته، كذا قاله الشرنبلالي في (نور الإِيضاح).
وهو أي: ما اختاره ابن عمر، قولُ أبي حنيفة، وهذا الحديث موقوف حقيقة ومرفوع حكمًا، لما روى البزار في مسنده عن جابر ﵁، والطبراني في (معجمه)، عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ عاد مريضًا فرآه يصلي على وسادة، فأخذها ورمى بها، فأخذ عودًا ليصلي عليه، فأخذه فرمى فقال: "صل على الأرض إذا استطعت، وإلا فأومئ إيماءً واجعل سجودك أخفض من ركوعك"، كذا قاله علي القاري.
стр. 528
لما فرغ من بيان حكم صلاة المريض شرع في بيان فضيلة تطهير المسجد عن المستكره مطلقًا، فقال: هذا
* * *
باب النخامة في المسجد وما يكره من ذلك
في بيان فضيلة تطهير المسجد عن النخامة، أي: وجدت في المسجد، أي: في جنس المسجد سواء كان مسجد الحرام أو مسجد الأقصى أو غيرهما، في بلاد الإِسلام، وهي أي النخامة، بضم النون، وفتح الخاء المعجمة والألف والميم والتاء، ما يخرج من الخيشوم والحلقوم، كذا في (المغرب).
وما يُكره أي: وبيان فضيلة تطهيره عما يستكره من ذلك، أي: في المسجد، فمن هنا بمعنى في، كما قال تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ [الجمعة: ٩].
عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من يتعاهد المسجد - أي: يخدمه بالكنس والتنظيف - فاشهدوا له بالإيمان"، فالخدمة بالمسجد تعمير له، قال الله تعالى في سورة التوبة: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ الآية [التوبة: ١٨].
قال صاحب (الكشاف): عمارتها: كنسها وتنظيفها وتنويرها بالمصابيح وتعظيمها بما ينبغي لها، كذا قاله ابن الملك في باب المساجد في (شرح المصابيح)، فإن قيل: لم أشار المصنف بذلك إلى المسجد؟ أجيب: إشعارًا ببعديته عن أيدي المشركين، كما قال تعالى في سورة التوبة: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨]، أو إعلامًا بأنه ذو شرف وكرامة عند الله تعالى، فإنه أسنده إلى نفسه (ق ٢٧٧) فقال: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ الآية [التوبة: ١٨] , أو تشبيهًا بحاله بشيء في مكان بعيد هو من قبيل تشبيه العقول بالمحسوس.
فيجب على المؤمنين أن يطهروه عما يستكره طبعًا وشريعة من الرائحة الكريهة، وكلام الدنيا.
стр. 529
٢٨١ - أخبرنا مالك، حدثنا نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ ، رأى بصاقًا في قبلة المسجد، فَحكّهُ، ثم أقبل على الناس فقال: "إذا كان أحدكم يصلي فلا يبصق قِبَل وجهه، فإن الله قِبَل وجهه إذا صلى".
قال محمد: ينبغي أن لا يبصق تِلْقاء وجهه، ولا عن يمينه ولا عن يساره، وليبصق تحت رجله اليسرى.
• أخبرنا مالك، في نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة أخرى: محمد قال: أخبرنا، حدثنا وفي نسخة: عن نافع، أي: المدني، مولى ابن عمر عن ابن عمر، ﵄، أنه قال: أن رسول الله ﷺ ، رأى بصاقًا بضم الصاد المهملة والقاف، وفي لغة بالزاي المعجمة في موضع الصاد، وفي لغة أخرى بالسين، وهو ضعيف، وهو ما يسيل من الفم. وقال السيوطي: البزاق: ماء الفم، والمخاط ماء الأنف، والنخامة ماء يخرج من الحلقوم، في قبلة المسجد، أي: في جدار المسجد من جهة القبلة، فَحكّهُ، أي: بيده لما رآه من الكراهة الموجودة في جدارها، ثم أقبل على الناس بوجهه الكريم على وجه الوعظ والنصيحة، فقال: "إذا كان أحدكم يصلي فلا يبصق بضم الصاد، وسكون القاف، نهي غائب، أي: فلا يلق بزاقه قِبَل بكسر القاف، وفتح الموحدة، أي: قدام وجهه.
قال سعيد بن زيد الباجي المالكي: خص بذلك حال الصلاة لفضيلة تلك الحال؛ ولأنه يكون حينئذٍ مستقبل القبلة، فلا يبزق من جهة القبلة مطلقًا، سواء كان في جدار المسجد أو في الصحراء، احترامًا لها؛ فإن الله قِبَل وجهه إذا صلى"، فيه مضاف محذوف تقديره فإن قبلة الله تعالى قدام وجهه حين صلى، كما قال تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥]، أي: قبلة الله.
قال ابن عبد البر: هو كلام خرج عن التعظيم لشأن القبلة، وقد نزع من ظاهر هذا الحديث بعض المعتزلة القائلين أن الله تعالى في مكان، هو جهل واضح في الحديث أن
стр. 530
يبزق تحت قدمه، وفيه نقض ما أصلوه، وفيه رد (١) على من زعم أنه على العرش بذاته، ومهما تأوله به جاز أن يتأول به ذاك، وهذا التعليل يدل على حرمة البزاق في القبلة، سواء كان في المسجد أو لا، لا سيما من المصلي، فلا يجري فيه الخلاف في أن كراهة البزاق في المسجد هل هي للتنزيه أو للتحريم.
وفي صحيحي ابن خزيمة وابن حبان عن ابن عمر ﵄ مرفوعًا: "يُبعث صاحب النخامة في القبلة يوم القيامة وهي في وجهه"، كذا قاله الزرقاني.
قال محمد: ينبغي له أي: للمصلي أن لا يبصق تِلْقاء وجهه، احترامًا لربه وقبلته، ولا عن يمينه أي: تعظيمًا لكاتب الحسنات، ولا عن يساره، تكريمًا لكاتب سيئاته، ولأنه ربما يكون أحد في أخرى جهاته، وليبصق تحت رجله اليسرى، أي: إذا كان تحت رجله شيء من ثيابه، وإلا فيكره فوق أرض المسجد، وكذا فوق حصيره، وقد ورد عنه ﷺ : "إذا تنخم أحدكم وهو في المسجد فليغيب نخامته لئلا يصيب جلد مؤمن أو ثوبه فتؤذيه" (٢) رواه أحمد وأبو يعلى، والبيهقي عن سعد، كذا قاله علي القاري (ق ٢٧٨).
لما فرغ من بيان حكم النخامة في المسجد وما يُكره فيه، شرع في بيان عرق الجنب والحائض، فقال: هذا
* * *
باب الجنب والحائض يعرقان في الثوب
في بيان حكم عرق الجنب والحائض وهما يعرقان، أي: يصبان عرقهما، وهو بفتح التحتية وسكون العين المهملة، وفتح الراء المهملة والقاف، وبعده ألف ونون مضارع من باب علم ومصدره عرق بفتحتين، وهو ماء يخرج به لترشيح من جلد الحيوان بسبب حرارة