← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 127713

المهيأ في كشف أسرار الموطأ

عثمان الكماخي

Полный текст (1 812 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

• بلغنا عن عمار بن ياسر، أنه أغمي عليه أربع صلوات ثم أفاق، فقضاها. قال محمد: أخبرنا بذلك أبو معشر المَدِيني، هو نجيح بن عبد الرحمن السندي بكسر السين المهملة، وسكون النون، وكسر الدال، والياء التحتية، مولى بني هاشم، مشهور بكنيته، ضعيف، كان في الطبقة السادسة من طبقات التابعين، من المدينة، مات سنة سبعين ومائة، ويقال: عبد الرحمن بن الوليد بن هلال، كذا قاله ابن حجر، عن بعض أصحابه، أي: أصحاب عمار ﵁، وروى الدارقطني عن يزيد مولى عمار بن ياسر أغمي عليه في الظهر والعصر والمغرب والعشاء، وأفاق نصف الليل فقضاهن (١)، وفيه تغليب فإن العشاء وقع في آخر وقتها أداءً لا قضاءً. وقال مالك والشافعي: من أغمي عليه بمرض أو سبب مباح سقط عنه قضاء ما كان في حال إغمائه من الصلاة على الإِطلاق، وقال أحمد: الإِغماء يمنع وجوب القضاء بحال، كما قاله علي القاري. لما فرغ من بيان حكم صلاة المغمى عليه، شرع في بيان حكم صلاة المريض، فقال: هذا * * * باب صلاة المريض في بيان حكم صلاة المريض، والمناسبة بين هذا الباب وذاك الباب الآفات السماوية، فإضافة صلاة إلى المريض من إضافة الفعل إلى الفاعل، والمرض حالة للبدن خارجة على مجرى الطبيعة، وإذا تعبر على المريض كل القياس بأن لا يقوم أصلًا لا بقوة نفسه، ولا بالاعتماد على شيء أو تعسر عليه كل القيام بوجود ألم شديد أو خاف زيادة المرض، أو بطئه بسبب القيام، صلى قاعدًا بركوع وسجود. كما روى الجماعة إلا مسلمًا عن عمران بن حصين ﵁ أنه قال: كانت بي بواسير، فسألتُ النبي ﷺ عن الصلاة، فقال: "صل قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا؛ فإن لم

стр. 527

تستطع فعلى جنبك"، زاد النسائي: "فإن لم تستطع فمستلقيًا"، قال الله تعالى في سورة آل عمران: (ق ٢٧٦) ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٩١]، كذا في (سلم الفلاح شرح مذنب نور الإِيضاح). ٢٨٠ - أخبرنا مالك، حدثنا نافع، أن عمر قال: إذا لم يستطع المريض السجود أومأ برأسه. قال محمد: وبهذا نأخذ، ولا ينبغي له السجود على عودٍ، ولا شيء يرفعه إليه، ويجعل سجوده أخفض من ركوعه، وهو قولُ أبي حنيفة. • أخبرنا مالك, وفي نسخة: ثنا، وفي نسخة أخرى: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا وفي نسخة: عن نافع، عن ابن عمر أنه قال: إذا لم يستطع المريض السجود أومأ أي: أشار إلى السجود برأسه. قال محمد: وبهذا أي: بقول ابن عمر نأخذ، أي: نعمل ونفتي، ولا ينبغي له أي: للمريض أن يسجد على عودٍ، أي: بأن يرفع إلى وجهه لوحًا يسجد عليه، ولا على شيء يرفعه إليه، كوسادة ونحوها، ويجعل سجوده أي: وينبغي للمولى أن يجعل إشارته برأسه إلى سجوده أخفض أي: أسفل من إشارته إلى ركوعه؛ لأن ركنيه القيام للتوسل به إلى السجدة، لما فيها نهاية التعظيم، وإذا لم يقدر السجود لا يكون ركنًا فيخير في الإِشارة إلى الركوع والسجود، وإن لم يخفض إيمائه إلى السجود من الركوع لا تصح صلاته، كذا قاله الشرنبلالي في (نور الإِيضاح). وهو أي: ما اختاره ابن عمر، قولُ أبي حنيفة، وهذا الحديث موقوف حقيقة ومرفوع حكمًا، لما روى البزار في مسنده عن جابر ﵁، والطبراني في (معجمه)، عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ عاد مريضًا فرآه يصلي على وسادة، فأخذها ورمى بها، فأخذ عودًا ليصلي عليه، فأخذه فرمى فقال: "صل على الأرض إذا استطعت، وإلا فأومئ إيماءً واجعل سجودك أخفض من ركوعك"، كذا قاله علي القاري.

стр. 528

لما فرغ من بيان حكم صلاة المريض شرع في بيان فضيلة تطهير المسجد عن المستكره مطلقًا، فقال: هذا * * * باب النخامة في المسجد وما يكره من ذلك في بيان فضيلة تطهير المسجد عن النخامة، أي: وجدت في المسجد، أي: في جنس المسجد سواء كان مسجد الحرام أو مسجد الأقصى أو غيرهما، في بلاد الإِسلام، وهي أي النخامة، بضم النون، وفتح الخاء المعجمة والألف والميم والتاء، ما يخرج من الخيشوم والحلقوم، كذا في (المغرب). وما يُكره أي: وبيان فضيلة تطهيره عما يستكره من ذلك، أي: في المسجد، فمن هنا بمعنى في، كما قال تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ [الجمعة: ٩]. عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من يتعاهد المسجد - أي: يخدمه بالكنس والتنظيف - فاشهدوا له بالإيمان"، فالخدمة بالمسجد تعمير له، قال الله تعالى في سورة التوبة: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ الآية [التوبة: ١٨]. قال صاحب (الكشاف): عمارتها: كنسها وتنظيفها وتنويرها بالمصابيح وتعظيمها بما ينبغي لها، كذا قاله ابن الملك في باب المساجد في (شرح المصابيح)، فإن قيل: لم أشار المصنف بذلك إلى المسجد؟ أجيب: إشعارًا ببعديته عن أيدي المشركين، كما قال تعالى في سورة التوبة: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨]، أو إعلامًا بأنه ذو شرف وكرامة عند الله تعالى، فإنه أسنده إلى نفسه (ق ٢٧٧) فقال: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ الآية [التوبة: ١٨] , أو تشبيهًا بحاله بشيء في مكان بعيد هو من قبيل تشبيه العقول بالمحسوس. فيجب على المؤمنين أن يطهروه عما يستكره طبعًا وشريعة من الرائحة الكريهة، وكلام الدنيا.

стр. 529

٢٨١ - أخبرنا مالك، حدثنا نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ ، رأى بصاقًا في قبلة المسجد، فَحكّهُ، ثم أقبل على الناس فقال: "إذا كان أحدكم يصلي فلا يبصق قِبَل وجهه، فإن الله قِبَل وجهه إذا صلى". قال محمد: ينبغي أن لا يبصق تِلْقاء وجهه، ولا عن يمينه ولا عن يساره، وليبصق تحت رجله اليسرى. • أخبرنا مالك، في نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة أخرى: محمد قال: أخبرنا، حدثنا وفي نسخة: عن نافع، أي: المدني، مولى ابن عمر عن ابن عمر، ﵄، أنه قال: أن رسول الله ﷺ ، رأى بصاقًا بضم الصاد المهملة والقاف، وفي لغة بالزاي المعجمة في موضع الصاد، وفي لغة أخرى بالسين، وهو ضعيف، وهو ما يسيل من الفم. وقال السيوطي: البزاق: ماء الفم، والمخاط ماء الأنف، والنخامة ماء يخرج من الحلقوم، في قبلة المسجد، أي: في جدار المسجد من جهة القبلة، فَحكّهُ، أي: بيده لما رآه من الكراهة الموجودة في جدارها، ثم أقبل على الناس بوجهه الكريم على وجه الوعظ والنصيحة، فقال: "إذا كان أحدكم يصلي فلا يبصق بضم الصاد، وسكون القاف، نهي غائب، أي: فلا يلق بزاقه قِبَل بكسر القاف، وفتح الموحدة، أي: قدام وجهه. قال سعيد بن زيد الباجي المالكي: خص بذلك حال الصلاة لفضيلة تلك الحال؛ ولأنه يكون حينئذٍ مستقبل القبلة، فلا يبزق من جهة القبلة مطلقًا، سواء كان في جدار المسجد أو في الصحراء، احترامًا لها؛ فإن الله قِبَل وجهه إذا صلى"، فيه مضاف محذوف تقديره فإن قبلة الله تعالى قدام وجهه حين صلى، كما قال تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥]، أي: قبلة الله. قال ابن عبد البر: هو كلام خرج عن التعظيم لشأن القبلة، وقد نزع من ظاهر هذا الحديث بعض المعتزلة القائلين أن الله تعالى في مكان، هو جهل واضح في الحديث أن

стр. 530

يبزق تحت قدمه، وفيه نقض ما أصلوه، وفيه رد (١) على من زعم أنه على العرش بذاته، ومهما تأوله به جاز أن يتأول به ذاك، وهذا التعليل يدل على حرمة البزاق في القبلة، سواء كان في المسجد أو لا، لا سيما من المصلي، فلا يجري فيه الخلاف في أن كراهة البزاق في المسجد هل هي للتنزيه أو للتحريم. وفي صحيحي ابن خزيمة وابن حبان عن ابن عمر ﵄ مرفوعًا: "يُبعث صاحب النخامة في القبلة يوم القيامة وهي في وجهه"، كذا قاله الزرقاني. قال محمد: ينبغي له أي: للمصلي أن لا يبصق تِلْقاء وجهه، احترامًا لربه وقبلته، ولا عن يمينه أي: تعظيمًا لكاتب الحسنات، ولا عن يساره، تكريمًا لكاتب سيئاته، ولأنه ربما يكون أحد في أخرى جهاته، وليبصق تحت رجله اليسرى، أي: إذا كان تحت رجله شيء من ثيابه، وإلا فيكره فوق أرض المسجد، وكذا فوق حصيره، وقد ورد عنه ﷺ : "إذا تنخم أحدكم وهو في المسجد فليغيب نخامته لئلا يصيب جلد مؤمن أو ثوبه فتؤذيه" (٢) رواه أحمد وأبو يعلى، والبيهقي عن سعد، كذا قاله علي القاري (ق ٢٧٨). لما فرغ من بيان حكم النخامة في المسجد وما يُكره فيه، شرع في بيان عرق الجنب والحائض، فقال: هذا * * * باب الجنب والحائض يعرقان في الثوب في بيان حكم عرق الجنب والحائض وهما يعرقان، أي: يصبان عرقهما، وهو بفتح التحتية وسكون العين المهملة، وفتح الراء المهملة والقاف، وبعده ألف ونون مضارع من باب علم ومصدره عرق بفتحتين، وهو ماء يخرج به لترشيح من جلد الحيوان بسبب حرارة

стр. 531

شديدة، يعني الرجل الجنب والحائض يصب عرقهما في ثوب، وهو أي باب مصدر إذ أصله بوب بفتح الباء وسكون الواو بعدها موحدة من باب نصر، فقلبت الواو ألف لسكونها أو انفتاح ما قبلها، فصار بابًا وهو في اللغة المنع، وهو مبني للفاعل، فيكون بمعنى المانع، وإنما جاء به ليمنع دخول حكم ما قبله في حكم ما بعده، كما يمنع بواب دار السلطان من دخول الأجانب فيها، وهو إما ساكن أو منون، فإن كان ساكنًا فلا حظ له في الإِعراب؛ لأن الإِعراب مستحق بعد التركيب، فلا تركيب حينئذ، وإن كان منونًا فهو مرفوع على أنه خبر لمبتدأ محذوف كما قدرناه، أو مبتدأ على أنه علم جنس وخبره محذوف، كما قاله أكمل الدين محمد بن أحمد الخباري في (معراج الدراية على الهداية) ونوح أفندي في (حاشية الدرر)، والمناسبة بين هذا الباب والباب السابق تنفر فإن النخامة والعرق ينفر منهما طبع سليم؛ لأن من عرق النبي ﷺ فإن منه الورد الأحمر، كما قاله ﷺ : "من أراد أن يشم رائحتي فليشم الورد الأحمر"، كذا نقله النووي في (كنوز الحقائق) عن (مسند الفردوس) للديلمي. ٢٨٢ - أخبرنا مالك، حدثنا نافع، عن ابن عمر، أنه كان يعرق في الثوب وهو جُنُبٌ، ثم يصلي فيه. قال محمد: وبهذا نأخذ، لا بأس به ما لم يصب الثوب من المنيّ شيء، وهو قولُ أبي حنيفة. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، حدثنا وفي نسخة: عن نافع، أي: المدني التابعي، مولى عبد الله بن عمر، عن أبن عمر، ﵄، أنه كان يعرق بفتح التحتية وسكون العين المهملة، ثم راء مهملة مفتوحة وقاف بعدها مضارع من باب علم، أي: يصب عرق جلده بالترشيح في الثوب أي: الذي لابسه وهو أي: والحال أن ابن عمر جُنُبٌ، ثم أي: بعد الاغتسال يصلي فيه، أي: في الثوب الذي أصابه عرقه قبل غسله. أخبرنا نافع عن صلاة ابن عمر بصيغة المضارع، وهو خلاف مقتضى الظاهر،

стр. 532

وينبغي أن يخبر عن صلاته بأن يقول: ثم صلى فيه وعدل عنه حكاية بحال الماضية، وفسرها صاحب (الكشاف) بأن تقدر أن ذلك الفعل القاضي واقع في حال المتكلم واستحضارًا بتلك الحالة الماضية عند المخاطبين، واسترارًا في قلوب السامعين، بأن ابن عمر صلى في الثوب الذي أصابه عرقه في حالة الجنابة قبل غسله؛ لأن عرق بني آدم طاهر بالاتفاق، لا فرق بين الصغير والكبير، والمسلم والكافر، والجنب والحائض، وكذا سؤرهم طاهر؛ لأن عرقهم وبصاقهم متولدان من لحمهم ولحومهم طاهرة، ولكن لا تؤكل لكراهتهم لا لخبثهم، حتى لو سال عرق المؤمن وأصاب ثوبه وبدنه أكثر من قدر الدرهم (ق ٢٧٩) لا يمنع جواز صلاته، كذا قاله الشرنبلالي في (مراقي الفلاح). وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ لقيه في بعض طرق المدينة وهو جنب، فانخنس منه، فذهب واغتسل، ثم جاء فقال: "أين كنت يا أبا هريرة؟ " قال: كنتُ جنبًا، فكرهت أن أجالسك، وأنا على غير طهارة، فقال: "سبحان الله، إن المؤمن لا ينجس" (١)، وتمسك بمفهومه بعض أهل الظاهر فقال: إن الكافر نجس العين، وقواه بقوله تعالى في سورة التوبة: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨]، وأجاب الجمهور عن الحديث بأن المراد أن المؤمن طاهر الأعضاء، لاعتياده مجانبة النجاسة بخلاف المشرك لعدم تحفظه عنها، وعن الآية بأن المراد أنهم نجس في الاعتقاد والاستقذار؛ ولأنه يجب اجتنابهم كالنجاسة، أو لأنهم لا يتطهرون ولا يجتنبون عن النجاسة ملابسون لها غالبًا، وحجة الجمهور أن الله تعالى أباح نساء أهل الكتاب، ومعلوم أن عرقهن لا يأمن منه من يضاجعهن، ومع ذلك فلم يجب عليه من الغسل من الكتابية إلا بمثل ما يجب عليه من المسلمة، فدل على أن الآدمي الحي، ليس بنجس العين، ولا فرق بين النساء والرجال، كذا قاله الزرقاني (٢). قال محمد: وبهذا أي: بخبر نافع عن فعل ابن عمر نأخذ، أي: نعمل ونفتي بأنه لا بأس به أي: لا يمنع صحة صلاة المؤمن في ثوب أصاب به عرقه في حال الجنابة، وصلى فيه قبل غسله، ما لم يصب الثوب من المنيّ أي: ونحوه من المذي والدم وغيرهما

стр. 533

شيء، أي: من النجاسات، وهو أي: جواز الصلاة في ثوب أصابه عرق الجنب أكثر من قدر الدرهم قولُ أبي حنيفة، ﵀. لما فرغ من بيان حكم عرق الجنب والحائض، شرع في بيان أمر القبلة، فقال: هذا * * * باب بدء أمر القبلة وما نسخ من قبلة بيت المقدس في بيان بدء أي ابتداء أمر القبلة أي: حالها، كما قال صاحب (الجوهري): الأمر بفتح الهمزة وسكون الميم، وبعدها راء مهملة، بمعنى الحال، يقال: أمر فلان مستقيم، وإضافته إليها بمعنى اللام، من قبيل إضافة الصفة إلى موصوفها، وما أي: وبيان حكم نسخ بصيغة المجهول، أي: بدل الله ذلك، والحكم إلى حكم آخر، وهو في اللغة التبديل، قال تعالى في سورة النحل: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ﴾ [النحل: ١٠١]، ومعناه أن يزول شيء فيخلفه غيره، وفي الشرع بيان انتهاء الحكم الشرعي الذي كان معلومًا عند الله تعالى، كذا قاله عبد الرحمن بن خرشة في (شرح المنار) لأحمد بن محمود النسفي، من قبلة بيت المقدس، بيان بما نسخ، وهو بضم الميم وفتح القاف والدال المفتوحة المشدودة وبعدها سين مهملة، اسم مفعول أو مكان، فمعناه المطهر عن الدنس الحسي والمعنوي، كذا قاله شهاب الدين في حاشية تفسير قوله تعالى في سورة طه: ﴿بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾ [طه: ١٢] انتهى. والمناسبة بين هذا الباب والباب السابق أمر سماوي، وأخذ هذه الترجمة من قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿قَدْ نَرَى (ق ٢٨٠) تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ الآية [البقرة: ١٤٤]. وذلك أن رسول الله ﷺ وأصحابه كانوا يصلون بمكة إلى القبلة، فلما هاجر إلى المدينة أمره الله أن يصلي نحو صخرة بيت المقدس، ليكون أقرب إلى تصديق اليهود إياه إذا صلى إلى قبلتهم مع ما يجدون من نعته، فصلى بعد الهجرة ستة عشر أو سبعة عشر شهرًا إلى بيت المقدس، وكان يحب أن يوجه إلى الكعبة، لأنها كانت قبلة أبيه إبراهيم صلوات الله على نبينا وعليه، فنزل قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ الآية [البقرة: ١٤٤].

стр. 534

٢٨٣ - أخبرنا مالك, أخبرنا عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر، قال: بينما الناس بقُباء في صلاة الصبح إذ أتاهم رجل، فقال: إن رسول الله ﷺ ، قد أُنْزِلَ عليه الليلة قرآن، وقد أُمِرَ أن يستقبل الكعبة، فاسْتَقْبَلُوها، قال: وكانت وجوههم إلى الشام، فاستداروا إلى الكعبة. قال محمد: وبهذا نأخذ فيمن أخطأ القبلة؛ حتى صلى ركعة أو ركعتين، ثم علم أنه يصلي إلى غير القبلة، فلينحرف إلى القبلة فيصلي ما بقى، ويَعْتَدّ بما مضى، وهو قولُ أبي حنيفة. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، أخبرنا عبد الله بن دينار، أي: مولى عمر، يكنى أبا عبد الرحمن المدني، ثقة، كان في الطبقة الرابعة من أهل المدينة، تابعي، مات سنة سبع وعشرين من الهجرة، عن عبد الله بن عمر، ﵄، أنه قال: بينما ظرف لتوسطه في زمان أو مكان حذف المضاف إليه، وإذا قصد إضافة بين إلى أوقات مضافة إلى جملة حذف الأوقات وعوض عنها الألف، أو "ما" فيقال: بينا أو بينما منصوب المحل، والعامل فيه معنى المفاجآت التي تضمنه، إذ في قوله: إذ أتاهم رجل، كذا قاله ابن الملك في شرح حديث عمر بن الخطاب، من أول المصابيح الناس أي: من أهل قباء ومن منهم بقباء أي: بمسجد قباء، بضم القاف، وبموحدة موضع معروف خارج المدينة، ثلاثة أميال إليها، ويجوز فيها التذكير والتأنيث والصرف وعدم الصرف، والمد والقصر، في صلاة الصبح، وفي نسخة: بقباء بعد صلاة الصبح، ولمسلم في صلاة الغداة، وهو أحد أسمائها، وكره بعضهم تسميتها به، إذ أتاهم رجل أي: بين أوقات فأجاء إلى أهل قباء رجل، وهو عباد بن بشر كما رواه ابن منده وغيره. قال الحافظ: وهذا لا يخالف حديث البراء في الصحيحين أنهم كانوا في صلاة العصر؛ لأن الخبر وصل وقت العصر إلى من هو داخل المدينة، وهم بنو حارثة، فقال: أي: رجل جاء لأهل قباء: إن رسول الله ﷺ ، قد أُنْزِلَ عليه الليلة أي: في هذه الليلة

стр. 535

قرآن، بالتنكير لإِرادة البعضية، فالمراد به قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ الآية [البقرة: ١٤٤]، وفيه إطلاق الليلة على بعض اليوم الماضي وما يليه مجازًا، وقال سعيد بن زيد الباجي المالكي: أضاف النزول إلى الليلة على ما بلغه، ولعله لم يعلم بنزوله قبل ذلك، أو لعله ﷺ أمر باستقبال الكعبة بالوحي، ثم أنزل عليه القرآن بالليلة، وقد أمِرَ بضم الهمزة مبني للمجهول، أن يستقبل أي: بأن يستقبل بكسر الباء القبلة، أي: الكعبة، كما في (الموطأ) لمالك، فاسْتَقْبَلُوها، بفتح الباء الموحدة، أي: توجهوا نحو الكعبة، وبكسرها على أمر لأهل قباء، كذا لعبد الله بن يحيى، وكانت وجوههم إلى الشام، أي: نحو بيت المقدس، فاستداروا أي: أهل قباء إلى جانب الكعبة. وروى (ق ٢٨١) البخاري (١) عن البراء بن عازب أن النبي ﷺ أول صلاة صلاها صلاة العصر بعد التحويل، فصلى معه قوم فخرج رجل ممن صلى معه، فمر على أهل مسجد قباء، وهم راكعون، فقال: أشهد بالله لقد صليتُ مع رسول الله ﷺ قِبَل مكة، فداروا كما هم قِبَلَ البيت، كذا قاله الزرقاني وعلي القاري. قال محمد: وبهذا أي: بمدلول الحديث، نأخذ أي: نعمل ونُفتي فيمن أي: في حق المصلي أخطأ القبلة؛ أي: بعد تحريمها حتى صلى ركعة أو ركعتين، وكذا إذا صلى ثلاثًا، والصلاة رباعية، ثم أي: بعد ما صلى ركعة أو ركعتين علم أنه أي: المصلي على التحري يصلي إلى غير القبلة، فلينحرف إلى القبلة فيصلي ما بقى، أي: من عدد ركعات صلواته، ويَعْتَدّ بما مضى، أي: ولا يحتاج إلى استئناف الصلاة حتى يجوز أن يقع أربع ركعات في أربع جهات، وهو أي: انحراف المصلي إلى القبلة بعد علمه الخطأ في القبلة، قولُ أبي حنيفة، ﵀؛ لأن تبدل الاجتهاد بمنزلة النسخ. لما فرغ من بيان حكم أمر القبلة ونسخ قبلة بيت المقدس، شرع في بيان حال الرجل يصلي بالقوم وهو جنب، أو على غير وضوء، فقال: هذا * * *

стр. 536

باب الرجل يصلي بالقوم وهو جنب أو على غير وضوء بالتنوين أو بالسكون، وعلى الثاني فلا حظ له من الإِعراب، وعلى الأول فهو مرفوع على أنه خبر لمبتدأ محذوف، كما قدرناه، أو مبتدأ على أنه علم جنس، وخبره محذوف، تقديره كائن في بيان حال الرجل يصلي بالقوم، أي يؤم الناس، وهو أي: والحال أنه جنب، قوله: أو على غير وضوء، من قبيل عطف الماضي على العام، فإن الخيار شاملة على عدم الوضوء، إنما قدم الجنب على غير الوضوء اهتمامًا لشأنه. والمناسبة بين هذا الباب والسابق تبديل الفاسد بالصحيح. ٢٨٤ - أخبرنا مالك، حدثنا إسماعيل بن أبي حكيم، أن سليمان بن يَسار أخبره، أن عمر بن الخطاب صلى الصبح ثم ركب إلى الجُرُفِ، فجاء بعد ما طلعت الشمس، فرأى في ثوبه احْتِلَامًا، فقال: لقد احتلمت وما شعرت، ولقد سُلِّط علىّ الاحْتِلام منذ وليت أمر الناس، ثم غسل ما رأى في ثوبه ونضحه، ثم اغتسل، ثم قام فصلى الصبح بعد ما طلعت الشمس. قال محمد: وبهذا نأخذ، ونرى أن من علم ذلك ممن صلى خلف عمر، فعليه أن يُعيد الصلاة، كما أعادها عمر؛ لأن الإِمام إذا فسدت صلاته فسدت صلاة من خلفه، وهو قولُ أبي حنيفة. • أخبرنا مالك، أي: ابن أنس بن عمير بن أبي عامر الأصبحي، الإِمام، من كبار أتباع التابعين، في الطبقة السابعة من أهل المدينة، وفي نسخة: محمد قال: بنا، رمزًا إلى أخبرنا، حدثنا إسماعيل بن أبي حكيم، أي: القرشي، مولاهم، المدني، ثقة في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين، مات سنة ثلاثين ومائة من الهجرة، أن سليمان بن يَسار أي: الهلالي المدني، مولى ميمونة زوج النبي ﷺ ، وقيل: مولى أم سلمة ﵂، ثقة فاضل، أحد الفقهاء السبعة من كبار التابعين، ومن الطبقة الثالثة، مات بعد المائة أو قبلها من الهجرة، أخبره أن عمر بن الخطاب ﵁ صلى الصبح أم قومًا في صلاة الفجر

стр. 537

والظاهر أنه في مسجد المدينة، ثم ركب أي: ذهب إلى أرض الجُرُفِ، بضم الجيم والراء المهملة والفاء، قال الرافعي: هي موضع على ثلاثة أميال من جهة الشام، ثم جاء بعد ما ذهب إلى الجرف طلعت الشمس، فرأى في ثوبه احْتِلَامًا، أي: أثره في ثوبه من المني، فقال: لقد احتلمت وما شعرت، بضم العين، أى: ما علمت، أخرج عمر كلامه عن مقتضى ظاهره، حيث أتاه بلام القسم، ولا يقتضيها، ونزل المخاطبين المأمومين منزلة المنكرين مع أنهم مقتدون به في أفعاله وأقواله كأنهم أنكروا الاحتلام عن عمر؛ لأن له زوج، فأخبر عمر (ق ٢٨٢) عن حال نفسه بلام القسم تقوية للحكم وأكد تقويته: ولقد سُلِّط بضم وتشديد لام مكسورة، أي: أقسم الله، غَلَبَ وَكَثرُ علىّ الاحْتِلام منذ وليت بضم الواو وكسر لام مشددة أمر الناس، قيل: يحتمل أن شغله بأمورهم واهتمامه بهم صرفه عن اشتغاله بالنساء فكثر عليه الاحتلام، ثم أي: بعد ما أخبر عن حاله، غسل ما رأى في ثوبه أي: من المني ونضحه أي: مسحه ثم اغتسل، ثم قام فصلى الصبح أي: قضاه بعد ما طلعت الشمس. قال محمد: وبهذا أي: بقول عمر بن الخطاب ﵁ نأخذ، أي: نعمل ونفتي، ونرى أي: نختار أن من عِلم ذلك أي: ما وقع لعمر من الاحتلام وصلاته بلا غسل، فمن صلى خلف عمر، فعليه أن يُعيد الصلاة، كما أعادها عمر، لأن الإِمام إذا فسدت صلاته فسدت صلاة من خلفه، وهو قولُ أبي حنيفة، ﵀، خلافًا لمالك والشافعي؛ حيث قالا: إن صلاة المأموم صحيحة، إذا لم يعلم من أول الوهلة أنه على غير طهارة، والله أعلم. لما فرغ من بيان حكم حال الرجل يصلي بالقوم، وهو جنب أو غير وضوء، شرع في بيان حكم حال الرجل يركع دون الصف أو يقرأ في ركوعه، فقال: هذا * * * باب الرجل يركع دون الصف أو يقرأ في ركوعه في بيان حكم حال الرجل وهو يركع دون الصف، أي: في قرب الصف، قال بعض أهل اللغة: لفظ دون بضم الدال المهملة وسكون الواو والنون، استعمل بمعنى القرب مشتق من دان يدون دونًا وداين إدانة، كذا قاله محمد الواني، أو يقرأ في ركوعه

стр. 538

عطف على يركع من عطف الجملة الخبرية على مثلها، وإنما عطفها بأو إشعارًا بإفادة حصول مضمون أحد الجملتين، وذكر صاحب (التقويم) وجماعة من النحويين أن كلمة "أو" موضوعة في الخبر للشك، فإذا قلت: رأيت زيدًا أو عمرًا أخبرت عن رؤية كل منهما على سبيل الشك، وإنك لم تراهما جميعًا، وإنما رأيت أحدهما، كذا قاله عبد الرحمن بن فرشة في (شرح المنار)، وكذلك الحال هنا، وهو: أي المصلي إما يركع خلف الصف، وإما يقرأ في ركوعه، ولا يفعل كليهما جميعًا، بل الأحسن أن يفعلها جميعًا، اقتبس الإِمام محمد هذه الترجمة، جملة يركع دون الصف من رواية الحسن البصري أن أبا بكر ﵁ ركع دون الصف، وجملة يقرأ في ركوعه من رواية علي بن أبي طالب ﵁ أن رسول الله ﷺ نهانا عن لبس القسي، وعن لبس المعصفر، وعن التختم بالذهب، وعن القراءة في الركوع. ٢٨٥ - أخبرنا مالك، أخبرني ابن شهاب الزُّهري، عن أبي أمَامَة بن سهل بن حُنَيْف أنه قال: دخل زيد بن ثابت فوجد الناس رُكوعًا فركع، ثم دَب حتى وصل الصفّ. قال محمد: هذا يُجْزِئ، وأحب إلينا أن لا يركع حتى يصل إلى الصفِّ، وهو قولُ أبي حنيفة. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، أخبرنا، وفي نسخة: أخبرني بالإِفراد ابن شهاب أي: محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، يكنى أبا بكر، تابعي في الطبقة الرابعة من أهل المدينة، عن أبي أمَامَة بن سهل بن حُنَيْف بالتصغير، اسمه أسعد، وقيل: سعد، أنه قال: دخل أي: المسجد زيد بن (ق ٢٨٣) ثابت ﵁، وهو من أكابر الصحابة وفضلائهم، فوجد الناس أي: الإِمام والقوم رُكوعًا أي: في الركوع أو راكعين، فركع أي: بعد التحريم قائمًا ثم دَبّ بفتح الدال وتشديد الباء الموحدة، أي: مشى على هنيته حتى وصل الصفّ.

стр. 539

قال محمد: هذا يُجْزِئ، أي: يكفي في الأداء لكن شرط أن لا يقع ثلاث خطوات متواليات في ركن من أركان الصلاة، كذا ذكره بعضهم. وفي (الخلاصة): إذا مشى في صلاته، إن كان قدر صف واحد لا يفسد الصلاة، وإن كان قدر صفين بدفعة واحدة تفسد، ولو مشى إلى الصف ووقف ثم إلى صف آخر ووقف، ثم وثم لا تفسد صلاته، وفي (الظهيرية)، والمختار أنه إذا أكثر تفسد، وأحب إلينا أن لا يركع أي: بل يؤخر إحرامه حتى يصل إلى الصفِّ، وهو قولُ أبي حنيفة، ﵀. * * * ٢٨٦ - قال محمد: حدثنا المُبَارك بن فضَالَة، عن الحسن أن أبا بكْرَة ركع دون الصفّ، ثم مَشَى حتى وصل الصفّ، فلما قَضَى صلاته ذَكَرَ ذلك لرسول الله ﷺ ، فقال له رسول الله ﷺ : "زَادكَ الله حِرْصًا ولا تَعُدْ". قال محمد: هكذا نقول، وهو يُجْزِئ، وأحب إلينا أن لا يفعل. • قال محمد: حدثنا المُبَارك وفي نسخة: ابن المبارك بن فضَالَة، بفتح الفاء، عن الحسن أي: البصري، وهو أي ابن المبارك، عبد الله بن المبارك، يكنى أبا عبد الرحمن، كان أبوه عبدًا تركيًا، وأمه خوارزمية، وكان ابن المبارك من علماء أهل خراسان، تابعيًا. وقال الحسن البصري، صحبته من خراسان إلى بغداد ما رأيته أكل وحده، وكان يكثر الجلوس في بيته، فقيل له: ألا تستوحش؟ فقال: كيف أستوحش وأنا مع النبي ﷺ ، وقيل له: إذا صليت معنا لم تجلس معنا؟ قال: أذهب أجلس مع الصحابة والتابعين، قيل له: ومن أين؟ قال: أنظر في علمي فأدرك آثارهم وأعمالهم، ما أصنع معكم وأنت تغتابون الناس. وقال: كن محبًا للخمول كراهية الشهرة، وهو أي الخمول ضد الشهرة، ولا تظهر من نفسك أنك تحب الخمول، أي العزلة عن الناس فترفع نفسك، فإن دَعْوَكَ الزهد من نفسك هو خروجك من الزهد، ولا تكن تجر إلى نفسك الثناء والمدح.

стр. 540

وقدم هارون الرشيد الرقة فاجتمع الناس خلف عبد الله بن المبارك، وتقطعت النعال وارتفعت الغبرة، وأشرفت أم ولد لهارون الرشيد من "تبرج" فصرخت فقالت: ما هذا؟ قالوا: عالم من أهل خراسان قدم الرقة، يقال له: عبد الله بن المبارك، فقالت: هذا والله الملك، لا ملك هارون الرشيد الذي لا يجمع الناس إلا بشرط وأعوان. وأتى زمزم فاستقى ثم استقبل الكعبة، فقال: اللهم إن ابن أبي الموال، حدثنا عن محمد بن المنكدر عن جابر عن النبي ﷺ أنه قال: "ماء زمزم لما شُرِبَ له"، وهذا أشربه لعطش يوم القيامة، ثم شربه. وكان إذا قرأ كتاب (الرقاق) فكأنه بقرة منخورة، أي: يصوت صوت البقرة من البكاء. سأل رجل سفيان الثوري عن مسألة، فقال: من أين أنت؟ قال: من المشرق، قال: أوليس عندكم أعلم أهل المشرق، قال: من هو؟ قال: ابن المبارك، قال: هو أعلم أهل المشرق، قال: نعم وأهل المغرب. وقال سفيان الثوري: نظرتُ في أمر الصحابة وأمر ابن المبارك فما رأيتُ (ق ٢٨٤) لهم عليه فضلًا إلا بصحبتهم النبي ﷺ وغزوهم معه، وإني لأشتهي أن أكون سنة واحدة مثله فما أقدر، ولا ثلاثة أيام. قيل له: إلى متى تكتب الحديث؟ [فقال] (١): لعل الحكمة التي أنتفع بها ما كتبتها بعد، وقال: خرج أهل الدنيا منها قبل أن يتطعموا أطيب ما فيها، قيل: وما هو؟ قال: معرفة الله تعالى، وقال: لأن أرد درهمًا من شبهة أحب إليَّ من أن أتصدق بمائة ألف ومائة ألف حتى أبلغ إلى ستمائة ألف، وقيل له: ما التواضع؟ قال: التكبر على الأغنياء، قال له رجل: أوصني، قال: اعرف قدرك، وقال له رجل: هل بقي من ينصح؟ فقال: هل تعرف من يقبل؟. . كذا قاله أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي الحنبلي في (طبقاته) (٢). أن أبا بكْرَة ﵁، بالتاء بعد الراء، صحابي من أهل ثقيف، نزل يوم الطائف ببكرة وأسلم فكَنَّاه النبي ﷺ بأبي بكرة، وأعتقه، فهو من مواليه، ركع دون الصفّ أي: بقرب الصف، قبل أن يصل إليه، ثم مَشَى حتى وصل الصفّ، فلما قَضَى صلاته أي: أداها، كما قال تعالى في سورة الجمعة: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي

стр. 541

الْأَرْضِ﴾ الآية [الجمعة: ١٠] , أي: إذا أديت الصلاة، ذَكَرَ ذلك لرسول الله ﷺ ، فقال له رسول الله ﷺ : "زَادكَ الله حِرْصًا ولا تَعُدْ"، بضم العين والدال نفي استقبال، أي: لا تفعل مثل هذا، وعلى هذا عطف على قوله فقال: أي: وقال لأبي بكرة: لا تعد، أو فهي حاضر على أن يكون عطفًا على زادك، فيكون عطف الإِنشاء على الأخبار، وهو ليس بحسن عند البلغاء، ويقال: لفظ زادك إنشاء معنى، وإن كان إخبارًا لفظًا، وإنما وقع الخبر بلفظ الماضي موقع الإِنشاء للتفاؤل، دلالة على أنه كأنه وقع نحو وفقك الله للتقوى، أو لإِظهار الحرص في وقوع المطلوب، كما قاله سعد الدين التفتازاني في (شرح التخليص)، وكذا الأمر في قوله ﷺ لأبي بكرة: "زادك الله حرصًا". قال محمد: هكذا أي: مثل ما قاله ﷺ لأبي بكرة نقول أي: نتكلم بعدم فساد الصلاة إذا لم يكثر الخطوات، وفي نسخة: بهذا، وفي نسخة أخرى: فهكذا بالفاء الفصيحة، وهي في مذهب صاحب (الكشاف) التي كان مدخولها جزاء لشرط محذوف فيما قبلها، كذا قاله صدر الدين زادة في إيجاز في الحذف من الباب الثامن في (حاشية المطول)، وهو أي: الركوع دون الصف والمشي إليه يُجْزِئ أي: يكفي ولا يلزم أن يعيد إذا وصل إلى الصف، ولكن بشرط أن يقع ثلاث خطوات متواليات في ركن من أركان الصلاة، قوله: وأحب إلينا أن لا يفعل، إشعار بأن النهي في قوله: "لا تعد" نهي تنزيهي يقتضي كراهية في الصلاة، وقال أحمد والنخعي والحسن بن صالح: لا تصح الصلاة، واختاره ابن المنذر، لما روى أبو داود والترمذي (١) وحسنه عن وابصة بن معبد، أن النبي ﷺ رأى رجلًا يصلي خلف الصف فأمره أن يعيد الصلاة، واستدل الجمهور بعدم فسادها بقول النبي ﷺ لأبي بكرة حين كبَّر وحده، ثم التحق بالصف: "زادك الله حرصًا ولا تعد" ولم يأمره بالإِعادة. * * *

стр. 542

٢٨٧ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع مولى ابن عمر، عن إبراهيم بن عبد الله بن حُنيْن، عن عليّ بن أبي طالب، أن رسول الله ﷺ : نهاه عن لُبْس القَسيِّ، وعن لُبْس المُعَصْفَر وعن تَخَتُّم الذَّهب، وعن قِراءة القرآن في الركوع. قال محمد: وبهذا نأخُذُ، تُكْرَهُ القراءة في الركوع والسجود، وهو قولُ أبي حنيفة. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا مالك، عن نافع، المدني، مولى ابن عمر، عن إبراهيم بن عبد الله (ق ٢٨٥) بن حُنين، بضم الحاء المهملة، وفتح النون، وسكون التحتية، وبعدها نون، الهاشمي مولى العباس أبو إسحاق المدني التابعي، قال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، روى له الجميع، وكان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين، من أهل المدينة، ومات بعد المائة من الهجرة، عن إبراهيم بن عبد الله بن حُنين، بضم الحاء المهملة، وفتح النون وسكون التحتية ونون بعدها، تابعي ثقة، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة، المتوفى في أول إمارة يزيد، روى له الجماعة، وفي الإِسناد ثلاثة من التابعين روى بعضهم عن بعض، وهو من اللطائف، وفي نسخة: جبير بضم الجيم وفتح الموحدة وسكون التحتية واللام المهملة، وهو تصحيف من الناسخ، عن عليّ بن أبي طالب، ﵁، أن رسول الله ﷺ : نهاه عن لُبْس بضم اللام، وسكون الباء الموحدة والسين مهملة من الباب الرابع، مصدر يقال: لبست الثوب ألبسه لباسًا، كذا في ترجمة الجوهري، القَسيِّ، بفتح القاف وكسر السين المهملة وتحتية مشددتين، وهو ثوب مضلع أي: مخطط بالحرير، وكان يعمل بالقس، وهو موضع من قرى مصر القاهرة على ساحل البحر بقرب دمياط، وقيل: أصله القسي القزي، بالزاء منسوب إلى القز، وهو ضرب من الإِبريسم فأبدل السين من الزاي، كذا نقله علي القاري عن السيوطي، والضمير في "نهاه" عائد إلى على، فمقتضى الظاهر أن يقول الراوي: نهاني رسول الله ﷺ كما أورده الإِمام البغوي في (المصابيح) عن عليّ ﵁، أنه

стр. 543

قال: نهاني رسول الله ﷺ عن خاتم الذهب، وعن لبس القسي، وعدل عليّ ﵁ عن مقتضى الظاهر، ونزل نفسه منزلة الغائب، لئلا يتوهم أن هذا الحكم مخصوص لعلي، بل هو عام للمؤمنين، كما يؤيده ما رواه يحيى الليثي في الموطأ عن مالك عن نافع عن إبراهيم بن عبد الله بن حنين عن أبيه عن علي بن أبي طالب ﵁، أن رسول الله ﷺ نهى عن لبس القسي والمعصفر، وعن تختم الذهب، وعن قراءة القرآن من الركوع. ومعلوم أن حذف المفعول يقتضي التعميم كقوله في سورة يونس: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ﴾ [يونس: ٢٥] , أي: يدعو جميع عباده إلى دار السلام، كذا قاله سعد الدين التفتازاني في متعلقات الفعل من شرح (التلخيص). وعن لُبْس المُعَصْفَر بضم الميم وفتح العين وسكون الصاد المهملة، وفتح الفاء قبل الراء، وهو الثوب المصبوغ بالعصفر، والنهي للتنزيه على المشهور. وعن تَخَتُّم الذَّهب، أي: نهى ﷺ عن لبس خاتم الذهب، والنهي تحريمي؛ لأن لبسه يوجب نقصانه عن قدر النصاب للزكاة، فيعذر بالفقراء فهو حرام، أو يوجب قلة آلة الجهاد، فهي تقتضي ضعف أهل الإِسلام، وقوة أهل الحرب، فهذا لا يجوز لأهل الإِسلام، وهاتان العلتان تجريان في حرمة استعمال الفضة، وهذا الحكم مع هاتين العلتين شامل على النساء، كما روى أبو داود والنسائي بالواسطة عن أسماء بنت يزيد ﵂، أنها قالت: قال رسول الله ﷺ : "أيما امرأة تقلدت قلادة من ذهب قلدت (ق ٢٨٦) في عنقها مثلها من النار يوم القيامة، وأيما امرأة جعلت في أذنها خرصًا - أي: حلقة - الذهب جعل الله في أذنها مثله من النار يوم القيامة" (١)، قال الخطابي: هذا الوعيد في حق امرأة تقصد أن لا تؤدي الزكاة للذهب دون امرأة لا تقصد عدم أدائها. وقال الأشرف: لو كان هذا الوعيد للامتناع عن أداء الزكاة لما خصّ النبي ﷺ الذهب بالذكر، ورخص في الفضة، حيث قال: "ولكن عليكم بالفضة، فالعبوا بها"، فلا فرق في وجوب الزكاة بين الذهب والفضة، وهذا إنما يستقيم على مقتضى مذهبنا من وجوب الزكاة في الحلي دون مذهبهم، حيث قالوا: لا زكاة في الحلي، وأما ما قيل من أنه محمول على كراهة التنزيه كذا قاله علي القاري في باب التختم من (شرح مشكاة المصابيح).

стр. 544

وعن قِراءة القرآن في الركوع، ورواه معمر عن ابن شهاب عن إبراهيم بن حنين فزاد: "والسجود، وأما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فاجتهدوا فيه الدعاء". قال محمد: وبهذا أي: بالحديث الذي رواه علي ﵁ نأخُذُ أي: نعمل ونفتي، قدم المصنف المفعول على الفعل، واختيار اسم الإِشارة بالمفعول مع أنه اختار به في كتابه (الآثار) بضمير الغائب، حيث قال: وبه نأخذ، لرد خطأ المخاطب في تعيين الحكم، ولكمال إعانته بتمييز هذا الحكم عن الغير، كما استشهد لأجل كمال الإعانة بتمييز هذا الحكم عن الغير خطيب الدمشقي في (تلخيص المفتاح)، حيث قال: كم عاقل عاقل أعيت مذاهبه، وجاهل جاهل تلقاه مرزوقا، هذا الذي ترك الأوهام حائرة وصير العالم النحرير زنديقا، تُكْرَهُ أي: تلف ألسنتنا عن القراءة في الركوع والسجود، وهو أي: عدم القراءة في الركوع والسجود، قولُ أبي حنيفة، نعمان بن ثابت رحمه الله تعالى. وأما التختم بالذهب ولبس الحرير فحرامان بالإِجماع على الذكر دون الأنثى، ولبس المعصفر يكره للرجل عندنا، خلافًا للشافعي ومن تبعه. لما فرغ من بيان حكم الركوع دون الصف، وحكم القراءة في الركوع، شرع في بيان حكم حال الرجل يصلي وهو يحمل الشيء، فقال: هذا * * * باب الرجل يصلي وهو يحمل الشيء في بيان حال الرجل يصلي، وهو: أي: والحال أن الرجل المصلي يحمل الشيء، أي: على ظهره، وهو بفتح التحتية وسكون الحاء المهملة وكسر الميم، وبعدها لام فعل مضارع من باب ضرب، ومنه قوله تعالى: ﴿حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا﴾ [الأعراف: ١٨٩]، كذا في ترجمة الجوهري. ٢٨٨ - أخبرنا مالك، أخبرني عامر بن عبد الله بن الزُّبير، عن عمرو بن سُلَيْم الزُّرقِيّ، عن أبي قَتَادَة السُّلَمِيّ أن رسول الله ﷺ كان يصلي وهو حامل

стр. 545

أمامة ابنَةَ زينب بنت رسول الله ﷺ ولأبي العاص بن الرَّبيع، فإذا سجد وضعها، وإذا قام حملها. • أخبرنا مالك، أي: ابن أنس بن عمير بن أبي عامر الأصبحي، الإِمام، من كبار أتباع التابعين، في الطبقة السابعة من أهل المدينة، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا, أخبرني عامر بن عبد الله بن الزُّبير بن العوام، القرشي الأسدي أبو الحارث المدني، التابعي، ثقة عابد، من الطبقة الرابعة، مات سنة إحدى وعشرين ومائة من الهجرة، كذا قاله ابن حجر في (التقريب)، عن عمرو بن سُلَيْم بالتصغير الزُّرقِيّ، بضم الزاي المعجمة، وفتح الراء المهملة والقاف المكسورة والتحتية، ثقة من كبار التابعين، مات سنة (ق ٢٨٧) أربع ومائة، عن أبي قَتَادَة السُّلَمِيّ بفتحتين، الأنصاري المدني، شهد أُحدًا وما بعدها، وما يصح شهوده بدرًا، مات سنة أربع وخمسين، وقال بعض المؤرخين: مات سنة ثمان وثلاثين من الهجرة، والأول أصح وأشهر، كذا في (التقريب) (١) لابن حجر. أن رسول الله ﷺ كان يصلي وهو أي: والحال أنه حامل أمامة بضم الهمزة، وفتح الميمين المخففين بينهما ألف والتاء بعدهما، كانت صغيرة على عهد النبي ﷺ ، وتزوجها عليّ بعد وفاة خالتها فاطمة بنت رسول الله ﷺ ، بوصية منها، ومات عنها ولم تعقب، ذكره السيوطي، وزاد مسلم حامل على عاتقه، قال الحافظ ابن حجر والمشهور في الروايات تنوين حامل ونصب أمامة، ورُوي بالإِضافة، ابنَةَ زينب بنت رسول الله ﷺ ولأبي العاص قال الكرماني: هو والد أمامة، والإِضافة في ابنة زينب بمعنى اللام، وحكى أبو منده، وتبعه أبو نعيم: قيل: اسمه: ياس، وأظن أنه محرف من ياسم، وقيل: هشام، وقيل: هشم، بكسر أوله وسكون ثانيه، وفتح الشين المعجمة الثقيلة، وكان رسول الله ﷺ يكثر عشائه في منزله، وزوجه ابنته زينب أكبر بناته، وهي من خاله أبي العاص خديجة بنت نوفل، زوج النبي ﷺ ثم لم يتفق أنه أسلم إلا بعد الهجرة، وقال ابن إسحاق: كان أبو العاص من رجال مكة المعدودين مالًا وأمانة وتجارة، وأخرج الحاكم أبو أحمد بسند صحيح (٢) عن الشعبي قال: كانت زينب بنت رسول الله ﷺ تحت أبي العاص

стр. 546

فهاجرت وأبو العاص على دينه، فاتفق أنه خرج إلى الشام في تجارة، فلما كان بقرب المدينة أراد بعض المسلمين أن يخرجوا إليه فيأخذوا ما معه ويقتلوه، فبلغ ذلك إلى زينب، فقالت: يا رسول الله ﷺ أليس عقد المسلمين وعهدهم واحدًا؟ قال: "نعم"، قالت: فاشهد أجرت أبا العاص، فلما بلغ ذلك أصحاب رسول الله ﷺ خرجوا إليه بغير سلاح، فقالوا: يا أبا العاص إنك في شرف من قريش، وأنت ابن عم رسول الله ﷺ وصهره، فهل لك في أن تسلم فتغتنم ما معك من أموال أهل مكة؟ قال: يسير ما أمرتموني به، أن أنسخ ديني بعذر، فمضى حتى قدم مكة، فدفع إلى كل ذي حق حقه، ثم قام فقال: يا أهل مكة أوفيت ذمتي؟ قالوا: اللهم نعم، قال: فإني أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، فقدم المدينة مهاجرًا، فدفع إليه رسول الله ﷺ زوجته زينب بنكاح جديد، ومات في خلافة أبي بكر الصديق، رضي الله تعالى عنه في شهر ذي الحجة من سنة اثنتي عشرة من الهجرة، ابن الرُّبيع، بضم الراء وفتح الموحدة، وكسر التحتية المشددة، والعين المهملة بعدهما، وهو ابن عبد العزى بن عبد الشمس بن عبد مناف العبشمي، أمه: هالة بنت خويلة، كذا قاله ابن حجر العسقلاني (ق ٢٨٨) في (الإِصابة). فإذا سجد أي: رسول الله ﷺ وضعها أي: أمامة، وإذا قام حملها، أي: بعمل قليل في وضعها ورفعها. وفي هذا الحديث إشارة إلى مرتبة الخواص كالأنبياء والصديقين، وإلى مرتبة العوام من المؤمنين، فإنه ﷺ أشار إلى مرتبة الخواص بوضع أمامة ﵂ حين سجد، فإنهم إذا شرعوا في صلاتهم قطعوا العلائق من غير ذكره تعالى، واشتغلوا بذكره تعالى، واستولت المعرفة الإِلهية على قلوبهم، وصاروا مستغرقين في مشاهدة نور الجلالة، وصفات الكبرياء، فلا يتفرغون لغير تفكره تعالى، كأنهم لا يعرفون غيره تعالى، وأنه ﷺ أفاد هذه الخصال بقوله: "الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك" رواه البخاري، عن عمر بن الخطاب ﵁، من حديث الإِيمان، وأشار إلى مرتبة العوام من المؤمنين، بحمل أمامة ﵂ حين قام إلى القيام، فإنهم إذا شرعوا في صلاتهم لا يعقلون علائق الدنيا عن قلوبهم، فإن منهم [الذي] (١) إن نسي شيئًا وشرع في الصلاة فيخطر في قلبه، كما حُكي أن رجلًا دفن مالًا في زاوية بيته، وسأل أبا حنيفة ما

стр. 547

لتدبير فيه واحدة بالصلاة، فلما شرع بالصلاة طلع في قلبه أن الكيس في زاوية كذا، فقطع صلاته وأخرجه وانطلق إلى أبي حنيفة، وأخبره أني وجدته، وقال أبو حنيفة - رحمه الله تعالى: لو أتمها؟ لما فرغ من بيان حكم حال الرجل يحمل الشيء في صلاته، شرع في بيان حكم حال المرأة بين يدي المصلي وبين قبلته، فقال: هذا * * * باب المرأة تكون بين الرجل يصلي وبين القبلة وهي نائمة أو قائمة في بيان حكم حال المرأة أي: حال كونها تكون بين الرجل يصلي وهو صفة الرجل أو حال منه وبين القبلة، أي: جانب قبلته، وهي: أي: والحال أن تلك المرأة نائمة أو قائمة كلمة "أو" للتنويع؛ لأن لها أحوال كثيرة، وفي نسخة: أو قاعدة، قوله: والرجل يصلي وقع في نسخة: بعد قوله: أو قائمة. ٢٨٩ - أخبرنا مالك، أخبرني أبو النَّضْر مولى عُمر بن عُبَيْد الله، عن أبي سَلَمَةَ بن عبد الرحمن بن عوف، عن عائشة زوج النبي ﷺ ، أنها أَخْبَرتْه، قالت: كنت أنام بين يَدَي رسول الله ﷺ ، ورِجْلَايَ في القبلة، فإذا سجد غَمَزَني، فَقَبَضْتُ رِجْلَيَّ، وإذا قام بسطتهما، والبُيُوت ليس فيها يومئذ مصابيح. قال محمد: لا نرى بأسًا بأن يصلِّي الرجل والمرأة نائمة أو قاعدة بين يديه، أو إلى جنبه، أو تصلِّي في غير صلاته، إنما يُكْرَه أن تصلِّي إلى جنبه، أو بين يديه، وهما في صلاةٍ واحدة، أو يُصلِّيان مع إمام واحد، فإن كانت كذلك فَسَدَتْ صلاتُه، وهو قولُ أبي حنيفة. .

стр. 548

• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، أخبرني أبو النَّضْر بفتح النون وسكون الضاد المعجمة، واسمه سالم بن أبي أمية، مولى عُمر بضم العين ابن عُبَيْد الله، بالتصغير وهو التيمي المدني، ثقة، ثبت، وكان يرسل، في الطبقة الخامسة من التابعين، مات سنة تسع وعشرين ومائة من الهجرة، عن أبي سَلَمَةَ بن عبد الرحمن بن عوف، الزهري، المدني، قيل: اسمه عبد الله، وقيل: إسماعيل، ثقة مكثر الحديث، من الطبقة الثالثة، مات سنة أربع وتسعين، أو أربع ومائة، وكان مولده سنة بضع وعشرين من الهجرة، عن عائشة زوج النبي ﷺ ، والزوج يطلق على الذكر والأنثى، وقد يلحقه تاء التأنيث، كما قال تعالى في سورة البقرة: ﴿وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ الآية [البقرة: ٣٥]. أنها أَخْبَرتْه، أي: أبا سلمة، قالت: كنت أنام أي: أرقد بين يَدَي رسول الله ﷺ ، ورِجْلَايَ أي: والحال أن رجلي في القبلة، وفي نسخة: في قبلته، أي: موضع سجوده ﷺ فإذا سجد أي: أراد أن يسجد غمَزَني، أي: طعن بإصبعه (ق ٢٨٩) لأقبضن رجلي من قبلته، قال النووي: استدل به من يقول لمس النساء لا ينقض الوضوء، والجمهور علموا به على أن غمزها [فوقها] (١) حائل، وقال: هو الظاهر من حال النساء. انتهى. ولا يخفى أن هذا لا يصلح للاستدلال، لمكان الاحتمال إلا أن الإطلاق، وما أوردته من السياق يؤيد عدم النقض، وهو قولها: فَقَبَضْتُ رِجْلَيَّ، أي: بتشديد الياء مثنى، فإذا قام بسطتهما، بالتثنية، وكذا رواه الأكثر في البخاري، ولبعض رواته: رجلي بسطتها بالإِفراد فيهما، والبُيُوت ليس فيها يومئذ مصابيح، إذ لو كانت لقبضت رجلي وما أحرجته للغمز، قالت ذلك اعتزارًا. قال ابن عبد البر: قولها: يومئذٍ، تريد حينئذٍ، إذ المصابيح إنما تتخذ في الليالي دون الأيام، وهذا مشهور في لسان العرب يعبر باليوم عن الحين، كما يعبر به عن النهار. قال محمد: لا نرى أي: لا نختار بأسًا أي: ضررًا بأن يصلِّي الرجل والمرأة نائمة مضطجعة أو قائمة أو قاعدة بين يديه، أو إلى جنبه، أي: يمينًا أو يسارًا ولو محازية، أو يصلِّي أي: في تلك الأحوال إذا كانت تصلي في غير صلاته، والمعنى أن محازاتها لا تضر إذا لم تكن معه في صلاته مشتركة، تحريمة وأداء، وإنما يُكْرَه أي: تحرم، لا يصح أن تصلِّي

стр. 549

إلى جنبه، أي: من غير فاصل حقيقي أو حكمي، أو بين يديه، أي: بحيث يقع نظره إليها، إذا نظر إلى مسجده، أو مطلقًا عند حصر مكانه، وهما في صلاةٍ واحدة، أي: وهي مقتدية به أو يُصلِّيان أي: كلاهما مع إمام واحد، فإن كانت أي: محازاتها كذلك أي: بالصف المسطور هنالك فَسَدَتْ صلاتُه، أي: إن نوى الإِمام إمامتها وإلا فصلاتها فاسدة فقط، وهو قولُ أبي حنيفة ﵀، وقيد هذه المسألة مطولة في الفروع مفصلة. لما فرغ من بيان أحكام حال المرأة تكون بين المصلي وقبلته نائمة أو قاعدة، شرع في بيان أحكام صلاة الخوف. * * * باب صلاة الخوف في بيان أحكام الخوف وإضافتها إلى الخوف من قبيل إضافة المسبب إلى السبب، والمناسبة بين هذا الباب والباب السابق توسط بين الإِمام وبين القبلة، وتوسط بين الإِمام وبين أهل الحرب، واقتبس المصنف هذه الترجمة من قوله تعالى في سورة النساء: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ﴾ الآية [النساء: ١٠٢]. سُميت هذه الصلاة "ذات الرقاع"، لأن أقدام المسلمين نقبت في الجفاء، فكانوا يلفون عليها الخرق، أو لأنهم رقعوا رداءهم فيها، أو لأن أرضها ذات ألوان تشبه الرقاع، كذا قاله الزرقاني. وهذه الصلاة مشروعة بالكتاب والسنة؛ لأنه ﷺ قام مقام الناس معه فكبر وكبروا معه، وركع وركع ناس معه، ثم سجد وسجدوا معه، ثم قام للثانية فقام الذين سجدوا معه، والناس كلهم في صلاة، ولكن يحرس بعضهم بعضًا، رواه البخاري عن ابن عباس ﵄، وبالإِجماع، قال ابن الهمام (١) (ق ٢٩٠): رُوي أن عليّا ﵁ صلاها بصفين يوم صفين، وصلاها أبو موسى الأشعري، ﵁ بأصبهان، وسعد بن أبي وقاص ﵁ في حرب المجوس بطبرستان ومعه الحسين بن علي، وحذيفة بن اليمان، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وسألها سعيد بن العاص أبا سعيد

стр. 550

الخدري، فعلمه وأقامها. انتهى. ٢٩٠ - أخبرنا مالك، حدثنا نافع، أن ابن عمر كان إذا سئل عن صلاة الخَوْف قال: يتقدم الإِمام وطائفةٌ من الناس، فيصلي بهم سجدة، وتكون طائفة منهم بينه وبين العَدُوّ لم يصلوا، فإذا صلى الذين معه سجدة استأخروا مكان الذين لم يصلوا، ولا يسلمون، ويتقدَّم الذين لم يصلوا فيصلون معه سجدة، ثم ينصرف الإِمام وقد صلى سجدتين، ثم تقوم كل واحدة من الطائفتين، فيصلون لأنفسهم سجدةً سجدةً، بعد أن ينصرف الإِمام، فيكون كل واحد من الطائفتين قد صلوا سجدتين، فإن كان خوْفٌ هو أشد من ذلك صلوا رجالًا قِيَامًا على أقدامهم، أو رُكْبَانًا، مُستقبلي القبلة، أو غير مستقبليها، قال نافع: ولا أرَى عبد الله بن عمر حدّثه إلا عن رسول الله ﷺ . قال محمد: وبهذا نأخذ، وهو قول أبي حنيفة، وكان مالك بن أنس لا يأخُذُ به. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، حدثنا وفي نسخة: قال: ثنا نافع، أن ابن عمر ﵄، كان إذا سئل عن صفة صلاة الخَوْف قال: جواب إذا يتقدم الإِمام وطائفةٌ يجوز رفعها ونصبها، أي: مع جماعة من الناس، حيث لا يبلغهم سهام العدو، فيصلي بهم الإِمام سجدة، أي: ركعة كما ليحيى، وتكون طائفة أي: أخرى منهم أي: من المؤمنين بينه أي: بين الإِمام وبين العَدُوّ أي: سواء كان مسلمًا باغيًا أو كافرًا طاغيًا، والعدو يقع على الواحد والجمع، لم يصلوا، أي: تلك الطائفة، فإذا صلى الذين معه أي: مع الإِمام سجدة أي: ركعة استأخروا أي: تأخروا ووقفوا مكان الذين لم يصلوا، ولم يسلموا أي: الطائفة الأولى، وكذا الإِمام؛ لأنه وسط صلاتهم ويتقدَّم الذين لم يصلوا أي: أولًا فيصلون معه أي: مع الإِمام سجدة، أي: ركعة، ثم أي: بعد التشهد والسلام ينصرف الإِمام أي: من الصلاة، وقد صلى سجدتين، أي: ركعتين بانفراده.

стр. 551

ثم تقوم كل واحدة من الطائفتين، من إحديهما اللاحقة والأخرى المسبوقة فيصلون لأنفسهم أي: وحدهم سجدةً سجدةً، أي: ركعة ركعة، بعد أن ينصرف الإِمام، عن الصلاة، إلا أن الطائفة الأولى من غير قراءة في ركعة بخلاف الطائفة الثانية، فيكون كل واحد من الطائفتين قد صلوا سجدتين، وهذا هو الصحيح مطلق هذا إذا كانت الصلاة ثنائية كصلاة الفجر والجمعة، وكذا في الرباعية في حال السفر، وأما في المغرب فيصلي الإِمام مع الطائفة الأولى ركعتين، ومع الثانية ركعة، فلو صلى في المغرب بالطائفة الأولى ركعة وبالثانية ركعتين بطلت صلاتهم، لانصراف كل واحدة منهما في غير أوانه، ويصلي الإِمام بالطائفة الأولى ركعتين من الصلاة الرباعية، إن كانوا مقيمين، وتذهب هذه الطائفة إلى جهة العدو للحراسة، ثم جاءت الطائفة التي كانت في الحراسة فأحرموا مع الإِمام فصلى بهم الإِمام ما بقي من الصلاة، وسلم الإِمام وحده لتمام صلاته، فذهبوا إلى جهة العدو، ثم جاءت الطائفة الأولى إن شاؤوا أو إن أرادوا أتموا في مكانهم بلا قراءة؛ لأنهم لاحقون، فهم خلف الإِمام حكمًا لا يقرؤون، وسلموا ومضوا إلى العدو، ثم جاءت الطائفة الأخرى إن شاؤوا وإن أرادوا صلوا ما بقي في مكانهم لفراغ الإِمام، ويقضون بغير قراءة؛ لأنهم مسبوقون، ولا يخفى أن هذا إذا كان الكل مسافرين أو مقيمين، ففي الثنائية يصلي الإِمام ركعة بكل طائفة، فإذا سلم الإِمام جاءت الأولى فصلى المسافر ركعة بلا قراءة، والمقيم ثلاث ركعات بغيرها في ظاهر الرواية؛ لأنهم لاحقون، فهم خلف الإِمام حكمًا وكل من كان خلف الإِمام لا يقرأ فاللاحق (ق ٢٩١) لا يقرأ عند أبي حنيفة، كذا في (جامع الرموز) للقهستاني. وإن كان أي: الأمر خوْفًا هو أشد من ذلك صلوا أي: فرادى رجالًا أي: مشاة قِيَامًا أي: قائمين على أقدامهم، أو رُكْبَانًا أي: راكبين على دوابهم، قال تعالى في سورة البقرة: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩]، أي: ولو مع السير مطلوبين للضرورة ومتوجهين إلى أي جهة كانت، فإن كان الخوف سببًا للصلاة بهذه الكيفية فهو أعم من أن يكون سبعًا أو حرقًا أو غرقًا أو سيلًا، وكان الوقت ضيقًا والناس يتنازعون خلف إمام واحد، وإلا فلا مُستقبلي القبلة، أي: بالإِيماء أو غير مستقبليها، أي: عند عدم القدرة على استقبالها، قال نافع: ولا أرَى بضم الهمزة، أي: لا أظن عبد الله بن عمر إلا حدّثه أي: ما ذكره، وفي رواية: لا أرى عبد الله ذكر ذلك عن رسول الله ﷺ .

стр. 552

هذا الحديث موقوف ظاهرًا، مرفوع حكمًا، وكيف لا في الكتب الستة، واللفظ للبخاري عن ابن عمر ﵄، أنه قال: غزوتُ مع النبي ﷺ يصلي لنا، فقامت طائفة معه فصلى، وأقبلت طائفة على العدو، وركع رسول الله ﷺ بمن معه وسجد سجدتين، ثم انصرفوا، فكان الطائفة التي لم يصل فجاؤوا فركع رسول الله ﷺ بهم وسجد سجدتين، ثم سلم فقام كل واحد منهم فركع لنفسه فسجد سجدتين. قال محمد: وبهذا نأخذ، أي: إنما نعمل بقول ابن عمر، وهو أي: ما قاله ابن عمر قول أبي حنيفة، ﵀، وكان مالك بن أنس لا يأخُذُ به، أي: لا يعمل بقول ابن عمر، وكذا الحسن البصري، وأبو يوسف، والمازني من أصحاب الشافعي، حيث أنكروا مشروعية صلاة الخوف بعده ﷺ ؛ لأن فيها أفعال منافية للصلاة، فيقتضي فيها على رموز الخطاب، وهو كون النبي ﷺ إمامًا لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾ الآية [النساء: ١٠٢]. والجمهور على أن إقامة الصلاة لها بعده ﷺ دليل على أن معنى الآية: كنت فيهم أقمت أو من يقوم مقامك، كما في قوله تعالى في سورة التوبة: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ الآية [التوبة: ١٠٣]، ومما يدل على أن الحكم باقٍ بعده ﷺ فعل بعض أصحابه الكرام، فقد روى أبو داود عن مسلم عن إبراهيم عن عبد الصمد بن حبيب عن أبيه أنهم غزوا مع عبد الرحمن بن سمرة كابل، فصلى بهم الخوف، وأن الطائفة التي صلى بهم ركعة، ثم سلموا مضوا إلى مقام أصحابهم فجاء هؤلاء فصلوا لأنفسهم ركعة، ثم رفعوا إلى مقام أولئك، وجاء الآخرون فصلوا لأنفسهم ركعه، كذا قاله علي القاري. لما فرغ من بيان حكم صلاة الخوف، شرع في إظهار أثر الخوف، فقال: هذا * * * باب وضع اليمين على اليسار في الصلاة في بيان حكم وضع اليمين على اليسار، أي: وضع المصلي يده اليمنى على يده اليسرى في كل قيام في الصلاة، وهو نوع تعظيم لله تعالى، وكذا انحناء المصلي ظهره للركوع تعظيم له (ق ٢٩٢) تعالى، ولكن التعظيم له تعالى في وضع المصلي جبهته

стр. 553

بالأرض في سجوده أعظم منهما؛ لأن وجه المؤمن أشرف أعضائه، فإذا وضعه في الأرض للسجود تذلل له تعالى، وهو كمال التعظيم، وهو تقرب إليه، قال رسول الله ﷺ : "أقرب ما يكون العبد من الله وهو ساجد"، رواه الديلمي في (مسند الفردوس). ٢٩١ - أخبرنا مالك، حدثنا أبو حازم، عن سهل بن سعد السَّاعِدِيّ، قال: كان الناس يُؤمُرونَ أن يضع أحدهم يده اليمنى على ذراعه اليُسْرَى في الصلاة، قال أبو حازم: ولا أعلم إلا أنه يَنْمِي ذلك. قال محمد: ينبغي للمصلي إذا قام في صلاته أن يضع باطن كفه اليمنى على رُسْغِه اليسرى تحت السُّرَة، ويرمي ببصره إلى موضع سجوده، وهو قولُ أبي حنيفة. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: قال: ثنا، أخبرنا، وفي نسخة قال: أبو حازم، أي: اسمه سلمة بن دينار الأعرج، مولى الأسود بن سفيان، ثقة، عابد من الطبقة الثامنة، مات في خلافة المنصور، عن سهل بن سعد أي: ابن مالك بن خالد بن ثعلبة عن حارثة بن عمرو بن الخزرج بن مساعدة الأنصاري السَّاعِدِيّ، من مشاهير الصحابة، يقال: كان اسمه حزنًا فغيره النبي ﷺ وسماه سهلًا، روى عنه ابن عباس وأبو حازم والزهري، مات النبي ﷺ وهو ابن خمس عشرة سنة، وهو آخر من مات بالمدينة من الصحابة، مات سنة إحدى وتسعين، وقيل: قبل ذلك، قال الواقدي - من المؤرخين: عاش مائة سنة، كذا في (الإِصابة) لابن حجر، قال: كان الناس أي: الصحابة والتابعين يُؤمُرونَ أي: من جهة النبي ﷺ أو من قِبَل الخلفاء الكرام أن يضع أحدهم يده اليمنى على ذراعه اليُسْرَى في الصلاة، قال أبو حازم: أي: الراوي: ولا أعلم إلا أي: ولكن أنه أي: سهل بن سعد الساعدي يَنْمِي ذلك، بفتح أوله وسكون النون وكسر الميم، أي: يرفع الأمر إلى النبي ﷺ ، فالحديث مرفوع لديه، والاستثناء منفصل، وهو لا يصح إخراجه عن صور الكلام بأن لا يكون المستثنى من جنس الأول، قال الله تعالىِ في سورة الشعراء حكاية عن إبراهيم صلوات الله على نبينا وعليه، فإنه قال لقومه: ﴿قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٧٥) أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ

стр. 554

الْأَقْدَمُونَ (٧٦) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٧٥ - ٧٧]، فإني أعبده وأعظمه، والاستثناء منقطع، كذا قاله عبد الرحمن بن الملك في (شرح المنار). قال محمد: ينبغي للمصلي إذا قام في صلاته أن يضع باطن كفه اليمنى على رُسْغِه اليسرى في نسخة: الأيسر، والرُسغ بضم الراء وسكون السين المهملة والغين المعجمة هو المفصل بين الساعد والكف، ولم يذكر أيضًا محلهما من الجسد، كذا قاله الزرقاني. قال الشمني في (شرح النقاية): قال أبو يوسف: يقبض باليمين رسغه اليسرى، وقال محمد: يضع الرسغ وسط الكف، وفي (المفيد): يأخذ المصلي الرسغ بالخنصر والإِبهام، وهو المختار، وقال شمس الأئمة السرخسي: استحسن كثير من مشايخنا الجمع بين الأخذ والوضع، وذلك بأن يضع باطن كفه اليمنى على ظاهر كفه اليسرى، ويحَلِّق بالخنصر والإِبهام، تحت السُّرَة، ويرمي أي: ينصب ببصره إلى موضع سجوده، أي: قائمًا حفظًا له إلى ما شغله عن الخشوع، وهو أي: المذكور قولُ أبي حنيفة، رحمه الله تعالى، ولا خلاف في استحباب النظر إلى موضع السجدة، وإنما الخلاف في محل موضع اليدين فمختار (ق ٢٩٣) أبي حنيفة تحت السرة، ورواية عن أحمد، وقال الشافعي: على صدره، وهو رواية أيضًا عن أحمد، لما روى ابن خزيمة في صحيحه من حديث وائل بن حجر، قال: صليتُ مع رسول الله ﷺ فوضع يده اليسرى على صدره، أي: أولًا، ثم وضع يده اليمنى عليها، ولنا ما روى أحمد والدارقطني والبيهقي عن علي كرم الله وجهه ورضي الله عنه، أنه قال: السنة وضع الكف على الكف تحت السرة، والصحابي إذا قال: السنة يحمل على سنة النبي ﷺ ولا شك في ترجيح رواية علي على رواية وائل بن حجر؛ لأنه صلى مع النبي ﷺ يومًا أو صلاة واحدة مع كون علي ﵁، أفقه منه وأضبط بلا شبهة، وقد جعلت في إرسال مالك رسالة مستقلة، كذا قاله علي القاري. لما فرغ من بيان تعظيم المصلي بربه بلا واسطة بأن يضع بطن كفه اليمنى على اليسرى تحت السرة والنظر في قيامه إلى موضع السجدة، شرع في بيان تعظيم المصلي بربه بالواسطة، بأن يصلي على رسوله ﷺ ، قال الله تعالى في سورة الأحزاب: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦]. * * *

стр. 555

باب الصلاة على النبي ﷺ - في بيان الصلاة على النبي ﷺ ، وهي من السنن المؤكدة في آخر الصلاة بعد التشهد قبل الدعاء عند الجمهور، وقال الشافعي بوجوبها، وقد انفرد بها، كذا قاله علي القاري. الصلاة لغة: الدعاء، يقال: صل عليهم، أي ادع لهم، والدعاء نوعان: دعاء عبادة ودعاء مسألة، والعابد داع كالسائل، وبهما علم قوله تعالى في سورة غافر: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]، أي: أطيعوني آتاكم وسلوني أعطكم، وتجيء بمعنى الاستغفار كقوله ﷺ : "إني بعثت إلى أهل البقيع؛ لأصلي عليهم"، فسر في رواية: "أُمِرتَ أن أستغفر لهم"، وبمعنى القراءة كما قال تعالى في سورة الإِسراء: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ﴾ [الإسراء: ١١٠]، ونقل البخاري، وأخرجه ابن أبي حاتم عن أبي العالية أحد كبار التابعين: صلاة الله على نبيه ثناؤه عليه عند الملائكة، وصلاة الملائكة الدعاء، ورجح الشهاب أنها من الله المغفرة، وقال الرازي: الرحمة، وقال ابن الأعرابي: الصلاة من الله الرحمة، ومن الآدميين وغيرهم من الملائكة والجن: الركوع والسجود والدعاء والتسبيح، ومن الطيور والهمام: التسبيح، قال تعالى في سورة النور: ﴿كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾ [النور: ٤١]. ٢٩٢ - أخبرنا مالك، حدثنا عبد الله بن أبي بكر، عن عَمْرو بن سُلَيْم الزُّرَقِيّ، قال: أخبرني أبو حُمَيْدِ السَّاعدِيّ، قال: قالوا: يا رسول الله كيف نُصَلِّي عليك؟ قال: "قولوا: اللهم صَلِّ على محمد، وعلى أزواجه، وذريته، كما صليت على إبراهيم، وبارك على محمد، وعلى أزواجه وذريته، كما باركت على إبراهيم، إنك حميدٌ مجيدٌ". • أخبرنا مالك، أي: ابن أنس بن عمير بن أبي عامر الأصبحي من أتباع التابعين، في الطبقة السابعة من أهل المدينة وهي في الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة، وفي نسخة:

стр. 556

محمد قال: ثنا، حدثنا وفي نسخة: قال: بنا، رمزًا إلى أخبرنا عبد الله بن أبي بكر، أي: ابن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري، المدني القاضي، ثقة، في الطبقة الخامسة، مات سنة خمسة وثلاثين بعد المائة، وهو ابن سبعين، كذا قاله ابن حجر (١) عن بعض المؤرخين، عن أبيه، أي ابن أبي بكر، اسمه وكنيته واحد، وقيل: يكنى أبا محمد، عن عَمْرُو بفتح العين ابن سُلَيْم (ق ٢٩٤) بالتصغير الزُّرَقِيّ، بضم الزاي، وفتح الراء، وكسر القاف، الأنصاري، ثقة من كبار التابعين، قال بعض المؤرخين: إنه مات سنة أربع ومائة من الهجرة، كذا في (التقريب) لابن حجر. أخبرني بالإِفراد، وفي نسخة قال: أخبرني أبو حُمَيْدِ بضم الحاء المهملة وفتح الميم وسكون الياء التحتية والدال بعدها، السَّاعِدِيّ، صحابي مشهور اسمه: المنذر بن سعد بن المنذر، أو ابن مالك، وقال بعض المؤرخين: اسمه: عبد الرحمن، شهد أحدًا وما بعدها، وعاش إلى أول خلافة يزيد سنة ستين، كذا في (التقريب). قال: أي: أبو حميد الساعدي: قالوا: أي: سأل جماعة من الصحابة ككعب بن عجرة وغيره، حين نزل قوله تعالى في سورة الأحزاب: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦]، يا رسول الله، كيف نُصَلِّي عليك؟ أي: كيف اللفظ الذي يليق أن نصلي به عليك، كما علمتنا السلام؛ لأنا لا نعلم اللفظ، ولذا عبر بكيف التي يُسأل بها عن الصفة، قال: سعد بن زيد الباجي المالكي: إنما يسألوه صفة الصلاة عليه، ولم يسألوه عن جنسها؛ لأنهم لم يأمروا بالرحمة، وإنما أمر بالدعاء، قال ابن عبد البر: فيه أن من ورد عليه خبر محتمل لا يقطع فيه شيء حتى يقف على المراد إن وجد إليه سبيلًا؛ فسألوه لما احتمل اللفظ الصلاة والمعاني، قال: أي: أمر رسول الله ﷺ السائلين عن كيفية الصلاة، بقوله: "قولوا: اللهم أصله: يا الله، حُذف منها النداء، وعوض عنها الميم المتضمنة لوجود البينونة النفسانية، وتقدير مقدمة الدعاء بالنداء؛ لإظهار كمال الضراعة، والابتهال، وللمبالغة في التضرع، أو للإِيذان بصدور المقال عنه بوفور الرغبة، وكمال النشاط، وإنما جعل هذا الاسم الأعظم عند أكثر المفسرين في أوائل الأدعية غالبًا؛ لأنه جامع معاني الأسماء الكريمة، فإن لفظ "الله" الاسم الأعظم عند أكثر

стр. 557

المفسرين، إذا دُعِي به أجاب، وإذا سُئِل به أعطى، صَلِّ على محمد، أي: اثن عليه ثناءً يليق به عند ملائكتك، أو شرِّفه تشريفًا يليق به عند أنبيائك، أو عظمه تعظيمًا يليق به عند العالمين، وعلى أزواجه، أي: عظم نسائه ﷺ وهو جمع زوج، يطلق على الذكر والأنثى، قال الله تعالى في سورة البقرة: ﴿وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ الآية [البقرة: ٣٥]، وقد يلحقه تاء التأنيث، لكن المراد هنا نساؤه ﷺ اختارهن الله تعالى لنبيه أزواجًا له في الدنيا والآخرة، حتى استحقن أن يصلي عليهن معه ﷺ وأزواجه ﷺ اللائي دخل بهن خلاف خديجة بنت خويلد القرشية الأسدية، وهي أولاهن، ولم يتزوج عليها حتى ماتت، ثم سودة بنت زمعة القرشية العامرية، ثم عائشة بنت أبي بكر الصديق القرشية التميمية، ولم (ق ٢٩٥) يتزوج ﷺ بكرًا غيرها، ثم حفصة بنت عمر بن الخطاب القرشية العدوية، ثم زينب بنت خزيمة الهلالية العامرية، وماتت في حياته ﷺ مثل خديجة، ثم أم سلمة بنت أبي أميّة بن المغيرة المخزومية، ثم زينب بنت جحش الأسدية، من بني خزيمة، ثم جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار الخزاعية المصطلقية، ثم أم حبيبة بنت أبي سفيان بن حرب القرشية الأموية، ثم صفية بنت حيي بن أخطب الإِسرائيلية النضرية، من سبط هارون بن عمران ﵇، ثم ميمونة بنت الحارث الهلالية العطوية، واختلف في ريحانة القرظية، فقيل: زوجته نكحها بعد جويرية، وقيل: أم حبيبة، وقيل: سرية، وقيل: هل ماتت في حياته ﷺ مرجعه من حجة الوداع أو بقيت بعده، والتسع البواقي كلهن بقين بعده، وما تقدم في ترتيب أزواجه ﷺ هو الأشهر، وقيل: فيه غير ذلك، وقد عقد النبي ﷺ على نساء غير هؤلاء لكن لم يبن في المشهور من أقاويل العلماء بواحدة منهن، فاستفتينا لذلك من ذكرهن. وأما حرائره ﷺ فقيل: إنهن أربع: مارية بكسر الراء وفتح التحتية المخففة، وهي أم إبراهيم ابنه ﷺ ، وريحانة المتقدمة، وأخرى أصابها في بعض السبي اسمها جميلة، وأخرى وهبتها له زينب بنت جحش ﵅ أجمعين، كذا قاله الفاسي في شرح (دلائل الخيرات). وذريته، أي: نسله، وهو يقع على الذكور والإِناث، وبني البنين، وبني البنات؛ فهو شامل على جميع أولاده ﷺ وحفدته إلى غابر الدهر، ولا حفدة له إلا من بضعة فاطمة ﵂، كما الكاف للتشبيه، وقيل: للتعليل، وما مصدرية، فالمشبه به الصلاة، بمعنى المصدر، أو موصولة، فالمشبه به الصلاة بمعنى المفعول، صليت

стр. 558

جملة هي صلة الموصول فلا محل لها من الإِعراب على إبراهيم، أي: الخليل ﵇، فإن قيل: لم خص النبي ﷺ بالذكر التشبيه في الصلاة بإبراهيم صلوات الله على نبينا وعليه من بين سائر الأنبياء ﵈؟ أجيب لوجهين: أحدهما: أنه ﷺ رأى ليلة المعراج جميع أزواج الأنبياء والمرسلين، وسلم عليه كل نبي ولم يسلم أحد منهم على أمته غير إبراهيم، فأمرنا النبي ﷺ أن نصلي عليه في آخر الصلاة إلى يوم القيامة؛ مجازاة على إحسانه، وثانيهما: أن إبراهيم ﵇ لما فرغ من بناء الكعبة حبس مع أهله فبكى ودعا، وقال: اللهم من حج هذا البيت من أمة محمد فهبه مني السلام، فقال أهل بيته: آمين، كذا في (خواتم الحكم)، وبارك أي: واقض بركات الدين والدنيا، أو داوم ما أعطيت من التشريف والكرامة والبركة كثرة الخير، كذا قاله الفاسي، قال العلماء: البركة هنا الزيادة في الخير والكرامة، وقيل: هي بمعنى التطهير والتزكية، أي: طهره عن كدورة أمته بالعفو والمغفرة، (ق ٢٩٦) قال تعالى في سورة الأحزاب: ﴿لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣]، وقيل: لكثير الثواب، على محمد، وعلى أزواجه أي: نسائه أمهات المؤمنين، وذريته أي: أولاده ذكورًا وإناثًا، يعني أثبت لهم ما أعطيتهم، وأدم له الشرف والكرامة، كما باركت على إبراهيم، أي: مثل ما زدت عليه من الثواب والكرامة، إنك حميدٌ، فعيل من الحمد بمعنى مفعول، وهو من تحمد ذاته وصفاته أو المستحق لذلك، أو بمعنى حامد أي يحمد أفعال عباده حُوِّلَ للمبالغة، وذلك مناسب لزيادة الإِفضال وإعطاء المراد من الأمور الكثير، مجيد بمعنى ماجد من المجد، وهو الشرف والرفعة، وكرم الذات والفعال التي منها كثرة الإِفضال، والمعنى: إنك أهل الحمد والفعل المجيد والكرم والأفضال فاعطنا، ولا تخب رجانا، كذا قاله الفاسي. * * * ٢٩٣ - أخبرنا مالك، أخبرنا نُعَيْم بن عبد الله الْمُجْمِر، مولى عمر بن الخطاب أن محمد بن عبد الله بن زيد الأنصاري أخبره - وهو عبد الله بن زيد الذي أُرِيَ النِّدَاءَ في النَّوْم على عهد رسول الله ﷺ أن أبا مسعود أخبره - قالَ:

стр. 559

أتانا رسول الله ﷺ ، فجلس معنا في مجلس سعد بن عُبَادَة، فقال له بَشِير بن سعد بن النُّعمان: أمرنا الله تعالى أن نصلي عليك يا رسول الله فكيف نصلي عليك؟ فَصَمَتَ رسول الله ﷺ حتى تمنَّيْنَا أنَّه لم يسأله، ثم قال: "قولوا: اللهم صلّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم، في العالمين إنك حميدٌ مجيدٌ؛ والسلام كما قد عَلِمْتُم". قال محمد: كل هذا حَسَن. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي نسخة: أخبرني أنا، وكل واحد منهما رمزًا إلى أخبرنا مالك بن أنس بن عمير بن أبي عامر الأصبحي، الإِمام، من كبار أتباع التابعين، فيِ الطبقة السابعة، من أهل المدينة، وهو في الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة، أخبرنا نُعَيْم بضم النون وفتح العين المهملة وسكونها التحتية، والميم بعدها، بن عبد الله الْمُجْمِر، بضم الميم الأولى وكسر الثانية بينهما جيم ساكنة، على صيغة اسم الفاعل من الإِجمار من التجمير، وقد مر لقبه به في باب الغسل من بول الصبي، ثقة، في الطبقة الثالثة من أوسط التابعين، كذا قاله ابن حجر في (التقريب) (١)، مولى عمر بن الخطاب أن محمد بن عبد الله بن زيد أي: ابن عبد ربه الأنصاري أي: الخزرجي في التابعين، وأبوه صحابي في رواية لمسلم، أخبره وهو أي: عبد الله بن محمد هنا عبد الله بن زيد الذي أُرِيَ بصيغة المجهول من الأراة النِّدَاءَ أي: ألفاظ الأذان في النَّوْم أي: في نومه على عهد رسول الله ﷺ أي: سنة إحدى من الهجرة، والحاصل أن محمدًا أخبر نعيمًا أن أبا مسعود أي: عقبة بن عمرو بن ثعلبة الأنصاري البدري، شهد العقبة الثانية، ولم يشهد بدرًا عند جمهور أهل السير، وإنما نسب إلى ماء بدر؛ لأنه نزله وسكن الكوفة، ومات في خلافة عليّ كرم الله وجهه، أخبره أي: عبد الله بن زيد، فقالَ: أي: أبا مسعود: أتانا رسول الله ﷺ ، فجلس معنا في مجلس سعد بن عُبَادَة، وهو ابن ثابت الأنصاري الساعدي، سيد الخزرج، كان أحد النقباء الاثني عشر، وكان سيد الأنصار،

стр. 560

مقدمًا فيهم وجيهًا، له رياسته تصرف قومه بها، قال سعيد بن زيد الباجي المالكي: فيه أن الإِمام يخصّ رؤساء الناس بزيارتهم في مجالسهم تأنيسًا لهم، فقال له أي: الرسول ﷺ : بَشِير بفتح الموحدة وكسر الشين المعجمة، وسكون التحتية، وبعدها راء نقيض النذير، ابن سعد بن النُّعمان، وفي نسخة: ابن بشير أنصاري خزرجي شهد بدرًا وأحدًا والمشهور بعدها، ويقال له: أول من بايع أبا بكر الصديق من الأنصار، أمرنا الله تعالى في سورة الأحزاب بقوله: (ق ٢٩٧) ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦]، أن نصلي عليك يا رسول الله، فكيف نصلي عليك؟ أي: فكيف باللفظ اللائق عليك بالصلاة، زاد الدارقطني: ونحن إذا صلينا عليك في صلاتنا، قال: أي: أبو مسعود: فَصَمَتَ رسول الله ﷺ أي: فسكت زمانًا طويلًا، قال الزرقاني: يحتمل أن يكون سكوته حياءً أو تواضعًا إذ في ذلك رفعة له، فأحب أن لو قالوا أهم من ذلك. انتهى. ويحتمل أن يكون سكوته انتظارًا إلى الوحي، وفيه أن من سئل عن أمر مشروع ينبغي له أن يجيب له بعد التأمل، وإن علمه؛ لئلا يقع في الخطأ وفي العجب، حتى تمنَّيْنَا أي: وددنا أنَّه لم يسأله، وليحيى: أنه لم يسأله، أي: كرهنا سؤاله مخافة أن يكون كرهه وشق عليه، ثم قال: وفي نسخة: فقال: "قولوا: للأمر للوجوب في العمر مرة واحدة اتفاقًا، وقيل: في تشهد تعقبه سلام، وقيل: كلما ذكر، لقوله ﷺ : "رغم أنف رجل ذُكِرْتُ عنده فلم يصل عليَّ"، وعندنا يكفي أن يصلي مرة واحدة في أول سمعه، وإن صلى كلما سمعه فهي أفضل، قال رسول الله ﷺ : "جاءني جبريل ﵇، فقال: يا محمد لا يصلي عليك أحد من أمتك إلا صلى عليه سبعون ألف ملك، ومن صلت عليه الملائكة كان من أهل الجنة"، وقال ﷺ : "أكثركم عليَّ صلاة، أكثركم أزواجًا في الجنة"، رواه عبد الرحمن بن عوف، كذا أورده أبو عبد الله محمد بن سليمان الجزول في (دلائل الخيرات)، وقال ﷺ : "من كتب بيده قال رسول الله ﷺ كان معي في الجنة"، كذا قاله البخاري في شرح (ألفية العراقي) في كتابه (الحديث)، وضبطه، وقال ﷺ : "من صلى عليَّ في كتاب لم تزل الملائكة تصلي عليه ما دام اسمي في ذلك الكتاب"، كما قاله الإِمام الجزولي في (دلائل الخيرات). اللهم أي: الله صلِّ على محمد أي: اثني عليه ثناءً يليق به عند من مكرم عندك، وعلى آل محمد أي: أتباعه، كما صليت على إبراهيم أي: الخليل صلوات الله على نبينا وعليه.

стр. 561

قال الحليمي: سبب هذا التشبيه أن الملائكة قالت في بيت إبراهيم: ﴿رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ [هود: ٧٣]، وقد علم من هذا أن محمد وآل محمد من أهل بيت إبراهيم صلوات الله على نبينا وعليه، فكأنه ﷺ قال: أجيبوا دعاء الملائكة الذين قالوا ذلك في محمد وآل محمد كما أجبتم عندما قالوا في آل إبراهيم. انتهى. واستشكل بأن المشبه دون المشبه به، والواقع هنا عكسه؛ لأن محمدًا وحده أفضل من إبراهيم وآله، وقضية ذلك أن الصلاة له أفضل من كل صلاة حصلت أو تحصلت لغيره، وأجيب بأنه قال ذلك قبل علمه أنه أفضل من إبراهيم، وقال ذلك تواضعًا وشرعًا لأمته ليكتسبوا به الفضيلة، إنما هو صلاة بأصل الصلاة لا للقدر بالقدر كقوله تعالى في سورة النساء: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ﴾ [النساء: ١٦٣]، وكقوله في سورة القصص: ﴿وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [القصص: ٧٧]، ورجَّح ما في (المفهم) من أن قوله: اللهم صل على محمد مقطوعًا عن التشبيه، فهو متعلق بقوله: وعلى آل محمد، وتعقب بأنه مخالف لقاعدة الأصول في رجوع المتعلقات إلى جميل الجمل، وبأن التشبيه قد جاء في بعض الروايات من غير (ق ٢٩٨) ذكر الآن، وبأن غير الأنبياء لم يكن أن يساووا الأنبياء، فكيف نطلب لهم صلاة مثل الصلاة التي وقعت لإِبراهيم، والأنبياء من آله؟ ورد هذا بأن المطلوب الثواب الحاصل لهم، لا جميع الصفات التي كانت سببًا للثواب، كذا قاله الزرقاني (١). وعلى آل إبراهيم، قيل: معناه اجعل لمحمد وآله الصلاة منك، كما جعلتها لإِبراهيم وآله، وبارك على محمد وعلى آل محمد، أي: اثبت لهم وأدم لهم ما أعطيتهم من الشرف والكرامة، كما باركت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم، في حيز النصب على أنه نصب للمصدر المؤكد، أي: بارك ما أعطيتهم مباركة طيبة، كما باركت على إبراهيم وآله، أو على أنه حال من المصدر العرف، أي: بارك عليهم البركة مشابهًا بما باركت على إبراهيم وآله، فما على الوجهين مصدرية، أو على أنه نعت لمصدر من لفظ المباركة، أي: بارك ما أعطيتهم مباركًا مماثلًا للبروك المثبت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، فما موصولة أو على أنه حال من البروك، أي: بارك ما أعطيت على محمد وآله حال كونه مماثلًا لما برك على

стр. 562

إبراهيم وعلى آل إبراهيم، هذا خلاصة ما قاله أبو السعود في قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٣]. قال الزرقاني: فالبركة لغة التكثير، قال سعيد بن زيد الباجي المالكي، وقيل: المراد بالبركة ثبات ذلك ودوامه، من قولهم: بركت الإِبل، إذا ثبتت على الأرض، انتهى، أي: المعنى لثبته ما أعطيتهم من الشرف والكرامة، كما أثبته على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، في العالمين والظرف فيه متعلق بقوله: "كما باركت"، يعني زد شرف محمد وآل محمد بين العالمين، كما زدت شرف إبراهيم وآل إبراهيم فيما بينهم، و"العالم" بفتح اللام اسم ما سوى الله تعالى من الجوهر والأعراض، وإنما سمي به؛ لأنه يعلم به الخالق القديم، وهو اسم جمع لا واحد له من لفظه، ويجمع بجمع العقلاء تغليبًا لهم على غير العقلاء؛ لأن كل شيء دال على وحدانية الله تعالى، فكأنه عالم يتعالم منه ذلك، ويستدل كذا قاله أبو السعود. إنك حميدٌ فعيل، بمعنى مفعول، أي: اللهم إن ذاتك وصفاتك محمود بما يليق بهما في جميع الألسنة، أو بمعنى فاعل أي: حامد يحمد أفعال عباده، مجيدٌ بمعنى ماجد المجيد، وهو الشرف، عدل عن الإِنشاء إلى الإِخبار، وعن الغفلة إلى الإِسمية، للدوام والمبالغة، وذلك مناسب الإِفضال وإعطاء المراد من الأمور العظام. والسلام عطف على قوله: اللهم، أي: قولوا: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، ويؤيده قوله: كما قد عَلِمْتُم"، أي: في التشهد بفتح العين وكسر اللام المخففة، ومنهم من رواه بضم العين وكسر اللام المشددة، كذا نقله علي القاري عن النووي. قال محمد: أي: ابن حسن بن فرقد الشيباني: كل هذا حَسَن، أي: جميع ما ورد من ألفاظ الصلاة مستحسن، إلا أن الواردين المذكورين أصحها وأشهرها، وقد روى الحديث الأول (ق ٢٩٩) الشيخان، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وابن حبان، عن أبي حميد الساعدي، والحديث الثاني رواه أصحاب الكتب الستة عن كعب بن عجرة، إلا أنه لم يذكر في العالمين، ولفظه: اللهم. . إلخ، واللهم بارك. . . إلخ، كذا قاله علي القاري. لما فرغ من بيان حكم الصلاة على النبي ﷺ ، شرع في بيان حكم الاستسقاء، فقال: هذا * * *

стр. 563

باب في بيان حكم الاستسقاء في بيان حكم الاستسقاء، هو طلب السقاء، وهو المطر عند طول انقطاعه، وفي قوله الاستسقاء إشارة إلى مذهب أبي حنيفة، فإن الاستسقاء عنده دعاء واستغفار فقط، لا صلاة فيه عنده، لقوله تعالى في سورة نوح، حكاية عن نوح ﵇ حين اجتهد قومه القحط والجدب، ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ [نوح: ١٠، ١١]، فعلَّق تعالى نزول الغيث بالاستغفار، وأخذ المصنف هذه الترجمة من هذه الآية، ويؤيده ما في الصحيحين (١) من حديث أنس بن مالك ﵁ أن رجلًا دخل المسجد في يوم الجمعة ورسول الله ﷺ قائم يخطب، فقال: يا رسول الله هلكت الأموال، وانقطعت السبل، فادع الله يغيثنا، قال: فرفع رسول الله ﷺ يديه ثم قال: "اللهم أغثنا"، وثبت أيضًا أن عمر ﵁ استقى ولم يصل، كذا قاله الشمني في (شرح النقاية). والمناسبة ما بين هذا الباب والباب السابق الدعاء؛ لأن الصلاة في اللغة الدعاء. ٢٩٤ - أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عَمرو بن حَزْم، أنه سمع عبّاد بن تميم المازِنيّ يقول: سمعت عبد الله بن زيد المازني يقول: خرج رسول الله ﷺ إلى المصلى، فاسْتَسْقَى وحَوَّلَ ردَاءَه حين استقبل القبلة. قال محمد: أما أبو حنيفة. فكان لا يرى الاستسقاء صلاة، وأما في قولنا. فإن الإِمام يصلي بالناس ركعتين ثم يدعو ويحول رداءه، فيجعل الأيمن على الأيسر، والأيسر على الأيمن، ولا يفعل ذلك أحد إلا الإِمام. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا مالك بن أنس، أخبرنا عبد الله بن أبي بكر

стр. 564

ابن محمد بن عَمرو بن حَزْم، الأنصاري، المدني القاضي، ثقة تابعي من الطبقة الخامسة، مات سنة خمس وثلاثين ومائة من الهجرة، وهو ابن سبعين سنة، كذا قاله ابن حجر (١)، أنه أي: عبد الله بن أبي بكر سمع عبّاد بفتح العين المهملة وتشديد الموحدة ابن تميم بفتح الفوقية والميمين المكسورتين بينهما تحتية ساكنة الأنصاري المازِنيّ المدني تابعي من الطبقة الثالثة، وقد قيل: إنه له رواية، كذا في (التقريب) لابن حجر (٢)، يقول: سمعت عبد الله بن زيد المازني بكسر الزاي، أي: مازن الأنصاري، صاحب حديث الوضوء، وهو عبد الله بن عاصم بن كعب لا عبد الله بن زيد بن عبد ربه، صاحب رؤيا الأذان، كما زعم ابن عيينة، وقد وهمه البخاري، يقول: خرج رسول الله ﷺ إلى المصلى، أي: مصلى العيد بالصحراء في المدينة إلا أنه في التواضع أوسع للناس، قال الفقهاء: ويستحب الخروج للاستسقاء ثلاثة أيام متتابعات، مشاة في ثياب خلقة غسيلة أو مرقعة، متذللين متواضعين خاشعين لله، ناكسي رؤوسهم مقدمين الصدقة، كل يوم قبل خروجهم، ويجدون التوبة، ويستغفرون للمسلمين، ويردون المظالم، وقالوا: ويستحب إخراج الدواب بأولادها، ويفرقون بينهما ليحصل المراد بزيادة الحزن، ويستحب خروج الشيوخ الكبار والأطفال (ق ٣٠٠)؛ لأن نزول الرحمة بينهم أسرع قال رسول الله ﷺ : "هل تُرزَقون وتُنْصَرُونَ إلا بضعفائكم"، رواه البخاري، وفي خبر آخر: "لولا شباب خُشع، وبهائم رُتع، وشيوخٌ رُكَّع، وأطفالٌ رُضع، لَصُبَّ عليكم العذاب صبًا"، فاسْتَسْقَى أي: دعا بأن يقول: "اللهم اسقنا غيثًا مغيثًا هنيئًا مريئًا مريعًا غدقًا غير راتب مجللًا طبقًا دائمًا". قوله: "غيثًا" أي: مطرًا، وقوله: "مغيثًا" بضم أوله، أي: منقذ من الشدة، قوله: "هنيئًا" بالمد والهمزة، أي: لا ينقصه شيء، أو يمر الحيوان من غير ضرر، قوله: "مريئًا" بفتح أوله وبالمد والهمزة، أي محمود العافية أو الهنيء النافع ظاهرًا، والمريع النافع باطنه، قوله: "مريعًا" بضم الميم وكسر الراء المهملة، وسكون التحتية والعين المهملة أي: إتيانًا لريع وهو الزيادة، وقيل: الريع [غابة] (٣)، ويجوز فتح الميم هنا، أي: ذريع أي نماء قوله: "غدقًا"، أي: كثير الماء والخيرات، وقطره كبار، قوله: "عاجلًا"، أي: سريعًا،

стр. 565

قوله: "غير راتب"، أي: غير نصب ولا تعب، قوله: "مجللًا"، بكسر اللام أي: سائق الأفق لعمومه، أو الأرض بالنبات سجل الغرس، قوله: "سحا" بفتح السين المهملة وتشديد الحاء المهملة، أي: شديد الواقع بالأرض، من ساح إذا جرى، قوله: "طبقًا" بفتح أوله، أي: ستر الأرض حتى يعمها، قوله: "دائمًا"، أي: إلى انتهاء الحاجة إليه. وحَوَّلَ بتشديد الواو، أي: قلب ردَاءَه بأن جعل أسفله أعلاه إن كان مربعًا، أو جعل جانب الأيمن على الأيسر، وإن كان مدورًا كالجبة، حين استقبل القبلة، والسر في تقليب ردائه للتفاؤل ليقلب حالهم من القحط إلى الخصب، ومن اليسر إلى العسر. قال محمد: أما أبو حنيفة. فكان لا يرى أي: لا يختار في الاستسقاء صلاة، أي: مشروعة بجماعة، وإن صلوا فرادى جاز، وبه قال أبو يوسف في رواية لقوله تعالى: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾ [نوح: ١٠]، وأما الاستسقاء في قولنا يعني نفسه، وأبا يوسف في رواية، فإن الإِمام أي: الخليفة ونائبه يصلي بالناس ركعتين كصلاة العيد في الجهر بالقراءة، والصلاة بلا أذان ولا إقامة، ويخطب بعد الصلاة خطبتين، ويجلس بينهما واحدة عندنا وعند الشافعي، وقال مالك: سنة الاستسقاء ركعتان يخطب قبلهما كخطبة الجمعة، ثم أي: بعد الصلاة يدعو رافعًا يديه لا روى أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ كان لا يرفع يديه حتى يرى بياض إبطه، ويمد يديه، ويجعل بطونهما مما يلي الأرض، ويحول من التفعيل، أي: يقلب رداءه، فيجعل الأيمن على الأيسر، والأيسر على الأيمن، إن كان مدورًا كالجبة، لما رُوي في الكتب الستة (١)، عن عبد الله بن عاصم أن رسول الله ﷺ خرج بالناس فصلى بهم ركعتين، وحَوَّل ردائه فدفع واستسقى واستقبل القبلة، (ق ٣٠١) زاد البخاري: وجهر فيهما بالقراءة، ولا يفعل ذلك أي: تحويل الرداء أحد إلا الإِمام، وهو اختيار الطحاوي وأبي حنيفة ﵀، أن الاستسقاء دعاء، وفي سائر الأدعية لا تقلب فيها رداء، وما فعله النبي ﷺ وكان تفاؤلًا أو عرف ﷺ بالوحي تغيير الحال عند قلب الرداء. والحاصل أنه ﷺ يحتمل في تقليب الرداء أنه فعل بوحي، أو قصد تفاؤل فلو فعل غيره لتعين أن يكون تفاؤلًا، وهو تحت الاحتمال، فلم يتم به الاستدلال، فإن قيل: كيف
следующие страницы →