قال الحليمي: سبب هذا التشبيه أن الملائكة قالت في بيت إبراهيم: ﴿رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ [هود: ٧٣]، وقد علم من هذا أن محمد وآل محمد من أهل بيت إبراهيم صلوات الله على نبينا وعليه، فكأنه ﷺ قال: أجيبوا دعاء الملائكة الذين قالوا ذلك في محمد وآل محمد كما أجبتم عندما قالوا في آل إبراهيم. انتهى. واستشكل بأن المشبه دون المشبه به، والواقع هنا عكسه؛ لأن محمدًا وحده أفضل من إبراهيم وآله، وقضية ذلك أن الصلاة له أفضل من كل صلاة حصلت أو تحصلت لغيره، وأجيب بأنه قال ذلك قبل علمه أنه أفضل من إبراهيم، وقال ذلك تواضعًا وشرعًا لأمته ليكتسبوا به الفضيلة، إنما هو صلاة بأصل الصلاة لا للقدر بالقدر كقوله تعالى في سورة النساء: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ﴾ [النساء: ١٦٣]، وكقوله في سورة القصص: ﴿وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [القصص: ٧٧]، ورجَّح ما في (المفهم) من أن قوله: اللهم صل على محمد مقطوعًا عن التشبيه، فهو متعلق بقوله: وعلى آل محمد، وتعقب بأنه مخالف لقاعدة الأصول في رجوع المتعلقات إلى جميل الجمل، وبأن التشبيه قد جاء في بعض الروايات من غير (ق ٢٩٨) ذكر الآن، وبأن غير الأنبياء لم يكن أن يساووا الأنبياء، فكيف نطلب لهم صلاة مثل الصلاة التي وقعت لإِبراهيم، والأنبياء من آله؟ ورد هذا بأن المطلوب الثواب الحاصل لهم، لا جميع الصفات التي كانت سببًا للثواب، كذا قاله الزرقاني (١).
وعلى آل إبراهيم، قيل: معناه اجعل لمحمد وآله الصلاة منك، كما جعلتها لإِبراهيم وآله، وبارك على محمد وعلى آل محمد، أي: اثبت لهم وأدم لهم ما أعطيتهم من الشرف والكرامة، كما باركت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم، في حيز النصب على أنه نصب للمصدر المؤكد، أي: بارك ما أعطيتهم مباركة طيبة، كما باركت على إبراهيم وآله، أو على أنه حال من المصدر العرف، أي: بارك عليهم البركة مشابهًا بما باركت على إبراهيم وآله، فما على الوجهين مصدرية، أو على أنه نعت لمصدر من لفظ المباركة، أي: بارك ما أعطيتهم مباركًا مماثلًا للبروك المثبت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، فما موصولة أو على أنه حال من البروك، أي: بارك ما أعطيت على محمد وآله حال كونه مماثلًا لما برك على
стр. 562
إبراهيم وعلى آل إبراهيم، هذا خلاصة ما قاله أبو السعود في قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٣].
قال الزرقاني: فالبركة لغة التكثير، قال سعيد بن زيد الباجي المالكي، وقيل: المراد بالبركة ثبات ذلك ودوامه، من قولهم: بركت الإِبل، إذا ثبتت على الأرض، انتهى، أي: المعنى لثبته ما أعطيتهم من الشرف والكرامة، كما أثبته على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، في العالمين والظرف فيه متعلق بقوله: "كما باركت"، يعني زد شرف محمد وآل محمد بين العالمين، كما زدت شرف إبراهيم وآل إبراهيم فيما بينهم، و"العالم" بفتح اللام اسم ما سوى الله تعالى من الجوهر والأعراض، وإنما سمي به؛ لأنه يعلم به الخالق القديم، وهو اسم جمع لا واحد له من لفظه، ويجمع بجمع العقلاء تغليبًا لهم على غير العقلاء؛ لأن كل شيء دال على وحدانية الله تعالى، فكأنه عالم يتعالم منه ذلك، ويستدل كذا قاله أبو السعود. إنك حميدٌ فعيل، بمعنى مفعول، أي: اللهم إن ذاتك وصفاتك محمود بما يليق بهما في جميع الألسنة، أو بمعنى فاعل أي: حامد يحمد أفعال عباده، مجيدٌ بمعنى ماجد المجيد، وهو الشرف، عدل عن الإِنشاء إلى الإِخبار، وعن الغفلة إلى الإِسمية، للدوام والمبالغة، وذلك مناسب الإِفضال وإعطاء المراد من الأمور العظام.
والسلام عطف على قوله: اللهم، أي: قولوا: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، ويؤيده قوله: كما قد عَلِمْتُم"، أي: في التشهد بفتح العين وكسر اللام المخففة، ومنهم من رواه بضم العين وكسر اللام المشددة، كذا نقله علي القاري عن النووي.
قال محمد: أي: ابن حسن بن فرقد الشيباني: كل هذا حَسَن، أي: جميع ما ورد من ألفاظ الصلاة مستحسن، إلا أن الواردين المذكورين أصحها وأشهرها، وقد روى الحديث الأول (ق ٢٩٩) الشيخان، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وابن حبان، عن أبي حميد الساعدي، والحديث الثاني رواه أصحاب الكتب الستة عن كعب بن عجرة، إلا أنه لم يذكر في العالمين، ولفظه: اللهم. . إلخ، واللهم بارك. . . إلخ، كذا قاله علي القاري.
لما فرغ من بيان حكم الصلاة على النبي ﷺ ، شرع في بيان حكم الاستسقاء، فقال: هذا
* * *
стр. 563
باب في بيان حكم الاستسقاء
في بيان حكم الاستسقاء، هو طلب السقاء، وهو المطر عند طول انقطاعه، وفي قوله الاستسقاء إشارة إلى مذهب أبي حنيفة، فإن الاستسقاء عنده دعاء واستغفار فقط، لا صلاة فيه عنده، لقوله تعالى في سورة نوح، حكاية عن نوح ﵇ حين اجتهد قومه القحط والجدب، ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ [نوح: ١٠، ١١]، فعلَّق تعالى نزول الغيث بالاستغفار، وأخذ المصنف هذه الترجمة من هذه الآية، ويؤيده ما في الصحيحين (١) من حديث أنس بن مالك ﵁ أن رجلًا دخل المسجد في يوم الجمعة ورسول الله ﷺ قائم يخطب، فقال: يا رسول الله هلكت الأموال، وانقطعت السبل، فادع الله يغيثنا، قال: فرفع رسول الله ﷺ يديه ثم قال: "اللهم أغثنا"، وثبت أيضًا أن عمر ﵁ استقى ولم يصل، كذا قاله الشمني في (شرح النقاية).
والمناسبة ما بين هذا الباب والباب السابق الدعاء؛ لأن الصلاة في اللغة الدعاء.
٢٩٤ - أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عَمرو بن حَزْم، أنه سمع عبّاد بن تميم المازِنيّ يقول: سمعت عبد الله بن زيد المازني يقول: خرج رسول الله ﷺ إلى المصلى، فاسْتَسْقَى وحَوَّلَ ردَاءَه حين استقبل القبلة.
قال محمد: أما أبو حنيفة. فكان لا يرى الاستسقاء صلاة، وأما في قولنا. فإن الإِمام يصلي بالناس ركعتين ثم يدعو ويحول رداءه، فيجعل الأيمن على الأيسر، والأيسر على الأيمن، ولا يفعل ذلك أحد إلا الإِمام.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا مالك بن أنس، أخبرنا عبد الله بن أبي بكر
стр. 564
ابن محمد بن عَمرو بن حَزْم، الأنصاري، المدني القاضي، ثقة تابعي من الطبقة الخامسة، مات سنة خمس وثلاثين ومائة من الهجرة، وهو ابن سبعين سنة، كذا قاله ابن حجر (١)، أنه أي: عبد الله بن أبي بكر سمع عبّاد بفتح العين المهملة وتشديد الموحدة ابن تميم بفتح الفوقية والميمين المكسورتين بينهما تحتية ساكنة الأنصاري المازِنيّ المدني تابعي من الطبقة الثالثة، وقد قيل: إنه له رواية، كذا في (التقريب) لابن حجر (٢)، يقول: سمعت عبد الله بن زيد المازني بكسر الزاي، أي: مازن الأنصاري، صاحب حديث الوضوء، وهو عبد الله بن عاصم بن كعب لا عبد الله بن زيد بن عبد ربه، صاحب رؤيا الأذان، كما زعم ابن عيينة، وقد وهمه البخاري، يقول: خرج رسول الله ﷺ إلى المصلى، أي: مصلى العيد بالصحراء في المدينة إلا أنه في التواضع أوسع للناس، قال الفقهاء: ويستحب الخروج للاستسقاء ثلاثة أيام متتابعات، مشاة في ثياب خلقة غسيلة أو مرقعة، متذللين متواضعين خاشعين لله، ناكسي رؤوسهم مقدمين الصدقة، كل يوم قبل خروجهم، ويجدون التوبة، ويستغفرون للمسلمين، ويردون المظالم، وقالوا: ويستحب إخراج الدواب بأولادها، ويفرقون بينهما ليحصل المراد بزيادة الحزن، ويستحب خروج الشيوخ الكبار والأطفال (ق ٣٠٠)؛ لأن نزول الرحمة بينهم أسرع قال رسول الله ﷺ : "هل تُرزَقون وتُنْصَرُونَ إلا بضعفائكم"، رواه البخاري، وفي خبر آخر: "لولا شباب خُشع، وبهائم رُتع، وشيوخٌ رُكَّع، وأطفالٌ رُضع، لَصُبَّ عليكم العذاب صبًا"، فاسْتَسْقَى أي: دعا بأن يقول: "اللهم اسقنا غيثًا مغيثًا هنيئًا مريئًا مريعًا غدقًا غير راتب مجللًا طبقًا دائمًا".
قوله: "غيثًا" أي: مطرًا، وقوله: "مغيثًا" بضم أوله، أي: منقذ من الشدة، قوله: "هنيئًا" بالمد والهمزة، أي: لا ينقصه شيء، أو يمر الحيوان من غير ضرر، قوله: "مريئًا" بفتح أوله وبالمد والهمزة، أي محمود العافية أو الهنيء النافع ظاهرًا، والمريع النافع باطنه، قوله: "مريعًا" بضم الميم وكسر الراء المهملة، وسكون التحتية والعين المهملة أي: إتيانًا لريع وهو الزيادة، وقيل: الريع [غابة] (٣)، ويجوز فتح الميم هنا، أي: ذريع أي نماء قوله: "غدقًا"، أي: كثير الماء والخيرات، وقطره كبار، قوله: "عاجلًا"، أي: سريعًا،
стр. 565
قوله: "غير راتب"، أي: غير نصب ولا تعب، قوله: "مجللًا"، بكسر اللام أي: سائق الأفق لعمومه، أو الأرض بالنبات سجل الغرس، قوله: "سحا" بفتح السين المهملة وتشديد الحاء المهملة، أي: شديد الواقع بالأرض، من ساح إذا جرى، قوله: "طبقًا" بفتح أوله، أي: ستر الأرض حتى يعمها، قوله: "دائمًا"، أي: إلى انتهاء الحاجة إليه.
وحَوَّلَ بتشديد الواو، أي: قلب ردَاءَه بأن جعل أسفله أعلاه إن كان مربعًا، أو جعل جانب الأيمن على الأيسر، وإن كان مدورًا كالجبة، حين استقبل القبلة، والسر في تقليب ردائه للتفاؤل ليقلب حالهم من القحط إلى الخصب، ومن اليسر إلى العسر.
قال محمد: أما أبو حنيفة. فكان لا يرى أي: لا يختار في الاستسقاء صلاة، أي: مشروعة بجماعة، وإن صلوا فرادى جاز، وبه قال أبو يوسف في رواية لقوله تعالى: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾ [نوح: ١٠]، وأما الاستسقاء في قولنا يعني نفسه، وأبا يوسف في رواية، فإن الإِمام أي: الخليفة ونائبه يصلي بالناس ركعتين كصلاة العيد في الجهر بالقراءة، والصلاة بلا أذان ولا إقامة، ويخطب بعد الصلاة خطبتين، ويجلس بينهما واحدة عندنا وعند الشافعي، وقال مالك: سنة الاستسقاء ركعتان يخطب قبلهما كخطبة الجمعة، ثم أي: بعد الصلاة يدعو رافعًا يديه لا روى أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ كان لا يرفع يديه حتى يرى بياض إبطه، ويمد يديه، ويجعل بطونهما مما يلي الأرض، ويحول من التفعيل، أي: يقلب رداءه، فيجعل الأيمن على الأيسر، والأيسر على الأيمن، إن كان مدورًا كالجبة، لما رُوي في الكتب الستة (١)، عن عبد الله بن عاصم أن رسول الله ﷺ خرج بالناس فصلى بهم ركعتين، وحَوَّل ردائه فدفع واستسقى واستقبل القبلة، (ق ٣٠١) زاد البخاري: وجهر فيهما بالقراءة، ولا يفعل ذلك أي: تحويل الرداء أحد إلا الإِمام، وهو اختيار الطحاوي وأبي حنيفة ﵀، أن الاستسقاء دعاء، وفي سائر الأدعية لا تقلب فيها رداء، وما فعله النبي ﷺ وكان تفاؤلًا أو عرف ﷺ بالوحي تغيير الحال عند قلب الرداء.
والحاصل أنه ﷺ يحتمل في تقليب الرداء أنه فعل بوحي، أو قصد تفاؤل فلو فعل غيره لتعين أن يكون تفاؤلًا، وهو تحت الاحتمال، فلم يتم به الاستدلال، فإن قيل: كيف
стр. 566
التوفيق بين قول أبي حنيفة وبين قول محمد وأبي يوسف، فإن أبا حنيفة قال: لا صلاة في الاستسقاء، وقال محمد وأبو يوسف: صلاة. أجيب بأن مراد أبي حنيفة لا صلاة في الاستسقاء، يعني: لا صلاة مع الجماعة في الاستسقاء، وإن صلى الناس فرادى أحدانًا جاز، وهذا جمع بين قولهم فحينئذ صلاة الاستسقاء مشروع عند الجمهور.
لما فرغ من بيان أحكام الاستسقاء شرع في بيان ثواب انتظار الصلاة بعد الصلاة في المكان الذي صلى فيه، فقال: هذا
* * *
باب الرجل يصلي ثم يجلس في موضعه الذي صلى فيه
في بيان أحكام حال الرجل يصلي ثم يجلس في الموضع الذي صلى فيه، أي: ولم يتحول من مكانه، اعتناءً بشأنه، والمناسبة بين هذا الباب والباب السابق ظاهرة.
٢٩٥ - أخبرنا مالك، أخبرنا نُعَيْم بن عبد الله الْمُجْمِر، أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ : "إذا صلى أحدكم ثم جلس في مُصَلَّاه، لم تزل الملائكة تصلي عليه؛ اللهم صل عليه، اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، فإن قام من مُصَلَّاه فجلس في المسجد ينتظر الصلاة، لم يزل في صلاة حتى يصلّي".
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا مالك بن أنس بن عمير بن أبي عامر الأصبحي، الإِمام، من أتباع التابعين، في الطبقة السابعة من أهل المدينة، وهي في الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة، أخبرنا وفي نسخة: أنا، رمزًا إلى أخبرنا، وفي نسخة أخرى: حدثني نُعَيْم بصيغة التصغير ابن عبد الله أي: المدني مولى عمر الْمُجْمِر، بضم الميم وسكون الجيم وكسر الميم الثانية، وبفتح الجيم، وكسر الميم المشددة، من أوسط التابعين في الطبقة الثالثة، مر منقبته في باب الصلاة في الثوب الواحد، أنه سمع أبا هريرة ﵁, قال ابن عبد البر: هكذا هو في (الموطأ) موقوفًا، وقد رفعه عن مالك بهذا الإِسناد ابن وهب وإسماعيل بن جعفر، وعثمان بن عمر، والوليد بن مسلم، ويحيى بن بكير.
стр. 567
انتهى، ومنهم محمد حاكيًا عن أبي هريرة أنه يقول: قال رسول الله ﷺ : "إذا صلى أحدكم فرضًا أو واجبًا أو نفلًا؛ لأن حذف المفعول يوزن بالعموم، ثم جلس في مُصَلَّاه، أي: في بيته أو غيره لم تزل الملائكة أي: الحفظة أو السيارة أو أعم من ذلك، ذكره العراقي في (شرح الترمذي)، تصلي عليه؛ أي: تدعو له قائلين: اللهم صل عليه، أي: أنزل عليه من رحمتك وبركتك، اللهم اغفر له، أي: امح سيئاته، اللهم ارحمه، أي: بقبول حسناته، زاد ابن ماجه: "اللهم تب عليه"، ذكره السيوطي، أي: وفقه للتوبة، أو تقبلها منه، فإن قام من مُصَلَّاه فجلس في المسجد أي: إن تحول من مجلس محله إلى مسجده حال كونه ينتظر الصلاة، أي: الجماعة أو صلاة بعد صلاة، لم يزل في صلاة أي: حكمًا باعتبار الثواب حتى يصلّي"، أي: الصلاة التي انتظر إليها.
قال مالك في (الموطأ): عن العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ (ق ٣٠٢) قال: "ألا أخبركم بما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟ "، أي: المنازل في الجنة، كذا قاله الزرقاني في شرح (الموطأ) "إسباغ الوضوء - أي: إكماله - عند المكاره، وكثرة الخُطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط" (١)، أي: كررها ثلاثًا على معنى التعظيم لشأنه.
لما فرغ من بيان أحكام صلاة التطوع، شرع في بيان صلاة التطوع بعد الفريضة، فقال: هذا
* * *
باب صلاة التطوع بعد الفريضة
في بيان أحكام صلاة التطوع، أي: حال كونها بعد الفريضة، وإضافة الصلاة إلى التطوع من قبيل إضافة الموصوف إلى صفاته. قال علي القاري: والمراد بالتطوع السنن المؤكدة. انتهى. وبعد ظرف زمان مفتوح لأجل ذكر المضاف إليه، والألف واللام في الصلاة للعهد الخارجي؛ لأن المراد بها صلاة الظهر والمغرب والعشاء وصلاة الجمعة، وسيأتي بيان ما هو المراد من الصلاة هنا.
стр. 568
٢٩٦ - أخبرنا مالك، حدثنا نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ : كان يصلي قبل الظهر ركعتين، وبعدها ركعتين، وبعد صلاة المغرب ركعتين في بيته وبعد صلاة العشاء ركعتين، وكان لا يصلي بعد الجمعة في المسجد حتى ينصرف، فيسجد سجدتين.
قال محمد: هذا تَطَوُّع، وهو حَسَنٌ، وقد بلغنا عن النبي ﷺ أنه كان يصلي قبل صلاة الظهر أربعًا إذا زالت الشمس، فسأله أبو أيوب الأنصاري عن ذلك فقال: "إن أبواب السماء تُفْتَحُ في هذه الساعة، فَأُحِبُّ أن يصعد لي فيها عمل"؛ فقال: يا رسول الله أَيُفصَل بينهن بسلام؟ فقال: "لا". أخبرنا بذلك بُكَيْر بن عامر البَجَلي، عن إبراهيم، والشَّعْبي عن أبي أيوب الأنصاري.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزا إلى حدثنا، حدثنا وفي نسخة: قال: عن نافع، أي: المدني، مولى عبد الله بن عمر، عن ابن عمر، ﵄ أن رسول الله ﷺ : كان يصلي قَبْل الظهر ركعتين، أي: أحيانًا، وفي حديث عائشة ﵂، كان ﷺ لا يدع أربعًا قبل الظهر، رواه البخاري وغيره، وقال الداودي: هو محمول على أن كل واحد وصف ما رأى، ويحتمل أن ينسى ابن عمر ركعتين من الأربع، قال الحافظ ابن حجر: هذا الاحتمال بعيد، والأولى أن يحمل على حالين، فتارة كان يصلي ثنتين، وتارةً يصلي أربعًا، وقيل: يحمل على أنه كان في المسجد تقتصر على ركعتين، وفي بيته أربعًا، أو يصلي في بيته، واطلعت عائشة على الأمرين، ويقوي الأول ما رواه أحمد وأبو داود (١) في حديث عائشة على الأمرين: كان يصلي في بيته قبل الظهر أربعًا ثم يخرج.
قال ابن جرير: الأربع كانت في كثير من أحواله، والركعتان في قليلها،
стр. 569
وبعدها ركعتين، أي: غالبًا، للترمذي، وصححه مرفوعًا: "من حافظ على أربع ركعات قبل الظهر وأربع بعدها حرَّمه الله على النار" (١)، ولم يذكر الصلاة قبل العصر، وللترمذي والنسائي عن علي ﵁، كان يصلي قبل العصر أربعًا (٢)، ولأحمد وأبي داود والترمذي، وصححه ابن حبان عن أبي هريرة ﵁ يرفعه: "رحم الله امرأ يصلي قبل العصر أربعًا" (٣)، وبعد صلاة المغرب ركعتين في بيته وفي نسخة لفظة: "صلاة" لم توجد، كما لم توجد في (الموطأ) لمالك، وقوله: في بيته يحتمل أن يكون ظرفًا للكل، وهو أنسب أو لما يليه، وهو أقرب، قال ابن عبد البر: هكذا رواه يحيى ولم يقل: في بيته إلا ركعتين بعد المغرب فقط، وتابعه القعنبي على ذلك، وقال ابن بكير في هذا الحديث: في بيته في موضعين: أحدهما: في ركعتين بعد المغرب، والأخرى: في ركعتين بعد الجمعة، وابن وهب يقول: في ركعتين بعد المغرب وبعد العشاء في بيته (ق ٣٠٣)، وبعد صلاة العشاء ركعتين، زاد ابن وهب وجماعة: في بيته، وكان لا يصلي بعد الجمعة في المسجد حتى ينصرف، أي: من الفريضة، أو من المسجد إلى بيته، فيسجد سجدتين، أي: يصلي ركعتين، هكذا في الأصل.
لكن ذكره السيوطي في (جامعه الصغير)، ولفظه: كان يصلي قبل الظهر ركعتين وبعدها ركعتين، وبعد المغرب ركعتين في بيته، وبعد العشاء ركعتين، وكان لا يصلي بعد الجمعة حتى ينصرف من المسجد إلى بيته فيصلي ركعتين في بيته (٤)، رواه مالك والشيخان وأبو داود والنسائي عن ابن عمر.
وروى مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من كان منكم مصليًا بعد الجمعة فليصل أربعًا" (٥)، ومن ههنا قال علماؤنا: أن سنة الجمعة بعدها
стр. 570
أربع، وقال أبو يوسف: ست، وأما قبلها فكما قبل الظهر على ما سيأتي.
قال محمد: هذا أي: جميع ما ذكر تَطَوُّعُ أي: غير فريضة، وهو أي: عمل التطوع حَسَنٌ، أي: مسنون مستحسن، وقد بلغنا عن النبي ﷺ أنه كان يصلي قبل صلاة الظهر أربعًا إذا زالت الشمس، فسأله أي: النبي ﷺ أبو أيوب الأنصاري ﵁، اسمه خالد بن زيد بن كليب، من كبار الصحابة، شهد بدرًا، ونزل النبي حين قدم المدينة، وتحمل لواءه ﷺ ، ومات غازيًا بالروم سنة خمسين من الهجرة، كذا قاله ابن حجر في (التقريب في أسماء الرجال)، ومدفون خارج سور القسطنطينية نحو الميلين، وهي في الإِقليم الخامس من الأقاليم السبعة، وبنى ملك الروم أبو الفتح سلطان محمد بن خان غازي جامعًا شريفًا ذا المنارتين قرب قبره حين فتح القسطنطينية ووجد قبره، وهو مشهور يُزار الآن، عن ذلك أي: عن سبب ما ذكر، فقال: "إن أبواب السماء تُفتَحُ في هذه الساعة، أي: لقبول الطاعة، فَأُحِبُّ أن يصعد أي: بصيغة الفاعل أو المفعول، أي: يطلع ويرتفع لي فيها عمل"؛ أي: صَالح، كما في نسخة من رواية: خير، فقال: أي: أبو أيوب يا رسول الله أَيُفصَل بصيغة المجهول بينهن أي: في وسطهن بسلام؟ فقال: "لا" أي: لا يفصل، والمعنى أن عدم الفصل أولى كما لا يخفى. أخبرنا بذلك أي: الحديث المذكور بُكَيْر بصيغة التصغير ابن عامر البَجَلي، أي: أبو إسماعيل الكوفي من الإِقليم الثالث من الأقاليم السبعة، وهو من الطبقة السادسة، كذا في (التقريب) عن إبراهيم أي: ابن زيد النخعي بن الأسود بن ربيعة بن حارث بن سعد بن مالك، تابعي كان في الطبقة الرابعة من طبقات الحنفية رأى عائشة ﵂، والشَّعْبي أي: وكلاهما عن أبي أيوب الأنصاري، ﵁، وفي رواية، قلت: أفي كلهن قراءة؟ قال: "نعم"، قلت: أيفصل بينهن بسلام؟ قال: "لا".
وقد روى ابن ماجه بإسناد حسن عن أبي أيوب، ولفظه: كان يصلي قبل الظهر أربعًا إذا زالت الشمس، لا يفصل بينهن بتسليم، ويقول: "أبواب السماء تفتح إذا زالت الشمس"، وأجمع ما في هذا الباب ما رواه الجماعة إلا البخاري من حديث أم حبيبة بنت أبي سفيان أنها قالت: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "ما من عبد مسلم يصلي في كل يوم اثنتي عشرة ركعة تطوعًا من غير الفرائض إلا بنى الله له بيتًا في (ق ٣٠٤) الجنة"، زاد الترمذي والنسائي: "أربعًا قبل الظهر، وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب، وركعتين بعد العشاء،
стр. 571
وركعتين قبل صلاة الغداة"، ويستحب الأربعة قبل العصر، لما روى أبو داود والترمذي، وقال: هذا الحديث حسن عن ابن عمر ﵄ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "رحم الله امرأ صلى قبل العصر أربعًا"، وكذا يستحب بعد العشاء أربعًا، لما روى البخاري عن ابن عباس ﵄ أنه قال: بتُ عند خالتي ميمونة بنت الحارث، زوج النبي ﷺ فصلى النبي ﷺ العشاء ثم جاء إلى منزله، فصلى أربع ركعات، ثم نام، ثم قام فصلى خمس ركعات، ثم ركعتين، ثم خرج إلى الصلاة، ولا يخفى من جملة ثلاث الوتر، فدل على أن أقل التهجد ركعتان، والمراد بقوله: ثم ركعتين، أي: سنة الصبح، ولعل بيتوتة عبد الله بن عباس عند خالته وقعت متعددة.
لما فرغ من بيان أحكام صلاة التطوع بعد الفريضة، شرع في بيان حكم حال الرجل لمس القرآن جنبًا أو غير متوضئ, فقال: هذا
* * *
باب الرجل يمس القرآن وهو جنب أو على غير طهارة
في بيان أحكام حال الرجل، أي: الذي، أو حال كونه يمس القرآن، أي: المصحف الذي كتب فيه ما يدل على الكلام النفسي لله تعالى، وهو، أي: والحال أن ذلك الرجل جنب أو على غير طهارة، أو غير متوضئ، و"أو" للتنويع للإِيماء بأن حكم الجنب في هذه المسألة سواء، وهو الحرمة، وفي معنى الجنب الحائض والنفساء، وفي هذه الترجمة تلميح إلى قوله تعالى في سورة الواقعة: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩]، وهو أي: التلميح أيضًا من فحوى الكلام، أي: في معناه إلى قصة أو شعر من غير أن تذكر صريحًا، كذا قاله السيد الشريف الجرجاني.
٢٩٧ - أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حَزْم، قال: إن في الكتاب الذي كتبه رسول الله ﷺ لعمرو بن حَزْم: "لا يَمسُّ القرآن إلا طاهر".
стр. 572
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، أخبرنا وفي نسخة: قال: بنا، رمزًا إلى أخبرنا، وفي نسخة أخرى: ثنا، رمزًا إلى حدثنا عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حَزْم، أي: ابن زيد بن الوزان الأنصاري، المدني القاضي، ثقة في الطبقة الخامسة، قال بعض المؤرخين: إنه مات في خمس وثلاثين ومائة بعد الهجرة، وهو ابن سبعين سنة، كذا قاله ابن حجر في (التقريب)، قال: إن في الكتاب أي: المكتوب الذي كتبه رسول الله ﷺ لعمرو بن حَزْم أي: حين استعمله ﷺ على نجران، وهو بلد باليمن، وهو القاضي فيها سنة عشر، وفيه مجاز في الإِسناد كبنى الأمير المدينة، أي: كتب كاتبه ﷺ لعمرو بن حزم، وإلا خالف ظاهره بقوله تعالى في سورة الأعراف: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، والمراد بالنبي الأميّ: الذي لم يكتب ولم يقرأ من المكتوب، وهو محمد ﷺ ، "لا يَمَسُّ القرآن أي: رجل مؤمن مكلف من غير حائل، لما في البخاري عن أبي وائل، أنه كان يدل خادمه وهي حائض إلى أبي زرين لتأتيه بالمصحف فتمسكه بغلافة، وفي نسخة: بعلاقته، بكسر العين المهملة، أي: حمائله التي يحمل بها، قوله: "لا يمس القرآن" نفي بمعنى النهي، ويؤيده قوله تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩]؛ لأن خبر الله تعالى لا يكون خلافه، وقد وجد من لا يمسه غير طاهر فثبت أن المراد به نهي (ق ٣٠٥) تحريمي، إلا طاهر"، أي: متوضئ إكرامًا للقرآن وتعظيمًا، فيستوي في ذلك من [في] (١) يديه دنس ومن لا يوجد، هذا خلاصة ما قاله الزرقاني من مس القرآن بغير الوضوء، فقد ارتكب نهيًا تحريميًا.
فما ظن من ألقى المصحف في الأرض تساهلًا له غير مبال له؟ ألم ير إلى قوله ﷺ : "القرآن شافع مشفع، وماحل - أي: مشتكي إلى الله تعالى - فمن جعله أمامه قاده إلى الجنة - من عمل بموجبه، وعظيم شأنه بأنواع التعظيم يجره إلى الجنة - ومن جعله خلف ظهره، قاده إلى النار"، أي: ومن لم يعمل بموجبه، ولم يعظم شأنه، ولم ينظر بإجلال نظر وألقاه في الأرض تساهلًا، يطرحه القرآن في النار.
* * *
стр. 573
٢٩٨ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن ابن عمر، أنه كان يقول: لا يسجد الرجل ولا يقرأ القرآن إلا وهو طاهر.
قال محمد: وبهذا كله نأْخذ، وهو قولُ أبي حنيفة، إلا في خصلة واحدة، لا بأس بقراءة القرآن على غير طهر؛ إلا أن يكون جنبًا.
• أخبرنا مالك، أي: ابن أنس بن عمير بن أبي عامر الأصبحي، الإِمام، من أتباع التابعين في الطبقة السابعة من أهل المدينة، وهي في الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة، أخبرنا وفي نسخة: قال: ثنا، نافع، أي: المدني مولى ابن عمر، عن ابن عمر، أنه كان يقول: لا يسجد الرجل أي: لا يضع المؤمن جبهته على الأرض بقصد العبادة ولا يقرأ القرآن إلا وهو طاهر، أي: من النجاسة الكبرى وهي الجنابة، والحديث رواه الطبراني بإسناد حسن عن ابن عمر، وروى الحاكم في (المستدرك) وقال: صحيح الإِسناد عن حكيم بن حزام، أنه قال: لما بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن، قال: "لا تمس القرآن إلا وأنت طاهر".
قال محمد: وبهذا أي: بهذا الحديث الذي ذكر في هذا الباب كله نأْخذ، أي: نعمل ونُفتي، وهو أي: أن لا يسجد المحدث، وأن لا يقرأ القرآن جنب، قولُ أبي حنيفة، إلا في خصلة واحدة، وهي التيمم استثناء من كله لا بأن أي: لا كراهة بقراءة القرآن على غير طهر؛ أي: بلا وضوء، سواء أكان قارؤه نظرًا في المصحف وقراءة بظهر القلب، لما روى عبد الله بن عباس ﵄، أنه قال: استيقظ رسول الله ﷺ ومسح النوم عن وجهه ثم قرأ العشر الآيات من آخر سورة آل عمران، ثم قام إلى شن فتوضأ، وقال عليّ ﵁: كان رسول الله ﷺ لا يحجبه عن تلاوة القرآن شيء إلا الجنابة، ولا خلاف في ذلك بين العلماء إلا من شذ منهم، إلا أن يكون جنبًا، وفي معناه الحائض والنفساء، وكذا قال علي القاري والزرقاني.
لما فرغ من بيان حكم حال الرجل يمس القرآن وهو جنب، أو على غير طهارة، شرع في بيان أحكام حال الرجل يجر ثوبه والمرأة تجر ذيلها، فقال: هذا
* * *
стр. 574
باب الرجل يجر ثوبه أو المرأة تجر ثوبها فيعلق به قذر ما كره من ذلك
في بيان حكم حال الرجل يجر ثوبه، والمرأة تجر ذيلها فيعلق به قذر ما يكره من ذلك، أي: من المستقذر كالدم والبول وغيرهما، وفي نسخة: ما كره، ويعلق من باب علم يقال: علق الشوك بالثوب ينشب به من باب علم، أي: بل الثوب بما يستقذر به، والقذر بفتح القاف، والذال المعجمة ما يتقذر به مع النجاسة، وذا في قوله: من "ذلك" اسم إشارة، واللام [عمادي] (١) جيء به للدلالة على بعد المشار إليه وهو القذر عن ثوب المؤمن وبدنه، والكاف للخطاب (ق ٣٠٦) بالكاف أشار المصنف بذكر المشار إليه المحسوس، الذي يبعد المؤمن عن الصلاة التي تقربه بربِّه إلى ما يبعد المؤمن عن ربه من دنس المعاصي المعقول، فاستنبط هذه الترجمة من قوله تعالى في سورة المدثر: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤].
٢٩٩ - أخبرنا مالك، أخبرني محمد بن عُمارة بن عامر بن عمرو بن حَزْم، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التَّيْمِيّ، عن أُم ولدٍ لإِبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، أنها سألت أم سلمة زوج النبي ﷺ ، فقالت: إني امرأة أُطيل ذَيْلي وأمشي في المكان القَذر، فقالت أُم سلمة: قال رسول الله ﷺ : "يطهره ما بعده".
قال محمد: لا بأس بذلك ما لم يعلق بالذيل قَذر، فيكون أكثر من قدر الدرهم الكبير: المثقال، فإذا كان كذلك، فلا يُصَلِّيَنَّ فيه حتى يغسله، وهو قول أبي حنيفة.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، أخبرنا، وفي نسخة قال: أخبرني محمد بن عُمارة بضم العين المهملة، وفتح الميم والألف والراء المهملة بعدها هاء، ابن عامر بن عمرو بن حَزْم، أي: الأنصاري المدني، صدوق من الطبقة السابعة، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التَّيْمِيّ، أبو عبد الله المدني، ثقة له أفراد، من الطبقة الرابعة، مات سنة عشرين كما نقله ابن حجر عن بعض المؤرخين، عن أُم ولدٍ لإِبراهيم بن عبد الرحمن
стр. 575
ابن عوف، الزهري، قال بعض المؤرخين: لها [رؤية وسماعة من اشتبه يعقوب بن شيبة] (١)، ماتت سنة ست وتسعين بعد الهجرة، أنها أي: أم ولد إبراهيم سألت أم سلمة زوج النبي ﷺ ، فقالت: إني أمرأة أُطيل بضم الهمزة وكسر الطاء المهملة وسكون التحتية واللام، ذَيْلي بمعنى أسفل ثوبي، وأمشي في المكان القَذر، بفتح فكسر، فقالت أُم سلمة ﵂: قال رسول الله ﷺ : أي: في جوابه مثل هذا السؤال: "يطهره أي: الذيل ما بعده" أي: المكان الذي بعد المكان القذر، ويزال ما تشبث بالزيل من القذر يابسًا وإطلاقه التطهير مجازي كنسبة الإِسنادي، قال ابن عبد البر وغيره: قال مالك: معناه في العنب اليابس، والقذر الجاف الذي لا يعلق من بالثوب شيء وإنما يعلق به، فيزول التعلق بما بعده؛ لأن المكان الذي أصابته النجاسة يطهره عند الماء، ذكره السيوطي، والقَسْب بقاف وسين مهملة وموحدة العنبر الشديد. والحديث رواه الشافعي وأحمد والترمذي وأبو داود والدارمي عنها أيضًا.
قال محمد: لا بأس أي: لا ضرر بذلك أي: بطول الثوب للنساء لو تحرزن عن النجاسة ولا يتبرجن تبرج الجاهلية الأولى، كمال ما لم يعلق بالذيل قَذر، أي: ما لم يلصق به نجس، فيكون أي: ذلك القذر في الكمية، أكثر من قدر الدرهم الكبير، أي: الذي قدر المثقال، وهذا في الكثيف، وأما في الرقيق فقدر بقدر عرض الكف، فإذا كان كذلك، أي: مقدار الدرهم، فلا يُصَلِّيَنَّ بالنهي المؤكدة، فيشمل الرجل والمرأة والفاء في فلا يصلين لم تؤكد في بعض النسخ، لكنها وجدت في الأصل لمالك، فيه أي: في ذلك الثوب، حتى يغسله أي: الثوب الذي أصابته النجاسة، وهو أي: عدم جواز الصلاة في الثوب الذي أصابته النجاسة أكثر من قدر الدرهم حتى يغسله، قول أبي حنيفة، رحمه الله تعالى، وقال زُفر والشافعي: لا يعفي من النجاسة شيء؛ لأن النص أي: قوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤]، لتطهير النجاسة لم يفضل بين قليل وكثير، وقال مالك: كل نجاسة سوى الدم لا يعفى (ق ٣٠٧) شيء منها؛ لأنها لا يمكن الاحتراز عن جنسها، ولنا أن القليل من النجاسة لا يمكن التحرز عنه، فكان عفوًا، وقدرناه بالدراهم أخذًا من الموضع الاستنجاء، كذا قاله علي القاري.
لما فرغ من بيان بعض المشروعات، شرع في بيان حكم بعضها، فقال: هذا
* * *
стр. 576
باب فضل الجهاد
في بيان فضل الجهاد، بكسر الجيم المحاربة مع الكفار، هو في اللغة مصدر جاهد في سبيل الله، وفي الشرع: الدعاء إلى دين الحق، والقتال مع من لا يقبله، كذا في (التحفة)، شُرعَ بعد الهجرة اتفاقًا، اقتبس المصنف هذه الترجمة من قوله تعالى في سورة النساء: ﴿فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [النساء: ٩٥]، وهو فرض عين إن هجم الكفار، فتخرج المرأة والعبد بلا إذن الزوج والسيد؛ لأن حق الزوج والمولى لا يظهر في فروض الأعيان كالصلاة والصوم، وكذا يخرج الولد بغير إذن والديه، والمديون بغير إذن دائنه، وفي غير هذه الحالة لا يخرجان إلا بإذنهما، وكذا في كل سفر فيه مشقة؛ لأن الإِشفاق على الولد مضر بوالديه وعلى الديون، ومضر على دائنه، والأصل فيه قوله تعالى في سورة التوبة: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [التوبة: ٤١]. قوله: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾، أي: اخرجوا في سبيل الله صحاحًا ومراضًا، أو شبابًا وشيوخًا، أو ركبانًا ومشاة، أو خفافًا من السلاح وثقالًا منه، أو فقراء وأغنياء، يعني لا تهنوا عن الغزو، وقوله: ﴿وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي: في دينه وطاعته، قوله: ﴿ذَلِكُمْ﴾ أي: الجهاد في سبيله، قوله: ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ مِنْ تركه، قوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، أي: تصدقون بأن للخروج إليه ثوابًا، وللجلوس عنه عقابًا. قيل: نسخت هذه الآية بقوله: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ﴾ الآية [التوبة: ٩١].
وقيل: لم تُنسخ، لأنه إذا وقع النفير عامًا يكون فرضًا عامًا، وإذا لم يكن عامًا فبخروج البعض سقط عن الباقي، كذا في (عيون التفاسير) لأحمد بن محمود السيواسي، وفي (الذخيرة) عند النفير، وهو أن يهجم الكفار يصير الجهاد فرض عين على من يقرب من العدو، وهم يقدرون على الجهاد، وأما من عداهم فمن بعد ففي حقهم فرض كفاية إذا لم يحتج إليهم، فإن احتيج بأن عجز القريب أو تكاسل ولم يجاهد يكون فرض عين على من يليهم، ثم وثم إلى أن يتقرر على جميع أهل الإِسلام شرقًا وغربًا.
هذا خلاصة ما قاله الشمني في شرح (النقاية).
стр. 577
٣٠٠ - أخبرنا مالك، حدثنا أبو الزِّنَادِ، عن الأعرج، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: "مَثَل المجاهد في سبيل الله كمثل الصائم القانت الذي لا يَفْتُر من صيام ولا صلاة، حتى يرجع".
• أخبرنا مالك، أي: ابن أنس بن عمير بن أبي عامر الأصبحي، من أتباع التابعين في الطبقة السابعة من أهل المدينة، وله تسعون سنة، كذا قاله بعض المؤرخين، حدثنا وفي نسخة: ثنا أبو الزِّنَادِ، بكسر الزاي، وتخفيف النون، عبد الله بن ذكوان، تابعي، في الطبقة الخامسة، عن الأعرج، أي: عبد الرحمن بن هرمز، ويكنى أبا داود المدني، مولى ربيعة بن الحارث، ثقة، ثبت عالم من الطبقة الرابعة، كما قال بعض أهل الطبقات، ومات سنة سبع عشرة، كذا قاله ابن حجر في (التقريب)، عن أبي هريرة، ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "مَثَل المجاهد في سبيل الله، قال سعيد بن زيد الباجي - من المالكية -: جميع أعمال البر في سبيل الله، إلا أن هذه اللفظة إذا طلعت في الشرع اقتضت الغزو إلى العدو، كمثل الصائم أي: نهاره، القانت أي: المعنى، (ق ٣٠٨) وليحيى كمثل الصائم الدائم، الذي لا يَفْتُر من باب نصر، أي: لا يمل ولا يكل من صيام ولا صلاة، حتى يرجع"، أي: من غزوه إلى وطنه، والمعنى أن له من الثواب على جهاده، مثل ثواب المستديم للصيام والصلاة لا يفتر منهما.
قال سعيد بن زيد الباجي - من المالكية -: وإنما أحال على ثواب الصائم والقائم، وإن كنا لا نعرف مقداره، كما قدر من الشرع من كثرته وغرق من عظمته، ذكره السيوطي، والحديث رواه الشيخان، والترمذي، والنسائي، عن أبي هريرة مرفوعًا، بلفظ: "مثل المجاهد في سبيل الله - والله أعلم بمن يجاهد في سبيله - كمثل القائم الدائم الذي لا يفتر من صيام ولا صدقة حتى يرجع، وتوكل على الله للمجاهد في سبيل الله إن توفاه أن يدخله الجنة، أو يرجعه سالمًا مع أجر أو غنيمة"، و"أو" للتنويع لا للشك، كما لا يخفى، كذا قاله علي القاري.
стр. 578
وقال القاضي عياض: هذا تفخيم عظيم للجهاد؛ لأن الصائم وغيره مما ذكر في الفضائل قد عدلها كلها الجهاد حتى صارت جميع حالات المجاهد، وتصرفاته المباحة تعدل أجر المواظب على الصلاة وغيرها، وفيه أن الفضائل لا تدرك بالقياس، وإنما هي إحسان من الله لمن شاء. انتهى.
* * *
٣٠١ - أخبرنا مالك، حدثنا أبو الزِّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "والذي نفسي بيده: لَوَدِدْتُ أنْ أُقَاتِل في سبيل الله فأُقْتَل، ثم أحْيا فَأُقْتَل، ثم أُحْيا فأُقْتَل"، فكان أبو هريرة يقول ثلاثًا: أُشهدُ الله.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، حدثنا وفي نسخة: بنا، رمزًا إلى أخبرنا أبو الزِّناد، بكسر الزاي، وفتح النون المخففة والألف والدال المهملة، أي: عبد الله بن ذكوان تابعي في الطبقة الخامسة، عن الأعرج، أي: عبد الرحمن بن هرمز، من كبار التابعين، ويكنى أبا داود المازني مولى ربيعة بن الحارث، ثبت، ثقة، عالم من الطبقة الرابعة، عن أبي هريرة، ﵁، أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "والذي نفسي بيده، أي: أقسم بالذي ذاتي أو روحي بقبضة قدرته لَوَدِدْتُ بكسر الدال الأولى وسكون الثانية، أي: تمنيت وأحببت أنْ أُقَاتِل بصيغة المفاعلة في سَبيل الله فأُقْتَل، بصيغة المجهول، وكذا ثم أحْيا بضم الهمزة وسكون المهملة وفتح التحتية، وبعدها ألف مقصورة، فَأُقْتَل، ثم أُحْيا فأُقْتَل، ثم أُحْيا فأُقْتَل"، والتمني له بالقصد حصول أجر الشهادة، ثم الأحسن حمل "ثم" هنا للتراخي في الرتبة؛ لأن التمني حصول رتبة بعد رتبة إلى أن ينتهي إلى الفردوس الأعلى، فكان أبو هريرة يقول ثلاثًا: أُشهدُ الله، وفي نسخة: بالله، أي: والله لقد قال ما ذكر، يعني كرر النبي ﷺ القتل ثلاث مرات، فالعامل في ثلاث قال المحذوف، والمعنى كان أبو هريرة يقول: أشهد الله ثلاث مرات، فالعامل فيه يقول.
وأول الحديث ما رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "والذي نفسي بيده، لولا أن رجالًا من المؤمنين أن يتخلفوا عني ولا أجد
стр. 579
ما أحملهم عليه، ما تخلفت على سرية - وهي طائفة من الجيش - تغزو في سبيل الله، والذي نفسي بيده لوددت. . . إلى آخره".
قال الطيبي: يعني ﵇: أريد أن أمشي إلى الغزو، ومع كل جيش من غاية فضل الجهاد، ولكن إن بعض أصحابي فقراء، وليس لهم مركوب، فإن ذهبت إلى الغزو وتركتهم في مقامهم لضاقت صدورهم بتخلفهم، أي: بتأخرهم عني ومفارقتهم إياي، وما كان لي مركوب أعطيتها إياهم. انتهى.
فيه سؤال هو: هل يجوز الدعاء بالشهادة، مع أنه يستلزم تمكين الكفار وغلبتهم على المسلمين، والقاعدة أن تمني المعصية لله (ق ٣٠٩) لا يجوز لعامة المسلمين، وكيف تتصور منه ﷺ وقتل المؤمن معصية؟
الجواب: أن المطلوب قصدًا إنما هو نيل الدرجة الرفيعة بأي موت قدره الله تعالى وقضاه، قال رسول الله ﷺ : "من سأل الله تعالى الشهادة بصدق، بلغه الله منازل الشهداء، وإن مات على فراشه"، رواه مسلم، وأحمد والحاكم في الجهاد، عن سهل بن حنيف، ﵁.
ومن خصائص الشهداء: أن يتمنى الرجوع إلى الدنيا ليُقتل ثانيًا، ثم وثم لكثرة ما يرى من الكرامات والدرجات التي أُعِدت لهم، قال رسول الله ﷺ : "للشهيد عند الله ست خصال: الأول يُغفر له في أول دفقة - أي: أول قطرة - من دمه، والثاني: يرى مقعده من الجنة، والثالث: يجار - أي يحفظ - من عذاب القبر، والرابع: يأمن من الفزع الأكبر، قيل: هو عذاب النار، والخامس: يوضع على رأسه تاج الوقار، الياقوتة منها خير من الدنيا وما فيها، وبزوج ثنتين وسبعين زوجة من الحور العين، والسادس: يشفع في سبعين من أقاربه، أي: أحبابه"، رواه الترمذي وابن ماجه عن مقداد بن معدي كرب، ﵁، كذا فصلناه في (توضيح الأسرار شرح بركات الأبرار)، فراجع هنا إن أردت الشبع.
لما فرغ من بيان فضيلة الجهاد، شرع في بيان شهادة الحكمية والحقيقة، فقال: هذا
* * *
стр. 580
باب ما يكون من الموت شهادة
في بيان ما يكون من الموت بيان ما شهادة، أي: حكمه يجري عليه فهب الدنيا أحكام الجنائز من الغسل والتكفين والصلاة عليه.
٣٠٢ - أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الله بن عَبد الله بن جابر بن عَتِيك، عن عتِيك بن الحارث بن عَتِيك، وهو جَدُّ عبد الله بن عبد الله بن جابر - أبَو أمِّهِ - أنه أخبره؛ أن جابر بن عَتِيك أخبره، أن رسول الله ﷺ جاءَ يَعُودُ عبد الله بن ثابت، فوجده قد غُلِبَ، فصاح به، فلم يُجبه، فاسْتَرْجَع رسول الله ﷺ ، وقال: "غُلِبْنا عليك يا أبا الربيع"، فصاح النِّسْوَة، وَبَكَيْنَ فجعل ابن عَتِيك يسكتهن، فقال رسول الله ﷺ : "دَعْهُنّ، فإذا وَجَبَ فلا تبكين باكية"، قالوا: وما الوجوب يا رسول الله؟ قال: "إذا مات"، قالت ابنته: والله إني كنت لأرجو أن تكون شهيدًا، فإنك قد كنت قضيت جهازَك، قال رسول الله ﷺ : "إن الله تعالى قد أوْقَعَ أجره على قدر نيته؛ وما تعدّون الشهادة؟ "، قالوا: القتلُ في سبيل الله، قال رسول الله ﷺ : "الشهادة سبع سوى القتل في سبيل الله: المطعون شهيدٌ، والغريق شهيد، وصاحب ذات الجَنْب شهيد، والمبطون شهيد، وصاحب الحريق شهيد، والذي يموت تحت الهَدْم شهيد، والمرأة تموت بجُمْع شهيدٌ".
• أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الله بن عَبد الله بن جابر بفتح العين فيهما، وهذا مما يوافق فيه اسم الأب وابنه تابعيان، كان في الطبقة الرابعة من أهل المدينة، وقيل: جبير بن عَتِيك، بعين مهملة مفتوحة فمثناة فوقية مكسورة فتحتية ساكنة، فكاف، مدني، أنصاري، ثقة من الطبقة الرابعة، وفي نسخة: محمد قال: ابن مالك، عن عتِيك بن الحارث الأنصاري، المدني، مقبول من الطبقة الرابعة أيضًا، من طبقات الصحابة، وجابر هذا شهد بدرًا وجميع المشاهد بعدها، روى عنه عبد الله بن عبد الله، وابن أخيه عتيك بن الحارث، وهو
стр. 581
أي: العتيك جَدُّ عبد الله بن عبد الله بن جابر أبو أمِّهِ أنه أخبره؛ أن جابر بن عَتِيك أخبره، أن رسول الله ﷺ قوله: "هو" مبتدأ عائد إلى عتيك، وخبره "جد عبد الله"، قوله: "أبو أمه" بدل من لفظ "جد"، يعني: أن عتيكًا جد عبد الله الراوي من جهة أمه، وضمير: "أنه" راجع إلى عبد الله الثاني، والضمير المستتر في آخره راجع إلى عبد الله الثاني، والبارز نصب على أنه مفعول له الأول وعائد إلى عبد الله الأول، ومحل أن مفعول ثان لا خبره، والضمير المستتر في آخره راجع إلى جابر، والبارز مفعول أول لا خبر عائد إلى عبد الله الثاني، ومحل "أن" في: أن رسول الله نصب على أنه مفعول ثان لا خبر، جاءَ يَعُودُ عبد الله بن ثابت، وهو أبو الربيع عبد الله بن ثابت الظفري الأنصاري، مات على عهد رسول الله ﷺ ، فوجده أي: عبد الله بن ثابت قد غُلِبَ، أي: بصيغة المفعول، أي: غلبه الألم حتى منعه مجاوبة النبي ﷺ ، فصاح به، أي: فرجع صوته في الكلام معه، فلم يُجبه، أي: لعدم شعوره، فاسْتَرْجَع رسول الله ﷺ أي: قال: إنا (ق ٣١٠) لله وإنا إليه راجعون، تعبدًا لنفسه، وإشعارًا لها بأن الكل لله، وأن الكل راجع إلى مولاه، وقال وفي نسخة: ثم قال: غُلِبْنا عليك على صيغة المجهول، أي: غلب أمر الله عليك يا أبا الربيع، وفيه إيماء إلى قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ﴾ [يوسف: ٢١]، وأن المخلوق مأثور في قبضة قدرته وقدره، قال سعيد بن زيد الباجي المالكي: يحتمل أن يكون أراد التصريح، يعني: استرجاعه وتأسفه، فصاح النِّسْوَة، وهي اسم جمع لا جمع، وكذا ذكر صاح كقوله تعالى: ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ﴾ [يوسف: ٣٠]، والمعنى: أن النساء من أهل البيت رفعن صوتهن، وَبَكَيْنَ أي: ظنًا منهن أنه مات أو قارب الموت، فجعل أي: شرع ابن عتيك يسكتهن، بتشديد الكاف المكسورة، أي: يقول لهن: اسكتن ولا ترفعن صوتكن، وأما البكاء فلا حرج عليكن، فقال رسول الله ﷺ : "دَعْهُنّ، أي: اتركهن في حالهن، فإذا وَجَبَ أي: إذا مات، وأصله من وجب الحائط إذا سقطه، ووجبت الشمس إذا غابت، ومنه قوله تعالى في سورة الحج: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ [الحج: ٣٦]، أي: سقطت وماتت بعد نحرها، فلا تبكين باكية"، أي: برفع صوتها، والمعنى: لا تكونن صائحة نائحة، قالوا: أي: بعض الحاضرين: وما الوجوب يا رسول الله؟ أي: معناه المتضمن في إذا وجب؟ قال: "إذا مات"، وهذا إشارة إلى كمال معرفته في بيان غريب اللغات، قالت ابنته: أي: بنت المريض، وهو عبد الله بن ثابت، والله إن بكسر الهمزة
стр. 582
وسكون النون المخففة من الثقيلة، وضمير الشأن محذوف، وفي نسخة: إني بكسر الهمزة والنون المشددة المكسورة، والياء للمتكلم، كنت لأرجو بفتح اللام جواب القسم، أي: والله لتمنيت أن تكون أي: إلي شهيدًا، أي: أن تصير من الشهداء في سبيل الله، فلا تموت فوق الفراش؛ فإنهم كانوا يعدون هذا نقصًا، أو لأنه قد تهيأ للبروز، ويدل عليه قولها: فإنك قد كنت قضيت جهازَك" بفتح الجيم وبكسر أي: هيأت ما بعده الرجل من السلاح للسفر، ومنه قوله تعالى في سورة يوسف: ﴿فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ﴾ [يوسف: ٧٠] , قال رسول الله ﷺ : "إن الله تعالى قد أوْقَعَ أجره أي: أوجب ثواب غزوته على قدر نيته، أي: ولو كان هو في بيته ﴿مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [النساء: ١٠٠].
وفي الحديث إيماء إلى أن نية الخروج كافية في تحصيل الأجر، كما يُستفاد من قوله ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات، ولكل امرئ ما نوى"، رواه البخاري عن عمر بن الخطاب ﵁، ثم قال: وما تعدّون الشهادة؟ "، أي: أي الصفة التي تحسبونها وتعتبرونها عندكم شهادة، وينال بها المؤمن رتبة الشهداء؟ قال الطيبي: و"ما" هنا استفهامية يسأل بها عن وصف من له كرامة، وقربة عند الله تعالى، كما قال الله تعالى في سورة آل عمران: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ (ق ٣١١) الآية [آل عمران: ١٦٩]، محلها نصب على أنها مفعول أول لتعدون، بمعنى تحسبون وتظنون قدم على علله لصدارته، ومفعوله الثاني الشهادة، قالوا: القتلُ أي: بنصب القتل على تقدير: نعد القتل، ويجوز رفعه تقديره: الصفة التي نعدها شهادة، وهي القتل في سبيل الله، أي: الجهاد فقط، قال رسول الله ﷺ : "الشهادة أي: الحكمية التي ينال بها المؤمن في الآخرة كرامات كثيرة، لكرامات الشهيد الحقيقي من أن ريح دمهم كريح المسك سبع: سوى القتل في سبيل الله: وفي رواية أبي هريرة ﵁: الشهداء خمسة، وما بينهما تعارض، والجواب عنه: الوعد بالأكثر متأخر من الأول، والوعيد خلافه، وإنما استثنى ﷺ القتل في سبيل الله عن الشهيد الحكمي اعتناءٌ لشأن الشهيد الحقيقي من الشهيد الحكمي: المطعون شهيدٌ، وهو من يموت من الطاعون. روى الطبراني عن أبي موسى الأشعري ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "فناء أمتي بالطعن والطاعون"، قالوا: يا رسول الله، هذا الطعن - وهو التعوذ إلى طرف آخر قد عرفناه، وما الطاعون؟
стр. 583
قال: "وخز أعدائكم من الجن"، والوخز: هو الطعن في غير نافذ، وفي رواية أحمد في مسنده عن أبي موسى الأشعري: "وخز إخوانكم من الجن"، ففي كل من الطعن والطاعون شهادة، فإن استشكل في الحديثين منافاة، أجيب إن صحت الروايتان، احتمل - والله أعلم بالصواب - في الجمع بينهما أن رواية: "أعدائكم" طعن الكافرين من الجن للمسلمين من الإِنس، ورواية: "إخوانكم" طعن المسلمين من الجن للكافرين من الإِنس.
فإن قيل: ما الحكمة في تسليط الله الجن على الإِنس بالطاعون؟
قال أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي بن الحنبلي في حق كون الطاعون وخز أعدائنا الجن: حكمة بالغة فإن أعداءنا من الجن شياطينهم، وأما أهل الطاعة منهم فهم إخواننا، والله تعالى أمرنا بعداوة أعدائنا من الجن والإِنس، وطلب لمرضاته تعالى، فأبى أكثر الناس عن العداوة بهم إلا مساكين الناس وفقرائهم، فسلط الله الجن على الناس بالطاعون عقوبة وعذابًا لهم حيث أطاعوا أعدائنا من الجن والإِنس حين توسوسوا أمورهم بالمعاصي والفساد في الأرض، فأطاع أكثر الناس بأعدائنا من الجن والإِنس، فاقتضت الحكمة الإِلهية أن سلطهم الله عليهم بالطعن فيهم، كما سلط الله على الإِنسان أعدائهم من الإِنس، حين أفسدوا في الأرض، ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم، وتسليط الله أعداء الناس عليهم محاربة ومقاتلة الطاعون من الجن، وكل من الإِنس والجن بتسليطهما على الإِنس بالطعن والطاعون، بتسليط العزيز الحكيم عقوبة لمن يستحق العقوبة وشهادة ورحمة لمن هو أهل لها، وهذه المقابلة سنة الله تعالى وعاداته القديمة في عقوبات التي تقع عامة فتكون طهر للمؤمنين، (ق ٣١٢) وانتقامًا من المجرمين والعاصين لله تعالى.
والثاني من السبع من الشهداء الحكمي، والغريق شهيد، وقد أخرج ابن ماجه عن أبي أمامة ﵁: "وُكِّل ملك الموت بقبض الأرواح إلا شهداء البحر، فإن الله تعالى يتولى قبض أرواحهم لكرامتهم عليه، حيث ركبوا البحر في سبيله"، كذا نقله علي القاري عن السيوطي، والغريق هو الذي مات مغروقًا في الماء، وقال ابن الملك ومعناه: أنهم يشاركون الشهداء في نوع من أنواع المثوبات التي يستحق بها الشهداء، لا المساواة في جميع أنواعها، قال المظهر: من ركب البحر، وأصابه دوران الرأس، فله أجر شهيد إن ركبه للطاعة، كالغزو والحج وتحصيل العلم، أو للتجارة إن لم يكن له طريق سواه ولم يتحر لطلب زيادة المال بل للقوت.
стр. 584
ثم أخبر عن الشهيد الثالث الحكمي، وقال: وصاحب ذات الجَنْب شهيد، وهو مرض معروف يعرض ورم جار في الغشاء المستبطن للأضلاع.
ثم بيَّن الرابع فقال: والمبطون شهيد، قال ابن عبد البر: هو صاحب الإِسهال، وقال في (النهاية): هو الذي يموت بمرض بطنه، كالاستسقاء ونحوه، وفي كتاب (الجزائر): لأبي بكر المروزي عن شيخه شريح: أنه صاحب القولنج، كذا قاله الشيخ شمس الدين العلقي في (الكوكب المنير)، وفي (شرح مسلم)، المبطون هو صاحب الداء في البطن، وقال القاضي عياض: المبطون هو الذي به الاستسقاء وانتفاخ البطن، وقيل: هو الذي يموت بداء بطنه مطلقًا، انتهى، قوله: قولنج بفتح القاف واللام وبضم أوله، وقد يكسر لأنه وجع في المعنى، وهو مرض مؤلم يعسر معه خروج الثقل والريح، ويترتب عليه شدة المغص، وهو بفتح الميم وشدته قوله ﷺ : "والمبطون" في هذه النسخة وقع بعد قوله: "وصاحب ذات الجنب شهيد"، وفي نسخة أخرى: وقع في المرتبة السابقة.
ثم بيَّن الخامسة فقال: وصاحب الحريق شهيد، وهو الذي يحترق في النار فيموت.
ثم بيَّن السادسة فقال: والذي يموت تحت الهَدْم بفتح الهاء وسكون الدال المهملة اسم الفعل، والهدم بكسرها الميت تحت الهدم، وبفتحها ما يُهدم، شهيد، قال العلقمي في (الكوكب المنير) عن القرطبي: هذان إذا لم يغدرا بنفسهما، ولم يمكنهما التحرز، فإن فرطا في التحرز حتى أصابهما الحرق والهدم كانا عاصيين.
وبيَّن السابعة فقال: والمرأة تموت بجُمْع بضم الجيم وكسرها وسكون الميم شهيدٌ، وفي رواية: "شهيدة"، قيل: هي من تموت من الولادة، سواء ألقت ولدها أم لا، وقيل: هي من تموت في النفاس وولدها في بطنها لم تلده، وقيل: هي من تموت عذراء يعني بكرًا.
قال ابن عبد البر: والقول الثاني أكثر وأشهر، وفي (النهاية): أن الجمع بضم وسكون، بمعنى المجموع، أي: أنها ماتت مع شيء مجموع فيها غير منفصل (ق ٣١٣) عنها من حمل أو بكارة، والحديث الذي بيَّن فيه مراتب أموات السبع الأموات التي فيها شدة الألم، تمحيصًا لذنوبهم، وزيادة في أجورهم، حتى يبلغهم بها مراتب الشهداء، وهذا الحديث رواه مالك وأحمد ومسلم والنسائي وابن ماجه، وابن حبان، والحاكم في (المستدرك)، كلهم عن جابر بن عتيك.
* * *
стр. 585
٣٠٣ - أخبرنا مالك، حدثنا سُمَيّ، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: "بينما رجل يمشي وَجَدَ غُصْن شَوْكٍ على الطريق، فأخَّرَه، فشكر الله له فغفر له" وقال: "الشهداءُ خمسة: المبطون شهيد، والمطعون شهيد، والغريق شهيد، وصاحب الهدم شهيد، والشهيد في سبيل الله"؛ وقال: "لو يَعْلَمُ الناس ما في النِّداء والصفِّ الأوّلِ ثم لم يجدوا إلا أن يَسْتَهِموا عليه لَاسْتَهَمُوا، ولو يعلمون ما في العَتَمَة والصبح لأَتوْهُما ولو حَبْوًا".
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا مالك بن أنس بن عمير بن أبي عامر الأصبحي، نسبة إلى ذي أصبح، ملك من ملوك اليمن، أحد أجداد الإِمام مالك بن أنس صاحب المذهب، حدثنا سُمَيّ، بالتصغير مولى أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، تابعي، ثقة من الطبقة السادسة، مات سنة ثلاثين مقتولًا بقديد بعد المائة من الهجرة، عن أبي صالح الأشعري الشامي، وهي في الإِقليم الثالث من الأقاليم السبعة، وهو ثقة مقبول من الطبقة الثالثة، عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "بينما طرف لمتوسط في زمان أو مكان، حسب المضاف إليه، وإذا قصد إضافة بينه إلى أوقات مضافة إلى جملة حذف الأوقات، وعوض عنها الألف وما فيقال: بينا أو بينما منصوب المحل، والعامل فيه معنى المفاجآت، كذا قاله ابن الملك في (شرح المصابيح) رجل يمشي وَجَدَ غُصْن بفتح الغين المعجمة وسكون الصاد المهملة بمعنى: القطع أو القطعة، كذا قاله محمد الواني في ترجمة الجوهري، شَوْكٍ على الطريق، فأخَّرَه، أي: فأبعده عنها ورماه في ناحية منها، فشكر الله له، أي: رضي فعله، وقبل منه، كذا نقله علي القاري عن العسقلاني، فغفر له" وقال سعيد بن زيد الباجي: يحتمل أن يريد جازاه على ذلك بالمغفرة، أو أثنى عليه ثناءً اقتضى غفرانه، أو أمر المؤمنين بشكره والثناء عليه بجميل فعله. انتهى.
وفي الصحيح: "إن الإيمان بضع وسبعون شعبة، أفضلها قول: لا إله إلا الله،
стр. 586
وأدناها إماطة الأذى عن الطريق" (١) والله ولي التوفيق، وقال: أي: النبي ﷺ أو أبو هريرة مرفوعًا: "الشهداءُ أي: الحكمي مثوبة في الآخرة: خمسة، أي: خمسة نفر أو أنواع، الحصر إضافي باعتبار المذكور هنا، وإلا فقد عد جميع الشهداء التي وردت في أخبار بلغت نحو الثلاثين، المبطون شهيد، قال ابن عبد البر: هو صاحب الإِسهال، وقال في (النهاية): هو الذي يموت بمرض في بطنه كالاستسقاء ونحوه، والمطعون شهيد، أي: الذي يموت بالطاعون، عن عتبة بن عبد السلمي ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "تأتي الشهداء والمتوفون بالطاعون يوم القيامة إلى رب العالمين، فيقول أصحاب الطاعون - أي: الذين يموتون بالطاعون: نحن الشهداء، فيُقال من طرف الله تعالى للملائكة: انظروا أيها الملائكة إلى جراحهم، فإن كان جراحهم كجراح الشهداء تسيل دمًا كريح المسك فهم شهداء؛ فيجد لهم الملائكة دماءهم كالمسك الأزفر فيلتحقون بشهداء المعركة في الثواب والكرامة"، والغريق شهيد، كذا في نسخة، وهو أي: الغريق بالياء بعد الراء الذي يموت مغروقًا بغير ياء غرق، وصاحب الهدم شهيد، بفتح الهاء وسكون الدال اسم الفعل، والهدم بالكسر أي: بكسر الدال الميت تحت الهدم، (ق ٣١٤) وبفتحها ما يهدم، والشهيد في سبيل الله"؛ أي: خامسهم المقتولون في المعركة، وهذه الرواية لا تعارض بالرواية السابقة؛ لأن التخصيص بالعدد لا يدل على نفي الزائد، كذا قلنا في (توضيح الأسرار شرح بركات الأبرار)، فاطلب تفصيله هناك إن شئت.
قال علي القاري: وخطر ببالي أن موت العالم شهادة بشهادة قوله ﷺ : "يوزن مداد العلماء بدماء الشهداء فيرجح مداد العلماء"، وقال: أي: النبي ﷺ : "لو يَعْلَمُ الناس وقال الطيبي: وضع المضارع موضع الماضي لتعذر استمرار العلم، ذكره السيوطي، والظاهر أن المضارع على حاله، وأن المعنى لو فرض أنهم يعلمون ما في النِّداء من الخير والبركة، والمراد بالنداء الأذان والإِقامة، كما في الرواية، والصفِّ الأوّلِ أي: ما فيه من الفضل والرحمة، ثم لم يجدوا أي: حصول كل منهما للمزاحمة فيهما بوجه، إلا أن يَسْتَهِموا أي: يقترعوا عليه لَاسْتَهَمُوا، يعني: لو يسامحوا ولم يساهلوا لأجلهم.
стр. 587
وقيل: المراد أن يتراموا بالسهام، وأنه خرج مخرج المبالغة في الكلام تحريضًا على التوسل بالمراد، ويؤيده خبر لتجالدوا عليه بالسيوف وضمير عليه، إلى ما ذكر من الأمرين.
وقيل: الضمير للصف الأول؛ لأنه أقرب مذكور، ويدل على ما قبله بالقياس المشهور، ونظيره قوله تعالى في سورة التوبة: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا﴾ [التوبة: ٣٤]، وقال الحافظ ابن حجر: وقد رواه عبد الرزاق عن مالك بلفظ لاستهموا عليهما، وهو مفصح بالمراد، ولو يعلمون أي: الناس ما في التهجير وهو التبكير إلى الصلاة، أي صلاة كانت، كما قاله الهروي وغيره، وخصه الخليل بالجمعة.
وقال النووي: الصواب الأول، وقال سعيد بن زيد الباجي المالكي: التهجير التبكير إلى الصلاة في الهاجرة، وذلك لا يكون إلا في الظهر والجمعة، قلت: ولا يبعد أن يكون تجريد في الكلام؛ إذ العموم يسبق إلى الأفهام في هذا المقام، لا سيما والمبادرة إلى الطاعة مطلوبة على الدوام، لاستبقوا إليه، أي: لأنه من جملة المتكبرات، وقد قال تعالى في سورة البقرة: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة: ١٤٨]، وقال ابن أبي جمرة: المراد الاستباق معنى لا حسًا؛ لأن المسابقة على الأقدام حسًا يقتضي السرعة فيِ المشي وهو ممنوع منه، قلت: المقصود المبالغة، كما قال تعالى في سورة الجمعة: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩]، والقدر المهني مستثنى منه، ولو يعلمون أي: الناس ما في العَتَمَة أي: صلاة العشاء والصبح أي: في حضورهما من الفضل، لأَتوْهُما ولم يلتفتوا إلى عذر مانع منهما، ولو وصلية حَبْوًا". بفتح الحاء المهملة وسكون الموحدة، والواو مصدر حبا يحبوا إذا مشى الرجل على يديه وبطنه، والصبي يمشي على استه، وأشرف بصدره، وخصهما بالذكر؛ لأن السعي إليهما أشق من غيرهما، لما فيه من تنقيص أول النوم وآخره؛ ولأنه من أفعال الموافقين بخلاف أحوال المنافقين، هذا.
وقال النووي: قد ثبت النهي عن تسمية العشاء عتمة، والجواب عن هذا الحديث من وجهين: أحدهما: أن هذه التسمية بيان للجواز، وأن ذلك النهي ليس للتحريم، وثانيهما: وهو الأظهر أن استعمال العتمة هنا لمصلحة ونفي مفسدة؛ لأن العرب يستعمل لفظ العشاء في المغرب، فلو قال: ما في العشاء لحملوها على المغرب وفسد المعنى وفات المطلوب. انتهى.
стр. 588
اعلم أن الشهداء في المعركة لا يغتسلون، ولا يكفنون بدمائهم، وثيابهم التي قتلوا فيها كفنٌ لهم، ويصلى عليهم خلافًا للشافعي، فإنهم لا يرون الصلاة عليهم؛ لأن السيف محى الذنوب عن الشهداء في المعركة، واستغنوا عن الاستغفار لهم، قلنا: إن الصلاة على الميت للتعظيم، والشهداء أولى به، بهذا قد صح أن النبي ﷺ صلى على قتلى أحد واحدًا بعد واحد، كذا قاله ابن الملك في (شرح مجمع البحرين).
لما فرغ من بيان أحكام الشهيد شرع في بيان أحكام الجنائز، فقال: هذا
* * *
стр. 589
أبواب الجَنَائِز
في بيان أحكام الجنائز، فهي بمنزلة كتاب الجنائز، وهي بفتح الجيم جمع جنازة، وهي بالكسر لغتان، قال ابن قتيبة: وجماعة الكسر أفصح، وقيل: بالكسر للنعش، وبالفتح للميت، وقالوا: لا يقال نعش إلا إذا كان عليه الميت، وأورد المصنف هذه الأبواب الآتية بين باب الشهداء وبين كتاب الزكاة لتعلقهما بهما؛ لأن الشهادة تطهر النفس عن الآثام، وكذلك غسل الجنازة يطهرها عن الدنس الظاهرة، والصلاة عليها دعاء بالمغفرة لذنوبها، والزكاة تطهير للنفس والمال إذا أديت، كما قال تعالى في سورة الأعلى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ [الأعلى: ١٤]، أي: نجا من أدى زكاة أمواله.
قال مالك عن جعفر الصادق بن محمد الباقر عن أبيه مرسلًا عن عائشة ﵂؛ أنها قالت: أن رسول الله ﷺ غسل في قميص، وقال سعيد بن زيد الباجي - المالكي: يحتمل أن يكون ذلك خاصًا به ﷺ ؛ لأن السنة عند مالك وأبي حنيفة والجمهور أن يجرد الميت ولا يغسل في قميصه، وقال الشافعي: لا يجرد ويغسل فيه، وقد قالت عائشة ﵂: لما أرادوا غسل النبي ﷺ قالوا: والله لا ندري أنجرده عن ثيابه كما نجرد موتانا أو نغسله وعليه ثيابه، فألقى الله عليهم النوم حتى ما منعهم رجل إلا وذقنه في صدره، ثم كلمهم متكلم من ناحية البيت لا يدرون من هو: غسلوا رسول الله ﷺ وعليه ثيابه، كذا قاله السيد محمد الزرقاني.
ورُوي أن رسول الله ﷺ لما توفى غسله عليّ ﵁ ومسح بطنه المبارك بيده رقيقًا، وطلب منه ما طلب من الميت فلم ير شيئًا، فقال: طبت حيًا وميتًا، وصب عليه الماء عبد الله بن عباس ﵄، كذا قاله السيواسي في (الفرائد شرح ملتقى الأبحر).
باب المرأة تُغَسِّل زوجها
في بيان حال المرأة تغسل زوجها، اتفقوا على أن للزوجة أن تغسل زوجها لبقاء العدة، فلو ولدت عقب موته لم تغسله بخلاف الرجل فإنه لا يغسل زوجته لانقطاع
стр. 590
النكاح، فإذا لم توجد امرأة لتغسلها فزوجها يتيممها أو ليس عليه كف نظره عن ذراعيها بخلاف الأجنبي، كذا في (سلم الفلاح شرح نور (ق ٣١٦) الإِيضاح).
٣٠٤ - أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الله بن أبي بكر، أن أسْماءَ بنت عُمَيْس امرأةَ أبي بكر الصِّدِّيق غَسَّلَتْ أبا بكر حين تُوُفِّي، ثم خرجت فسألت مَنْ حضرها من المهاجرين؛ فقالت: إني صائمة، وإن هذا يوم شديد البرد، فهل علىّ من غُسْل؟ فقالوا: لا.
قال محمد: وبهذا نأْخذ، لا بأس بأن تغسِّل المرأة زوجها إذا تُوُفِّيَ، ولا غُسْل على من غسَّل الميت، ولا وُضوءَ، إلا أن يصيبه شيء من ذلك الماء فيغسله.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة أخرى: محمد أخبرنا مالك بن أنس، أي: ابن عمير بن أبي عامر نسب إلى ذي أصبح، وهو ملك من ملوك اليمن، وهو من أتباع التابعين في الطبقة السابعة من أهل المدينة، وهي في الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة، أخبرنا وفي نسخة قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري، المدني القاضي، تابعي، ثقة من الطبقة الخامسة، مات سنة خمس وثلاثين ومائة، وهو ابن سبعين سنة، كذا قاله ابن حجر في (التقريب) (١).
أن أسْماءَ وهو غير منصرف للعلمية والتأنيث، وقيل: أصل وسام، بنت عُمَيْس بضم المهملة وفتح الميم وسكون التحتية والسين المهملة مصغر خثعمية، صحابية تزوجها جعفر بن أبي طالب ثم أبو بكر، ثم علي، وولدت منهم، وماتت بعد علي، وهي أخت ميمونة بنت الحارث أم المؤمنين، امرأةَ أبي بكر الصِّدِّيق ﵁، أنها غَسَّلَتْ زوجها أبا بكر حين تُوُفِّي، بضمتين وكسر فاء مشددة، أي: مات ليلة الثلاثاء لثمان بقين من
стр. 591
جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة، وله ثلاث وستون سنة، كما رواه الحاكم وغيره عن عائشة ﵂، وهو الصحيح كما في (فتح الباري)، ولا خلاف في جواز تغسيل المرأة زوجها، وأما تغسيله لها فأجاز الجمهور والأئمة الثلاثة؛ لأن عليّا ﵁ غسَّل فاطمة ﵂، وقال أبو حنيفة والثوري: تغسله لأنها في عدة منه، ولا يغسلها لأنه ليس في عدة منها، ولا حجة فيه؛ لأنها في حكم الزوجية لا في حكم البيتوتة بدليل الإِرث، ثم أي: بعد غسله خرجت أي: من المغتسل فسألت مَنْ حضرها من المهاجرين؛ فقالت: إني صائمة، هذا أحد أعذارها، وإن هذا يوم شديد البرد، فهل عليَّ أي: واجب من غُسْل؟ أي: لغسل الميت لا للعدة، كما توهمه عدة من النساء على التقديرين، فقالوا: أي: المهاجرون: لا، أي: لا يجب ولا يستحب عليك الغسل.
قال محمد: وبهذا أي: بأثر عبد الله بن أبي بكر محمد بن عمرو بن حزم نأْخذ، أي: نعمل ونُفتي، لا بأس أي: لا كراهة بأن تغسِّل المرأة زوجها أي: لو كانت صائمة، وفي الخانية الصغير والصغيرة، إذا لم يشتهيا يغسلهما الرجال والنساء؛ لأن أعضائهما ليس لهما حكم العورة، كذا قاله الشمني في (شرح النقاية)، إذا تُوُفِّيَ، بضم الفوقية والواو، وبكسر الفاء المشددة، أي: إذا مات الزوج مع قطع العلاقة المحرمية بالنكاح، ولا غُسْل على مَنْ غَسَّل الميت، أي: مطلقًا، ذكرًا كان أو أنثى، ولا وُضوءَ، أي: ولا طهارة صغرى، أي: هنا من هذه الجهة، إلا أن يصيبه أي: بدنه شيء من ذلك الماء أي: المستعمل، فليغسله، أي: محله احتياطًا؛ فإن الماء المستعمل طاهر (ق ٣١٧) في نفسه غير مطهر غيره عند أبي حنيفة، وأما ما أخرجه أحمد بن حنبل عن المغيرة مرفوعًا: "مَنْ غسل ميتًا فليغسل"، فمحمول على ما مر في أن يصيبه الماء المستعمل، أو في الاستحباب كما قاله أبو حنيفة.
اعلم أن غُسل الميت فرض كفاية على الأحياء حتى لو وجد ميت في الماء غسل، وإن كان يفسخ صب عليه الماء، واختلفوا في سبب غسله، فقيل: حدث يحل بالميت لاسترخاء مفاصله، فإن الآدمي لا ينجس بالموت لكرامة له، وإنما لم يقتصر على إعفاء الوضوء؛ لأن الاقتصار عليها في الحياة للحرج فيما يتكرر في كل يوم، والحدث بسبب الموت لا يتكرر فكان كالجنابة.
وقال العراقيون: سببه النجاسة بالموت كسائر الحيوانات؛ لأن شخصًا لو حمل
стр. 592
ميتًا وصلى لم تجز صلاته، ولو حمل محدثًا وصلى جازت، كذا قاله الشمني في (شرح النقاية).
لما فرغ من بيان حكم غسل الميت، شرع في بيان ما يُكفن الميت به من الثياب، فقال: هذا
* * *
باب ما يكفن به الميت
في بيان حكم ما أي: الثوب الذي يُكفَّن به الميت بصيغة المجهول، أي: كفن الميت بالثوب الثالث إن كان ذكرًا على الوجه السنة، وإن كان أنثى فخمسة.
٣٠٥ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب الزُّهريّ؛ عن حُمَيْد بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، أنه قال: الميت يقمَّص ويُؤزَّر ويُلفُّ بالثوب الثالث، فإن لم يكن إلا ثوب واحد كُفِّنَ فيه.
قال محمد: وبهذا نأْخذ، الإزار يجعل لفافة مثل الثَّوْب الآخر؛ أحَبّ إلينا من أن يُؤزَّر ولا يعجبنا أن يُنْقَص الميت في كفنه من ثوبين؛ إلا من ضرورة. وهو قولُ أبي حنيفة.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة أخرى: قال: بنا، رمزًا إلى أخبرنا مالك بن أنس بن عمير بن أبي عامر الإِمام الأصبحي، أي: ينسب إلى ذي أصبح، وهو ملك من ملوك اليمن، ومن أتباع التابعين، في الطبقة السابعة من طبقات أهل المدينة، وهي في الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة، أخبرنا ابن شهاب وهو محمد بن مسلم بن شهاب بن الزُّهريّ بن كلاب، تابعي مدني، في الطبقة الرابعة من طبقات أهل المدينة، كذا قاله أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي الحنبلي، عن حُمَيْد
стр. 593
بالتصغير ابن عبد الرحمن، أي: ابن عوف الزهري المدني، ثقة، وكان من كبار التابعين، ومن الطبقة الثانية، مات سنة خمس ومائة، كذا قاله المؤرخون، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، بكسر المهملة بغير ياء، هو الصواب، وليحيى عن عبد الرحمن بن عمرو بن العاص بالياء، وهو وهم، كذا قاله علي القاري، وهو الصحابي ابن الصحابي، كذا قاله الزرقاني، أنه قال: الميت يقمَّص ويُؤزَّر بصيغة المجهول من باب التفعيل فيهما، أي: يلبس القميص والإِزار، وهو: أي: القميص ثوب يحمل من أصل عنق الميت إلى قدمه بلا دِخْرِيص (١) ولا جيب ولا كمين، والإِزار هو من القرن إلى القدم، ويُلفُّ بصيغة المفعول من اللف بالثوب الثالث، وهو: أي: الثالث للميت، يقال له: لفافة، وهي أيضًا من القرن إلى القدم، هذه الثلاثة من الثوب سنة الكفن للرجل إذا وجدت، لما روى أبو داود حديث عائشة ﵂، قالت: كُفِّنَ رسول الله ﷺ في ثلاثة أثواب نجرانية، الحلة ثوبان وقميصه الذي مات فيه (٢)، وحلة نجرانية، قال أبو عبيد: الحلة إزار ورداء، ولا يكون الحلة إلا من ثوبين، وروى محمد عن أبي حنيفة عن حماد (ق ٣١٨) عن إبراهيم النخعي مرسلًا أنه ﷺ كفن في حلة يمانية وقميص، يعني: إن كان المال المتروك كثيرًا والورثة قليلًا فالكفن للرجال على السنة ثلاثة أثواب، كما مر آنفًا، وللنساء على السنة، خمسة أثواب قميص وإزار ولفافة وخمار لوجهها ورأسها، وخرقة لربط ثديها وعرض الخرقة لما بين الثدي إلى السرة، وقيل: إن الركبة كيلا ينشر الكفن، فإن لم يكن وفي نسخة بالواو، ولكن الفاء أولى كما في (الموطأ)، ولمالك؛ لأن المقام يقتضي بالفاء التعقيبية، ويجوز أن تكون عاطفة بمقدر قدرناه بقولنا، يعني: إن كان المال المتروك كثيرًا يعني: إن لم يوجد إلا ثوب واحد كُفِّنَ أي: الرجل فيه، أي: في ثوب واحد، وتُكفن المرأة على الكفاية في ثلاثة أثواب: خمار وخرقة ولفافة للضرورة إن كان المال المتروك قليلًا والورثة كثيرة، وهنا الحديث موقوف حقيقة مرفوع حكمًا.
قال محمد الغزالي في (درة الفاخرة): إذا قيض الملك نفسًا سعيدة تناولها ملكان حسنان الوجوه عليهما أثواب حسنة، ولها رائحة طيبة، فيلقيانها في حريرة من حرير الجنة، ويعرجان بها في الهواء، فلا تزال تمر بالأمم السالفة القرون الخالية أي: الماضية،
стр. 594
كأمثال الجراد المنتشرة، حتى تنتهي إلى السماء الدنيا، ثم من السماء إلى السماء السابعة، ثم يصعدانها إلى سدرة المنتهى، ثم يمرانها في بحر من نور، ثم في بحر من ظلمة، ثم بحر من ماء، ثم من بحر من ثلج، ثم من بحر من برد، وهو بفتح الموحدة والراء المهملة المفتوحة والدال حب الغمام، كل بحر طوله ألف عام، حتى ينتهيان بها إلى الحُجُب المضروبة على عرش الرحمن، وهو ثمانية آلاف سرادق، بضم السين المهملة والراء والألف وكسر الدال المهملة والقاف حجب، ويقال له بالتركي: بردة، فحينئذ ينادي منادٍ من وراء الحُجُب من الحضرة القدسية: من هذه النفس التي جئنا بها فيقال: فلان بن فلان، فيقول الجليل ﷻ : قربا بها فنعم العبد هو، فإذا وقف العبد بين يديه خجل ببعض اللوم والمعاتبة حتى تظن أنها هالكة ثم يعف عنها ، ثم قال لها: سيرا بها وتزيا بها (١) مقعده من الجنة، فيسيران بها في الجنة على قدر ما يغسل الميت، فإذا غسل وكفن ردت وأدرجت بين كفنه وجسده - على قول - فإذا حمل على النعش فإنه يسمع كلام من تكلم بخير، ومن تكلم بشر، فإذا وصل إلى قبره رد فيه الروح، ودخل عليه الملكان - أي المنكران - والنكيران فيسألانه عن ربه ودينه ونبيه، فيقول: ربي الله، وديني الإِسلام، ونبيي محمد ﷺ .
قال محمد: وبهذا أي: بقول عبد الله بن عمرو بن العاص، نأْخذ، أي: نعمل ونفتي، الإِزار مبتدأ وخبره جملة، أن يجعل بصيغة المجهول، لفافة منصوب بنزع الخافض أي: كلفافة مثل الثَّوْب الآخر؛ وهو لدفع التوهم تولد من قوله: لفافة كأنه توهم، (ق ٣١٩) أن الإِزار يقوم مقام اللفافة، فيكون الكفن على السنة للرجال ثوبين: قميص وإزار في الطول، أحَبّ إلينا من أن يُؤزَّر أي: من أن يشد وسط الميت كالإِزار، وهو أي: الإِزار في اللغة ثوب يشد بالنصف الأسفل من الإِنسان، ولا يعجبنا من الإِعجاب، أي: ما حسن لنا، أن يُنْقَص بصيغة المجهول الميت مرفوع على أنه نائب الفاعل لينقص، يعني: لا ينبغي لنا أن ننقص في كفنه من ثوبين؛ إلا من ضرورة، أي: لأجل الضرورة، وهو أي: نقص كفن الميت من الثوبين لأجل الضرورة، وهو قول أبي حنيفة، ﵀.
وذكر في (فتاوى البزازية) عن الإِمام الصفار: لو كتب على جبهة الميت أو كفنه الذي على صدره عهدنا من يرجى أن يغفر الله للميت، وهو أن يكتب: "اللهم فاطر
стр. 595
السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، اللهم إني أعهد إليك في هذه الحياة الدنيا بأني أشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت، وحدك لا شريك لك، وأن محمدًا عبدك ورسولك، فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين، ولا أقل من ذلك، فإنك إن تكلني إلى نفسي تقربني من الشر وتباعدني من الخير، وإني لا أثق إلا برحمتك، فاجعل لي ذلك عهدًا عندك تؤديه إليَّ يوم القيامة، إنك لا تخلف الميعاد".
ورُوي عن بعض المتقدمين أنه أوصى أن يكتب في جبهته أو صدره: "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ"، فَفُعِل، ثم رُؤي في المنام، وسُئل عن حاله، فقال: لما وُضِعتُ في القبر جاءني ملائكة العذاب، فلما رأوا مكتوبًا في جبهتي أو صدري "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ" قالوا: أمنت من العذاب، كذا في (التانارخانية).
لما فرغ من بيان حكم كفن الميت، شرع في بيان حكم الإِسراع بالمشي بحمل الجنازة على أعناق الرجال، فقال: هذا
* * *
باب المشي بالجنائز والمشي معها
في بيان حكم المشي بالجنائز والمشي معها، وهو: أي: المشي بفتح الميم وسكون الشين المعجمة والتحتية، مصدر بمعنى الإِسراع بالعدو بلا خبب إذا حملوا الجنازة في أعناقهم، وهو لازم ومتعد يقال: مشيتها تمشية، كذا قاله محمد الواني في (ترجمة الجوهري)، والباء في الجنازة إما للتعدية على الوجه الأول، وإما زائدة على الوجه الثاني، قوله: والمشي معها، عطف على المشي بالجنازة، وإشعار بجواز المشي خلف الجنازة وأمامها، لكن المشي خلفها لينظرها ويعتبر من حالها أفضل كفضل صلاة مع الجماعة على التطوع، إسناد المشي إلى الجنازة مجاز، وهو من قبيل تسبب المركب بالمركب، وهو تشبيه الهيئة الحاصلة في المشبه إلى الهيئة الحاصلة في المشبه به.
اعلم أن المصنف شبه الأمور المنتزعة عن الجنازة إلى الأمور المنتزعة في أمير من أمراء الملك، والمهيب، فإنه إذا دعاه عجالة ألقى ما شغله من يده ويخرج من داره يسعى ويركب فرسه وخدمائه يمشون في ركابه يمينًا وشمالًا، فلما وصل إلى باب دار الملك المهيب نزل عنده ويدخل فيها، ويمشي خاشعًا ويتذلل بأنواع التذلل، وإذا قرب إليه سلم عليه ويدعو
стр. 596
له ولو رضى الملك عنه لألبس ظهره (ق ٣٢٠) خلعة فاخرة، واستقره في أمره وألا يعزله عن أمره ويعاتبه ويأخذ عنه ما أعطاه، فيقتله إن استحق القتل أو يجليه إلى جزيرة بعيدة، وكذلك حال الميت؛ فإنه إذا قبض جرد عن ثيابه وألقي على لوح، وغسل فيحمل الرجال على أعناقهم، ويسعون به في مشيهم، وإذا أوصلوه إلى شفير قبره ينزلونه فيه، فيترك ما ملكه وقومه وأهله في الدنيا، وينفرد في قبره فإن رضي عنه ربه، جعل قبره روضة من رياض الجنات، وإلا جعله حفرة من حفر النيران، اللهم أجرنا من النار، فاعتبروا يا أولي الأبصار.
٣٠٦ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، أن أبا هريرة قال: أسرعوا بجنائزكم فإنما هو خَيْرٌ تُقَدِّمُونه إليه، أو شر تُلقونه عن رقابكم.
قال محمد: وبهذا نأْخذ، السرعة بها أَحَبّ إلينا من الإِبطاءِ، وهو قول أبي حنيفة.
• أخبرنا مالك، أي: ابن أنس بن عمير بن أبي عامر الأصبحي، أي: ملك ذي الأصبح، من أتباع التابعين في الطبقة السابعة من أهل المدينة، وهي في الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة، وله تسعون سنة، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، وفي نسخة أخرى: أنا أخبرنا، وفي نسخة: بنا، أو أنا رمزًا إلى: أخبرنا نافع، أي: المدني مولى عبد الله بن عمر ﵄، أن أبا هريرة ﵁ قال: أي: موقوفًا، ورُوي عنه أيضًا مرفوعًا: أسرعوا بجنائزكم أي: بتجهيز ميتكم ودفنه، أو بالتعجيل في المشي، فإنما هو أي: الميت المدلول عليه بالجنائز، خَيْرٌ أي: صاحب خير أريد به المبالغة، تُقَدِّمُونه أي: الميت إليه، أي: إلى خيره، فهو خير له، أو شر تُلقونه أي: إلى شره في قبره، وليحيى: يضعونه، عن رقابكم أي: فتستريحون، فهو خير لكم.
روى البخاري بالواسطة عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا وضعت الجنازة، واحتملها الرجال على أعناقهم، فإن كانت صالحة قالت:
стр. 597
قدموني قدموني، وإن كانت غير صالحة قالت: يا ويلها أين تذهبون بها؟ يسمع صوتها كل شيء إلا الإنسان، ولو سمعه لصعق".
قال محمد ﵀: وبهذا أي: بأثر أبي هريرة ﵁ نأْخذ، أي: نعمل، السرعة المتوسطة بها أي: الجنازة أَحَبّ إلينا من الإِبطاء، بكسر الهمزة وسكون الموحدة، وفتح الطاء وقصر الألف والهمزة، وهو الثاني ضد السرعة والعجلة، وهو أي: السرعة بالجنازة في المشي، قول أبي حنيفة، نعمان بن ثابت بن طاوس بن هرمز بن ملك بن شيبان، وهو في الطبقة السادسة من طبقات الفقهاء، ولد في عهد الصحابة سنة ثمانين، وهو ابن سبعين سنة، ومات ببغداد، وهي في الإِقليم الثالث من الأقاليم السبعة.
* * *
٣٠٧ - أخبرنا مالك، حدثنا الزُّهري، قال: كان رسول الله ﷺ يمشي أمام الجنازة، والخلفاءُ هَلُمَّ جرَّا؛ وابن عمر.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، حدثنا وفي نسخة: قال: بنا، رمزًا إلى أخبرنا الزُّهري، أي: محمد بن مسلم بن شهاب بن زهرة بن كلاب، كان في الطبقة الرابعة من أهل المدينة، تابعي، ثقة، قال: أي: مرسلًا، كان رسول الله ﷺ يمشي أمام الجنازة، أي: قدامها؛ لأنه يشفع لها، والخلفاءُ أي: يمشون أمامها، فدخل فيهم عليّ ﵁، وما رُوي أنه يمشي خلف جنازة، والعمر أمامها، فقيل له في ذلك فقال: فضل الماشي خلفها على الماشي أمامها كفضل صلاة المكتوبة على النافلة، وإنهما ليعلمان ذلك، ولكنهما سهلا على الناس، وإنه قال: إن شهدت جنازة فقدمها بين يديك؛ فإنها موعظة وتذكرة وعبرة، وخبر أبي جحيفة مرفوعًا: الجنازة متبوعة، وليست بتابعة، وليس تتبعها من تقدمها، فقال ابن عبد البر: هذه أحاديث كوفية لا يقوم بأسانيدها حجة، واختلف الصحابة والتابعون في ذلك، والمشي أمامهم أكثر عنهم، وهو أفضل، وبه قال الأئمة الثلاثة، وقال الأوزاعي وأبو حنيفة: المشي خلفها أفضل، وقال سفيان الثوري: كل ذلك
стр. 598
سواء، ولا أحد أعلم أكره ذلك؛ فقد قال ﷺ : "من شيَّع جنازة وصلى عليها كان له قيراط من الأجر، ومن قعد حتى تُدفن كان له قيراطان، والقيراط كأُحد" (١)، ولا يقول أحد: إن ذلك على الإِباحة، وإنما الخلاف على المشي أمامها مشروع، وهو قول الأئمة الثلاثة، وعلله بعض المالكية بأن الناس شفعاء والشفيع يمشي بين يدي المشفوع له، أو ممنوع، والسنة المشي خلفها، وبه قال أبو حنيفة، هَلُمَّ جرَّا؛ يعني: أن الخلفاء يمشون أمام الجنازة واحدًا بعد واحد، في حين خلافته، قال ابن الأنباري: معناه ساروا على هنيتهم وثبتوا في سيرهم، لا يجدون أنفسهم في مشيهم معًا، وهو مأخوذ من الجر، وهو أن يترك الإِبل والغنم ترعى في اليسر، وقال في نصب جر: على أنه مصدر في موضع الحال، والتقدير: هلم جارين، أي: مشيشين أو على المصدر؛ لأنه في هلم معنى جر، فكأنه قيل: جروا جرًا، أو على التمييز، وابن عمر، أي: كان ابن عمر ﵄ يمشي أمام الجنازة، وهذا يدل على أن المشي أمامها مشروع، كما كان في خلفها، كذا قاله الزرقاني (٢).
* * *
٣٠٨ - أخبرنا مالك، حدثنا محمد بن المُنْكَدِر، عن ربيعة عن عبد الله بن الهُدَيْرِ، أنه رأى عمر بن الخطاب يَقْدُمُ الناس أمام جنازة زينب ابنة جحْش.
قال محمد: المشي أمامها حَسَنٌ، والمشي خلفها أفضل؛ وهو قولُ أبي حنيفة.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: حدثنا، وفي نسخة: قال: بنا، رمزًا إلى أخبرنا محمد بن المُنْكَدِر، أي: ابن عبد الله بن الهدير، بالتصغير التيمي، يُكنى أبا عبد الله، المدني، تابعي ثقة، من الطبقة الرابعة من أهل المدينة، مات سنة ثلاثين ومائة أو بعدها، دخل المنكدر على عائشة ﵂ فشكا إليها الحاجة، فقالت: أدنى شيء يأتيني أبعث به إليك، فجاءها عشرة آلاف درهم، فقالت: ما أسرع ما امتحنتِ به يا
стр. 599
عائشة، وبعثت بها إليه، فاشترى بها جارية، فولدت له بنيه محمدًا وأبا بكر وعمر، وكلهم يذكر بالصلاح والعبادة، ويحمل عنه الحديث، قال محمد: كابدتُ نفسي أربعين سنة، ثم استقامت، وكان ربما قام الليل يصلي ويقول: كم من عين الآن ساهرة في رزقي، وكان له جار مبتلى فكان يرفع صوته من الليل يصيح، وكان محمد يرفع صوته: يا أحمد، فقيل له في ذلك، فقال: يرفع صوته بالبلاء، وأرفع صوتي بالنعمة، وبينا هو ذات ليلة قائم يصلي، إذا استبكى فكثر بكاؤه، حتى فزع أهله، وسألوه: ما الذي أبكاه، فاستحجم عليهم، فتمادى في البكاء، فأرسلوا إلى أبي حازم، فجاء، فقال: يا أخي، ما الذي أبكاك؟ فقال: مرت بي آية من كتاب الله تعالى، وهي قوله فى سورة الزمر: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر: ٤٧]، وأولها: ﴿وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٤٧]، فبكى أبو حازم واشتد بكاؤه، فقال بعض أهله جئنا بك لتفرج عنه (ق ٣٢٢) فزدته، فأخبرهم ما أبكاهما، قال: إن الله تعالى يحفظ المؤمن ولده وولد ولده في دويراته ودويرات حوله، فما يزالون في حفظ وعافية ما كان بين أظهرهم.
وقال: بات أخي عمر يصلي، وبت أغمز رجل أمي، وما أحب ليلتي بليلة، وصلى على رجل فقيل له: تصلي على فلان؟ فقال: إني أستحي من الله تعالى أن يعلم مني أن رحمته تحجز عن أحد من خلقه، وقال: نعم العون على تقوى الله الغنى، وقيل له: أي العمل أحب إليك؟ قال: إدخال السرور على المؤمن، قيل: فما بقي مما تستلز؟ قال: الإِفضال على الإِخوان، وقال: الفقير يدخل بين الله وبين عباده، فلينظر كيف يدخل.
وقال ابن الماجشون: إن رؤية ابن المنكدر تنفعني في ديني، وجزع عند موته، فقيل له: لم تجزع؟ فقال: أخشى آية في كتاب الله تعالى: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر: ٤٧]، فإني أخشى أن يبدو لي من الله ما لم أكن أحتسب، وأتاه صفوان وهو في الموت، فقال: كأني أراك قد شق عليك الموت، فما زال يهون عليه الأمر، وتجلى عن محمد حتى كان في وجهه المصابيح، ثم قال له محمد: لو ترى ما أنا فيه لقرت عيناك، ثم قضى رحمه الله تعالى، كذا قاله أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي الحنبلي، عن ربيعة عن عبد الله بن الهُدَيْرِ، (١) بالتصغير، التيمي، روى عن عمر وطلحة
стр. 600
وغيرهما، وعنه ابن أخيه محمد وأبو بكر بن المنكدر، ومحمد بن إبراهيم التيمي، وربيعة ثقة، تابعي من الطبقة الرابعة من أهل المدينة، رأى جماعة من الصحابة، مات سنة ثلاث وتسعين، كذا قاله الذهبي في (أسماء الرجال)، أنه أي: ربيعة رأى عمر بن الخطاب يَقْدُمُ بفتح التحتية وسكون القاف، وضم الدال المهملة، أي: يتقدم، ولابن وضاح: يقدم بضم التحتية وفتح القاف وكسر الدال المشددة من التقديم، الناس أي: يأمرهم أن يتقدموا أمام أي: قدام جنازة زينب ابنة جحْش، الأسدية، أم المؤمنين، التي زوجها الله لرسوله، بقوله في سورة الأحزاب: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ [الأحزاب: ٣٧]، فجاء ﷺ فلما نزلت هذه الآية بعد انقضاء عدتها، فدخل بها، كما في مسلم وغيره، وأمها أميمة بنت عبد المطلب فجدهما واحد، ومات سنة عشرين عند ابن إسحاق والواقدي، وقال بعض المؤرخين: سنة إحدى وعشرين، ولها خمسون أو ثلاث وخمسون سنة، وروى البزار عن عبد الرحمن أنه أي: ربيعة صلى مع عمر على زينب فكبر أربعًا، فكانت أول نساء النبي ﷺ موتًا، كذا قاله الزرقاني.
قال علي القاري: تقديم عمر الناس أمام جنازة زينب بنت جحش ﵂ لعل ذلك تأدبًا معها بعدم النظر إلى زوالها وهو بفتح الزاي المعجمة وسكون الواو وبعدها لام بمعنى الزوال، وقال محمد الواني في (ترجمة الجوهري): وهو الظريف والظرافة.
قال محمد ﵀، المشي أمامها حَسَنٌ، والمشي خلفها أفضل؛ وهو قولُ أبي حنيفة، رحمه الله تعالى، وبه قال الأوزاعي، وقال النووي وطائفة معها سواء، ولنا ما في الصحيحين من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "من صلى على جنازة فله قيراط، ومن اتبعها حتى توضع في القبر فله قيراطان، والقيراط مثل أُحد".
لما فرغ من بيان أحوال الميت وما ينبغي له، شرع في بيان بعض أحواله، فقال: هذا
* * *
باب الميت لا يُتبع بنار بعد موته أو مجمرة فى جنازته
في بيان بعض أحوال الميت الذي لا يُتبع بنار، أي: لا يمشي بين يديه بنار، لما فيه من التفاؤل بالنار، قاله ابن حبيب، قال ابن عبد البر: وهو من شعار الجاهلية والنصارى، ولا ينبغي أن يُتشبه بهم بعد موته، جاء النهي عن ذلك عن ابن عمر مرفوعًا، وعن أبي هريرة