← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 127713

المهيأ في كشف أسرار الموطأ

عثمان الكماخي

Полный текст (1 812 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

له ولو رضى الملك عنه لألبس ظهره (ق ٣٢٠) خلعة فاخرة، واستقره في أمره وألا يعزله عن أمره ويعاتبه ويأخذ عنه ما أعطاه، فيقتله إن استحق القتل أو يجليه إلى جزيرة بعيدة، وكذلك حال الميت؛ فإنه إذا قبض جرد عن ثيابه وألقي على لوح، وغسل فيحمل الرجال على أعناقهم، ويسعون به في مشيهم، وإذا أوصلوه إلى شفير قبره ينزلونه فيه، فيترك ما ملكه وقومه وأهله في الدنيا، وينفرد في قبره فإن رضي عنه ربه، جعل قبره روضة من رياض الجنات، وإلا جعله حفرة من حفر النيران، اللهم أجرنا من النار، فاعتبروا يا أولي الأبصار. ٣٠٦ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، أن أبا هريرة قال: أسرعوا بجنائزكم فإنما هو خَيْرٌ تُقَدِّمُونه إليه، أو شر تُلقونه عن رقابكم. قال محمد: وبهذا نأْخذ، السرعة بها أَحَبّ إلينا من الإِبطاءِ، وهو قول أبي حنيفة. • أخبرنا مالك، أي: ابن أنس بن عمير بن أبي عامر الأصبحي، أي: ملك ذي الأصبح، من أتباع التابعين في الطبقة السابعة من أهل المدينة، وهي في الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة، وله تسعون سنة، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، وفي نسخة أخرى: أنا أخبرنا، وفي نسخة: بنا، أو أنا رمزًا إلى: أخبرنا نافع، أي: المدني مولى عبد الله بن عمر ﵄، أن أبا هريرة ﵁ قال: أي: موقوفًا، ورُوي عنه أيضًا مرفوعًا: أسرعوا بجنائزكم أي: بتجهيز ميتكم ودفنه، أو بالتعجيل في المشي، فإنما هو أي: الميت المدلول عليه بالجنائز، خَيْرٌ أي: صاحب خير أريد به المبالغة، تُقَدِّمُونه أي: الميت إليه، أي: إلى خيره، فهو خير له، أو شر تُلقونه أي: إلى شره في قبره، وليحيى: يضعونه، عن رقابكم أي: فتستريحون، فهو خير لكم. روى البخاري بالواسطة عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا وضعت الجنازة، واحتملها الرجال على أعناقهم، فإن كانت صالحة قالت:

стр. 597

قدموني قدموني، وإن كانت غير صالحة قالت: يا ويلها أين تذهبون بها؟ يسمع صوتها كل شيء إلا الإنسان، ولو سمعه لصعق". قال محمد ﵀: وبهذا أي: بأثر أبي هريرة ﵁ نأْخذ، أي: نعمل، السرعة المتوسطة بها أي: الجنازة أَحَبّ إلينا من الإِبطاء، بكسر الهمزة وسكون الموحدة، وفتح الطاء وقصر الألف والهمزة، وهو الثاني ضد السرعة والعجلة، وهو أي: السرعة بالجنازة في المشي، قول أبي حنيفة، نعمان بن ثابت بن طاوس بن هرمز بن ملك بن شيبان، وهو في الطبقة السادسة من طبقات الفقهاء، ولد في عهد الصحابة سنة ثمانين، وهو ابن سبعين سنة، ومات ببغداد، وهي في الإِقليم الثالث من الأقاليم السبعة. * * * ٣٠٧ - أخبرنا مالك، حدثنا الزُّهري، قال: كان رسول الله ﷺ يمشي أمام الجنازة، والخلفاءُ هَلُمَّ جرَّا؛ وابن عمر. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، حدثنا وفي نسخة: قال: بنا، رمزًا إلى أخبرنا الزُّهري، أي: محمد بن مسلم بن شهاب بن زهرة بن كلاب، كان في الطبقة الرابعة من أهل المدينة، تابعي، ثقة، قال: أي: مرسلًا، كان رسول الله ﷺ يمشي أمام الجنازة، أي: قدامها؛ لأنه يشفع لها، والخلفاءُ أي: يمشون أمامها، فدخل فيهم عليّ ﵁، وما رُوي أنه يمشي خلف جنازة، والعمر أمامها، فقيل له في ذلك فقال: فضل الماشي خلفها على الماشي أمامها كفضل صلاة المكتوبة على النافلة، وإنهما ليعلمان ذلك، ولكنهما سهلا على الناس، وإنه قال: إن شهدت جنازة فقدمها بين يديك؛ فإنها موعظة وتذكرة وعبرة، وخبر أبي جحيفة مرفوعًا: الجنازة متبوعة، وليست بتابعة، وليس تتبعها من تقدمها، فقال ابن عبد البر: هذه أحاديث كوفية لا يقوم بأسانيدها حجة، واختلف الصحابة والتابعون في ذلك، والمشي أمامهم أكثر عنهم، وهو أفضل، وبه قال الأئمة الثلاثة، وقال الأوزاعي وأبو حنيفة: المشي خلفها أفضل، وقال سفيان الثوري: كل ذلك

стр. 598

سواء، ولا أحد أعلم أكره ذلك؛ فقد قال ﷺ : "من شيَّع جنازة وصلى عليها كان له قيراط من الأجر، ومن قعد حتى تُدفن كان له قيراطان، والقيراط كأُحد" (١)، ولا يقول أحد: إن ذلك على الإِباحة، وإنما الخلاف على المشي أمامها مشروع، وهو قول الأئمة الثلاثة، وعلله بعض المالكية بأن الناس شفعاء والشفيع يمشي بين يدي المشفوع له، أو ممنوع، والسنة المشي خلفها، وبه قال أبو حنيفة، هَلُمَّ جرَّا؛ يعني: أن الخلفاء يمشون أمام الجنازة واحدًا بعد واحد، في حين خلافته، قال ابن الأنباري: معناه ساروا على هنيتهم وثبتوا في سيرهم، لا يجدون أنفسهم في مشيهم معًا، وهو مأخوذ من الجر، وهو أن يترك الإِبل والغنم ترعى في اليسر، وقال في نصب جر: على أنه مصدر في موضع الحال، والتقدير: هلم جارين، أي: مشيشين أو على المصدر؛ لأنه في هلم معنى جر، فكأنه قيل: جروا جرًا، أو على التمييز، وابن عمر، أي: كان ابن عمر ﵄ يمشي أمام الجنازة، وهذا يدل على أن المشي أمامها مشروع، كما كان في خلفها، كذا قاله الزرقاني (٢). * * * ٣٠٨ - أخبرنا مالك، حدثنا محمد بن المُنْكَدِر، عن ربيعة عن عبد الله بن الهُدَيْرِ، أنه رأى عمر بن الخطاب يَقْدُمُ الناس أمام جنازة زينب ابنة جحْش. قال محمد: المشي أمامها حَسَنٌ، والمشي خلفها أفضل؛ وهو قولُ أبي حنيفة. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: حدثنا، وفي نسخة: قال: بنا، رمزًا إلى أخبرنا محمد بن المُنْكَدِر، أي: ابن عبد الله بن الهدير، بالتصغير التيمي، يُكنى أبا عبد الله، المدني، تابعي ثقة، من الطبقة الرابعة من أهل المدينة، مات سنة ثلاثين ومائة أو بعدها، دخل المنكدر على عائشة ﵂ فشكا إليها الحاجة، فقالت: أدنى شيء يأتيني أبعث به إليك، فجاءها عشرة آلاف درهم، فقالت: ما أسرع ما امتحنتِ به يا

стр. 599

عائشة، وبعثت بها إليه، فاشترى بها جارية، فولدت له بنيه محمدًا وأبا بكر وعمر، وكلهم يذكر بالصلاح والعبادة، ويحمل عنه الحديث، قال محمد: كابدتُ نفسي أربعين سنة، ثم استقامت، وكان ربما قام الليل يصلي ويقول: كم من عين الآن ساهرة في رزقي، وكان له جار مبتلى فكان يرفع صوته من الليل يصيح، وكان محمد يرفع صوته: يا أحمد، فقيل له في ذلك، فقال: يرفع صوته بالبلاء، وأرفع صوتي بالنعمة، وبينا هو ذات ليلة قائم يصلي، إذا استبكى فكثر بكاؤه، حتى فزع أهله، وسألوه: ما الذي أبكاه، فاستحجم عليهم، فتمادى في البكاء، فأرسلوا إلى أبي حازم، فجاء، فقال: يا أخي، ما الذي أبكاك؟ فقال: مرت بي آية من كتاب الله تعالى، وهي قوله فى سورة الزمر: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر: ٤٧]، وأولها: ﴿وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٤٧]، فبكى أبو حازم واشتد بكاؤه، فقال بعض أهله جئنا بك لتفرج عنه (ق ٣٢٢) فزدته، فأخبرهم ما أبكاهما، قال: إن الله تعالى يحفظ المؤمن ولده وولد ولده في دويراته ودويرات حوله، فما يزالون في حفظ وعافية ما كان بين أظهرهم. وقال: بات أخي عمر يصلي، وبت أغمز رجل أمي، وما أحب ليلتي بليلة، وصلى على رجل فقيل له: تصلي على فلان؟ فقال: إني أستحي من الله تعالى أن يعلم مني أن رحمته تحجز عن أحد من خلقه، وقال: نعم العون على تقوى الله الغنى، وقيل له: أي العمل أحب إليك؟ قال: إدخال السرور على المؤمن، قيل: فما بقي مما تستلز؟ قال: الإِفضال على الإِخوان، وقال: الفقير يدخل بين الله وبين عباده، فلينظر كيف يدخل. وقال ابن الماجشون: إن رؤية ابن المنكدر تنفعني في ديني، وجزع عند موته، فقيل له: لم تجزع؟ فقال: أخشى آية في كتاب الله تعالى: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر: ٤٧]، فإني أخشى أن يبدو لي من الله ما لم أكن أحتسب، وأتاه صفوان وهو في الموت، فقال: كأني أراك قد شق عليك الموت، فما زال يهون عليه الأمر، وتجلى عن محمد حتى كان في وجهه المصابيح، ثم قال له محمد: لو ترى ما أنا فيه لقرت عيناك، ثم قضى رحمه الله تعالى، كذا قاله أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي الحنبلي، عن ربيعة عن عبد الله بن الهُدَيْرِ، (١) بالتصغير، التيمي، روى عن عمر وطلحة

стр. 600

وغيرهما، وعنه ابن أخيه محمد وأبو بكر بن المنكدر، ومحمد بن إبراهيم التيمي، وربيعة ثقة، تابعي من الطبقة الرابعة من أهل المدينة، رأى جماعة من الصحابة، مات سنة ثلاث وتسعين، كذا قاله الذهبي في (أسماء الرجال)، أنه أي: ربيعة رأى عمر بن الخطاب يَقْدُمُ بفتح التحتية وسكون القاف، وضم الدال المهملة، أي: يتقدم، ولابن وضاح: يقدم بضم التحتية وفتح القاف وكسر الدال المشددة من التقديم، الناس أي: يأمرهم أن يتقدموا أمام أي: قدام جنازة زينب ابنة جحْش، الأسدية، أم المؤمنين، التي زوجها الله لرسوله، بقوله في سورة الأحزاب: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ [الأحزاب: ٣٧]، فجاء ﷺ فلما نزلت هذه الآية بعد انقضاء عدتها، فدخل بها، كما في مسلم وغيره، وأمها أميمة بنت عبد المطلب فجدهما واحد، ومات سنة عشرين عند ابن إسحاق والواقدي، وقال بعض المؤرخين: سنة إحدى وعشرين، ولها خمسون أو ثلاث وخمسون سنة، وروى البزار عن عبد الرحمن أنه أي: ربيعة صلى مع عمر على زينب فكبر أربعًا، فكانت أول نساء النبي ﷺ موتًا، كذا قاله الزرقاني. قال علي القاري: تقديم عمر الناس أمام جنازة زينب بنت جحش ﵂ لعل ذلك تأدبًا معها بعدم النظر إلى زوالها وهو بفتح الزاي المعجمة وسكون الواو وبعدها لام بمعنى الزوال، وقال محمد الواني في (ترجمة الجوهري): وهو الظريف والظرافة. قال محمد ﵀، المشي أمامها حَسَنٌ، والمشي خلفها أفضل؛ وهو قولُ أبي حنيفة، رحمه الله تعالى، وبه قال الأوزاعي، وقال النووي وطائفة معها سواء، ولنا ما في الصحيحين من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "من صلى على جنازة فله قيراط، ومن اتبعها حتى توضع في القبر فله قيراطان، والقيراط مثل أُحد". لما فرغ من بيان أحوال الميت وما ينبغي له، شرع في بيان بعض أحواله، فقال: هذا * * * باب الميت لا يُتبع بنار بعد موته أو مجمرة فى جنازته في بيان بعض أحوال الميت الذي لا يُتبع بنار، أي: لا يمشي بين يديه بنار، لما فيه من التفاؤل بالنار، قاله ابن حبيب، قال ابن عبد البر: وهو من شعار الجاهلية والنصارى، ولا ينبغي أن يُتشبه بهم بعد موته، جاء النهي عن ذلك عن ابن عمر مرفوعًا، وعن أبي هريرة

стр. 601

نفسه، أو مجمرة في جنازته، وفي نسخة في الجنازة: المجمر بكسر الميم الأولى المنجرة، والمدهنة، وقيل: المجمر بالكسر بحذف الهاء ما ينحر به من عود وغيره، وهو لغة في المجمرة. ٣٠٩ - أخبرنا مالك، أخبرنا سعيد بن أبي سعيد المقْبُرِيّ، أن أبا هريرة نهى أن يُتْبَعَ بنار بعد موته أو بِمِجْمَرةٍ في جنازته. قال محمد: وبهذا نأخذ، وهو قولُ أبي حنيفة. • أخبرنا مالك بن أنس بن عمير بن أبي عامر الأصبحي، من أتباع التابعين، في الطبقة السابعة من أهل المدينة، وهو منسوب إلى ملك من ملوك اليمن يُقال له: ذو أصبح، وفي نسخة: محمد ثنا، أخبرنا سعيد بن كيسان، وهو أبي سعيد المقْبُريّ، بفتح الميم وسكون القاف، وبضم الموحدة والراء بعدها، تابعي من الطبقة الرابعة من أهل المدينة، كذا قاله ابن حجر في (التقريب) (١). أن أبا هريرة نهى أن يُتْبَعَ بنار بعد موته أو بِمِجمَرَةٍ في جنازته، قال ابن عبد البر: جاء النهي من ذلك عن ابن عمر مرفوعًا. انتهى، بل وعن أبي هريرة نفسه، ففي أبي داود (٢) عنه أن النبي ﷺ قال: "لا تُتبع الجنازة بصوت ولا بنار، ولا يمشي بين يديها بنار ولا بصوت"، وهذا حديث حسنه بعض الحفاظ، كذا قاله الزرقاني (٣). قال محمد: أي: المصنف ﵀: وبهذا أي: بأثر أبي هريرة ﵁ نأخذ أي: نعمل ونُفتي، وهو أي: ما نهى عنه أبو هريرة، قولُ أبي حنيفة، أي: نعمان بن ثابت بن طاوس بن هرمز بن ملك بن شيبان، ولد في عهد الصحابة سنة ثمانين، ومات وهو ابن سبعين سنة في أشهر الروايات، بإسناد - رحمه الله تعالى.

стр. 602

لما فرغ من بيان حكم اتباع الجنازة بالنار، شرع في بيان حكم القيام للجنازة، فقال: هذا * * * باب القيام للجنازة في بيان حكم القيام للجنازة، وفي نسخة للجنازة. ٣١٠ - أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد، عن وَاقِد بن سعد بن مُعاذٍ الأنصاري، عن نافع بن جُبَيْر بن مُطْعم، عن مُعَوِّذ بن الحَكَم، عن علي بن أبي طالب، أن رسول الله ﷺ كان يقوم في الجنازة، ثم جَلَسَ بَعْدُ. قال محمد: وبهذا نأخذ، لا نرى القيام للجنازة، كان هذا شيئًا فَتُرِكَ، وهو قولُ أبي حنيفة. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة أخرى: محمد أخبرنا، أخبرنا يحيى بن سعيد، أي: ابن قيس الأنصاري، المدني، أبو سعيد القاضي، ثقة ثبت، في الطبقة الخامسة، مات سنة أربع وأربعين أو بعدها، كذا قاله بعض المؤرخين، عن وَاقِد بالقاف والدال بن عمرو بن سعد بن مُعاذٍ الأنصاري، وفي نسخة: الأنصاري الأشهلي الدوسي، وأمه كبشة بنت رابعة لها صحبة وأسلم بين العقبتين، وشهد بدرًا والمشاهد، ورُمي يوم الخندق بسهم، فعاش شهرًا فمات سنة عشرين ومائة، فقد قال النبي ﷺ : "اهتز العرش لموت سعد بن معاذ"، وقال ﷺ : "مناديل سعد في الجنة خيرٌ من هذه النخلة"، كذا قاله الإمام الذهبي في (التهذيب)، عن نافع بن جُبَيْر بن مُطْعم، بضم الميم، وكسر العين أي: ابن عدي بن نوفل بن عبد مناف، القرشي النوفلي، صحابي عارف بالأنساب، مات سنة ثمان أو تسع وخمسين من (ق ٣٢٤) الطبقة السادسة من طبقات الصحابة، كذا قاله الذهبي وابن حجر.

стр. 603

عن مُعَوِّذ بن الحَكَم، بضم الميم وفتح العين المهملة وكسر الواو المشددة، والذال المعجمة، وفتح الحاء المهملة والكاف المفتوحة والميم، أي: ابن الربيع بن عامر الأنصاري الزرقي المدني، له رؤية عن بعض الصحابة، ففي الإِسناد أربعة من التابعين في نسق من حيث الرواية، وفي نسخة بفتح الميم وسكون السين المهملة وضم العين المهملة وسكون الواو والدال، عن علي بن أبي طالب، ﵁، أن رسول الله ﷺ : كان يقوم في الجنازة، كلمة "في" هنا للتعليل، كما كانت له في الحديث "أن امرأة دخلت النار في هرة حبستها"، يعني: قام رسول الله ﷺ لأجل جنازة مرت بنا، وقمنا معه فقلنا: إنها جنازة يهودي، قال: "إذا رأيتم الجنازة فقوموا"، زاد مسلم: "إن الموت فزع"، وفي الصحيحين عن سهل بن حنيف وقيس بن سعد: فقال ﷺ : "أليست نفسًا؟ "، وللحاكم عن أنس وأحمد عن أبي موسى الأشعري مرفوعًا: "إنما قمنا إعظامًا للذي يقبض النفوس" (١)، ولفظ ابن حبان: "الله الذي يقبض الأرواح" (٢)، ولا منافاة بين هذه التعاليل؛ لأن القيام للفزع من الموت فيه تعظيم لأمر الله تعالى وللقائمين بأمره في ذلك وهم الملائكة، والمقصود من الحديث أن لا يستمر الإِنسان على الغفلة بعد رؤية الميت؛ لإِشعاره بالتساهل بأمر الموت، ولذا يستوي كون الميت مسلمًا، أو كافرًا، وأما ما أخرجه أحمد عن الحسن بن علي: إنما قام ﷺ تأذيًا بريح اليهود (٣)، زاد الطبراني من حديث عبد الله بن عباس بفتح العين المهملة، وبالتحتية والألف والشين المعجمة، فإذا ريح تخورها، وللبيهقي والطبراني من وجه آخر عن الحسن كراهية أن يعلوا على رأسه، فلا يعارض الأخبار الأولى؛ لأن أسانيد هذه لا تقاوم تلك في الصحة، ولأن هذا التعليل فهمه الراوي والتعليل الماضي لفظه ﷺ فكأنه لم يسمع تصريحًا بالتعليل فعلل باجتهاده. ثم جَلَسَ بَعْدُ، أي: استمر جلوسه بعد ذلك يعني: كان يقوم في وقت، ثم تركه أصلًا، وعلى هذا يكون فعله الأخير قرينة في أن الأمر بالقيام للندب، أو نسخ للوجوب المستفاد من ظاهر الأمر، والأول أرجح؛ لأن احتمال المجاز أولى من دعوى النسخ، قال الحافظ:

стр. 604

والاحتمال الأول يدفعه ما رواه البيهقي في حديث على أنه أشار إلى قوم قاموا أن يجلسوا، ثم حدثهم بالحديث، ولذا قال بكراهة القيام جماعة، كذا قاله الزرقاني. قال محمد: وبهذا أي: بجلوسه ﷺ استمرارًا نأخذ، أي: نعمل ونُفْتي لا نرى أي: لا نستحب القيام للجنازة، والقيام لها كان هذا قبل جلوسه ﷺ شيئًا أي: معمولًا به، فَتُرِكَ، أي: ثم نُسِخَ، وهو أي: عدم القيام لها، المستفاد من قوله: ثم جلس بعد، قولُ أبي حنيفة، أي: نعمان بن ثابت بن طاوس بن هرمز، كان في الطبقة السادسة من أهل الكوفة، وهي في الإِقليم الثالث من الأقاليم السبعة. لما فرغ من بيان (ق ٣٢٥) أحكام حمل الجنازة والقيام لها، شرع في بيان أحكام الصلاة على الميت، فقال: هذا * * * باب الصلاة على الميت والدعاء له في بيان أحكام الصلاة على الميت، أي: مطلقًا، وهي فرض كفاية على الأحياء بالإِجماع، والدعاء له فيها. ٣١١ - أخبرنا مالك، حدثنا سعيد المَقْبُرِي، عن أبيه، أنه سأل أبا هريرة: كيف يُصَلَّى على الجنازة؟ فقال: أنا لعمر الله أخبرك، اتَّبِعهَا من أهلها، فإذا وُضِعَت كَبَّرْتَ فحمدتَ الله وصليت على نبيه، ثم قلت: اللهم عبدك وابن عبدك وابن أمتك، كان يشهد أن لا إله إلا أنت، وأن محمدًا عبدك ورسولك وأنت أعلم به، إن كان مُحْسِنًا فَزِدْ في إحسانه، وإن كان مُسِيئًا فتجاوز عنه، اللهم لا تحرمنا أجْرَهُ، ولا تَفْتِنَّا بعده. قال محمد: وبهذا نأخذ، لا قراءةَ على الجنازة، وهو قولُ أبي حنيفة. • أخبرنا مالك، أي: ابن أنس بن عمير بن أبي عامر الإِمام الأصبحي، أي نسب إلى

стр. 605

ملك من ملوك اليمن يقال له: ذي أصبح، كان من أتباع التابعين، ومن الطبقة السابعة من أهل المدينة وهي في الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، حدثنا سعيد المَقْبُرِي، أي: بفتح الميم وسكون القاف وضم الموحدة، وكسر الراء، كان جارًا إلى المقبرة، وفي نسخة: سعيد بن أبي سعيد، بكسر العين المهملة وسكون التحتية فيهما، كما في رواية يحيى الليثي، عن مالك، عن أبيه، أي: أبي سعيد، اسمه كيسان، وأمه كانت من بني ليث، كذا قاله الذهبي في (أسماء الرجال)، وكان تابعيًا من الطبقة الرابعة من أهل المدينة، كذا قاله ابن حجر في (التقريب) (١)، أنه أي: كيسان سأل أبا هريرة كيف يُصَلَّى فكيف يسأل بها عن الحال، ويصلى بصيغة المضارع الغائب المجهول، أي: بأي حال يصلي المصلي صلاة، على الجنازة؟ وفي نسخة: بصيغة المفرد المخاطب المعلوم كيف يصلي أبا هريرة عليها، فقال: أي: أجاب عنه بلفظ يدل على التأكيد، أنا لعمر الله بفتح اللام الابتدائية وبضم العين المهملة والميم الساكنة والراء المهملة المضمومة المضافة إلى لفظة الجلال؛ لأنه موضوع للقسم؛ ولأنه مبتدأ وخبره محذوف تقديره لعمر الله قسمي، فمعناه ببقاء الله، ودوامه أحلف، كما قاله محمد الواني في (ترجمة الجوهري). أخبرك يا كيسان، وهو أبو سعيد السائل، اتَّبِعهَا بفتح الهمزة وبفتح التاء الفوقية المشددة، وكسر الموحدة المخففة وضم العين المهملة، أي: أشيع الجنازة من أهلها، أي: من عند أهلها، أو من محلها الغاية محذوفة، تقديره إلى المصلى يقربه قوله الآتي، فإذا وُضِعَت كَبَّرْتَ، ويجوز أن يكون كلمة "من" بمعنى مع، كما يؤيده ما روى يحيى الليثي عن مالك، حيث قال: فقال أبو هريرة: لعمر الله أنا أخبرك اتبعها مع أهلها، وقال: لأني رويت عن النبي ﷺ : "حقُ المسلم على المسلم خمس: ردُ السلام، وزيارة المريض، واتباع الجنازة، وإجابة الدعوة، وتشميت العاطس" (٢)، رواه البخاري ومسلم؛ لأني سمعتُ النبي ﷺ يقول: "من خرج مع جنازة من بيتها وصلى عليها ثم يتبعها حتى تُدفن كان له قيراطان من الأجر، كل قيراط مثل أحد"، رواه الشيخان واللفظ لمسلم، كذا قاله الزرقاني.

стр. 606

فإذا وضعت أي: الجنازة للصلاة كبرت، أي: التكبيرة الأولى، فحمدتَ الله أي: أثنيت عليه ﷻ ، أو قلت: "سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك"، وصليت على نبيه، أي: تعالى بعد التكبيرة الثانية، ثم أي: بعد التكبيرة الثالثة قلت: اللهم أي: يا الله؛ لأن أصله يا الله، فحذف ياء النداء من أوله؛ لئلا يجتمع الحرفان اللتان تقتضيان الصدارة الياء والألف، فأُلحق (ق ٣٢٦) في آخره الميم المشددة عوضًا عنها، فصار: اللهم هذا عبدك كذا في نسخة، وابن عبدك وابن أمتك، أي: جاريتك ولم يوجد في أكثر النسخ لفظ "هذا"، وفيه طلب زيادة الرحمة والعفو عن ذنوب عبده، فإن شأن الكرام الإِعراض عن ذنوب عبيدهم والإِكرام منه ، كان أي: هذا العبد في دار الدنيا، يشهد أي: يعلم ويتيقن أن لا إله أي: لا معبود بالحق من غيرك، إلا أنت، معبود بالحق، وفي نسخة: وحدك لا شريك لك، أي: أنت واحد في ذاتك؛ لا من طريق العدد، ولكن عن طريق أنك لا شريك لك في صفتك السرمدية، وأن محمدًا عبدك ورسولك، وقد وعدت من يشهد ذلك الجنة، وعدك الحق فمن كان عفوك لا تعذبه، وأنت أعلم به، أي: منا أنه كان مخلصًا, أم لا, إن كان, وفي رواية ليحيى الليثي: اللهم إن كان مُحْسِنًا أي: مؤمنًا صالحًا، وفي نسخة: فإن كان بالفاء فَزِدْ في إحسانه، أي: ضاعف حسناته وثوابه، وإن كان مُسِيئًا أي: خاطئا في أعماله الظاهرة ومؤمنًا بقلبه، فتجاوز عنه، أي: فيما صدر عنه من سيئاته فلا تؤاخذه، اللهم أي: يا الله، لا تحرمنا بفتح التاء الفوقية وسكون الحاء المهملة وكسر الراء أجْرَهُ، أي: لا تجعلنا محرومين من أجر الصلوات عليه، وشهود جنازته، أو أجر المصيبة بموته، فإن المؤمن مصاب بأخيه المؤمن، ولا تَفْتِنَّا بكسر التاء الثانية، وتشديد النون، أي: ولا توقعنا في الفتنة، بعده، أي: بعد فراقه عنا، أي: لا تجعلنا مفتونين بما يشغلنا عنك، فإن كل شاغل عن الله تعالى فتنة، وفيه أن المصلي له أن يشرك نفسه في الدعاء بما شاء، فهاتان الدعوتان للمصلي لا للميت. قال محمد: وبهذا أي: بخبر أبا هريرة ﵁ نأخذ، أي: نعمل ونفتي بأن صلاة الجنازة فرض كفاية على الأحياء لقوله ﷺ : "صلوا على صاحبكم" (١)، يعني:

стр. 607

الذي عليه الدين، كذا رواه البخاري في صحيحه، والأمر للوجوب، ولو كانت فرض عين لصلى عليه النبي ﷺ . وأركان صلاة الجنازة أربع تكبيرات. قال الإِمام الزاهدي في (شرح القدوري): والتكبيرات الأربع قائمة مقام أربع ركعات. . انتهى. ولكن التكبيرة الأولى فريضة باعتبار الشروع بها، وركن باعتبار قيامها مقام ركعة كباقي التكبيرات، كذا في (المحيط)، فإن قيل: ما الحكمة إذ لم يفرض الركوع والسجود في صلاة الجنازة؟ الجواب: قيل لأن صلاة الجنازة دعاء وثناء واستشفاء للميت، والركوع والسجود مخصوصان للتعبد لله تعالى من غير واسطة اختص به الملة المحمدية؛ لأن السجدة كانت جائزة لتعظيم المخلوق في الملة السالفة، ونحن نهينا عن الركوع والسجود لغير الله تعالى، كذا في (خواتم الحكم). لا قراءةَ أي: من القرآن على الجنازة، وهو أي: عدم القراءة عليها قولُ أبي حنيفة، رحمه الله تعالى، وبه قال مالك، وقال الشافعي وأحمد: قراءة الفاتحة بعد التكبيرة الأولى واجبة، كذا قاله علي القاري. * * * ٣١٢ - أخبرنا مالك، حدثنا نافع، أن ابن عمر كان إذا صلى على جنازة سَلَّم، حتى يُسْمِعَ مَنْ يَلِيه. قال محمد: وبهذا نأخذ، يسلم عن يمينه ويساره، ويُسْمِع مَنْ يَلِيه، وهو قولُ أبي حنيفة. • أخبرنا مالك، وهو ابن أنس بن عمير بن أبي عامر الإِمام الأصبحي، وهو منسوب إلى ملك من ملوك اليمن، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، حدثنا نافع، أي: المدني، مولى عبد الله بن عمر أن ابن عمر كان إذا صلى على جنازة سَلَّم، حتى يُسْمِعَ من الإِسماع منْ يَلِيه، وكذا كان أبو هريرة وابن سيرين، وبه قال أبو حنيفة والأوزاعي ومالك، وفي رواية ابن القاسم: وكذا كان علي وابن عباس، وأبو أمامة بن سهيل وابن جبير والنخعي يرونه،

стр. 608

وقال به الشافعي ومالك في رواية، ويعلم المأموم تحلله بانصرافه. قال محمد: وبهذا أي: بعمل ابن عمر، نأخذ، أي: نعمل ونُفتي، وكان ابن عمر يسلم عن يمينه ويساره، أي: حال كونه يجهر بالسلام، ويُسْمِع وفي نسخة: حتى مَنْ يَلِيه، أي: كان قريبًا منه يمينًا وشمالًا وخلفًا، وهو أي: إن جهر الإِمام سلام صلاة الجنازة، قولُ أبي حنيفة، ﵀. قال علي القاري: فقول الشمني: غير رافع بهما صوته، ليس في محله أو محمول على غير الإِمام، أو على المبالغة هنا، وقال الإِمام أحمد: يسلم واحدة عن يمينه، كما في الصلوات الخمس. * * * ٣١٣ - أخبرنا مالك، حدثنا نافع، أن ابن عمر كان يصلي على الجنازة بعد العصر وبعد الصبح، إذا صُليتا لوقتهما. قال محمد: وبهذا نأخذ، لا بأس بالصلاة على الجنازة في تَيْنِكَ الساعتين، ما لم تطلع الشمس، أو تتغير الشمس بصفرة للمغيب، وهو قولُ أبي حنيفة. • أخبرنا مالك، ابن أنس بن عمير بن أبي عامر الأصبحي، أي: من ولد ملك ذو الأصبح من ملوك اليمن، من أتباع التابعين، في الطبقة السابعة من أهل المدينة، وهي في الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة، وفي نسخة: محمد قال: حدثنا، حدثنا وفي نسخة: أنا، رمزًا إلى أخبرنا، وفي نسخة أخرى: عن نافع، أي: المدني مولى عبد الله بن عمر، أن ابن عمر كان يصلي على الجنازة بعد العصر وبعد الصبح، أي بعد صلاتهما، إذا صُليتا لوقتهما، قال سعيد بن زيد الباجي المالكي: أي: لوقت الصلاتين المختار، وهو في العصر إلى الاصفرار، وفي الصبح إلى الإِسفار، وقال الحافظ العسقلاني: مقتضاه أنهما إذا أخرتا إلى وقت الكراهة عنده لا نصلي عليها حينئذٍ.

стр. 609

قال محمد: أي: ابن الحسن الشيباني، وبهذا أي: بعمل ابن عمر نأخذ، أي: نعمل، لا بأس أي: لا كراهة بالصلاة على الجنازة في تَيْنِكَ الساعتين، أي: في ذينك الوقتين وهما: بعد العصر والصبح، ما لم تطلع الشمس، أي: ما لم تسرع في الطلوع بأن يحمر، أو تتغير الشمس بصفرة للمغيب، والمعنى أنها حينئذٍ لا تجوز، لكن محله إذا حضرت الجنازة عندها فتجوز الصلاة عليها في (التحفة)، إذا حضرت جنازة في الأوقات المكروهة، فالأفضل أن يُصلى عليها ولا يؤخر، وهو أي: جواز صلاة الجنازة بعد صلاة العصر والصبح، قولُ أبي حنيفة، ﵀. وقال مالك: يُكره فعلها عند طلوع الشمس، وعند غروبها، ولا تُكره عند الشافعي كل صلاة وجد لها سبب في وقت من الأوقات، كذا قاله علي القاري. لما فرغ من بيان حكم الصلاة على الميت، شرع في بيان حكم الصلاة على الجنازة، فقال: هذا * * * باب الصلاة على الجنازة في المسجد في بيان حكم الصلاة على الجنازة في المسجد، أي: حال كونها في المسجد الذي لم يجعل بصلاتها. ٣١٤ - أخبرنا مالك أخبرنا نافع، عن ابن عمر، أنه قال: ما صُلِّيَ على عمر إلا في المسجد. قال محمد: لا يُصَلَّى على جنازة في المسجد، وكذلك، بلغنا عن أبي هريرة: وموضع الجنائز بالمدينة خارج المسجد، وهو الموضع الذي كان النبي ﷺ يصلي على الجنازة فيه.

стр. 610

• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا رمزًا إلى حدثنا، أخبرنا وفي نسخة: محمد عن نافع، المدني، مولى ابن عمر ﵄، عن ابن عمر، أنه قال: ما صُلِّي على بناء المفعول على جنازة كذا في نسخة: عمر، إلا في المسجد، أي: مسجد المدينة، وروى ابن أبي شيبة وغيره أن عمر صلى على أبي بكر في المسجد، وأن صهيبًا صلى على جنازة عمر في المسجد، ووضعت الجنازة بحيال المنبر، أي: مقابله، قال ابن عبد البر: وذلك بمحضر الصحابة من غير نكير، يعني: فيكون إجماعًا سكوتيًا كذا قاله الزرقاني (١). قال محمد: لا يُصَلَّى على جنازة في المسجد، قال بعض الفضلاء: المراد بالمسجد مسجد حي، وذكر في (المحيط) أن صلاة الجنازة في المسجد الجامع مكروهة كمسجد الحي. انتهى. بخلاف المبني للجماعة والجمعة وصلاة العيدين والكسوفين والاستسقاء وصلاة الجنازة، وهذا أحد وجوه إطلاق المساجد عليه بصيغة الجمع، في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ (التوبة: ١٨)، وقيل: لعظمته ظاهرًا وباطنًا، أو لأنه قبلة المساجد، أو لأن جهاته كلها مساجد، وكذلك بلغنا عن أبي هريرة ﵁، ولعل المصنف أراد ما أخرجه الطحاوي في (معاني الآثار) عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "مَنْ صلى على جنازة في المسجد فلا شيء له"، أي: من الأجر والثواب مطلقًا، أو كاملًا، وهو الأظهر، وفي رواية: "فلا أجر له"، أي: كاملًا، وفي رواية أخرى: "فلا شيء عليه"، كذا نقله المناوي في (كنوز الحقائق) عن أبي داود. وموضع الجنائز بالمدينة خارج المسجد، وهو الموضع الذي كان النبي ﷺ يصلي على الجنازة فيه، وذكر النسفي في (فتاواه)، أن صلاة الجنازة في المسجد الجامع على ثلاثة أوجه: الأولى: أن يكون الكل في المسجد، وهذا الوجه مكروه با لاتفاق تحريمًا إن خيف تلويث المسجد بها، وتنزيهًا إن كان المسجد مشغولًا بما لم يبذله، والثانية: أن يكون الميت والإِمام مع بعض خارج المسجد والباقي فيه، وهذا الوجه غير مكروه بالاتفاق، والثالثة: أن يكون الميت وحده خارج المسجد والإِمام والقوم في المسجد، وهذا الوجه مختلف فيه، وشمس الأئمة الحلواني اختار الكراهة فيه، كذا في (الشايج).

стр. 611

لما فرغ من بيان أحكام صلاة الجنازة في المسجد، شرع في بيان أحكام حمل الميت، وجعل الحنوط له وغسله، وهل ينقض وضوءه؟ فقال: هذا * * * باب الرجل يحمل الميت أو يحنطه أو يغسله هل ينقض ذلك وضوءه ؟ بالتنوين يحمل الرجل الميت، أي: يسن حمل الميت الكبير لأربعة رجال تكريمًا له؛ لقول ابن مسعود ﵁: "إذا تبع أحدكم الجنازة فليأخذ بقوائم السرير الأربعة"، وإذا كان الميت صغيرًا يحمله واحد على يديه تكريمًا له، ويكره حمله على ظهره أو على دابة بلا ضرورة، ويستحب لكل واحد أن يحمله من كل جانب عشر خطوات، ليكون حمله أربعين خطوة؛ لقوله ﷺ : "من حمل جنازة أربعين خطوة كفرت عنه أربعين كبيرة" (١)، كذا في (التبيين)، ويبدأ الحامل بمقدمها الأيمن، فيضعه على عاتقه الأيمن، ويمين الجنازة ما كان من جهة يسار الحامل قبل حملها، وأن الميت يلقى على ظهره ثم يضع مؤخرها الأيمن على عاتقه (ق ٣٢٩) الأيمن، ثم يضع مقدمها الأيسر على عاتقه الأيسر، ثم يختم بالجانب الأيسر على عاتقه الأيسر، فيكون من كل جانب عشر خطوات، أو يحنط من باب التفعيل، أي: يجعل غاسل الميت الحنوط على رأس الميت ولحيته، لم رُوي عن علي وابن عمر ﵄، وهو - أي: الحنوط - عطر مركب من أشياء طيبة، وكذلك يجعل الكافور على جبهة الميت وأنفه ويديه وركبتيه وقدميه؛ لأن الطيب سنة، وتخصيص الطيب في هذه المواضع تشريفًا لها وصيانة عن سرعة الفساد، كذا في (الدرر) والاختيار أو يغسله - أي الميت - هل ينقض ذلك؟ أي: الحمل المستفاد من لفظ "يحمل" أو تحنيط الميت أو غسله وضوءه، أي: وضوء الحامل، أو المحنط أو الغاسل، و"أو" هنا

стр. 612

للتخيير، وذلك إشارة إلى الحمل، والتحنيط والغسل على سبيل المناوبة، والمناسبة بين هذا الباب والباب السابق ظاهرة. ٣١٥ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع: أن ابن عمر حنط ابنًا لسعيد بن زيد، وحمله، ثم دخل المسجد فصلى ولم يتوضأ. قال محمد: وبهذا نأخذ، لا وضوءَ على من حمل جنازة، ولا على من حَنَّطَ ميتًا أو كَفَّنَهُ، أو غَسَّلَهُ، وهو قولُ أبي حنيفة. • أخبرنا مالك، أي: ابن أنس بن عمير بن أبي عامر الأصبحي، يعني منسوب إلى ملك ذي أصبح من ملوك اليمن، كان من أتباع التابعين، في الطبقة السابعة من أهل المدينة، وهي في الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، أخبرنا وفي نسخة: أخبرني بالإِفراد، نافع، المدني، مولى ابن عمر، أن ابن عمر ﵁ حنط أي: جعل الحنوط ابنًا لسعيد بن زيد، يكنى أبا الأعور العدوي، أحد العشرة المبشرين بالجنة، أسلم قديمًا وحضر المشاهد كلها، وكانت فاطمة أخت عمر تحته بسببها كان إسلام عمر ومات بالعقيق، فحمل إلى المدينة، ودفن بالبقيع سنة إحدى وخمسين، وحمله، أي: حمل ميته، ثم دخل المسجد أي: المسجد المعد للجنازة أو مسجد المدينة، أو غيرها والله أعلم. فصلى ولم يتوضأ، وهذا دليل صريح على أنه من حمل الجنازة أو غسلها أو أعانها لا يلزم عليه الوضوء. قال محمد ﵀: وبهذا أي: بعمل ابن عمر نأخذ، أي: نعمل ونُفتي، لا وضوءَ على من حمل جنازة، ولا على عن حَنَّطَ ميتًا أوكَفَّنَهُ، أي: لف الكفن على الميت، أو غَسَّلَهُ، وهو أي: عدم لزوم الوضوء على هؤلاء قولُ أبي حنيفة، ﵀، فما أخرجه أبو داود وابن ماجه وابن حبان (١) عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: "مَنْ غسَّل الميت فليغتسل، ومن حمله فليتوضأ"، محمول على الاحتياط أو على من لا يكون له

стр. 613

طهارة؛ ليكون مستعدًا للصلاة؛ فلا يفوته شيء منها. لما فرغ من بيان عدم لزوم الوضوء على حامل الميت ومحنطه، وعدم لزوم الاغتسال على غاسله، شرع في بيان حكم حال الرجل تدركه الصلاة على الجنازة، فقال: هذا * * * باب الرجل تدركه الصلاة على الجنازة وهو على غير وضوء في بيان حكم حال الرجل تدركه من باب الأفعال، أي: تبلغه الصلاة التي تُصلى على الجنازة، إسناد فعل الإِدراك إلى الصلاة فجاز في الطرف وهو المسند إليه، وهي مجاز عقلي، وهو إسناد الفعل أو معناه إلى غير فاعل الفعل، إذا كان الفعل مبنيًا للفاعل أو إلى غير المفعول به، إذا كان مبنيًا للمفعول، فإن العقل إذا خلى بنفسه بعد قيام فعل الدرك بالصلاة محالًا؛ فإن فعل الدرك (ق ٣٣٠) فعل الرجل لا فعل الصلاة، كما قال تعالى في أول سورة الأنفال: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [الأنفال: ٢]، أي: إذا قرأت آيات الله على أصحاب رسول الله ﷺ زادتهم إيمانًا، أسند الزيادة وهي فعل الله تعالى إلى الآيات لكونها سببًا؛ وكذلك هنا، فإن الصلاة على الجنازة سبب الإِدراك، فيكون إسناد الدرك إلى الصلاة من قبيل إسناد الفعل إلى سببه، وإن شئت تفصيله فارجع إلى الإِسناد الخبري من (شرح تلخيص المفتاح)، وهو أي: والحال أن الرجل الذي يدرك صلاة الجنازة على غير وضوء اتفقوا على أن من شرط صحة الصلاة على الجنازة الطهارة، قال الشعبي ومحمد بن جرير الطبري: تجوز بغير طهارة؛ لأنها دعاء واستغفار، فيجوز بلا طهارة، ووافقه إبراهيم بن علية، وهو ممن يرغب عن كثير، وهذا مذهب شاذ. ٣١٦ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن ابن عمر أنه كان يقول: لا يصلي الرجل على جنازة إلا وهو طاهر. قال محمد: وبهذا نأخذ، لا ينبغي أن يصلي على الجنازة إلا طاهر، قال: فإن فاجأته وهو على غير طُهُورٍ تَيَمَّمَ وصلى عليها، وهو قولُ أبي حنيفة.

стр. 614

• أخبرنا مالك، أي: ابن أنس بن عمير بن أبي عامر الإِمام، الأصبحي، منسوب إلى ملك ذي أصبح، من ملوك اليمن، وهو من أتباع التابعين، في الطبقة السابعة من أهل المدينة، وهي في الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، أخبرنا وفي نسخة قال: ثنا نافع، أي: المدني مولى ابن عمر، عن ابن عمر ﵁ أنه كان يقول: لا يصلي الرجل هذا نفي بمعنى النهي تأكيدًا بأن الرجل لا يصلين على جنازة إلا وهو طاهر، أي: من الحدث الأكبر والأصفر، وهذا موقوف حقيقة، ومرفوع حكمًا، كما روى مسلم مرفوعًا، لا يقبل الله صلاة بغير طهور. قال محمد: وبهذا أي: بقول ابن عمر نأخذ أي: نعمل ونُفتي، لا ينبغي أي: لا يجوز ولا يصح، أن يصلي أي: أحد على الجنازة إلا طاهر، أي: حقيقة، فإن فاجأته أي: أدركته الصلاة فجاءت فبلغته بغتة، وهو أي: الرجل على غير طُهُورٍ أي: سواء كان محدثًا أو جنبًا، وفي نسخة: وضوء تَيَمَّمَ فإن التيمم خلف الوضوء أو الغسل، وهو في اللغة القصد، وفي الشريعة: طهارة حاصلة باستعمال الصعيد الطاهر في عضوين مخصوصين، وهما: الوجه واليدان إلى المرفقين، والأصل في شرعيته قوله تعالى في سورة المائدة: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [المائدة: ٦]، وقوله ﷺ : "التراب طهور المسلم ولو إلى عشر حجج ما لم يجد الماء" (١)، والحاصل أن التيمم من خصائص هذه الأمة، لما روى مسلم عن حذيفة بن اليمان ﵁، أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "فُضلنا على الناس بثلاث: جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة، وجعلت لنا الأرض كلها مسجدًا، وجعلت تربتها لنا طهورًا إذا لم نجد الماء" (٢)، وشرط لصحة التيمم النية، وهو أن يقول من أراد التيمم حين ضرب يديه على ما يقيم به: نويت (٣) التيمم للطهارة من الحدث، وصورة التيمم على وجه المسنون أن يمسح بعد الضربتين بباطن أربع أصابع يده اليسرى ظاهر يده اليمنى من رؤوس الأصابع إلى المرفق، ثم يمسح بباطن كفه اليسرى باطن ذراع اليمنى إلى الرسغ، ويمر بباطن إبهام اليسرى على ظاهر إبهام اليمنى، ثم يفعل بيده اليسرى كذلك، وهذا هو الأحوط ولو مسح بكل الكف والأصابع جاز، كذا قاله

стр. 615

فاضل الحلبي في (شرح المنية) (ق ٣٣١)، وصلى عليها، أي: على الجنازة بعد التيمم إلا الولي، ومن ينتظر له فيها كالسلطان والأمير، وهذه رواية الحسن عن أبي حنيفة، ﵀، وفي (الهداية) هو الصحيح، وظاهر الرواية جواز التيمم للولي أيضًا؛ لأن الانتظار فيها مكروه، وقد روى ابن أبي شيبة والطحاوي والنسائي في كتاب (الكنى) عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، أنه قال: إذا خفت أن تفوتك صلاة الجنازة وأنت على غير وضوء فتيمم وصل عليها، وروى البيهقي أن ابن عمر أُتي بجنازة وهو على غير وضوء فتيمم، وصلى عليها، كذا قاله علي القاري، وهو أي: التيمم لصلاة الجنازة إذا خيف من فوتها، قولُ أبي حنيفة، ﵀. لما فرغ من بيان جواز التيمم لصلاة الجنازة إذا خيف من فوتها، شرع في بيان جواز الصلاة عليها بعد دفنها في قبرها، فقال: هذا * * * باب الصلاة على الميت بعد ما يدفن في بيان جواز الصلاة على الميت بعد ما أي: بعد زمن يدفن على بناء المفعول ونائب الفاعل مستتر فيه راجع إلى الميت. ٣١٧ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب الزُّهَرِيّ، عن سعيد بن المسيَّب، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ نَعَى النَّجَاشِيّ في اليوم الذي مات فيه، وخرج بهم إلى المصلّى فصف بهم، وكَبَّر عليه أربع تكبيرات. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، مالك بن أنس بن عمير بن أبي عامر بن ذي أصبح، من ملوك اليمن، كان من أتباع التابعين، في الطبقة السابعة من أهل المدينة، وهي في الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة، أخبرنا ابن شهاب أي: محمد بن مسلم بن شهاب بن زهرة بن كلاب، تابعي في الطبقة الرابعة من أهل المدينة، عن سعيد بن

стр. 616

المسيَّب، أي: ابن حزن، يُكنى أبا محمد، تابعي مدني في الطبقة الأولى من أهل المدينة، وهو ابن أربع وثمانين سنة، قال سعيد بن المسيب: ما بقي أحدًا أعلم بقضاء قضاهُ رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر ﵄ مني، وما كان إنسان يجترئ عليه يسأله عن شيء حتى يستأذن الأمير، يسأله الرجل وهو مريض عن حديث، وكان مضطجعًا فجلس فحدثه، فقال له الرجل: وددت أنك لم تتعب، فقال: إني كرهتُ أن أحدثك عن رسول الله ﷺ وأنا مضطجع، وقال: لا تملؤوا أعينكم من أعوان الظلمة إلا بالإِنكار من قلوبكم، لكي لا تحبط أعمالكم الصالحة، وكان يسرد الصوم، وعن بريد مولاه قال: ما نُودي للصلاة منذ أربعين سنة إلا وسعيد بن المسيب في المسجد، وصلى الغداة بوضوء العشاء خمسين سنة، قال: ما أكرمت العباد أنفسها بمثل طاعة الله تعالى، ولا أهانتها بمثل معصية الله تعالى، وكفى بالمؤمن نصرة من الله تعالى أن يرى عدوه يعمل بمعصية الله تعالى، وقال: من استغنى بالله افتقر إليه الناس، وقال: إن الدنيا نزلة، فهي إلى كل نزلة أميل، وأنزل منها من أخذها بغير حقها، أو طلبها بغير وجهها، ووضعها في غير سبيلها. وقال: ما من شريف ولا عالم ولا ذي فضل إلا فيه عيب، ولكن من الناس من لا ينبغي أن تذكر عيوبه، من كان فضله أكثر من نقصه وهب نقصه لفضله، وكان قد ذهبت إحدى عينيه وهو يعيش بالأخرى، وقال: ما من شيء عندي أخوف من النساء، وما يلبس الشيطان من شيء إلا أتاه من قِبَل النساء، وكان عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم يقول: ما كان بالمدينة عالم إلا يأتيني بعلمه، (ق ٣٣٢) وأُوتي بما عند ابن المسيب، كذا قاله عبد الرحمن بن الجوزي من علماء الحنبلية في (طبقاته) (١). عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ نَعَى أي: أخبر الناس بموت النَّجَاشِيّ بفتح النون على المشهور، وقيل: تكسر وتخفيف الجيم المفتوحة والألف وأخطأ من شددهما، وبتشديد التحتية في آخره، وحكى المطرزي التخفيف ورجحه الصغاني، وهو: أي النجاشي لقب لكل من ملك الحبشة، واسمه أصحمة بن أبجر مالك الحبشة، أسلم على عهد رسول الله ﷺ ولم يهاجر إليه، وكان ردءًا للمسلمين، نافعًا، وأصحمة بوزن أربعة، وحاؤه مهملة، وقيل: بموحدة بدل الميم وقيل: صحمة بلا ألف ومعناه بالعربية عطية، كذا نقله الزرقاني عن (الإِصابة) من (الطبقات) لابن حجر، وفي (فتح

стр. 617

القدير): نزل جبريل ﵇ فقال: يا رسول الله، إن الحبشة يكتم إسلامه من قومه الكفار، أتحب أن طوى تلك الأرض فتصلي عليه؟ قال: "نعم"، فضرب بجناحه الأرض فرفع له سريره، فصلى عليه، وخلفه صفان من الملائكة، وفي كل صف سبعون ألف ملك، ثم رجع فقال لجبريل ﵇: بم أدرك هذه الكرامة؟ قال: "بحبه سورة الإخلاص، وقراءته إياها جائيًا وذاهبًا، قائمًا وقاعدًا"، وعلى كل حال كما نقله الشرنبلالي في (إمداد المفتاح) عن (فتح القدير)، في اليوم الذي مات فيه، أي: كان إخبار جبريل بموت النجاشي إلى رسول الله ﷺ في يوم من رجب سنة تسع من الهجرة، كذا قاله ابن جرير وجماعة، وقيل: كان قبل الفتح ففيه جواز الإِعلام بالجنازة ليجتمع الناس للصلاة. وفي حديث: "مَنْ صلى على جنازة كان له من الأجر كذا ... "، وقوله ﷺ : "لا يموت أحد من المسلمين، فيصلي عليه أمة من الناس يبلغون مائة فيشفعون له إلا شُفِّعُوا"، وفيه دليل على الإِباحة وشهود الجنازة خير والدعاء إلى الخير خير إجماعًا، كذا قاله ابن عبد البر، وقال ابن العربي: يُؤخذ من مجموع الأحاديث ثلاث حالات: الأول: إعلام الأهل والأصحاب وأهل الصلاح، فهذا سُنَّة. والثانية: دعوة الجُعْل للمفاخرة فهذا يكره. والثالثة: الإِعلام بالنياحة ونحوه فهذا يحرم. وفي البخاري عن عقيل وصالح بن كيسان عن الزهري عن سعيد وأبي سلمة عن أبي هريرة: نعى لنا النجاشي يوم مات، فقال: "استغفروا لأخيكم"، وخرج بهم أي: بأصحابه إلى المصلّى أي: إلى موضع صلاة الجنازة، وقال ابن حجر في (الإِصابة): جاء من طريق زمعة بن صالح عن الزهري عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة ﵁، أنه قال: أصبحنا ذات يوم عند رسول الله ﷺ فأتاه جبريل فقال: إن أخاك أصحمة النجاشي قد تُوفي فصلوا عليه، فوثب رسول الله ﷺ ووثبنا معه حتى جاء المصلى، فصف بهم، الباء بمعنى مع، أي: صف معهم أو هو متعدٍ والباء زائدة للتأكيد، أي: صفهم؛ لأن الظاهر أن الإِمام متقدم، فلا يوصف بأنه صاف معهم الأعلى، (ق ٣٣٣) المعنى الآخر ولم يذكر كم صفهم. وفي النسائي عن جابر: كنتُ في الصف الثاني يوم صلى النبي ﷺ على النجاشي (١)، وفيه أنه

стр. 618

للصفوف على الجنازة تأثيرًا، ولو كثر الجمع؛ لأن الظاهر أنه خرج معه ﷺ عدد كثير، والمصلى أيضًا لا يضيق بهم لو صفوا فيه صفًا واحدًا، ومع ذلك صفهم، وهذا ما فهمه مالك بن هبيرة الصحابي، فكان يصف من يحضر صلاة الجنازة ثلاثة صفوف سواء قلوا أو كثروا، كذا قاله الزرقاني، وقال الحافظ ابن حجر: وبقي فيه إشكال، وهو إذا تعددت الصفوف والعدد قليل، أو كان الصف واحدًا والعدد كثيرًا أيهما أفضل؟ يقول الفقير: العدد الكثير أفضل ثوابًا؛ لأنه ﷺ أخبرنا الشفاعة عن العدد الكثير لا عن تعدد الصفوف، حيث قال آنفًا: "لا يموت أحد من المسلمين، فيصلي عليه أمة من الناس يبلغون مائة، فيشفعون له إلا شُفِّعُوا"، ومع هذا إن صف الملائكة كان صفين، وفي كل صف سبعون ألف ملك، ولو كان كثير عدد الصفوف خيرًا لكان صف الملائكة عددًا كثيرًا، وفيه إشعارٌ بأن الملائكة يحضرون صلاة الجنازة، كما يحضرها بنو آدم، وكَبَّر عليه أي: على النجاشي، أربع تكبيرات، أي: مقرونته بثناء وصلاة ودعوات، وفي الاقتصار على ذكر التكبيرات دلالة على أنها أركان والباقي سنن مكملات. وفي (الاستذكار) عن أبي حنيفة قال: كان رسول الله ﷺ يكبر على الجنازة أربعًا وخمسًا وسبعًا وثمانية، حتى جاء موت النجاشي فخرج إلى المصلى فصف الناس وراءه ﷺ فكبر أربعًا، ثم ثبت النبي ﷺ على أربع حتى توفاه الله ، كذا قاله علي القاري، ففيه أن تكبيرات صلاة الجنازة أربعة، وهو المقصود من الحديث، واعترض بأن هذه صلاة على غائب لا على جنازة، فقال الفقهاء: شرائط صحة الصلاة على الجنازة ستة: أولها: إسلام الميت، وثانيها: طهارته، وثالثها: تقدمه على قدام الإِمام، ورابعها: حضوره أو حضور أكثر بدنه، أو نصفه مع رأسه، وخامسها: كون المصلي على الجنازة غير راكب بلا عذر، وسادسها: كون الميت على الأرض، فلا تصح الصلاة على غائب أجيب عنه بأن الصلاة على الميت الغائب جائزة عند الشافعي وأحمد وأكثر السلف، وقال الحنفية والمالكية: ذلك خصوصية له ﷺ ، قال ابن عبد البر: ودلائل الخصوصية واضحة، لا يجوز أن يشركه فيها غيره؛ لأنه - والله أعلم - أحضر روحه بين يديه، أو رُفِعت له جنازته حتى شاهدها، كما رُفع له ﷺ بيت المقدس حين سألته قريش عن صفته، وعبر غيره عن ذلك بأنه كُشِف له عنه حتى رآه، فتكون كصلاة الإِمام على ميت رآه، ولم يره المأموم، ولا خلاف في جوازها، وأجيب أيضًا بأن ذلك خاص بالنجاشي لإِشاعة له أنه

стр. 619

مات مسلمًا، واستئلاف قلوب الملوك الذين أسلموا في حياته ﷺ إذ لم يأت في حديث صحيح أنه ﷺ صلى على ميت غائب غيره، وأما حديث صلاته على معاوية الليثي فجاء من طرق لا تخلو من مقال، وعلى تسليم صلاحيته للحجية بالنظر إلى مجموع طرقه، رفع بما ورد أنه ﷺ رُفِعت له الحجب حتى شهد جنازته، (ق ٣٣٤) كذا قاله الزرقاني. * * * ٣١٨ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب الزُّهريّ، أن أبا أُمامَة بن سهل بن حُنَيْف أخبره: أن مِسْكينَةً مرضت، فأُخْبِرَ رسول الله ﷺ بمرضها، قال: وكان رسول الله ﷺ يَعُودُ المساكين، ويسألُ عنهم، قال: فقال رسول الله ﷺ : "إذا ماتت فآذنوني بها"، قال: فأُتِيَ بجنازتها ليلًا، فكَرِهُوا أن يُؤذِنُوا رسول الله ﷺ بالليل، فلما أصْبَحَ رسول الله ﷺ أُخْبِرَ بالذي كان من شأنها، فقال رسول الله ﷺ : "ألم آمُركم أن تُؤذِنُوني؟ "، فقالوا: يا رسول الله، كَرِهْنَا أن نُخْرِجك ليلًا أو نُوقِظك، قال: فخرج رسول الله ﷺ ، حتى صَفَّ بالناس على قبرها فصلَّى عليها، فكبَّرَ أربع تكبيرات. قال محمد: وبهذا نأخذ، التكبير على الجنازة أربع تكبيرات، ولا ينبغي أن يُصَلَّى على جنازة قد صُلِّيَ عليها، وليس النبي ﷺ في هذا كغيره، ألا يُرَى أنه صَلَّى على النَّجَاشِيّ بالمدينة، وقد مات بالحبشة، فصلاة رسول الله ﷺ بركة وطهور، وليست كغيرها من الصلوات، وهو قولُ أبي حنيفة. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا رمزًا إلى حدثنا ابن شهاب أي: محمد بن مسلم بن شهاب بن زهرة بن كلاب، تابعي في الطبقة الرابعة من أهل المدينة، أن أبا أُمامَة بضم الهمزة اسمه أسعد، وقيل: سعد بن سهل بفتح فسكون، ابن حُنَيْف بضم الحاء المهملة وفتح النون، وسكون التحتية وبالفاء، سماه النبي ﷺ لما ولد قبل موته بسنتين اسم

стр. 620

جده لأمه أسعد بن زرارة، وكناه ومسح رأسه، فهو أي: أبو أمامة بن سهل صحابي من حيث الرؤية، تابعي من حيث الرواية، ومات سنة مائة، وأبو سهل بن حنيف أنصاري أوسي شهد بدرًا وأحدًا، والمشاهد كلها، وثبت مع النبي ﷺ يوم أُحد، وصحب عليّا بعده ﷺ واستخلفه على المدينة، ثم ولاه فارس، روى عنه ابنه أبو أمامة وغيره، مات بالكوفة، سنة ثمان وثلاثين، أخبره، أي: أخبر أبو أمامة ابن شهاب مرسلًا، أن مِسْكينَةً وفي حديث أبي هريرة في الصحيحين وغيرهما: أنها امرأة سوداء كانت تَقُمُّ المسجد بقاف مضمومة، أي: تجمع القمامة، وهي الكناسة، وفي لفظ: كانت تنقي المسجد من الأذى، ولابن خزيمة: كانت تلتقط الخذف والعيدان من المسجد، وللبيهقي بإسناد حسن عن بريدة: أن أم محجن كانت مولعة بلقط القذى من المسجد بقاف ومعجمة مقصود في العين والشراب، ثم استعمل في كل شيء يقع في البيت وغيره، إذا كان قليلًا، وفي (الإِصابة) لابن حجر: محجنة، وقيل: أم محجن امرأة سوداء كانت تَقُمُّ المسجد، ذُكِرت في (الصحيح) بلا تسمية، مرضت، فأُخْبِرَ على بناء المفعول، رسول الله ﷺ بمرضها، قال سعيد بن زيد الباجي المالكي: فيه إخبار بضعفاء المسلمين، ولذا كان يخبر بمرضاهم، وذلك من تواضعه، وقال أبو عمر: فيه التحدث بأحوال الناس عند العالم إذا لم يكن مكروهًا، فيكون غيبة، قال: أي: أبو أمامة مرسلًا، وكان رسول الله ﷺ يَعُودُ المساكين، ويسألُ عنهم، أي: عن فقراء المسلمين سواء كانوا ذكورًا أو إناثًا لمزيد تواضعه وحسن خلقه، ففيه عيادة النساء وإن لم يكن محرمًا إن كانت طوافة وإلا فلا إلا أن يسأل عنها، ولا ينظر إليها، قاله أبو عمر، قال: أي: أبو أمامة، فقال رسول الله ﷺ : "إذا ماتت فآذنوني بالمد، أي: أعلموني من الإِعلام بها"، أي: بموتها، أو بحضور جنازتها لأحضر بجنازتها والاستغفار؛ لأن لها من الحق في بركة دعائه ﷺ ، قال: أي: أبو أمامة، فأُتِيَ على بناء المفعول، بجنازتها ليلًا، لجوازه وإن كان الأفضل تأخيرها للنهار، ليكثر من يحضرها دون مشقة ولا تكلف، فإذا كان لقُربه فلا بأس به. ولابن أبي شيبة: فأتوه ليأذنوه فوجدوه نائمًا، وقد ذهب الليل، فكَرِهُوا أي: الصحابة أن يُؤذِنُوا أي: يعلموا، وفي نسخة: أن يوقظوا رسول الله ﷺ بالليل، أي: تخوفوا عليه ظلمة الليل، وهوام الأرض، قال ابن أبي شيبة فدفناها، فلما أصْبَحَ رسول الله ﷺ ، أُخْبِرَ على بناء المفعول، أي: أجيب بالذي كان من شأنها، أي: من موت

стр. 621

المسكينة ودفنها، والمجيب أبو بكر (ق ٣٣٥) الصديق ﵁، فقال رسول الله ﷺ : "ألم آمُركم بمد إلى الاستفهام التوبيخي، أن تُؤذِنُوني؟ "، وفي نسخة: بها، أي: بجنازتها، فقالوا: يا رسول الله، كَرِهْنَا أن نُخْرِجك لَيلًا أو نُوقِظك، شكٌ من الراوي، ويحتمل أن تكون "أو" للتنويع لتنوع جوابهم، ولابن أبي شيبة: فقالوا: أتيناك يا رسول الله لنؤذنك بها فوجدناك نائمًا، فكرهنا أن نوقظك، وتخوفنا عليك ظلمة الليل وهوام الأرض، كذا قاله الزرقاني (١)، وقال السيوطي: زاد في حديث عامر بن ربيعة فقال رسول الله ﷺ : "فلا تفعلوا، ادعوني بجنائزكم"، رواه ابن ماجه، وفي حديث زيد بن ثابت، قال: "فلا تفعلوا لا يموتن فيكم ميت ما كنتُ بين أظهركم إلا آذنتموني به، فإن صلاتي عليه له رحمة"، أخرجه أحمد، قال: أي: الراوي، فخرج رسول الله ﷺ أي: من المدينة إلى مصلى الجنازة ووقف حتى صَفَّ بالناس على قبرها أي: على حذائه فصلَّى على قبرها، وفي نسخة: عليها، فكبَّرَ أربع تكبيرات، وهذا الشاهد للترجمة، وأما الصلاة على القبر فقال بمشروعيتها الجمهور ومنهم الشافعي وأحمد وابن وهب وابن عبد الحكم ومالك في رواية شاذة، والمشهور عنه منعه، وبه قال أبو حنيفة والنخعي وجماعة عنهم، إن دفن قبل الصلاة شرعت عليها في القبر، وإلا فلا، وأجابوا بأن ذلك من خصائصه، ورده ابن حبان بأن ترك إنكاره ﷺ على من صلى معه على القبر دليل على جوازه لغيره، وأنه ليس من خصائصه، وتعقب بأن الذي يقع بالتبعية لا ينهض دليلًا للأصالة، والدليل على الخصوصية ما زاده مسلم وابن حبان (٢) في حديث أبي هريرة ﵁: فصلى على القبر ثم قال: "إن هذه القبور مملوءة ظلمة على أهلها، وإن الله ينورها لهم بصلاتي عليهم" وفي حديث زيد بن ثابت: "فإن صلاتي عليها له رحمة"، وهذا لا يتحقق في غيره، وقال مالك: ليس العمل على حديث النور، قال أبو عمر: يريد عمل المدينة، وما حكي عن بعض الصحابة والتابعين من الصلاة على القبر، إنما آثار بصرية وكوفية ولم نجد عن مدني من الصحابة فمن بعدهم أنه صلى على القبر. انتهى. واستدل به على التفصيل بين من صلى عليه فلا يُصلى عليه، بأن القصة وردت

стр. 622

فيمن صلى عليه، وأجيب بأن الخصوصية تستحب على ذلك. قال ابن عبد البر: أجمع من يرى الصلاة على القبر أنه لا يُصلى عليه إلا بقرب دفنه، وأكثر ما قالوا في ذلك شهر، وقال غيره: اختلف في أمر ذلك فقيده بعضهم بشهر، وقيل: ما لم تبل الجثة، وقيل: يختص بمن كان من أهل الصلاة عند موتهم، قال الإِمام أحمد: رويت الصلاة على القبر عن النبي ﷺ من ستة وجوه حسان كلها، قال ابن عبد البر: بل تسعة كلها حسان، وساقها كلها بأسانيده في تمهيده، من حديث سهل بن حنيف وأبي (ق ٣٣٦) هريرة وعامر بن ربيعة وابن عباس وزيد بن ثابت، والخمسة في صلاته على المسكينة، وسعد بن عبادة في صلاة المصطفى على أم سعد بعد دفنها بشهر، وحديث الحصين بن وحوح في صلاته ﵊ على قبر طلحة بن البر، ثم رفع يديه وقال: "اللهم القِ طلحة يضحك إليك، وتضحك إليه"، أي: يرضى عنك وترضى عنه، وحديث أبي أمامة فصلى عليها، وحديث أنس أنه ﷺ صلى على امرأة بعد ما دُفِنَت، وهو محتمل للمسكينة وغيرها، فهي عشرة وغيرها، وكذا ورد من حديث بريدة عند البيهقي بإسناد حسن كما قدمناه في المسكينة فهي عشرة أوجه، كذا قاله الزرقاني. قال محمد ﵀: وبهذا أي: بقول أبي أمامة بن سهل بن حنيف نأخذ أي: نعمل ونُفتي، التكبير على الجنازة أربع تكبيرات، ولا ينبغي أن يُصَلَّى أي: أحد من آحاد الأمة على جنازة قد صُلِّيَ عليها، أي في بلده أو غيره، وليس النبي ﷺ في هذا أي: الحكم كغيره أي: بل له خصوصيات، ومن خصائصه ﷺ روى الحاكم في مستدركه أن أهل البيت سألوا عن النبي ﷺ من يصلي عليك؟ قال: "إذا غسلتموني وكفنتموني، ضعوني على السرير فاخرجوا؛ فإن أول من يصلي عليَّ من الملائكة جبريل، ثم ميكائيل، ثم إسرافيل، ثم ملك الموت مع جنوده، وأول من يُصلي عليَّ من بني آدم: العباس بن عبد المطلب، وبنو هاشم يخرجون ثم يدخل المهاجرون، ثم الأنصار، ثم الناس فوجًا فوجًا، فلما انقضى الناس يصلي الصبيان صفوفًا، ثم النساء"، كذا قاله السيوطي في (خواتم الحكم) ولا يؤم؛ لأنه إمامكم حال حياته وحال مماته، وهذه الهيئة من خصائصه ﷺ ، كذا قاله علي القاري في (شرح الشمائل) للترمذي، ومن خصائصه ما قاله المصنف: ألا يُرَى أي: ألم تعلم أنه أي: النبي ﷺ صَلَّى على النَّجَاشِيّ بالمدينة، وقد مات بالحبشة، أي: ولا شك أنه ﷺ هنالك والحال أن بين المدينة وبين الحبشة مسيرة شهر، فصلاة رسول الله ﷺ بركة

стр. 623

وطهور، أي: رحمة ومظهرة عن الآثام، وكفارة لما سبق، وليست أي: صلاته كغيرها من الصلوات، لقوله تعالى في سورة التوبة: ﴿إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣]، وهو أي: التكبير في صلاة الجنازة أربع تكبيرات، أو عدم الصلاة على الجنازة بعد أن يُصلى عليها، قولُ أبي حنيفة، ﵀. لما فرغ من بيان حكم الصلاة على الميت بعد الدفن، شرع في بيان حكم الخبر من عذاب الميت، ببكاء أهله، فقال: هذا * * * باب ما رُويَّ أن الميت يُعَذَّب ببكاء الحي في بيان ما أي: في بيان حكم الخبر رُوي أن الميت يُعذب ببكاء الحي، وفي نسخة: أهله، أي: بسبب بكائه عليه إذا كان الميت راضيًا بنياحة لديه، وهي أي: النياحة، أن يقول: وا ويلاه، وا حزناه، وقيل: هي الصوت التي تعد المرأة خصال الميت. ٣١٩ - أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر، أنه قال: لا تبكوا على موتاكم، فإنَّ المَيِّت يُعَذَّب ببكاءِ أهله عليه. • أخبرنا مالك، أي: ابن أنس بن عمير بن (ق ٣٣٧) أبي عامر الإِمام، من بني ملك ذي أصبح من ملوك اليمن، كان من أتباع التابعين في الطبقة السابعة من أهل المدينة التي كانت في الإِقليم الثاني في الأقاليم السبعة، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، حدثنا، وفي نسخة بنا رمزًا إلى: أخبرنا عبد الله بن دينار، العدوي المدني، مولى ابن عمر، ثقة تابعي، من الطبقة الرابعة من أهل المدينة، مات سنة سبع وعشرين، عن عبد الله بن عمر، ﵄، أنه قال: لا تبكوا أي: أيها المؤمنون على موتاكم بطريق النياحة بأن يقول الباكي: وا ويلاه، وا حزناه. روى البخاري ومسلم (١) عن أبي مالك الأشعري ﵁، أنه قال: قال

стр. 624

رسول الله ﷺ : "النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة - أي: بين أهل الموقف - وعليها سربال - أي: قميص - من قطران، ودرع من جرب"، فإنَّ الميت يُعَذَّب على صيغة المجهول، ببكاءِ أهله أي: أتباعه عليه، قيل: هذا محمول على ما إذا أوحى لأهله أن يبكوا عليه، ويشقوا ثيابهم، ويضربوا خدودهم، كما كان يفعل أهل الجاهلية، فيكون آمرًا بالمعصية وراضيًا بها؛ لأن الله تعالى قال في سورة الإِسراء: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الإسراء: ١٥]، وهذا الحديث موقوف حقيقة، ومرفوع حكمًا. * * * ٣٢٠ - أخبرنا مالك، حدثنا عبد الله بن أبي بكر، عن أبيه، عن عَمْرة بنت عبد الرحمن، أنها أَخْبَرَتْهُ، أنها سمعت عائشة زوج النبي ﷺ ، وذُكِرَ لها أن عبد الله بن عمر يقول: إنَّ المَيِّتَ لَيُعَذَّب ببكاءِ الحيِّ، فقالت عائشة: يغفر الله لابن عمر: أما إنه لم يكذب، ولكنه قد نَسِي أو أخطأ، إنما مَرَّ رسول الله ﷺ على جنازة يُبْكَى عليها، فقال: "إنهم لَيَبْكُونَ عليها، وإنها لَتُعَذَّب في قبرها". قال محمد: وبقول عائشة نأخذ، وهو قولُ أبي حنيفة. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، حدثنا عبد الله بن أبي بكر، أي: ابن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري، المدني القاضي، ثقة من الطبقة الخامسة، مات سنة خمس وثلاثين وهو ابن سبعين سنة، كذا قاله ابن حجر في (التقريب)، عن أبيه، أي: أبي بكر، عن عَمْرة بفتح العين المهملة وسكون الميم وفتح الراء المهملة، وفي آخره تاء التأنيث، وهي كانت في حجر عائشة وربتها، بنت عبد الرحمن، أي: ابن سعد بن زرارة أنها أي: عمرة أَخْبَرَتْهُ أي: أبا بكر أبا عبد الله، أنها أي: قالت عمرة: سمعت عائشة زوج النبي ﷺ ، وذُكِرَ لها أي: والحال أنه قد ذكر الناس لعائشة ﵂ أن

стр. 625

عبد الله بن عمر يقول: إنَّ المَيِّتَ لَيُعَذَّب ببكاءِ الحيِّ، أي: من أهله عليه، فقالت عائشة: يغفر الله لابن عمر، أي: يسامحه فيما ذكر، أما بفتح الهمزة والميم المخففة، والألف حرف تنبيه، أنه أي: ابن عمر لم يكذب، أي: في نقله، ولكنه قد نَسِيَ أي: سبب ورود قوله، أو أخطأ أي: تأويله، وحمل الحديث على عمومه، إنما مَرَّ رسول الله ﷺ -على جنازة يُبْكَى عليها أي: بصيغة المجهول، فقال ﷺ : "إنهم أي: أصحاب الجنازة لَيبْكُونَ عليها أي: على الجنازة، وإنها لَتُعَذَّب في قبرها"، أي: بذنبها، ولم ينفعها بكاؤهم عليها، وليحيى: إنما مرّ رسول الله ﷺ بيهودية يبكي عليها أهلها، فقال: "إنكم لتبكون عليها، وإنها لتُعذب في قبرها". قال محمد: وبقول عائشة ﵂ نأخذ، أي: نعمل، فإنه مطابق لقوله تعالى في سورة الإِسراء: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الإسراء: ١٥]، وهو أي: قول عائشة، قولُ أبي حنيفة، ﵀، وهو لا ينافي في ما سبق من قول الجمهور، (ق ٣٣٨) أن تأويله أنه إن كان وصى بالنياحة أو رضي بالنياحة أو قصر في الوصية حينئذٍ تؤاخذ بالجناية، كذا قاله علي القاري. فإن قيل: هل للأرواح مقر بعد خروجها عن الأبدان قلت: أرواح المؤمنين في عليين، وأرواح الكافرين في سجين، وللروح بالبدن اتصال بحيث يصح أن يخاطب ويسلم عليها ويسأل ويعرض مقعدها، وغير ذلك مما ورد في شأنها لها شيئان: الدنيوي فيكون في مقرها هناك، وإنما يأتي الغلط من قياس هنا قياس الغائب على الشاهد، فيعتد أن الروح من جنس ما يُعهد من الأجسام إذا شغلت مكانًا لم يكن أن يكون في غيره، وهذا غلط محض، لقد رأى رسول الله ﷺ ليلة المعراج موسى ﵇ قائمًا يصلي في قبره، ورآه في السماء السادسة، فالروح كانت هناك في مثال البدن، ولها اتصال بالبدن بحيث يصلي في قبره، ويرد على المُسَلِم عليه، وهو في الرفيق الأعلى، ولا تنافي بين الأمرين، فإن شأن الأرواح غير شأن الأبدان، وقد مثل بعضهم بالشمس في السماء وشعاعها في الأرض، كروح المحمدي يرد من يصلي عليه قبره، وإنما مع القطع أن روحه في أعلى عليين، وهو ﵇ لا ينفك عن قبره, كما ورد عنه. فاعلم أن أمور البرزخ والآخرة على نمط غير المألوف في الدنيا، والحاصل أنه ليس

стр. 626

للأرواح سعيدها وشقيها مقر واحد، وكلها على اختلاف محالها وتباين مقارها لها اتصال بأجسادها البرزخي في قبورها من عليين أو سجين، يشبه حالة النائم اتصالًا فإذا نقل الميت من قبر إلى قبر، فالاتصال المذكور يستمر، وكذا إذا تفرقت الأجزاء العنصرية لا تتفرق الأجزاء الأصلية البرزخية، المقدرة لكل هيكل، فهي كاملة بالجسد البرزخي لا تنحل بانحلال الهيكل المحسوس الشاهدي، كذا في (خواتم الحكم). لما فرغ من بيان كون الميت معذبًا ببكاء أهله، شرع في بيان أحوال القبر، فقال: هذا * * * باب القبر يتخذ مسجدًا أو يُصلى إليه أو يتوسد في بيان حكم القبر أي حال كونه يتخذ على صيغة المجهول مسجدًا أو يُصلى إليه، أو يتوسد أي: يستذر عليه وكلمة "أو" فيهما للتخيير. ٣٢١ - أخبرنا مالك، حدثنا الزُّهريّ، عن سعيد بن المسيَّب، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: "قاتل الله اليهود؛ اتَّخَذُوا قُبُورَ أنبيائِهِم مساجد". • أخبرنا مالك, أي: ابن أنس بن عمير بن أبي عامر، الإِمام من بني ملك ذي أصبح من ملوك اليمن، كان من أتباع التابعين، في الطبقة السابعة من أهل المدينة، كانت في الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة، وفي نسخة: محمد قال: بنا، رمزًا إلى أخبرنا الزُّهريّ، أي: محمد بن مسلم بن شهاب بن زهرة بن كلاب، ثقة، تابعي في الطبقة الرابعة من أهل المدينة، عن سعيد بن المسيَّب، أي: ابن حزن، يُكنى أبا محمد، تابعي، كان في الطبقة الأولى من أهل المدينة، كذا قاله أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي في طبقاته، عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "قاتل الله اليهود؛ (ق ٣٣٩) هذا إخبار عن هلاكهم، أي: قتلهم، أو لعنهم، أو إخبار بمعنى الإِنشاء على معنى استحقوا بأن يدعوا أحد من أفراد الإِنسان عليهم بأن يقول: قاتلهم الله، اتَّخَذُوا قُبُورَ أنبيائِهِم

стр. 627

مساجد"، وفي نسخة: مسجد، أي: يسجدون إلى قبورهم ويتعبدون في حصورهم إلى ظهور نورهم، لكن لما كان هذا بظاهره يشاهد عبادة غير الله تعالى استحقوا أن يُقال لهم: قاتلهم الله، هذا تأويل حسن، والمعنى الظاهر الحقيقي وهو القتل والهلاك لا ينبغي إليه ﷺ بأنه قال: قاتلهم الله؛ لأنه مخالف للأصول، حيث قال تعالى في آخر سورة الأعراف: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩]، يعني: عليك يا محمد العفو عمن ظلمك، وأمر بما يرضاه العقل والشرع من الخصال الحميدة كالتقوى وصلة الرحم، وأعرض عن الجاهلين، أي: حذر نفسك عن المشركين بما صدر منهم السوء، يعني: احلم عنهم، ولا تغضب عليهم، واصبر على أخلاقهم السيئة، ولا تقابل أقوالهم الركيكة وأفعالهم الخسيسة بأمثاله، كذا في (عيون التفاسير)، و (اللباب). وقال تعالى في سورة القلم: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤] , قال القسطلاني في (المواهب اللدنية): ومن خُلقه ﷺ : الحلم والعفو مع القدرة، والصبر، وحسبك صبره وعفوه ﷺ عن الكافرين المحاربين له في أشد ما نالوه به من الجراح، والجهد، بحيث كسرت رباعية وجهه يوم أُحد، حتى صار الدم يسيل على وجهه الكريم ﷺ حتى شق ذلك على أصحابه شديدًا، وقالوا: لو دعوت عليهم يا رسول الله؟ فقال ﷺ : "إني لم أُبعث لعانًا، ولكني بُعثتُ داعيًا إلى الله، ورحمةً للعالمين"، فقال: "اللهم اغفر لقومي واهد قومي فإنهم لا يعلمون". * * * ٣٢٢ - أخبرنا مالك، بلغني: أنَّ عليَّ بن أبي طالب، كان يَتَوَسَّد عليها ويضطجع عليها، قال بشر: يعني القُبُور. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، قال: أي: مالك بلغني أي: من غير إسناد، أنَّ علي بن أبي طالب، كان يَتَوَسَّد أي: يستند ظهره عليها أي: على القبور، ويضطجع عليها، قال بشر بن موسى، كذا في النسخة: أي: أحد من أصحاب مالك: يعني أي: يريد بضمير عليها القُبُور، فدل على فعل عليّ كرم الله وجهه على

стр. 628

جوازه، وليس فيه مهانة للقبر وصاحبه، بخلاف الجلوس فوقه والدوس عليه، ونحوه. فقد روى أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي (١) عن جابر أنه ﷺ نهى عن أن يُقعد على القبر، وأن يُجصص، وأن يُبنى عليه، فقيل: أراد القعود عليه تهاونًا بالميت والموت، ورُوي أنه ﷺ رأى رجلًا متكئًا على قبر فقال: "لا تؤذ صاحب القبر"، كذا في (النهاية)، فالنهي نهي للتنزيه، وعمل علي ﵁ محمول على الرخصة، إذا لم يكن على وجه المهانة، كذا قاله علي القاري. لما فرغ من بيان أحكام ما يتعلق بالصلاة، شرع في بيان أحكام الزكاة، فقال: هذا * * *

стр. 629

كتاب الزَّكَاة أي: بيان أحكام الأحاديث التي تتعلق (ق ٣٤٠) بأحكام الزكاة، هذا كلام إضافي يجوز فيه وجهان رفعه على أنه خبر لمبتدأ محذوف، كما قدرناه ونصبه على تقدير خذ أو اقرأ نحوهما، والكتاب لغة: الفرض والحكم والقدر والجمع، تقول: كتبت الخيل إذا جمعته، واصطلاحًا: طائفة من المسائل واختار لفظ على؛ لأن في لفظ الكتب معنى الجمع، يقال: كتبت الخيل، أي: جمعت، والباب بمعنى النوع، وكان الفرض بيان أنواع الزكاة لا نوعها، وإضافة الكتاب إلى الزكاة من قبيل إضافة العام إلى الخاص، وذكر المصنف ﵀ الزكاة بعد الصلاة؛ لأنهما مقترنان في كتاب الله تعالى في اثنين وثمانين آية، وهذا يدل على أن التعاقب في غاية ذكاء المصنف. والزكاة في اللغة بمعنى: يقال: زكا الزرع إذا نما، أي: زاد، لأنهما سبب نمو الأموال في الدنيا، والثواب في العقبى، كقوله تعالى في سورة سبأ: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ [سبأ: ٣٩]، وبمعنى التطهير؛ لأنها تطهر صاحبها من الذنوب، أو رذيلة البخل، كقوله تعالى في سورة التوبة: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ الآية [التوبة: ١٠٣]، وفي الشريعة: أداء حق يجب في المال، ويعتبر في وجوبه الحول والنصاب، وهي فريضة بالكتاب والسنة وإجماع الأمة، أما الكتاب فكما قال تعالى في سورة البقرة: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣]، وأما السنة، فكما قال رسول الله ﷺ في حجة الوداع: "اتقوا ربكم وصَلُّوا خمسكم وصوموا شهركم، وأدوا زكاة أموالكم، وأطيعوا ذا أَمْرِكُم تدخلوا جنة ربكم" (١) رواه الترمذي، عن أبي أمامة، وأما الإِجماع فقد اجتمع علماء الأمة على فرضيتها من عهد رسول الله ﷺ من غير نكير، فمن جحد فرضيتها كفر، وإنما اختلف في بعض فروعها، وفرضت بعد الهجرة عند الأكثر، وقيل: في السنة الثانية قبل رمضان، وقيل: في السنة الأولى، وجزم ابن الأثير بأنها فُرِضت في السنة التاسعة، والله أعلم.

стр. 630

باب زكاة المال ٣٢٣ - أخبرنا مالك، أخبرنا الزُّهريّ، عن السائب بن يزيد، أنَّ عثمان بن عفان كان يقول: هذا شهر زكاتكم، فَمَنْ كان عليه دَيْنٌ فليُؤَدِّ دَيْنَهُ، حتى تَحْصُلَ أموالُكم فتُؤدُّوا منها الزكاة. قال محمد: وبهذا نأخذ، مَنْ كان عليه دَيْنٌ، وله مالٌ فليدفع دَيْنَهُ من ماله، فإن بقي بعد ذلك ما تجب فيه الزكاة ففيه زكاة، وتِلْكَ مائتا درهم، أو عشرونَ مِثْقالًا ذهبًا فصاعدًا، وإن كان الذي بقي أقَلَّ من ذلك، بعد ما يدفع من ماله الدَّيْن، فليست فيه الزكاة، وهو قولُ أبي حنيفة. • أخبرنا مالك، أي: ابن أنس بن عمير بن أبي عامر، الإِمام الأصبحي، أي: يُنسب إلى ملك ذي أصبح من ملوك اليمن، وكان من أتباع التابعين، ومن الطبقة السابعة من أهل المدينة، وفي نسخة: محمد قال: حدثنا مالك بن أنس، أخبرنا الزُّهريّ، أي: محمد بن مسلم بن شهاب بن زهرة، من التابعين، ومن الطبقة الرابعة من أهل المدينة، وفي نسخة: قال: بنا، رمزًا إلى أخبرنا، عن السائب بن يزيد، أي: ابن سعد بن ثمامة الكندي، وقيل غير ذلك في نسبه، ويُعرف بابن النمر، صحابي صغير له أحاديث قليلة، وحج به ﷺ في حجة الوداع، وهو ابن سبع سنين، وولاه عمر سوق المدينة، مات سنة إحدى وتسعين بعد الهجرة، وهو آخر من مات بالمدينة من الصحابة، كذا قاله ابن حجر في (التقريب من أسماء الرجال) (١)، أنَّ عثمان بن عفان (ت ٣٤١) كان يقول: وفي رواية البيهقي من وجه آخر عن الزهري، قال: أخبرني السائب بن يزيد أنه سمع عثمان بن عفان خطيبًا على منبر رسول الله ﷺ ، هذا إشارة إلى أحد الأشهر الحُرم المعروفة عندهم، أو إلى شهر فرض فيه الزكاة عليهم، كذا قاله علي القاري، وقال الزرقاني: قيل: الإِشارة لرجب،

стр. 631

وأنه محمول على أنه كان تمام حول المال، كمن يحتاج إلى نقل نفي رواية البيهقي المذكورة على الزهري، ولم يسم السائب الشهر ولم أسأله عنه، شهر زكاتكم، لعلمه كان آخر حولهم أن لا تجب قبل حولانه، لما روى أبو داود عن الحارث الأعور، عن علي ﵁، عن النبي ﷺ : "إذا كانت لك مائتا درهم، وحال عليها الحول ففيها خمسة دراهم، وليس عليك شيء في الذهب حتى يكون لك عشرون دينارًا وحال عليها الحول، ففيها نصف دينار، فما زاد فبحساب ذلك"، قال: فلا أدري أعلي يقول بحساب ذلك أو رفعه إلى النبي ﷺ ، وليس في مال زكاة حتى حال الحول عليه. قال النووي: حديث صحيح حسن، وقال الفقهاء: الزكاة هي: تمليك مال مخصوص لشخص مخصوص فرضت على حر مسلم مكلف مالك بنصاب من نقد، ولو تبرًا أو صليًا، أو آنية، أو ما يساوي قيمته من عروض تجارة، فارع عن الدين وعن حاجته الأصلية، كذا قاله التمرتاشي وغيره، ولذلك قال المصنف: فَمَنْ كان عليه دَيْنٌ أي: من حقوق العباد، فليُؤَدِّ دَيْنَهُ، أي: أولًا حتى تَحْصُلَ أموالُكم أي: محضة لكم، فتُؤدُّوا منها أي: من بقايا أموالكم بعد أداء دينكم الزكاة، أي: من جميع أموالكم؛ لأن ما قابل الدين لا زكاة فيه. قال محمد: وبهذا أي: بقول السائب بن يزيد نأخذ، أي: نعمل ونُفتي، مَنْ كان عليه دَيْنٌ، أي: حال أو مؤجل بأصالة أو كفالة، ولد مالٌ أي: زائد على الدين، فليدفع دَيْنَهُ من ماله، أي: فليحسب حساب أدائه، فإن بقي بعد ذلك أي: بعد أداء دينه ما يجب فيه الزكاة أي: بأن يكون قدره نصابًا أو أكثر، ففيه زكاة، وتِلْكَ أي: الفضلة التي تجب فيها الزكاة، مائتا درهم أي: من الفضة، أو عشرونَ مِثْقالًا ذهبًا أي: سواء يكون مضروبين أم لا، لما في الصحيحين في حديث أبي سعيد الخدري أن النبي ﷺ قال: "ليس مما دون خمس أواق صدقة"، والأواق: بضم الهمزة وفتح الواو والألف والقاف بعدها، جمع أوقية بضم الهمزة وسكون الواو وكسر القاف وتشديد الياء التحتية المفتوحة والتاء الفوقية أربعون درهمًا، فصاعدًا أي: فزائد على النصابين، وإن كان الذي بقي أي: بعد دفع الدين أقَلَّ من ذلك أي: مما ذكر من أحد النصابين، بعد ما يدفع من ماله الدَّين، أي: بقدر مقدور فليست فيه أي: فيما بقي منه، الزكاة، وهو أي: المذكور قولُ أبي حنيفة، ﵀. * * *

стр. 632

٣٢٤ - أخبرنا مالك، أخبرنا يزيد بن خُصيْفَة، أنه سأل سليمان بن يَسارٍ، عن رجل له مال وعليه مثله من الدَّيْنِ، أَعَلَيْهِ زكاة؟ قال: لا. قال محمد: وبهذا نأخذ، وهو قولُ أبي حنيفة. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: حدثنا مالك بن أنس بن عمير بن أبي عامر، الإِمام الأصبحي، نسبة إلى ملك ذي أصبح، من ملوك اليمن، كان من أتباع التابعين من الطبقة السابعة من أهل المدينة، أخبرنا يزيد أي: بتحتية فزاي ابن خُصيْفَة، بخاء معجمة مضمومة، (ق ٣٤٢) ثم صاد مفتوحة مهملة وياء تحتية ساكنة، والفاء مصغر نسبة لجده، فهو يزيد عبد الله بن خصيفة بن عبد الله يزيد الكندي، المدني، ثقة، من أجلاء التابعين، وأكابر المجتهدين، أنه أي: يزيد بن خصيفة سأل سليمان بن يَسارٍ، أي: الهلالي المدني مولى ميمونة، وقيل: أم سلمة، ثقة، فاضل، أحد الفقهاء السبعة، من كبار التابعين، من الطبقة الثالثة من أهل المدينة، مات بعد المائة، وقيل: قبلها، كذا قاله ابن حجر في (التقريب) (١)، عن رجل له مال وعليه مثله من الدَّيْنِ، أَعَلَيْهِ زكاة؟ قال: لا، أي: لا زكاة عليه. قال محمد: وبهذا أي: بقول سليمان بن يسار نأخذ أي: نعمل، وهو أي: قول سليمان بن يسار، قولُ أبي حنيفة، وقول مالك والشافعي إن لم يكن له عرض ولا مال غيره، وللشافعي قول آخر أن الدين لا يمنع الزكاة؛ لأنها في عين المال والدين في الذمة، كذا قاله الزرقاني. لما فرغ من بيان بعض ما يجب في الزكاة، شرع في بيان بعض ما يجب فيه الزكاة، فقال: هذا * * *

стр. 633

باب ما تجب فيه الزكاة ٣٢٥ - أخبرنا مالك، أخبرنا محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صَعْصَعَة، عن أبيه، عن أبي سعيد الْخُدْرِيِّ، أن رسول الله ﷺ قال: "ليس فيما دون خمسة أوْسُقٍ من التمر صَدَقَة، ولا فيما دون خمس أوَاقٍ من الوَرِقِ صَدَقَة، وليس فيما دون خمس ذَوْدٍ من الإبل صَدَقَة". قال محمد: وبهذا نأخذ، وكان أبو حنيفة يأخذ بذلك، إلا في خَصْلَةٍ واحدة، فإنه كان يقول: فيما أخرجت الأرض العُشْر، من قليل أو كثير، إن كانت تشرب سَيْحًا أو تسقيها السماء، وإن كانت تشرب بِغَرْب أو دَالِيَة فنصفُ العشْر، وهو قول إبراهيم النَّخَعِي ومُجاهد. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، رمزًا إلى أخبرنا، وفي نسخة أخرى: أنا رمزًا إلى أخبرنا، حدثنا، وفي نسخة: قال: بنا، أخبرنا محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صَعْصَعَة، بصادين بعد كل عين مهملة، الأنصاري، يُكنى أبا عبد الرحمن المدني، ثقة، كان في الطبقة السادسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة تسع وثلاثين ومائة، كذا قاله ابن حجر (١)، عن أبيه، عن أبي سعيد الْخُدْرِيَّ، ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "ليس فيما دون خمسة أوْسُقٍ بفتح الهمزة وضم السين المهملة، جمع وسق، بفتح الواو أو أشهر من كسرها وأصله في اللغة الحمل، والمراد بها ستون صاعًا، وهو ألف وأربعون درهمًا، من التمر صَدَقَة، قال ابن عبد البر: كأنه جواب السائل سأله عن نصاب زكاة التمر، فلا يمنع الزكاة في غيره من الثمار والحبوب، بدليل الآثار والإِجماع، وليس فيما دون خمس أوَاقٍ بضم الهمزة وفتح الواو والقاف وما بينهما ألف، جمع أوقية بضم الهمزة وفتح الياء التحتية المفتوحة المشددة، وهي أربعون

стр. 634

درهمًا، من الوَرِقِ بكسر الراء وسكونها، كما قرئ بهما، أي: الفضة مطلقًا، أو المضروبة دراهم، وإنما تطلق على غيرها مجازًا خلافًا في اللغة، والمراد هنا: الفضة مضروبًا وغيرها، صَدَقَة، أي: زكاة حتى تكمل جملتها، وهي مائتا درهم، وليس فيما دون خمس ذَوْدٍ، بالإِضافة، وهي بفتح الذال المعجمة وسكون الواو والدال المهملة من الثلاثة إلى العشرة، لا واحد له إنما يُقال في الواحد بعير من لفظه، قال النووي: الرواية المشهورة بإضافة خمس إلى ذود، وروي بتنوين خمس فيكون زيد بدلًا منه، من الإبل صَدَقَة"، فعلم أن نصاب الزكاة من الإِبل خمسة، فما دونها معفو، قال السيوطي: والحديث رواه الشافعي وأحمد، وأصحاب الكتب الستة كلهم عن أبي سعيد الخدري. قال محمد: وبهذا نأخذ، وكان أبو حنيفة يأخذ بذلك، أي: بمضمون هذا الحديث كله، إلا في خَصْلَةٍ واحدة، أي: مسألة منفردة، وهي المتوسط من الأحكام الثلاثة، فإنه كان يقول: فيما أخرجت الأرض ولو كان من الخضراوات، العُشْر من قليل أو كثير، أي: ولو كان مما دون خمسة أوسق من التمر وغيره، إن كانت أي: الأرض (ق ٣٤٣) تشرب سَيْحًا أي: ماءً جاريًا على وجه الأرض كالأنهار، أو تسقيها السماء أي: من الأمطار، وإن كانت أي: الأرض تشرب بِغَرْب بفتح الغين المعجمة والراء الساكنة، والباء، أي: ولو كثير، كذا في (المصباح)، وفي معناه الدلو الصغير بل الأولى؛ لأن التعب فيه أكثر، أو دَالِيَة أي: دولاب تديره البقر أو غيره، وفي المغرب الدالية جزع طويل يركب تركيب مداق الأزرق رأسه مفترقة كبيرة يستقى بها، فنصفُ العشْر أي: سواء يكون قليلًا أو كثيرًا، وهو قول إبراهيم النَّخَعِي ومُجاهد، وهما من أجلَّاء التابعين، وأئمة المجتهدين، فما أنه خالف الإِجماع في ذلك مردود، وقال أبو يوسف ومحمد: لا يجب العشر فيما لا يبقى، وقدر البقاء بسنة من غير معالجة كثيرة ولا فيما دون خمس أوسق كل وسق ستون صاعًا بصاع النبي ﷺ ، لما روى الترمذي عن معاذ أنه كتب إلى النبي ﷺ يسأله عن الخضراوات، وهي البقول، فقال ﷺ : "ليس فيها شيء"، ولما في الحديث السابق، وقد روى الشيخان عن أبي سعيد الخدري مرفوعًا: "ليس فيما دون خمس أوسق صدقة"، ولأبي حنيفة ﵀ على وجوب العشر في كل ما خرج من الأرض عموم قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ الآية [البقرة: ٢٦٧]، وما روى البخاري من حديث ابن عمر رضي الله عنهما

стр. 635

أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "فما سقت السماء والعيون أو كان عثريًا العشر، وفيما سُقي بالنضح نصف العشر"، والعثري بالعين المهملة والمثلثة المفتوحتين، قال الخطابي: هو الذي يشرب بعروقه من غير سقي، والمراد بالنضح هنا السواقي وحديث الخضراوات. قال الترمذي: إسناده ليس بصحيح، وحديث: "ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة" محمول على زكاة التجارة، وقيمة الوسق كانت يومئذ أربعين درهمًا، ولذلك لم يقل ليس في دون خمسة أوسق عشر. لما فرغ من بيان بعض ما يتعلق بالزكاة، شرع في بيان بعض ما يتعلق بها، فقال: هذا باب المال متى تجب فيه الزكاة في بيان حكم المال متى أي: الزمان تجب فيه الزكاة، أي: بعد أن يبلغ نصابًا، فهو ركن، والحول شرط بالإِجماع. ٣٢٦ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن ابن عمر، قال: لا تجب في مالٍ زكاة، حتى يَحُولُ عليه الحَوْل. قال محمد: وبهذا نأخذ، وهو قولُ أبي حنيفة، إلا أن يَكْتَسِبَ مالًا فيجمعه إلى مالٍ عنده مما يُزَكّى، فإذا وَجَبَتْ الزكاة في الأوَّل زَكّى الثاني معه، وهو قولُ أبي حنيفة، وإبراهيم النَّخَعِيّ. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، رمزًا إلى أخبرنا، وفي نسخة أخرى: أنا، رمزًا إليه، أخبرنا، وفي نسخة: عن نافع، المدني، مولى ابن عمر، ﵄، عن ابن عمر، قال: لا تجب في مالٍ أي: أموال الزكاة زكاة، حتى يَحُولُ أي: يمضي عليه الحَوْل، بفتح الحاء المهملة وسكون الواو السنة، قال ابن عبد البر في (الاستذكار): قد رُوي هذا مرفوعًا من حديث عائشة، قال السيوطي: أخرجه ابن ماجه،
следующие страницы →