← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 127713

المهيأ في كشف أسرار الموطأ

عثمان الكماخي

Полный текст (1 812 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

وأنه محمول على أنه كان تمام حول المال، كمن يحتاج إلى نقل نفي رواية البيهقي المذكورة على الزهري، ولم يسم السائب الشهر ولم أسأله عنه، شهر زكاتكم، لعلمه كان آخر حولهم أن لا تجب قبل حولانه، لما روى أبو داود عن الحارث الأعور، عن علي ﵁، عن النبي ﷺ : "إذا كانت لك مائتا درهم، وحال عليها الحول ففيها خمسة دراهم، وليس عليك شيء في الذهب حتى يكون لك عشرون دينارًا وحال عليها الحول، ففيها نصف دينار، فما زاد فبحساب ذلك"، قال: فلا أدري أعلي يقول بحساب ذلك أو رفعه إلى النبي ﷺ ، وليس في مال زكاة حتى حال الحول عليه. قال النووي: حديث صحيح حسن، وقال الفقهاء: الزكاة هي: تمليك مال مخصوص لشخص مخصوص فرضت على حر مسلم مكلف مالك بنصاب من نقد، ولو تبرًا أو صليًا، أو آنية، أو ما يساوي قيمته من عروض تجارة، فارع عن الدين وعن حاجته الأصلية، كذا قاله التمرتاشي وغيره، ولذلك قال المصنف: فَمَنْ كان عليه دَيْنٌ أي: من حقوق العباد، فليُؤَدِّ دَيْنَهُ، أي: أولًا حتى تَحْصُلَ أموالُكم أي: محضة لكم، فتُؤدُّوا منها أي: من بقايا أموالكم بعد أداء دينكم الزكاة، أي: من جميع أموالكم؛ لأن ما قابل الدين لا زكاة فيه. قال محمد: وبهذا أي: بقول السائب بن يزيد نأخذ، أي: نعمل ونُفتي، مَنْ كان عليه دَيْنٌ، أي: حال أو مؤجل بأصالة أو كفالة، ولد مالٌ أي: زائد على الدين، فليدفع دَيْنَهُ من ماله، أي: فليحسب حساب أدائه، فإن بقي بعد ذلك أي: بعد أداء دينه ما يجب فيه الزكاة أي: بأن يكون قدره نصابًا أو أكثر، ففيه زكاة، وتِلْكَ أي: الفضلة التي تجب فيها الزكاة، مائتا درهم أي: من الفضة، أو عشرونَ مِثْقالًا ذهبًا أي: سواء يكون مضروبين أم لا، لما في الصحيحين في حديث أبي سعيد الخدري أن النبي ﷺ قال: "ليس مما دون خمس أواق صدقة"، والأواق: بضم الهمزة وفتح الواو والألف والقاف بعدها، جمع أوقية بضم الهمزة وسكون الواو وكسر القاف وتشديد الياء التحتية المفتوحة والتاء الفوقية أربعون درهمًا، فصاعدًا أي: فزائد على النصابين، وإن كان الذي بقي أي: بعد دفع الدين أقَلَّ من ذلك أي: مما ذكر من أحد النصابين، بعد ما يدفع من ماله الدَّين، أي: بقدر مقدور فليست فيه أي: فيما بقي منه، الزكاة، وهو أي: المذكور قولُ أبي حنيفة، ﵀. * * *

стр. 632

٣٢٤ - أخبرنا مالك، أخبرنا يزيد بن خُصيْفَة، أنه سأل سليمان بن يَسارٍ، عن رجل له مال وعليه مثله من الدَّيْنِ، أَعَلَيْهِ زكاة؟ قال: لا. قال محمد: وبهذا نأخذ، وهو قولُ أبي حنيفة. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: حدثنا مالك بن أنس بن عمير بن أبي عامر، الإِمام الأصبحي، نسبة إلى ملك ذي أصبح، من ملوك اليمن، كان من أتباع التابعين من الطبقة السابعة من أهل المدينة، أخبرنا يزيد أي: بتحتية فزاي ابن خُصيْفَة، بخاء معجمة مضمومة، (ق ٣٤٢) ثم صاد مفتوحة مهملة وياء تحتية ساكنة، والفاء مصغر نسبة لجده، فهو يزيد عبد الله بن خصيفة بن عبد الله يزيد الكندي، المدني، ثقة، من أجلاء التابعين، وأكابر المجتهدين، أنه أي: يزيد بن خصيفة سأل سليمان بن يَسارٍ، أي: الهلالي المدني مولى ميمونة، وقيل: أم سلمة، ثقة، فاضل، أحد الفقهاء السبعة، من كبار التابعين، من الطبقة الثالثة من أهل المدينة، مات بعد المائة، وقيل: قبلها، كذا قاله ابن حجر في (التقريب) (١)، عن رجل له مال وعليه مثله من الدَّيْنِ، أَعَلَيْهِ زكاة؟ قال: لا، أي: لا زكاة عليه. قال محمد: وبهذا أي: بقول سليمان بن يسار نأخذ أي: نعمل، وهو أي: قول سليمان بن يسار، قولُ أبي حنيفة، وقول مالك والشافعي إن لم يكن له عرض ولا مال غيره، وللشافعي قول آخر أن الدين لا يمنع الزكاة؛ لأنها في عين المال والدين في الذمة، كذا قاله الزرقاني. لما فرغ من بيان بعض ما يجب في الزكاة، شرع في بيان بعض ما يجب فيه الزكاة، فقال: هذا * * *

стр. 633

باب ما تجب فيه الزكاة ٣٢٥ - أخبرنا مالك، أخبرنا محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صَعْصَعَة، عن أبيه، عن أبي سعيد الْخُدْرِيِّ، أن رسول الله ﷺ قال: "ليس فيما دون خمسة أوْسُقٍ من التمر صَدَقَة، ولا فيما دون خمس أوَاقٍ من الوَرِقِ صَدَقَة، وليس فيما دون خمس ذَوْدٍ من الإبل صَدَقَة". قال محمد: وبهذا نأخذ، وكان أبو حنيفة يأخذ بذلك، إلا في خَصْلَةٍ واحدة، فإنه كان يقول: فيما أخرجت الأرض العُشْر، من قليل أو كثير، إن كانت تشرب سَيْحًا أو تسقيها السماء، وإن كانت تشرب بِغَرْب أو دَالِيَة فنصفُ العشْر، وهو قول إبراهيم النَّخَعِي ومُجاهد. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، رمزًا إلى أخبرنا، وفي نسخة أخرى: أنا رمزًا إلى أخبرنا، حدثنا، وفي نسخة: قال: بنا، أخبرنا محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صَعْصَعَة، بصادين بعد كل عين مهملة، الأنصاري، يُكنى أبا عبد الرحمن المدني، ثقة، كان في الطبقة السادسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة تسع وثلاثين ومائة، كذا قاله ابن حجر (١)، عن أبيه، عن أبي سعيد الْخُدْرِيَّ، ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "ليس فيما دون خمسة أوْسُقٍ بفتح الهمزة وضم السين المهملة، جمع وسق، بفتح الواو أو أشهر من كسرها وأصله في اللغة الحمل، والمراد بها ستون صاعًا، وهو ألف وأربعون درهمًا، من التمر صَدَقَة، قال ابن عبد البر: كأنه جواب السائل سأله عن نصاب زكاة التمر، فلا يمنع الزكاة في غيره من الثمار والحبوب، بدليل الآثار والإِجماع، وليس فيما دون خمس أوَاقٍ بضم الهمزة وفتح الواو والقاف وما بينهما ألف، جمع أوقية بضم الهمزة وفتح الياء التحتية المفتوحة المشددة، وهي أربعون

стр. 634

درهمًا، من الوَرِقِ بكسر الراء وسكونها، كما قرئ بهما، أي: الفضة مطلقًا، أو المضروبة دراهم، وإنما تطلق على غيرها مجازًا خلافًا في اللغة، والمراد هنا: الفضة مضروبًا وغيرها، صَدَقَة، أي: زكاة حتى تكمل جملتها، وهي مائتا درهم، وليس فيما دون خمس ذَوْدٍ، بالإِضافة، وهي بفتح الذال المعجمة وسكون الواو والدال المهملة من الثلاثة إلى العشرة، لا واحد له إنما يُقال في الواحد بعير من لفظه، قال النووي: الرواية المشهورة بإضافة خمس إلى ذود، وروي بتنوين خمس فيكون زيد بدلًا منه، من الإبل صَدَقَة"، فعلم أن نصاب الزكاة من الإِبل خمسة، فما دونها معفو، قال السيوطي: والحديث رواه الشافعي وأحمد، وأصحاب الكتب الستة كلهم عن أبي سعيد الخدري. قال محمد: وبهذا نأخذ، وكان أبو حنيفة يأخذ بذلك، أي: بمضمون هذا الحديث كله، إلا في خَصْلَةٍ واحدة، أي: مسألة منفردة، وهي المتوسط من الأحكام الثلاثة، فإنه كان يقول: فيما أخرجت الأرض ولو كان من الخضراوات، العُشْر من قليل أو كثير، أي: ولو كان مما دون خمسة أوسق من التمر وغيره، إن كانت أي: الأرض (ق ٣٤٣) تشرب سَيْحًا أي: ماءً جاريًا على وجه الأرض كالأنهار، أو تسقيها السماء أي: من الأمطار، وإن كانت أي: الأرض تشرب بِغَرْب بفتح الغين المعجمة والراء الساكنة، والباء، أي: ولو كثير، كذا في (المصباح)، وفي معناه الدلو الصغير بل الأولى؛ لأن التعب فيه أكثر، أو دَالِيَة أي: دولاب تديره البقر أو غيره، وفي المغرب الدالية جزع طويل يركب تركيب مداق الأزرق رأسه مفترقة كبيرة يستقى بها، فنصفُ العشْر أي: سواء يكون قليلًا أو كثيرًا، وهو قول إبراهيم النَّخَعِي ومُجاهد، وهما من أجلَّاء التابعين، وأئمة المجتهدين، فما أنه خالف الإِجماع في ذلك مردود، وقال أبو يوسف ومحمد: لا يجب العشر فيما لا يبقى، وقدر البقاء بسنة من غير معالجة كثيرة ولا فيما دون خمس أوسق كل وسق ستون صاعًا بصاع النبي ﷺ ، لما روى الترمذي عن معاذ أنه كتب إلى النبي ﷺ يسأله عن الخضراوات، وهي البقول، فقال ﷺ : "ليس فيها شيء"، ولما في الحديث السابق، وقد روى الشيخان عن أبي سعيد الخدري مرفوعًا: "ليس فيما دون خمس أوسق صدقة"، ولأبي حنيفة ﵀ على وجوب العشر في كل ما خرج من الأرض عموم قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ الآية [البقرة: ٢٦٧]، وما روى البخاري من حديث ابن عمر رضي الله عنهما

стр. 635

أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "فما سقت السماء والعيون أو كان عثريًا العشر، وفيما سُقي بالنضح نصف العشر"، والعثري بالعين المهملة والمثلثة المفتوحتين، قال الخطابي: هو الذي يشرب بعروقه من غير سقي، والمراد بالنضح هنا السواقي وحديث الخضراوات. قال الترمذي: إسناده ليس بصحيح، وحديث: "ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة" محمول على زكاة التجارة، وقيمة الوسق كانت يومئذ أربعين درهمًا، ولذلك لم يقل ليس في دون خمسة أوسق عشر. لما فرغ من بيان بعض ما يتعلق بالزكاة، شرع في بيان بعض ما يتعلق بها، فقال: هذا باب المال متى تجب فيه الزكاة في بيان حكم المال متى أي: الزمان تجب فيه الزكاة، أي: بعد أن يبلغ نصابًا، فهو ركن، والحول شرط بالإِجماع. ٣٢٦ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن ابن عمر، قال: لا تجب في مالٍ زكاة، حتى يَحُولُ عليه الحَوْل. قال محمد: وبهذا نأخذ، وهو قولُ أبي حنيفة، إلا أن يَكْتَسِبَ مالًا فيجمعه إلى مالٍ عنده مما يُزَكّى، فإذا وَجَبَتْ الزكاة في الأوَّل زَكّى الثاني معه، وهو قولُ أبي حنيفة، وإبراهيم النَّخَعِيّ. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، رمزًا إلى أخبرنا، وفي نسخة أخرى: أنا، رمزًا إليه، أخبرنا، وفي نسخة: عن نافع، المدني، مولى ابن عمر، ﵄، عن ابن عمر، قال: لا تجب في مالٍ أي: أموال الزكاة زكاة، حتى يَحُولُ أي: يمضي عليه الحَوْل، بفتح الحاء المهملة وسكون الواو السنة، قال ابن عبد البر في (الاستذكار): قد رُوي هذا مرفوعًا من حديث عائشة، قال السيوطي: أخرجه ابن ماجه،

стр. 636

وقلت: وقد تقدم حديث علي كرم الله وجهه مرفوعًا. قال محمد: وبهذا أي: بقول ابن عمر نأخذ، أي: نعمل، وهو قولُ أبي حنيفة، ﵀، إلا أن يَكْتَسِبَ مالًا ولو قيل: المحصول بيوم فيجمعه أي: فيضمه إلى مالٍ عنده مما يُزَكّى، أي: وقد بلغ حوله، فإذا وَجَبَتْ الزكاة في الأوَّل أي: من المحصول المقدم زَكّى الثاني معه، أي: تبعًا له، فمن كان له مائتا درهم في أول السنة، وقد حصل في وسطها مائة درهم (ق ٣٤٤) مثلًا يضم إلى المائتين، ويعطى زكاة الكل عند الحول؛ لأن السنة على الأول، وهو قولُ أبي حنيفة، وإبراهيم النَّخَعِيّ، رحمهما الله، أي: سواء كان ذلك المستفاد بسبب من ذلك النصاب بأن اشترى في أثناء الحول بذلك النصاب بأن اشترى في أثناء الحول بذلك النصاب شيئًا واستفاد فيه، أو لم يكن بأن كان معه نصاب، فوهب له شيء أورث في أثناء الحول شيئًا من جنسه، وقال مالك والشافعي بأن كان المستفاد بسبب من النصاب ضم وإلا فلا يضم، والله أعلم، كذا قاله علي القاري. لما فرغ من بيان أحكام ما يجب فيه الزكاة، شرع في بيان حال الرجل له على رجل دين، هل يجب عليه الزكاة قبل قبضه، قال: هذا * * * باب الرجل يكون له الدَّين هل عليه فيه زكاة في بيان حال الرجل يكون له الدَّين، أي: على الرجل، هل يجب عليه فيه أي: في الدين الذي له على رجل الزكاة؟ وقد أورده يحيى في ترجمة الزكاة في العين من الذهب والفضة، وفي نسخة: باب الرجل يكون له قاطعة والدين عليه، هل يجب عليه فيه زكاة؟ ٣٢٧ - أخبرنا مالك, أخبرنا محمد بن عُقبة؛ مولى الزبير، أنه سأل القاسم بن محمد، عن مكاتَب له قاطعه بمال عظيم، قال: قلت: هل فيه زكاة؟ قال القاسم: إن أبا بكر كان لا يأخذ من مالٍ صَدَقَة حتى يَحُولَ عليه الحَوْل، قال القاسم: وكان أبو بكر إذا أعْطَى الناس أعْطِيَاتِهم سأل الرجل: هل عندك

стр. 637

من مال قد وجبت فيه الزكاة؟ فإن قال: نعم، أخذ من عطائه زكاة ذلك المال، وإن قال: لا، سَلَّم إليه عَطَاءَه. قال محمد: وبهذا نأخذ، وهو قولُ أبي حنيفة. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، أخبرنا محمد بن عُقبة؛ بضم العين المهملة وسكون القاف، وفتح الموحدة والتاء الموحدة، أي: عقبة المكي عن فضيل بن عياض، وعنه تميم بن عمران القرشي مجهول، كذا قاله ابن حجر العسقلاني عن البيهقي، وهو مولى الزبير، أي: ابن العوام، أنه أي: محمد بن عقبة، سأل القاسم بن محمد، أي: ابن أبا بكر الصديق ﵁، عن حال مكاتَب له أي: لمحمد قاطعه بمال عظيم، قال أبو عمر: معنى مقاطعة المكاتب، أخذ مال معجل منه دون ما كوتب عليه ليعجل عتقه، قال: أي: السائل، قلتُ: أي: سألت: هل عليه فيه أي: في مال قطعه على مكاتب زكاة؟ قال القاسم: إن أبا بكر ﵁ كان لا يأخذ من مالٍ صَدَقَة أي: زكاة، كما في (الموطأ) ليحيى، حتى يَحُولَ عليه الحَوْل، أي: إلى غاية مضي السنة على المال، فكأنه أجاب: تجب الزكاة إذا أخذت المال منه أو تعلق بذمته وحال عليه الحول، وأجمع العلماء على اشتراط الحول في الماشية والنقد دون المعشرات، قال القاسم: هو ابن محمد بن أبي بكر الصديق: وكان أبو بكر إذا أعْطَى الناس أي: إذا أراد أن يعطيهم أعْطِيَاتِهم بفتح الهمزة وسكون العين المهملة، والطاء المكسورة، وفتح الياء التحتية المشددة، والألف والتاء الفوقية المكسورة جمع عطايا، وهو جمع عطية، أي: إذا أراد بكر أن يعطيهم أرزاقهم من بيت المال، يسأل وفي نسخة: سأل الرجل أي: منهم: هل عندك من مال قد وجبت عليك كما في (الموطأ) فيه الزكاة؟ أي: بأن يكون نصابًا فاضلًا عن دينك وحال عليه الحول، فإن قال: أي: المسؤول نعم، أخذ من عطائه زكاة ذلك المال، أي: الذي عند المسؤول، وحال عليه الحول، وإن قال لا، سَلَّم إليه أي: المسؤول عَطَاءَه، أي: تمامًا بلا أخذ شيء من عطائه لعدم الوجوب. قال محمد: وبهذا أي: بخبر القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق ﵁، نأخذ أي: نعمل ونفتي، وهو أي: المذكور قولُ أبي حنيفة، ﵀. * * *

стр. 638

٣٢٨ - أخبرنا مالك، أخبرني عمر بن حُسين، عن عائشة بنت قُدامَة بن مَظْعُون، عن أبيها، قال: كنتُ إذا قَبِضتُ عَطَائي من عثمان بن عفان سألني: هل عندك من مالٍ وَجَبَتْ عليك فيه الزكاة؟ فإن قلت: نعم، أخذ من عطائي زكاة ذلك المال، وإلا دفع إليَّ عطائي. • أخبرنا مالك، أي: أنس بن مالك بن عمير بن أبي عامر، الإِمام الأصبحي، أي: نسبة إلى ملك ذي أصبح، من ملوك اليمن، (ق ٣٤٥) كان من أتباع التابعين، في الطبقة السابعة من أهل المدينة، وفي الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة، وفي نسخة: محمد قال: بنا، رمزًا إلى أخبرنا، وفي نسخة أخرى: أنا، أخبرني وفي نسخة: أنبأني عمر بن حُسين، أي: ابن عبد الله بن الجمحي، مولاهم أبي قدامة المكي، ثقة، روى له مسلم. عن عائشة ﵂ بنت قُدامَة بضم القاف المخففة، أي: القرشية الجمحية، الصحابية، ابن مَظْعُون، بالظاء المعجمة، عن أبيها، أي: قدامة بن مظعون، وهو قرشي جمحي، خال عبد الله بن عمر، هاجر إلى أرض الحبشة، وشهد بدرًا وسائر المشاهد، قال: أي: قدامة بن مظعون: كنت إذا قَبِضتُ أي: أخذتُ، كما في نسخة، عَطَائي من عثمان بن عفان ﵁، أي: أيام خلافته، سألني: هل عندك من مالٍ وَجَبَتْ عليك فيه الزكاة؟ قال قدامة: فإن قلت: نعم، أخذ من عطائي أي: بعض النصيب الذي عادتي من بيت المال، زكاة ذلك المال، أي: الذي حال عليه الحول عندي، وإلا أي: وإن لم أقل: نعم، دفع إليَّ عطائي، أي: بكماله. لما فرغ من بيان حال الرجل يكون له على الناس دين، هل يجب عليه فيه زكاة أم لا، شرع في بيان زكاة الحلي، فقال: هذا * * *

стр. 639

باب زكاة الحلي في بيان زكاة الحلي بضم الحاء المهملة وبكسر فكسر اللام وتشديد الياء التحتية وفتح فسكون لغات، جمع الحلية، أي: الزينة المصاغة من الذهب والفضة، أو المعمولة من غيرهما، كاللؤلؤ والياقوت والفيروز، وغيرها. ٣٢٩ - أخبرنا مالك، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، أن عائشة كانت تلي بنات أخيها، يتامى في حجرها، لهن حَلِيّ، فلا تُخْرج من حليهنّ الزكاة. • أخبرنا مالك وفي نسخة: محمد قال: بنا، رمزًا إلى أخبرنا، عن عبد الرحمن بن القاسم، أي: ابن محمد بن أبي بكر الصديق، التيمي، المدني، ثقة جليل، قال ابن عيينة: كان أفضل أهل زمانه، من الطبقة السادسة من أهل المدينة، مات سنة ست وعشرين، وقال بعض المؤرخين: مات بعد العشرين، كما قاله ابن حجر في (التقريب) (١). عن أبيه، أي: القاسم بن محمد بن أبي بكر ﵁. أن عائشة أي: زوج النبي ﷺ ، كانت تلي أي: متوليًا بنات أخيها، أي: بنات محمد بن أبي بكر الصديق ﵁، وتوليتها لهن على طريق الوصاية لهن، يتامى أي: حال لكونهن يتامى، والتقدير: وهن يتامى أو بذل في بنات أخيها، في حجرها، بفتح الحاء المهملة وسكون الجيم والراء، بمعنى المنع، أي: حال كون محمد بن أبي بكر الصديق في منع عمتهن الأدب، لهن حَلِيّ، بفتح فسكون، وبضم وكسر اللام وتشديد التحتية جمع الحلية، أي: الرخيص من الذهب والفضة، فلا تُخْرِج أي: عائشة من حليهنّ لأنهن لم يكن لهن للخطاب الزكاة، فلا تجب على الصبيان والصبيات؛ لأنها في اللغة يعني النماء والزيادة، وتستعمل بمعنى الطهارة - طاهرون من الآثام، فلا يحتاج بالخطاب بالمظهرات (٢). * * *

стр. 640

٣٣٠ - أخبرنا مالك، حدثنا نافع، أن ابن عمر كان يُحَلِّي بناته وجَوارِيَهُ فلا يُخْرج من حليهنّ الزكاة. قال محمد: أمَّا ما كان من حلي جوهر ولؤلؤ، فليست فيه الزكاة على كل حالٍ، إلا أن يكون للتجارة، وأما ما كان من ذهبٍ أو فضة ففيه الزكاة، على كل حال، إلا أن يكون ذلك ليتيم أو يتيمة لم يبلُغا، فلا يكون في مالهما زكاة، وهو قولُ أبي حنيفة. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، وفي نسخة: أبنا، رمزًا إلى أخبرنا، حدثنا نافع، أي: المدني، مولى ابن عمر، أن ابن عمر (ق ٣٤٦) ﵁ كان يجلس بناته بتشديد اللام أي: يلبسهن الحلي وجواريه أي: سراريه، فلا يُخْرج من حليهنّ الزكاة، لأجلهن صبيات، والصبيات تخاطبين بالعبادات، وأما الجواري، فأنهن مملوكات، فلا يملكن شيئًا، قال رسول الله ﷺ : "العبد وما يده لمولاه". قال محمد: أمَّا ما كان من حلي جوهر ولؤلؤ، وهو مجرور معطوف على جوهر، وهو مضاف إليه الحلي، ويجوز أن يكونا بدلًا من حلي، فليست فيه الزكاة على كل حالٍ، أي: لو بلغت ما بلغت، وأما ما كان من ذهبٍ أو فضة ففيه الزكاة، أي: تجب على حر مسلم مكلف، مالك لنصاب من نقد، ولو كانت حليًا، أو آنية، أو ما يساوي قيمته من عروض تجارة، فارغ عن الدين وعن حوايجه الأصلية، وهي: أي حاجته الأصلية ما يدفع الهلاك عن الإِنسان تحقيقًا كالنفقة والدور لسكنى؛ وآلات الحرب للغازي، والثياب المحتاج إليها لدفع الحر والبرد، أو تقديرًا كالدين، فإن المديون إلى العباد محتاج إلى قضائه بما في يده من النصاب، دفعًا عن نفسه الحبس الذي هو كالهلاك، كذا قاله ابن الملك في شرح (مجمع البحرين)، إلا أن يكون ذلك أي: الحلي ليتيم أو يتيمة، قوله: لم يبلُغا، صفة احترازية عن اليتيم البالغ المالك للنصاب؛ فإنه تجب عليه الزكاة، قال الجوهري: اليتيم من الإِنسان من لا أب له، ومن سائر الحيوانات، ما لا أم له. انتهى. فلا يكون في مالهما أي: اليتيم واليتيمة زكاة، وكذا لا تجب الزكاة على غير اليتيم الصبي الغني؛ لأنه

стр. 641

- ﷺ قال: "رُفِعَ القلم عن ثلاث: عن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يفيق، وعن النائم حتى يستيقظ"، كذا في (الاختيار شرح المختار)، خلافًا لمالك والشافعي وأحمد في قولهم: تجب الزكاة في مال الصبي، كذا قاله علي القاري، وهو أي: عدم وجوب الزكاة على الصبي مطلقًا، قولُ أبي حنيفة، ﵀. لما فرغ من بيان زكاة الحلي، شرع في بيان ما يجب فيه العُشر، فقال: هذا * * * باب العشر في بيان ما يجب فيه العشر أو قطعة من مال الحربي أو الذمي وهو بضمتين وبضم واحد من العشرة، وكذا الخمس والثلث والربع، وفي نسخة: العشور. ٣٣١ - أخبرنا مالك، حدثنا الزهري، عن سالم بن عبد الله، عن عبد الله بن عمر، أن عمر كان يأخذ من النَّبَطِ، من الْحِنْطَةِ والزَّيْت نصف العُشْرِ، يُريد أن يكثر الحمل إلى المدينة، ويأخذ من القِطْنِيَّة العُشْر. قال محمد: يُؤخذ من أهل الذمة، مما اختلفوا فيه للتجارة، من قِطْنِيَّة كان أو غير قِطْنِيَّة نصف الْعُشْرِ، في كل سنة، ومن أهل الحرب إذا دخلوا أرض الإِسلام بأمانٍ العُشْر من ذلك كلِّه. وكذلك أمر عمر بن الخطاب زِيَاد بن حُدَيْر وأنس بن مالك حين بعثهما على عُشُورِ الكوفة والبصرة، وهو قولُ أبي حنيفة. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: بنا، وفي نسخة أخرى: محمد قال: أنا، رمزًا إلى أخبرنا مالك بن أنس بن عمير بن أبي عامر، الإِمام الأصبحي، أي: نسبة إلى ملك ذي أصبح، من ملوك اليمن، وكان من أتباع التابعين، ومن الطبقة السابعة من أهل المدينة، وهي في

стр. 642

الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة، حدثنا، وفي نسخة: قال: بنا، رمزًا إلى أخبرنا الزهري، أي: محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، وكان من التابعين، ومن الطبقة الرابعة من أهل المدينة، عن سالم بن عبد الله أي: ابن عمر بن الخطاب ﵄، كان من التابعين، ومن الطبقة الثالثة من أهل المدينة، كذا قاله أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي (١) من علماء الحنبلية، (ق ٣٤٧) عن عبد الله بن عمر، أن عمر بن الخطاب ﵁ كان يأخذ من النَّبَطِ، بفتح النون الموحدة، قوم من الناس كانوا يسكنون ببطايح، وهي أودية فيها أحجار بين العراقين، أي: الكوفة والبصرة، كذا قاله محمد الواني في ترجمة الجوهوي، من الْحِنْطَةِ والزَّيْت أي: من حاصلهما لهم، أو مما يأتون بهما إلى المدينة للتجارة، وفي نسخة (الموطأ) ليحيى: والزبيب يدل على الزيت، نصف العُشْرِ، مفعول يأخذ، يُريد أي: يقصد عمر بذلك النصف، أن يكون الحمل أي: المحمول إلى المدينة، أي: المنورة، ويأخذ أي: عمر من القِطْنِيَّة بكسر القاف وسكون الطاء، وكسر النون وبفتح التحتية المشددة واحدة الغطافي كالعدس والحنطة، كذا في (الهداية)، وقال صاحب (المصباح): يقال: قطن بالمكان: أقام به، ومنه قيل: لما يدخل في البيوت من الحبوب، وتقيم زمانًا قطنية، بكسر القاف على النسبة، وضم القاف لغة، وفي (التهذيب): من اللغة القطنية اسم جامع للحبوب التي تطبخ كالعدس والباقلاء والحمصة والأرز والسمسم وليس القمح والشعير من القطاني، العُشْر، مفعول يأخذ. قال محمد: ويُؤخذ كذا - في النسخة - بالواو، من أهل الذمة، أي: ممن يُعطي الجزية مما اختلفوا فيه أي: ترددوا في إتيانه، للتجارة من قِطْنِيَّة كان أو غير قِطْنِيَّة نصف الْعُشْرِ، في كل سنة، ومن أهل الحرب أي: يأخذ منهم إذا دخلوا أي: بمالهم للتجارة أرض الإِسلام بأمانٍ العُشْر مرفوع على أنه نائب الفاعل ليؤخذ محذوف، أي: يأخذ العاشر من قال التجارة للحربي العشر بتمامه؛ لأن احتياج الحربي أشد وأكثر إلى الحماية؛ لكثرة طمع اللصوص في أموالهم، وذلك أن بلغ مالهم نصابًا ولم يعلم مقدار ما يأخذ عاشر أهل الحرب من تجار المسلمين لو دخلوا عليهم، وإن علم ما أخذوه من المسلمين أخذ عاشرنا مثله قليلًا أو كثيرًا تحقيقًا للمجازاة، ومقدار ما يبلغه مأمنه؛ لأنه يلزم علينا إيصالهم

стр. 643

إلى مأمنهم، فلا فائدة في أخذ أموالهم، وإن كان أهل الحرب لا يأخذون من تجارنا شيئًا؛ لا يأخذ عاشرنا منهم شيئًا؛ لأنه أقرب إلى مقصود الأمان، كما بيناه في (سلم الفلاح شرح نور الإِيضاح)، من ذلك أي: يأخذ العاشر عشر القطنية، وغيرها من أموالهم، كله أي: جميع العشر من غير تفرقة بينهما. وكذلك أي: مثل ما أخذه عمر بن الخطاب، ﵁ من حنطة قوم النبط، وزيتهم نصف العشر، ومن القطنية العشر، أمر عمر بن الخطاب زِيَاد بن حُدَيْر بضم الحاء المهملة وفتح الدال المهملة وسكون التحتية وبالراء، وهو أبو المغيرة الأسدي الكوفي التابعي سمع عمر وعلي، وروى عنه خلق كثير منهم الشعبي، وأنس بن مالك بالنصب عطف على زياد، حين بعثهما أي: عمر على عُشُورِ الكوفة والبصرة، الظاهر أنه لف ونشر مرتب، وهو أي: أخذ نصف العشر من مال الذمي التاجر والعُشر بتمامه. من مال الحربي التاجر قولُ أبي حنيفة، ﵀، لما روى محمد بن الحسن في (الآثار) عن أبي حنيفة ﵀، عن الهيثم، عن أنس بن سيرين، قال: بعثني أنس بن مالك على الأيلة، فأخرج لي كتابًا من عمر بن الخطاب، ﵁: خُذ من أموال المسلمين من كل أربعين درهمًا بدرهم، ومن أهل الذمة من كل عشرين درهمًا بدرهم، وممن لا ذمة له من كل عشرة دراهم بدرهم، ورواه عبد الرزاق في مصنفه عن هشام بن حبان عن أنس بن سيرين، كذا قاله علي القاري. لما فرغ من بيان أحكام العشر، شرع في بيان أحكام الجزية على أهل الكتاب والمجوس، فقال: هذا * * * باب الجزية في بيان أحكام الجزية، وهي بالكسر: ما يُؤخذ من أهل الذمة، وجمعها جزى، اتفق العلماء والأئمة على أن الجزية تضرب على أهل الكتاب وهم اليهود والنصارى والمجوس، واختلفوا فيمن لا كتاب له، ولا شبهة كتاب عبدة الأوثان من العرب والعجم، فقال أبو حنيفة ﵀: يؤخذ من العجم منهم دون العرب، وقال مالك: تؤخذ من كل كافر عربيًا كان أو أعجميًا إلا مشركي قريش خاصة، وقال الشافعي وأحمد في أظهر روايته: لا تؤخذ الجزية من عبدة الأوثان مطلقًا، واستنبط المصنف هذه الترجمة

стр. 644

عن قوله تعالى في سورة التوبة: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩]، والمناسبة بين هذا الباب وبين الباب السابق إعداد آلة الجهاد بأخذ العُشر والجزية. ٣٣٢ - أخبرنا مالك، حدثنا الزُّهري، أن النبي ﷺ أخذ من مجوس البَحْرَيْن الجِزْيَة، وأن عمر أخذها من مجوس فارس، وأخذها عثمان بن عفان من البَرْبَر. • أخبرنا مالك، حدثنا الزُّهري، أي: محمد بن مسلم بن شهاب الزهري التابعي، وكان في الطبقة الرابعة من أهل المدينة، وهي في الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة، أن النبي ﷺ أخذ من مجوس البَحْرَيْن أي: من كفرة البحرين، وهو اسم جامع لبلاد على ساحل بحر الهند بين البصرة وعمان، وقال قوم: هي في الإِقليم الثالث من الأقاليم السبعة، والبحرين هكذا يتلفظ به في حال الرفع والنصب والجر ولم يسمع على لفظ المرفوع من أحد منهم على أنه قد حكي أنه يتلفظ بلفظ التثنية فيقولون: هذه البحيران، أو انتهينا إلى البحرين، كذا قاله ياقوت الحموي في (معجم البلدان) (١)، الجِزْيَة منصوب على أنها مفعول أخذ، وأن عمر بن الخطاب ﵁ أخذها أي: الجزية من مجوس فارس، أي: من كفرة بلاد فارس، وهي ولاية واسعة، وإقليم رابع من الأقاليم السبعة، وأول حدوده من جملة العراق وأرجان، ومن جهة كرمان السيرجان، ومن جهة ساحل بحر الهند سيراف، ومن جهة السند مكران، وأخذها أي: الجزية عثمان بن عفان من البَرْبَر، وهو كجعفر، اسم يشمل قبائل كثيرة من أهل المغرب، أوله ناحية من نواحي اليمامة، وآخره البحر المحيط، وفي الجنوب بلاد السودان، وهم أمم وقبائل لا تُحصى، يُنسب كل موضع إلى القبيلة التي تنزله، ويقال: المجموع بلادهم بلاد البربر، وهي الإِقليم الأول من الأقاليم السبعة. قال أبو النذر: البربر من ولد خارات بن عليق بن لود بن سام بن نوح ﵇،

стр. 645

قال أكثر المؤرخين: الأشهر (ق ٣٤٩) في نسبهم أنهم بقية قوم جالوت لما قبله طالوت، وهربوا من المغرب فحصلوا في جبالهم وقاتلوا أهل بلادها ثم صالحوا على شيء يأخذونه منهم، وأقاموا بالجبال، وذكر محمد بن أحمد الحمداني في كتابه مرفوعًا إلى أنس بن مالك ﵁ أنه قال: جئت إلى النبي ﷺ ومعي وصيف، أي: غلام، فقال ﷺ : "يا أنس ما جنس هذا الغلام؟ "، قلتُ: بربري يا رسول الله، قال: "بعه يا أنس ولو بدينار"، فقلتُ: ولم يا رسول الله؟ قال: "إنهم أمة بعث الله إليهم نبيًا فذبحوه وطبخوه وأكلوا لحمه"، كذا قاله ياقوت الحموي في (معجم البلدان)، وهذا حديث مرسل ومدرج حقيقة ومتصل حكمًا؛ لكن وصله الدارقطني وابن عبد البر من طريق عبد الرحمن بن مهدي عن مالك عن الزهري عن السائب بن يزيد بن سعيد بن ثمامة الكندي، صحابي صغير له أحاديث قليلة، وحج به ﷺ في حجة الوداع، وهو ابن سبع سنين، وولاه عمر سوق المدينة، مات سنة إحدى وتسعين، وهو آخر من مات بالمدينة من الصحابة، كذا قاله ابن حجر في (التقريب من أسماء الرجال) (١). * * * ٣٣٣ - أخبرنا مالك، حدثنا نافع، عن أسلم مولى عمر، أن عمر ضرب الجزية على أهل الورِق أربعين درهمًا، وعلى أهل الذهب أربعة دنانير، ومع ذلك أرزاق المسلمين وضيافة ثلاثة أيام. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، وفي نسخة أخرى: أنا، رمزًا إلى أخبرنا، حدثنا وفي نسخة: أبنا، رمزًا إلى أخبرنا نافع، أي: المدني ابن عمر، عن أسلم مولى عمر بن الخطاب ﵁، أن عمر ضرب الجزية أي: عينها وبينها، على أهل الورِق بكسر الراء، ويسكن، أي: الفضة، أربعين درهمًا، في كل سنة، وعلى أهل الذهب أربعة وفي نسخة: أربع دنانير، أي: في كل سنة، وإليه ذهب مالك، فلا يزاد ولا

стр. 646

ينقص إلا ممن يضعف عن ذلك فيخفف عنه بقدر ما يرى الإِمام، وقال الشافعي: أولها دينار، ولا حد لأكثرها، وقال أبو حنيفة وأحمد: أقلها على الفقراء القادرين على الكسب اثنى عشر درهمًا أو دينارًا في كل سنة، وعلى أوسطهم أربعة وعشرون درهمًا أو دينارًا في كل سنة، وعلى الأغنياء من أهل الذمة مع تسليم جزيتهم، أرزاق المسلمين أي: الحافظين ثغورهم التي تليهم. وقال سعيد بن زيد الباجي المالكي: يلزم على أهل الذمة أقوات من عندهم من أجناد المسلمين على قدر ما جرت عادة أهل تلك الجهة من الاقتيات، وقد جاء ذلك مفسرًا أن عمر بن الخطاب كتب إلى أمراء الأجناد أن عليهم من أرزاق المسلمين من الحنطة مدان، ومن الزيت ثلاثة أقساط كل شهر لكل إنسان من أهل الشام والجزيرة وودك وعسل، وضيافة ثلاثة أيام، قال سعيد بن زيد الباجي المالكي: يلزمهم في مدة الضيافة ما سهل عليهم، وجرت عادتهم باقتياته دون تكلف، وخروج عن عادة قوتهم، وقد شكى أهل الشام إلى عمر لما قدمها أنه إذا ترك بهم أحد من المسلمين كلفهم ذبح الدجاج والغنم، فقال عمر: أطعموهم مما تأكلون ولا تزيدوهم عنه، كذا قاله الزرقاني (١). فإن قلت: الكفر معصية فكيف يجوز أخذ العوض على التمكن منه ولأن جاز ذلك، فلم لا يجوز أخذ العوض على التخلية بين الزاني والزانية، وكذلك سائر المعاصي؟ قلت: هذا غلط محض نشأ عن الجهل بالأحكام الشرعية، والقواعد العلمية؛ لأن الجزية ليست للتمكين من الكفر، كما زعم هذا المعترض، وإنما هي لإِسقاط القتل الواجب، فيجوز إسقاطه بعوض كالقصاص، وِيدل على جواز أخذ الجزية قوله تعالى في سورة التوبة: (ق ٣٥٠) ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩]. ومعنى قوله تعالى: ﴿عَنْ يَدٍ﴾ قال ابن عباس ﵄: هو أن يعطوها بأيديهم يمشون كارهون، ولا يركبون بها ركبانًا، ولا يرسلون بها، وهم صاغرون، أي: يقهرون ذليلون، وقيل غير ذلك، كذا قاله محمد التمرتاشي في (منح الغفار). * * *

стр. 647

٣٣٤ - أخبرنا مالك، أخبرنا زيد بن أسلم، عن أبيه، أن عمر بن الخطاب كان يُؤتى بنَعَم كثيرة من نَعَم الجزية. قال مالك: أراه يؤخذ من أهل الجزية في جزيتهم. قال محمد: السُنَّة أن تُؤخذ الجزية من المجوس من غير أن تُنكح نساؤهم ولا تُؤْكَل ذبائحهم، وكذلك بلغنا عن النبي ﷺ . وضرب عمر الجزية على أهل سواد الكوفة؛ على المُعْسِر اثني عشر درهمًا، وعلى الوسط أربعة وعشرين درهمًا، وعلى الغني ثمانية وأربعين درهمًا، وأما ما ذكره مالك بن أنس من الإِبل، فإن عمر بن الخطاب لم يأخذ الإِبل في جزية علمناها إلا من بني تَغْلِب، فإنه أضعف عليهم الصدقة، فجعل ذلك جِزْيتهم، فأخذ من إبلهم، وبقرهم وغنمهم. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، رمزًا إلى أخبرنا مالك بن أنس بن عمير بن أبي عامر الأصبحي، أي: نسبة إلى ملك ذي أصبح من ملوك اليمن، وكان من أتباع التابعين في الطبقة السابعة من أهل المدينة، كانت في الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة، أخبرنا وفي نسخة: محمد قال: بنا زيد بن أسلم، أي: أبو عبد الله وأبو أسامة العدوي المدني، مولى عمر، ثقة عالم، وكان يرسل، وكان في الطبقة الثالثة من أهل المدينة، مات سنة ست وثلاثين، وهو ابن أربع عشرة، عن أبيه، أي: أسلم المخضرمي، أن عمر بن الخطاب ﵁ كان يُؤتى أي: إليه بنَعَم كثيرة من نَعَم الجزية، وهو بفتح العين والنون المهملة، أي: الحال الداعي، وهي جمع لا واحد له من لفظه وأكثر ما يقع على الإِبل، وقال أبو عبيد: النعم الجمال فقط والأنعام أيضًا، وقيل: النعم الإِبل خاصة، والأنعام أعم، فإن قلت: لم قال: من نعم الجزية ولم يقل: من نعم الصدقة؟ قلت: قال ذلك إشعارًا إلى أن الأغنياء والفقراء يجوز لهم الأكل من نعم الجزية، ونعم الصدقة للمسكين فقط، قال تعالى في سورة التوبة: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ [التوبة: ٦٠].

стр. 648

قال مالك: أراه بضم الهمزة والألف بينهما راء مهملة، أي: أظن عمر ﵁ أنه قال: تؤخذ أي: الإِبل من أهل الجزية أي: من رجال أهل الكتاب الذين بلغوا الحلم لا تُؤخذ من صبيانهم ولا من نسائهم، لقوله تعالى في سورة التوبة: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩]، والصبيان والنساء لا يقاتلون، فلا يلزم عليهم الجزية، في جزيتهم، أي: لأجل جزيتهم، فكلمة "في" هنا للتعليل، قال تعالى في سورة يوسف من قصة زليخا (١): ﴿فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ [يوسف: ٣٢]، وفي الحديث: أن امرأة دخلت النار في هرة حبستها. قال محمد ﵀: السُنَّة أي: الطريقة المسلوكة في الدين أن تُؤخذ الجزية من المجوس، أي: من عبدة النار، من غير أن تُنكح نساؤهم ولا تُؤْكَل ذبائحهم؛ لأن لهم شبهة كتاب، وكذلك أي: مثل ما بلغ إلينا عن عمر بلغنا عن النبي ﷺ ، أي: أنه ﷺ أخذ الجزية من بعض المجوس. وضرب أي: عين عمر الجزية على أهل سواد الكوفة؛ أي: أهل بستان العراق سمي به لسواده بالزرع والنخيل والأشجار؛ لأن جزية العرب التي لا زرع فيها ولا شجر كانوا أن أخرجوا من أرضهم ظهرت لهم خضرة الزرع والأشجار فسموه سوادا، كما إذا رأيت شيئًا من بعيد فقلت: ما ذاك السواد، وهم يسمون الأسود أخضر، والأخضر سوادًا، كذا قاله ياقوت الحموي في (معجم البلدان)، فإن المسلمين فتحوا الكوفة على عهد عمر بن الخطاب ﵁، فضرب الجزية على الإبل، (ق ٣٥١) على المُعْسِر أي: الذي يملك مائتي درهم أو أقل، أو المعتمل الذي يقدر على تحصيل الدراهم وبأي وجه كان، اثنى عشر درهمًا، أي: في كل سنة، وعلى الوسط أي: ضرب عمر الجزية على وسط الحال، وهو الذي له مال لكنه لا يستغني به عن العمل، والذي يملك فرق المائتين إلى عشرة آلاف، أربعة وعشرين درهمًا، أي: في كل سنة، وعلى الغني أي: فرض عمر الجزية على المكثر، وهو الذي يملك فوق عشرة آلاف ثمانية وأربعين درهمًا، في كل سنة، هذا قول الكرجي، وفي (الهداية): يؤخذ من الغني في كل شهر أربعة دراهم، ومن المتوسط درهمان، ومن الفقير درهم، كذا قاله التمرتاشي

стр. 649

معزيًا إلى (مختصر القدوري)، يعني وبه قال أبو حنيفة وأصحابه، وقد وافقه أحمد في رواية أخرى، أنها في أهل اليمن خاصة مقدرة بدينار دون غيرهم، وأما ما ذكره مالك بن أنس من الإِبل، ففي اختلافه بحث، فإن عمر بن الخطاب ولم يأخذ من الإِبل في جزية أي: لأجل الجزية، علمناها أي: الجزية إلا من بني تَغْلِب، بفتح الفوقية وسكون الغين المعجمة وكسر اللام بعده موحدة، فإنه أي: عمر بن الخطاب ﵁، أضعف أي: جعل عليهم الصدقة مضاعفة، فجعل ذلك أي: المضاعف جِزْيتهم، أي: بني تغلب، فأخذ من إبلهم، وبقرهم وغنمهم، وبنو تغلب قوم من مشركي العرب طالبهم عمر بالجزية فأبوا أن يعطوها باسم الجزية وصالحوا على أنه اسم الصدقة مضاعفة، ويروى أن عمر قال: هاتوا وسموها ما شئتم. كذا قاله علي القاري. لما فرغ من بيان ما يتعلق بجزية أهل الكتاب، شرع في بيان الأحاديث التي تتعلق بزكاة الرقيق والخيل العربي والفرس والفارسي، فقال: هذا باب زكاة الرقيق والخيل والبراذين في بيان ما يتعلق بأحكام زكاة الرقيق والخيل والبراذين، وهو بفتح الموحدة والراء المهملة وألف والذال المعجمة المكسورة، وبالتحتية الساكنة والنون جمع البرذون كفردوس، وهو الفرس الفارسي، قيل: هو أصبر على الكدِّ والمشقة من العربي، والعربي أسرع منه، قال ابن الأنباري: يقع على الذكر والأنثى برزونة على وزن مزبورة. ٣٣٥ - أخبرنا مالك، حدثنا عبد الله بن دينار، قال: سألتُ سعيد بن المسيب عن صدقة البَرَاذِينِ، فقال: أَوَ فِي الخيل صدقة؟ • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، وفي نسخة أخرى: بنا، حدثنا، وفي

стр. 650

نسخة: عن عبد الله بن دينار، أي: العدوي، مولاهم، يُكنى أبا عبد الرحمن، المدني التابعي، مولى ابن عمر، ثقة، كان من الطبقة الرابعة من أهل المدينة، مات سنة سبع وعشرين، قال: سألتُ سعيد بن المسيب بن حزن، يُكنى أبا محمد، تابعي كان من الطبقة الأولى من أهل المدينة، قال سعيد بن المسيب، ﵀: ما بقي أحد أعلم بقضاء قضاه رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر وعثمان مني، وما كان إنسانًا يجترئ عليه يسأله عن شيء حتى يستأذن كما يستأذن الأمير، سأله رجل، وهو مريض عن حديث، وكان مضطجعًا فجلس فحدثه فقال له الرجل: وددت أنك لم تتغن فقال: إني كرهت أن أحدثك عن رسول الله ﷺ وأنا مضطجع، وقال: "لا تملؤوا أعينكم من أعوان الظلمة إلا (ق ٣٥٢) بإنكار قلوبكم لكي لا تحبط أعمالكم الصالحة"، وكان يسرد الصوم، وعن بريدة مولاه قال: ما نودي للصلاة منذ أربعين سنة إلا وسعيد بن المسيب في المسجد، وصلى الغداة بوضوء العشاء خمسين سنة، قال: ما أكرم العباد أنفسهم بمثل طاعة، ولا أهانها بمثل معصية، وكفى بالمؤمن نصرة من الله تعالى أن يرد عدوه، يعمل بمعصية الله تعالى، وقال: من استغنى بالله افتقر إليه الناس، كذا قاله أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي في (طبقاته) (١). عن صدقة البَرَاذِينِ، أي: زكاة أفراس العجم، فقال: أَوَ في الخيل: أي: جنس الخيول صدقة، والاستفهام للإِنكار لما للاستعلام لما كانت له فيما روى أو في الوضوء سرف يا رسول الله؟ قال: "نعم، ولو كنت في شط نهر"، والواو عطف على العبد المقدر، تقديره ليس في العبد للخدمة للمسلم صدقة، ولا في الخيل صدقة، والهمزة الاستفهامية هنا مقحمة، أي: زائدة بين المعطوف والمعطوف عليه يزيد الإِنكار المستفاد من فحوى الكلام، كما قاله الشيخ زادة في حاشية تفسير قوله تعالى في سورة الزخرف: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ [الزخرف: ١٨]، وكما يؤيده الحديث الآتي عن أبي هريرة ﵁، فالمراد بالخيل خيل الغزاة أو خيول لم تبلغ نصابًا، ونصاب الخيل خمسة، فإذا كانت أقل من خمسة لا تجر الزكاة، كذا قاله أبو جعفر الطحاوي، أو المراد بها التي لم تكن سائمة، أي: مكتفية بالرعي في أكثر الحول. * * *

стр. 651

٣٣٦ - أخبرنا مالك، حدثنا عبد الله بن دينار، عن سليمان بن يسار، عن عِرَاك بن مالك، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: "ليس على المسلم في عبده ولا في فرسه صدقة". قال محمد: وبهذا نأخذ، ليس في الخيل صدقة، سائمةً كانت أو غير سائمة. وأما قول أبي حنيفة: فإذا كانت سائمة يُطْلَب نسلها ففيها الزكاة، إن شئت في كل فرس دينار، وإن شئت فالقيمة في كل مائتي درهم خمسة دراهم، وهو قول إبراهيم النَّخَعِيّ. • أخبرنا مالك، أي: ابن أنس بن عمير بن أبي عامر، الإِمام الأصبحي، أي: نسبة إلى ملك ذي أصبح من ملوك اليمن، وكان من أتباع التابعين، ومن الطبقة السابعة من أهل المدينة، وهي في الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي نسخة أخرى: أنا، رمزًا إلى أخبرنا، حدثنا وفي نسخة: عن عبد الله بن دينار، العدوي، مولاهم، أي: سيدهم، ويُكنى أبا عبد الرحمن المدني، مولى ابن عمر ثقة، تابعي من الطبقة الرابعة، مات سنة سبع وعشرين، عن سليمان بن يسار، الهلالي المدني مولى ميمونة، وقيل: أم سلمة، ثقة فاضل، أحد الفقهاء السبعة، من كبار التابعين، ومن الطبقة الثالثة، من أهل المدينة، مات بعد المائة وقيل: قبلها، عن عِرَاك بكسر العين المهملة والراء المخففة فألف وكاف ابن مالك، الغفاري الكناني المدني، ثقة فاضل، تابعي، من الطبقة الثالثة من أهل، المدينة، مات في خلافة يزيد بعد المائة، كذا قاله ابن حجر في (التقريب من أسماء الرجال) (١)، ففي سند هذا الحديث ثلاثة من التابعين، لكن عراك بن مالك أسنّ، وسليمان بن يسار أفقه. عن أبي هريرة ﵁، أنه قال: قال رسول الله ﷺ وفي نسخة: أن رسول الله ﷺ قال: "ليس على المسلم في عبده أي: إذا كان

стр. 652

للخدمة، ولا في فرسه أي: إذا لم يكن سائمة، ومكتفية بالرعي في أكثر الحول، صدقة، أي: زكاة، قال صاحب (الهداية): وتأويله ليس على المسلم الغازي في فرسه صدقة، انتهى. قال محمد: وبه، وفي نسخة: بهذا، أي: بهذا الحديث نأخذ أي: نعمل، ليس (ق ٣٥٣) في الخيل أي: جنسها صدقة سائمةً أي: مكتفية بالرعي في أكثر الحول، كانت أو غير سائمة، ووافقه أبو يوسف، واختاره الطحاوي، وفي (الينابيع)، وعليه الفتوى، وهو قول مالك والشافعي. وأما في قول أبي حنيفة ﵀، فإذا كانت أي: الخيل سائمة أي: مكتفية بالرعي في أكثر الحول يُطْلَب على صيغة المجهول نسلها مرفوع نائب الفاعل ليطلب والجملة صفة لسائمة، أي: إذا كانت الخيل واختلطت ذكورها بإناثها للتوالد والتناسل وطلب صاحبها ولدها، ففيها الزكاة، وليس المقصود بسومها لحمها ولا شحمها، ولا ركوبها فقط، بل المقصود بسومها نسلها مع جملتها، إن شئت أي: أيها السائل تؤخذ في كل فرس دينار، وإن شئت فالقيمة، أي: تؤخذ القيمة يعني صاحب مخير إن شاء أعطى عن كل فرس دينار، وإن شاء قرمها، وأعطى عن كل مائتي درهم خمسة دراهم، كما قال المصنف رحمه الله تعالى: ثم أي: بعد تخمين صاحب الفرس قيمة فرسه يعطي في كل مائتي درهم خمسة دراهم، وهو قول إبراهيم النَّخَعِيّ، والصحيح أن التخيير لصاحب المال، وجعله الطحاوي لأخذ الصدقة من العمال. * * * ٣٣٧ - أخبرنا مالك، حدثنا عبد الله بن أبي بكر عن أبيه، أن عمر بن عبد العزيز كتب إليه: ألا يأخذ من الخيل ولا العَسَل صدقة. قال محمد: أما الخيل فهي على ما وَصَفْتُ لك، وأما العسل ففيه العُشْر، إذا أصَبْتَ منه الشيء الكثير، خمسةَ أفْرَاقٍ فصاعدًا. وأما أبو حنيفة فقال: في قليله وكثيره العُشْر، وقد بلغنا عن النبي ﷺ أنه جعل في العسل العُشْر.

стр. 653

• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة أخرى: بنا، رمزًا إلى أخبرنا، حدثنا عبد الله بن أبي بكر، أي: ابن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري، المدني القاضي، ثقة في الطبقة الخامسة، مات سنة خمس وثلاثين ومائة، وهو ابن سبعين سنة، كذا قاله ابن حجر، عن أبيه، أي: أبي بكر بن محمد بن عمرو بفتح العين، أن عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم أبي العاص الأموي أمير المؤمنين أمه أم عاصم حفصة بنت عاصم بن عمر بن الخطاب، ولى إمرة المدينة للوليد، وكان مع سليمان كالوزير، وولي الخلافة بعد فَعُدَّ مع الخلفاء الراشدين، وكان في الطبقة الرابعة، مات في رجب سنة إحدى ومائة وله أربعون سنة، ومدة خلافته سنتان ونصف، ذلك في (التقريب) (١) لابن حجر، كتب إليه أي: إلى ابن أبي بكر بن محمد بن عمرو نسب إلى جده، وكان قاضي المدينة وهو بمنى ألا تأخذ من الخيل التي لم تكن سائمة أو لم تبلغ نصابًا وهو خمسة، أو التي كانت للغازي، ولا العَسَل لعله إذا كان في الأرض الخراجي صدقة، أي: لا عشرًا، وأما إذا كان العسل في الأرض العشري ففيه عشر، قال الزهري والأوزاعي وربيعة ويحيى بن سعيد: في العسل العشر، وهو قول أبي حنيفة، إلا أن الكوفيين لا يرون فيه زكاة إلا في الأرض العشري دون الأرض الخراجي، كذا قاله الزرقاني. قال محمد: أما الخيل فهي على ما وَصَفْتُ لك، أي: من الخلاف فيه وأما العسل ففيه العُشْر، وهو أحد الأجزاء العشرة، إذا أصَبْتَ أي: إذا نلت أيها المخاطب، منه أي: من العسل الشيء الكثير، نصب على أن مفعول أصبت خمسةَ مرفوع على أنه خبر لمبتدأ محذوف تقديره: هو خمسة، أو منصوب على أنه بدل بعض عن الشيء الكثير، ومضاف إلى أفْرَاقٍ وهو بفتح الهمزة وسكون الفاء والراء المهملة، فألف وقاف جمع فرق، وهو بفتحتين أو بسكون الراء: كيل معروف (ق ٣٥٤) في المدينة يسع ثلاثة آصع أو ستة عشر رطلًا أو أربعة أرباع، جمعه فرقان، كذا في (القاموس)، فصاعدًا، أي: فزائد. وأما أبو حنيفة فقال: في قليله وكثيره العُشْر أي: إذا كان في الأرض العشرية أو جبل، وقال الشافعي: لا شيء في العسل، وقال أبو يوسف: لا شيء في العسل الجبلي، وقد بلغنا عن النبي ﷺ أنه جعل في العسل العُشْر، أي: مطلقًا، فقد روى الترمذي

стр. 654

وابن ماجه عن ابن عمر مرفوعًا: "في العسل في كل عشرة أزق زق" (١) وروى أحمد وابن ماجه والبيهقي، عن أبي سيارة المتعي قال: قلت: يا رسول الله، إن لي نحلًا، قال: "إذا العشور"، قلت: يا رسول الله، احمها لي فحماها لي (٢)، وروى عبد الرزاق في مصنفه عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ كتب إلى اليمن أن يأخذ من أهل العسل العشور (٣). * * * ٣٣٨ - أخبرنا مالك، حدثنا ابن شهاب، عن سليمان بن يَسَارٍ، أن أهل الشام قالوا لأبي عُبَيْدَةَ بن الجَرَّاح: خُذْ من خَيْلِنَا ورَقيقَنَا صَدَقة، فأبَى، ثم كتب إلى عمر بن الخطاب، فكتب إليه عمر: إن أَحَبُّوا فخذها منهم، وَاردُدْها عليهم - يعني على فقرائهم - وارزق رَقِيقَهم. قال محمد: القولُ في هذا، القولُ الأوَّلُ: ليس في فرس المسلم صدقة، ولا في عبده إلا في صدقة الفِطْر. • أخبرنا مالك بن أنس بن عمير بن أبي عامر، الإِمام الأصبحي، أي: نسب إلى ملك ذي أصبح من ملوك اليمن، كان من أتباع التابعين، ومن الطبقة السابعة من أهل المدينة، وهي في الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة أخرى: بنا، وفي أخرى: أبنا رمزًا إلى أخبرنا، حدثنا وفي نسخة: قال: بنا، رمزًا إلى أخبرنا ابن شهاب، أي: محمد بن مسلم بن شهاب بن زهرة بن

стр. 655

كلاب، تابعي من الطبقة الرابعة من أهل المدينة، عن سليمان بن يسار الهلالي المدني، مولى ميمونة، وقيل: أم سلمة، ثقة، تابعي فاضل، أحد الفقهاء السبعة، من كبار التابعين، من الطبقة الثالثة، مات بعد المائة، وقيل: قبلها، كذا قاله ابن حجر. عن سليمان بن يَسَارٍ، أن أهل الشام قالوا لأبي عُبَيْدَةَ بن الجَرَّاح، الفهري، أمين هذه الأمة بالنص النبوي، أمَّره عمر على أهل الشام، وهو أحد العشرة المبشرة بالجنة، أسلم قديمًا، وشهد بدرًا، مشهور، مات شهيدًا بطاعون عمواس سنة ثمان عشرة وله ثمان وخمسون سنة، خُذْ من خَيْلِنَا أي: ولم يكن سائمة، ورقيقنا صَدَقة، أي: وإن كان للخدمة، فأبَى أي: امتنع منَ الأخذ؛ لأنه لا صدقة فيهما، ثم أي: بعد أمرهم إلى أبي عبيدة بن الجراح بالأخذ، كتب أي: أبو عبيدة وهو في الشام أمير لأهله، إلى عمر بن الخطاب، وهو خليفة في المدينة، فأبى عمر؛ لأنه علم أن لا زكاة فيهما، ثم كلموه أيضًا فكتب إلى عمر ذلك، كذا في (الموطأ) لمالك. وفي رواية يحيى: فكتب إليه عمر: إن أَحَبُّوا فخذها منهم، يريد أن هذا تطوع منهم، ومن تطوع بشيء أخذ منه سواء كان مما فيه يجب الصدقة، أو من غيره، وَاردُدْها عليهم يعني على فقرائهم، هذا تفسير المصنف أخذه من قوله تعالى في سورة التوبة ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ [التوبة: ٦٠]، وارزق رَقِيقَهم أي: فقير أهل الشام، وقيل: معناه ارزق عبيدهم وإمائهم من بيت المال؛ لأن أبا بكر كان يفرض للسيد وعبده من الفيء، وكان عمر يفرض للسيد والعبيد وكذا (ق ٣٥٥) عثمان وعلي، كذا قاله الزرقاني، وقال علي القاري: ويحتمل أن يكون لرقيقهم رزق لكونهم في ثغر من ثغور المسلمين يستعان بهم في الحرب، ويحتمل أن يكون يريد بذلك أن هذا مكافأة لهم على [. . .] (١) الصدقة، كذا في (المنتقى). قال محمد ﵀: القولُ في هذا أي: في الحديث هو القولُ الأول، وهو ما روى أبو هريرة عن رسول الله ﷺ أنه قال: "ليس على المسلم في عبده ولا في فرسه صدقة" أي: زكاة إذا لم يكن للتجارة ولم يكن سائمة قوله: وليس في فرس المسلم صدقة تفسير للقول الأول، أي: إذا لم يكن فرس المسلم سائمة فليس فيه زكاة، ولا في عبده أي: إذا لم يكن للتجارة، إلا في صدقة الفِطْر؛ فإنها تجب على سيده لأجل عبده إذا كان لأجل عبده، إذا كان للخدمة.

стр. 656

لما فرغ من بيان أحكام زكاة الرقيق والخيل والبراذين، شرع في بيان أحكام الركاز، فقال: هذا * * * باب الركاز في بيان أحكام الركاز، وهو بكسر الراء من الركز، وهو الإِثبات في الأرض، والمراد منه عند أهل الحجاز: كنوز الجاهلية المدفونة في الأرض، وعند أهل العراق، أي: البصرة والكوفة: المعادن، واللغة تحتملها؛ لأن كلًا منها مركوز في الأرض، أي: ثابت يقال: ركزه، أي: دفنه، والحديث الآتي على رأي أهل العراق والفقهاء الحنفية، قالوا: الركاز ما تحت الأرض مطلقًا، سواء كان خلقة أو بدفن للعباد، والمعدن خلقي، والكنز مدفون. ٣٣٩ - أخبرنا مالك، حدثنا ربيعة بن أبي عبد الرحمن، وغيرُه، أن رسول الله ﷺ قطع لبلال بن الحارث المزنيّ معادن من القَبَلِيَّة، وهي من ناحية الفُرُع، فتلك المعادن إلى اليوم لا يُؤخَذ منها إلا الزكاة. قال محمد: الحديث المعروف، أن النبي ﷺ قال: "في الرِّكاز الخُمس"، قيل: يا رسول الله، وما الرِّكاز؟ قال: "المال الذي خلقه الله في الأرض يوم خلق السموات والأرض"، فهذه المعادن فيها الخمس، وهو قولُ أبي حنيفة والعامَّة من فقهائنا. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، رمزًا إلى أخبرنا، حدثنا وفي نسخة: قال: بنا ربيعة بن أبي عبد الرحمن، اسمه فروخ، ثقة، فقيه، تابعي، مشهور، وكان من الطبقة الخامسة من أهل المدينة، مات سنة ست وثلاثين، كذا في (التقريب) لابن حجر (١)،

стр. 657

وغيرُه أي: حدثنا غير ربيعة كثير من مشايخي، هذا تحويل المسند من مالك لتقوية الحديث، وقال الزرقاني: هذا الحديث مرسلًا عن جميع الرواة، ووصله البزار من طريق عبد العزيز الدراوردي عن ربيعة عن الحارث بن بلال بن الحارث المزني، عن أبيه، وأبو داود من طريق ثور بن [زيد] (١) عن عكرمة عن ابن عباس ﵄، أن رسول الله ﷺ قطع أي: أعطى لبلال بن الحارث المزنيّ بضم الميم وفتح الزاي، نسبة إلى قبيلة بني مزينة، وهو مدني، سكن وراء المدينة، ثم تحول إلى البصرة، أحاديثه في السنن وصحيحي ابن خزيمة وابن حبان، قال المدايني وغيره: مات سنة ستين وله ثمانون سنة، معادن جمع معدن نصب مفعول أقطع، من معادن القَبَلِيَّة، بفتح الباء والقاف الموحدة على وزن القمرية منسوبة إلى قبل، اسم موضع، يعني: أعطاه ليعمل فيها، ويخرج الذهب والفضة لنفسه، وفيه إقطاع المعادن، ولعلها كانت باطنة، فإن الظاهر لا يجوز إقطاعها إليهم إلا أن يكون من الخصوصيات، وهي أي: معادن القبلية، وفي كتاب (الأمكنة القلبية) بكسر القاف وبعدها لام مفتوحة فباء، كذا ذكره السيوطي، وفي نسخة: وهو أي: مكان (ق ٣٥٦) تلك المعادن من ناحية الفُرْع، بضم الفاء وسكون الراء والعين بعده، موضع بين مكة والمدينة، فتلك المعادن إلى اليوم لا يُؤخَذ منها إلا الزكاة، والمعادن بالزكاة ربع العشر كزكاة الذهب والفضة الغير المعدنين، وهذا يدل على وجوب الزكاة في المعادن، وهو مذهب مالك وأحد أقوال الشافعي، وأما أبو حنيفة فيوجب الخمس فيه، وفي (شرح الهداية) لابن الهمام: قال أبو عبيدة في كتاب (الأموال): حديث منقطع ومن انقطاعه ليس فيه أن النبي ﷺ أمر بذلك؛ وأما قوله: لا يؤخذ. . . إلى آخره فيجوز كون ذلك من أهل الولايات اجتهادًا منهم. قال محمد: الحديث المعروف، أن النبي ﷺ قال: "في الرِّكاز الخُمس"، رواه ابن مسعود، وأما ما رواه أبو بكر بن أبي داود في جزء من حديثه عن ابن عمر بلفظ: "في الركاز العشر" فغير معروف، قيل: يا رسول الله، وما الرِّكاز؟ قال: "المال الذي خلقه الله فى الأرض يوم خلق السموات والأرض"، فهذه المعادن فيها الخمس، وهو قولُ أبي حنيفة والعامَّة أي: الأكثرين من فقهائنا، أي: من الكوفيين، أو من أصحاب الإِمام والله أعلم بحقيقة المرام. وقال الشافعي وأحمد: لا شيء في المعادن لما في الكتب الستة عن أبي

стр. 658

هريرة ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "العجماء جرحها جبار، والبئر والمعدن جبار"، والحال أن في الركاز الخمس والمراد بالعجماء البهيمة، وبالجبار الهَدَر، وأجاب عنه علماؤنا بأن معنى الحديث عندنا أن من استأجر رجلًا لحفر معدن فانهار عليه، فهو هدر؛ لأن من استخرج معدنًا فهو له، كما سبق أن في الركاز الخمس، وهو يشمل المعدن والكنوز، حيث كل منهما يطلق عليه أنه مركوز. هذا وقال السيوطي: وقع في زمن شيخ الإِسلام عز الدين بن عبد السلام أن رجلًا رأى النبي ﷺ في المنام، فقاك له: اذهب إلى موضع كذا فاحفره، فإن فيه ركازًا فخذه ولا خمس عليك فيه، فلما أصبح ذهب إلى ذلك الموضع فحفره فوجد الركاز فاستفتى علماء عصره فأفتوه بأنه لا خمس عليه، لصحة رؤياه، وأفتى الشيخ عز الدين بن عبد السلام بأن عليه الخمس، قال: وأكثر ما ينزل منامه منزله حديث روي بإسناد صحيح وقد عارضه ما هو أصح منه، وهو الحديث المخرج في الصحيحين: "في الركاز الخمس" (١) انتهى. قال علي القاري: قلت: وأيضًا حديث المنام لا يعارض حديث اليقظة؛ فإن حال فإن حالها أقوى كما لا يخفى، ولهذا لا يخفى، ولهذا لا يجوز العمل بما يُرى في المنام إذا كان مخالفًا لشرعه ﷺ . انتهى. لما فرغ من بيان أحكام الركاز، شرع في بيان أحكام صدقة البقر، فقال: هذا * * * باب صدقة البقر في بيان أحكام صدقة، أي: زكاة البقرة: وهو اسم جنس يقع على الذكر والأنثى؛ فالتاء في البقرة للإِفراد لا للتأنيث، والبقر جماعة البقر مع (ق ٣٥٧) رعاتها، وفي معناه الجاموس، يعني: نصاب البقر والجاموس سواء، هو ثلاثون سائمة وحولية، ففيها تبيع وهو ولد البقر الذي تم له سنة، ودخل السنة الثانية.

стр. 659

٣٤٠ - أخبرنا مالك، أخبرنا حُمَيْدُ بن قَيْس عن طَاوْس، أن رسول الله ﷺ بعث معاذ بن جَبَل إلى اليمن، وأمره أن يأخذ من كل ثلاثين بقرة تبيعًا، ومن كل أربعين مُسِنَّة، فَأُتِي بما دون ذلك فأبى أن يأخذ منه شيئًا، وقال: لم أسمع فيه من رسول الله ﷺ شيئًا حتى أرجع إليه، فَتُوفِّي رسول الله ﷺ قبل أن يقدم مُعاذ. قال محمد: وبهذا نأخذ، ليس في أقل من ثلاثين من البقر زكاة، فإذا كانت ثلاثين ففيها تبيعٌ أو تَبيعَةٌ، والتَّبيع: الجَذَع الحَوْلِي، إلى أربعين، فإذا بلغت أربعين ففيها مُسِنَّة، وهو قولُ أبي حنيفة والعامة. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا مالك، أي: ابن أنس بن عمير بن أبي عامر الإِمام الأصبحي، يعني نسب إلى ملك ذي أصبح من ملوك اليمن، وكان من أتباع التابعين، ومن الطبقة السابعة من أهل المدينة، وهي في الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة، أخبرنا وفي نسخة قال: بنا، رمزًا إلى أخبرنا حُمَيْدُ بالتصغير ابن قَيْس، أي: المكي الأعرج أبي صفوان القارئ ليس به بأس، كان من الطبقة السادسة من أهل مكة المكرمة، مات سنة ثلاثين ومائة، وقال بعض المؤرخين: مات بعد المائة والثلاثين، عن طَاوْس، أي: ابن كيسان اليماني أبو عبد الرحمن الحميري، مولاهم الفارسي، يقال: اسمه ذكوان وطاوس لقب له، تابعي ثقة، فاضل، كان في الطبقة الثالثة من أهل اليمن وهو كان في الإِقليم الأول، مات سنة ست ومائة، وقيل: بعدها أن رسول الله ﷺ بعث أي: أرسل معاذ بن جَبَل بضم الميم، أنصاري شهد بدرًا وما بعدها إلى اليمن، أي: قاضيًا أو معلمًا بعد غزوة تبوك، وشيعه ماشيًا في خروجه وهو راكب، وطاوس لم يدرك معاذًا، ذكره ابن الهمام، فالحديث منقطع لكنه حجة عندنا، لا سيما وهو معتضد بأحاديث صحيحة في الوصل، صريحة، كما سنذكرها، فأمره أي: النبي ﷺ لمعاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه أن يأخذ من كل ثلاثين بقرة تبيعًا، وهو ولد البقرة تم سنة وطعن في السنة الثانية، سُمي به؛ لأنه يتبع أمه بعد تمام سنة، وهذا حكم التبعية، ومن كل أربعين أي: أمر النبي ﷺ

стр. 660

لمعاذ بن جبل أن يأخذ من كل أربعين بقرة لأهل اليمن مُسِنَّة، بضم الميم وكسر السين المهملة وفتح النون المشددة بنت البقرة التي تمت السنتين لها، وطعنت في السنة الثالثة، وحكمها واحد، فَأُتِي على بناء المفعول للماضي، أي: جيء معاذ بما دون ذلك أي: جاء أهل اليمن إلى معاذ بأقل من الثلاثين بقرة فقط أو أقل من الأربعين، فأبى أي: امتنع معاذ أن يأخذ منه أي: من أقل الثلاثين شيئًا، أي: زكاة، وقال: لم أسمع فيه أي: في حق الأخذ من أقل من الثلاثين من رسول الله ﷺ شيئًا أي: أمرًا أو نهيًا، فاستمر على ذلك، حتى أرجع إليه، أي: لا آخذ من الأقل من الثلاثين إلى أن ألقى رسول الله ﷺ وأسأله، قال طاوس: فَتُوفِّي أي: قُبض رسول الله ﷺ قبل أن يقدم أي: أن جاء مُعاذ، أي: من اليمن. قال ابن حجر في (الإِصابة): قدم معاذ من اليمن إلى المدينة في زمن خلافة أبي بكر ﵁، ثم ذهب إلى الشام، فإن قيل: لم اختار النبي (ق ٣٥٨) ﷺ معاذ بن جبل بأن يجعله قاضيًا على اليمن؟ أجيب بأنه اختاره بوحي من الله تعالى، لكمال فضله وورعه وحسن خلقه، وشفقته على خلق الله تعالى، قال أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي في (طبقاته): روى عن بحر بن يزيد بن قطيب السلوني قال: دخلتُ مسجد حمص، فإذا أنا بفتى حوله الناس، جعد قطط، فإذا تكلم كأنما يخرج من فيه نورٌ ولؤلؤ، فقلتُ: من هذا؟ قالوا: معاذ بن جبل. وعن أبي مسلم الخولاني قال: أتيتُ مسجد دمشق فإذا حلقة فيها كهول من أصحاب محمد ﷺ وإذا شاب فيهم أكحل براق الثناء، كلما اختلفوا في شيء ردوه إليه، فقلت لجليسه: من هذا؟ قال: هذا معاذ بن جبل، كان طوالًا أبيض، حسن الثنية، عظيم العينين، مجموع الحاجبين، ومن زهده أن عمر بن الخطاب ﵁ بعث مع غلامه صرة فيها أربعمائة دينار، وقال: اذهب بها إلى أبي عبيد، ثم قف ساعة فانظر ماذا يصنع، فذهب إليه الغلام فقال: أرسل بها إليك أمير المؤمنين، اصرف هذه في بعض حاجتك، فقال معاذ بن جبل: وصله الله ورحمه، ثم قال: تعالي يا جارية، اذهبي بهذه السبعة إلى فلان، وبهذه الخمسة إلى فلان، حتى أنفذها فرجع الغلام إلى عمر، فأخبره فوجده قد أعد مثلها لمعاذ، فقال: اذهب وتله ساعة حتى تنظر ماذا يصنع، فقال الغلام: أعطى لك هذه أمير المؤمنين، اجعل هذه في بعض حاجتك، فقال معاذ بن جبل ﵁:

стр. 661

وصله الله تعالى، وقال: يا جارية، اذهبي إلى بيت فلان بكذا، وإلى بيت فلان بكذا، فاطلعت امرأته فقالت: نحن والله مساكين فأعطنا، ولم يبق إلا ديناران فرمى بهما إليها، فرجع الغلام إلى عمر، فأخبره، فقال: إنهم إخوة بعضٌ من بعض. ومن مرضه وفاته لما وقع الطاعون بالشام، واستقر فيها قال الناس: ما هذا إلا الطوفان، أي: عذاب، إلا أنه ليس بها، فبلغ ذلك معاذًا فقام خطيبًا، وقال: إنما هو رحمة ربكم ودعوة نبيكم، وموت الصالحين قبلكم، والمراد بدعوة النبي ﷺ : "اللهم اجعل هلاك أمتي بالطعن والطاعون"، ولكن خافوا ما هو أشد من ذلك أن يغدو الرجل منكم من منزله لا يدري أمؤمن هو أم منافق، وخافوا إمارة الصبيان، وأن معاذًا يسأل الله أن لآل معاذ حظهم، فطعن ابنه عبد الرحمن ثم مات، فدعا ربه لنفسه، فطعن في راحة فجعل ينظر إليها ثم يقبل ظهر كفه، ثم يقول: ما أحب أن لي بما فيك شيئًا من الدنيا، قال أيضًا: إنها شهادة يختص بها الله ما يشاء، أيها الناس: أربع خصال من استطاع أن لا يدركه شيء منها فلا يدركه، قالوا: وما هو؟ قال: يأتي زمان يظهر فيه الباطل ويصبح أمر رجل على دين، ويمشي على آخر ويقول الرجل: والله ما أدري على ما أنا لا يعيش على بصيرة، ولا يموت ولا يعطي الرجل من المال مال الله على أن يتكلم بكلام الزور الذي يسخط الله، اللهم آت آل معاذ الأوفر من هذه الرحمة، فطعن ابناه، (ق ٣٥٩) فقال: كيف تجداكما؟ قالا: يا أبانا، الحق من ربك، فلا تكونن من المميزين، قال: وأنا ستجداني إن شاء الله من الصابرين، ثم طعنت امرأتاه فهلكتا، وطعن هو في إبهامه وجعل يمسها بفمه ويقول: اللهم إنها صغيرة فبارك فيها، فإنك تبارك في الصغير، واشتد به نزع الموت، فنزع نزعًا لم ينزعه أحد، وكان كلما أفاق فتح طرفه وقال: رب اخنقني خنقك، فوعزتك إنك لتعلم أن قلبي يحبك، ولما حضر الموت قال: انظروا، أصبحنا، فأنى نقيل؟ فقيل: لم يصبح حتى أتى، فقيل: أصبحت، فقال: أعوذ بالله ليلة صباحها النار، مرحبًا بالموت مرحبًا زائر جاء على فاقة، اللهم إني كنت أضافك، وأنا اليوم أرجوك، إنك تعلم أني لم أكن أحب الدنيا وطول البقاء فيها لكري الأنهار ولا لغرس الأشجار، ولكن لظمأ الهواجر، ولمكابدة الساعات، ومزاحمة العلماء بالركب عند حلق الذكر. انتهى. وهو مات بالشام سنة ثمان عشرة من الهجرة، وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة، ومروياته مائة وخمسون، كذا قاله علي القاري، في أول الشرح للحديث الأربعين.

стр. 662

قال محمد: وبهذا أي: بما رواه طاوس عن معاذ بن جبل نأخذ أي: نعمل، قوله: ليس في أقل من ثلاثين من البقر زكاة، بيان بما رواه طاوس، وهذا مما لا خلاف فيه، فإذا كانت وفي نسخة: فإذا بلغت، أي: البقرة ثلاثين ففيها تبيعٌ أو تَبيعَةٌ، والتَّبيع: الجَذعَ وهو بفتح الجيم والذال المعجمة أتى عليه أكثر السنة الحَوْلِي أي: إذا كمل السنة وشرع في السنة الثانية، إلى أربعين، فإذا بلغت أي: بقرة أربعين عددًا ففيها مُسِنَّة، يعني: أو خمس إلى ستين، ثم في كل ثلاثين تبيع، وفي كل أربعين مسنة، وهو قولُ أبي حنيفة ﵀، أي: في رواية أسد بن عمرو، عنه، وقولهما في رواية الحسن عنه، وهو المذكور في المتون، أي: فيما يزاد نحسب إلى ستين، وفي رواية الحسن عنه أنه لا شيء في الزيادة حتى تبلغ إلى خمسين ففيها مسنة وربع مسنة أو ثلاث تبيع، والعامة، أي: هو قول جمهور الفقهاء كمالك والشافعي وأحمد، حيث إنهم ذهبوا إلى أنه لا شيء في الزيادة حتى تبلغ ستين. لما ذكر ما يتعلق بزكاة البقر، شرع في ذكر ما يتعلق بالكنز، فقال: هذا * * * باب الكنز في بيان حكم الكنز، وهو ما يضع صاحبه في الأرض ويدفنه، أم لا وأريد به ما يجمعه مطلقًا كما أشير إليه بقوله تعالى في سورة التوبة: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [التوبة: ٣٤]، فما فيه من سمة الكفر خمس وما فيه من سمة الإِسلام فكاللقطة، وجه المناسبة بين هذا الباب وبين الأبواب السابقة هو النجاة، إذا أدى ما يلزم عليه، والهلاك إذا لم يؤد ما لزم عليه من الزكاة لما قال جابر بن عبد الله الأنصاري، ﵁: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "ما من صاحب إبل لا يفعل فيها حقها إلا جاءت يوم القيامة أكثر ما كانت، وقعد لها بقاع قرقر تستن عليه بقوائمها وأخفافها، وما صاحب بقر لا يفعل فيها حقها إلا جاءت يوم القيامة أكثر ما كانت، وقعد لها بقاع قرقر تنطحه بقرونها وتطؤه بأظلافها، ليس فيها جراء ولا منكسر (ق ٣٦٠) قرنها، ولا صاحب كنز لا يفعل فيه حقه إلا جاء كنزه يوم القيامة شجاعًا أقرع يتبعه فاتحًا فاه، فإذا أتاه فر منه فيناد به، خذ كنزك الذي خبأته عني، فإذا أرى أن لا بد له

стр. 663

منه سلك يده في فيه فيقضمها قضم الفحل" رواه مسلم، قوله بقاع: بكسر الموحدة والقاف والعين المهملة هو الأرض، والقرقر بقافين مفتوحين ورائين مهملتين، هو الأملس، والظلف: البقر والغنم بمنزلة الحافر للفرس، والتسنن بتشديد النون أي: جرت بقوة، والشجاع بضم الشين المعجمة بكسرها هو الحية، وقيل: الذكر خاصة، وقيل: نوع من الحيات، والأقرع: هو الحية الذي ذهب شعر رأسها من طول عمره، كما فسره الإِمام المنذري. ٣٤١ - أخبرنا مالك، حدثنا نافع، قال: سُئل ابن عمر عن الكَنْز، فقال: هو المال الذي لا تُؤدَّى زكاتُه. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، رمزًا إلى أخبرنا، حدثنا وفي نسخة: عن نافع، المدني، مولى ابن عمر، قال: سُئل ابن عمر ﵁ عن الكَنْز، أي: المذموم الوارد في القرآن، فقال: هو المال الذي لا تُؤدَّى زكاتُه قال السيوطي: أخرجه ابن مردويه من طريق سعيد بن عبد العزيز، عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر مرفوعًا، قلت: وقد روى البيهقي عن ابن عمر مرفوعًا: كل مال أدى زكاته فليس بكنز، وإن كان مدفونًا تحت الأرض، وكل مال لا تؤدى زكاته فهو كنز، وإن كان ظاهر على وجه الأرض. * * * ٣٤٢ - أخبرنا مالك، حدثنا عبد الله بن دينار، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: مَنْ كان له مالٌ لم يُؤدِّ زكاته مُثِّلَ له يوم القيامة شُجَاعًا أقْرعَ، له زَبِيبَتَان، يَطْلُبُه حتى يُمْكِنُهُ فيقول: أنا كَنْزُك. • أخبرنا مالك، أي: ابن أنس بن عمير بن أبي عامر، الإِمام الأصبحي، أي: منسوب إلى ملك ذي أصبح، ملك اليمن، كان من أتباع التابعين، ومن الطبقة السابعة من أهل

стр. 664

المدينة، وهي في الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي نسخة أخرى: أنا، رمزًا إلى أخبرنا، حدثنا وفي نسخة: محمد قال: بنا عبد الله بن دينار، العدوي، مولاهم، يُكنى أبا عبد الرحمن المدني، مولى ابن عمر، ثقة، من الطبقة الرابعة من أهل المدينة، تابعي، مات سنة سبع وعشرين، عن أبي صالح، اسمه ذكوان، تابعي ثقة فاضل، من الطبقة الثالثة من أهل اليمن، وهي في الإِقليم الأول من الأقاليم السبعة، عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: موقوفًا، ورفعه عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار عن أبيه عن أبي صالح عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: رواه البخاري، مَنْ كان له مالٌ وفي (الموطأ) لمالك: عنده مال، ولم يُؤدِّ زكاته مُثِّلَ بضم الميم وكسر المثلثة المشددة، وبعدها لام أي صور له، أي: في نظره ماله الذي لم يؤد زكاته، يوم القيامة شُجَاعًا بضم الشين المعجمة والنصب، مفعول ثان لمثل، والضمير الذي فيه يرجع إلى مال، وقد ناب عنه المفعول الأول، وقال الطيبي: ذهب يجري مجرى المفعول الثاني، أي: حول ماله شجاعًا، أي: حية عظيمة، وفي نسخة: شجاع أقْرَع، أي: قل شعر رأسه، وفي (القاموس): الأقرع من الحيات المتمعط شعر رأسه لكثرة سمه، ويقال: تمعط الذنب إذا قل شعره وسقط من داء عرض، له زَبِيبَتَان أي: تقطعان سودًا، وإن وهو بفتح الزاي المعجمة وموحدتين تثنية (ق ٣٦١) زبيبة، وهما الذبدتان اللتان في الشدقين، يقال: علم فلان حتى زبت شدقاه، أي: خرج الزبد منها، وقيل: لحمتان على رأسه مثل القرنين، وقيل: نابان يخرجان من فيه، يَطْلُبُه حتى يُمَكِنُه بضم التحتية وبفتح الميم وكسر الكاف والنون، أي: يتمكن منه، فيأخذه ويعضه، وَللبخاري والنسائي: فلا يزال يتبعه حتى يلقمه أصبعه، فيقول: أنا كَنْزُك، أي: نفسه أو انقلب عنه أو حذاؤه، وللبخاري: "أقرع يطوف يوم القيامة، ثم يأخذ بلهزمتيه يعني شدقيه، ثم يقول: أنا مالك، أنا كنزك"، ثم قرأ قوله تعالى في سورة آل عمران: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٨٠]، وفائدة هذا القول زيادة العسرة والعذاب حتى ينفعه الذم، وفيه نوع من التهكم. لما فرغ من بيان أحكام زكاة الحلي والعشور والجزية والكنز، شرع في بيان مصارف كل واحد منهما، فقال: هذا * * *

стр. 665

باب من تحل له الصدقة في بيان حال من يحل له أخذ الصدقة، استنبط المصنف ﵀ هذه الترجمة من قوله تعالى في سورة التوبة: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٦٠]. والمناسبة بين هذا الباب والأبواب السابقة، الأخذ ممن تجب عليه الإِعطاء لمن يستحق بها، وجاء بالشاهد على استنباطها فقال: ٣٤٣ - أخبرنا مالك، حدثنا زيد بن أسْلَم، عن عَطاء بن يَسَار، أن رسول الله ﷺ قال: "لا تحلُ الصدقة لغني إلا لخمسة: لغازٍ في سبيل الله، أو لعاملٍ عليها، أو لغارمٍ، أو لرجُلٍ اشتراها بماله، أو لرجلٍ له جارٌ مسكين، تُصُدِّقَ على المسكين فأهْدَى إلى الغنيّ". قال محمد: وبهذا نأخذ، والغازي في سبيل، الله إذا كان له عنها غِنىً، يَقدر بغِناه على الغَزْوِ في سبيل الله لم يُسْتَحَبّ له أن يأخذ منها شيئًا، وكذلك الغارم إذا كان عنده وَفاءٌ بِدَيْنِهِ وَفَضْلٌ تجب فيه الزكاة لم يُسْتَحَبّ أن يأخذ منها شيئًا، وهو قولُ أبي حنيفة. • أخبرنا مالك، أي: أنس بن عمير بن أبي عامر الإِمام الأصبحي، كان منسوبًا إلى ملك ذي أصبح، من ملوك اليمن، وكان من أتباع التابعين، ومن الطبقة السابعة من أهل المدينة، كانت في الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي

стр. 666

نسخة أخرى: أنا، رمزًا إلى أخبرنا، حدثنا وفي نسخة: قال: بنا، رمزًا إلى أخبرنا زيد بن أسْلَم، العدوي، مولى عمر بن الخطاب، ويُكنى أبا عبد الله، وأبا أسامة المدني، ثقة عالم، وكان يرسل، وكان من الطبقة الثالثة، مات سنة ست وثلاثين، كذا في (التقريب) (١) لابن حجر، عن عَطاء بالقصر ابن يَسَار، من التابعين، ومن الطبقة الثانية من أهل المدينة، مات سنة أربع وتسعين، هذا الحديث كان مرسلًا وقد وصله أبو داود وابن ماجه والحاكم من طريق معمر، عن زيد بن أسلم، عن عطاء، عن أبي سعيد الخدري ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "لا تحلُ الصدقة لغني أي: صاحب نصاب لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ ...﴾ [التوبة: ٦٠]، وكلمة إنما للحصر في الحكم؛ لأن كلمة أن للنفي، وما كذلك، وإذا دخلت النفي على نفي يفيد الإثبات والحصر، فيقتضي قصر جنس الصدقات على الأصناف المصروفة، وأنها مختصة بها لا تتجاوز عنها إلى غيرها، كأنه قيل: إنما هي لهم لا لغيرهم، إلا لخمسة، فتحل لهم لصفة أخرى، وهو: الفقراء، والعمل على الصدقات وغيرهما، لغازٍ في سبيل الله، لقوله تعالى: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وفي معناه منقطع الحاج، وابن السبيل، وهو المسافر الفقير الذي له مال في بلده لا معه، ولا يقدر عليه في الحال فجاز له الأخذ من الزكاة قدر حاجته، ولا يحل له أن تأخذها أكثر (ق ٣٦٢) من قدر حاجته فالحق به كل من غاب عن ماله وإن كان بلده. كذا في (الدرر)، أو لعاملٍ عليها، أي: لعامل الصدقة، لقوله تعالى: ﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ والمراد بعامل الصدقة: من يبعثه الإِمام لجمعها، فتعطى الصدقة، بقدر كفايته ولو غنيًا، وبقدر كفاية أعوانه في الوسط مدة ذهابهم وإيابهم ما دام الحال باقيًا ولو هلك ما جمعه لا يستحق، أما استحقاقه فلأنه فرغ نفسه لعمل من أمور المسلمين فيستحق على ذلك رزقًا كالقضاة، أما لو استغرق كفاية العامل الزكاة فلا تزاد الكفاية على نصف الزكاة المجموعة لا التنصيف عين للإِنصاف، ولهذا يجب على الإِمام من يكتفي بالوسط في المركب والمأكل والمشرب والملبس والخدم من غير تقليل وتكثير بل يكون بين ذلك قوامًا، أو لغارمٍ، أي: المديون استغرق دينه ماله، بحيث لا يفضل نصاب له، قال صاحب (الدرر): والمراد بالغارم في الآية من كان له مال على الناس لا يمكنه أخذه، انتهى.

стр. 667

وفي (الفتاوى الظهرية) للمرغيناني: دفع الصدقة إلى من عليه دين أولى من الدفع إلى فقير لا دين عليه، انتهى، وقال الشافعي: الغارم أيضًا من يحمل غرامة لإِصلاح ذات البين، وإطفاء العداوة بين الحيين، أو لرجُلٍ أي: غني اشتراها أي: الصدقة بماله، من الفقير الذي أخذها، أو لرجلٍ أي: غني له جارٌ مسكين، أي: فقير، تُصُدِّقَ على المسكين بصيغة المجهول، فأهْدَى أي: الفقير تلك الصدقة إلى الغنيّ، وهو جاره، أو غيره، فتحل له؛ لأن الصدقة قد بلغت محلها فيه، وفيها قبله، وله جار خرج على جهة التمثيل فلا مفهوم له، فالمراد على أهدى الصدقة التي ملكها المسكين لجار أو لغيره، ويأتي في حديث أن رسول الله ﷺ جاء يوم إلى بيت عائشة ﵂ ورأى برمة يطبخ فيها لحم، فقال: "يا عائشة، ما هذه البرمة؟ " فقالت: هذه صدقة لبريرة، وهي جارية لعائشة، فقال ﷺ : "هي صدقة لها، وهدية لنا نأكل منها". اعلم أن ما يجتمع فى بيت المال من الأموال أربعة أنواع: الأول: زكاة السوائم والعشور ومال أخذه العاشر من التجار، ومصرفه ما بيَّن الله تعالى في سورة التوبة: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ ..﴾ [التوبة: ٦٠]. والثاني: ما أُخِذَ من خُمس الغنائم والمعادن والركاز، ومصرفه الأصناف التي ذكرها الله تعالى في سورة الأنفال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الأنفال: ٤١]، فسهم الله، وسهم الرسول واحد، وإنما ذكر تبركًا واستفتاحًا للكلام وإظهارًا لفضيلة، هذا المال، وسهم الرسول ﷺ سقط بموته، وسهم ذوي القربى ساقط عندنا، وهم قرابة الرسول ﷺ فيصرف اليوم إلى ثلاثة أصناف: اليتامى، والمساكين، وابن السبيل، وعند الشافعي سهم ذوي القربى ثابت. والثالث: الخراج الجزية وما أُخذ من المستأمن (ق ٣٦٣) وأهل الذمة عند مرورهم على العاشر وغيرهم، ومصرفها عمارة الرباط والقناطير والجسور وسد الثغور، وشق الأنهار العظام، كجيحون والفرات ودجلة، ويصرف إلى أرزاق القضاه والولاة والمفتين والمحتسبين والحفاظ والمفسرين والمعلمين وأرزاق المقاتلة، ويصرف إلى من رصد الطريق في دار الأسواق، وحاصله أن هذا النوع من المال يصرف إلى عمارة الدين وصلاح دار الإِسلام والمسلمين.

стр. 668

والرابع: ما أُخِذَ من تركة الميت الذي مات ولم يترك وارثًا أو زوجًا أو زوجة، ومصرفه نفقة المرضى وأدويتهم وعلاجهم، وهم فقراء، وكفن الموتى الذين لا مال لهم، ونفقة اللقيط، وعقل جنايته، ونفقة من هو عاجز عن الكسب، وليس له من يقضي عليه بنفقته، وما أشبه ذلك، والواجب على الأئمة والولاة والسلاطين أن إيصال الحقوق إلى أربابها، وأن لا يحبسوها عنهم على ما يرى من غير تفضيل وميل في ذلك، ولا يحل لهم منها إلا مقدار ما يكفيهم ويكفي أعوانهم. وإن فضل من بيت المال بعد إيصال الحقوق إلى أربابها قسموه بين المسلمين، وإن قصروا في ذلك فوباله عليهم ويستحقون، أو يسمع أباهم الظالم هذا زبدة ما في (غاية البيان)، نقلًا من شرح (مختصر الطحاوي). قال محمد: وبهذا أي: بهذا الحديث الذي رواه عطاء بن يسار مرسلًا عن رسول الله ﷺ نأخذ أي: نعمل ونُفتي، والغازي في سبيل الله إذا كان له عنها أى: عن أخذ الصدقة غِنىً أي: استغناءً بأن يكتفي عنها بغيرها مما عنده يَقدر بغِناه أي: يطيق بسببه على الغَزْوِ في سبيل الله لم يُسْتَحَبّ أي: لا ينبغي له أن يأخذ أي: بل ينبغي أن لا يأخذ منها أي: من الصدقة شيئًا. وفيه تنبيه على أنه لا يجوز أن يأخذ من قدر كفايته، بل الأولى أن يستقرض إن قدر كما ذكر ابن السبيل، وكذلك الغارم أي: المديون، إذا كان عنده وَفاءٌ بِدَيْنِهِ وَفضْلٌ أي: وزيادة قدر، تجب فيه الزكاة لم يُسْتَحَبّ أي: لا يحسن له أن يأخذ منها شيئًا، بل يجب أن لا يؤخذ منها شيئًا، وهو أي: المديون الذي له مال يكفي لدينه ومال زائد يجب فيه الزكاة ينبغي أن لا يأخذ من الصدقة، قولُ أي حنيفة، رحمه الله تعالى. لما ذكر ما يتعلق بحال من يحل له أخذ الصدقة، شرع في بيان أحكام زكاة الفطر، فقال: هذا * * *

стр. 669

باب زكاة الفطر في بيان أحكام زكاة الفطر، وهي في اللغة: الطهارة، روى البخاري عن ابن عباس ﵄، أنه قال: فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر طهرة للصائم من اللهو واللغو والرفث (١)، قوله: طُهرة، أي: تطهير للصائم عن ذنوبه، وقوله: من اللهو واللغو، أي: الكلام الباطل، وقوله: والرفث، أي: الكلام القبيح؛ لأن الحسنات يذهبن السيئات، وقوله: الفطر، لفظ إسلامي، مأخوذ من الفطرة التي كانت بمعنى الحلقة، ولذلك قال ابن قتيبة: المراد بزكاة الفطر زكاة النفوس، ولكن الفقهاء اصطلحوا بها في صدقة الفطر من رمضان، وإضافتها إليها من قبيل إضافة السبب إلى سببه، وهي واجبة على كل مسلم حر، (ق ٣٦٤) غني عند أبي حنيفة، وفريضة عند الأئمة الثلاثة، وقيل: مستحبة، ولو كان غناؤه نصابًا غير تام، ووقت وجوبها عند طلوع الفجر الثاني من يوم عيد الفطر، وقال الشمني في شرح (النقاية): وقد أمر رسول الله ﷺ بزكاة الفطر في السنة التي فرض فيها رمضان قبل أن تفرض زكاة المال، وكان يخطب قبل الفطر بيومين فأمر بإخراجها. انتهى. وفرض صوم رمضان بعد ما صرفت القبلة إلى الكعبة لعشر من شعبان على رأس ثمانية عشر شهرًا من الهجرة، كذا في (منح الغفار)، والمراد بالوجوب الوجوب المصطلح عندنا، وإن ورد في السنة لفظ: فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر؛ لأن معناه أمر إيجاب، والأمر الثابت بدليل ظني إنما يفيد الوجوب والإِجماع المنعقد على وجوبها ليس قطعيًا ليكون الثابت الفرض؛ لأنه لم يُنقل تواتر؛ ولهذا قالوا: من أنكر وجوبها لا يكون كافرًا، كما في (منح الغفار)، وقدرها نصف صاع من بر أو صاع من غيره، وعندهم صاع من الكل، والأدلة مفصلة في محلها. ٣٤٤ - أخبرنا مالك، حدثنا نافع، أن ابن عمر كان يبعث بزكاة الفطر إلى أن تُجْمَع عنده، قبل الفطر بيومين أو ثلاثة.

стр. 670

قال محمد: وبهذا نأخذ، يعجبنا تعجيل زكاة الفطر قبل أن يخرج الرجل إلى المصلى، وهو قولُ أبي حنيفة. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي نسخة أخرى: أنا رمزًا إلى أخبرنا، حدثنا وفي نسخة: عن نافع، أي: المدني مولى ابن عمر، أن ابن عمر كان يبعث بزكاة الفطر أي: يرسلها إلى الذي تُجْمَع أي: الزكاة عنده، والظرف في قوله: قبل الفطر بيومين أو ثلاثة، متعلق بيبعث، وفي رواية البخاري: كان ابن عمر يعطيها للذي يقبلها، أي: الذي نصبه الإِمام لقبضها، وفي قوله: قبل الفطر، دليل على جواز إعطاء زكاة الفطر قبل يوم عيد الفطر. قال محمد: وبهذا أي: بقول ابن عمر نأخذ أي: نعمل، يعجبنا من الإِعجاب، أي: يستحب لنا تعجيل زكاة الفطر لقوله تعالى في سورة آل عمران: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران: ١٣٣]؛ ولأن في التأخير أنه تفوته قبل أن يخرج الرجل إلى المصلى، متعلق بقوله: تعجيل زكاة الفطر، وللاتباع بحديث ابن عمر في الصحيحين، أن النبي ﷺ أمر بإخراج زكاة الفطر قبل خروج الناس إلى الصلاة، أي: إلى صلاة العيد، وهو أي: إخراج زكاة الفطر قبل الخروج إلى المصلى قولُ أبي حنيفة، ﵀، واتباع لقوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ [الأعلى: ١٤]، أي: إخراج زكاة فطره ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى: ١٥]، أي: بالتكبير في طريق المصلى، ﴿فَصَلَّى﴾ أي: صلاة العيد، وقال خلف بن أيوب: يجوز إعطاءها في رمضان، ولا يجوز في غيرها قبله، وهو اختيار الإِمام أبي بكر محمد بن الفضل، وهو الصحيح، وعليه الفتاوى كما في (الظهرية)، وهو مذهب الشافعي، وقيل: يجوز في العشر الأخير من رمضان لا قبله، وهو الأظهر، وعند الحسن بن زياد ولا يجوز تعجيلها كالأضحية؛ فإنها لا تصح لأهل القرى، قبل طلوع الفجر الثاني من يوم الأضحى، ولا تصح لأهل المصر، قبل صلاة العيد، ثم إن زكاة الفطر لا تسقط بتأخيرها عن يوم عيد الفطر؛ لأنها شرعت لدفع حاجة الفقير، أو لإِغنائه عن المسألة في هذه الأيام، فلا يقدر وقت لأدائها كالزكاة. لما فرغ من بيان أحكام زكاة الفطر، شرع في بيان أحكام صدقة الزيتون (ق ٣٦٥)، فقال: هذا * * *
следующие страницы →