← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 127713

المهيأ في كشف أسرار الموطأ

عثمان الكماخي

Полный текст (1 812 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

نسخة أخرى: أنا، رمزًا إلى أخبرنا، حدثنا وفي نسخة: قال: بنا، رمزًا إلى أخبرنا زيد بن أسْلَم، العدوي، مولى عمر بن الخطاب، ويُكنى أبا عبد الله، وأبا أسامة المدني، ثقة عالم، وكان يرسل، وكان من الطبقة الثالثة، مات سنة ست وثلاثين، كذا في (التقريب) (١) لابن حجر، عن عَطاء بالقصر ابن يَسَار، من التابعين، ومن الطبقة الثانية من أهل المدينة، مات سنة أربع وتسعين، هذا الحديث كان مرسلًا وقد وصله أبو داود وابن ماجه والحاكم من طريق معمر، عن زيد بن أسلم، عن عطاء، عن أبي سعيد الخدري ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "لا تحلُ الصدقة لغني أي: صاحب نصاب لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ ...﴾ [التوبة: ٦٠]، وكلمة إنما للحصر في الحكم؛ لأن كلمة أن للنفي، وما كذلك، وإذا دخلت النفي على نفي يفيد الإثبات والحصر، فيقتضي قصر جنس الصدقات على الأصناف المصروفة، وأنها مختصة بها لا تتجاوز عنها إلى غيرها، كأنه قيل: إنما هي لهم لا لغيرهم، إلا لخمسة، فتحل لهم لصفة أخرى، وهو: الفقراء، والعمل على الصدقات وغيرهما، لغازٍ في سبيل الله، لقوله تعالى: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وفي معناه منقطع الحاج، وابن السبيل، وهو المسافر الفقير الذي له مال في بلده لا معه، ولا يقدر عليه في الحال فجاز له الأخذ من الزكاة قدر حاجته، ولا يحل له أن تأخذها أكثر (ق ٣٦٢) من قدر حاجته فالحق به كل من غاب عن ماله وإن كان بلده. كذا في (الدرر)، أو لعاملٍ عليها، أي: لعامل الصدقة، لقوله تعالى: ﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ والمراد بعامل الصدقة: من يبعثه الإِمام لجمعها، فتعطى الصدقة، بقدر كفايته ولو غنيًا، وبقدر كفاية أعوانه في الوسط مدة ذهابهم وإيابهم ما دام الحال باقيًا ولو هلك ما جمعه لا يستحق، أما استحقاقه فلأنه فرغ نفسه لعمل من أمور المسلمين فيستحق على ذلك رزقًا كالقضاة، أما لو استغرق كفاية العامل الزكاة فلا تزاد الكفاية على نصف الزكاة المجموعة لا التنصيف عين للإِنصاف، ولهذا يجب على الإِمام من يكتفي بالوسط في المركب والمأكل والمشرب والملبس والخدم من غير تقليل وتكثير بل يكون بين ذلك قوامًا، أو لغارمٍ، أي: المديون استغرق دينه ماله، بحيث لا يفضل نصاب له، قال صاحب (الدرر): والمراد بالغارم في الآية من كان له مال على الناس لا يمكنه أخذه، انتهى.

стр. 667

وفي (الفتاوى الظهرية) للمرغيناني: دفع الصدقة إلى من عليه دين أولى من الدفع إلى فقير لا دين عليه، انتهى، وقال الشافعي: الغارم أيضًا من يحمل غرامة لإِصلاح ذات البين، وإطفاء العداوة بين الحيين، أو لرجُلٍ أي: غني اشتراها أي: الصدقة بماله، من الفقير الذي أخذها، أو لرجلٍ أي: غني له جارٌ مسكين، أي: فقير، تُصُدِّقَ على المسكين بصيغة المجهول، فأهْدَى أي: الفقير تلك الصدقة إلى الغنيّ، وهو جاره، أو غيره، فتحل له؛ لأن الصدقة قد بلغت محلها فيه، وفيها قبله، وله جار خرج على جهة التمثيل فلا مفهوم له، فالمراد على أهدى الصدقة التي ملكها المسكين لجار أو لغيره، ويأتي في حديث أن رسول الله ﷺ جاء يوم إلى بيت عائشة ﵂ ورأى برمة يطبخ فيها لحم، فقال: "يا عائشة، ما هذه البرمة؟ " فقالت: هذه صدقة لبريرة، وهي جارية لعائشة، فقال ﷺ : "هي صدقة لها، وهدية لنا نأكل منها". اعلم أن ما يجتمع فى بيت المال من الأموال أربعة أنواع: الأول: زكاة السوائم والعشور ومال أخذه العاشر من التجار، ومصرفه ما بيَّن الله تعالى في سورة التوبة: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ ..﴾ [التوبة: ٦٠]. والثاني: ما أُخِذَ من خُمس الغنائم والمعادن والركاز، ومصرفه الأصناف التي ذكرها الله تعالى في سورة الأنفال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الأنفال: ٤١]، فسهم الله، وسهم الرسول واحد، وإنما ذكر تبركًا واستفتاحًا للكلام وإظهارًا لفضيلة، هذا المال، وسهم الرسول ﷺ سقط بموته، وسهم ذوي القربى ساقط عندنا، وهم قرابة الرسول ﷺ فيصرف اليوم إلى ثلاثة أصناف: اليتامى، والمساكين، وابن السبيل، وعند الشافعي سهم ذوي القربى ثابت. والثالث: الخراج الجزية وما أُخذ من المستأمن (ق ٣٦٣) وأهل الذمة عند مرورهم على العاشر وغيرهم، ومصرفها عمارة الرباط والقناطير والجسور وسد الثغور، وشق الأنهار العظام، كجيحون والفرات ودجلة، ويصرف إلى أرزاق القضاه والولاة والمفتين والمحتسبين والحفاظ والمفسرين والمعلمين وأرزاق المقاتلة، ويصرف إلى من رصد الطريق في دار الأسواق، وحاصله أن هذا النوع من المال يصرف إلى عمارة الدين وصلاح دار الإِسلام والمسلمين.

стр. 668

والرابع: ما أُخِذَ من تركة الميت الذي مات ولم يترك وارثًا أو زوجًا أو زوجة، ومصرفه نفقة المرضى وأدويتهم وعلاجهم، وهم فقراء، وكفن الموتى الذين لا مال لهم، ونفقة اللقيط، وعقل جنايته، ونفقة من هو عاجز عن الكسب، وليس له من يقضي عليه بنفقته، وما أشبه ذلك، والواجب على الأئمة والولاة والسلاطين أن إيصال الحقوق إلى أربابها، وأن لا يحبسوها عنهم على ما يرى من غير تفضيل وميل في ذلك، ولا يحل لهم منها إلا مقدار ما يكفيهم ويكفي أعوانهم. وإن فضل من بيت المال بعد إيصال الحقوق إلى أربابها قسموه بين المسلمين، وإن قصروا في ذلك فوباله عليهم ويستحقون، أو يسمع أباهم الظالم هذا زبدة ما في (غاية البيان)، نقلًا من شرح (مختصر الطحاوي). قال محمد: وبهذا أي: بهذا الحديث الذي رواه عطاء بن يسار مرسلًا عن رسول الله ﷺ نأخذ أي: نعمل ونُفتي، والغازي في سبيل الله إذا كان له عنها أى: عن أخذ الصدقة غِنىً أي: استغناءً بأن يكتفي عنها بغيرها مما عنده يَقدر بغِناه أي: يطيق بسببه على الغَزْوِ في سبيل الله لم يُسْتَحَبّ أي: لا ينبغي له أن يأخذ أي: بل ينبغي أن لا يأخذ منها أي: من الصدقة شيئًا. وفيه تنبيه على أنه لا يجوز أن يأخذ من قدر كفايته، بل الأولى أن يستقرض إن قدر كما ذكر ابن السبيل، وكذلك الغارم أي: المديون، إذا كان عنده وَفاءٌ بِدَيْنِهِ وَفضْلٌ أي: وزيادة قدر، تجب فيه الزكاة لم يُسْتَحَبّ أي: لا يحسن له أن يأخذ منها شيئًا، بل يجب أن لا يؤخذ منها شيئًا، وهو أي: المديون الذي له مال يكفي لدينه ومال زائد يجب فيه الزكاة ينبغي أن لا يأخذ من الصدقة، قولُ أي حنيفة، رحمه الله تعالى. لما ذكر ما يتعلق بحال من يحل له أخذ الصدقة، شرع في بيان أحكام زكاة الفطر، فقال: هذا * * *

стр. 669

باب زكاة الفطر في بيان أحكام زكاة الفطر، وهي في اللغة: الطهارة، روى البخاري عن ابن عباس ﵄، أنه قال: فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر طهرة للصائم من اللهو واللغو والرفث (١)، قوله: طُهرة، أي: تطهير للصائم عن ذنوبه، وقوله: من اللهو واللغو، أي: الكلام الباطل، وقوله: والرفث، أي: الكلام القبيح؛ لأن الحسنات يذهبن السيئات، وقوله: الفطر، لفظ إسلامي، مأخوذ من الفطرة التي كانت بمعنى الحلقة، ولذلك قال ابن قتيبة: المراد بزكاة الفطر زكاة النفوس، ولكن الفقهاء اصطلحوا بها في صدقة الفطر من رمضان، وإضافتها إليها من قبيل إضافة السبب إلى سببه، وهي واجبة على كل مسلم حر، (ق ٣٦٤) غني عند أبي حنيفة، وفريضة عند الأئمة الثلاثة، وقيل: مستحبة، ولو كان غناؤه نصابًا غير تام، ووقت وجوبها عند طلوع الفجر الثاني من يوم عيد الفطر، وقال الشمني في شرح (النقاية): وقد أمر رسول الله ﷺ بزكاة الفطر في السنة التي فرض فيها رمضان قبل أن تفرض زكاة المال، وكان يخطب قبل الفطر بيومين فأمر بإخراجها. انتهى. وفرض صوم رمضان بعد ما صرفت القبلة إلى الكعبة لعشر من شعبان على رأس ثمانية عشر شهرًا من الهجرة، كذا في (منح الغفار)، والمراد بالوجوب الوجوب المصطلح عندنا، وإن ورد في السنة لفظ: فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر؛ لأن معناه أمر إيجاب، والأمر الثابت بدليل ظني إنما يفيد الوجوب والإِجماع المنعقد على وجوبها ليس قطعيًا ليكون الثابت الفرض؛ لأنه لم يُنقل تواتر؛ ولهذا قالوا: من أنكر وجوبها لا يكون كافرًا، كما في (منح الغفار)، وقدرها نصف صاع من بر أو صاع من غيره، وعندهم صاع من الكل، والأدلة مفصلة في محلها. ٣٤٤ - أخبرنا مالك، حدثنا نافع، أن ابن عمر كان يبعث بزكاة الفطر إلى أن تُجْمَع عنده، قبل الفطر بيومين أو ثلاثة.

стр. 670

قال محمد: وبهذا نأخذ، يعجبنا تعجيل زكاة الفطر قبل أن يخرج الرجل إلى المصلى، وهو قولُ أبي حنيفة. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي نسخة أخرى: أنا رمزًا إلى أخبرنا، حدثنا وفي نسخة: عن نافع، أي: المدني مولى ابن عمر، أن ابن عمر كان يبعث بزكاة الفطر أي: يرسلها إلى الذي تُجْمَع أي: الزكاة عنده، والظرف في قوله: قبل الفطر بيومين أو ثلاثة، متعلق بيبعث، وفي رواية البخاري: كان ابن عمر يعطيها للذي يقبلها، أي: الذي نصبه الإِمام لقبضها، وفي قوله: قبل الفطر، دليل على جواز إعطاء زكاة الفطر قبل يوم عيد الفطر. قال محمد: وبهذا أي: بقول ابن عمر نأخذ أي: نعمل، يعجبنا من الإِعجاب، أي: يستحب لنا تعجيل زكاة الفطر لقوله تعالى في سورة آل عمران: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران: ١٣٣]؛ ولأن في التأخير أنه تفوته قبل أن يخرج الرجل إلى المصلى، متعلق بقوله: تعجيل زكاة الفطر، وللاتباع بحديث ابن عمر في الصحيحين، أن النبي ﷺ أمر بإخراج زكاة الفطر قبل خروج الناس إلى الصلاة، أي: إلى صلاة العيد، وهو أي: إخراج زكاة الفطر قبل الخروج إلى المصلى قولُ أبي حنيفة، ﵀، واتباع لقوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ [الأعلى: ١٤]، أي: إخراج زكاة فطره ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى: ١٥]، أي: بالتكبير في طريق المصلى، ﴿فَصَلَّى﴾ أي: صلاة العيد، وقال خلف بن أيوب: يجوز إعطاءها في رمضان، ولا يجوز في غيرها قبله، وهو اختيار الإِمام أبي بكر محمد بن الفضل، وهو الصحيح، وعليه الفتاوى كما في (الظهرية)، وهو مذهب الشافعي، وقيل: يجوز في العشر الأخير من رمضان لا قبله، وهو الأظهر، وعند الحسن بن زياد ولا يجوز تعجيلها كالأضحية؛ فإنها لا تصح لأهل القرى، قبل طلوع الفجر الثاني من يوم الأضحى، ولا تصح لأهل المصر، قبل صلاة العيد، ثم إن زكاة الفطر لا تسقط بتأخيرها عن يوم عيد الفطر؛ لأنها شرعت لدفع حاجة الفقير، أو لإِغنائه عن المسألة في هذه الأيام، فلا يقدر وقت لأدائها كالزكاة. لما فرغ من بيان أحكام زكاة الفطر، شرع في بيان أحكام صدقة الزيتون (ق ٣٦٥)، فقال: هذا * * *

стр. 671

باب صدقة الزيتون في بيان أحكام صدقة الزيتون، وإنما أخَّر هذا الباب عن الأبواب السابقة؛ لأن وجوب الزكاة في الأبواب السابقة بالكتاب والسنة، ووجوب صدقة الزيتون بالقياس، والقياس ضعيف عن الكتاب والسنة، ولذا أخر هذا الباب عن غيره، وقال الإِمام مالك: والزيتون بمنزلة النخيل، ما كان منه سقية السماء أي: المطر والعيون والنهر ففيه العشر، وما يُسقى بالنضح والصب ففيه نصف العشر. انتهى. ومعنى الصدقة هي العطية التي يُراد بها المثوبة عنده تعالى، وسميت بها؛ لأنها تطهر صدقة رغبة الرجل في تلك المثوبة كالصداق يظهر به صدق رغبة الزوج بالمرأة، كذا قاله التمرتاشي. ٣٤٥ - أخبرنا مالك، عن ابن شهاب، قال: صَدَقَة الزَّيْتُون العُشْر. قال محمد: وبه نأخذ، إذا خَرَجَ منه خمسةُ أوْسُقٍ فصاعدًا، ولا يلتفت في هذا إلى الزَّيْتِ، إنما يُنظر إلى الزَّيْتُون. وأما في قول أبي حنيفة: ففي قليله وكثيره العُشْر. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي نسخة أخرى: إذا رمزًا إلى أخبرنا مالك، أي: ابن أنس بن عمير بن أبي عامر، الإِمام الأصبحي، يعني نسب إلى ملك ذي أصبح من ملوك اليمن، كان من أتباع التابعين، ومن الطبقة السابعة من أهل المدينة، وهي في الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة، عن ابن شهاب، أي: محمد بن مسلم بن شهاب بن زهرة بن كلاب، كان في الطبقة الرابعة من أهل المدينة، قال: أي: ابن شهاب صَدَقَة الزَّيْتُون العُشْر، بضم العين المهملة وسكون الشين المعجمة، والراء، وهو أحد أجزاء العشرة. قال محمد: وبهذا أي: بقول ابن شهاب نأخذ أي: نعمل، إذا خَرَجَ منه أي: ظهر حاصله خمسةُ أوْسُقٍ جمع وسق بفتح الواو وسكون السين المهملة والقاف، مصدر ستون

стр. 672

صاعًا بصاع النبي ﷺ ، وكل صاع أربعة أمداد، والمُد مائتان وستون درهمًا، وعلى هذا يكون كل صاع ألفًا وأربعون درهمًا، كذا في (الأختري)، وقال محمد الواني: الوسق يقال له: ستون كيل فصاعدًا، أي: زائدًا؛ فإنه قياس على ما ورد من الثمر، كما تقدم، ولا يلتفت في هذا أي: الأمر والحُكم إلى الزَّيْتِ، أي: الدهن سواء كان قليلًا أو كثيرًا؛ لأنه إدام لا قوت، وإنما يأخذ العشر عن الزيتون لأمر دهنه بعد أن يتعصر ويبلغ زيتونه خمسة أوسق، إنما يُنظر في هذا، أي: في وجوب العشر إلى الزَّيْتُون، أي: إلى مقداره فقط مما لا يبلغ زيتونه خمسة أوسق، فلا زكاة فيه، كذا قاله مالك في (الموطأ)، وأما في قول أبي حنيفة ﵀: ففي قليله أي: الزيتون، وكثيره العُشْر، أي: لما تقدم، وعن مالك روايتان أشهرهما الواجب، فيخرج المزكي - إن شاء الله - زيتونًا أو زيتًا، أي: دهنًا، وللشافعي قولان، وعن أحمد روايتان، أظهرهما عنه عدم الوجوب، كذا قاله علي القاري. لما فرغ من بيان ما يتعلق ببيان أحكام الزكاة، شرع في بيان أحكام الصيام، فقال: هذا * * *

стр. 673

أبواب الصِّيَام في بيان أحكام الصيام وهو بكسر الصاد المهملة والياء التحتية بدل من الواو وهما مصدران لصام يقال: صام الرجل يصوم صومًا وصيامًا وهي بمعنى واحد إلا أن أصل الصيام صوام، قلبت الواو ياء لكسرة ما قبلها كالقيام، والصوم في اللغة: مطلق الإِمساك، وفي الشرع: عبارة عن إمساك مخصوص، وهو الإِمساك من الأكل والشرب والجماع من الصبح إلى الغروب مع النية كذا (ق ٣٦٦) قاله الجرجاني، عقب الإِمام محمد بن الحسن الشيباني في الزكاة بالصوم عملًا بقوله ﷺ : "بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصيام رمضان والحج". هكذا سمعت رسول الله ﷺ أخرجه مسلم (١) من رواية سعد بن عبيد الله. وأخذ هذه الترجمة من قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣] وإنما اختار أبواب الصيام بصيغة الجمع إشارة إلى أن الصوم أنواع فرض وواجب. باب الصوم لرؤية الهلال والإفطار لرؤيته في بيان أحكام رؤية هلال شهر رمضان والشوال الصوم فكان باب مبتدأ وخبره لرؤية الهلال مجازًا، أو التقدير: كون الصوم فرضًا لأجل رؤية هلال شهر رمضان والإِفطار لرؤيته أي: شهر الشوال قال الجوهري: الهلال الثلاث ليالي من أول الشهر ثم قمر بعد ذلك. وقيل: الهلال وهو الشهر بعينه. ٣٤٦ - أخبرنا مالك، حدثنا نافع، وعبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر، أن رسول الله ﷺ ذَكَرَ رمضان، فقال: "لا تَصُومُوا حتى تَرَوُا الهلال، ولا تُفْطِروا حتى تَرَوْهُ، فإنْ غُمَّ عليكم فاقْدُرُوا له". قال محمد: وبهذا نأخذ، وهو قولُ أبي حنيفة.

стр. 674

• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي نسخة أخرى: أنا رمزًا إلى أخبرنا حدثنا وفي نسخة: عن نافع، أي: المدني وعبد الله بن دينار، أي: وحدثنا عبد الله بن دينار هذا تحويل المسند عن مالك تقوية للحديث، وهما مولى عبد الله بن عمر ثقتان تابعيان كان في الطبقة الثالثة من أهل المدينة، وكان عبد الله بن دينار في الطبقة الرابعة منها عن عبد الله بن عمر، ﵄ أن رسول الله ﷺ ذَكَرَ رمضان، أي شهره وفيه إيماء إلى جواز ذكره بدون شهر وقال سعيد بن زيد الباجي: وهو الصواب فقد جاء ذلك في أحاديث صحيحة كقوله ﷺ : "إذا دخل رمضان فتح أبواب الجنة. . ." الحديث، وكذا قال عياض أنه الصحيح، ومنعه أصحاب مالك لحديث: "لا تقولوا: رمضان فإن رمضان اسم من أسماء الله تعالى، ولكن قولوا: شهر رمضان" أخرجه ابن عدي وضعفه وفرق ابن باقلاني فقال: إن ذكرت قرينة على صرفه إلى الشهر كصمنا رمضان جاز وإلا امتنع كجاء ودخل. انتهى. وبالفرق قال أكثر الشافعية، قال النووي: والمذهبان فاسدان؛ لأن الكراهة إنما تثبت بنهي صاحب الشرع، لم يثبت فيه نهي ولا يصح قولهم: إنه اسم من أسماء الله تعالى؛ لأنه جاء فيه أثر ضعيف، وأسماء الله تعالى توقيفية لا تطلق إلا بدليل صحيح، ولو ثبت أنه اسم لم يلزم كراهة والصواب ما ذهب إليه المحققون أنه لا كراهة في إطلاق رمضان بقرنية ولا قرنية. كذا قاله الزرقاني. ولفظ رمضان في اللغة مأخوذ من رمض إذا احترق، سمي به؛ لأن الذنوب تحترق فيه، وهو غير منصرف للعلمية والألف والنون قال الفراء: يجمع على رماضين كسلاطين كذا قاله التمرتاشي فقال: أي: النبي ﷺ : "لا تَصُومُوا أي: لا تشرعوا في صيام رمضان إذا لم يكمل شعبان ثلاثين يومًا، كذا في نسخة وكذا في (الموطأ) لمالك برواية محمد عن يحيى عن مالك، وفي نسخة لم يوجد الضمير بعد قوله: لا تصوموا وكذا لم يوجد في صحيح أصبهان عن (ق ٣٦٧) ابن عمر نهى رسول الله ﷺ المكلفين الموجودين في آخر شعبان عن صوم رمضان قبل رؤية هلاله نهيًا تنزيهيًا، إذ لا يخلو أن الشك في دخول رمضان أو خروجه، وعلى تقدير عدم خروجه يحرم الفطر وعلى تقدير عدم دخوله يكره الصوم على قصد أنه من رمضان، والنهي هو قول القائل لغيره على سبيل الاستعلاء: لا تفعل وهو أي: النهي يقتضي صفة القبح للمنهي عنه ضرورة حكمة الناهي وهو أي: المنهي عنه، إما أن يكون قبيحًا لذاته كالكفر وبيع الحر، أو قبيحًا لغير ذاته كصوم يوم النحر وهو أي: صوم يوم النحر قبيح في وصفه؛ لأنه إعراض عن ضيافة الله تعالى كصوم رمضان قبل رؤية هلاله، وهو قبيح في وصفه أن يلزم أن

стр. 675

يؤدى قبل أوانه وهو حرام. هذا خلاصة ما قاله ابن مالك في (شرح المنار) حتى تَرَوُا الهلال، أي: هلال رمضان، والمراد به رؤية بعض المسلمين لا كل الناس، وظاهره إيجاب الصوم متى وجدت الرؤية ليلًا أو نهارًا لكنه محمول على صوم اليوم المستقبل، وفرق بعض العلماء بين ما قبل الزوال وما بعده، وخالف الشيعة الإِجماع فأوجبوه مطلقًا، وظاهره أيضًا النهي عن ابتداء صوم رمضان قبل رؤية الهلال فيدخل فيه صورة الغيم وغيرها. وقال سعيد بن زيد الباجي المالكي: مقتضاه منع صوم آخر شعبان يريد علي معنى التلقي لرمضان أو الاحتياط، وأما نقلًا فيجوز. قال ابن عبد البر: عند مالك والجمهور واستحب ابن عباس وجماعة الفصل بين شعبان ورمضان بفطر يوم أو يومين أو أيام كما استحبوا الفصل بين صلاة الفريضة والنافلة بكلام أو مشي أو تقدم أو تأخر من المكان. كذا قاله الزرقاني، وإذا كان في السماء علة من غيم أو غبار أو دخان أو ذباب قبل القاضي بمجلسه خبر واحد عدل أو خبر مستور الحال لم يظهر فسقه في ثبوت رمضان في القول الصحيح، ولا يشترط لفظة الشهادة ولا تقدم الدعوى لإِثبات رمضان كذا قاله الشرنبلالي في (نور الإِيضاح) وغيره من الحنفية ولا تُفْطروا أي: من صومكم لقصد عيد الفطر حتى تَرَوْهُ، أي: هلال الشوال وكلمة "حتى" تدلَ على أن ما بعدها غاية لما قبلها سواء كان جزاءً منه كما في أكلت السمكة حتى رأسها، أو غير جزء كما في قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧] وعلامة الغاية بوجود المعنيين أحدهما أن يكون ما قبل حتى قابلًا للامتداد، والآخر أن يكون ما بعد حتى دليلا صالحًا لانتهاء ما قبلها. كذا قاله عبد الرحمن بن مالك في (شرح المنار). وليس المراد بالرؤية رؤية جميع الناس يحتاج كل فرد إلى رؤيته بل المعتبر رؤية بعضهم وهو العدد الذي يثبت به الحقوق وهو عدلان فلا يثبت رمضان بعدل واحد عند مالك وأحمد خلافًا لأبي حنيفة والشافعي، فإنه يثبت بعدل واحد لحديث ابن عباس في (السنن) قال: جاء أعرابي إلى رسول الله ﷺ فقال: إني رأيت الهلال فقال: "أتشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله؟ " قال: نعم قال: "يا بلال أذن في الناس أن يصوموا غدًا" (١).

стр. 676

وشرط لثبوت هلال الفطر والأَضحى إذا كان بالسماء علة لفظ الشهادة (ق ٣٦٨) من حرين المكلفين غير محدودين في قذف لهو حرتين بلا دعوى، وإذا لم يكن بالسماء علة فلا بد من شهادة جمع عظيم لرمضان والفطر والأضحى، مقدار عود الجمع العظيم مفوض لرأي الإِمام في الأصح كذا في (نور الإِيضاح) فإنْ غُمَّ عليكم بضم الغين المعجمة وتشديد الميم أي: حال بينكم وبين هلال الصوم والفطر غيم أي: ستر من سحاب أو غبار ودخان أو ذباب ولم يظهر لكم فاقْدُرُوا له" بهمزة الوصل وضم الدال تأكيدًا لقوله: لا تصوموا حتى تروا الهلال أي: فقدروا للهلال الذي أنتم فيه ثلاثون يومًا حرم الصوم لإِعراض عن ضيافة الله للتشبيه لأهل الكتاب؛ لأنهم زادوا في صومهم، كذا قاله التمرتاشي. وحكمة مشروعية الصوم: سكون النفس للإِمارة بإعراضها عن الفضول؛ لأنها إذا جاعت شبعت جميع الأعضاء فتنقبض اليد والرجل والعين وباقي الجوارح بمعنى قويت على البطش والنظر وفعل ما لا ينبغي فبانقباضها يضعف القلب وتحصل المراقبة، والعطف على المساكين بالإِحسان بألم الجوع لمن هو وصفه أبدا فيحسنوا به أو لذا لا ينبغي الإِفراط في السحور لمنعه الحكمة المقصودة والاتصاف بصفة الملائكة كما حررناه في (سلم الفلاح شرح نور الإِيضاح). قال محمد: وبهذا أي: بحديث رواه ابن عمر نأخذ، أي: نعمل ونفتي وهو قولُ أبي حنيفة ﵀. لما فرغ من بيان أحكام رؤية هلال شهر رمضان والشوال شرع في بيان نهاية وقت السحور لمن أراد أن يتسحر، فقال: هذا * * * باب متى يحرم الطعام على الصائم متى يحرم أي: في أي وقت يحرم فيه أكل الطعام على الصيام أي: لمن يريد أن يصوم. استنبط المصنف هذه الترجمة من قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧] وأخذ سنية السحور من الأمر في قوله: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ وأخذ نهاية الوقت للسحور من دلالة كلمة حتى في ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ﴾ وهي تدل على أن ما بعدها غاية لما قبلها كما ذكرتها آنفا.

стр. 677

٣٤٧ - أخبرنا مالك، حدثنا عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : "إن بلالًا ينادي بِلَيْلٍ، فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أمّ مَكْتُومٍ". • أخبرنا مالك، أي: ابن أنس بن عمير بن أبي عامر الإِمام الأصبحي أي: نسب إلى ملك ذي أصبح من ملوك اليمن، وكان من أتباع التابعين، ومن الطبقة السابعة من أهل المدينة، وهي كانت في الإقليم الثاني من الأقاليم السبعة، وفي نسخة: محمد قال: ثنا حدثنا عبد الله بن دينار، العدوي التابعي ويكنى أبا عبد الرحمن المدني مولى ابن عمر ثقة من الطبقة الرابعة من أهل المدينة عن ابن عمر، ﵄ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إن بلالًا ﵁ ينادي أي: يؤذن وهي رواية الأصيلي في البخاري بِلَيْلٍ، أي: فيه للتذكير وللتسحير كما روى في (الصحيحين) (١) مرفوعًا عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يمنعن أحدكم أذان بلال من سحوره فإنه يؤذن بليل ليرجع قائمكم وليتنبه نائمكم" ثم قال القرطبي: إنه مذهب واضح على أن العمل المنقول بالمدينة على خلافه فلم يرده إلا بالعمل على ابن عبدة المالكي، وادعى بعض الحنفية (ق ٣٦٩) أن النداء قبل الفجر لم يكن بألفاظ الأذان، وإنما كان تذكيرًا أو تسحيرًا كما يقع للناس اليوم وليسميه أهل المصر إبرارًا وأهل الروم تمجيدًا وقال ابن قطان: أن ذلك في رمضان خاصة فكلوا واشربوا حتى ينادي أي: يؤذن ابن أمّ مَكْتُومٍ" الفاء جواب لشرط محذوف تقديره: إذا كان أذان بلال تذكيرًا أو تسحيرًا فكلوا واشربوا إلى حين أذان ابن أم مكتوم فالأمران للإِباحة كقوله تعالى في سورة المائدة: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢] والندب ما يثاب على فعله ولا يعاقب على تركه بخلاف الواجب كذا قاله ابن مالك في (شرح المنار) ولكن الواجب أن يوجد نهاية الأكل حين أذان ابن أم مكتوم لأن حمل كلمة حتى أن تدل على أن ما بعدها غاية لما قبلها، فنهاية الليل حين أذان ابن أم مكتوم، فالأكل فيه لا يحل لمن يريد الصيام. فإن قيل: ما الحكمة في أمر النبي ﷺ للمكلفين بالسحور؟ أجيب بما رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه

стр. 678

بالواسطة عن أنس بن مالك ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "تسحروا فإن في السحور بركة" أي: رحمة من الله واستغفارًا من الملائكة للمتسحر لما رواه الطبراني في (الأوسط) وابن حبان في (صحيحه) بالواسطة عن ابن عمر ﵄ أنه قال: قال رسول الله ﷺ "إن الله وملائكته يصلون على المتسحرين" كذا أورده الإِمام المنذري في (ترغيب السحور). * * * ٣٤٨ - أخبرنا مالك، حدثنا الزهري، عن سالم، مثله، قال: وكان ابن أم مكتوم لا ينادي حتى يُقَال له: أصْبَحْتَ أصْبَحْتَ. قال محمد: كان بلال ينادي بليل في شهر رمضان، لسُحُورِ الناس، وكان ابن أم مكتوم ينادي للصلاة بعد طلوع الفجر، فلذلك قال رسول الله ﷺ : "كُلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم". • أخبرنا مالك، وفي نسخة: قال: بنا، وفي نسخة: أنا رمزًا إلى أخبرنا حدثنا، وفي نسخة: قال: بنا الزهري، أي: محمد بن مسلم بن شهاب الزهري أي: نسب إلى زهرة بن كلاب تابعي مدني، وكان من الطبقة الرابعة من أهل المدينة كذا قاله ابن الجوزي عن سالم، أي: ابن عبد الله بن عمر بن الخطاب القرشي العدوي، يكنى أبا عمر وأبا عبد الله المدني، أحد الفقهاء السبعة وكان شابًا عابدًا فاضلًا كان يشبه بأبيه في الهدى والسمت، وكان من كبار التابعين من الطبقة الثالثة مات في آخر سنة ست بعد المائة على الصحيح كذا قال ابن حجر في (التقريب) مثله، أي: مثل مَرْوّي عبد الله بن دينار عن ابن عمر مرفوع، هذا إسناد آخر لمالك في هذا الحديث قال ابن عبد البر: لم يختلف على مالك في الإِسناد الأول أنه موصول، وأما هذا فرواه يحيى وأكثر الرواة مرسلًا، ووصله القعنبي فقال: عن أبيه عبد الله بن عمر أنه قال: أن رسول الله ﷺ قال: "إن بلالًا ينادي بليل، فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم" قال: أي: سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، ويجوز أن يعود الضمير المرفوع المستتر في "قال" إلى رسول الله ﷺ على ما وصله القعنبي

стр. 679

يعني: قال رسول الله ﷺ وكان أي: والحال كان ابن أم مكتوم لا ينادي حتى يُقَال له: أصْبَحْتَ أي: دخلت في الصباح وفي (الموطأ) لمالك أصْبَحْتَ أصْبَحْتَ بالتكرار تأكيدًا لكونه أعمى، وفيه جواز أذان الأعمى إذا كان له من يخبره بالوقت. قال محمد: يعني المصنف به نفسه عبر عن نفسه للتواضع وللاتباع لقوله تعالى في سورة الشعراء: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٥] كان بلال ينادي بليل في شهر رمضان، لسُحُورِ الناس، وكان (ق ٣٧٠) ابن أم مكتوم ينادي للصلاة بعد طلوع الفجر، فلذلك قال رسول الله ﷺ : "كُلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم" اسمه عمرو وقيل: اسمه الحصين فسماه النبي ﷺ عبد الله، ولا يمتنع أنه كان له اسمان وهو قرشي عامري، أسلم قديمًا، والأشهر في اسم أبيه قيس بن زائدة، وكان ﷺ يكرمه ويستخلفه على المدينة وشهد القادسية في خلافة عمر واستشهد بها، وقيل: رجع إلى المدينة فمات، وهو الأعمى المذكور في سورة (عبس) واسم أمه عاملة بنت عبد الله المخزومية، وزعم بعضهم أنه ولد أعمى فكنيت أمه به لاكتتام نور بصره، والمعروف أنه أعمى بعد بدر بسنتين، كذا قاله ابن حجر في (فتح الباري شرح البخاري)، وتعقب بأن نزول سورة عبس بمكة قبل الهجرة فالظاهر والله أعلم بعد البعثة. وقد روى ابن سعد والبيهقي عن أنس قال: إن جبريل أتى رسول الله ﷺ وعنده ابن أم مكتوم فقال: متى ذهب بصرك قال: وأنا غلام لفظ البيهقي: وأنا صغير فقال: قال الله تعالى: "إذا ما أخذت كريمة عبدي لم أجد له أجر إلا الجنة" (١) وفي الحديث جواز الأذان قبل الفجر الثاني، واستحباب أذان واحد بعد واحد في الفجر فقط، وأما اثنان معًا فمنع منه قوم وقالوا: أول من أحدثه بنوا أمية، وقال الشافعية: لا يكره إلا أن يحصل من ذلك فتنة وجواز اتخاذ المؤذنين في مسجد واحد، وأما الزيادة عليهما فليس في الحديث تعرض أو قد روي عن مالك: لا بأس أن يؤذن للقوم في السفر كذا قاله الزرقاني. لما فرغ من بيان آخر الوقت للتسحر شرع في بيان حكم ما يقتضي القضاء والكفار من أكل ما يتغذى به عمدًا، فقال: هذا * * *

стр. 680

باب من أفطر متعمدًا في رمضان في بيان أحكام حال من رأى الصائم الذي نوى من الليل الصيام أفطر أي: أكل أو شرب ما يتغذى به، أو جامع في أحد السبيلين متعمدًا أي: غير ناسي ولا مخطئ ولا مضطر في رمضان أي: نهاره لزمه القضاء والكفارة، أما لزوم القضاء فلاستدراك المصلحة الغائبة، وأما لزوم الكفارة فلكمال الجناية وهي هتك حرمة الشهر بالأكل والشرب والجماع في نهار رمضان. ٣٤٩ - أخبرنا مالك، حدثنا الزهري، عنْ حُمَيْد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة أن رجلًا أفْطَرَ في رمضان، فأمره رسول الله ﷺ أن يُكَفِّرَ بِعِتْقِ رَقَبَةً، أو صيام شهرين متتابعين، أو إطعام ستين مسكينًا، قال: لا أجدُ، قال فأُتِيَ رسول الله ﷺ بِعَرَقٍ من تمر، فقال: "خُذ هذا فتصدَّق به"، فقال: يا رسول الله، ما أَجِدُ أحْوَجَ إليه مني، قال: "كُلْهُ". قال محمد: وبهذا نأخذ، إذا أفطر الرجل متعمدًا في شهر رمضان، بأكل أو شربٍ أو جِمَاع فعليه قضاءُ يوم مكانه، وكفارة الظِّهَار: أن يَعْتِق رَقَبَةً، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع أطعم ستين مسكينًا، لكل مسكين نصفُ صاع من حنطة، أو صاعٌ من تمر أو شعير. • أخبرنا مالك، أي: ابن أنس بن عمير بن أبي عامر الأصبحي، يعني ينسب إلى ملك ذي أصبح من ملوك اليمن، وكان من أتباع التابعين، من الطبقة السابعة من أهل المدينة، وهي في الإقليم الثاني من الأقاليم السبعة، وفي نسخة: محمد قال: بنا وفي نسخة أخرى: أنا، رمزًا إلى أخبرنا حدثنا وفي نسخة: بنا وفي نسخة أخرى: "عن" موضع "أخبرنا" الزهري، أي: محمد بن مسلم بن شهاب الزهري يعني: ينسب إلى زهرة بن كلاب، وكان تابعيًا مدنيًا من الطبقة الرابعة من أهل المدينة ومن التابعين عن حُمَيْد بن عبد

стр. 681

الرحمن، أي: ابن عوف الرواسي ذكره ابن حبان في (الثقات) وهو من الطبقة الثالثة من التابعين عن (ق ٣٧١) أبي هريرة ﵁ قال الحافظ: هكذا توارد عليه أصحاب الزهري وأكثر من أربعين نفسًا جمعتهم في جزء مفرد أن رجلًا هو سليمان بن صخر، وهو أحد بني بياضة أفْطَرَ أي: وقع على أهله في عهد رسول الله ﷺ في شهر رمضان، أي: نهاره وقال أكثر الرواة عن الزهري: أن رجلًا وقع على امرأته في رمضان فذكروا ما أفطر به، فتمسك به أحمد والشافعي ومن وافقهما في لزوم الكفارة خاصة في الجماع؛ لأن الزمة بريئة فلا يثبت شيء فيها إلا بيقين. وقال مالك وأبو حنيفة وطائفة: عليه الكفارة بتعمد أكل أو شرب، ونحوهما أيضًا؛ لأن الصوم شرعًا: الامتناع من الطعام والجماع، فإذا ثبت في وجه من ذلك شيء في نظيره والجامع بينهما انتهاك حرمة الشهر بما يفسد الصوم عمدًا فأمره رسول الله ﷺ أن يُكَفِّرَ بِعِتْقِ رَقَبَة، أي: إن قدر عليها أو صيام شهرين متتابعين، أي: إن استطاع أو إطعام ستين مسكينًا، في التخيير مرتب قال ابن عبد البر: هكذا روى هذا الحديث مالك لم تختلف رواية بلفظ التخيير، وتابعه ابن جريج، وأبو أويس عن ابن شهاب عن ترتيب كفارة الظهار "هل تستطيع أن تعتق رقبة" قال: لا، قال: "فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين" قال: لا، قال: "فهل تجد طعام ستين مسكينًا" قال: لا. . . الحديث، وإليه ذهب أبو حنيفة والشافعي وطائفة فقالوا: لا ينتقل عن العتق إلا عند العجز منه، ولا عن [الصيام] (١) كذلك. وقال مالك وجماعة: هي على التخيير لظاهر حديث الباب الدال على أن الترتيب في الرواية الثانية ليس بمراد؛ لأنه اقتصر على الإِطعام في حديث عائشة في (الصحيحين) وغيرهما؛ ولذا قال مالك: الإِطعام أفضل؛ ولأنه سنة البدل في الصيام، ألا ترى أن الحامل والمرضع والشيخ الكبير والمفرط في قضاء رمضان حين دخل عليه رمضان آخر لا يؤمر واحد منهم بعتق ولا صيام، فصار الإِطعام له مدخل في الصيام ونظائر من الأصول؛ فلذا فضله مالك قال: أي: المسئول عن الأشياء الثلاثة لا أجدُ، أي: قوة على جميع ما ذكر، وفي حديث عائشة ﵂ أنها قالت: قال رسول الله ﷺ لسلمان بن صخر "تصدق" فقال: يا نبي الله ما لي شيء وما أقدر عليه، زاد ابن عيينة عن ابن شهاب فقال: "اجلس" فأُتِيَ رسول الله ﷺ بضم الهمزة مبنيًا للمفعول ولم يسم الآتي أي جيء لكن

стр. 682

للبخاري في الكفارات: فجاء رجل من الأنصار، وللدارقطني عن سعيد بن المسيب مرسلًا: فأتى رجلًا من ثقيف، قال الحافظ: فإن لم يحمل على أنه كان حليفًا للأنصار أو إطلاق الأنصار بالمعنى الأعم، وإلا فما في الصحيح أصح. بِعَرَقٍ من تمر، بفتح العين المهملة فراء مفتوحة فقاف، وروى بإسكان الراء والفتح أفصح وأشهر ذكره السيوطي، وهو الكيل العظيم يسعه ثلاثون صاعًا وقيل: خمسة عشرة كذا في (المغرب)، فقال: "خُذْ هذا فتصدَّق به"، أي: بالتمر الذي فيه (ق ٣٧٢) فقال: يا رسول الله، ما أَجِدُ الآن أحدًا أي: ما بين لابتي المدينة من الحرائر، فإن النكرة وقعت في سياق النفي فتفيد عمومًا أحْوَجَ إليه ضبط بالرفع على جعل ما تميمية والنصب على جعلها حجازية عاملة عمل ليس أي: ليس أحد من الناس أجده في الحال أفقر وأحق إلى أكله مني، ومن عيالي، فضحك رسول الله ﷺ حتى بدت أنيابه أي: أسنانه الرباعيات، وقد روي أن ضحكه كان تبسمًا في غالب أحواله، لكنه تعجب هنا من حال الرجل في كونه جاء أولًا هالكًا محترقًا، خائفًا على نفسه راغبًا في فدائها مهما أمكنه، فلما وجد الرخصة طمع أن يأكل الكفارة ثم قال ﷺ : "كُلْهُ" وفي رواية: "أطعمه أهلك" وفي رواية أخرى: "عيالك" واحتج القائل بأنه لا تجب الكفارة، ورد بأنه أباح له تأخيرها إلى وقت اليسر؛ لا أنه أسقطها عنه جملة، وليس في الحديث نفي استقرارها عليه بل فيه دليل لاستقرارها؛ لأنه أخبر النبي ﷺ بعجزه عن الخصال الثلاثة ثم أتى ﷺ بالتمر فأمره بإخراجه في الكفارة، فلو كانت تسقط بالعجز لما أمره بذلك، لكن لما احتاج إلى الإِنفاق على عياله في الحال أذن له في أكله وإطعام عياله، وبقيت الكفارة في ذمته ولم يبين ذلك له؛ لأن تأخيره البيان إلى وقت الحاجة وهو جائز عند الجمهور. وقال ابن العربي: كان هذا رخصة لهذا الرجل خاصة، أما اليوم فلا بد من كفارة كذا قاله الزرقاني. قال محمد: وبهذا نأخذ، أي: إنما نعمل بما رواه حميد ين عبد الرحمن عن أبي هريرة ﵁، إذا أفطر الرجل، وكذا المرأة متعمدًا أي: غير ساهٍ ولا مخطئ فإن من أفطر ساهيًا لا يلزمه شيء، وإن أفطر خطأ يلزمه القضاء فقط في شهر رمضان، أي: في نهاره بأكلٍ أو شربٍ أو جِمَاع أخره مبالغة في استواء أمره مع غيره فعليه أي: فيجب عليه شيئان أحدهما: قضاءُ يوم مكانه، أي: بدل يوم أكل فيه أو يومين أكل فيهما أو أيام أكل فيهن قصدًا. وثانيهما: وكفارة الظِّهَار وهو في اللغة: مصدر ظاهر من امرأته إذا قال لها: أنت علي كظهر أمي كذا في (الصحاح) و (المغرب)، وفي الشريعة: وهو تشبيه مسلم

стр. 683

زوجته أو تشبيه ما يعبر عن أعضائها أو جزء شائع منها كبطنها أو فخذها بمحرم عليه تأبيدًا كأنت علي كظهر أمي أو رأسك أو رقبتك أو عنقك، أو نصفك كظهر أمي أو بطنها أو فخذها أو فرجها أو كظهر أختي أو عمتي، فيحرم على الزوج وطء امرأته ودواعيه بما ذكر حتى يكفر كذا قاله التمرتاشي في (تنوير الأبصار)، وهي أي: الكفارة أن يَعْتِقِ المفطر متعمدًا رَقَبَةً، أي: غير معيوبة بفوت منفعة البطش والمشي والكلام والنظر ولو كانت غير مؤمنة فإن لم يجد أي: المفطر رقبة ولا قيمتها فصيام أي: فله صيام شهرين متتابعين، أي: ليس فيهما يوم عيد ولا أيام التشريق للنهي عن صيامها وفي نسخة: صام لعله تصحيف عن صيام وإلا فمعنى فيصوم شهرين متتابعين فإن لم يستطع أي: فإن لم يقدر المفطر أن يصوم شهرين متتابعين فأطعم ستين مسكينًا، والشرط فيها أن يغديهم ويعشيهم غداء وعشاء (ق ٣٧٣) مشبعين أو يغديهم غدائين وليعشيهم عشائين أو عشاء وسحورًا لكل مسكين أي: يطعم المكفر لكل مسكين نصفُ صاع من حنطة، أو صاعٌ من تمر أو شعير ويعطي قيمته، وكفت كفارة واحدة عن أكل وشرب وجماع متعدد في أيام كثيرة لم يتخلل الجماع أو الأكل والشرب تكفير، ولو كان الجماع والأكل والشرب من رمضان على الصحيح التداخل بقدر الإِمكان، فإن تخلل التكفير بين الوطئين والأكلين والشربين لا تكفي كفارة واحدة في ظاهر الرواية لعدم حصول الزجر بعوده كما في (مراقي الفلاح) صورته: لو جامع مرارًا في يوم من رمضان واحد ولم يكفر كان عليه كفارة واحدة؛ لأنها شرعت للزجر وهو يحصل بواحد، فلو جامع فكفر ثم جامع مرة أخرى فعليه كفارة أخرى في ظاهر الرواية للعلم بأن الزجر لم يحصل بالأول، ولو جامع في رمضانين فعليه كفارتان، وإن لم يكفر للأولى في ظاهر الرواية. وقال محمد: عليه كفارة واحدة قال في (الأسرار): وعليه الاعتماد كذا في البزازية، ولو أفطر ثلاثة أيام فأعتق في كل يوم ثم استحقت الثالثة فعليه الكفارة الثالثة، ولو استحقت الأولى فعليه كفارة واحدة، ولو استحقت الثانية وحدها الأولى وحدها فلا شيء عليه؛ لأن ما بعدها يجزئ عن ما قبلها وما قبلها لا يجزئ عما بعدها كذا قاله التمرتاشي. لما فرغ من بيان أحكام الإِفطار متعمدًا في نهار رمضان، شرع في بيان أحكام حال الرجل دخل في الصباح في رمضان جنبًا وهو صائم، فقال: هذا * * *

стр. 684

باب الرجل يطلع له الفجر في رمضان وهو جنب في بيان حكم حال الرجل يطلع عليه الفجر أي: الفجر الثاني في رمضان وهو جنب أي: الحال أنه فمن يجب عليه الغسل سواء يكون من جماع أو احتلام أو انقطاع حيض أو نفاس، وقد أجمعوا في من أصبح صائمًا وهو جنب أن صومه صحيح، وأن المستحب الاغتسال قبل طلوع الفجر. ٣٥٠ - أخبرنا مالك، حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن بن مَعْمَر، عن أبي يونس مولى عائشة، عن عائشة، أن رجلًا قال لرسول الله ﷺ وهو واقف على الباب وأنا أسمع: إني أصبحتُ جُنُبًا، وأنا أريدُ أن أصوم، فقال رسول الله ﷺ : "وأنا أُصبح جُنُبًا ثم أغتسل وأصوم"، فقال الرجل: إنك لستَ مثلنا؛ فقد غفر الله لك ما تقدَّم من ذنبك وما تأخَّر، فغضب رسول الله ﷺ وقال: "والله إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله وأعلمكم بما أَتَّقِي". • أخبرنا مالك، أي: ابن أنس بن عمير بن أبي عامر الإِمام الأصبحي، يعني نسبة إلى ملك ذي أصبح من ملوك اليمن، وكان في الطبقة السابعة، من أتباع التابعين من أهل المدينة، وهي في الإقليم الثاني من الأقاليم السبعة، وفي نسخة: محمد بنا، رمزًا إلى أخبرنا: حدثنا وفي نسخة: قال: بنا، عبد الله بن عبد الرحمن أي: معمر بن حزم الأنصاري، يكنى أبا طوالة بضم المهملة المدني قاضي المدينة لعمر بن عبد العزيز ثقة في الطبقة الخامسة من التابعين، مات سنة أربع وثلاثين بعد المائة بعد ذلك، عن أبي يونس مولى عائشة، ﵂. ثقة في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين عن عائشة، ﵂ أن رجلًا قال لرسول الله ﷺ وهو واقف على الباب أي: من وراء باب رسول الله ﷺ كذا زاد مسلم وأنا أسمع: أي: الحال أنا أسمع قول ذلك الرجل يا رسول الله إني أصبحتُ جُنُبًا، وأنا أريدُ أن أصوم، أي: هل يصح الصيام فقال رسول الله ﷺ : "وأنا أي: مثلك أُصبح جُنُبًا أي: أريد الصيام ثم أغتسل أي: بعد الصبح للصلاة (ق ٣٧٤) فأصوم أي: فلك في تبعية فأجابه بالفعل؛ لأنه أبلغ مما لو قال: اغتسل وصم وفيه إيماء إلى

стр. 685

أنه لا دخل للغسل في صحة الصوم وفساده، ولهذا لو استمر أحد على جنابته طول نهاره أو احتلم في أثنائه لم يضر صومه بالاتفاق، فكذلك الحكم في أول جزية لكن اعتقد الرجل أن ذلك من خصائصه؛ لأن الله تعالى يحل لرسوله ما شاء فقال الرجل: أي: يا رسول الله إنك لستَ مثلنا؛ كان الرجل لم يكن غالبًا في قيام المبني ولا في قيام المعنى وإلا فحقه أن يقول: إنا لسنا مثلك فلا يقاس حالنا على حالك، وإنما عدل عنه لشأنه ﷺ وبين ذلك بقوله: فقد غفر الله لك ما تقدَّم من ذنبك وما تأخَّر، أي: ستر وحال بيتك وبين الذنب فلا يقع منك ذنب أصلًا؛ لأن الغفر الستر وهو إما بين العبد والذنب وإما بين الذنب وعقوبته فالأليق بالأنبياء الأول وبأممهم الثاني فهو كفاية عن العصة. هذا قول في غاية الحسن كذا قاله الزرقاني (١) فغضب رسول الله ﷺ فإن قيل: قوله: فغضب معارض بقوله تعالى في سورة النون: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤] وخلقه ﷺ أن لا يغضب على أحد وأن يعفو عمن ظلمه كما قال ﷺ جوابًا لمن سأله عن أفضل العمل بأن يقول: "حسن الخلق وهو أن لا تغضب". عن علاء بن الشخير أن رجلًا جاء إلى النبي ﷺ من قبل وجهه فقال: يا رسول الله أي العمل أفضل؟ قال: "حسن الخلق" ثم أتاه عن شماله فقال: يا رسول الله أي العمل أفضل؟ قال: "حسن الخلق" ثم أتاه من خلفه فقال: يا رسول الله أي العمل أفضل؟ فالتفت إليه فقال: "مالك لا تفقه حسن الخلق هو أن لا تغضب إن استطعت"، رواه محمد بن نصر المروزي، وكما قال تعالى في سورة الأعراف: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩]، أجيب عنه بأنه ﷺ ، غضب لما ظهر من قوله من ترك الاقتداء بفعله ﷺ وقوله وتقديره في جميع الأحكام، فيجب علينا اتباعه ﷺ كما أمرنا تعالى في سورة الحشر: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]. قال علي القاري: نعم له خصوصيات معلومات عند العلماء الكرام، لكنه ﵇ حيث دله على الحكم بفعله تبين أنه ليس مخصوص حكمه فغضب لأجله، ولا يبعد أن يكون وجه غضبه ﷺ ما ظهر في قول الرجل بحسب فهمه القاصر أنه مغفور فلا يبالي فعل أو ما فعل؛ لأنه إنما يخشى من لم يكن مغفورًا على أن مغفرته مرتبة على الذنب

стр. 686

المقدر بل على الأمر فلهذا عقب وقال ﷺ : "والله أي: مبالغة في القضية إني لأرجو بلام التأكيد للقسم ورجاءه أي: لا طمع وهو بمنزلة الاستثناء واقتداء بقول إبراهيم ﵇: ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الشعراء: ٨٢] أن أكون أخشاكم لله أي: أخوفك له بحسب الباطن وأعلمكم بما أَتَّقِي" أي: بما يجب أن أتقي منه من فعل أو ترك أو قول أو عدمه مما يتعلق بالظاهر، وحاصله أن غفران (ق ٣٧٥) ذنبي من فضل ربي، لا يمنعني أن كونه أخشاكم له ومن خشيتي أني أعلمكم بما أجتنب وأنتم لا تعلمون أحكام ربي فلا بد لكم من الاقتداء بي في أفعالي وأقوالي إلا ما خُص لي بدليل من أحوالي؛ لعموم قوله تعالى في سورة آل عمران: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي﴾ [آل عمران: ٣١]. * * * ٣٥١ - أخبرنا مالك، حدثنا سُمَيّ مولى أبي بكر بن عبد الرحمن، أنه سمع أبا بكر بن عبد الرحمن يقول: كنتُ أنا وأبي عند مروان بن الحَكَم وهو أمير المدينة؛ فَذُكِرَ أن أبا هريرة قال: من أصبح جُنُبًا أفْطَرَ، فقال مروان: أقسمْتُ عليك يا أبا عبد الرحمن لتذهبنّ إلى أُمي المؤمنين: عائشة، وأُمِّ سلمة، فَسَلْهُمَا عن ذلك، قال: فذهب عبد الرحمن، وذهبتُ معه، حتى دخلنا على عائشة فسلَّمنا عليها، ثم قال عبد الرحمن: يا أمَّ المؤمنين، كنا عند مروان بن الحكم آنفًا، فذُكِرَ أن أبا هريرة يقول: من أصبح جُنُبًا أفطر ذلك اليوم، قالت: ليس كما قال أبو هريرة يا عبد الرحمن، أترغب عما كان رسول الله ﷺ يصنع، قال: لا والله، قالت: فَأشهدُ على رسول الله ﷺ أنه كان يُصبح جُنُبًا من جماع غير احتلام، ثم يصوم ذلك اليوم. قال: ثم خرجنا حتى دخلنا على أم سلمة، فسألهَا عن ذلك فقالت كما قالت عائشة.

стр. 687

فخرجنا حتى جئنا مروان، فذكَرَ له عبد الرحمن ما قالتا، فقال: أقسمتُ عليك يا أبا محمد، لتركبن دابتي فإنها بالباب، فلْتذهبنَّ إلى أبي هريرة؛ فإنه بأرضه بالعقيق؛ قال: فركب عبد الرحمن وركبتُ معه حتى أتينا أبا هريرة، فتحدث معه عبد الرحمن ساعة ثم ذكر له ذلك، فقال أبو هريرة: لا علم لي بذلك، إنَّما أَخْبَرَنِيه مُخْبِر. قال محمد: وبهذا نأخذ، ومن أصبح جُنُبًا من جماع من غير احْتِلام في شهر رمضان ثم اغتسل بعد ما طلع الفجر، فلا بأس بذلك، وكتاب الله يدل على ذلك، قال الله : ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ - يعني الجماع - ﴿وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ - يعني الولد - ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ - يعني حتى يطلع الفجر -[البقرة: ١٨٧]. فإذا كان الرجل قد رُخِّص له أن يُجَامِعَ، ويبتغي الولد ويأكل ويشرب حتى يطلع الفجر، فمتى يكون الغسل إلا بعد طلوع الفجر، فهذا لا بأس به، وهو قول أبي حنيفة، والعامة. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: قال محمد: بنا، وفي نسخة أخرى: أنا، رامزًا إلى أخبرنا مالك بن أنس بن عمير بن أبي عامر الأصبحي، يعني نسبة إلى ملك ذي أصبح من ملوك اليمن، وكان في الطبقة السابعة من طبقات أتباع التابعين، من أهل المدينة وهي في الإقليم الثاني من الأقاليم السبعة أخبرنا سُمَيّ بصيغة التصغير هو مولى أبي بكر بن عبد الرحمن، بن الحارث بن هشام ثقة، في الطبقة السادسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة ثلاثين بعد المائة مقتولًا بقديد كذا قاله ابن حجر في (التقريب) أنه أي: سُمي سمع أبا بكر بن عبد الرحمن بن الحارث يقول: أي: أبو بكر كنتُ أنا وأبي أي: عبد الرحمن المدني له رؤية وكان من كبار التابعين وكنيته أبو محمد مات سنة ثلاثين عند

стр. 688

مروان بن الحَكَمَ بن أبي العاص بن أمية أبو عبد الملك الأموي المدني، ولي الخلافة من جهة معاوية في آخر سنة أربع وستين، ومات سنة خمس من رمضان، وله ثلاث أو إحدى وستون سنة، لم يثبت له صحبة كان في الطبقة الثانية من طبقات التابعين كذا قاله ابن حجر في (التقريب) وهو أمير المدينة، فَذُكِرَ له بالبناء للفاعل أي: فأخبرني عبد الرحمن لمروان بن الحكم كما في (البخاري) أن أبا هريرة ﵁ يقول، وفي نسخة: قال من أصبح جُنُبًا أفْطَرَ، أي: بطل صومه لكنه أمسك وقضى بدله قال مروان: أقسمْتُ عليك أي: جعلتك مقسمًا عليك يا أبا عبد الرحمن لتذهبنّ إلى أُمي بضم الهمزة وفتح الميم ثقيلة أم المؤمنين: عائشة، وأُمِّ سلمة، ﵄ فَسَلْهُمَا عن ذلك، الحكم قال: أي: أبو بكر الراوي فذهب عبد الرحمن، يعني أباه وذهبتُ معه، ووقع عند (النسائي) من رواية عبد ربه بن سعيد عن أبي عياض عن عبد الرحمن: أرسلني مروان إلى عائشة ﵂ فأتيتها فلقيت غلامها ذكوان فأرسلته إليها فسألها عن ذلك فذكر الحديث مرفوعًا قال: فلقيت مروان فحدثنيه فأرسلني إلى أم سلمة فأتيتها فلقيت غلامها نافعًا فأرسلته إليها فسألها عن ذلك فذكر مثله. قال الحافظ: وفي إسناده نظر أن أبا عياض مجهول، فإن كان محفوظًا فيجمع بأن كلا من الغلامين كان واسطة بين عبد الرحمن وبينهما في السؤال، وسمع عبد الرحمن وابنه أبو بكر كلًا منهما من وراء الحجاب بعد الدخول كما قال حتى دخلنا على عائشة ﵂ أي: من وراء الحجاب فسلَّمنا على عائشة، أي: فردته ثم قال عبد الرحمن: يا أمَّ المؤمنين، كنا عند مروان بن الحكم آنفًا، بمد الهمزة وكسر النون وبقصر أي: في هذه الساعة، وفيه تنبيه لكل أحد أن يعلم أوان مجلس العلم والعلماء ويعمل به ولا أن يبدأ الكلام قبل أن يتكلم الأعلم منه حتى يتوجه الخطاب إليه لئلا يكون مبغوضًا عن أحد فذُكِرَ على بناء المفعول له لما في رواية يحيى أي: تكلم رجل لمروان نزل عبد الرحمن نفسه منزلة الغائب رعاية للأدب (ق ٣٧٦) والتفت في كلامه من التكلم إلى الغيبة تنشيطًا للسامع وتنبيهًا له إلى إصغاء كلامه، وكان مقتضى الظاهر أن يقول: فذكرنا له. هذا خلاصة ما قاله سعد الدين التفتازاني في (شرح المفتاح) فليراجع الإِسناد الخبري من باب الأولى أن أبا هريرة يقول: أي: موقوفًا ومعناه يفتي من أصبح جُنُبًا أفطر أي: أبطل صيام ذلك اليوم، قالت: أي: عائشة ﵂ ليس أي: الحكم والقول كما قال

стр. 689

أبو هريرة يا عبد الرحمن، أترغب أي: أترجع يا عبد الرحمن عما كان رسول الله ﷺ يصنع، أي: لا تريده أنت بذلك مبالغة في الرد، فالهمزة للاستفهام الإِنكاري والرغبة إن استعملت نفي تكون بمعنى عدم الإِرادة كما قال محمد الواني قال: أي: عبد الرحمن لا أي: بل أريد ما يصنعه رسول الله ﷺ والله، تأكيد لا أنكره عبد الرحمن من إنكار عائشة رغبة عبد الرحمن بما يصنع رسول الله ﷺ قالت: أي: عائشة فأشهدُ بفتح الفاء الجوابية للشرط المحذوف وبفتح الهمزة والشين المعجمة الساكنة وبفتح الهاء والدال من الباب الرابع تقديره أن أقسمت بالله يا عبد الرحمن على أن لا تترك ما صنع رسول الله ﷺ فأحلف على رسول الله ﷺ أنه كان يُصبح من الإِصباح أي: دخل الصباح جُنُبًا من جماع غير احتلام، قصدت بذلك المبالغة في الرد والمنفي على أخلاقه لا مفهوم له؛ لأنه ﷺ كان لا يحتلم إذ الاحتلام من الشيطان وهو معصوم منه، كذا ذكره السيوطي وكذلك جميع الأنبياء فإنهم معصومون عن ذلك. أما الاحتلام بمعنى نزول المني في النوم من غير رؤية وقاع فهو غير مستحيل عليهم؛ لأنه ينشأ عن نحو إمتلاء البدن فهو من الأمور الخلقية والعادية التى يستوي فيها الأنبياء ﵈ وغيرهم كذا قاله علي القاري في (شرح المصابيح). وفيه جواز الجماع في ليالي رمضان وجواز تأخير الغسل إلى بعد طلوع الفجر كذا قاله القسطلاني في (المواهب اللدنية) ثم يصوم ذلك اليوم ولا يفطر، وهذا بإطلاقه يشمل صوم الفرض والواجب والنفل. قال: أي: الراوي ثم أي: بعد ما أخبرت لنا عائشة ﵂ عن دخول رسول الله ﷺ في الصباح جنبًا من جماع خرجنا أي: من عند عائشة ﵂ حتى دخلنا على أم سلمة، ﵂ فسألهَا أي: عبد الرحمن عن ذلك فقالت أي: أم سلمة كما أي: مثل ما قالت عائشة ظاهر المسألة أنها قالت: يا عبد الرحمن. . . إلى آخره لكن في رواية للنسائي فقالت أم سلمة ﵂: كان ﷺ يصبح جنبًا مني فيصوم ويأمرني بالصيام. قال الراوي: فخرجنا أي: من عند أم سلمة حتى جئنا مروان، أي: ابن الحكم كما في (الموطأ) لمالك فذكَرَ له أي: لمروان عبد الرحمن ما قالتا، فقال: أي: مروان أقسمتُ أي: جعلتك محلوفًا عليك يا أبا محمد، لتركبن دابتي أي: الخاصة فإنها بالباب، أي: واقفة مهيأة فلْتذهبنَّ إلى أبي هريرة ﵁؛ فإنه بأرضه بالعقيق؛ وهو موضع

стр. 690

بالمدينة، وفي (ق ٣٧٧) رواية للبخاري: ثم قدر لنا أن نجتمع بذي الحليفة وكان لأبي هريرة هناك أرض، فظاهره أنهم اجتمعوا من غير قصد، لا تخالف بين قوله بذي الحليفة وبين قوله بالعقيق لاحتمال أنهما قصداه إلى العقيق فلم يجداه ثم وجداه بذي الحليفة، كان له بها أرض أيضًا فلتخبرنه ذلك أي: نقلهما المخالف لقوله: قال: أي: أبو بكر بن عبد الرحمن فركب عبد الرحمن وركبتُ معه أي: خلفه أو على دابة أخرى وذهبنا حتى أتينا أبا هريرة، فتحدث معه عبد الرحمن ساعة على طريق المصاحبة وعن البخاري: فقال له عبد الرحمن: إني ذاكرك أمرًا لولا أن مروان أقسم علي فيه لم أذكره لك ثم ذكر له ذلك، أي: بطريق الملاطفة فقال أبو هريرة: لا علم لي بذلك، أي: استقلالًا إنَّما أَخْبَرَنِيه مُخْبِر عنه ففي مسلم فقال أبو هريرة: سمعت ذلك من الفضل بن عباس ولم أسمعه من النبي ﷺ ، وفي (البخاري) فقال له كذلك: أخبرني الفضل بن عباس وهو أعلم بما روى، والعهدة في ذلك عليه لا علي. وفي رواية النسفي عن البخاري: وهن أعلم لعلم أي: أزواج النبي ﷺ ، وفي مسلم قال أبو هريرة: أهي قالتا ذلك؟ قال: نعم، قال: هما أعلم. ورجع أبو هريرة عما كان يقول في ذلك وهذا يرجح رواية النسفي. قال محمد: وبهذا أي: بما روي عن عائشة وأم سلمة نأخذ، أي: نعمل ومن أصبح جُنُبًا من جماع من غير احْتِلام أي: ولو كان من احتلام؛ فإن الاحتلام بالأولى في هذا المقام في شهر رمضان أي: ولو كان في صوم فرض أداء فضلًا عن أن يكون نفلًا أو قضاء ثم اغتسل بعد ما طلع الفجر، فلا بأس بذلك، أي: والمستحب خلاف ذلك إذ لم يكن عذر هنالك وكتاب الله يدل على ذلك، أي: على ما ذكر في الحكم المستفاد من حديثهما قال الله عز: أي: شأنه أو غلب حكمه على الأمور وجل أي: عظم بركاته في سورة البقرة: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ﴾ أي: من أولها إلى أخرها ﴿الرَّفَثُ﴾ أي: الجماع عن ابن عباس ﵄ أنه قال: الغشيان واللمس والإِفضاح أي: الحجالة والمباشرة الرفث، هو الجماع ولكن الله حيي كريم يكني ما شاء الله بيانًا للأدب إلى عباده لئلا يتكلموا بما يستكره ذكره ﴿إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ أي: زوجاتكم وسراريكم، روي أن المسلمين كانوا إذا أمسوا حل لهم الأكل والشرب والجماع إلى أن يصلوا العشاء الأخيرة، أو يرقدوا ثم إن عمر ﵁، باشر أهله بعد العشاء، فندم وأتي النبي ﷺ واعتذر إليه، فقال رسول الله ﷺ : "ما كنت جديرًا بذلك" فرجع مغتمًا فنزلت الآية، وعدي

стр. 691

بإلى لتضمنه معنى الإفضاء والإِنهاء، وإيثاره ههنا لاستقباح ما ارتكبوه، ولذلك سمي خيانة وقرئ: الرفوث، وتقديم الظرف على القائم مقام الفاعل لما مر مرارًا من التشريف، فإن ما حقه التقديم إذا أخر تبقى النفس فترقبة إليه فيتمكن عندها وقت وروده فضل تمكن ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ أي: ستر كالفراش استئناف مبين لسبب الإِحلال وهو صعوبة الصبر عنهن مع شدة المخالطة وكثرة الملابسة بهن، وجعل كل من الرجل والمرأة لباسًا للآخر لأعتناقهما واشتمالهما بالليل. واللباس اسم لكل ما يستر الشيء فكان كل واحد (ق ٣٧٨) منهما ستر صاحبه عما لا يحل ومنه عن الضجر ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ استئناف آخر مبين لما ذكره من السبب والاختيان أبلغ من الخيانة كالاكتساب من الكسب، ومعنى تختانون تظلمونها بتعريضها للعقاب وتنقيص حظها من الثواب وبجماعهن بعد صلاة العشاء فإنه كان محرمًا أولًا ثم نسخ بقوله تعالى: ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ أي: رجع عليكم بالتخفيف. وفيه دليل على جواز نسخ السنة بالقرآن كذا قاله أبو السعود، والشيخ زاده: ﴿وَعَفَا عَنْكُمْ﴾ أي: محا ذنوبكم كذا في (الكواشي) ﴿فَالْآنَ﴾ أي: جامعهن وفي وقوع ذلك إنه للزمن الحاضر والأمر مستقبل أبدأ، وتأويله ما قاله أبو البقاء قال: والآن حقيقة الوقت الذي أنت فيه، وقد يقع على الماضي القريب منا وعلى المستقبل القريب تنزيل للقريب منزلة الحاضر وهو المراد هنا، لأن قوله تعالى: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ أي: فالوقت الذي كان يحرم عليكم فيه الجماع من الليل، فالآن قد بحنا لكم مباشرتهن أي: مجامعتهن. كذا قاله ابن عاد في تفسير (اللباب) يعني أي: يريد الله تعالى مباشرة الجماع تفسير في المصنف ﴿وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ أي: اطلبوا ما قدره الله لكم وقدره في اللوح يعني الولد هذا أيضًا تفسير منه، وفيه أن المباشر ينبغي أن يكون غرضه الولد؛ فإن الحكمة في خلق الشهوة وشرع الحكم لإِفضاء الشهوة وقيل: فيه نهي عن العزل فإن العزل لا يجوز في وطئ الحرائر إلا بإذنهن وقيل: نهى عن غير المأتي به؛ فإنه موضع الغرس؛ لأنه الحرث، والتقدير: وابتغوا المحل الذي كتب لكم ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ عطفًا على باشروهن، وهي نزلت في شأن حرقة بن قيس ﵁ إنه عمل في النخيل في النهار، فلما رجع إلى منزله غلب عليه النوم قبل أن يأكل شيئًا فأصبح صائمًا فامتعقه الصوم فرآه رسول الله ﷺ في آخر النهار، وقال له مالك بن قيس: أمسيت معيبًا فقال: ظللت أمس في النخيل نهاري كله حتى أمسيت فأتيت أهلي فأرادت أن تطعمني سنحًا فأبطأت على فنمت

стр. 692

فأيقظوني فقد حرم على الطعام والشراب فلم آكل فأصبحت صائمًا، فأمسيت وقد جهدني الصوم فنزلت هذه ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ وهذان الأمران للإِباحة وليس للحتم مثل قوله تعالى في سورة الجمعة: ﴿فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ١٠] فقد أباح الله الأكل والشرب للمؤمنين في ليالي رمضان إلى طلوع الفجر الثاني بقوله: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ﴾ أي: البياض المعترض في أفق الشرق ﴿مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ أي: ظلمة الليل شبه أول ما يبدو من الفجر المعترض في الأفق وما يمسه منه في غاسق الليل بخيطين أبيض وأسود والتقى بيان الخيط الأبيض بقوله تعالى: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ عن بيان الخيط الأسود، لدلالته عليه، وبذلك خرجا (ق ٣٧٩) عن الاستعادة إلى التمثيل، ويجوز أن يكون من للتبعيض فالتقدير كلوا واشربوا إلى إبداء بعض الفجر وروى عن عدي بن حاتم الطائي أنه قال: أخذت خيطين فجعلت انظر إليهما فلم يتبين الأبيض من الأسود ما لم يسفر، فأتيت رسول الله ﷺ فأخبرته بذلك فتبسم وقال: "إنك لعريض القفا إنما هو سواد الليل وبياض النهار" فنزل قوله تعالى: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ فارتفع الاشتباه بقوله: "عريض القفا" كناية عن كلمتي يعني أي: يرد المصنف بالفجر في نسخة: ومبينة بقوله: حتى يطلع الفجر ثم يظهر وجه الاستدلال على ما قاله بقوله: فإذا كان الرجل أي: الذي يريد الصوم قد رُخِّص له أن يُجَامِعَ، ويبتغي الولد هذا قيد اتفاقي ويأكل ويشرب حتى يطلع الفجر، يعني ربما يتأخر الجماع عن الأكل والشرب؛ لأن الواو لمطلق الجمع فيقع آخر جماعه عن أول طلوع الفجر فمتى يكون الغسل أي: فلا يتحقق ولا يمكن غسله إلا بعد طلوع الفجر، فهذا أي: وقوع الجماع قبل طلوع الفجر ووقوع الغسل بعد طلوعه لا بأس به، أي: لا يضر صومه وهو أي: جواز الغسل بعد الفجر وعدم ضرره بالصوم قول أبي حنيفة، والعامة أي: عامة أكابر الأمة. لما فرغ من بيان أحكام حال الرجل أصبح جنبًا في رمضان، شرع في بيان أحكام القبلة للصائم، فقال: هذا * * * باب القبلة للصائم في بيان أحكام القبلة بضم القاف وسكون الموحدة واللام من التقبيل للصائم أي: سواء كان صائمًا للفرض أو الواجب أو التطوع.

стр. 693

٣٥٢ - أخبرنا مالك، حدثنا زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، أن رجلًا قَبَّل امرأته وهو صائم، فَوَجِدَ من ذلك وَجْدًا شديدًا، فأرسل امرأته تَسْأَلُ له عن ذلك، فدخلتْ على أم سلمة زوج النبي ﷺ ، فأخبرتها أم سلمة أن رسول الله ﷺ كان يُقبِّل وهو صائم، فرجعت إليه، فأخبرته بذلك فزَاده ذلك شرّا، وقال: إنا لسنا على مثل رسول الله ﷺ ؛ يُحل الله لرسوله ما شاءَ، فرجعت المرأة إلى أم سلمة؛ فوجدت عندها رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : "ما بال هذه المرأة؟ "، فأخبرته أم سلمة، فقال: "ألا أخبرتها: أني أفعل ذلك؟ "، قالت: قد أخبرتها، فذهبت إلى زوجها فأخبرته، فزاده ذلك شرًا، وقال: إنَّا لسنا على مثل رسول الله ﷺ ؛ يُحل الله لرسوله ما يشاءُ، فغضب رسول الله ﷺ ، وقال: "والله إني لأتقاكم لله، وأعلمكم بحدود الله". • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا مالك، أي: حدثنا مالك بن أنس بن عمير بن أبي عامر الإِمام الأصبحي، يعني منسوب إلى ملك ذي أصبح من ملوك اليمن، كان في الطبقة السابعة من طبقات أتباع التابعين من أهل المدينة وهي كانت في الإقليم الثاني من الأقاليم السبعة، حدثنا وفي نسخة: قال: بنا، رمزًا إلى أخبرنا زيد بن أسلم، العدوي مولى عمر يكنى أبا عبد الله أو أبا أسامة المدني ثقة عالم كان يرسل كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة مات سنة ست وثلاثين بعد المائة عن عطاء أي: بالقصر ابن يسار، الهلالي يكنى أبا محمد المدني مولى ميمونة ثقة فاضل صاحب مواعظ وعبادة، في الطبقة الثانية من طبقات صغار التابعين، من أهل المدينة مات سنة أربع وتسعين، وكان الحديث مرسلًا عند جميع الرواة ووصله عبد الرزاق بإسناد صحيح عن عطاء عن رجل من الأنصار أن رجلًا قَبَّل امرأته وهو صائم، أي: في رمضان كما في الموطأ لمالك في رواية يحيى فَوَجِدَ أي: ورد على قلبه تكلف كما قاله السيد الشريف من ذلك أي: لأجل قبلة امرأته وَجْدًا بفتح الواو وسكون الجيم أي: حزنًا شديدًا، أي: ولم يسعده أمرًا صغيرًا واستحى أن يسأل رسول الله ﷺ توقيرًا فأرسل امرأته أي: حال كونها تَسْأَلُ له فالضمير

стр. 694

المجرور عائد إلى رسول الله ﷺ (ق ٣٨٠) بمعونة المقام عن ذلك، إلى القبلة، هل يضر صومه ذلك فدخلتْ على أم سلمة زوج النبي ﷺ ، أي: فذكرت المرأة المسألة لها فأخبرتها أم سلمة أن رسول الله ﷺ كان يُقبِّل؟ أي: يُقبِّلها كما في البخاري وهو صائم، فرجعت أي: المرأة إليه، إلى الرجل فأخبرته أي: زوجها بذلك فزَاده ذلك شرا، أي: محنة وبلية حيث ظن أن أم سلمة أفتت من عندها في القضية فقال: إنا لسنا على مثل رسول الله ﷺ ؛ أي: من جميع الوجوه، يُحل الله: بضم التحتية وكسر الحاء المهملة، مِنْ أَحَلَّ: إذا أباح، أي: يجعل الله لرسوله ما شاءَ، أي: من الأشياء، كجواز الوصال، وزيادة النساء على الأربع إلى إحدى عشرة، فرجعت المرأة: والفاء بمعنى: ثم، كما في رواية يحيى، إلى أم سلمة؛ أي: هند بنت أُميَّة فوجدت أي: عندها؟ أي: عند أم سلمة رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : "ما بال هذه المرأة؟ " أي: ما شأنها وحالها فأخبرته أم سلمة، أي بسؤالها أنها تسأل عن القبلة للصائم، فقال: أي: ﷺ "ألا أخبرتها: بفتح الهمزة وتشديد اللام المفتوحة، وهي حرف للعرض، وهو الإِعلام، وحرف للتخضيض ومعناهما: طلب الشيء ولكن العرض: طلب بلين، والتحضيض: بِحَثّ، وتختص هذه بالجمل الفعلية، وهي بمعنى لولا التي تكون للتخضيض. قال تعالى في سورة النمل: ﴿لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ﴾ [النمل: ٤٦]، وقال تعالى في سورة المنافقون: ﴿لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ [المنافقون: ١٠]، أني أفعل ذلك؟ "، بكسر الكاف، وبفتح وفيه التنبيه على الإِخبار بأفعاله، ويجب عليهن أن بها ليقتدي به الناس، قال تعالى في سورة الأحزاب: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب: ٣٤]. قال سعيد بن زيد الباجي أبو عمر: فيه إيجاب العمل بخبر الواحد كذا قاله: الزرقاني قالت: أي: أم سلمة، قد أخبرتها، فذهبت إلى زوجها فأخبرته، فزاده ذلك شرًا، أي: شرارة أو حرارة أو اضطراريًا، وقال: إنَّا لسنا على مثل رسول الله ﷺ ؛ ولم يُحل الله أي: يجعل الله حلالًا لرسوله ما يشاءُ. فغضب رسول الله ﷺ ، لاعتقاد التحضيض بلا علم، كما أشار إليه ابن العربي وابن عبد البر، وقال عياض: غضبه لذلك ظاهر؛ لأن السائل جوز وقوع المنهي عنه منه لكن لا حرج عليه إن غفر له، فأنكر ﷺ ذلك، وقال: "والله إني لأتقاكم لله، وأعلمكم بحدوده فكيف تجوزون وقوع ما نهى عنه مِنِّي.

стр. 695

قال ابن عبد البر: "فيه دلالة على جواز القبلة للشاب والشيخ؛ لأنه لم يقل للمرأة زوجك أشيخ أو شاب، فلو كان بينهما فرق لسألها؛ لأنه المبين عن الله". وقد أجمعوا على أن القبلة لا تكره لنفسها، وإنما كرهها من كرهها خشية ما تؤول إليه. وأجمعوا على أن من قبَّل وسَلِمَ من خروج المني فلا شيء عليه، وإن أمذى فكذلك عن الحنفية والشافعية والمالكية وعن أحمد يفطر وإن أمنى فسد صومه اتفاقًا كذا قاله (ق ٣٨١) الزرقاني يعني: لو أنزل الصائم من قبلة امرأته أو جاريته أو من مس البشرة أو من إيلاج ذكره إلى فخذ امرأته أو إلى بطنها أو من عبث بالكف لزمه القضاء دون الكفارة لقصور الجناية. كذا في (الدرر)، وكذا لو قبَّلت الصائمة زوجها فأنزلت: أفطرت، ولزمها القضاء فقط وإن أمذى أو أمذت لا يفسد الصوم. كذا في (الجوهرة). * * * ٣٥٣ - أخبرنا مالك، أخبرنا أبو النَّضر مولى عمر بن عُبَيْد الله، أن عائشة ابنةَ طلحةَ أخبَرَتْهُ، أنها كانت عند عائشة زوج النبي ﷺ ، فدخل عليها زوجها هنالك، وهو عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر، فقالت له عائشة: ما يمنعك أن تدنو إلى أهلك تقبِّلها وتلاعبها؟ قال: أُقَبِّلُها وأنا صائم؟ قالت: نعم. قال محمد: لا بأس بالقُبلة للصائم إذا مَلَكَ نفسه عن الجِماع، وإن خاف أن لا يملك نفسه فالكَفّ أفضل، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامَّةِ قَبْلَنَا. • أخبرنا مالك، بن أنس بن عمير بن أبي عامر الإِمام الأصبحي، يعني: منسوب إلى ملك ذي أصبح من ملوك اليمن، كان في الطبقة السابعة من طبقات أتباع التابعين من أهل المدينة كانت في الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة. وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي نسخة أخرى: أنا، رمزًا إلى أخبرنا، أخبرنا وفي نسخة قال: بنا أبو النَّضر: بفتح النون وسكون الضاد المعجمة وراء اسمه سالم بن أبي أميَّة مولى عمر بن عُبَيْد الله، بضم العين المهملة وفتح الموحدة وسكون التحتية ابن معمر القرشي التيمي المدني التابعي، كان في الطبقة الخامسة من أهل المدينة. كذا قاله الطيبي في (ذيل شرح مشكاة المصابيح) وابن حجر في (التقريب من أسماء الرجال): أن عائشة ابنةَ، وفي نسخة: بنت طلحةَ بن عبيد الله

стр. 696

أحد العَشَرَةَ، القرشية، التيمية، أم عمران، كانت فائقة الجمال، ثقة، روى لها أصحاب الستة، أخبَرَتْهُ إلى مولى عمر بن عبيد الله، أنها أي: عائشة ابنت أبي طلحة كانت عند عائشة زوج النبي ﷺ ، فدخل عليها أي: على عائشة الصديقة ﵂ زوجها أي: زوجته ابنت طلحة هنالك، أي: لكونها عمته بسبب ذلك، وهو أي: زوجها عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر، أي: الصديق ﵁، فقالت له: أي: لابن أخيها عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر أي: الصديق عائشة: ما يمنعك، وفي نسخة: منعك أي: أيّ شيء يمنعك يا ابن أخي، أن تدنوا: أن تقرب، إلى أهلك أي: زوجتك تقبِّلها وتلاعبها؟ أي: يمس البشرة دون جماعها، ولعلها قصدت إفادته الحكم، وإلا فمعلوم أنه لا يقبلها بخصوص عائشة أم المؤمنين، قال: أُقَبِّلُها وأنا صائم؟ قالت: أي: الصديقة: نعم هي: بفتح النون والعين وسكون الميم، حرف تصديق، تأتي للتأكيد بما قبلها من الخبر. كذا قاله ابن هشام في (مغني اللبيب)، وفي هذا دلالة على أنها لا ترى تحريمها ولا أنها من الخصائص، وأنه لا فرق بين شاب وشيخ؛ لأن عبد الله كان شابًا ولا يعارض هذا ما للنسائي عن الأسود: قلت لعائشة: أيباشر الصائم؟ قالت: لا، قلت: أليس كان رسول الله ﷺ يباشر وهو صائم؟ قالت: كان أملككم لأَرْبِه لأن جوابها لأسود بالمنع محمول على تحريك شهوته؛ لأن فيه تعريضًا لإِفساد العبادات، كما أشعر به قولها: كان أملككم لأربه: وهو بفتح الهمزة وسكون الراء. وبالموحدة: الحاجة أو العضو. كذا في (الأختري). فحاصل ما أشارت إليه إباحة القبلة والمباشرة بغير جماع لمن ملك أَرْبه دون من لا يملك أو تحمل النهي على كراهة التنزيه. وقد روى أبي يوسف القاضي بلفظ: سئلت عائشة ﵂ عن المباشرة للصائم فكرهتها. فلا ينافي في الإِباحة المستفادة من حديث الباب، ومن قولها: الصائم له كل شيء إلا الجماع. رواه الطحاوي. فهذا حديث موقوف حقيقة. مرفوع حكمًا. قال محمد: لا بأس أي: لا فساد بالقبلة للصائم إذا ملك نفسه عن (ق ٣٨٢) الجماع وكذا عن الإِنزال بالمني فإن خاف أي: الصائم، أن لا يملك نفسه أي: عما ذكر فالكف أفضل أي:

стр. 697

رعاية لحول الحمى، فحينئذ عدم كفه يكون مكروهًا، وهو أي: عدم كراهية القُبلة للصائم إذا مَلَكَ نفسه قول أبي حنيفة نعمان بن ثابت بن طاووس بن هرمز بن ملك بن شيبان، كان في الطبقة السادسة من طبقات التابعين والعامَّةِ قَبْلَنَا أي: وقول الجمهور من المتقدمين وفي (كتاب الرحمة في اختلاف الأئمة) أن القبلة في الصوم محرم عند أبي حنيفة والشافعي في حق من تحرك شهوته. وقال مالك: هي محرمة فيه بكل حال، وعن أحمد روايتان: ولو قبَّل فأمذى لم يفطر عند الثلاثة، وقال أحمد: يفطر ولو نظر بشهوة فأنزل يفطر صومه عند الثلاثة، وقال مالك: يبطل انتهى. وإن قبَّل أو لمس فأنزل: قضى عندنا ولا كفارة عليه. * * * ٣٥٤ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع عن ابن عمر، أنه كان ينهَى عن القُبْلَة والمُبَاشَرَةَ للصائم. • أخبرنا مالك، في نسخة: محمد. قال: بنا، أخبرنا وفي نسخة: عن نافع، المدني التابعي عن ابن عمر، أنه كان ينهَى أي: نهي تنزيه أو تحريم عن القُبْلَة: بضم القاف وسكون الموحدة ولام أي: تقبيل علي الفم أو الخد أو غيرهما، والمُبَاشَرَةَ بنحو لمس البشرة بلا جماع للصائم أي: مطلقًا؛ لأن من رعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه؛ لأنه لا يملك نفسه. لما في الصحيحين من حديث عائشة أنه ﷺ كان يقبل ويباشر وهو صائم. والمراد بالمباشرة: اللمس والملامسة والملاعبة والمخالطة. وقد روى أبو داود عن أبي هريرة ﵁ أنه ﷺ سأله رجل عن المباشرة للصائم فرخص له، وأتاه آخر فنهاه فإذا الذي رخص له شيخ، والذي نهاه شاب. كذا قاله علي القاري. لما فرغ من بيان حكم القبلة للصائم، شرع في بيان حكم الحجامة للصائم، فقال: هذا

стр. 698

باب الحجامة للصائم في بيان حكم الحجامة على وزن الكتابة، وهي بكسر الحاء المهملة والجيم المضموضة والألف والميم والتاء اسم من الحجوم على ما ذكره الجوهري (١) وهي إخراج الإِنسان من بين الكتفين والأخدعين (٢) وهما بفتح الهمزة وسكون الخاء المعجمة والدال المفتوحة والعين عرقان من جانب العنق. قال في الشمائل: حدثنا عبدة عن سفيان الثوري عن جابر عن ابن عباس أظنه قال: أن النبي ﷺ احتجم في الأخدعين وبين الكتفين وأعطى الحجام أجرة (٣) للصائم اتفقوا على أن الحجامة تكره للصائم؛ فإنها لا تفطر إلا عند أحمد فإنه يفطر الحاجم والمحجوم لما ورد عن ثوبان مرفوعًا: "أفطر الحاجم والمحجوم" (٤) رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه وابن حبان والحاكم في مستدركه وأوله الجمهور بأن معناه تعرضًا للإِفطار وقيل: جاز لهما أن يفطر حيث كان بعد الغروب أو لضرورة المرض الدعوي وقيل: على جهة التغليظ لهما والدعاء لها. كذا في (النهاية) وكذا قاله علي القاري.

стр. 699

٣٥٥ - أخبرنا مالك، حدثنا نافع، أن ابن عمر، كان يحتجم وهو صائم، ثم إنه كان يحتجم بعد ما تَغْرُب الشمس. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، حدثنا وفي نسخة: عن نافع، المدني أن ابن عمر، ﵄ كان يحتجم وهو صائم، فيه إشارة إلي رخصة الحجامة للصائم، وكان من الورع بمكان قال ابن عبد البر: وقال سعيد بن زيد الباجي المالكي: لما كبر وضعف خاف أن تضطره الحجامة إلى الفطر أي: يفعل ذلك في حال قوة يأمن فيها الضعف ثم ترك خيفة الضعف لمَّا أسن. كذا قاله الزرقاني (١) ثم إنه كان أي: بعد ذلك يحتجم بعد ما تَغْرُب الشمس أي: احتياطًا وعمل بالعزيمة. * * * ٣٥٦ - أخبرنا مالك، حدثنا الزُّهْرِيّ، أن سعدًا وابن عمر كانا يحتجمان وهما صائمان. قال محمد: لا بأس بالحجامة للصائم، وإنما كُرِهَت من أجل الضعف، فإذا أمِنَ ذلك فلا بأس، وهو قولُ أبي حنيفة. • أخبرنا مالك، بن أنس بن عمير بن أبي عامر الإِمام الأصبحي، يعني: ينسب إلى ملك ذي أصبح، من ملوك اليمن، كان من أتباع التابعين في الطبقة السابعة من أهل المدينة، وفي نسخة: محمد بنا، حدثنا وفي نسخة: عن الزُّهْرِيّ، أي: محمد بن مسلم بن شهاب بن زهرة بن كلاب تابعي من الطبقة الرابعة من طبقات التابعين، من أهل المدينة أن سعدًا

стр. 700

أي: سعد بن أبي وقاص ﵁ وابن عمر ﵄ كانا يحتجمان وهما أي: والحال صائمان ثم ترك ذلك ابن عمر كما قال نافع. قال ابن عبد البر (١): هذا الحديث منقطع وهو الذي روى عمر لا يمكن أن يكون قد رآه الراوي وقبل ما سقط ذكروا واحدًا من الرواة قبل الوصول إلي التابعي وإن تسقط أكثر من واحد يسمى معضلًا كذا قاله الأصوليون. قال محمد: لا بأس أي: لا فساد للصوم بالحجامة للصائم، وإنما كُرِهَت أي: في بعض الروايات من أجل الضعف، أي: بسبب ضعف يظهر للصائم ويكون موجبًا لإِفطاره أو ضعف نفس المحتجم فربما يسرب الدم فيكون باعثًا لإِفطاره فإذا أمِنَ ذلك ما ذكر فلا بأس، أي: لا كراهة وهو قودُ أبي حنيفة ﵀. * * * ٣٥٧ - أخبرنا مالك، أخبرنا هشام بن عُرْوَةَ، قال: ما رأيتُ أبي قطّ احتجم إلا وهو صائم. قال محمد: وبه نأخذ، وهو قولُ أبي حنيفة. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، أخبرنا وفي نسخة: عن هشام بن عُرْوَةَ، قال: ما رأيتُ أبي أي: عروة بن الزبير بن العوام بن خويلد الأسدي المدني، يكنى أبا عبد الله المدني، فقيه، ثقة، مشهور، كان في الطبقة الثانية من طبقات التابعين من أهل المدينة، قطّ أي: أبدًا احتجم إلا وهو صائم؛ لأنه كان يواصل الصوم. قال ابن عبد البر: عن سعيد بن زيد الباجي المالكي أنه قال: يحتمل أن يريد يحتجم قبل أن يأكل، وقال أبو عبد الملك: يحتمل أنه حكى له كثرة أفعاله وفي البخاري أن ثابتًا سأل أنس بن مالك: كنتم تكرهون الحجامة للصائم قال: لا إلا من الضعف. قال محمد: وبه أي: يقول هشام بن عروة نأخذ، أي: نعمل وهو قولُ أبي حنيفة ﵀ لما روى الترمذي عن أبي سعيد الخدري والبزار وابن عباس أنه قال: قال رسول

стр. 701

الله ﷺ : "ثلاثة لا تفطر الصائم: القيء والحجامة والاحتلام" (١). لما فرغ من بيان حكم الحجامة للصائم، شرع في بيان الصائم يذرعه القيء أو يتقيأ، فقال: هذا * * * باب الصائم يذرعه القيء أو يتقيأ في بيان حكم الصائم يذرعه أي: يغلبه القيء، أو يتقيأ أي: يتكلف الصائم القيء وفي نسخة: أو يستقي أي: يتعمد الصائم إخراج القيء أو يتقيأ بأن يدخل أصبعه في حلقه. ٣٥٨ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، أن ابن عمر كان يقول: مَنِ اسْتَقَاءَ وهو صائم فعليه القَضَاء، ومَنْ ذَرَعه القَيْءُ، فليس عليه شيء. قال محمد: وبه نأخذ، وهو قولُ أبي حنيفة. • أخبرنا مالك، في نسخة: محمد قال: بنا، أخبرنا وفي نسخة: عن نافع، المدني مولى

стр. 702

ابن عمر أن ابن عمر ﵄ كان يقول: مَنِ اسْتَقَاءَ أي: تعمد إخراج القيء وأخرجه ولو دون ملاء الفم لإِطلاق قوله: من استقاء وهو أي: والحال أن المستقي ذكر أنه صائم فعليه القَضَاء، وشرط يونس أن يكون القيء ملاء الفم؛ لأن ما دونه كالعدم حكمًا حتى لا ينقض الوضوء ومَن ذَرَعَه بالذال المعجمة والراء المهملة والعين المهملة أي: غلبه وسبقه القَيْءُ، ولو كان ملاء الفم، وهو ذاكر لصومه فليس عليه شيء أي: لا يجب عليه القضاء ولا الكفارة، والحديث موقوف ظاهرًا ومرفوع حكمًا لما رواه أصحاب السنن الأربعة من حديث أبي هريرة ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "من ذرعه القيء وهو صائم فليس عليه القضاء، واستقاء عمدًا فليقض" (١) أي: من دون الكفارة لعدم صورة الفطر. قال محمد: وبه أي: بما قاله ابن عمر ﵄ نأخذ، أي: نعمل وهو أي: ما قاله ابن عمر قولُ أي حنيفة رحمه الله تعالى، وبه قال مالك والشافعي ملأ فيه أم لا وعن أحمد روايتان أشهرهما أنه لا يفطر إلا بالفاحش، وعن ابن عباس وابن عمر أنه لا يفطر بالاستقاءة وأما إن ذرعه القيء فلم يفطر بالإِجماع. كذا قاله علي القاري. لما فرغ من بيان حكم حال الصائم يذرعه القيء أو يستقي، شرع في بيان حكم الصوم في السفر، فقال: هذا * * * ٨ - باب الصوم في السفر في بيان حكم الصوم في السفر أي: في حاله. ٣٥٩ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، أن ابن عمر كان لا يصوم في السفر.

стр. 703

• أخبرنا مالك، من كبار أتباع التابعين، وفي نسخة: محمد قال: بنا، أخبرنا وفي نسخة: عن نافع، المدني مولى ابن عمر أن ابن عمر ﵄ كان لا يصوم في السفر؛ لأنه كان يرى أن الصوم في السفر لا يجزي؛ لأن الفطر عزيمة من الله لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤]. فجعل عليه عدة، وبه قال أبوه عمر وأبو هريرة وعبد الرحمن بن عوف وقوم من أهل الظاهر، ويرده أحاديث الباب قاله ابن عبد البر (١): واحتجوا لذلك أيضًا بحديث الصحيحين أنه ﷺ في سفر في غزوة الفتح، كما في الترمذي رأى زحامًا ورجلًا قد ظلل عليه، فقال: "ما هذا؟ " قالوا: صائم، فقال: "ليس من البر الصوم في السفر"، ولمسلم: "ليس البر أن تصوموا في السفر" (٢) وزاد بعض الرواة: عليكم برخصة الله التي رخص لكم في سورة البقرة قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤] كذا قاله الزرقاني (٣). اتفقوا على أن المسافر والمريض الذي لا يرجى برءة يباح لهما الفطر وإن صام صح وإن تضررا أكره. * * * ٣٦٠ - أخبرنا مالك، حدثنا الزُّهْرِيّ، عن عُبَيْد الله بن عبد الله، عن ابن

стр. 704

عباس، أن رسول الله ﷺ خرج عام فتح مكة في رمضان، فصام حتى بلغ الكَدِيد، ثم أَفْطَرَ فأَفْطَرَ الناسُ معه، وكان فتح مكة في رمضان، قال: وكانوا يأخذون بالأحْدَث فالأحْدَث، من أمر رسول الله ﷺ . قال محمد: مَنْ شاء صام في السفر، وَمَنْ شَاءَ أَفْطَرَ، والصوم أفضل لمن قَوِيَ عليه، وإنما بلغنا أن النبي ﷺ أَفْطَرَ حين سافر إلى مكة؛ لأنَّ الناس شَكَوْا إليه الْجُهْدَ من الصوم، فأفْطَرَ لذلك، وقد بلغنا أن حمزة الأسْلَمِيّ سأله عن الصوم في السفر، فقال: "إن شئتَ فَصُمْ، وإنْ شئْتَ فأفطرْ". فبهذا نأخذ، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامَّةِ قبلنا. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، رمزًا إلى أخبرنا، حدثنا في نسخة: عن الزُّهْرِيّ، أي: نسب إلى زهرة بن كلاب، والمراد به محمد بن مسلم بن شهاب بن زهرة بن كلاب تابعي، في الطبقة الرابعة في طبقات التابعين من أهل المدينة عن عُبَيْد الله بضم العين ابن عبد الله، بفتحها ابن عتبة بضم العين المهملة وسكون الفوقية أي: ابن مسعود عن ابن عباس، ﵄ أن رسول الله ﷺ خرج عام فتح مكة أي: من المدينة يوم الأربعاء: بعد العصر لعشر خلون في رمضان، لسنة ثمان من الهجرة فصام أي: في جميع مسيره حتى بلغ الكَدِيد، أي: وصله وهو بفتح وكسر الدال الأولى مكان بين عسفان وقديد وهو موقع بينه وبين المدينة بسبع مراحل أو نحوها وبينه وبين مكة ثلاث مراحل أو مرحلتان وهذا تعيين للمسافة. ثم أَفْطَرَ فأَفْطَرَ الناسُ معه، أي: حتى بلغوا مكة وكان فتح مكة في رمضان، أي: في زمان البركة وهي مضي العشر مع عشرة آلاف من الصحابة قال: أي: ابن عباس وكانوا أي: الصحابة يأخذون أي: يعلمون ويستدلون بالأحْدَث أي: بآخر أقواله وأفعاله ﷺ فالأحْدَث، من أمر رسول الله ﷺ . قال النووي: إنما يكون الأحدث ناسخًا إذا علم كونه ناسخًا أو يكون ذلك الأحدث راجحًا مع جوازهما وإلا فقد طاف على البعير وبقضاء مرة مرة، ومعلوم أن طواف الماشي والوضوء ثلاثًا ثلاثًا أرجح، وإنما فعل ذلك ليدل على الجواز، وهذا الحديث رواه البخاري عن عبد الله بن يوسف عن مالك به، وتابعه الليث ويونس ومعمر وعقيل عن ابن شهاب

стр. 705

في (الصحيحين) قال الحافظ أبو الحسن القابسي: هذا الحديث من مرسلات الصحابة؛ لأن ابن عباس كان مقيمًا مع أبويه بمكة فلم يشاهد هذه القصة وكان سمعه من غيره من الصحابة كذا قاله الزرقاني (١). قال محمد: مَنْ شاء صام في السفر، وَمَن شَاءَ أَفْطَرَ، والصوم أفضل لمن قَوِيَ عليه، أي: في قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٨٤]. وجواب الشرط في الآية محذوف تقديره: إن كنتم تعلمون أيها المسافرون ما للصائمين من الفضل والكرامة لتمنيتم وتقولون: يا ليت لنا كل السنة رمضان لما قال أبو مسعود الغفاري ﵁ عن رسول الله ﷺ ذات يوم وقد أهل رمضان فقال: "لو يعلم العباد ما في رمضان لتمنت أمتي أن تكون السنة كلها رمضان" (٢). فقال رجل من بني خزاعة: يا نبي الله حدثنا فقال ﷺ : "إن الجنة لتتزين لرمضان من رأس الحول إلي الحول، فإذا كان أول يوم من رمضان هبت ريح من تحت العرش فصفقت تضرب ورق أشجار الجنة فينظر الحور العين إلى ذلك فيقلن: يا ربنا اجعل لنا من عبادك في هذا الشهر زواجًا تقر أعيننا بهم وتقر أعينهم بنا" قال ﷺ : "فما من عبد يصوم يوم من رمضان إلا زوج زوجة من الحور العين في خيمة من درة كما نعت الله حور مقصورات في الخيام، وعلى كل امرأة منهن سبعون حلة ليست عنها حلة على لون الأخرى ويعطى سبعين لونًا من الطيب ليس من لون على ريح الآخر لكل امرأة منهن سبعين ألف وصيفة أي: جارية لحاجتها وسبعون ألف وصيف أي: غلام، ومع كل وصيف صحفت أي قصعة من ذهب فيها لون طعام يجد لآخر لقمة منها لذة لم نجد لأوله، ولكل امرأة منهن سبعون سريرًا من ياقوتة حمراء، وعلي كل سرير سبعون فراشًا بطائنها من إستبرق فوق كل فراش سبعون أريكة يقال لها بالتركي: جارشف، ويعطي زوجها مثل ذلك على سرير من ياقوت أحمر موشحًا بالدر عليه من سوارين من ذهب هذا بكل يوم صامه من رمضان
следующие страницы →