← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 127713

المهيأ في كشف أسرار الموطأ

عثمان الكماخي

Полный текст (1 812 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

الله ﷺ : "ثلاثة لا تفطر الصائم: القيء والحجامة والاحتلام" (١). لما فرغ من بيان حكم الحجامة للصائم، شرع في بيان الصائم يذرعه القيء أو يتقيأ، فقال: هذا * * * باب الصائم يذرعه القيء أو يتقيأ في بيان حكم الصائم يذرعه أي: يغلبه القيء، أو يتقيأ أي: يتكلف الصائم القيء وفي نسخة: أو يستقي أي: يتعمد الصائم إخراج القيء أو يتقيأ بأن يدخل أصبعه في حلقه. ٣٥٨ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، أن ابن عمر كان يقول: مَنِ اسْتَقَاءَ وهو صائم فعليه القَضَاء، ومَنْ ذَرَعه القَيْءُ، فليس عليه شيء. قال محمد: وبه نأخذ، وهو قولُ أبي حنيفة. • أخبرنا مالك، في نسخة: محمد قال: بنا، أخبرنا وفي نسخة: عن نافع، المدني مولى

стр. 702

ابن عمر أن ابن عمر ﵄ كان يقول: مَنِ اسْتَقَاءَ أي: تعمد إخراج القيء وأخرجه ولو دون ملاء الفم لإِطلاق قوله: من استقاء وهو أي: والحال أن المستقي ذكر أنه صائم فعليه القَضَاء، وشرط يونس أن يكون القيء ملاء الفم؛ لأن ما دونه كالعدم حكمًا حتى لا ينقض الوضوء ومَن ذَرَعَه بالذال المعجمة والراء المهملة والعين المهملة أي: غلبه وسبقه القَيْءُ، ولو كان ملاء الفم، وهو ذاكر لصومه فليس عليه شيء أي: لا يجب عليه القضاء ولا الكفارة، والحديث موقوف ظاهرًا ومرفوع حكمًا لما رواه أصحاب السنن الأربعة من حديث أبي هريرة ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "من ذرعه القيء وهو صائم فليس عليه القضاء، واستقاء عمدًا فليقض" (١) أي: من دون الكفارة لعدم صورة الفطر. قال محمد: وبه أي: بما قاله ابن عمر ﵄ نأخذ، أي: نعمل وهو أي: ما قاله ابن عمر قولُ أي حنيفة رحمه الله تعالى، وبه قال مالك والشافعي ملأ فيه أم لا وعن أحمد روايتان أشهرهما أنه لا يفطر إلا بالفاحش، وعن ابن عباس وابن عمر أنه لا يفطر بالاستقاءة وأما إن ذرعه القيء فلم يفطر بالإِجماع. كذا قاله علي القاري. لما فرغ من بيان حكم حال الصائم يذرعه القيء أو يستقي، شرع في بيان حكم الصوم في السفر، فقال: هذا * * * ٨ - باب الصوم في السفر في بيان حكم الصوم في السفر أي: في حاله. ٣٥٩ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، أن ابن عمر كان لا يصوم في السفر.

стр. 703

• أخبرنا مالك، من كبار أتباع التابعين، وفي نسخة: محمد قال: بنا، أخبرنا وفي نسخة: عن نافع، المدني مولى ابن عمر أن ابن عمر ﵄ كان لا يصوم في السفر؛ لأنه كان يرى أن الصوم في السفر لا يجزي؛ لأن الفطر عزيمة من الله لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤]. فجعل عليه عدة، وبه قال أبوه عمر وأبو هريرة وعبد الرحمن بن عوف وقوم من أهل الظاهر، ويرده أحاديث الباب قاله ابن عبد البر (١): واحتجوا لذلك أيضًا بحديث الصحيحين أنه ﷺ في سفر في غزوة الفتح، كما في الترمذي رأى زحامًا ورجلًا قد ظلل عليه، فقال: "ما هذا؟ " قالوا: صائم، فقال: "ليس من البر الصوم في السفر"، ولمسلم: "ليس البر أن تصوموا في السفر" (٢) وزاد بعض الرواة: عليكم برخصة الله التي رخص لكم في سورة البقرة قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤] كذا قاله الزرقاني (٣). اتفقوا على أن المسافر والمريض الذي لا يرجى برءة يباح لهما الفطر وإن صام صح وإن تضررا أكره. * * * ٣٦٠ - أخبرنا مالك، حدثنا الزُّهْرِيّ، عن عُبَيْد الله بن عبد الله، عن ابن

стр. 704

عباس، أن رسول الله ﷺ خرج عام فتح مكة في رمضان، فصام حتى بلغ الكَدِيد، ثم أَفْطَرَ فأَفْطَرَ الناسُ معه، وكان فتح مكة في رمضان، قال: وكانوا يأخذون بالأحْدَث فالأحْدَث، من أمر رسول الله ﷺ . قال محمد: مَنْ شاء صام في السفر، وَمَنْ شَاءَ أَفْطَرَ، والصوم أفضل لمن قَوِيَ عليه، وإنما بلغنا أن النبي ﷺ أَفْطَرَ حين سافر إلى مكة؛ لأنَّ الناس شَكَوْا إليه الْجُهْدَ من الصوم، فأفْطَرَ لذلك، وقد بلغنا أن حمزة الأسْلَمِيّ سأله عن الصوم في السفر، فقال: "إن شئتَ فَصُمْ، وإنْ شئْتَ فأفطرْ". فبهذا نأخذ، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامَّةِ قبلنا. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، رمزًا إلى أخبرنا، حدثنا في نسخة: عن الزُّهْرِيّ، أي: نسب إلى زهرة بن كلاب، والمراد به محمد بن مسلم بن شهاب بن زهرة بن كلاب تابعي، في الطبقة الرابعة في طبقات التابعين من أهل المدينة عن عُبَيْد الله بضم العين ابن عبد الله، بفتحها ابن عتبة بضم العين المهملة وسكون الفوقية أي: ابن مسعود عن ابن عباس، ﵄ أن رسول الله ﷺ خرج عام فتح مكة أي: من المدينة يوم الأربعاء: بعد العصر لعشر خلون في رمضان، لسنة ثمان من الهجرة فصام أي: في جميع مسيره حتى بلغ الكَدِيد، أي: وصله وهو بفتح وكسر الدال الأولى مكان بين عسفان وقديد وهو موقع بينه وبين المدينة بسبع مراحل أو نحوها وبينه وبين مكة ثلاث مراحل أو مرحلتان وهذا تعيين للمسافة. ثم أَفْطَرَ فأَفْطَرَ الناسُ معه، أي: حتى بلغوا مكة وكان فتح مكة في رمضان، أي: في زمان البركة وهي مضي العشر مع عشرة آلاف من الصحابة قال: أي: ابن عباس وكانوا أي: الصحابة يأخذون أي: يعلمون ويستدلون بالأحْدَث أي: بآخر أقواله وأفعاله ﷺ فالأحْدَث، من أمر رسول الله ﷺ . قال النووي: إنما يكون الأحدث ناسخًا إذا علم كونه ناسخًا أو يكون ذلك الأحدث راجحًا مع جوازهما وإلا فقد طاف على البعير وبقضاء مرة مرة، ومعلوم أن طواف الماشي والوضوء ثلاثًا ثلاثًا أرجح، وإنما فعل ذلك ليدل على الجواز، وهذا الحديث رواه البخاري عن عبد الله بن يوسف عن مالك به، وتابعه الليث ويونس ومعمر وعقيل عن ابن شهاب

стр. 705

في (الصحيحين) قال الحافظ أبو الحسن القابسي: هذا الحديث من مرسلات الصحابة؛ لأن ابن عباس كان مقيمًا مع أبويه بمكة فلم يشاهد هذه القصة وكان سمعه من غيره من الصحابة كذا قاله الزرقاني (١). قال محمد: مَنْ شاء صام في السفر، وَمَن شَاءَ أَفْطَرَ، والصوم أفضل لمن قَوِيَ عليه، أي: في قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٨٤]. وجواب الشرط في الآية محذوف تقديره: إن كنتم تعلمون أيها المسافرون ما للصائمين من الفضل والكرامة لتمنيتم وتقولون: يا ليت لنا كل السنة رمضان لما قال أبو مسعود الغفاري ﵁ عن رسول الله ﷺ ذات يوم وقد أهل رمضان فقال: "لو يعلم العباد ما في رمضان لتمنت أمتي أن تكون السنة كلها رمضان" (٢). فقال رجل من بني خزاعة: يا نبي الله حدثنا فقال ﷺ : "إن الجنة لتتزين لرمضان من رأس الحول إلي الحول، فإذا كان أول يوم من رمضان هبت ريح من تحت العرش فصفقت تضرب ورق أشجار الجنة فينظر الحور العين إلى ذلك فيقلن: يا ربنا اجعل لنا من عبادك في هذا الشهر زواجًا تقر أعيننا بهم وتقر أعينهم بنا" قال ﷺ : "فما من عبد يصوم يوم من رمضان إلا زوج زوجة من الحور العين في خيمة من درة كما نعت الله حور مقصورات في الخيام، وعلى كل امرأة منهن سبعون حلة ليست عنها حلة على لون الأخرى ويعطى سبعين لونًا من الطيب ليس من لون على ريح الآخر لكل امرأة منهن سبعين ألف وصيفة أي: جارية لحاجتها وسبعون ألف وصيف أي: غلام، ومع كل وصيف صحفت أي قصعة من ذهب فيها لون طعام يجد لآخر لقمة منها لذة لم نجد لأوله، ولكل امرأة منهن سبعون سريرًا من ياقوتة حمراء، وعلي كل سرير سبعون فراشًا بطائنها من إستبرق فوق كل فراش سبعون أريكة يقال لها بالتركي: جارشف، ويعطي زوجها مثل ذلك على سرير من ياقوت أحمر موشحًا بالدر عليه من سوارين من ذهب هذا بكل يوم صامه من رمضان

стр. 706

سوى ما عمل من الحسنات" رواه ابن خزيمة والبخاري ومسلم وفي (صحيحهم) (١) (٢). قال الإِمام مالك والشافعي: الصوم أفضل للمسافر إن قوي عليه كما قال أبو حنيفة، وقال أحمد والأوزاعي: الفطر أحب مطلقًا لحديث "من البر الصيام في السفر" وإنما بلغنا أن النبي ﷺ أَفْطَرَ حين سافر إلى مكة أي: عام الفتح؛ لأنَّ الناس شَكَوا إليهِ الْجُهْدَ بفتح الجيم وضمها المشقة من الصوم، أي: من جهة الصيام في السفر فأفْطَرَ لذلك، أي: لهذا العذر والحديث رواه يحيى في (الموطأ) لمالك عن سمي مولى أبي بكر بن عبد الرحمن عن بعض أصحاب رسول الله ﷺ أنه ﷺ أمر الناس في سفره عام الفتح بالفطر وقال: "تقووا لعدوكم" وصام رسول الله ﷺ لكمال قوته على رياضته قال أبو بكر: الذي حدثني لقد رأيت رسول الله ﷺ بالعرج يصب على رأسه الماء من العطش ومن الحر ثم قيل لرسول الله ﷺ : إن طائفة من الناس قد صاموا حين صمت قال: فلما كان رسول الله ﷺ بالكديد دعا قدح فشرب فأفطر الناس والعرج بفتح العين المهملة وسكون الراء قرية جامعة من عمل الفرع على أيام من المدينة. كذا نقله علي القاري عن السيوطي، وروى أن بعضهم صاموا بعد إفطاره ﷺ فقال: أولئك العصاة وقد بلغنا أن حمزة الأسْلَمِيّ صحابي يعد من أهل الحجاز روى عنه جماعة سأله أي: النبي ﷺ عن الصوم في السفر، فقال: "إن شئتَ فَصُمْ، وإنْ شئْتَ فأفطُرْ" والحديث رواه يحيى في موطئه لمالك عن هشام بن عروة عن أبيه أن حمزة بن عمر الأسلمي قال لرسول الله ﷺ : إن شئت فصم وإن شئت فأفطر (٣). قال محمد: فبهذا أي: بما رواه حمزة الأسلمي نأخذ، أي: نعمل وهو قولُ أبي

стр. 707

حنيفة، ﵀ والعامَّةِ قبلنا، ومما يدل علي ما قلنا حديث مسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁ أنه قال: كنا نغزوا مع رسول الله ﷺ في رمضان فمنا الصائم ومنا المفطر فلا يجد الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم (١) أي: لا يغضب، ولا ينكرون أن من وجد قوة فصام فإن ذلك حسن، ويرون أن من وجد ضعفًا فأفطر فإن ذلك حسن. والله أعلم. كذا قاله علي القاري. لما فرغ من بيان حكم الصوم في السفر، شرع في بيان حكم قضاء صوم رمضان، فقال: هذا * * * باب قضاء رمضان هل يفرَّق ؟ في بيان حكم قضاء أي: صوم رمضان، هل يفرق أي: قضاء صوم رمضان أو يتتابع استنبط المصنف هذه الترجمة من قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤] يعني من كان مريضًا في أيام شهر رمضان ولم يستطع أن يصوم فأفطر أو كان مسافرًا فيها فأفطر فعليه أن يقضي بعد رمضان مقدار أيام أكل فيها. ٣٦١ - أخبرنا مالك، حدثنا نافع، أن ابن عمر، كان يقول: لا يُفَرَّق قَضَاءَ رمضان. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، حدثنا وفي نسخة: عن نافع، المدني مولى ابن عمر أن ابن عمر، ﵄ كان يقول: لا يُفَرَّق قَضَاءَ رمضان أي: من أفطر في رمضان أو سفر فمذهب ابن عمر تتابع القضاء، وكذا روى عن علي والحسن والشعبي، وبه قال أهل الظاهر، وذهب الجمهور ومنهم الأئمة الأربعة إلى استحبابه فقط،

стр. 708

وبه قال جمع من الصحابة (١)، وإن كان القياس التتابع إلحاقًا لصفة القضاء وبصفة الأداء أو تعجيلًا لبراءة الذمة، فلا ينبغي أن يؤخر عن قدرته على ترتيبه، إلا أنه يبتدئ بعد يوم عيده إذا كان مريضًا فصح أو مسافرًا. * * * ٣٦٢ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابنِ شهاب، أنَّ ابن عباس وأبا هريرة اخْتَلَفَا في قضَاءِ رمضان، فقال أحدهما: يُفرَّق بينه، وقال الآخر: لا يُفَرَّق بينه. قال محمد: الجمع بينه أفضل، فإن فَرَّقْتَ وأحْصَيْتَ العدة فلا بأس بذلك، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامَّةِ مِنْ قَبْلِنَا. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى الحديث مالك بن عمير بن عامر الإِمام الأصبحي، يعني أنه منسوب، إلى ملك ذي أصبح من ملوك اليمن، كان في الطبقة السابعة من طبقات أتباع التابعين من أهل المدينة، وهي في الإقليم الثاني من الأقاليم السبعة، أخبرنا وفي نسخة: قال: ثنا ابن شهاب، أي: محمد بن مسلم بن شهاب بن زهرة بن كلاب، تابعي من الطبقة الرابعة من طبقات كبار التابعين من أهل المدينة أنَّ أبن عباس وأبا هريرة ﵄ اخْتَلَفَا في قضَاء رمضان، فقال أحدهما: يُفَرَّق بينه، أي: من قضاء ما فاته من أيام رمضان بأن أكل يوم وصام يومًا آخر إلى أن يقضي ما فاته تمامًا وقال الآخر: لا يُفَرَّق بينه أي: بين قضاء ما فاته بل يجب اتصاله بأن صام متتابعًا كل يوم إلى أن يتم ما فاته من رمضان، وزاد يحيى: لا أرى أيهما قال يفرق بينه، ولا أيهما قال لا يفرق بينه. قال ابن عبد البر: لا أدري (ق ٣٨٨) ابن شهاب هذا وقد صح عن ابن عباس وأبي هريرة أنهما أجازا تفريق قضاء رمضان، وقال: لا بأس بتفريقه لقوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤].

стр. 709

وقالت عائشة ﵂: "فعدة من أيام أخر متتابعات" ثم سقطت متتابعات يحتمل أن معنى سقطت نسخت، وليس بين اللوحتين متتابعات فصح سقوطها ورفعها، وفي الفتح هكذا أخرجه مالك منقطعًا مبهمًا ووصله عبد الرزاق (١) معينًا عن معمر عن الزهري عن عبيد بن عبد الله عن ابن عباس فيمن عليه قضاء رمضان قال الله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤] وأخرجه الدارقطني من وجه آخر عن معمر بسنده قال: صمه كما شئت (٢). رويناه في فوائد أحمد بن شبيب عن أبيه عن يونس عن الزهري بلفظ: لا يدرك كيف قضيتها إنما هي ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ فأحصه. وقال عبد الرزاق عن ابن جريج عن عطاء: أن ابن عباس وأبا هريرة قالا: فرقه إذا أحصيته (٣). كذا قاله السيد محمد الزرقاني (٤). قال محمد: الجمع أي: الوصل بينه أي: قضاء ما فاته من رمضان أفضل، فإن فَرَّقْتَ وأحْصَيْتَ العدة أي: ضبطت العدد وحفظته؛ لئلا يكون ناقصًا هنالك فلا بأس بذلك، وهو قولُ أبي حنيفة، رحمه الله تعالى والعامَّةِ مِنْ قَبْلِنَا، ثم اعلم أن من فاته شيء من رمضان لم يجز له تأخير قضائه إلى دخول رمضان آخر، فإن أخره من غير عذر حتى دخل رمضان آخر، لزم القضاء لكل يوم منه. هذا مذهب الشافعي كذا قاله القاري. لما فرغ من بيان حكم قضاء رمضان، شرع في بيان حكم حال من صام تطوعًا ثم أفطر، فقال: هذا * * * باب من صام تطوعًا ثم أفطر في بيان حكم من صام تطوعًا ثم أفطر، ومن قواعد أئمتنا الحنفية أنه يلزم النقل

стр. 710

بالشروع صومًا كان أو صلاة أو حجًا أو عمرة لقوله تعالى في سورة القتال: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣] ولقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] ويوافقنا الشافعية في النسكين دون العبادتين، والقياس عدم الفرق أو يقاس الصوم والصلاة على الحج والعمرة من أن الأصل إطلاق النهي عن إبطال الأعمال. كذا قاله علي القاري. ٣٦٣ - أخبرنا مالك، حدثنا الزُّهرِيّ، أن عائشة وحفصة أصبحتا صائمتين متطوِّعَتَيْنِ، فأُهْدِيَ لهما طعامٌ، فأَفْطَرَتَا عليه، فدخل عليهما رسول الله ﷺ ، قالت عائشة: فقالت حفصة، وبَدَرَتْني بالكلام، وكانت ابنةَ أبيها: يا رسول الله إني أصبحتُ أنا وعائشة صائمتين متطوِّعتين، فأُهْدِيَ لنا طعامٌ، فأفطرنا عليه، فقال لهما رسول الله ﷺ : "اقْضِيَا يومًا مكانه" (١). قال محمد: وبهذا نأخذ، مَنْ صامَ تَطَوُّعًا ثم أفطر فعليه القضاء، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامَّةِ قبلنا. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، حدثنا وفي نسخة أخرى: عن الزُّهْرِيّ، أي: محمد بن مسلم بن شهاب بن زهرة بن كلاب، يكنى أبا بكر، كان في الطبقة الرابعة من طبقات كبار التابعين، من أهل المدينة، أنه قال مرسلًا: أن عائشة وحفصة ﵄ زوجي النبي ﷺ كما في الموطأ ليحيى وصله ابن عبد البر (٢) عن عبد العزيز بن

стр. 711

يحيى عن مالك عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة وقال: لا يصح عن مالك إلا المرسل؛ فإنه روى عن الزهري، وهو من كبار التابعين وعن عائشة ﵂ وله طرق عند النسائي والترمذي وضعناها كلها. وقال النسائي الصواب، والترمذي الأصح عن الزهري مرسل، قال الترمذي: وتابع مالكًا على إرساله معمر وعبيد الله بن عمر وزياد بن سعد وغير واحد من الحفاظ ونقل الترمذي عن ابن جريج قال: سألت الزهري أحدثك عروة عن عائشة قال: لم أسمع من عروة في هذا شيئًا، ولكن سمعت من ناس عن بعض سأله عائشة أصبحتا صائمتين أي: ناويتين الصيام متطوِّعَتَيْنِ، أي: متنفلتين فأُهْدِيَ لهما طعامٌ، أي: شاة في رواية أحمد عن عائشة ﵂ فأَفْطَرَتَا عليه، كلمة "على" بمعنى اللام التعليلية لما في قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٥] أي: لهدايته فقال: إياكم كذا قاله ابن هشام في (مغني اللبيب) (١) أي: فأفطر عائشة وحفصة ﵄ بعد ما نويتا الصيام تطوعًا لأجل هدية الطعام إليهما فدخل عليهما رسول الله ﷺ ، قالت عائشة: أي: بادرت بالسؤال قبل تكلم حفصة وسألته ﷺ من صام تطوعًا ثم أفطر بهدية أهديت له ما يلزم عليه فقالت حفصة، ﵂ وبَدَرَتْني أي: والله سبقتني عائشة ﵂ بالكلام، أي: بالسؤال وكانت أي: الحال أنها ابنةَ أبيها: أي: في المسارعة في الخيرات، فهو غاية في مدحها لها تعني أنها كانت على خلق والدها أبي بكر الصديق ﵁ من الحدة والغلبة فإنه كان من مظاهر الجلال وأنا على صيغة أبي من الحكم والسكينة فإنه كان من مظاهر الجمال، والحاصل أنها قالت: يا رسول الله إني أصبحتُ أنا وعائشة صائمتين متطوِّعتين، أي: متنفلتين فأُهْدِيَ لنا طعامٌ، فأفطرنا عليه، أي: لأجله ولعله كان مما يضيع ويفسد بالأخير أي: يحوز قلب المهدي بامتناعهما عن أكله فإنه كان من باب الضيافة ورعاية لخاطر المضيف مستحب كما يستحب رعاية جانب الضيف فقال لهما رسول الله ﷺ : "اقْضِيَا يومًا مكانه" أي: بدل ذلك اليوم روى هذا الحديث أبو داود والترمذي والنسائي عن عروة.

стр. 712

قال محمد: وبهذا أي: بهذا الحديث نأخذ، أي: نعمل مَن صامَ تَطَوُّعًا ثم أفطر أي: بعذر أو بغيره فعليه القضاء، أي: يجب عليه القضاء لا الكفارة؛ لأن الأمر في قوله ﷺ : "اقضيا يومًا مكانه" للوجوب وهو قولُ أبي حنيفة، رحمه الله تعالى والعامَّة قبلنا اعلم أن من شرع في صلاة تطوع أو صوم تطوع استحب عند الشافعي وأحمد إتمامًا ولو قطعها فلا شيء عليه. وقال أبو حنيفة ومالك: يجب الإِتمام كذا في كتاب الرحمة وذكر الشمني أن مالكًا قال: إن أفطر بعذر كمرض أو شدة جوع أو إكراهًا وسهوًا أو (ق ٣٨٩) خطأً فلا يجب قضاءه وإلا يجب، واستدل الشافعي وأحمد بما روى أحمد وأبو داود من حديث أم هانيء بنت أبي طالب أنها قالت: أن النبي ﷺ قال: "الصائم المتطوع أمير نفسه إن شاء صام وإن شاء أفطر" (١). ولنا ما روى أبو داود والطيالسي في (مسنده) من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: صنع رجل طعامًا ودعا رسول الله ﷺ وأصحابه فقال رجل: إني صائم فقال رسول الله ﷺ : "أخوك تكلف وصنع لك طعامًا ودعاك أفطر واقض يومًا مكانه" (٢) ورواه الدارقطني من حديث جابر ﵁، وقال: إن الرجل الذي صنع أبو سعيد الخدري ﵁. وما روى مسلم من حديث عائشة ﵂ أنها قالت: دخل النبي ﷺ ذات يوم فقال: "هل عندكم من شيء" فقلنا: لا، فقال: "إني صائم" ثم أتى يومًا آخر فقلنا:

стр. 713

يا رسول الله أهدي لنا (ق ٣٩٠) فقال: "أرينيه فلقد أصبحت صائمًا" فأكل (١) زاد النسائي: "ولكن أصوم يوم مكانه"، وصحح عبد الحق هذه الزيادة والحيس (٢) بفتح الحاء المهملة وسكون التحتية والسين المهملة تمر يخلط بسمن وأقط وقد يكون الدقيق بدل من الأقط، وهو بكسر الهمزة والقاف والطاء المهملة يقال له في اللسان التركي: كشر. لما فرغ من بيان حكم حال الصائم تطوعًا ثم أفطر، شرع في بيان فضيلة تعجيل الإِفطار، فقال: هذا * * * باب تعجيل الإفطار في بيان فضيلة تعجيل الإِفطار بعد تيقن غروب الشمس فلا يجوز فطر الشاك في غروبها؛ لأن الفرض إذا لزم الذمة لم يخرج منه إلا بيقين. قال ابن عبد البر (٣): أحاديث تعجيله وتأخير السحور صحاح متواترة، وروى عبد الرزاق وغيره عن عمرو بن ميمون الأودي قال: كان أصحاب محمد ﷺ أسرع الناس إفطارًا وأبطأهم سحورًا (٤). ٣٦٤ - أخبرنا مالك, حدثنا أبو حازم بن دِينار، عن سهل بن سعد، أن

стр. 714

رسول الله ﷺ قال: "لا يزالُ الناس بخيرٍ ما عجَّلوا الإفطار". قال محمد: تعجيل الإِفطار وصلاة المغرب أفضل من تأخيرهما، وهو قولُ أبي حنيفة والعامَّةِ. • أخبرنا مالك، أي: ابن أنس بن عمير بن أبي عامر الإِمام الأصبحي، يعني نسبة إلى مالك ذي أصبح، من ملوك اليمن، كان في الطبقة السابعة من طبقات كبار أتباع التابعين، من أهل المدينة، وفي نسخة: محمد قال: حدثنا وفي نسخة: قال: بنا، أبو حازم بن دِينار، بحاء مهملة وألف وزاي معجمة وميم لقبه الأعرج، واسمه سلمة بن دينار القاضي التابعي مولى ابن سفيان، ثقة عابد، كان في الطبقة الخامسة، مات في خلافة المنصور كذا قاله ابن حجر في (التقريب) (١) عن سهل بن سعد، الساعدي، نسب إلى ساعدة بن كعب بن الخزرجي الأنصاري من مشاهير الصحابة، وهو ابن خمس عشرة سنة حين مات النبي ﷺ وهو آخر من مات في المدينة من الصحابة، مات سنة إحدى وتسعين من الهجرة، وقال الواقدي: عاش مائة سنة كذا قاله ابن حجر في (الإِصابة من أسماء الصحابة) (٢) أن رسول الله ﷺ قال: "لا يزالُ الناس أي: الصائمون، وفي نسخة: أمتي بخيرٍ أي: مصحوبين ببركة في متابعة سنة دون مواقفة بدعة أو في دينهم، ويؤيد المعنى الثاني ما رواه أبو داود وابن خزيمة وغيرهما عن أبي هريرة مرفوعًا: "لا يزال الدين ظاهر ما عجل الناس الفطر؛ لأن اليهود يؤخرون" (٣) ما عجَّلوا الإفطار" عن تحقق غروب الشمس رؤية

стр. 715

أو شهادة وما ظرفية أي: مدة فعلهم ذلك امتثالًا للسنة واقفين عند حدودها غير مستنبطين بعقولهم ما يغير قواعدهما. وعلل ﷺ ذلك في حديث أبي هريرة المذكور بقوله: "لأن اليهود والنصارى يؤخرون" إلى ظهور النجم ولابن حبان والحاكم من حديث سهل أيضًا: "لا تزال أمتي على سنتي ما لم تنتظر بفطرها النجوم" (١) فيكره تأخيره إن قصد ذلك ورأى أن فيه فضيلة. قال سعيد بن زيد الباجي المالكي: وأما تأخيره علي غير هذا الوجه فلا كراهة فيه رواه ابن نافع عن مالك في المجموعة، وتمام الصوم غروب الشمس لقوله تعالى في سورة البقرة: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]. وهذا يقتضي الأساس إلى أول جزء منه لكن لا بد من إمساك جزء من الليل لتيقن إكمال النهار وكذا نقله الزرقاني عن المنتقى. قال محمد: تعجيل الإِفطار وصلاة المغرب أي: تعجيلها أفضل من تأخيرها لخشية وقوعها قبل الغروب لشدة الالتباس، فيه لف ونشر المعنى تعجيله أفضل من تأخيره، وتعجيل أفضل من تأخيرهما، وهو قولُ أبي حنيفة ﵀ والعامَّةِ أي: جمهور علماء أهل السنة خلافًا للشيعة من طوائف المبتدعة حيث لم يفطروا حتى يشتبك النجوم. * * * ٣٦٥ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، عن حُمَيْد بن عبد الرحمن بن عوف، أنه أخبره، أن عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفَّان كانا يُصلِّيان المغرب حين ينظران اللَّيْل الأسود، قبل أن يُفْطِرَا، ثم يفطران بعد الصلاة في رمضان. قال محمد: هذا كله واسع، من شَاءَ أفطر قبل الصلاة، وَمَنْ شاء أفطر بعدها، وكل ذلك لا بأسَ به.

стр. 716

• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، أخبرنا وفي نسخة: قال: بنا، ابن شهاب، أي: محمد بن مسلم بن شهاب بن زهرة بن كلاب، كان في الطبقة الرابعة من كبار طبقات التابعين من أهل المدينة، وهي في الإقليم الثاني من الأقاليم السبعة عن حُمَيْد بالتصغير ابن عبد الرحمن بن عوف، الزهري المدني ثقة من الطبقة الثانية من كبار التابعين، مات سنة خمس ومائة، وقال بعض المؤرخين: روايته عن عمر مرسلة كذا قاله ابن حجر في (التقريب من أسماء الرجال) (١) أنه أي: حميد بن عبد الرحمن أخبره، أي: ابن شهاب أن عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفَّان كانا يُصلِّيان المغرب أي: أول حين ينظران أي: يقبلان إلي اللَّيْل الأسود، أي: سواء أوله في أفق المشرق عند الغروب وهو معنى قوله ﷺ : "إذا أقبل الليل من ها هنا وأدبر النهار من ها هنا وغربت الشمس فقد أفطر الصائم" (٢) رواه الشيخان أي: أقبل من جهة المشرق وأدبر من جهة المغرب قبل أن يُفْطِرَا، ثم أي: بعد أن يصليان المغرب يفطران بعد الصلاة في رمضان وهو إما لبيان الجواز وإشعارًا أن مثل هذا التأخير لا ينافي الأمر بالتعجيل أو لعدم ما يفطران به عندهم قبل الصلاة، أو لأن الإِفطار المتعارف في عرفهم أن يتعشوا بطعامهم، وهذا ربما يخل بتعجيل صلاة المغرب، وأما إذا أمكن الاقتصار على نفس الإِفطار يأكل تمرة أو يشرب قطرة ثم يصلي ويتعش فهذا جمع حسن ووجه مستحسن. قال محمد: هذا كله واسع، أي: جائز ليسع أرباب الصيام من شَاءَ أفطر قبل الصلاة، وَمَن شاء أفطر بعدها، وكل ذلك لا بأسَ به وإنما كلام في الأفضل. لما فرغ من بيان استحباب تعجيل الإِفطار، شرع في بيان حكم إفطار الصائم يفطر قبل غروب الشمس ظانًا أنها قد غربت ولم تغرب، فقال: هذا * * *

стр. 717

باب الرجل يفطر قبل المساء ويظن أنه قد أمسى في بيان حكم حال الرجل أي: الصائم يفطر قبل المساء أي: قبل غروب الشمس ويظن أنه أي: الصائم قد أمسى أي: دخل الليل. ٣٦٦ - أخبرنا مالك، أخبرنا زيد بن أسْلَم، أنَّ عمر بن الخطاب أفطر في يوم من رمضان، في يوم غيم، ورَأى أنَّه قد أَمْسَى وغابت الشمس، فجاءَهُ رجلٌ، فقال: يا أمير المؤمنين، قد طَلَعَتِ الشمس، قال: الْخَطْبُ يَسِير، وقد اجتهدنا. قال محمد: مَنْ أفطر وهو يَرَى أن الشمس قد غابت، ثم عَلِمَ أنها لم تَغِبْ، لم يأكل بَقيّةَ يومِهِ، ولم يشرب، وعليه قَضَاؤُه، وهو قولُ أبي حنيفة. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، رامزًا إلى أخبرنا وفي نسخة: ثنا، رمزًا إلي حدثنا زيد أي: العدوي مولى عمر بن الخطاب، يكنى أبا عبد الله وأبا أسامة المدني ثقة (ق ٣٩١) عالم يرسل، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين، مات سنة ست وثلاثين بعد المائة من الهجرة كذا قال ابن حجر في (التقريب) (١) أنَّ عمر بن الخطاب ﵁ أفطر في يوم أي: يوم من أيام رمضان، في يوم غيم، ورَأى أي: فطن أنَّه أي: عمر قد أَمْسَى أي: دخل المساء وغابت الشمس، ثناء: من الرواي فجاءَهُ رجلٌ، فقال: يا أمير المؤمنين، قد طَلَعَت الشمس، أي: ظهرت قال: أي: عمر بن الخطاب الخطب بفتح الخاء المعجمة وسكون الطَاء والباء المؤخرة أي: الأمر والحال يسير أي: هين حقير، والمراد بالخطب القضاء، وباليسير الخفة. قال يحيى: قال مالك: يريد بقوله الخطب يسير القضاء فيما نرى أي: نظن أن الشمس غابت فأفطرنا، ثم ظهر لنا بخبر الواحد أن الشمس لم تغب فتصوم يومًا مكانه والاجتهاد في اللغة: بذل الوسع، وفي الاصطلاح: استغراق الوسع، ليحصل له ظن حكم شرعي كذا قاله السيد الجرجاني وروى عبد الرزاق عن عمر أنه قال: الْخَطْبُ يَسِير، وقد اجتهدنا نقضي يومًا وروي أنه قال: "يا هؤلاء من كان أفطر فإن قضي

стр. 718

يومًا يسير ومن لو لم يكن أفطر فليتم صومه" وفي البخاري (١) عن هشام عن فاطمة عن أسماء بنت أبي بكر: أفطرنا على عهد النبي ﷺ في يوم غيم، ثم طلعت الشمس قيل لهشام: فأمروا بالقضاء قال: لا بد من قضاء، وقال معمر: سمعت هشام يقول: لا أدري أقضوا أم لا: انتهى. والجمهور ومنهم الأئمة الأربعة على القضاء. كذا قاله الزرقاني (٢). قال محمد: مَنْ أفطر وهو يَرى أي: يظن أن الشمس قد غابت، ثم عَلِمَ أنها لم تَغِبْ، لم يأكل بَقيّةَ يومِهِ، ولم يشرب، أي: قصاء لحق الوقت وعليه قَضَاؤُه، أي: قضاء صومه ذلك اليوم؛ لأنه مضمون بالمثل، ولا كفارة فيه لقصور الجناية وهو قولُ أبي حنيفة رحمه الله تعالى، ومعه سائر الأئمة، وكذا من تسحر علي ظن الفجر لم يطلع ثم ظهر أنه قد طلع يلزمه القضاء فقط. كذا في (التاتارحانية)، ويلزم عليه إمساك بقية يومه قضاء لحق ذلك اليوم، وإن أكل بقية يومه أثم لهتكه حرمة ذلك اليوم، فلا يلزم عليه شيء من غير قضاء ذلك اليوم؛ لأن أكل بقية يومه كان بعد فساد صومه بغلبة الظن لغروب الشمس فغالب الظن كاليقين. لما فرغ من بيان حكم الإِفطار بصوم رمضان قبل غروب الشمس عن ظن أنها قد غربت ثم ظهر أنها لم تغرب، شرع في بيان حكم الوصال في الصيام، فقال: هذا * * * باب الوصال في الصيام في بيان النهي عن الوصال في الصيام، وهو إمساك الليل مع النهار. ٣٦٧ - أخبرنا مالك, أخبرنا نافع، عن عبد الله بن عمر، أن رسول الله

стр. 719

- ﷺ نهى عن الوِصَالِ، فقيل له: إنَّكَ تُوَاصِلُ، قال: "إني لستُ كهيئتكم، إني أُطْعَمُ وأُسْقَى". • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، أخبرنا وفي نسخة: عن نافع، المدني مولى ابن عمر عن عبد الله بن عمر، ﵄ أن رسول الله ﷺ نهى أي: نهي تنزيه، وقيل: تحريم، وهو الأصح عند الشافعية عن الوِصَالِ, أي: في الصيام بأن لا يفطر إن غربت الشمس وصبر جائعًا وصام غدًا، وكذا روى جويرية عن نافع عن البخاري وعبيد الله بن عمر عن نافع عن مسلم عن ابن عمر أنه ﷺ واصل فواصل الناس فشقى عليهم فنهاهم عن الوصال فقيل له: أي: ﷺ إنَّكَ تُوَاصِلُ، أي: ما الحكمة في نهيك لنا عنه قال: "إني لستُ كهيئتكم، أي: مشابهًا لكم في صفاتكم وحالتكم يعني ليس حالي كحالكم، ولمسلم (١) عن أبي هريرة لستم في ذلك على صفتي ومنزلتي من ربي إني أُطْعَمُ وأُسْقَى" بصيغة المفعول (ق ٣٩٢) فبها قيل هو على حقيقة، وأنه ﷺ كان يؤتى بطعام وشراب كرامة له في ليالي صيامه، وطعام الجنة وشرابها لا يقطع وصاله، ولا ينقص أجره ولا يفطر صيامه، ولا تجرى عليه أحكام التكليف. قال ابن عبد البر: الذي يفطر شرعًا إنما هو الطعام المعتاد، وأما الخارق للعادة كالمحضر من الجنة فعلى غير هذا المعنى وليس تعاطيه من جنس الأعمال، وإنما هو من جنس الثواب كأكل الجنة فيه الكرامة لا تبطل العبادة فلا يبطل بذلك صومه، ولا ينقطع وصاله ولا ينقص أجره والجمهور علي أنه مجاز عن لازم الطعام والشراب، وهو القوة فكأنه قال: يعطني قوة الأكل والشرب ويقبض على ما يسد مسدهما ويقوى على أنواع الطاعات من غير ضعف في القوة ولا كلال في الأجساد، أو المعنى أن الله تعالى يخلق فيه من الشبع والري ما يغنيه عن الطعام والشراب، فلا يحس بجوع ولا عطش والفرق بينه وبين ما قبله أنه عليه يُعطى القوة بلا شبع ولا ري بل مع الجوع والظمأ، وعلى الثاني يعطى القوة معهما ورجح ما قبله أن الثاني ينافي حال الصائم. ويفوت المقصود من الصوم والوصال؛ لأن الجوع هو روح هذه العبادة بخصوصها كذا قال الزرقاني (٢). وجنح ابن قيم الجوزية إلى أن المراد أنه يشغله بالتفكير في عظمته

стр. 720

والتجلي بمشاهدته والتعذي بمعارفه وقرة العين بمحبته والاستغراق في مناجاته، وهذا الغذاء أعظم من غذاء الأجساد ومن له أدنى ذوق وتجربة يعلم استغناء الجسم لغذاء القلب والروح عن كثير الغذاء الجسماني. كذا نقله علي القاري عن السيوطي. * * * ٣٦٨ - أخبرنا مالك، أخبرني أبو الزِّنَاد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، أنَّ رسول الله ﷺ قال: "إياكم والوِصَال، إيَّاكم والوِصَال"، قالوا: فإنَّك تُواصِلُ يا رسول الله، قال: "إني لستُ كهيئتكم؛ إني أَبِيتُ يُطْعِمُني ربي ويَسْقِيني، فاكلَفُوا من الأعمال ما لكم به طَاقَةٌ". قال محمد: وبهذا نأخذ، الوِصَال مكروه، وهو أن يواصل الرجل بين يومين في الصوم، لا يأكل في الليل شيئًا، وهو قولُ أبي حنيفة والعامَّة. • أخبرنا مالك، ابن أنس بن عمير بن أبي عامر الإِمام الأصبحي، نسبة إلى مالك ذي أصبح من ملوك اليمن، كان في الطبقة السابعة من أتباع التابعين من أهل المدينة، كانت في الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة، وفي نسخة: محمد قال: بنا، رامزًا إلى أخبرنا، أخبرني بالإِفراد أبو الزِّنَادِ، بكسر الزاء المعجمة والنون والدال المهملة بينهما ألف وهو عبد الله بن ذكوان القرشي المدني، ثقة، فقيه، في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة ثلاثين ومائة، وقال بعض المؤرخين: بعدها كذا قاله ابن حجر (١) عن الأعرج، كان اسمه عبد الرحمن بن هرمز، ويكنى أبا داود المزني مولى ربيعة بن الحارث، ثقة ثبت عالم، من الطبقة الثالثة من أهل المدينة، من التابعين مات سنة سبع عشرة ومائة في الهجرة (٢) عن الأعرج، عن أبي هريرة، أنَّ رسول الله ﷺ قال: "إياكم والوِصَال،

стр. 721

أي: احذروا عن صيام الوصال إياكم والوصَال مرتين للتأكيد أي: بعدوا أنفسكم عن وصال الصيام، وعند ابن أبي شيبة (١) بإسناد صحيح من طريق أبي ذرعة عن أبي هريرة بلفظ: "إياكم والوصال" ثلاث مرات للمبالغة عن نهي الوصال قالوا: أي: بعض الصحابة فإنَّك تُواصِلُ يا رسول الله، قال: "إني لستُ كهيئتكم؛ يعني: ليس حالي كحالكم وإنما لم يقل لستم كهيئتي تواضعًا وبيانًا بالأدب لأصحابه إني أبيتُ أي: أمسي يُطْعِمُني بضم التحتية ربي ويَسْقِيني، بفتح أوله وضمه، وإنما آثر اسم الرب دون اسم الذات فلم يقل: يطعمني الله؛ لأنَ التجلي باسم الربوبية (ق ٣٩٢) أقرب إلى العباد من الألوهية؛ لأنها تجلي عظمة لا طاقة للبشر بها وتجلي الربوبية تجلي الرحمة وشفقة، وهي أليق بهذا المقام وللإِسماعيلي من حديث عائشة: "أظل عند الله" وكأنه بالمعنى فرواية الصحيحين منها عند ربي وقول الجمهور أنه مجاز عن لازم الطعام والشراب، وهو القوة قال بعضهم: وهو الصحيح؛ لأنه لو كان علي الحقيقة لم يكن مواصلًا وقيل: كان يوحى بطعام وشراب في النوم فيستيقظه ويجد الري والشبع. وقال النووي: في (شرح المهذب) (٢) معناه محبة الله تشغلني عن الطعام والشراب والحب البالغ يشغل عنهما كذا قاله الزرقاني (٣) فاكلَفُوا بهمزة الوصل وفتح اللام أمر حاضر جمع من الكلف، وهو بفتحتين مصدر من باب الرابع بمعنى الحرص على شيء يقال: كلفت بهذا الأمر إذا ولعت به أي: حرصت، كما قال محمد الواني في (ترجمة الجوهري) والفاء جواب الشرط محذوف تقديره: إن علمتم بأن حالي ليست كحالكم فاعملوا من الأعمال ما أي: يعمل لكم به طَاقَةٌ" أي: قوة وقدرة لا يكون سببًا لضعف نية، وأما الأنبياء ﵈ فلهم القوة الإِلهية أو الغذاء اللدنية فلا يقاس الصعلوك بالملوك، وهو بضم الصاد واللام وسكون العين والواو والكاف بمعنى القصير، والحديث رواه الشيخان عن أبي هريرة مرفوعًا بلفظ: "إياكم والوصال إنكم لستم في ذلك مثلي أنا أبيت يطعمني ربي ويسقيني فاكلفوا من الأعمال ما تطيقون".

стр. 722

قال محمد: وبهذا أي: بما رواه أبو هريرة ﵁ نأخذ، أي: نعمل الوِصَال مكروه، أي: كراهة تنزيه لما زاد الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة في الصحيحين: فلما أبوا أن ينتهوا عن الوصال وصل بهم يومًا ثم يومًا ثم رأوا الهلال فقال: "لو تأخر لزدتكم" كالتنكيل (١) أي: مثل العقوبة لهم حين أبوا أن ينتهوا وبه استدل سعيد بن زيد الباجي المالكي وغيره على أن النهي عبر على التحريم؛ إذ لو كان له لم يخالفوا كما لو يخالفون بصوم العيد، وأما مواصلته بعد نهيه فليست تقديرًا بل تفريقًا وتنكيلًا أي: عذابًا فاحتمل ذلك لمصلحة النهي تأكيد زجرهم؛ لأنهم إذا باشروه ظهرت لهم حكمة النهي فكان أدعى إلى قبولهم لما يترتب عليه من الملك في العبادة والتقصير فيما هو أهم من الوصال، وأرجح من وظائف الصلاة والقراءة وغيرها والجوع ينافي ذلك. كذا قاله السيد محمد الزرقاني (٢) وهو أي: المكروه أن يواصل الرجل بين يومين أي: فصاعدًا في الصوم، أي: فرضًا أو نفلًا لا يأكل في الليل أي: الآتي شيئًا، أي: مطلقًا وهو أي: عدم كون الوصال بالصيام حسنًا قولُ أبي حنيفة ﵀ والعامَّة من الفقهاء. لما فرغ من بيان حكم الوصال بالصيام، شرع في بيان حكم الصيام في يوم عرفة، فقال: هذا * * * ١٤ - باب صوم يوم عرفة في بيان حكم صوم يوم عرفة أي: بعرفات، والمناسبة ما بين هذا الباب والباب السابق عموم وخصوص النهي عن الصوم؛ فإن النهي عن الوصال في الباب السابق عام للمقيم والمسافر، والنهي عن الصوم في هذا الباب مخصوص لأهل عرفات (ق ٣٩٤). ٣٦٩ - أخبرنا مالك, حدثنا سالمٌ أبو النضر - هو مولى عُمر بن عُبَيْد الله - عن عُمَير مولى ابن عباس، عن أُمِّ الفَضْلِ بنت الحارث، أنَّ أُناسًا تَمَارَوْا في

стр. 723

صوم رسول الله ﷺ يوم عَرَفَة، فَقَالَ بعضهم: صائم، وقال آخرون: ليس بصائم، فأرسلت أم الفَضْل بِقَدَح من لبن، وهو وَاقِفٌ بِعَرَفة، فشربه. قال محمد: مَنْ شَاء صام يوم عَرَفَةَ، وَمَنْ شَاءَ أفطر، إنما صومه تطَوعُّ، فإن كان إذا صامه يضعفه ذلك عن الدُّعَاءِ في ذلك اليوم فالإِفطار أفضل من الصوم. • أخبرنا مالك, وفي نسخة: محمد قال: بنا، حدثنا وفي نسخة: قال: بنا، سالمٌ بن أمية وكنيته أبو النضر بفتح النون وسكون الضاد المعجمة وهو مولى عُمر بن عُبَيْد الله بالتصغير التيمي القرشي المدني كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين، من أهل المدينة، عن عُمَير تصغير عمر، وهو ابن عبد الله الهلالي أبو عبد الله المدني، كان من الطبقة الثالثة من طبقات التابعين، من أهل المدينة مات سنة أربع ومائة (١) مولى ابن عباس، وقيل: مولى ابن أم الفضل عن أُمِّ الفَضْلِ اسمها لبابة بنت الحارث الهلالية زوجة العباس ﵁ أخت ميمونة بنت الحارث، زوج النبي ﷺ أنَّ أُناسًا تَمَارَوْا أي: اختلفوا وتنازعوا عند أم الفضل في صوم رسول الله ﷺ يوم عَرَفَة، فَقَالَ بعضهم: أي: هو كذا في رواية البخاري صائم، على جاري عادته في سرد الصوم في الحضر لما ورد في فضله: "صوم يوم عرفة كفارة السنة الماضية والسنة المستقبلة" كما رواه الطبراني في (الأوسط) عن أبي سعيد وقال آخرون: ليس بصائم، أي: لكونه مسافرًا فأرسلت أم الفَضْل أي: إليه ﷺ كما في البخاري بِقَدَح من لبن، أي: لينظر في أمره ﷺ وهو وَاقِفٌ على بعيره وقت الدعاء بِعَرَفة، فشربه أي: اللبن شفقة على الأمة ورحمة على العامة. زاد في حديث ميمونة والناس ينظرون. قال محمد: مَنْ شَاء أي: من المؤمنين من غير أهل عرفات صام يوم عَرَفَةَ، وَمَنْ شَاءَ أفطر، إنما صومه صوم يوم عرفة تطَوُّع، أي: مستحب علي غير الحاج أما الحاج، فلا يستحب له صومه، وإن كان قويًا؛ لأنه ﷺ أفطر إن قدر بترك الشيء المستحب بيانًا للجواز ويكون في حقه أفضل لمصلحة التبليغ فإن كان أي: المحرم إذا صامه أي: صام يوم عرفة

стр. 724

يضعفه ذلك أي: الصوم عن الدُّعَاءِ أي: ونحوه من التلبية والقراءة والثناء في ذلك اليوم وكذا إذا كان الصوم يسيئ خلقه أو يتعبه في مشيه فالإِفطار أفضل من الصوم. روى أبو داود والنسائي وصححه ابن خزيمة والحاكم: أن أبا هريرة حدثهم أنه ﷺ نهى عن صوم يوم عرفة بعرفات (١)، وقد أخذ بظاهره قوم منهم يحيى بن سعيد الأنصاري فقال: يجب فطره للحاج. والجمهور على استحباب فطره حتى قال عطاء: من أفطره ليتقوى على الذكر كان له مثل أجر الصائم. كذا قال العسقلاني (٢)، ومن أراد من المؤمنين المقيمين أن يصوم يوم عرفة في الحضر والسفر إذا كان يقوى عليه كذا في (خلاصة الفتاوى). لما فرغ من بيان حكم الصيام في يوم عرفة، شرع في بيان حكم الصيام في الأيام التي نهى فيها عن الصوم، فقال: هذا * * * ١٥ - باب الأيام التي يكره فيها الصوم في بيان أحكام الصيام في الأيام التي يكره أي: تحريمًا فيها الصوم أي: مطلق الصوم، وهي خمسة أيام يوم الفطر، ويوم الأضحى، وثلاثة أيام بعد يوم النحر. أما حرمة الصوم في يوم الفطر ويوم الأضحى (ق ٣٩٥). فلما رواه مالك في (الموطأ) عن محمد بن يحيى بن حبان بفتح الحاء والباء المثقلة عن الأعرج عبد الرحمن بن هرمز عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ نهى عن صيام يومين يوم الفطر ويوم الأضحى (٣) فصيامهما حرام على كل أحد من متطوع أو ناذر

стр. 725

أو قاض فرضا أو متمتع وغير ذلك إجماعًا؛ لأنه معصية فلا يصومهما من نفسهما لحديث: "من نذر أن يعص الله فلا يعصه" (١) قال المازري: ذهب مالك أن من نذر صوم أحد العيدين لا ينعقد ولا يلزمه قضاء. وقال أبو حنيفة ﵀: يقضي وإن صام أجزأه مع كراهة والحجة عليه "لا نذر في معصية" (٢) وقضاؤه ليس من لفظ الناذر فلا معنى لإِلزامه، وذكر النووي (٣) أن الشافعي والجمهور على ذلك، وأن أبا حنيفة خالف الناس كلهم في ذلك قال ابن حجر العسقلاني: في (فتح الباري على صحيح البخاري) (٤) أصل الخلاف في المسألة أن النهي هل يقتضي النهي عنه قال الأكثر: لا وعن محمد بن الحسن الشيباني نعم، واحتج بأنه لا يقال للأعمى: لا يبصر؛ لأنه تحصل الحاصل فدل على أن صوم يوم العيد ممكن وإذا أمكن ثبت الصحة. كذا قاله الزرقاني (٥). وأما حرمة الصوم في الأيام الثلاثة بعد يوم النحر، فلما رواه المصنف عن مالك فقال: ٣٧٠ - أخبرنا مالك، حدثنا أبو النضر مولى عُمر بن عُبَيْد الله، عن سليمان بن يَسَار، أنَّ رسول الله ﷺ نهى عن صيام أيام مِنَى.

стр. 726

• أخبرنا مالك، أي: ابن أنس بن عمر بن أبي عامر الإِمام الأصبحي، من الطبقة السابعة من كبار أتباع التابعين، من أهل المدينة، وهو ابن تسعين سنة، وفي نسخة: محمد قال: بنا، حدثنا وفي نسخة: بنا، أبو النضر بفتح النون وسكون الضاد المعجمة اسمه سالم بن أمية القرشي التيمي المدني، ثقة، في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة تسعة وعشرين ومائة من الهجرة (١) مولى عُمر بضم العين ابن عُبَيْد الله، بتصغير عبد عن سليمان بن يَسَار، الهلالي المدني مولى ميمونة وقيل: أم سلمة ثقة فاضل، أحد الفقهاء السبعة، كان في الطبقة الثالثة من كبار التابعين مات بعد المائة، وقيل: قبلها كذا قاله ابن حجر في (التقريب) (٢) ولم يختلف على مالك بن أنس في إرسال كذا قاله أبو عمر (٣)، ووصله النسائي وقاسم بن أصبغ من طريق سفيان الثوري عن أبي النضر وعبد الله بن أبي بكر كلاهما عن سليمان بن يسار عن عبد الله بن حذافة أنَّ رسول الله ﷺ نهى عن صيام أيام مِنَى وهي ثلاثة أيام بعد يوم النحر كما في البخاري عن عائشة وابن عمر ﵄ قالا: لم يرخص في أيام التشريق أن يضمن إلا لمن لم يجد الهدي (٤) كذا قاله الزرقاني (٥). قيل: إنما سمي منى؛ لأن جبريل ﵇ لما أراد أن يفارق آدم صلوات الله على نبينا وعليه فقال: ماذا تتمنى فقال آدم: الجنة، فسمي ذلك الموضع منى. * * * ٣٧١ - أخبرنا مالك، أخبرنا يزيد بن عبد الله بن الهادِ، عن أبي مُرَّة مولى عَقيل بن أبي طالب، أن عبد الله بن عمرو بن العاص، دخل على أبيه في أيام التَّشْريق، فقرّب له طعامًا، فقال: كُلْ، فقال عبد الله لأبيه: إني صائم، قال:

стр. 727

كل، أما علمتَ أن رسول الله ﷺ كان يأمرنا بالفطر في هذه الأيام. قال محمد: وبهذا نأخذ، لا ينبغي أن يُصام أيام التشريق لمتعةٍ ولا لغيرها، لما جاء من النهي عن صومها عن النبي ﷺ ، وهو قولُ أبي حنيفة والعامَّةِ من قَبْلِنَا. وقال مالك بن أنس: يصومها المتمتع الذي لا يجد الهدي، أوْ فاتته الأيام الثلاثة قبل يوم النحر. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، أخبرنا وفي نسخة: قال: بنا، يزيد بتحتية فزاء ابن عبد الله بن الهادِ، بغير ياء وفي (الموطأ) لمالك: الهادي بإثبات الياء، يكنى عبد الله المدني الليثي مكثر من الطبقة الخامسة من أهل المدينة، مات سنة تسع وثلاثين بعد المائة كذا في (التقريب) (١) لابن حجر عن أبي مُرَّة وهو مشهور بكنيته واسمه يزيد بن مرة بضم الميم وتشديد الراء المهملة مولى عَقِيل بفتح العين المهملة وكسر القاف وسكون التحتية والام ابن أبي طابي، وفي (الموطأ) لمالك (ق ٣٩٦) مولى أم هانئ، وفي نسخة: ابن وضاع هو مولى أخت عقيل بن أبي طالب، وفي نسخة: هو مولى بنت أبي طالب، وكلٌ منهما صواب أن عبد الله بن عمرو بن العاص، أي: القرشي السهمي أحد المكثرين بالعبادة والصحابي ابن الصحابي ابن عبد الله أخبره أنه دخل على أبيه أي: على عمرو بن العاص فوجده يأكل في أيام التَّشْريق، فقرّب أي: أبوه له طعامًا، فقال: كُلْ، أي: البتة أما علمتَ قال ابن هشام: الهمزة للاستفهام الإِنكاري بالتخفيف نافية فتكون تقريريًا؛ لأن النفي إذا دخل على النفي يكون للإِثبات كما قال تعالى لمحمد ﷺ : ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ﴾ [الفجر: ٦] فتكون حرف عرف بمنزلة لولا فتختص بالفعل نحو أما تقوم أما تقعد أن رسول الله ﷺ كان يأمرنا أي: معاشر المسلمين بالفطر في هذه الأيام أي: في أيام التشريق وفيه تغليب للتشريق على النحر. وفي مسلم (٢) عن كعب بن مالك أنه ﷺ بعثه وأوس بن الحارث في أيام التشريق

стр. 728

فنادى: "أنه لا يدخل الجنة إلا مؤمن، وأيام منى أكل وشرب". وزاد أصحاب السنن: "وذكر الله فلا يصومن أحد". قال محمد: وبهذا أي: بقول أبي يزيد عقيل بن أبي طالب نأخذ، أي: نعمل ولا ينبغي أن يُصام أيام التشريق والمراد بأيام التشريق أيام منى، وهو يوم النحر وبعده ثلاثة أيام، وإنما سمى هذه الأيام أيام التشريق؛ لأن الذبح فيها يجب فيها بعد شروق الشمس، وقيل: لأنهم كانوا يشرقون فيها لحوم الأضاحي إذا قدرت. كذا قاله قتادة. وقيل: لأنهم كانوا يشرقون للشمس في غير بيوت ولا أبنية للحج. هذا قول أبي جعفر محمد بن علي كذا قاله في (التمهيد) (١) لمتعةٍ أي: لصوم تمتع ولا لغيرها، أي: من قران وفدية وكفارة وقضاء ونذر ونافلة لما جاء من النهي عن صومها أي: عن صوم هذه الأيام يعني ورد عن النبي ﷺ ، وهو أي: عدم الصوم في هذه الأيام قولُ أبي حنيفة والعامَّةِ من قَبْلِنَا وبه قال الشافعي في أظهر قوله. وقال مالك بن أنس: بن عمير بن أبي عامر الأصبحي، صاحب المذهب يصومها أي: في أيام التشريق التمتع استدل مالك علي جواز الصوم للتمتع في أيام التشريق بحديث رواه الطحاوي والدارقطني (٢) عن عمر وعائشة ﵄: رخص رسول الله ﷺ للمتمتع إذا لم يجد الهدي أن يصوم أيام التشريق الذي لا يجد الهدي، أي: نفسه أو ثمة أوْ فاتته أي: المتمتع الذي لزمه أن يصوم الأيام الثلاثة قبل يوم النحر وسبعة أيام بعد يوم النحر بعجز عن دم التمتع الأيام الثلاثة قبل يوم النحر، ووافقه الشافعي في قوله القديم المختار وهو رواية عن أحمد، ثم يفوت صوم الأيام الثلاثة بفوت يوم عرفة عند أبي حنيفة، فإنه يسقط صومها ويستقر الهدي في ذمته على الراجح من مذهب الشافعي بصومها بعد ذلك، ولا يجب تأخبرها غير القضاء. وقال أحمد: إن أخره بغير عذر لزمه دم وإذا وجد الهدي، وهو (ق ٣٩٧) في صومها يستحب له الانتقال إلى الهدي وقال أبو حنيفة: يلزمه ذلك وسيجيء بيان ما يلزم على المتمتع في كتاب الحج إن شاء الله تعالى.

стр. 729

لما فرغ من بيان حكم الصيام في الأيام التي يكره فيها الصوم، شرع في بيان النية في الصوم من الليل، فقال: هذا * * * باب النية في الصوم من الليل في بيان النية في الصوم من الليل أخذ المصنف هذه الترجمة من قوله ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات" (١) واتبع بشيخه الإِمام مالك في هذه الترجمة فإن النية في الصوم المطلق من الليل وشروطه عنده لصحة صوم المطلق سواء كان فرضًا أو واجبًا ونفلًا أداء أو قضاء، وأما عند أبي حنيفة فإنها من الليل شرطت لصحة قضاء صوم رمضان وقضاء ما أفسد من نفل وصوم الكفارة بأنواعها وصوم المنذور المطلق كقوله: إن شفى الله تعالى مريضي فعلي صوم يوم، فإن شفي يجب عليه أن ينوي الصوم من الليل، وأما أداء صوم رمضان وصوم التطوع فيجوز له النية من الليل إلى الضحوة الكبرى عند أبي حنيفة، وقال الشافعي وأحمد: النية من الليل شرطت في غير صوم النفل، وأما في النفل فتجوز من الليل إلى الضحوة الكبرى. ٣٧٢ - أخبرنا مالك، حدثنا نافع، أن ابن عمر قال: لا يصوم إلا من أَجْمَعَ الصيام قبل الفجر. قال محمد: ومن أجمع أيضًا على الصيام قبل نصف النهار فهو صائم، وقد رُوي ذلك عن غير واحد، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة قبلنا. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، حدثنا وفي نسخة: قال: بنا، نافع، أن ابن عمر قال: لا يصوم أي: لا يصح أن يصوم إلا من أَجْمَعَ الصيام أي: عزم عليه وقصد له ونوى قبل الفجر هذا حديث موقوف على ابن عمر مرفوع عنه لما روى أصحاب السنن الأربعة من حديث عبد الله بن عمر عن أخته حفصة زوج النبي ﷺ أنها قالت: قال رسول

стр. 730

الله ﷺ : "من لم يجمع الصيام من الليل فلا صيام له" (١) قال محمد: ومن أجمع أي: قصد ونوى أيضًا أي: كما نوى قبل الفجر على الصيام أي: فرضًا أداء كان ونفل قبل نصف النهار أي: الشرعي وهو الضحوة الكبرى، وهي نصف النهار، فالنهار شرعي من طلوع الفجر إلى الغروب فحينئذ تقع النية في أكثر أجزاء النهار اللغوي؛ فإنها طلوع الشمس إلى غروبها فهو صائم، أي: فصومه صحيح عند أبي حنيفة ﵀ وقد رُوي ذلك أي: مضمون ما ذكر عن غير واحد، فلفظه غير مرفوع ومنصوب بنزع الخافض وهو جواز صوم أداء رمضان أو صوم النفل بنية من الليل إلي الضحوة الكبرى قولُ أبي حنيفة، رحمه الله تعالى والعامة قبلنا. واستدل مالك والشافعي وأحمد بقوله ﷺ : "من لم يجمع الصيام من الليل فلا صيام له" على أن النية في كل صوم قبل الفجر شريطة لصحته خلافًا لأبي حنيفة فإن قال: يجوز النية في الصيام بعد غروب الشمس إلى الضحوة الكبرى، وأجيب عن طرف الحنفية إليهم بأن المراء بقوله: فلا صيام له: الصيام الذي ليس له وقت معين لا يجوز بنية في النهار فصوم رمضان معين وقته فمن لم ينو ليلًا يجوز له النية نهارًا، وكذا نقله الشمني في (شرح النقاية) عن الطحاوي. وعلي هذا قال الشيخ الفقيه أبو الليث نصر بن محمد السمرقندي في (خزانة الفقه) (ق ٣٩٨): والأصل أن كل صوم له وقت معين يجوز بنية من النهار وكل صوم ليس له وقت معين لا يجوز بنية من النهار. لما فرغ من بيان أحكام النية في الصوم من الليل، شرع في بيان فائدة المداومة على الصيام، فقال: هذا * * *

стр. 731

باب المداومة على الصيام في بيان حكمة المداومة على الصيام وكذا المداومة على الفطر في بعض الأيام. ٣٧٣ - أخبرنا مالك، حدثنا أبو النَّضر، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ يصوم، حتى يُقال: لا يُفطر، ويُفْطِر حتى يُقال: لا يصوم، وما رأيتُ رسول الله ﷺ استكمل صيام شهر قط إلا رمضان، وما رأيته في شهر أكثر صيامًا منه في شعبان. • أخبرنا مالك, أي: ابن أنس بن عمير بن أبي عامر الأصبحي، يعني نسبة إلى ملك ذي أصبح، من ملوك اليمن، كان في الطبقة السابعة من طبقات كبار أتباع التابعين، من أهل المدينة، في الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة، وفي نسخة: محمد قال: بنا، حدثنا وفي نسخة: قال: بنا، أبو النَّضر، بفتح النون وسكون الضاد المعجمة اسمه سالم بن أمية مولى عمر بن عبيد الله بن معمر القرشي التيمي المدني، كان في الطبقة (١) من طبقات التابعين، من أهل المدينة، مات سنة تسعة وعشرين ومائة كذا قاله ابن حجر في (التقريب من أسماء الرجال) (٢) عن أبي سلمة أي: عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني، ثقة مكثر، كان من الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة، وكان مولده سنة بضع وعشرين ومات سنة أربعة وتسعين وأربع ومائة (٣) عن عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ أي: أحيانًا يصوم، أي: النوافل متتابعة حتى يُقال: لا يُفطر، أي: ينتهي صومه إلى غاية يقال: لا يفطر ويُفْطِر أي: أحيانًا ويستمر علي إفطاره حتى يُقال: لا يصوم، أي: ينتهي

стр. 732

فطره إلى غاية يقال: لا يصوم وذلك لما رأى في المصلحة المتفقة والحكمة هنالك وما رأيتُ رسول الله ﷺ استكمل صيام شهر قط إلا رمضان؛ لئلا يظن وجوبه وكلمة "قط" على ثلاث أوجه: أحدها: أن تكون ظرف زمان كاستغراق ما مضى، وهذه بفتح القاف وتشديد الطاء مضمومة في أفصح اللغات، وتختص النفي يقال: ما فعلته قط، والعامة تقول: لا أفعل قط، وهو لحن، واشتقاقها من قططتها فمعناها: ما فعلته فيما انقطع من عمري؛ لأن الماضي منقطع عن الحال والاستقبال وبنيت لتضمنها معنى مذ وإلى أن المعنى مُذ أن خُلِقْت أي الآن وعلى حركة؛ لئلا يلتقي الساكنان، وكانت الضمة تنبيهًا بالغايات، وقد يكسر على أصل التقاء الساكنين، وقد تتبع قافه طاؤه في الضم، وقد يخفف طاؤه مع ضمها أو إسكانها. والثاني: أن تكون بمعنى حسب، وهذه مفتوحة القاف ساكنة الطاء يقال: قطني وقطاء وقط زيد درهم كما يقال وحسب معربة. والثالث: أن تكون اسم فعل بمعنى يكفي فيقال: قطني بنون الوقاية كما يقال: يكفيني وتكون نون الوقاية علي الوجه الثاني حفظًا للبناء وكذا قاله ابن هشام (١). وما رأيته في شهر أكثر بالنصب ثاني مفعول رأيت أي: ما علمته صيامًا بالنصب وروي بالخفض، قال السهيلي: وهو وهم كأنه كتب بلا ألف علي لغة من يقف على المنصوب بالنون بدون الألف فتوهم محفوظًا، أو ظن بعض الرواة أنه مضاف؛ لأن صيغة أفعل تضاف كثيرًا، فتوهمها مضافة وهي ممتنعة هنا قطعًا منه في شعبان متعلق بصيام الرفع أعمال العباد فيه، ففي النسائي عن أسامة (ق ٣٩٩) قلت: يا رسول الله، لم أرك تصوم من شهر من الشهور ما تصوم من شعبان قال: "ذاك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم". (٢) فبين وجه صيامه دون غيره برفع الأعمال فيه وأنه يغفل عنه؛ لأنه لما اكتنفه

стр. 733

شهران عظيمان الشهر الحرام وشهر الصيام اشتغل الناس بهما، فسار مغفولًا عنه: ونحوه في حديث عائشة عند أبي يعلى لكن قال فيه: "إن الله يكتب كل نفس ميتة تلك السنة فأحب أن يأتي أجلي وأنا صائم" (١). ولا يعارضه النهي عن تقدم رمضان بيوم أو يومين لحمله على من لم يدخل في صيام اعتاده قال بعضهم: من الناس يظن أن صيام رجب أفضل منه؛ لأنه شهر حرام، وليس كذلك. لما فرغ من بيان حكم المداومة على الصيام، شرع في بيان فضيلة صوم عاشوراء، فقال: هذا * * * باب صوم عاشوراء في بيان فضيلة صوم يوم عاشوراء، وهو، بالمد على المشهور وحكى قصره، زعم ابن دريد أنه اسم إسلامي لا يعرف في الجاهلية رده عليه ابن دحية بحديث عائشة في الباب وبغيره وجمهور الصحابة والتابعين ومن بعدهم أنه عاشر المحرم. قال ابن المنير: وهو مقتضى الاشتقاق والتسمية، وقال الدارقطني: مصدر معدول من عاشر للمبالغة والتعظيم، وهو في الأصل صفة لليلة العاشرة؛ لأنه مأخوذ من العشر الذي هو اسم العقد واليوم مضاف إليها، فإذا قيل: يوم عاشوراء فكأنه قيل يوم الليلة إلا أنهم لما عدلوا به عن الصفة غلبت عليه الإِسمية ما استغنوا عن الموصوف فحذف الليلة فصار هذا اللفظ على اليوم العاشر، وقيل: هو تاسع المحرم. قال ابن المنير: فعلى اليوم مضاف لليلة الماضية وعلى الثاني مضاف لليلة الآتية، وفي مسلم (٢) عن الحكم بن الأعرج قلت لابن عباس ﵄: أخبرني عن صوم يوم عاشوراء فقال: إذا رأيت هلال المحرم فاعدد وأصبح يوم التاسع صائمًا قلت: هكذا كان ﷺ يصومه؟ قال: نعم.

стр. 734

وفي المصنف (١) عن الضحاك: عاشوراء يوم التاسع قيل: لأنه مأخوذ من العشر بالكسر في وراد الإِبل تقول العرب: عشر إذا أوردت اليوم التاسع؛ لأنهم يحسبون في الأظماء يوم الورود، فإذا قامت في الرعي يومين ثم وردت في الثالث قالوا: وردت رابعًا، وإن رعت ثلاثًا وفي الرابع وردت قالوا: وردت خمسًا، وإن بقيت فيه ثمانية وردت في التاسع قالوا: وردت عشرًا فيحسبون في كل هذا بقية اليوم الذي وردت فيه، وأول اليوم الذي تردد فيه بعده وعلى هذا يكون التاسع عاشوراء. وقال القاضي عياض والنووي (٢): الذي تدل عليه الأحاديث كلها أنه العاشر، وهو مقتضى اللفظ، وتقدير أخذه من الإِظماء بعيد، وحديث ابن عباس الثاني يرد عليه؛ لأنه قال في (مسلم) (٣) وغيره أنه ﷺ صام عاشوراء وأمر بصيامه فقيل: إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى فقال: "إذا كان العام المقبل صمنا اليوم التاسع". فلم يأت العام المقبل حتى توفي ﷺ فقد طرح بأن الذي كان يصومه ليس هو التاسع فتعين (ق ٤٠٠) كونه العاشر والتاسع، لم يبلغ، ولعله لو بلغه صامه مع العاشر كما في حديث: "فصوموا التاسع والعاشر" (٤)، وإلى استحباب الجمع بينهما ذهب مالك والشافعي وأحمد حتى لا يتشبه باليهود في آخر العاشر وقيل: للاحتياط في تحصيل عاشوراء للخلاف فيه والأول أولى. ٣٧٤ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، عن حُمَيْد بن عبد الرحمن بن عوف، أنه سمع معاوية بن أبي سفيان عام حَجَّ، وهو على المنبر يقول: يا أهل المدينة أين علماؤكم، سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "هذا يوم عاشوراءَ لم يكتب الله عليكم صيامه، وأنا صائم، فمن شاءَ فليصم، ومن شاء فليُفطر".

стр. 735

قال محمد: صيام يوم عاشوراءَ كان واجبًا قبل أن يفترض رمضان، ثم نسخه شهر رمضان، فهذا تطوع، فمن شاءَ صامه، ومن شاءَ لم يصمه، وهو قول أبي حنيفة، والعامة قبلنا. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، وفي نسخة أخرى: بنا، وفي نسخة أخرى: أنا أخبرنا وفي نسخة قال: ثنا، ابن شهاب، أي: محمد بن مسلم بن شهاب بن زهرة بن كلاب، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين من أهل المدينة (١) عن حُمَيْد بالتصغير ابن عبد الرحمن بن عوف، من أهل المدينة، مات سنة خمس ومائة من الهجرة (٢) أنه أي: حميد سمع معاوية بن أبي سفيان هو صخر بن حرب بن أمية الأموي أبا عبد الرحمن الخليفة صحابي أسلم قبل الفتح، وكتب الوحي، ومات في رجب سنة ستين وقد قارب الثمانين (٣) عام حَجَّ، وكان أول حجة حجها بعد الخلافة سنة أربعة وأربعين وآخر حجة حجها سنة سبعة وخمسين ذكره ابن جرير قال الحافظ: ويظهر أن المرة في هذه الحجة الأخيرة، وكان تأخر بمكة أو المدينة بعد الحج إلى يوم عاشوراء وهو على المنبر أي: منبر المسجد النبوي يقول: يا أهل المدينة أين علماؤكم، أي: من التابعين قوله: أين ظرف مكان مبهم منصوب بيذهبون مقدر والاستفهام فيه للإِنكار شبه معاوية بن أبي سفيان ﵄ على سبيل الاستعارة التبعية حال علماء التابعين في اختلافهم فيحكم صوم يوم عاشوراء بحال قوم يتركون الطريق ويسلكون إلى طريق مختلفة غير موصولة إلى المطلوب. قال القاضي عياض وغيره: إن معاوية بن أبي سفيان ﵁ سمع عن بعض علماء التابعين أنه يوجب صوم يوم عاشوراء، وعن بعضهم أنه يحرمه وعن بعضهم أنه يكره فأراد إعلامهم أنه ليس كذلك، والمعنى أي طريق يسلكون أبين من هذا الطريق الذي ظهرت حقيقته واستقامته قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: لهذا اليوم أي: لأجله أو في حقه "هذا يوم عاشوراءَ لم يكتب الله أي: لا يفرض الله تعالى عليكم صيامه، قال ابن

стр. 736

الهمام: قول معاوية لم يكتب الله إلى آخره لا ينافي في كونه واجبًا؛ لأن معاوية من مسلمة الفتح، وهو كان في سنة ثمان فإن كان سمع هذا بعد إسلامه، فإنما يكون سمعه سنة تسعة أو عشرة فيكون ذلك بعد نسخه بإيجاب رمضان الذي كان في السنة الثانية من الهجرة جمعًا بين الأدلة الصريحة في وجوبه، وإن سمعه قبله فيجوز كونه قبل افتراضه وأنا صائم، فمن شاءَ فليصم، ومن شاء فليُفطر" هذا الحديث مرفوعًا ففي النسائي: سمعت رسول الله ﷺ يقول في هذا اليوم: "إني صائم فمن شاء منكم أن يصوم فليصم ومن شاء فليفطر". قال محمد: صيام يوم عاشوراءَ كان واجبًا أي: لازمًا علينا، وهو لما لزم علينا بدليل فيه شبهة كخبر الواحد والعام غير المخصوص والآية المأولة تصدق الفطر والأضحية قبل أن يفترض رمضان، والفرض في اللغة التقدير، وفي الشرع ما ثبت بدليل قطعي كالكتاب والسنة (ق ٤٠١) والإِجماع، وهو على نوعين: فرض كفاية ففرض العين ما يلزم كل واحد إقامته ولا يسقط عن البعض بإقامة البعض كالإِيمان ونحوه، وفرض الكفاية ما لا يلزم جميع المسلمين إقامته ويسقط بإقامته البعض عن الباقين كالجهاد وصلاة الجنازة كذا بينه السيد الجرجاني ثم أي: بعد العلم بوجوب صوم يوم عاشوراء على الأمة أو بتخير أمته ﷺ بين صيامهم عاشوراء أو بين إفطارهم نسخه أي: بدل حكم عاشوراء شهر رمضان، وإسناد النسخ إلى الشهر مجاز من قبل إسناد السبب إلى المسبب والحاصل أن النسخ فيه جهتان: ففي حق الله تعالى بيان محض لإِنهاء الحكم الأول وليس فيه معنى التبديل؛ لأنه كان معلومًا عند الله تعالى أنه ينتهي في وقته كذا بالناسخ فكان الناسخ بالنسبة علمه تعالى مبينًا للمدة لا رفعًا؛ لأن الرفع يقتضي الثبوت والبقاء لولاة وههنا البقاء بالنسبة إلى علمه تعالى محال؛ لأنه خلاف معلومه. وفي حق البشر تبديل؛ لأنه أزال ما كان ظاهر الثبوت ولحقه بشيء آخر وهذا على مثال القتل فإنه بيان انتهاء أجل المقتول عند الله تعالى؛ لأن المقتول ميت بانقضاء أجله عند أهل السنة والجماعة، إذ لا أجل سواه، وفي حق العباد تبديل وتغير وقطع للحياة، والمظنون استمرارها لولا القتل فلهذا يرتب عليه القصاص وسائر الأحكام؛ لأنا أُمِرنا بإرادة الإِحكام على الظواهر كذا قاله عبد الرحمن بن الملك في (شرح المنار) فهذا أي:

стр. 737

صيام عاشوراء تطوع، أي: مستحب فمن شاءَ صامه، ومن شاءَ لم يصمه، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة قبلنا وذلك لما في (الصحيحين) (١) عن عائشة ﵂ أنها قالت: كان يوم عاشوراء يومًا تصومه قريش في الجاهلية، وكان رسول الله ﷺ يصومه فلما قدم المدينة صامه وأمر بصيامه. فلما فرض رمضان قال: "من شاء صامه ومن شاء تركه" كذا قاله علي القاري. لما فرغ من بيان فضيلة يوم عاشوراء، شرع في بيان إحياء ليلة القدر، فقال: هذا * * * باب ليلة القدر في بيان فضيلة إحياء ليلة القدر، وهي ليلة خصها الله تعالى بهذه الأمة، تدور في كل سنة إلى يوم القيامة عند أهل السنة والجماعة، وفي تسميتها ثلاثة أقوال، وبها سميت به، لكونها ذا قدر وشرف عند الله تعالى، لقوله: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر: ٣] لنزول القرآن فيها كقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر: ١] ولحصول الشرف والقدر والمرتبة عند الله لمن أحياها كما روى البخاري عن أبي هريرة رضي لله عنه أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنب" (٢). وثانيها: سميت به؛ لأن القدر بفتح القاف وسكون الدال بمعنى التقدير والقضاء لتقدير أحكام السنة في تلك الليلة. قال تعالى في سورة الدخان: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ

стр. 738

حَكِيمٍ (٤) أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا﴾ [الدخان: ٤، ٥]. أي: يفصل كل أمر عندنا، فإن قلت: التقدير والقضاء والقدر صفة أزلية لله تعالى قدر وقضا ما كان، وما يكون قبل أن يخلق السموات والأرض، كيف يكون التقدير والقدر في تلك الليلة وهي محدثة؟ أجيبُ عنه بأن المراد (ق ٤٠٢) بالتقدير إظهار أثر تعلق القدرة، وهو المقدور إلي الملائكة في تلك الليلة، وهذا القول اختيار عامة أهل السنة والجماعة. قال ابن عباس ﵄: يكتب في أم الكتاب في ليلة القدر ما هو كائن في السنة من الخير والشر والأرزاق والآجال، حتى الحاج بحج فلان ثم يسلم إلى خازنه قال تعالى في سورة الحجر: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ﴾ [الحجر: ٢١]. وثالثها: سميت به لخفائها عن الناس؛ فإن القدر بفتح القاف وسكون الدال بمعنى التضييق، ومعنى التضييق إخفاؤها، وسبب إخفاء ليلة القدر أن يحيي من أرادها ليالي كثيرة كما أخفى رضائه في الطاعات حتى يرغبوا في الكل، وأخفى غضبه في المعاصي ليتحروا من الكل، وأخفى وليه فيما بين الناس حتى يعظموا الكل، وأخفى المستجاب من الدعوات ليدعوها بكلها، وأخفى الصلاة الوسطى ليحافظوا على كل الصلوات، وأخفى وقت الموت؛ ليكون المكلف على الاحتياط في جميع الأوقات. كما ذكرنا في نور الأفئدة في تفسير: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ (١). ٣٧٥ - أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر، أن رسول الله ﷺ قال: "تحرّوا ليلة القدر، في السبع الأواخر من رمضان". • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي نسخة أخري: أنا، وكل واحد منهما رمزًا إلى أخبرنا، أخبرنا وفي نسخة: قال: أنا، عبد الله بن دينار، العدوي سيدهم يكنى أبا عبد الرحمن المدني مولى ابن عمر ثقة تابعي، من الطبقة الرابعة من طبقات التابعين،

стр. 739

من أهل المدينة، كانت في الأقاليم السبعة، مات سنة سبع وعشرين ومائة كما قاله ابن حجر عن مولاه عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄، أن رسول الله ﷺ قال: "تحرّوا بفتح الفوقية والحاء المهملة، وبضم الراء المهملة المشددة وإسكان الواو تحرى أي: اطلبوا بالجد والاجتهاد. ليلة القدر، في السبع الأواخر من رمضان" أي: في أوتارها. قال ابن عبد البر: هكذا رواه محمد بن الحسن عن مالك عن عبد الله بن دينار، ورواه شعبة عن عبد الله بن دينار بلفظ: "تحروها ليلة سبع وعشرين" قال: المراد في ذلك العام فلا يخالف قوله فيما قبله في العشر الأواخر، أو يكون قاله، وقد مضى من الشهر ما يوجب ذلك أو أعلم، أو لأنها في العشر ثم أعلم أنها في السبع، أو خص على العشر من به بعض من القوة وعلى السبع من لا يقدر على العشر. انتهى. وهذا رواه مسلم عن يحيى النيسابوري عن مالك. * * * ٣٧٦ - أخبرنا مالك، حدثنا هشام بن عروة عن أبيه، أن النبي ﷺ قال: "تحرّوا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان". • أخبرنا مالك، وفي نسخة: قال محمد: بنا، حدثنا وفي نسخة: أنا، وفي نسخة أخرى: ثنا، هشام بن عروة بن الزبير بن العوام، تابعي ثقة فقيه ربما دلس من الطبقة الخامسة، مات سنة خمس أو ست وأربعين، وله سبع وثمانون عن أبيه، مقطوعًا (١) وهو عروة بن الزبير بن العوام بن خويلد الأسدي المدني يكنى أبا عبد الله المدني ثقة فقيه مشهور، من الطبقة الثانية من أهل المدينة، مات سنة أربع وتسعين كذا قاله ابن حجر (٢) وصله البخاري من طريق يحيى القطان وعبدة بن سليمان ومسلم من طريق ابن نمير ووكيع الأربعة عن هشام عن أبيه عن عائشة موصولًا أن النبي ﷺ قال: "تحرّوا أي: اطلبوا وفي

стр. 740

رواية ابن نمير والقطان: التمسوا وهما بمعنى (ق ٤٠٣) الطلب لكن معنى التحري أبلغ؛ لأنه يقتضي الطلب بالجد والاجتهاد ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان" أي: خصوصًا في أوتاره ولم يقع في شيء من طرق حديث هشام هذا التفسير بالوحي، ولكنه محمول عليه؛ لأن في الصحيح من رواية أبي سهيل بن مالك عن أبيه عن عائشة مرفوعًا: "تحروا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان" (١) فيحمل المطلق على المقيد. ثم اختلفوا في تعيينها على ثمانية أقوال: فقيل: الليلة الأولى من رمضان، وقيل: هي الليلة السابعة عشر منه، وقيل: التاسعة عشر منه، وقيل: الحادية والعشرين منه، وقيل: الثالثة وعشرون منه، وقيل: الرابعة والعشرون منه، وقيل: الخامسة والعشرون منه وقال: وقال أبي بن كعب وجماعة من الصحابة: السابعة والعشرون منه، وقيل: التاسعة والعشرون منه. وقال عبد الله بن عمر بن محمد بن علي البيضاوي (٢): أظن أن ليلة القدر السابعة من الليالي العشر الأخيرة وذكروا فيه أمارات أحدها: حديث ابن عباس أن السورة ثلاثون كلمة، وقوله: هي السابعة منها، ومنها ما نقل أيضًا عن ابن عباس أنه قال: ليلة القدر تسعة أحرف، وهو في هذه السورة مذكور ثلاث مرات فيكون السابعة والعشرين. لما فرغ من بيان فضيلة إحياء ليلة القدر، شرع في بيان أحكام الاعتكاف، فقال: هذا * * * باب الاعتكاف في بيان أحكام الاعتكاف، وهو لغة: اللبث والدوام على الشيء، وفي (النهاية): أنه متعد ومصدره العكف، ولازم فمصدره العكوف، فالمتعدي بمعنى الحبس والمنع، ومنه قوله تعالى في سورة الفتح: ﴿وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ [الفتح: ٢٥]، وأما اللازم فهو الإِقبال على الشيء بطريقة المواظبة، ومنه قوله تعالى في سورة الأعراف: ﴿يَعْكُفُونَ
следующие страницы →