← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 127713

المهيأ في كشف أسرار الموطأ

عثمان الكماخي

Полный текст (1 812 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

الهمام: قول معاوية لم يكتب الله إلى آخره لا ينافي في كونه واجبًا؛ لأن معاوية من مسلمة الفتح، وهو كان في سنة ثمان فإن كان سمع هذا بعد إسلامه، فإنما يكون سمعه سنة تسعة أو عشرة فيكون ذلك بعد نسخه بإيجاب رمضان الذي كان في السنة الثانية من الهجرة جمعًا بين الأدلة الصريحة في وجوبه، وإن سمعه قبله فيجوز كونه قبل افتراضه وأنا صائم، فمن شاءَ فليصم، ومن شاء فليُفطر" هذا الحديث مرفوعًا ففي النسائي: سمعت رسول الله ﷺ يقول في هذا اليوم: "إني صائم فمن شاء منكم أن يصوم فليصم ومن شاء فليفطر". قال محمد: صيام يوم عاشوراءَ كان واجبًا أي: لازمًا علينا، وهو لما لزم علينا بدليل فيه شبهة كخبر الواحد والعام غير المخصوص والآية المأولة تصدق الفطر والأضحية قبل أن يفترض رمضان، والفرض في اللغة التقدير، وفي الشرع ما ثبت بدليل قطعي كالكتاب والسنة (ق ٤٠١) والإِجماع، وهو على نوعين: فرض كفاية ففرض العين ما يلزم كل واحد إقامته ولا يسقط عن البعض بإقامة البعض كالإِيمان ونحوه، وفرض الكفاية ما لا يلزم جميع المسلمين إقامته ويسقط بإقامته البعض عن الباقين كالجهاد وصلاة الجنازة كذا بينه السيد الجرجاني ثم أي: بعد العلم بوجوب صوم يوم عاشوراء على الأمة أو بتخير أمته ﷺ بين صيامهم عاشوراء أو بين إفطارهم نسخه أي: بدل حكم عاشوراء شهر رمضان، وإسناد النسخ إلى الشهر مجاز من قبل إسناد السبب إلى المسبب والحاصل أن النسخ فيه جهتان: ففي حق الله تعالى بيان محض لإِنهاء الحكم الأول وليس فيه معنى التبديل؛ لأنه كان معلومًا عند الله تعالى أنه ينتهي في وقته كذا بالناسخ فكان الناسخ بالنسبة علمه تعالى مبينًا للمدة لا رفعًا؛ لأن الرفع يقتضي الثبوت والبقاء لولاة وههنا البقاء بالنسبة إلى علمه تعالى محال؛ لأنه خلاف معلومه. وفي حق البشر تبديل؛ لأنه أزال ما كان ظاهر الثبوت ولحقه بشيء آخر وهذا على مثال القتل فإنه بيان انتهاء أجل المقتول عند الله تعالى؛ لأن المقتول ميت بانقضاء أجله عند أهل السنة والجماعة، إذ لا أجل سواه، وفي حق العباد تبديل وتغير وقطع للحياة، والمظنون استمرارها لولا القتل فلهذا يرتب عليه القصاص وسائر الأحكام؛ لأنا أُمِرنا بإرادة الإِحكام على الظواهر كذا قاله عبد الرحمن بن الملك في (شرح المنار) فهذا أي:

стр. 737

صيام عاشوراء تطوع، أي: مستحب فمن شاءَ صامه، ومن شاءَ لم يصمه، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة قبلنا وذلك لما في (الصحيحين) (١) عن عائشة ﵂ أنها قالت: كان يوم عاشوراء يومًا تصومه قريش في الجاهلية، وكان رسول الله ﷺ يصومه فلما قدم المدينة صامه وأمر بصيامه. فلما فرض رمضان قال: "من شاء صامه ومن شاء تركه" كذا قاله علي القاري. لما فرغ من بيان فضيلة يوم عاشوراء، شرع في بيان إحياء ليلة القدر، فقال: هذا * * * باب ليلة القدر في بيان فضيلة إحياء ليلة القدر، وهي ليلة خصها الله تعالى بهذه الأمة، تدور في كل سنة إلى يوم القيامة عند أهل السنة والجماعة، وفي تسميتها ثلاثة أقوال، وبها سميت به، لكونها ذا قدر وشرف عند الله تعالى، لقوله: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر: ٣] لنزول القرآن فيها كقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر: ١] ولحصول الشرف والقدر والمرتبة عند الله لمن أحياها كما روى البخاري عن أبي هريرة رضي لله عنه أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنب" (٢). وثانيها: سميت به؛ لأن القدر بفتح القاف وسكون الدال بمعنى التقدير والقضاء لتقدير أحكام السنة في تلك الليلة. قال تعالى في سورة الدخان: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ

стр. 738

حَكِيمٍ (٤) أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا﴾ [الدخان: ٤، ٥]. أي: يفصل كل أمر عندنا، فإن قلت: التقدير والقضاء والقدر صفة أزلية لله تعالى قدر وقضا ما كان، وما يكون قبل أن يخلق السموات والأرض، كيف يكون التقدير والقدر في تلك الليلة وهي محدثة؟ أجيبُ عنه بأن المراد (ق ٤٠٢) بالتقدير إظهار أثر تعلق القدرة، وهو المقدور إلي الملائكة في تلك الليلة، وهذا القول اختيار عامة أهل السنة والجماعة. قال ابن عباس ﵄: يكتب في أم الكتاب في ليلة القدر ما هو كائن في السنة من الخير والشر والأرزاق والآجال، حتى الحاج بحج فلان ثم يسلم إلى خازنه قال تعالى في سورة الحجر: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ﴾ [الحجر: ٢١]. وثالثها: سميت به لخفائها عن الناس؛ فإن القدر بفتح القاف وسكون الدال بمعنى التضييق، ومعنى التضييق إخفاؤها، وسبب إخفاء ليلة القدر أن يحيي من أرادها ليالي كثيرة كما أخفى رضائه في الطاعات حتى يرغبوا في الكل، وأخفى غضبه في المعاصي ليتحروا من الكل، وأخفى وليه فيما بين الناس حتى يعظموا الكل، وأخفى المستجاب من الدعوات ليدعوها بكلها، وأخفى الصلاة الوسطى ليحافظوا على كل الصلوات، وأخفى وقت الموت؛ ليكون المكلف على الاحتياط في جميع الأوقات. كما ذكرنا في نور الأفئدة في تفسير: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ (١). ٣٧٥ - أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر، أن رسول الله ﷺ قال: "تحرّوا ليلة القدر، في السبع الأواخر من رمضان". • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي نسخة أخري: أنا، وكل واحد منهما رمزًا إلى أخبرنا، أخبرنا وفي نسخة: قال: أنا، عبد الله بن دينار، العدوي سيدهم يكنى أبا عبد الرحمن المدني مولى ابن عمر ثقة تابعي، من الطبقة الرابعة من طبقات التابعين،

стр. 739

من أهل المدينة، كانت في الأقاليم السبعة، مات سنة سبع وعشرين ومائة كما قاله ابن حجر عن مولاه عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄، أن رسول الله ﷺ قال: "تحرّوا بفتح الفوقية والحاء المهملة، وبضم الراء المهملة المشددة وإسكان الواو تحرى أي: اطلبوا بالجد والاجتهاد. ليلة القدر، في السبع الأواخر من رمضان" أي: في أوتارها. قال ابن عبد البر: هكذا رواه محمد بن الحسن عن مالك عن عبد الله بن دينار، ورواه شعبة عن عبد الله بن دينار بلفظ: "تحروها ليلة سبع وعشرين" قال: المراد في ذلك العام فلا يخالف قوله فيما قبله في العشر الأواخر، أو يكون قاله، وقد مضى من الشهر ما يوجب ذلك أو أعلم، أو لأنها في العشر ثم أعلم أنها في السبع، أو خص على العشر من به بعض من القوة وعلى السبع من لا يقدر على العشر. انتهى. وهذا رواه مسلم عن يحيى النيسابوري عن مالك. * * * ٣٧٦ - أخبرنا مالك، حدثنا هشام بن عروة عن أبيه، أن النبي ﷺ قال: "تحرّوا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان". • أخبرنا مالك، وفي نسخة: قال محمد: بنا، حدثنا وفي نسخة: أنا، وفي نسخة أخرى: ثنا، هشام بن عروة بن الزبير بن العوام، تابعي ثقة فقيه ربما دلس من الطبقة الخامسة، مات سنة خمس أو ست وأربعين، وله سبع وثمانون عن أبيه، مقطوعًا (١) وهو عروة بن الزبير بن العوام بن خويلد الأسدي المدني يكنى أبا عبد الله المدني ثقة فقيه مشهور، من الطبقة الثانية من أهل المدينة، مات سنة أربع وتسعين كذا قاله ابن حجر (٢) وصله البخاري من طريق يحيى القطان وعبدة بن سليمان ومسلم من طريق ابن نمير ووكيع الأربعة عن هشام عن أبيه عن عائشة موصولًا أن النبي ﷺ قال: "تحرّوا أي: اطلبوا وفي

стр. 740

رواية ابن نمير والقطان: التمسوا وهما بمعنى (ق ٤٠٣) الطلب لكن معنى التحري أبلغ؛ لأنه يقتضي الطلب بالجد والاجتهاد ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان" أي: خصوصًا في أوتاره ولم يقع في شيء من طرق حديث هشام هذا التفسير بالوحي، ولكنه محمول عليه؛ لأن في الصحيح من رواية أبي سهيل بن مالك عن أبيه عن عائشة مرفوعًا: "تحروا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان" (١) فيحمل المطلق على المقيد. ثم اختلفوا في تعيينها على ثمانية أقوال: فقيل: الليلة الأولى من رمضان، وقيل: هي الليلة السابعة عشر منه، وقيل: التاسعة عشر منه، وقيل: الحادية والعشرين منه، وقيل: الثالثة وعشرون منه، وقيل: الرابعة والعشرون منه، وقيل: الخامسة والعشرون منه وقال: وقال أبي بن كعب وجماعة من الصحابة: السابعة والعشرون منه، وقيل: التاسعة والعشرون منه. وقال عبد الله بن عمر بن محمد بن علي البيضاوي (٢): أظن أن ليلة القدر السابعة من الليالي العشر الأخيرة وذكروا فيه أمارات أحدها: حديث ابن عباس أن السورة ثلاثون كلمة، وقوله: هي السابعة منها، ومنها ما نقل أيضًا عن ابن عباس أنه قال: ليلة القدر تسعة أحرف، وهو في هذه السورة مذكور ثلاث مرات فيكون السابعة والعشرين. لما فرغ من بيان فضيلة إحياء ليلة القدر، شرع في بيان أحكام الاعتكاف، فقال: هذا * * * باب الاعتكاف في بيان أحكام الاعتكاف، وهو لغة: اللبث والدوام على الشيء، وفي (النهاية): أنه متعد ومصدره العكف، ولازم فمصدره العكوف، فالمتعدي بمعنى الحبس والمنع، ومنه قوله تعالى في سورة الفتح: ﴿وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ [الفتح: ٢٥]، وأما اللازم فهو الإِقبال على الشيء بطريقة المواظبة، ومنه قوله تعالى في سورة الأعراف: ﴿يَعْكُفُونَ

стр. 741

عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٣٨] أي: يقيمون على عبادتها وهذا المعنى على القراءة بكسر الكاف وبضم القاف يكون بمعنى المواظبة كذا في (عيون التفاسير) وهو أي: الاعتكاف شرعًا: لبث ذكر في المسجد تقام فيه بجماعة الصلوات الخمس نيته، أو امرأة في مسجد بيتها عينه لصلاتها. واستنبط المصنف هذه الترجمة من قوله تعالى من سورة البقرة: ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧] والاعتكاف مستحب إلا إذا نذر فواجب، وفي العشر الأخيرة من رمضان سنة مؤكدة، وأقله يوم في الواجب، ولا بد له من صوم وكذا في النفل علي رواية الحسن، وأما على رواية الأصل وقول محمد: فأقله ساعة كذا قاله القاري، والمراد بالساعة مدة يسيرة غير محدودة فيحصل بمجرد المكث مع النية، ولو كان الذي نواه ماشيًا مارًا على غير جالس في المسجد، ولو ليلًا وهو حيلة من أراد الدخول من باب والخروج من باب آخر؛ لأن مبني النفل على المساهلة والاعتكاف مشروع بالكتاب كما مر والسنة كما روي المصنف بقوله. ٣٧٧ - أخبرنا مالك, أخبرنا ابن شهاب، عن عُروة بن الزبير، عن عَمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة، أنها قالت: كان رسول الله ﷺ إذا اعتكفَ يُدني إليَّ رأسه فأُرَجِّلَه، وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإِنسان. قال محمد: وبهذا نأخذ، لا يخرج الرجل إذا اعتكف إلا لغائط أو بول، وأما الطعام والشراب فيكون في معتكفه، وهو قولُ أبي حنيفة. • أخبرنا مالك، أي: ابن أنس بن عمير بن أبي عامر الإِمام الأصبحي، يعني منسوب إلى ملك ذي أصبح من ملوك اليمن، كان في الطبقة السابعة من طبقات كبار أتباع التابعين من أهل المدينة (١) وفي نسخة: محمد قال: ثنا، وفي نسخة أخرى: أنا، أخبرنا وفي

стр. 742

نسخة: ثنا، وفي نسخة أخرى: أنا ابن شهاب، أي: محمد بن مسلم بن شهاب بن زهرة بن كلاب، كان في الطبقة الرابعة من طبقات كبار التابعين من أهل المدينة، كانت في الإِقليم (ق ٤٠٤) الثاني من الأقاليم السبعة، مات سنة أربع وعشرين ومائة في رمضان، كما قاله أحمد بن حجر في (التقريب) (١) ومحمد بن أحمد الذهبي في (الكاشف) (٢) عن عُروة بن الزبير، بن العوام بن خويلد الأسدي المدني، ويكنى أبا عبد الله المدني ثقة، فقيه، مشهور، كان في الطبقة (٣) من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة أربع وتسعين كذا قاله ابن حجر (٤) عن عُمرة بنت عبد الرحمن، أي: ابن سعد بن زرارة الأنصارية المدنية، كانت في الطبقة الثالثة من طبقات التابعيات من النساء من أهل المدينة، وكانت قبل المائة، وقال بعض المؤرخين: ماتت بعد المائة عن عائشة، زوج النبي ﷺ أنها قالت: كان رسول الله ﷺ إذا اعتكفَ يُدني من الإِدناء: أي يقرب إليَّ رأسه وأنا في حجرتي فأُرَجِّلَه، من الترجيل فأمشط شعر رأسه وأنظفه، وأحسنه فهو مجاز في الحذف؛ لأن الترجيل للشعر لا للرأس، أو من إطلاق اسم المحل على الحال، وفيه أن إخراج البعض لا يجرى مجرى الكل، زاد في رواية: وأنا حائض، وفيه أن الحائض طاهرة وأن يدي المرأة ليست بعورة؛ إذ لو كانت عورتين لما باشرته بهما في اعتكافه لقوله تعالى في سورة البقرة: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧]. قال سعيد بن زيد الباجي المالكي في إباحة تناول المرأة رأس زوجها وترجيله ولمسه جلده بغير لذة: وإنما يمنع مباشرتها بالذة وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإِنسان أي البول والغائط كما فسرها الزهري واتفق على استثنائهما. قال محمد: وبهذا أي: بما روته عمرة بنت عبد الرحمن عن عائشة ﵂ نأخذ، أي: نعمل ولا يخرج الرجل أي: المعتكف عن معتكفه إذا اعتكف أي: اعتكافًا كاملًا إلا لغائط أو بول، وكذلك المرأة المعتكفة لا تخرج عن مسجد بيتها فالمعتكف لا يخرج عن معتكفه إلا لحاجة شرعية كالجمعة والعيدين فيخرج حتى يمكنه إدراكها مع صلاة

стр. 743

سنتها قبلها، ثم يعود إلى معتكفه أو لحاجة طبيعية بالبول والغائط وإزالة نجاسة واغتسال من الجنابة باحتلام أو لحاجة ضرورية كانعدام المسجد وأداء شهادة تعينت عليه، وإخراج ظالم قهرًا أو تصرف أهل المسجد بحيث بطلت المقعودة من الاعتكاف أو خوف على نفسه ومتاعه من المعاندين فإن خرج ساعة بلا عذر معتبر فسد الاعتكاف الواجب، ولا إثم عليه. قال أبو يوسف ومحمد: إذا خرج المعتكف من معتكفه أكثر اليوم فسد وإلا فلا، قال عطاء بن أبي رباح التابعي تلميذ ابن عباس ﵄ وهو أحد مشايخ أبي حنيفة ﵀: مثل المعتكف كمثل رجل يتردد ويقف على باب ملك أو أمير لحاجة يقدر على قضائها عادةً فالمعتكف يقول بلسان الحال وإن لم ينطق بلسان المقال: يا رب لا أزال قائمًا على بابك حتى تقضي جميع حوائجي في الدين (ق ٤٠٥) والدنيا فإني مكروب، اكشف كربي واغفر الذنوب التي تبعدني عنك وأعطني ما يقربني إليك كذا قاله الشرنبلالي في (مراقي الفلاح). وينبغي للمعتكف أن يعتبر نفسه من أهل القبور انقطع عن قومه ويتفكر يوم يقوم الناس لرب العالمين، ويبكي ويتضرع بأنواع التضرع ويقول: اللهم إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم. رواه البخاري (١) عن أبي بكر ﵁، وأما في نسخة: فأما بالفاء أي: أكل الطعام والشراب فيكون في معتكفه، على صفة اسم مفعول أي: محل اعتكافه وهو عدم خروج المعتكف من معتكفه أكثر من ساعة قولُ أبي حنيفة ﵀ خلافًا لأبي يوسف ومحمد، فإن عندهما يجوز للمعتكف أن يخرج من معتكفه للضرورة أقل من نصف يوم. * * *

стр. 744

٣٧٨ - أخبرنا مالك، أخبرنا يزيد بن عبد الله بن الهاد، عن محمد بن إبراهيم، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي سعيد الخُدْرِيّ، قال: كان رسول الله ﷺ يعتكف العشر الوُسُطَ من شهر رمضان، فاعتكف عامًا، حتى إذا كان ليلة إحدى وعشرين، وهي الليلة التي يخرج فيها من اعتكافه، قال: "مَن كان اعتكف معي فليعتكف العشر الأواخر، وقد رَأيتُ هذه الليلة، ثم أُنسيتها، وقد رأيتُني من صُبْحَتِها أسجد في ماء وطين، فالتمسوها في العشر الأواخر، والتمسوها في كل وتر"، قال أبو سعيد: فَمَطَرت السماء من تلك الليلة، وكان المسجد سقفه عريشًا، فوكف المسجد، قال أبو سعيد: فأبصرتْ عيناي رسول الله ﷺ انصرف وعلى جَبْهته وأنفه أثر الماء والطين من صبح ليلة إحدى وعشرين. • أخبرنا مالك, وفي نسخة: محمد قال: بنا، أخبرنا وفي نسخة: قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا يزيد بن عبد الله بن الهادِ، أصله الهادي بالياء حذفت لغة ووصلًا ويكنى أبا عبد الله الليثي المدني، ثقة مكثر كان من الطبقة الخامسة من أهل المدينة، مات سنة تسع وثلاثين ومائة (١) عن محمد بن إبراهيم، أي: ابن الحارث بن خالد التيمي يكنى أبا عبد الله المدني ثقة له أفراد، من الطبقة الرابعة من طبقات التابعين، من أهل المدينة مات سنة عشرين ومائة (٢) عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، أي: ابن عوف الزهري المدني قيل: اسمه عبد الله وقيل: اسمه إسماعيل تابعي ابن الصحابي ثقة مكثر في الطبقة الثالثة من كبار التابعين، من أهل المدينة مات سنة أربع وتسعين وكان مولده سنة بضع وعشرين كذا قاله ابن حجر (٣) عن أبي سعيد الخُدْرِيّ، ﵁.

стр. 745

قال ابن عبد البر (١): هذا حديث يروى في هذا الباب كذا قاله السيوطي (٢) قال: كان رسول الله ﷺ يعتكف العشر الوُسُطَ بضم الواو والسين جمع وسطى ويروى بفتح السين مثل كبر، ورواه سعيد بن زيد الباجي بإسكانها جمع واسط، كبازل وبزل، وأما الوسط بفتح الواو والسين فيحتمل أنه جمع أوسط أو هو جمع وسيط، كما يقال: كبير أو كبر، ويحتمل أنه اسم لجمع الوقت على التوحيد كوسط الدار ووسط الوقت والشهر كذا قاله الزرقاني (٣) من شهر رمضان، والاعتكاف المطلوب شرعًا على ثلاثة أقسام: واجب في المنذور، وسنة مؤكدة في العشر الأخير من رمضان لاعتكافه ﷺ العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله تعالى، ومستحب في وقت من الأوقات فاعتكف عامًا، مصدر عام أي: اعتكف في رمضان في سنة حتى إذا كان ليلة بالنصب وضبطه بعضهم بالرفع فاعل كان التامة بمعنى ثبت ونحوه إحدى وعشرين، وهي الليلة التي يخرج فيها أي: من عادته أن يخرج من اعتكافه، أي: معتكفه في ليلة إحدى وعشرين قال: ﷺ "مَن كان اعتكف معي أي: من أراد مرافقتي من أصحابي فليعتكف العشر الأواخر، وقد رَأيتُ وفي رواية أبي سعيد الخدري (ق ٤٠٦) "أُريت" بهمزة مضمومة مبني للمفعول أي: أعُلِمت هذه الليلة، نصب على أنه مفعول به لا ظرف أي: أريت ليلة القدر، وقد جزم سعيد بن زيد الباجي أن الرؤية بمعنى البصر أي: رأى علامتها أي: أعلمت له بها. وهي السجود في الماء والطين ثم أُنسيتها، بصيغة المجهول أي: أنسانيها الله تعالى، ولعل الحكمة في نسيانها هو أن ينغفل الناس بتعظيمها وقد رأيتُني أي: رأيت نفسي في المنام في تلك الليلة من صُبْحَتِها أي: صبحة ليلة القدر يعني: أن كلمة "من" بمعنى في أسجد في ماء وطين، المراد أنه ﷺ نسي علم تعينها تلك السنة لا رفع وجودها؛ لأمره بطلبها بقوله: فالتمسوها أي: اطلبوا ليلة القدر في العشر الأواخر، من رمضان عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: إن رسول الله ﷺ اعتكف العشر الأول من رمضان، ثم اعتكف العشر الأوسط، ثم قال: "أُتيت أي: أتاني ملك من الملائكة فقيل لي: إنها في

стр. 746

العشر الأواخر" رواه البخاري. والتمسوها أي: ليلة القدر في كل وتر"، أي: من أوتار ليالي العشر الأواخر من رمضان من ليلة إحدى وعشرين والثالث والعشرين والخامس والعشرين والسابع والعشرين والتاسع والعشرين قال أبو سعيد: أي: الخدري الذي رواه البخاري عنه فَمَطَرت السماء من تلك الليلة، يقال: في الليلة الماضية التي الليلة إلى الزوال فيقال: البارحة، وفي رواية في (الصحيحين): وما نرى في السماء قزعة فجاءت سحابة فمطرت حتى سال سقف المسجد وكان المسجد أي: مسجد المدينة سقفه مرفوع على أنه بدل البعض من الكل وهو لفظ المسجد عريشًا، أي: على مثل العريش وإلا فالعريش هو السقف أي: أنه كان مظللا بالخوص والجريد، ولم يكن محكم البناء بحيث يمكن من المطر، وفي رواية: وكان السقف من جريد النخيل فوكف المسجد، أي: قطر الماء من سقفه وهو من قبيل ذكر المحال وإرادة الحال قال أبو سعيد: فأبصرت عيناي أي: رأيت وهو تأكيد كقولك: أخذت بيدي، وإنما يقال في أمر بغير الوصول إليه إظهارًا للتعجب من تلك الحالة الغريبة رسول الله ﷺ انصرف علينا أي: بعد ما فرغ من صلاة الصبح وعلى جَبْهته وفي رواية "جبينه" وأنفه أثر الماء والطين من صلاة صبح ليلة إحدى وعشرين متعلق، بقوله: انصرف. وفي رواية: فنظرت إليه وقد انصرف بين صلاة الصبح ووجهة وأنفه فيهما الماء والطين تصديق رؤياه، وفيه السجود على الطين، وحمله الجمهور على الخفيف والسجود على الجبهة والأنف جميعًا فإن سجد على أنفه وحده لم يجزه وعلى جبهته وحده أساء وأجزأه قاله مالك والشافعي لا يجزيه تظاهر هذا الحديث، وقال أبو حنيفة: إذا سجد على جبهته أو ذقنه أو أنفه أجزء لخبر: "أمرت أن أسجد على سبعة آراب" وذكر منها الوجه فأي شيء وضع (ق ٤٠٧) من الوجه أجزاءه، وليس بشيء؛ لأن هذا الحديث ذكر فيه جمع من الحفاظ الجبهة والأنف، وأخرجه البخاري عن مالك به وطرقه كثيرة في الصحيحين وغيرهما. وقال ابن عبد البر (١): هذا أصح حديث في الباب كذا قاله الزرقاني (٢). * * *

стр. 747

٣٧٩ - أخبرنا مالك، قال: سألتُ ابن شهاب الزهري، عن الرجل المعتكف يذهب لحاجته تحت سقف؟ قال: لا بأس بذلك. قال محمد: وبهذا نأخذ، لا بأس للمعتكف إذا أراد أن يقضي الحاجة من الغائط أو البول أن يدخل البيت أو يمر تحت السقف، وهو قولُ أبي حنيفة. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، رمزًا إلى أخبرنا، قال: سألتُ ابن شهاب الزهري، أي: محمد بن مسلم بن زهرة بن كلاب، كان من الطبقة الرابعة من طبقات التابعين، من أهل المدينة (١) عن حال الرجل المعتكف أي: على صفة اسم الفاعل يذهب لحاجته أي: من البول أو الغائط تحت سقف؟ أي: خراب صار مزبلة ويكون حول المسجد قال: لا بأس بذلك أي: لكن البيت أفضل إن كان له فإنه أستر وأحوط. قال محمد: وبهذا نأخذ، لا بأس أي: لا يكره للمعتكف إذا أراد أن يقضي الحاجة من الغائط أو البول أن يدخل البيت أي: بيته أو يمر تحت السقف، أي: ولو كان لغيره إذا علم رضى صاحبه به وهو قولُ أبي حنيفة رحمه الله تعالى ونفعنا الله ببركته. لما فرغ من ما يتعلق بأحكام الصوم، شرع في بيان ذكر ما يتعلق بأحكام الحج، فقال: هذا * * *

стр. 748

كتاب الحَجّ في بيان أحكام هذا كلام إضافي يجوز فيه وجهان رفعه على أنه خبر للمبتدأ المحذوف كما قدرناه ونصبه على تقدير خذ أو اقرأ ونحوها. والكتاب لغة إما مصدر بمعنى الكتب، وهو سمي به المفعول للمبالغة واصطلاحًا طائفة من المسائل، واختار المصنف لفظ كتاب على باب؛ لأن في لفظ الكتاب معنى الجمع يقال: كتبت الخيل أي: جمعت، والباب بمعنى النوع، وكان غرضه بيان أنواع الحج لأنواعه، وإضافة الكتاب إلى الحج من قبيل إضافة العام إلى الخاص، عقب الإِمام الصوم بالحج اتباعًا بقوله ﷺ : "بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وصيام رمضان والحج" (١) رواه مسلم عن سعد بن عبيدة عن ابن عمر أن الحج بالفتح والكسر في اللغة: القصد أو قصد معظم، وفي الشرع: زيارة مكان مخصوص في زمان مخصوص بفعل مخصوص، والمراد بالزيارة المخصوصة الطواف بالبيت الحرام والوقوف بعرفات، والمراد بالمكان المخصوص البيت الشريف والجبل المسمى عرفات، والمراد بالزمان المخصوص زمان من طلوع الفجر يوم النحر إلى آخر العمر، وفي الوقوف بجبل عرفات من زوال الشمس يوم عرفة إلى طلوع الفجر يوم النحر، والمراد بالفعل المخصوص الطواف الفرض والسعي بين الصفا والمروة كذا قاله التمرتاشي. واستنبط المصنف، ﵀، هذه الترجمة من قوله تعالى في سورة آل عمران: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧] فرض الحج في السنة السادسة من الهجرة، وحج رسول الله ﷺ في السنة العاشرة منها كذا قاله السيواسي في (الفوائد).

стр. 749

وقال علي القاري في (شرح الحديث الأربعين) للنووي: فرض الحج في السنة الخامسة أو السابعة (ق ٤٠٨) أو التاسعة انتهى، ولكل وجه وفرضيته ثابتة بقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧] وفي هذه الآية أنواع من التأكيد منها قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ﴾ يعني: أنه حق واجب لله في رقاب الناس؛ لأن على للإِلزام، ومنها أنه ذكر الناس ثم بدل منه من استطاع إليه وهي ضربان من التأكيد أحدهما: أن الإِبدال تنبيه للمراد وتكرير له والثاني: الإِيضاح بعد الإِبهام والتفصيل بعد الإِجمال وإيراد له في صورتين مختلفتين، ومنها قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾ [آل عمران: ٩٧] مكان ومن لم يحج تغليظًا على تارك الحج؛ ولذا قال رسول الله ﷺ : "من مات ولم يحج فليمت إن شاء يهوديًا أو نصرانيًا" (١) ومنها ذكر الاستغناء وذا دليل السخط على التارك والخزلان، ومنه قوله تعالى: ﴿عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ ولم يقل عنه؛ لأنه إذا استغنى عن العالمين تناوله الاستغناء لا محالة؛ ولأنه يدل على الاستغناء الكامل فكان أدل على عظم السخط، كذا نقله عبد الرحمن المدعو بشيخ زادة عن صاحب (الكشاف) في (مجمع الأنهر). باب المواقيت في بيان أحكام المواقيت جمع الميقات وهو مكان الإِحرام فلا يجوز للحاج أو المعتمر أن يجاوزه إلا محرمًا، وفي لفظ المواقيت إشارة إلى أن موضع الإِحرام مختلف ومتعدد، واعلم أن الإِحرام شرط للمنسك، وهي فرضان عندنا النية والتلبية وكونه الميقات واجب، وميقات المكي ومن بمعناه للحج الحرام أو للعمرة الحل وأما ميقات الآفاق البعيدة من مكة فمما سيأتي في هذا الباب. ٣٨٠ - أخبرنا مالك، حدثنا نافع مولى عبد الله، عن عبد الله بن عمر: أن

стр. 750

رسول الله ﷺ قال: "يُهلّ أهل المدينة من ذي الْحُلَيْفَة، ويُهلّ أهل الشام من الجُحْفَة، ويُهَلّ أهل نجد من قَرْنٍ"، قال عبد الله بن عمر: ويزعمون أنه قال: "ويُهلّ أهل اليمن من يَلَمْلَم". • أخبرنا مالك، ابن أنس بن عمير بن أبي عامر الإِمام الأصبحي، يعني منسوب إلى ملك ذي أصبح، من ملوك اليمن، وكان في الطبقة السابعة من طبقات أتباع التابعين، من أهل المدينة، كانت في الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة (١)، وفي نسخة: محمد قال: بنا، رمزًا إلى أخبرنا، وفي نسخة: حدثنا وفي نسخة: عن نافع مولى عبد الله، عن عبد الله بن عمر: أن رسول الله ﷺ قال: وللبخاري من طريق الليث عن نافع بن عمر أن رجلًا قام في المسجد فقال: يا رسول الله من أين تأمرنا أن نهل قال: "يهل" بضم أوله أي: يحرم. وعن النووي (٢) قال العلماء: الإِهلال رفع الصوت بالتلبية عند الدخول في الإِحرام. ذكره السيوطي (٣). والمراد بالإِهلال الإِحرام، وهو يحصل بمجرد النية، والتلبية عندنا إجماعًا وبمجرد النية عند مالك والشافعي وأحمد، وأما رفع الصوت بالتلبية مستحب إجماعًا. والحاصل: أن رفع الصوت بالتلبية ليس بشرط في تحقق الإِحرام، وإنما هو بيان كماله الشرعي بناءً على اعتبار معناه اللغوي. كذا قاله علي القاري. أما حكمة التلبية؛ فإن الإِنسان إذا ناده أحد جليل القدر أجاب بالتلبية فكيف من ناداه مولاه علام الغيوب ودعاه إلى جانبه ليكفر عنه الذنوب والآثام، وإذا قال عبدٌ: لبيك يقول الرب: أنا إليك ومتجل عليك، فاسئل ما تريد، (ق ٤٠٩) وأنا أقرب إليك من حبل الوريد كذا في (خواتم الحكم) قوله: "يُهلّ خبر حقيقة وإنشاء معنى وأمرا في يُهلّ

стр. 751

أهل المدينة أي: من داخل المدينة أو قراها من ذي الْحُلَيْفَة، بضم الحاء المهملة وفتح اللام وسكون التحتية والفاء المفتوحة مصغر حلفة مكان معروف، وهي قرية خربت بينها وبين مكة مائتا ميل كذا قاله ابن حزم، وقال غيره: بينهما عشرة مراحل وتسعة، وبينها وبين المدينة ستة أميال، وقول ابن الصباغ: ميل واحد وهم يروه الحسن، وبها مسجد يعرف بمسجد الشجرة خراب وبها بئر يقال لها: بئر علي، وهي أبعد المواقيت من مكة فقيل: حكمة ذلك أن يعظم جوار أهل المدينة رفعًا بأهل الآفاق؛ لأن المدينة أقرب الآفاق إلى مكة أي: من له ميقات معين ويُهلّ أهل الشام زاد النسائي من حديث عائشة "ومصر" وزاد الشافعي في روايته "والمغرب" من الجُحْفَة، بضم الجيم وسكون الحاء المهملة، وهي قرية خربت بينها وبين مكة خمس مراحل أو ست، وقول النووي (١): ثلاث مراحل فيه نظر، وهي الجحفة اسمها في الأصل مَهْيَقة بفتح الميم وسكون الهاء وفتح التحتية بوزن علقمة، وقيل: بوزن علقمة والمشهور الأول، وسميت الجحفة؛ لأن السيل أجحف أي: استأصل قومًا نزلوا بها. قال ابن الحاسبي: كان العماليق يسكنون يثرب فوقع بينهم وبين بني عبيل بفتح العين المهملة وكسر الموحدة وهم أخوة فأخرجوهم من يثرب، فنزلوا مهيعة فجاء سيل فأجحفهم أي: استأصلهم فسميت والمصريون الآن يحرمون من رابغ براء مهملة وموحدة وغير معجمة قرب الجحفة، لكثرة حمائها فلا ينزل بها أحد إلا حم. ويُهَلّ أهل نَجْد كل مكان مرتفع وهو اسم لعشرة مواضع، والمراد هنا التي أعلى تهامة واليمن وأسفلها الشام والعراق من قَرْنٍ"، بفتح القاف وسكون الراء فنون بلا إضافة، وفي حديث ابن عباس في الصحيحين: قرن المنازل (٢) "بلفظ" جمع المنزل والمركب الإِضافي هو اسم المكان وضبط الجوهري (٣) قرن بفتح الراء وغلطوه وبالغ النووي (٤) محكمي الاتفاق حكى تخطئته في

стр. 752

ذلك، وفي نسبة أويس القرني إليه هو منسوب إلى قبيلة بني قرن بطن من مراد لكن حكى العياض عن القاسبي أن من سكن الراء أراد الجبل، ومن فتح أراد الطريق والجبل المذكور بينه وبين مكة من جهة المشرق مرحلتان وفي (أخبار مكة) (١) للفاكهي: أن قرن الثعالب جبل مشرف على أسفل من بينه وبين مسجد مني ألف وخمسمائة ذراع سمي قرن الثعالب لكثرة ما كان يأوي إليه من الثعالب، فقد ظهر أنه ليس من المواقيت قال عبد الله بن عمر بن الخطاب راوي الحديث ويزعمون أي: يقول بعض الصحابة والتابعين أنه أي: النبي ﷺ قال: "ويُهلّ أي: يدخل في الإِحرام أهل اليمن وعده من أهل الهيئة من الإِقليم الأول من الأقاليم السبعة، وليحيى: قال عبد الله بن عمر: وبلغني أن رسول الله ﷺ قال: "يهل أهل اليمن (ق ٤١٠) من يَلَمْلَم" بفتح التحتية واللام وسكون الميمين بينهما اللام المفتوحة مكان جنوبي مكة على مرحلتين بمكة بينهما ثلاثون ميلًا، ويقال: ألملم بالهمزة وهو الأصل والياء تسهيل لها. وحكى ابن السيد (٢) وفيه يرمرم برائين بدل اللامين، وللبخاري من طريق الليث عن نافع عن ابن عمر لم أفقه هذه من النبي ﷺ ، وفي الصحيحين عن سالم عن أبيه: وزعموا أن النبي ﷺ يهل أهل اليمن من يَلَمْلَم وهي من استعمال الزعم على القول المحقق، وهو يشعر بأن الذي بلغ ابن عمر ذلك جماعة. وقد ثبت ذلك عن ابن عباس في (الصحيحين) وجابر عن مسلم إلا أنه قال: حسبه رفعه عائشة عند النسائي والحارث بن عمرو السهمي عند أحمد وأبي داود والنسائي. قال ابن عبد البر (٣): اتفقوا على أن ابن عمر لم يسمع ذلك من النبي ﷺ ، ولا خلاف بين العلماء أن مرسل الصحابي صحيح حجة، وكأنه لم يعتبر قول أبي إسحاق الإِسفرائيني أنه ليس بحجة، وهذا الحديث رواه البخاري عن عبد الله بن يوسف ومسلم عن يحيى وأبو داود عن القعنبي وأحمد بن يونس كلهم عن مالك * * *

стр. 753

٣٨١ - أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الله بن دينار، أنه قال: قال عبد الله بن عمر: أمر رسول الله ﷺ أهل المدينة أن يُهلّوا من ذي الْحُلَيْفَةَ، وأهلَ الشام من الجُحْفَة، وأهل نَجْد من قَرْنٍ، قال عبد الله، أما هؤلاءِ الثلاثة فسمعتُهنّ من رسول الله ﷺ ، وأخْبرتُ أن رسول الله ﷺ قال: "وأمَّا أهل اليمن فَيُهِلُّونَ من يَلَمْلَم". • أخبرنا مالك، في نسخة: محمد قال: بنا، رمزًا إلى أخبرنا، وفي نسخة أخرى: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، أخبرنا وفي نسخة: بنا، وفي نسخة أخرى: أنا وكلاهما رمزًا إلى أخبرنا، وفي نسخة: قال: ثنا، عبد الله بن دينار، العدوي سيدهم يكني أبا عبد الرحمن المدني مولى ابن عمر، ثقة تابعي، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة سبع وعشرين ومائة من الهجرة (١) أنه قال: قال عبد الله بن عمر: ﵄ أمر رسول الله ﷺ أهل المدينة أن يُهلّوا أي: أن يدخلوا في الإِحرام بأن يقولوا: اللهم إني أريد الحج لله لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك لا شريك لك من ذي الْحُلَيْفَةَ، قد مر بيانها في الحديث السابق، ففي هذا أن الخبر في رواية نافع مراد به الأمر، ولذا أتى به الإِمام تلوه، فهو من حسن التأليف وأهلَ الشام أي: أمرهم أن يهلوا من الجُحْفَة، وأهل نَجْد من قَرْنٍ، أي: قرن المنازل لا قرن الثعالب كذا قاله الزرقاني (٢). قال عبد الله، ابن عمر أما هؤلاءِ أي: المواضع الثلاثة أي: المذكورة فسمعتُهنّ من

стр. 754

رسول الله ﷺ ، أي: من غير واسطة وأخْبرتُ على بناء المجهول للمتكلم وحده أي: سمعت من الصحابة أن رسول الله ﷺ قال: "وأمَّا أهل اليمن فَيُهلُّونَ من يَلَمْلَم"، ولم أسمع ذلك منه ﷺ . وحكى الأثرم عن أحمد أنه سئل أي سنة وقت النبي ﷺ المواقيت فقال عام حج. وفي الحديثين حرمة مجاوزة هذه المواقيت لمريد الحج والعمرة بلا إحرام وبه قال الأئمة الأربعة والجمهور وقالوا: عليه الدم لكن بدليل آخر. * * * ٣٨٢ - أخبرنا مالك، حدثنا نافع، أن ابن عمر (ق ٤١١) أحْرَمَ من الفُرْع. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي نسخة أخرى: أنا حدثنا وفي نسخة: بنا، وفي نسخة أخرى: عن نافع، أي: المدني مولى ابن عمر ﵄ أن ابن عمر أحْرَمَ من الفُرْع (١) بضم الفاء وسكون الراء المهملة موضع بناحية المدينة يقال: هو أول قرية مارت إسماعيل وأمه التمر بمكة، وفيها عينان يقال لهما: المربض والنخف كانتا تسقيان عشرين ألف نخلة كانت لحمزة بن عبد الله بن الزبير، والربض: منابت الأراك في الأرض قال ابن عبد البر (٢): محله عند العلماء أنه مر بميقات لا يريد إحرامًا ثم بدا له فأهل منه وجاء إلى الفرع من مكة أو غيرها ثم بدا له في الإِحرام كما قاله الشافعي وغيره، وقد روى حديث المواقيت، ومحال أن يتعداه مع علمه به فوجب على نفسه وما هذا لا يظنه عالم. * * * ٣٨٣ - أخبرنا مالك، أخبرني الثِّقَة عندي، أنَّ ابن عمر أحْرَمَ من إيلْيَاء. قال محمد: وبهذا نأخذ، هذه مواقيت وَقَّتَها رسول الله ﷺ ، فلا ينبغي لأحد أن يُجَاوِزَهَا إذا أراد حَجّا أو عُمْرَةً، إلا مُحْرِمًا، وأما إحرام عبد الله بن

стр. 755

عمر من الفُرْع، وهو دون ذي الحُلَيْفَةَ إلى مكة، فإنَّ أمامها وقتٌ آخر، وهو الْجُحْفَة، وقد رُخِّصَ لأهل المدينة أن يُحرِموا من الجُحْفَة؛ لأنها وقت من المواقيت. بلغنا عن النبي ﷺ أنه قال: "من أحب منكم أن يستمتع بثيابه إلى الجحفة فليفعل"، أخبرنا بذلك أبو يوسف، عن إسحاق بن راشد، عن أبي جعفر محمد بن عليّ، عن النبي ﷺ (١). • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي نسخة أخرى: أنا، أخبرني الثِّقَة عندي، أي: ربيعة بن أبي عبد الرحمن؛ اسمه فروخ ثقة تابعي فقيه مشهور، كان من الطبقة الخامسة من أهل المدينة، مات سنة ست وثلاثين ومائة، كذا قاله ابن حجر (٢) لما مرَّ من أن الثقة إذا أطلق يراد به ربيعة بن فروخ، وقال الزرقاني (٣): المراد بالثقة قيل: هو نافع أنَّ ابن عمر ﵄ أحْرَمَ أي: مرة من إيلْيَاء وبكسر أوله ممدودًا مخففًا، وقد يشدد الياء الثانية ويقصد الحاسمة اسم مدينة بيت المقدس، كذا في النهاية. وفيه جواز تقديم الإِحرام على الميقات بل قيل: هو الأفضل إذا أمكن ارتكاب المحظور، ويؤيده ما رواه الحاكم أنه سئل علي - كرم الله وجهه - عن قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] قال: أن تحرم من دويرة أهلك (٤). فالإِتمام في الآية بمعنى الإِكمال فيحمل الأمر على الاستحباب. كذا قاله علي القاري. وقال الزرقاني (٥): وأما كراهة تقديم الإِحرام على الميقات فهي خوف أن يعرض للمحرم إذا بعدت مسافته ما يفسد إحرامه، وأما قصيرها فلما فيه من التباس الميقات والتحليل عنه، وهذا مذهب مالك وجماعة من السلف، فأنكر عمر على عمران بن حصين إحرامه من البصرة، وأنكر عثمان بن عفان على عبد الله بن عامر إحرامه قبل الميقات. قال ابن عبد البر (٦): وهذا من هؤلاء - والله أعلم - كراهة أن يضيق المرء على نفسه

стр. 756

ما وسع الله عليه، وأن يتعرض لما لا يُؤمَن أن يحدث في إحرامه، وذهب جماعة إلى جوازه من غير كراهة وبه قال الشافعية، وإن كان الأفضل الميقات من الإِحرام اقتداءً بفعله ﷺ ، وأما حديث أبي داود عن أم سلمة مرفوعًا: "من أهلَّ بحجة أو عمرة من المسجد الأقصى غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ووجبت له الجنة" (١) ورواه ابن ماجه بلفظ: "من أهلَّ بعمرة من بيت المقدس كانت كفارة لما قبلها من الذنوب" (٢) وفي لفظ: "من أهلَّ بعمرة من بيت المقدس غفر له" (٣) فحديث معلول قال المنذري (٤): اختلف الرواة في متنه وإسناده اختلافًا كثيرًا وضعفه عبد الحق وغيره. قال محمد: وبهذا نأخذ، أي: إنما نعمل بما رواه الثقة هذه أي: المواضع مواقيت أي: أماكن موقتة وَقَّتَها أي: بيَّنها وعينها رسول الله ﷺ ، لأهلها أي: لأهل المواقيت فلا ينبغي أي: لا يحل لأحد أن يُجَاوِزَهَا أي: المواقيت إذا أراد حَجّا أو عُمْرَةً، أي: بحجة أو عمرة أو بهما، ثم قيد أراد بهما غالبي وإلا (ق ٤١٢) فلا يحل لأحد من الأفاقي أن يتجاوز أحد المواقيت بلا إحرام إذا أراد دخول الحرم سواء أراد أحد النسكين أو لم يرد خلافًا للشافعي، ويؤيد مذهبنا ما رواه ابن أبي شيبة عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: "لا يجاوز أحد الميقات إلا بإحرام" (٥) وأما دخوله ﷺ عام الفتح بغير إحرام

стр. 757

فحكم مخصوص له وللصحابة بذلك الوقت؛ ولهذا قال رسول الله ﷺ في ذلك اليوم: "إنها - أي: مكة - لا تحل لأحد قبلي ولا تحل لأحد بعدي وإنما أحلت لي ساعة من نهار ثم عادت حرامًا" (١) ما يعني في الدخول بغير إحرام للإِجماع على الدخول بعده ﷺ للقتال مع الإحرام وأما إحرام عبد الله بن عمر من الفُرْع، وهو أي: الفرع دون أي: أقرب ذي الحُلَيْفَةَ إلى مكة، فإنَّ أمامها أي: قدامِ بقعة ذي الحليفة أو الفرع وقتٌ آخر أي: ميقات آخر متأخر وهو الْجُحْفَة، وقد رُخِّص بصفة المجهول أي: وقت الرخصة لأهل المدينة أن يُحرِموا من الجُحْفَة أي: سواء مروا على ذي الحليفة أم لا؛ لأنها وقت أي: ميقات من المواقيت والواجب أن لا يتجاوز عنه وأطلق الميقات لا عن الميقات الأول بلغنا عن النبي ﷺ أي: بإسناد الآتي أنه قال: من أحب منكم أي: يا أهل المدينة أن يستمتع بثيابه أي: بأن يلبس وأن يؤخر إحرامه إلى الجحفة فليفعل. والحاصل: أن هذا رخصة، والإِحرام من الميقات الأول عزيمة، ولو لم يحرم المدني من ذي الحليفة وأحرم من الجحفة لا شيء عليه عندنا خلافًا للشافعي، ولكن كره بالاتفاق خروجًا عن الخلاف، فإنه مستحب إلا عند ابن أمير الحاج من أصحابنا ذكره في منسكه: إن تجاوز المدني إلى الجحفة في زماننا أفضل فإن المحرم ربما يرتكب محرمات في الطريق إذا طالت عليه المسافة وأخبرنا بذلك أي: بالحديث المتقدم أبو يوسف، عن إسحاق بن راشد، عن محمد بن علي عن أبي جعفر محمد الباقر بن زين العابدين بن عليّ، بن الحسين بن علي ﵃ وسمي هذا السند سلسلة الذهب عن النبي ﷺ بذلك. لما فرغ من بيان المواضع للإِحرام، شرع في بيان زمانه، فقال: هذا * * * باب الرجل يحرم في دبر الصلاة وحيث ينبعث به بعيره في بيان حكم حال الرجل يحرم أي: يدخل في الإِحرام مع رفع الصوت بالتلبية في دبر الصلاة، أي: عقب الصلاة التي كانت سنة الإِحرام، وحيث ينبعث به بعيره أي: يلبي مع رفع الصوت للإِحرام حين تقيمه راحلته، والباء للتعدية استنبط المصنف - رحمه الله تعالى - هذه الترجمة من فعله ﷺ كان يصلي في مسجد ذي الحليفة ركعتين فإذا استوت راحلته أهلَّ

стр. 758

أي: لبَّى برفع الصوت رواه الشيخان (١) وغيرهما من حديث أنس بن مالك ﵁ ومن قوله تعالى: ﴿إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا﴾ الآية [الشمس: ١٢] الآية المراد بالانبعاث: القيام. * * * ٣٨٤ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن ابن عمر، أنَّ عمر كان يصلي في مسجد ذي الْحُلَيْفَة، فإذا انبعثت به راحلته أحرم. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، أخبرنا وفي نسخة: عن نافع، أي: المدني مولى ابن عمر عن ابن عمر، أنه وفي نسخة: أنَّ عمر ﵁ كان أي: إذا (ق ٤١٣) قصد أحد النسكين يصلي في مسجد ذي الْحُلَيْفَة، أي: سنة الإِحرام فإذا انبعثت به أي: إذا أقامت راحلته أحرم أي: إن أراد حجًا مفردًا يقول عقب الركعتين: اللهم إني أريد الحج فيسره لي وتقبله مني، ثم يقول برفع الصوت: لبيك اللهم لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك ففيه صلاة الركعتين قبل الإِحرام وأنهما نافلتان. وبه قال الجمهور خلفًا وسلفًا، واستحب الحسن البصري الإِحرام بعد صلاة فرض؛ لأنه روى أن الركعتين كانتا صلاة الصبح وأجيب عنه بأن هذا لم يثبت، وهذا حديث موقوف على عمر حقيقةً ومرسلٌ مرفوع حكمًا وصله الشيخان وغيرهما في حديث أنس من طريق صالح بن كيسان عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ : كان يصلي في مسجد ذي الحليفة ركعتين فإذا استوت به راحلته أهل (٢). * * *

стр. 759

٣٨٥ - أخبرنا مالك، أخبرنا موسى بن عُقْبَةَ، عن سالم بن عبد الله، أنَّه سمع ابن عمر يقول: بَيْدَاؤكُم هذه التي تكذبون على رسول الله ﷺ فيها، ما أَهَلَّ رسول الله ﷺ إلا من عند المسجد، مسجد ذي الحُلَيْفَة. قال محمد: وبهذا نأخذ، يُحْرِمُ الرجل إن شاءَ في دُبُرِ صلاته، وإنْ شاء حين يَنْبَعِث به بعيره، وكُلٌّ حَسَنٌ، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامةِ من فقهائنا. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي نسخة أخرى: أنا، رامزًا إلى أخبرنا موسى بن عُقْبَةَ، بضم العين المهملة وسكون القاف ابن أبي عياش بتحتانية ومعجمة الأسدي مولى الزبير، ثقة، فقيه في المغازي لم يصح أن ابن معين لينه كان في الطبقة الثالثة، من التابعين، مات سنة إحدى وأربعين، وقيل بعد ذلك كذا في (التقريب) (١) عن سالم بن عبد الله، أي: ابن عمر بن الخطاب القرشي العدوي، يكنى أبا عمر أو أبا عبد الله المدني، أحد الفقهاء السبعة، كان عابدًا فاضلًا وكان يشبَّه بأبيه في الهدي والسمت، وكان في الطبقة الثامنة من طبقات كبار التابعين من أهل المدينة، مات سنة ست ومائة على الصحيح كذا قاله ابن حجر (٢) أنَّه أي: سالم سمع ابن عمر يقول: بَيْدَاؤكُم بالمد أهالي مفازتكم هذه التي فوق علمي ذي الحليفة لمن صعد الوادي قاله أبو عبيد البكري وغيره وأضافها إليهم لكونهم كذبوا بسببها كذبًا يحصل لها به الشرف تكذبون على رسول الله ﷺ أي: عنده ﷺ فيها، أي: بسببها ففي للتعليل نحو قوله تعالى في سورة يوسف: ﴿لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ [يوسف: ٣٢] وحديث: "دخلت النار امرأة في هرة" فتقول: إنه أحرم منها ولم يحرم منها وما أهل وللحميدي عن سفيان عن ابن عقبة

стр. 760

بسنده والله وما أَهَلَّ رسول الله ﷺ إلا من عند المسجد، يعني: مسجد ذي الحُلَيْفَة أي: بعد فراغه من صلاته عنده، ولمسلم من طريق حاتم بن إسماعيل عن موسى بن عقبة: ما أهل إلا من عند الشجرة حين قام به بعيره، ولا خلفه فالشجرة عند المسجد قال الحافظ: وكان ابن عمر ينكر رواية ابن عباس عند البخاري بلفظ: ركب راحلته حتى استوت به على البيداء، وقد زال الإِشكال ما رواه أبو داود والحاكم (١) من طريق سعيد بن جبير، قلت لابن عباس: عجبت لاختلاف أصحاب رسول الله ﷺ في إهلاله فقال: إني لأعلم الناس بذلك (ق ٤١٤)، إنما كانت من رسول الله ﷺ حجة واحدة فمن هناك اختلفوا خرج ﷺ حاجًا فلما صلى في مسجد ذي الحليفة ركعتين أوجب في مجلسه فأهل بالحج حين فرغ منهما، فسمع ذلك منه قوم فحفظوه، ثم ركب فلما انتقلت به راحلته أهل وأدرك ذلك قوم لم يشهدوا في المرة الأولى فسمعوه حين ذاك فقالوا: إنما أَهَلّ حين انتقلت راحلته، ثم مضى فلما علا شرف البيداء أهل وأدرك ذلك قوم لم يشهدوه فنقل كل واحد ما سمعه، وإنما كان إهلاله من مصلاه، وايم الله ثم أهل ثانيًا وثالثًا فعلى هذا كان إنكار ابن عمر من يخص الإِهلال بالقيام على شرف البيداء، وقد اتفق فقهاء الأمصار على جواز جميع ذلك، وإنما الخلاف في الأفضل انتهى. قال عياض: ليس من شرط الكذب العمد، فقول ابن عمر محمول على أن ذلك وقع منهم سهوًا إذا لم يظن به نسبة الصحابة إلى الكذب الذي لا يحل، وبسط هذا الولي العراقي فقال: إن قلت: كيف جعلهم كاذبين مع أنه وقع منهم باجتهاد فلا يطلق عليه الكذب، وإنما يطلق الخطأ قلت: الكذب عند أهل السنة: الإِخبار عن الشيء بخلاف ما هو عليه عمدًا في صدق اسم الكذب، فإن قلت: كان ينبغي الاحتراز عن هذه اللفظة؛ لأن المفهوم منها الذم والقائلون بذلك غير مذمومين بل مشكورون لصدوره عن اجتهاد قلت: زاد ابن عمر التنفير عن هذه المقالة يشنعها على قائلها ليحذر مع صدق اللفظ الذي ذكره. كذا قاله الزرقاني (٢).

стр. 761

قال محمد: وبهذا نأخذ، أي: بما ذكر في الحديثين جوازًا يُحْرِمُ أي: يدخل الرجل في الإِحرام إن شاءَ في دُبُرِ أي: عقب صلاته، أي: هو الأفضل وإنْ شاء حين يَنْبَعِث به أي: يقيمه بعيره، أي: دابته وكُلٌّ حَسَنٌ، أي: والأول أحسن وقد قال تعالى في سورة الزمر: ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الزمر: ٥٥] وهو قولُ أبي حنيفة، والعامةِ من فقهائنا اعلم أن الأفضل يحرم عقب صلاة ركعتي الإِحرام إلا في قول الشافعي، وهو الأصح من مذهبه أنه يحرم إذا انبعثت به راحلته إن كان راكبًا، وإن كان ماشيًا إذا توجه إلى طريقه كذا قاله علي القاري. لما فرغ من بيان زمان الإِحرام، شرع في بيان التلبية، فقال: هذا * * * باب التلبية في بيان أحكام التلبية، وهي مصدر لبى يلبي إذا أجاب بلبيك وخلافه معناه أجبتك إجابة بعد إجابة أن التثنية بحذف الزوائد للتكرير والتكثير كقوله تعالى في سورة الملك: ﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ﴾ الآية [الملك: ٤]. ٣٨٦ - أخبرنا مالك، حدثنا نافع عن عبد الله بن عمر، أن تَلْبِيَةَ رسول الله ﷺ : "لَبَّيْكَ اللَّهم لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لا شريك لك لَبَّيْكَ، إن الحمدَ والنِّعْمَةَ لك والمُلْك، لا شريك لك"، قال: وكان عبد الله بن عمر يزيد فيها:

стр. 762

لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، والخَيْرُ بيَدَيْكَ، لَبَّيْكَ والرَّغْبَاءُ إليك والعَمَلُ. قال محمد: وبهذا نأخذ، التَّلْبيةُ هي التَّلْبيةُ الأولى التي رُوي عن النبي ﷺ ، وما زِدْتَ فَحَسَنٌ، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا. • أخبرنا مالك، أي: ابن أنس بن عمير بن أبي عامر الإِمام الأصبحي، يعني منسوب إلى مالك (ق ٤١٥) ذي أصبح من ملوك اليمن، كان في الطبقة السابعة من طبقات كبار التابعين، من أهل المدينة، كانت في الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة (١) وفي نسخة: محمد قال: ثنا، حدثنا وفي نسخة: قال: بنا، رمزًا إلى أخبرنا، نافع المدني مولى عبد الله بن عمر ثقة فقيه مشهور، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة سبع عشرة ومائة (٢) عن عبد الله بن عمر، أن تَلْبِيَةَ رسول الله ﷺ : أي: التي كان يداوم عليها ولا ينقص منها "لَبَّيْكَ اللَّهم أي: بالله أجبناك فيما فيما دعوتنا. قال ابن عبد البر (٣): قال جماعة من العلماء: معنى التلبية إجابة دعوة إبراهيم حين أذن في الناس بالحج قال الحافظ: وهذا أخرجه عبد بن حميد وابن جرير (٤) وابن أبي حاتم في تفاسيرهم بأسانيد قوية عن ابن عباس ﵄ ومجاهد وعطاء وعكرمة وقتادة وغير واحد أقوى بما فيه أخرجه أحمد بن منيع في مسنده وابن أبي حاتم من طريق قابوس بن أبي ظبيان عن أبيه عن ابن عباس قال: لما فرغ إبراهيم صلوات الله على نبينا وعليه من بناء البيت قيل: أذن في الناس بالحج قال: يا رب، وما يبلغ صوتي قال: أذن وعلي البلاغ قال: فنادى إبراهيم صلوات الله على نبينا وعليه: يا أيها الناس كتب عليكم الحج إلى البيت العتيق فسمعه من بين السماء والأرض أفلا ترون الناس يجيبون من أقصى الأرض يلبون. ومن طريق ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس وفيه: فأجابوه بالتلبية في أصلاب

стр. 763

الرجال وأرحام النساء، وأول من أجابه أهل اليمن فليس حاج يحج من يومئذ إلى أن تقوم الساعة إلا من كان أجاب إبراهيم يومئذ قال الزين بن المنير: وفي مشروعية التلبية تنبيه على إكرام الله تعالى لعباده بأن وقفهم على بيته إنما كان باستدعاء منه كذا قاله الزرقاني (١). فإن قيل: من أي جبل أحجار الكعبة أخذها إبراهيم صلوات الله على نبينا وعليه حين بناها؟ أجيب: أخذها من خمسة جبال طور سيناء وطور رننا والجودي وأبي قبيس ونور، وفي أخذها من هذه الجبال عبرة للعالمين، فينبغي لمن يطوفها أن يعتبر وينظر بالإِجلال ويخشى من عظمة الله بالاحتجاب عن المعاصي بعد أن يطوفها؛ لأنه كان ضيفًا لله تعالى، والضيف لا يخالف المضيف وأن يتفكر أسرار قوله تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧] لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ كرره ثلاثًا مبالغة في التأكيد، أو الأول عند الولادة والثاني عند القبض والثالث عند البعث إلى المحشر، أو الأول عند العهد والميثاق حين خاطب تعالى بقوله: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢] قال: بلى والثاني: في الدنيا بالاستقامة على موجب قوله تعالى: ﴿بَلَى﴾ والثالث: عن سؤال المنكر والنكير في القبر عن ربه، وعن دينه وعن نبيه، أو كرره ثلاث مرات باعتبار اختلاف الأحوال من الغنى والفقر والتوسط وفي ذكره ثلاث مرات واتفق عليه البلغاء، وأما تكرير ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن: ١٣] و ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ١٥] فليس من التأكيد في شيء لا شريك لك لَبَّيْكَ، أي: لا في الألوهية (ق ٤١٦) ولا في الربوبية فلا يستحق غيرك المعبودية إن الحمدَ روي بكسر الهمزة، وهو أكثر وأشهر بفتحها على أن "أن" للتعليل، والمراد بالحمد والثناء، والشكر بقرينة قوله: والنِّعْمَةَ بكسر النون أي: المنحة والعطية لك أي: مختصة بكرمك وجودك، ولا يحصل نقمة لأحد إلا بجودك والمُلْك، بالنصب عطف على الحمد والنعمة، ولذا يستحب الوقوف عليه، والتقدير: والمُلْك لا شريك لك"، في جميع ما ذكر من الحمد والنعمة والملك، فالجملة مؤكدة لما قبلها نافية الشركة لا حد فيها والمقصود منها التبري من الشرك والجلي والخفي. قال الزين بن المنير: قرب الحمد والنعمة وأفرد الملك؛ لأن الحمد متعلق النعمة،

стр. 764

ولهذا يقال: الحمد لله على نعمه فجمع بينهما كأنه قال: لا حمد إلا لك فهو معنى مستقل بنفسه ذكر للتحقيق أن النعمة كلها منه تعالى؛ لأن صاحب الملك قال: أي: نافع وكان عبد الله بن عمر يزيد فيها: أي: في آخرها فيقول لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ ثلاث مرات وَسَعْدَيْكَ أي: أساعد طاعتك بعد مساعدة في خدمتك والخَيْرُ بيَدَيْكَ، أي: الخير كله بيد الله ومن فضله أي: بقدرته وكرمه لَبَّيْكَ أي: بتصرفك في الدنيا والآخرة والاكتفاء بالخير مع أن الخير والنعم كلاهما بيديه إما تأدبًا في ترك نسبة الشر إليه أو كل شيء لا يكون خاليًا عن خير، كما يشير إليه ما ورد يا الله المحمود في أفعاله، وكما يقال: الخير فيما اختاره الله والرَّغْبَاءُ إليك وهو بفتح الراء مع المد وبضم الراء مع القصر وحكى فيه أبو علي فيه الفتح المستحق للعبادة والعَمَلُ أي: العمل لك خاصة أو منه إليك لا يستحق غيرك، ولا يجازى عليه سواك. قال ابن دقيق العيد: فإن قيل: كيف زاد ابن عمر في التلبية ما ليس منها مع أنه كان شديد التحري لاتباع السنة، وفي حديثه عند مسلم من رواية سالم عنه أن النبي ﷺ لا يزيد على هذه الكلمات أي: المذكورة؟ أولا أجاب بأنه رأى أن الزيادة على النص ليست نسخًا، وأن الشيء وحده كذلك هو مع غيره فزيادته لا تمنع من إتيانه بتلبية النبي ﷺ أو فهم عدم القصر على تلك الكلمات، وأن الثواب يضاعف بكثرة العمل واقتصار المصطفى لا قلة ما يكفي وأجاب الولي العراقي بأنه ليس فيه خلط السنة بغيرها بل أي: بما سمعه ضم إليه ذكرًا آخره معناه، وباب الأركان لا تحجر فيه إذا لم يؤد إلى تحريف ما قاله النبي ﷺ فإن الذكر خير موضوع، والاستكثار من حسن على أن أكثر هذا الذي زاده كان ﷺ يقول في دعاء استفتاح الصلاة، وهو "لبيك وسعديك والخير في يديك والشر ليس إليك" (١) انتهى، والجوابان متقاربان كذا قاله الزرقاني (٢).

стр. 765

قال محمد: وبهذا أي: بما رواه نافع عن ابن عمر نأخذ، أي: نعمل التَّلبيةُ أي: المسنونة هي التَّلْبيةُ الأولى التى روى أي: ابن عمر والأظهر أن يقال التي رُوي عن النبي ﷺ ، بأسانيد متعددة، (ق ٤١٧) وما زِدْتَ أي: عليها أيها السالك في طريق المناسك أي: عليها فهو حَسَنٌ أي مستحب، وفي نسخة: فحسن أي: مستحسن ولا ينقص عنها فإنه مكروه اتفاقًا وهو أي: كون الزيادة على ما روى عن النبي ﷺ مستحبًا قولُ أبي حنيفة، والعَامَّة من فقهائنا. وروى الربيع عن الشافعي: إن زاد عليها كره، والأظهر أن يقال: إن زاد من الروايات المأثورة استحب وجاز إذا كان بخلافها؛ فإنه لا ينبغي أن يحمل فعل الصحابة على الكراهة مع أنه ورد في السنة أيضًا لبيك بحجة حقًا تعبدًا ورقًا ولبيك لا عيش إلا عيش الآخرة. وروى النسائي وابن ماجه وابن حبان والحاكم عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: "لبيك إله الخلق لبيك" (١) وفي (الصحيحين) من "لبيك عمرة وحجًا" (٢). كذا قاله علي القاري. لما فرغ من بيان أحكام التلبية، شرع في بيان وقت قطع التلبية، فقال: هذا * * * ٤ - باب متى تقطع التلبية بالتنوين أي: أي وقت تقطع التلبية أن تنتهي بأن لا يلبي بعده في الحج والعمرة.

стр. 766

٣٨٧ - أخبرنا مالك، أخبرنا محمد بن أبي بكر الثَّقَفِيّ، أنه أخبره، أنه سأل أنس بن مالك، وهما غَادِيَانِ إلى عَرَفَةَ، كيف كنتم تصنعون مع رسول الله ﷺ في هذا اليوم؟ قال: كان يُهِلّ الْمُهِلّ فلا يُنْكَر عليه، ويُكَبِّرُ الْمُكَبِّرُ لا يُنْكَر عليه. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، وفي نسخة أخرى: أنا، أخبرنا وفي نسخة قال: ثنا رمزًا إلى حدثنا محمد بن أبي بكر بن عوف الثَّقَفِيّ، الحجازي الثقة، كان من الطبقة الرابعة من طبقات التابعين، كذا قاله ابن حجر (١) وليس له عن أنس ولا غيره سوى هذا الحديث الواحد أنه مفعول ثان لأخبرنا أن محمد بن أبي بكر أخبره، أي: مالك أنه: أي: محمد بن أبي بكر سأل أنس بن مالك، بن النضر بن ضمضم ﵁ أنه خدم رسول الله ﷺ تسع سنين، وكان من الطبقة الثالثة فيمن شهد الخندق وما بعدها من أصحاب رسول الله ﷺ كذا قاله أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي الحنبلي في طبقاته، وهما أي: والحال أن محمد بن أبي بكر ﵀ وأنس بن مالك بن النضر بن ضمضم ﵁ غَادِيَانِ بالغين المعجمة والدال المهملة بينهما ألف وبالتحتية والنون بينهما ألف أي: ذاهبان غدوة من منى كذا في الموطأ لمالك إلى عَرَفَةَ أي: يذهبان يوم عرفة من منى إلى جبل عرفات كيف كنتم تصنعون أي: من الذكر مع رسول الله ﷺ في هذا اليوم؟ أي: من جهة التلبية وغيرها من الأذكار المروية، ولمسلم من طريق موسى بن عقبة عن محمد بن أبي بكر قلت: لأنس ﵁ غداة عرفة: ما تقول في التلبية في هذا اليوم؟ قال: أي: أنس ﵁ كان يُهِلّ بضم التحتية وكسر الهاء واللام المشددة أي يلبي الْمُهِلّ أي: الملبي برفع صوته بالتلبية فلا يُنْكَر عليه، بضم أوله على البناء للمجهول وفي رواية موسى بن عقبة لا يعيب أحدنا صاحبه، وفي مسلم عن ابن عمر غدونا مع

стр. 767

رسول الله ﷺ من منى إلى عرفات منا الملبي ومنا المكبر ويُكَبِّرُ الْمُكَبِّرُ لا يُنْكَر عليه بالبناء للفاعل فيها أي: النبي ﷺ . وقال بعض الشراح: بالبناء للمفعول فيهما، وقال الشيخ ولي الدين ظاهر: كلام الخطابي أن العلماء أجمعوا على ترك العمل بهذا الحديث، وأن السنة في الغدو من منى إلى عرفات بالتلبية فقط كذا قاله الزرقاني (ق ٤١٨) (١)، فيحصل تقريره ﷺ أن التلبية بعرفات مستحبة وفي (الحصن الحصين) أن التلبية بعرفات سنة رواه النسائي والحاكم من طريق سعيد بن جبير قال: كنت مع ابن عباس ﵁ بعرفات فقال: ما لي لا أسمع الناس يلبون فقلت: يخافون من معاوية، فخرج ابن عباس من فسطاطه فقال: لبيك اللهم لبيك، فإنهم قد تركوا السنة من بغض علي (١) واللفظ للنسائي، وقال الحاكم: صحيح على شرطهما وفي (الحصن الحصين) أنه ﷺ إذا سار إلى عرفات لبى وكبر. رواه مسلم وأبو داود عن ابن عمر ﵄. * * * ٣٨٨ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، عن عبد الله بن عمر، قال: كل ذلك قد رأيت الناس يفعلونه، وأما نحن فَنُكَبِّرُ. قال محمد: بذلك نأخذ، على أنَّ التلبية هي الواجبة في ذلك اليوم، إلا أن التكبير لا يُنْكَر على حالٍ من الحالات، والتَّلبية لا ينبغي أن تكون إلا في موضعها. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، أخبرنا وفي نسخة: قال ابن شهاب، أي محمد بن مسلم بن شهاب بن زهرة بن كلاب، تابعي مدني، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين من أهل المدينة، وهي كانت في الإقليم الثاني من الأقاليم السبعة عن عبد الله بن عمر، قال: كل ذلك أي: جميع ذلك من التلبية والتكبير قد رأيت الناس أي:

стр. 768

الصحابة يفعلونه، والمعنى أن بعضهم كان يكبر وبعضهم يلبي وبعضهم يجمع بينهما وأما نحن فَنُكَبِّرُ. أي: نختار التكبير مع تجويز التلبية. قال محمد: بذلك أي: بما سبق من استحباب التلبية في عرفات نأخذ، أي: نعمل على أنَّ التلبية هي الواجبة أي: الثابتة بالدليل الظني في ذلك اليوم، والدليل الظني هو السنة إلا أن التكبير أي: ونحوه من الأذكار والدعوات وفي نسخة: لأن التكبير لكن هذه النسخة أولى بقرينة قوله: لا يُنْكَر على بناء المجهول على حالٍ من الحالات، والتَّلبية لا ينبغي أن تكون أي: توجد إلا في موضعها أي: في محل التلبية، وهو حال الإِحرام والمعنى أن التلبية في تلك الحالة سنة مؤكدة؛ لأنه لا يجوز أن يلبي من غير نية الإِحرام إلا قد ورد لفظ لبيك في بعض دعواته ﷺ نعم التلبية المسنونة المعروفة لم يعرف وجودها في غير حال الإِحرام مع أنه لا مانع أنه يأتي بها لنحو تعليم غيره في سائر الأيام. * * * ٣٨٩ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، أن عبد الله بن عمر، كان يَدَع التَّلْبية إذا انتهى إلى الحَرَم حتى يَطُوفَ بالبيتِ وبالصَّفَا والْمَروَة، ثم يُلَبي حتى يَغْدُوَ مِن مِنَى إلى عَرَفَة، فإذا غَدَا ترك التَّلْبية. • أخبرنا مالك، بن أنس بن عمير بن أبي عامر الإِمام الأصبحي، يعني منسوب إلى ملك ذي أصبح من ملوك اليمن، وكان من الطبقة السابعة من طبقات كبار أتباع التابعين، من أهل المدينة، وهي كانت في الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة (١)، وفي نسخة: محمد قال: بنا، أخبرنا نافع، أي: المدني أن عبد الله بن عمر، ﵄ كان يَدَع أي: يقطع كما في الموطأ لمالك في الحج التَّلْبية أي: يتركها في إحرام الحج أصل يدع يودع بفتح التحتية وسكون الواو وفتح الدال المهملة والعين المهملة من الباب الثالث حذفت الواو لوقوعها في قرب حرف الحلق، ولكن النحاة أماتوا ماض يدع ويذر ومصدرهما وكذا في المستوفى أنه ورد في كلام العرب، ولا عبرة بكلام النحاة فيه، وإذا جاء نهر الله بطل نهر العقل، وإن كان نادرًا، وقال في (المغرب): أن النحاة زعموا أن العرب أماتت ذلك

стр. 769

والنبي ﷺ أفصحهم وقال: "لينتهين أقوام عن ودعهم الجماعات" (١) كذا قلنا في تفسير قوله تعالى: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [الضحى: ٣] إذا انتهى إلى الحَرَم أي: إلى أرض ويستمر على ذلك حتى يَطُوفَ بالبيتِ وبالصَّفَا (ق ٤١٩) والْمَروَة، أي: ويسعى بين الصفا والمروة وفي إعادة أحرف الجر تنبيه على أن المحرم للحج يلزم عليه أن يستمر على ترك التلبية إذا انتهى إلى الحرم حتى يتم السعي بين الصفا والمروة، ويؤيده قوله: ثم أي: بعد السعي يُلَبي أي: يقول: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك حتى يَغْدُوَ أي: يذهب مِن مِنَى إلى عَرَفَة، فإذا غَدَا أي: ذهب إليها ترك التَّلْبية هذا في الحج وزاد يحيى في الموطأ: "وكان يترك التلبية في العمرة إذا دخل المحرم" وبه قال مالك في الحرم من الميقات. * * * ٣٩٠ - أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الرحمن بن القاسم، أن عائشة كانت تترك التَّلْبية إذا راحت إلى الْمَوْقِف. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي نسخة أخرى: أنا، أخبرنا وفي نسخة: قال: عبد الرحمن بن القاسم، أي: ابن محمد بن أبي بكر الصديق التيمي يكنى أبا محمد المدني ثقة جليل، قال ابن عيينة: كان أفضل أهل زمانه، وكان في الطبقة السادسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة ست وعشرين ومائة كذا قاله ابن حجر (٢). عن أبيه أبي القاسم أن عائشة أي: زوج النبي ﷺ ورضي الله عنها كانت تترك التَّلْبية إذا راحت أي: مالت إلى الْمَوْقِف إلى عرفات بعد الزوال ففي فعلها وفعل على ذلك وهما بالمكان من النبي ﷺ أقوى دليل على ترك العمل بحديث الفضل وإن كان صحيحيًا.

стр. 770

قال أبو عبد الملك: والمعنى في ذلك والله أعلم أن التلبية إجابة فهو يجيب إلى الأخذ في انتهاء المناسك ثم بعد ذلك التكبير والتهليل على ما بين ﷺ كذا قاله الزرقاني (١). وقال علي القاري: فهذا يدل على وقوع خلاف بين الصحابة وكان معاوية اختار هذه الرواية. بخلاف ابن عباس وغيره، وأما ما ذكره الحاكم والنسائي عن ابن عباس عن معاوية أو أتباعه تركوا السنة من بُغض على خلاف وجه له لا سيما والحاكم منهم من جهة التشبع. * * * ٣٩١ - أخبرنا مالك، أخبرنا عَلْقَمة بن أبي عَلْقَمَةَ، أنَّ أُمَّهُ أخْبَرَتْهُ، أنَّ عائشة كانت تنزل بعَرَفةَ بِنَمِرَةَ، ثم تحوَّلَتْ فنزلت في الأرَاك، وكانت عائشة تُهِلّ ما كانت في منزلها، وَمَنْ كان معها، فإذا رَكِبَتْ وتوجَّهَتْ إلى الْمَوْقِف، تركت الإِهْلال، وكانت تُقيم بمكة بعد الحج، فإذا كان قبل هلال المحرَّم خرجت حتى تأتي الْجُحْفَة، فتُقيم بها حتى ترى الهلال، فإذا رَأَتِ الهلال أَهَلَّتْ بالعُمْرة. قال محمد: مَنْ أَحْرَمَ بالْحَجِّ أو قَرَنَ لَبَّى حتى يرمي الْجَمْرة بأوّل حَصَاةٍ يوم النَّحْر، فعند ذلك يقطع التَّلْبية. وَمَنْ أحْرَمَ بِعُمْرَةٍ مفردَةٍ لَبَّى حتى يستلم الركن للطَّوَاف، بذلك جاءت الآثار عن ابن عباس وغيره، وهو قولُ أبي حنيفة والعامَّة من فقهائنا. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، حدثنا، وفي نسخة: قال: أخبرني بالإِفراد عَلْقَمة بن أبي عَلْقَمَةَ، أي: بلال المدني ثقة علامة مولى عائشة، كان في الطبقة

стр. 771

الخامسة من طبقات التابعين من أهل المدينة مات سنة بضع وثلاثين بعد المائة من الهجرة (١) أنَّ أُمَّهُ أي: والدة علقمة اسمها مرجانة مولاة عائشة ﵂ مقبولة كانت في الطبقة الثالثة من طبقات التابعات، من أهل المدينة، كذا في (التقريب) (٢) لابن حجر أخْبَرَتْهُ، أي: علقمة أنَّ عائشة ﵂ كانت تنزل بعَرَفةَ أي: بقربها بِنَمِرَةَ، بفتح النون وكسر الميم موضع بعرفات، وقيل: بقربها خارج عنها، وهو الآن معروف بمسجد نمرة، وكان ذلك عملًا بالسنة كان ﷺ يضرب له خيمة بها فينزل قبل زمان الوقوف فيها ثم تحوَّلتْ أي: انتقلت عن نمرة لأجل رفع المزاحمة فنزلت في الأرَاك، بضم الهمزة موضع بعرفات من ناحية الشام وكانت عائشة ﵂ تُهِلّ أي: تلبي بلا رفع صوت ما كانت أي: ما دامت في منزلها، أي: الموضع الذي نزلت فيه وَمَنْ أي: ويهل من كان معها، أي: ويوافقها في التلبية من كان في خدمتها فإذا رَكِبَتْ أي: بعد الصلاة وتوجَّهَتْ إلى الْمَوْقِف، أي: بعرفات تركت الإِهْلال، أي: التلبية وكانت تُقيم أي: تسكن بمكة أي: في ذي الحجة كما فعلت مع النبي ﷺ بعد الحج، أي: بعد فراغها منه ثم تركت ذلك (ق ٤٢٠) فإذا كان قبل هلال أي: غرة شهر المحرَّم خرجت أي: من مكة حتى تأتي الْجُحْفَة، فتُقيم بها حتى ترى الهلال، أي: هلال شهر الله المحرم فإذا رَأَت الهلال أي: هلال المحرم أَهَلَّتْ أي: تلبي بالعُمْرة أي: ليكون عمرتها أفاقية؛ فإنها أفضل من أن يكون مكية، لا سيما والعمرة المكية لا تصح عند الحنبلية كذا قاله علي القاري. فتأتي مكة تفعل العمرة ثم تعود إلى المدينة لقوله تعالى في سورة البقرة: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧] فيستحب تخليص أشهره كلها للحج وخروجها للجحفة لفضل الإِحرام من الميقات والإِحرام من التنعيم إنما هو رخصة والميقات أفضل قاله أبو عبد الملك كذا قاله الزرقاني (٣). قال محمد: مَنْ أَحْرَمَ بالْحَجِّ أي: مفردًا أو قَرَنَ أي: جمع بين الحج والعمرة لَبَّى حتى يرمي الْجَمْرة بأوّل حَصَاةٍ رمى يوم النَّحْر، فدل على أنه يلبي في الحرم وغيره من عرفات ونحوها فعند ذلك أي: فحينئذ رمى أول حصاة في جمرة العقبة أول أيام النحر

стр. 772

يقطع التَّلْبية لما في الصحيحين من حديث ابن عباس أن أسامة بن زيد كان ردف النبي ﷺ من عرفات إلى المزدلفة، والفضل بن عباس كان ردفه من مزدلفة إلى منى فكلاهما قالا لم يزل النبي ﷺ يلبي حتى في جمرة العقبة (١). وَمَنْ أحْرَمَ بِعُمْرَةٍ مفردَةٍ لَبَّى حتى يستلم الركن أي: يقبل الحجر الأسود، وصورة استلامه بالحجر الأسود أن يأتي المحرم للحج أو للقران حذاء الحجر الأسود ويرفع يديه كما رفعها في الصلاة ويجعل بياض كفيه نحو الحجر، ويقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير بسم الله، والله أكبر فيقبله إن قدر تقبيله من غير إزاء لما روي أنه ﷺ : قبل الحجر الأسود ووضع شفتيه عليه وبكى طويلًا ثم نظر فإذا هو بعمر فقال: "يا عمر ههنا - أي: قف مكانك - تسكب العبرات"، وقال: "إنك قوي تؤذي الضعيف، فلا تزاحم الناس على الحجر الأسود ولكن إذا وجدت فرجة فاستلمه وإلا فأشر بيديك أو بشيء آخر فقبله" (٢) كذا في (الفرائد) وهو كان أبيض مضيئًا ما بين المشرق والمغرب ثم صار أسود بخطايا بني آدم - روى عبد الله بن عمر ﵄ أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الركن والمقام ياقوتتان من يواقيت الجنة طمس الله نورهما ولو لم يطمس نورهما لأضاءت ما بين المشرق والمغرب". كذا أورده محيي السنة في (المصابيح)، والمراد بالركن الحجر، وبالمقام مقام إبراهيم صلوات الله على نبينا وعليه، فإن قيل: ما الحكمة في الاستلام بالحجر الأسود؟ والجواب: ما روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: "إن الله تعالى أخذ الذر من ظهر آدم وقررهم بقوله: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢] قالُوا بَلَى كما في سورة الأعراف: كتبه في رقه وأودعه في الحجر فمن يستلم الحجر الأسود فهو كأنه يجدد عهده السابق والحجر الأسود يشهد له يوم القيامة.

стр. 773

روي أن عمر بن الخطاب ﵁ في خلافته أتى إلى الحجر الأسود ووقف ثم قال: "أما إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ (ق ٤٢١) استلمك ما استلمتك". فبلغ مقالته عليًا ﵁ فقال لعمر ﵁: بلى يا أمير المؤمنين فإن الحجر الأسود ينفع فقال له عمر ﵁: ما منفعته يا ختن رسول الله ﷺ قال: لو علمت ذلك في كتاب الله تأويله لقلت كما أقول. ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ﴾ الآية [الأعراف: ١٧٢] فلما أمروا أن الرب وأنهم العبيد كتب ميثاقًا في رق وألقمه في هذا الحجر أنه يبُعث يوم القيامة وله عينان ولسان وشفتان يشهد لمن وفى عهده فهو أمين الله تعالى في هذا الكتاب فقال له عمر: لا أبقاني الله بأرض لست بها يا أبا الحسن (١). كما قاله السيواسي في (شرح الملتقى) وقال علي القاري في (شرح مشكاة المصابيح) وبيان ذلك، قال ابن عباس ﵁ مسح الله تعالى أي: مسح ملك من الملائكة يأمره تعالى على ظهر آدم ﵇ فأخرج أرواح ذريته من صلبه على صورة الذر بعضها أبيض وبعضها أسود وانتشروا على يمين آدم صلوات الله على نبينا وعليه ويساره، فجعل الأرواح عقلاء وخاطبهم حين أشهدهم على أنفسهم بقوله: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢] وأمرهم بالإِيمان، ونهاهم عن الكفر فأقروا له تعالى بالربوبية ولأنفسهم بالعبودية حيث قالوا: بلى فكان لك منهم إيمانًا فهم يولدون على تلك الفطرة كما قاله أبو حنيفة رحمه الله تعالى في (الفقه الأكبر)، والمراد بالفطرة: الإِيمان جدد الله هذا العهد والميثاق، وذكر لنا هذا المسمى بإرسال الرسول ﷺ وإنزال القرآن، وفرض على الناس حج البيت ليحجوا به ويقبلوا الحجر الأسود ويجددوا عهودهم وميثاقهم السابق، فإن قيل: من حج فاستلم الحجر الأسود فقد جدد عهده وميثاقه السابق في عالم الأرواح، أما من لم يحج ولم يستلم الحجر الأسود بأي شيء يجدده؟ قلت: يجدده بقوله: الله أكبر في افتتاح الصلاة كما بيناه في باب افتتاح الصلاة من

стр. 774

هذا الشرح بذلك أي: يلزم استلام الحجر الأسود على من أحرم بعمرة مفردة للطَّوَاف، بذلك جاءت الآثار عن ابن عباس وغيره، وهو قولُ أبي حنيفة والعامَّة من فقهائنا. لما فرغ من بيان وقت قطع التلبية، شرع في بيان رفع الصوت بالرجال دون النساء، فقال: هذا * * * باب رفع الصوت بالتلبية في بيان رفع الصوت أي: رفع الرجل صوته بالتلبية أي: بغير رفع الصوت للنساء، فإنهن عورة وصوتهن عورة إلا أن يكون للضرورة. ٣٩٢ - أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حَزْم، أن عبد الملك بن أبي بكر بن الحارث بن هشام؛ أخبره أن خَلَّاد بن السائب الأنصاري ثُمَّ من بني الحارث بن الْخَزْرَج، أخبره أنَّ أباهُ أخبرهُ أن رسول الله ﷺ قال: "أتاني جبريل ﵇ فأمرني أن آمر أصحابي - أو من معي - أن يرفعوا أصواتهم بالإهْلال أو بالتلبية". قال محمد: وبهذا نأخذ، رفع الصوت بالتلبية أفضل، وهو قولُ أبي حنيفة والعامةِ من فقهائنا. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، أخبرنا وفي نسخة: قال: ثنا، في نسخة أخرى: أنا، عبد الله بن أبي بكر أي: ابن محمد بن عمرو بن حَزْم، الأنصاري المدني

стр. 775

القاضي ثقة تابعي كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين، من أهل المدينة، مات سنة خمس وثلاثين ومائة وهو ابن سبعين سنة كذا قاله ابن حجر (١) أن عبد الملك بن أبي بكر بن الحارث بن هشام؛ وفي نسخة: عبد الله بن عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي، ثقة من الطبقة الخامسة مات في أول خلافة هشام من التابعين (٢) أخبره أن خَلَّاد بن السائب بن سويد الخزرجي ثقة من الطبقة الثالثة، ووهم من زعم أنه صحابي كذا في (التقريب) (٣) الأنصاري ثُمَّ من بني الحارث بن الْخَزْرَج، أخبره أنَّ أباهُ أي: السائب (ق ٤٢٢) بن سويد الأنصاري أخبرهُ أي: خلاد أن رسول الله ﷺ قال: "أتاني جبريل ﵇ فأمرني أي: عن الله تعالى أمر ندب عند الجمهور، ووجوب عند الظاهرية أن آمر أصحابي ولأحمد وابن ماجه وصححه ابن حبان والحاكم عن زيد بن خالد مرفوعًا: "أتاني جبريل فقال: إن الله يأمرك أن تأمر أصحابك أن يرفعوا أصواتهم بالتلبية؛ فإنه من شعائر الحج". فعلم من قوله أن آمر أصحابي أن الوحي مشروط بالتبليغ دون الإِلهام، والوحي يحصل بواسطة الملك المخصوص فلا يسمى الأحاديث القدسية بالوحي، وإن كانت كلام الله تعالى، وقد يحصل الوحي بشهود الملك وسماع كلامه فهو من الكشف الشهودي المتضمن للكشف المعنوي، والإِلهام من كشف المعنوي فقط؛ لأن الإِلهام قد يحصل من الله من غير واسطة الملك بالوجه الخاص. كذا في (خواتم الحكم) (٤) أو من معي بالشك، وفي رواية يحيى والشافعي وغيرهما من الرواة، وفيه إشارة إلى أن المصطفى قال أحد اللفظين أو كل منهما يسد عن الآخر وتجويز ابن الأسير أن الشك من النبي ﷺ ؛ لأنه نوع سهو، ولا يعصم ركيك متعسف وفي رواية القعنبي ومن معي بالواو. قال الولي العراقي: يحتمل أنه زيادة إيضاح وبيان فإن الذين معه أصحابه، ويحتمل أن يريد بأصحابه الملازمين له المقيمين معه في بلدة، وهم المهاجرون والأنصار ومن معه
следующие страницы →