← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 127713

المهيأ في كشف أسرار الموطأ

عثمان الكماخي

Полный текст (1 812 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

الخامسة من طبقات التابعين من أهل المدينة مات سنة بضع وثلاثين بعد المائة من الهجرة (١) أنَّ أُمَّهُ أي: والدة علقمة اسمها مرجانة مولاة عائشة ﵂ مقبولة كانت في الطبقة الثالثة من طبقات التابعات، من أهل المدينة، كذا في (التقريب) (٢) لابن حجر أخْبَرَتْهُ، أي: علقمة أنَّ عائشة ﵂ كانت تنزل بعَرَفةَ أي: بقربها بِنَمِرَةَ، بفتح النون وكسر الميم موضع بعرفات، وقيل: بقربها خارج عنها، وهو الآن معروف بمسجد نمرة، وكان ذلك عملًا بالسنة كان ﷺ يضرب له خيمة بها فينزل قبل زمان الوقوف فيها ثم تحوَّلتْ أي: انتقلت عن نمرة لأجل رفع المزاحمة فنزلت في الأرَاك، بضم الهمزة موضع بعرفات من ناحية الشام وكانت عائشة ﵂ تُهِلّ أي: تلبي بلا رفع صوت ما كانت أي: ما دامت في منزلها، أي: الموضع الذي نزلت فيه وَمَنْ أي: ويهل من كان معها، أي: ويوافقها في التلبية من كان في خدمتها فإذا رَكِبَتْ أي: بعد الصلاة وتوجَّهَتْ إلى الْمَوْقِف، أي: بعرفات تركت الإِهْلال، أي: التلبية وكانت تُقيم أي: تسكن بمكة أي: في ذي الحجة كما فعلت مع النبي ﷺ بعد الحج، أي: بعد فراغها منه ثم تركت ذلك (ق ٤٢٠) فإذا كان قبل هلال أي: غرة شهر المحرَّم خرجت أي: من مكة حتى تأتي الْجُحْفَة، فتُقيم بها حتى ترى الهلال، أي: هلال شهر الله المحرم فإذا رَأَت الهلال أي: هلال المحرم أَهَلَّتْ أي: تلبي بالعُمْرة أي: ليكون عمرتها أفاقية؛ فإنها أفضل من أن يكون مكية، لا سيما والعمرة المكية لا تصح عند الحنبلية كذا قاله علي القاري. فتأتي مكة تفعل العمرة ثم تعود إلى المدينة لقوله تعالى في سورة البقرة: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧] فيستحب تخليص أشهره كلها للحج وخروجها للجحفة لفضل الإِحرام من الميقات والإِحرام من التنعيم إنما هو رخصة والميقات أفضل قاله أبو عبد الملك كذا قاله الزرقاني (٣). قال محمد: مَنْ أَحْرَمَ بالْحَجِّ أي: مفردًا أو قَرَنَ أي: جمع بين الحج والعمرة لَبَّى حتى يرمي الْجَمْرة بأوّل حَصَاةٍ رمى يوم النَّحْر، فدل على أنه يلبي في الحرم وغيره من عرفات ونحوها فعند ذلك أي: فحينئذ رمى أول حصاة في جمرة العقبة أول أيام النحر

стр. 772

يقطع التَّلْبية لما في الصحيحين من حديث ابن عباس أن أسامة بن زيد كان ردف النبي ﷺ من عرفات إلى المزدلفة، والفضل بن عباس كان ردفه من مزدلفة إلى منى فكلاهما قالا لم يزل النبي ﷺ يلبي حتى في جمرة العقبة (١). وَمَنْ أحْرَمَ بِعُمْرَةٍ مفردَةٍ لَبَّى حتى يستلم الركن أي: يقبل الحجر الأسود، وصورة استلامه بالحجر الأسود أن يأتي المحرم للحج أو للقران حذاء الحجر الأسود ويرفع يديه كما رفعها في الصلاة ويجعل بياض كفيه نحو الحجر، ويقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير بسم الله، والله أكبر فيقبله إن قدر تقبيله من غير إزاء لما روي أنه ﷺ : قبل الحجر الأسود ووضع شفتيه عليه وبكى طويلًا ثم نظر فإذا هو بعمر فقال: "يا عمر ههنا - أي: قف مكانك - تسكب العبرات"، وقال: "إنك قوي تؤذي الضعيف، فلا تزاحم الناس على الحجر الأسود ولكن إذا وجدت فرجة فاستلمه وإلا فأشر بيديك أو بشيء آخر فقبله" (٢) كذا في (الفرائد) وهو كان أبيض مضيئًا ما بين المشرق والمغرب ثم صار أسود بخطايا بني آدم - روى عبد الله بن عمر ﵄ أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الركن والمقام ياقوتتان من يواقيت الجنة طمس الله نورهما ولو لم يطمس نورهما لأضاءت ما بين المشرق والمغرب". كذا أورده محيي السنة في (المصابيح)، والمراد بالركن الحجر، وبالمقام مقام إبراهيم صلوات الله على نبينا وعليه، فإن قيل: ما الحكمة في الاستلام بالحجر الأسود؟ والجواب: ما روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: "إن الله تعالى أخذ الذر من ظهر آدم وقررهم بقوله: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢] قالُوا بَلَى كما في سورة الأعراف: كتبه في رقه وأودعه في الحجر فمن يستلم الحجر الأسود فهو كأنه يجدد عهده السابق والحجر الأسود يشهد له يوم القيامة.

стр. 773

روي أن عمر بن الخطاب ﵁ في خلافته أتى إلى الحجر الأسود ووقف ثم قال: "أما إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ (ق ٤٢١) استلمك ما استلمتك". فبلغ مقالته عليًا ﵁ فقال لعمر ﵁: بلى يا أمير المؤمنين فإن الحجر الأسود ينفع فقال له عمر ﵁: ما منفعته يا ختن رسول الله ﷺ قال: لو علمت ذلك في كتاب الله تأويله لقلت كما أقول. ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ﴾ الآية [الأعراف: ١٧٢] فلما أمروا أن الرب وأنهم العبيد كتب ميثاقًا في رق وألقمه في هذا الحجر أنه يبُعث يوم القيامة وله عينان ولسان وشفتان يشهد لمن وفى عهده فهو أمين الله تعالى في هذا الكتاب فقال له عمر: لا أبقاني الله بأرض لست بها يا أبا الحسن (١). كما قاله السيواسي في (شرح الملتقى) وقال علي القاري في (شرح مشكاة المصابيح) وبيان ذلك، قال ابن عباس ﵁ مسح الله تعالى أي: مسح ملك من الملائكة يأمره تعالى على ظهر آدم ﵇ فأخرج أرواح ذريته من صلبه على صورة الذر بعضها أبيض وبعضها أسود وانتشروا على يمين آدم صلوات الله على نبينا وعليه ويساره، فجعل الأرواح عقلاء وخاطبهم حين أشهدهم على أنفسهم بقوله: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢] وأمرهم بالإِيمان، ونهاهم عن الكفر فأقروا له تعالى بالربوبية ولأنفسهم بالعبودية حيث قالوا: بلى فكان لك منهم إيمانًا فهم يولدون على تلك الفطرة كما قاله أبو حنيفة رحمه الله تعالى في (الفقه الأكبر)، والمراد بالفطرة: الإِيمان جدد الله هذا العهد والميثاق، وذكر لنا هذا المسمى بإرسال الرسول ﷺ وإنزال القرآن، وفرض على الناس حج البيت ليحجوا به ويقبلوا الحجر الأسود ويجددوا عهودهم وميثاقهم السابق، فإن قيل: من حج فاستلم الحجر الأسود فقد جدد عهده وميثاقه السابق في عالم الأرواح، أما من لم يحج ولم يستلم الحجر الأسود بأي شيء يجدده؟ قلت: يجدده بقوله: الله أكبر في افتتاح الصلاة كما بيناه في باب افتتاح الصلاة من

стр. 774

هذا الشرح بذلك أي: يلزم استلام الحجر الأسود على من أحرم بعمرة مفردة للطَّوَاف، بذلك جاءت الآثار عن ابن عباس وغيره، وهو قولُ أبي حنيفة والعامَّة من فقهائنا. لما فرغ من بيان وقت قطع التلبية، شرع في بيان رفع الصوت بالرجال دون النساء، فقال: هذا * * * باب رفع الصوت بالتلبية في بيان رفع الصوت أي: رفع الرجل صوته بالتلبية أي: بغير رفع الصوت للنساء، فإنهن عورة وصوتهن عورة إلا أن يكون للضرورة. ٣٩٢ - أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حَزْم، أن عبد الملك بن أبي بكر بن الحارث بن هشام؛ أخبره أن خَلَّاد بن السائب الأنصاري ثُمَّ من بني الحارث بن الْخَزْرَج، أخبره أنَّ أباهُ أخبرهُ أن رسول الله ﷺ قال: "أتاني جبريل ﵇ فأمرني أن آمر أصحابي - أو من معي - أن يرفعوا أصواتهم بالإهْلال أو بالتلبية". قال محمد: وبهذا نأخذ، رفع الصوت بالتلبية أفضل، وهو قولُ أبي حنيفة والعامةِ من فقهائنا. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، أخبرنا وفي نسخة: قال: ثنا، في نسخة أخرى: أنا، عبد الله بن أبي بكر أي: ابن محمد بن عمرو بن حَزْم، الأنصاري المدني

стр. 775

القاضي ثقة تابعي كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين، من أهل المدينة، مات سنة خمس وثلاثين ومائة وهو ابن سبعين سنة كذا قاله ابن حجر (١) أن عبد الملك بن أبي بكر بن الحارث بن هشام؛ وفي نسخة: عبد الله بن عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي، ثقة من الطبقة الخامسة مات في أول خلافة هشام من التابعين (٢) أخبره أن خَلَّاد بن السائب بن سويد الخزرجي ثقة من الطبقة الثالثة، ووهم من زعم أنه صحابي كذا في (التقريب) (٣) الأنصاري ثُمَّ من بني الحارث بن الْخَزْرَج، أخبره أنَّ أباهُ أي: السائب (ق ٤٢٢) بن سويد الأنصاري أخبرهُ أي: خلاد أن رسول الله ﷺ قال: "أتاني جبريل ﵇ فأمرني أي: عن الله تعالى أمر ندب عند الجمهور، ووجوب عند الظاهرية أن آمر أصحابي ولأحمد وابن ماجه وصححه ابن حبان والحاكم عن زيد بن خالد مرفوعًا: "أتاني جبريل فقال: إن الله يأمرك أن تأمر أصحابك أن يرفعوا أصواتهم بالتلبية؛ فإنه من شعائر الحج". فعلم من قوله أن آمر أصحابي أن الوحي مشروط بالتبليغ دون الإِلهام، والوحي يحصل بواسطة الملك المخصوص فلا يسمى الأحاديث القدسية بالوحي، وإن كانت كلام الله تعالى، وقد يحصل الوحي بشهود الملك وسماع كلامه فهو من الكشف الشهودي المتضمن للكشف المعنوي، والإِلهام من كشف المعنوي فقط؛ لأن الإِلهام قد يحصل من الله من غير واسطة الملك بالوجه الخاص. كذا في (خواتم الحكم) (٤) أو من معي بالشك، وفي رواية يحيى والشافعي وغيرهما من الرواة، وفيه إشارة إلى أن المصطفى قال أحد اللفظين أو كل منهما يسد عن الآخر وتجويز ابن الأسير أن الشك من النبي ﷺ ؛ لأنه نوع سهو، ولا يعصم ركيك متعسف وفي رواية القعنبي ومن معي بالواو. قال الولي العراقي: يحتمل أنه زيادة إيضاح وبيان فإن الذين معه أصحابه، ويحتمل أن يريد بأصحابه الملازمين له المقيمين معه في بلدة، وهم المهاجرون والأنصار ومن معه

стр. 776

غيرهم ممن قدم ليحج معه ولم يره إلا في تلك الحجة، وقال غيره: عطفه على أصحابه لما قد يتوهم أن مراده الذين صحبوه وعرفوا به لطول الملازمة له دون من رافقه في وقت ما فجمع بينهما، ليفيد أن مراده كل من صحبه ولو في وقت ماض من لم يره إلا مرة واحدة ولم يكلمه فعطفهم عليهم لزيادة الاهتمام بشأن تعليمهم أن من قرب عهده بالإِسلام أو الهجرة أحق بتأكيد التعريف بالنسبة أن يرفعوا أصواتهم بالإهْلال أو بالتلبية" إظهارًا لشعائر الإِحرام وتعليمًا للجاهل في ذلك المقام، وفي (الموطأ) ليحيى يريداهما يعني أنه ﷺ إنما قال أحد هذين اللفظين شك في ما قاله من ذلك فأتى بأو التي لأحد الشيئين. ولابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن بكر بن عبد الله المزني قال: كنت مع ابن عمر ﵄ فلبى حتى أسمع ما بين الجبلين (١). وله أيضًا بسند صحيح: عن المطلب بن عبد الله قال: كان أصحاب رسول الله ﷺ يرفعون أصواتهم بالتلبية حتى تبح أصواتهم (٢). كذا قاله الزرقاني (٣). قال محمد: وبهذا أي: نعمل رفع الصوت بالتلبية أفضل، أي: من إخفاضه وهو قولُ أبي حنيفة والعامة من فقهائنا وقد ورد: "أفضل الحج العج والثج" (٤) وقيل: العج أي: برفع الصوت في التلبية، والثج: يصب ماء الهدي والتضحية. لما فرغ من بيان حكم رفع الصوت (ق ٤٢٣) بالرجال دون النساء وبالتلبية، شرع في أحكام الجمع بين الحج والعمرة عند الإِحرام، فقال: هذا * * *

стр. 777

باب القران بين الحج والعمرة في بيان أحكام القران، وهو مصدر قرن من باب نصر وفعال يجيء مصدرًا من الثلاثي كلباس، وهو الجمع بين الشيئين يقال: قرنت البعير إذا جمعت بينهما بحبل، وهو في اللغة أن يقرن بالحج والعمرة كما أشار إليه بقوله: بين الحج والعمرة، وفي الشرح: القارن يقول من الميقات أو قبله بعد الصلاة التي يريد بهما الإِحرام: اللهم إني أريد الحج والعمرة فيسرهما لي وتقبلهما مني، ويقول: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك، والقران أفضل عند أبي حنيفة وقال مالك والشافعي: الإِفراد أفضل، وقال أحمد: التمتع أفضل. ٣٩٣ - أخبرنا مالك، أخبرنا محمد بن عبد الرحمن بن نوفل الأسدي، أن سليمان بن يسار، أخبره أن رسول الله ﷺ عامَ حَجَةِ الوداع كان مِنْ أصحابه مَنْ أَهَلَّ بحج، ومن أَهَلَّ بعمرة، ومنهم من جَمَعَ بين الحج والعمرة، قال: فَحَلّ من كان أهلّ بالعمرة، وأما من كان أَهَلَّ بالْحَجِّ، أو جمع بين الحج والعمرة فلم يَحِلّوا. قال محمد: وبهذا نأخذ، وهو قولُ أبي حنيفة والعامة. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، أخبرنا وفي نسخة: قال: ثنا، محمد بن عبد الرحمن بن نوفل الأسدي، يكني أبا الأسود المدني التابعي يتيم عروة ثقةَ في الطبقة السادسة، من أهل المدينة، مات سنة بضع وثلاثين بعد المائة من الهجرة (١) أن سليمان بن يسار، أي: الهلالي المدني مولى ميمونة وقيل: أم سلمة ثقة فاضل أحد الفقهاء السبعة من كبار التابعين قال ابن حجر (٢): إنه كان في الطبقة الثالثة، واعتبر عبد الرحمن بن الجوزي

стр. 778

أنه كان من الطبقة الأولى مات بعد المائة، وقال بعض المؤرخين: مات قبلها ومن مناقبه: أنه كان من أحسن الناس وجهًا فدخلت عليه امرأة فسألته نفسه، فقالت: أدن فخرج عن منزله هاربا فتركها فيه فرأى كما يرى النائم يوسف صلوات الله على نبينا وعليه، وكأنه يقول له: أنت يوسف قال: نعم أنا يوسف الذي هممت وأنت كسليمان الذي لم يهم، وخرج هو وأخوه عطاء بن يسار الهلالي مولى ميمونة حاجين ومعهما أصحاب فنزلوا بالأبواب، فانطلق سليمان وأصحابه لبعض حاجتهم وبقي عطاء يصلي فدخلت عليه امرأة جميلة فلما رأها ظن لها حاجة فأوجز ثم قال: ألك حاجة؟ قالت: نعم قال: وما هي؟ قالت: قم فأصب مني فإني قد وردت، ولا بعل لي قال: إليك عني، تحرقيني ونفسك بالنار ونظر إلى امرأة جميلة، وجعلت تراوده وتأبى إلا ما تريد فجعل يبكي ويقول: ويحك إليك عني واشتد بكاؤه، فلما نظرت إليه وما داخله من البكاء والجزع بكت لبكائه، فجعل يبكي وهي تبكي بين يديه، فجاء سليمان من حاجته فنظر إليها فبكى لبكائهما لا يدري ما أبكاهما، وجعل أصحابهما يأتون رجلًا رجلًا كلما أتى رجل فرآهم يبكون جلس يبكي لا يسألهم عن أمرهم، حتى كثر البكاء وعلا الصوت، فلما رأت الأعرابية ذلك قامت فخرجت فقام القوم فدخلوا، فلبث سليمان بعد ذلك لا يسأل أخاه إجلالًا له وهيبة وكان أسن من أخيه عطاء، ثم قدما مصرًا لبعض حاجتهما فلبثا بها ما شاء الله، فبينما عطاء ذات ليلة نائم إذا استيقظ وهو يبكي فقال سليمان: ما يبكيك؟ قال: رؤيا قال: ما هي؟ قال: لا تخبر بها أحد ما دمت (ق ٤٢٤) حيًا رأيت يوسف صلوات الله على نبينا وعليه وجئت أنظر إليه كمن ينظر فلما رأيت حسنه بكيت فقال: ما يبكيك؟ قلت: بأبي أنت وأمي يا نبي ذكرتك وامرأة العزيز وما ابتليت به من أمرها وما لقيت من السجن وفرقة يعقوب فبكيت من ذلك، وجعلت أتعجب منه قال: فهل تعجبت من صاحب المرأة البدوية بالأبواب فعرفت الذي أراد فبكيت واستيقظت باكيًا قال سليمان: أي أخي ما كان من حال تلك المرأة فقص عليه القصة فما أخبرتها حتى مات، فكان سليمان يصوم الدهر وعطاء يصوم يومًا ويفطر يومًا. كذا قاله أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي الحنبلي في طبقاته. أخبره أي: أخبر سليمان بن يسار بمحمد بن عبد الرحمن مرسلًا وقدمت أن أبا الأسود وصله عن عروة عن عائشة ﵂ أنها قالت: أن رسول الله ﷺ عامَ

стр. 779

حَجَةِ الوداع بفتح الواو وبكسر كان مِنْ أصحابه مَنْ أي: الذي أَهَلَّ أي: دخل في الإِحرام بحج، أي: مفرد وهم تسعون ألفًا ويقال: مائة ألف وأربعة عشر ألفا، ويقال: أكثر من ذلك. حكاه البيهقي، وهذا في عدة الذين خرجوا معه، وأما الذين حجوا معه فأكثر من ذلك كالمقيمين بمكة، والذين أتوا من اليمن مع علي وأبي موسى الأشعري ﵄ وفي حديث: "إن الله وعد أن هذا البيت يحجه في كل سنة ستمائة ألف إنسان فإن نقصوا أكملهم الله بالملائكة". قال الحافظ في (تسديد القوس) (١): هذا الحديث ذكره الغزالي ولم يخرجه شيخنا العراقي قوله: عام ظرف مضاف إِلى حجة تضاف إلى الوداع ومتعلق بخرج حذف تقديره: أن رسول الله ﷺ خرج إلى عام حجة الوداع ومعه من أصحابه ثلاثة أقسام الأول منها من أهل بحج، والثاني منها من أهل بعمرة، والثالث من أهل بحج وعمرة، أما من أهل أي: أحرم بحج مفرد فهو لا يخرج من إحرامه حتى كان يوم النحر وطاف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة وأما من أَهَلَّ بعمرة، فيتحرج إحرامه بأن يطوف ويسعى بين الصفا والمروة قبل أيام منى ومنهم من جَمَعَ بين الحج والعمرة، فلا يخرج من إحرامه حتى يكون يوم النحر بمعنى ومن أهل أي: أحرم بعمرة أي: وحدها، وفي نسخة: ومنهم مؤخرًا عن قوله ومنهم أي: من أصحابه ﷺ ما جمع بين الحج والعمرة أي: قرن بينهما والهاء في قوله: قال فَحلّ من كان أهلّ بالعمرة، تفصيلية تقديره: أما من أحرم بالعمرة فقط فخرج من إحرامه لها بعد ما طاف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة وحلق أو قصر وأما من كان أَهَلَّ أي: أحرم بالْحَجِّ، أو جمع بين الحج والعمرة فلم يَحِلّوا أي: لم يخرجوا من إحرامهما إلا بعد أن حلقوا بمنى في غير الجماع وبعد أن طافوا في سائر المحظورات قال الزرقاني (٢): لم يسق هديا فليحلل بعد ما طاف وسعى وحلق أو قصر بالإِجماع، ومن ساقه عند مالك والشافعي وجماعة وأحمد وجماعة لا يحل من عمرته حتى ينحر هديه (ق ٤٢٥) يوم النحر، لما في مسلم عن عائشة ﵂ مرفوعًا: من أحرم بعمرة ولم يهد فليحلل، ومن أحرم بعمرة وأهدى فلا يحل حتى ينحر هديه، ومن أهل بحج فليتم حجة، وهو ظاهر فيما قالوه، وأجيب بأن هذه الرواية مختصرة من الرواية الأخرى، وفي

стр. 780

(الصحيحين) عن عائشة ﵂ مرفوعًا: "من كان معه هدي فليهلل بالحج مع العمرة ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعًا" (١) فهذه مفسرة للمحذوف من تلك وتقديرها: من أحرم بعمرة وأهدى فليهلل بالحج مع العمرة، ولا يحل حتى ينحر هديه وهذا التأويل متعين جمعًا بين الروايتين، لاتحاد القضية والراوي انتهى. قال محمد: وبهذا نأخذ، أي: إنما نعمل بما رواه سليمان بن يسار وهو أي: ما فعلناه قولُ أبي حنيفة والعامة أي: عامة فقهائنا. * * * ٣٩٤ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، أن عبد الله بن عمر خرج في الفتنة معتمرًا، وقال: إن صُدِدْتُ عن البيت صَنَعْنَا كما صنعنا مع رسول الله ﷺ ؛ قال: فخرج وأهلَّ بالعمرة، حتى إذا ظهر على ظهر الْبَيْدَاءِ التفت إلى أصحابه، وقال: ما أمرهما إلا واحد، أُشْهِدُكم أني قد أَوْجَبْتُ الحج مع العُمْرَة فخرج حتى إذا جاءَ البيت طاف به، وطاف بين الصَّفَا والْمَرْوَة سَبْعًا سَبْعًا لم يزد عليه، ورأى ذلك مجزئًا عنه، وأَهْدَى. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، أخبرنا، في نسخة: قال: بنا، نافع، أي: المدني مولى عبد الله بن عمر أن عبد الله بن عمر خرج في الفتنة أي: خرج إلى مكة في فتنة الحجاج بن يوسف معتمرًا، أي: قاصدًا العمرة وقال: إن صُدِدْتُ على بناء المفعول أي: إن منعت عن البيت أي: عن طواف صَنَعْنَا أي: أنا ومن تبعني كما صنعنا أي: نحن الصحابة مع رسول الله ﷺ ؛ أي: من التحلل بذبح الهدي والحلق والتقصير حين حصرنا بالحديبية قال: أي: نافع فخرج أي: ابن عمر من المدينة وأهلَّ أي: أحرم بالعمرة، من ذي الحليفة عام الحديبية من أجل أن رسول الله ﷺ أهل بعمرة عام الحديبية

стр. 781

وسار حتى إذا ظهر أي: صعد على ظهر الْبَيْدَاءِ أي: متن المغارة والصحراء التفت إلى أصحابه، أي: نظر إليهم وقال: أي: مخبرًا لهم بما أدى إليه نظره ما أمرهما أي: أمر الحج والعمرة إلا واحد، بالرفع أي: في حكم الحصر فإذا جاز التحليل في العمرة مع أنها غير محدودة بوقت فهو في الحج أجوز، وفيه العمل بالقياس أُشْهِدُكم أني قد أَوْجَبْتُ الحج مع العُمْرَة أي: دخلته عليها، وجمعت بينهما وإنما أشهد بذلك ولم يكتف بالنية؛ لأنه أراد الإِعلام لمن يريد الاقتداء، وفيه دليل على أن من أحرم بعمرة من الميقات ثم أحرم بحجة قبل أن يطوف أربعة أشواط من العمرة كان قارنًا وكذا إن أحرم من الميقات ثم أحرم بحجة قبل أن يطوف كان قارنًا لفعله ﷺ في حجة الوادع فخرج حتى إذا جاءَ البيت طاف به، أي: بالبيت وطاف بين الصَّفَا والْمَرْوَة سَبْعًا قيد لكل منهما أو للثاني وأطلق الأول لظهور أمره ووضوح قدره، ولكن سمى السعي بين الصفا والمروة طوافًا على طريق المشاكلة والطواف أن يزار البيت على الدور بأطرافه، والسعي بين الصفا والمروة أن يمشي بينهما راجلًا وراكبًا فالشركة بينهما الزيادة المخصوصة كما حكى تعالى عن عيسى صلوات الله على نبينا وعليه ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ [المائدة: ١١٦] لم يزد أي: حينئذ عليه، أي: على ما فعله ورأى ذلك أي: ما فعله من الاكتفاء بطواف واحد مجزئًا عنه، أي: كافيًا ولا يحتاج إلى طواف آخر للقدوم ولا إلى سعي آخر للحج مقدمًا أو مؤخرًا، وبه قال مالك والشافعي وأحمد والحديث في (الصحيحين) مبسوطًا، ولنا ما رواه النسائي عن إبراهيم بن محمد بن الحنفية (ق ٤٢٦) قال: طوفت مع أبي وقد جمع بين الحج والعمرة فطاف لهما طوافين، وسعى سعيين، وحدثني أن عليًا ﵁ فعل ذلك وحدثه أن رسول الله ﷺ فعل ذلك. وروى محمد بن الحسن في (الآثار) عن أبي حنيفة، عن منصور بن المعتمر عن إبراهيم النخعي عن أبي نصر السلم عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه قال: "إذا أهللت بالحج والعمرة فطاف لهما طوافين وسعى لهما سعيين بين الصفا والمروة" قال منصور: فلقيت مجاهدا وهو يفتي بطواف واحد لمن قرن فحدثته بهذا الحديث فقال: لو كنت سمعته لم أفت إلا بطوافين، وأما فلا أفتي إلا بهما انتهى. وبه قال ابن مسعود والشعبي والنخعي وجابر بن زيد وعبد الرحمن الأسود والثوري والحسن بن صالح وأَهْدَى أي: أرسل إلى المحرم حيوانًا يجوز أن يضحي به كإبل

стр. 782

وبقرٍ وشاة فلم ينحر ولم يحل من شيء حرم منه ولم يحلق، ولم يقصر حتى كان يوم النحر حلق ونحر، ورأى أن قد مضى طواف الحج والعمرة بطوافه الأول، وقال ابن عمر: كذلك فعل رسول الله ﷺ كذا في الصحيحين، وهذا الهدي واجب على القارن والمتمتع لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] وهو عندنا دم شكر وعند الشافعي دم جبر. * * * ٣٩٥ - أخبرنا مالك، حدثنا صَدَقة بن يَسَار المكي، قال: سمعتُ عبد الله بن عمر، ودخلنا عليه قبل يوم التَّرْوِية بيومين أو ثلاثة، ودخل عليه الناس يسألونه، فدخل عليه رجل من أهل اليمن ثائر الرأس، فقال: يا أبا عبد الرحمن إني ضفَّرتُ رأسي، وأحْرَمْتُ بِعُمْرَة مفردة، فماذا ترى؟ قال ابن عمر: لو كنتُ معك حين أحرمت لأَمَرْتُكَ أن تُهلَّ بهما جميعًا، فإذا قدمت طفت بالبيت وبالصفا والمروة، وكنتَ على إحرامك، لا تَحِل من شيء حتى تحل منهما جميعًا يوم النحر وتنحر هديك. وقال له ابن عمر: خذ ما تطاير من شعرك واهْدِ، فقالت له امرأة في البيت: وما هديه يا أبا عبد الرحمن؟ قال: هديه ثلاثًا، كلَّ ذلك يقول هديُه، قال: ثم سكت ابن عمر، حتى إذا أردنا الخروجِ، قال: أمَا والله لو لم أجد إلا شاةً لكان أرى أن أذبحها أحبّ إليَّ من أن أصوم. قال محمد: وبهذا نأخذ، القِرَانُ أفضل، كما قال عبد الله بن عمر. فإذا كانت عمرة، وقد حضر الحج وطاف لها وسَعَى؛ فليقصِّر، ثم ليُحرم بالحج، فإذا كان يومُ النَحر حلق؛ وشاةٌ تُجْزِئهُ، كما قال عبد الله بن عمر. وهو قولُ أبي حنيفة والعامة من فقهائنا.

стр. 783

• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، حدثنا وفي نسخة: قال: بنا، صَدَقة بن يَسَار بفتح التحتية المهملة الخفيفة الجزري المكي، أي: نزيل مكة شرفها الله تعالى، كانت في الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة، وهو ثقة كان من الطبقة الرابعة مات في أول خلافة بني العباس وكان ذلك سنة اثنين وثلاثين ومائة قاله ابن حجر في (التقريب) (١). قال: سمعتُ عبد الله بن عمر، ودخلنا أي: والحال قد دخلنا نحن جماعة من التابعين عليه قبل يوم التَّرْوِية وهو اليوم الثامن من شهر ذي الحجة بيومين أو ثلاثة، ودخل عليه الناس يسألونه، أي: عن مفاسد المناسك وغيرها فدخل عليه رجل من أهل اليمن ثائر الرأس، أي: متفرق شعر رأسه لقلة دهنه وعدم مشطه فقال أي: الرجل: يا أبا عبد الرحمن وهو كنية عمر بن الخطاب إني ضفَّرتُ رأسي، بفتح الضاد المعجمة وفتح الفاء الخفيفة وبالتشديد بمعنى واحد أي: جعلته ضفائر كل ضفيرة على حدة وأحْرَمْتُ بِعُمْرَة مفردة، فماذا ترى؟ أي: أي حكم من الأحكام تختار، وفي نسخة: تأمرني قال ابن عمر: لو كنتُ معك أي: أيها اليمني حين أحرمت لأَمَرْتُكَ أن تُهلَّ أي: أن تدخل الإِحرام بالتلبية بهما أي: بالحج والعمرة جميعًا، أي: لأن القران أفضل من التمتع وكذا من الإِفراد على ما عليه جمهور المحققين فإذا قدمت أيها اليمني إلى مكة بعد فرض إحرامك وبها طفت بالبيت وبالصفا والمروة، أي: إذا دخلت في مكة طفت بالبيت الحرام وسعيت بالصفا والمروة للعمرة وكنتَ أي: واثبت على إحرامك، لا تَحِل من شيء أي: من محظورات الإِحرام حتى تحل منهما جميعًا أي: بأن تخرج من إحرام الحج والعمرة يوم النحر بأن ترمي جمرة العقبة وتنحر أي: تذبح هديك أي: للقران ثم تحلق رأسك وتخرج (ق ٤٢٧) من الإِحرامين إلا ما يتعلق بالجماع فإنه يتوقف على طواف الإِفاضة، وفي إعادة حرف الجر في قوله: بالصفا والمروة اعتناء بشأن السعي بين الصفا والمروة ودليل على جوابه بينهما. قال صاحب (النهاية): أصل هذا السعي سنة أن إبراهيم صلوات الله على نبينا وعليه لما هاجر بها وابنه إسماعيل صلوات الله على نبينا وعليه إلى واد غير ذي زرع وتركهما عند الكعبة، ثم رجع إلى الأرض المقدسة فعطشت هاجر وصعدت الصفا لترى

стр. 784

الماء فلم تر، فنزلت تمشي على هينتها تنظر إلى ولدها فلما بلغت بطن الوادي سعت، فلما خرجت منه مشت إلى المروة فعلت هكذا سبعًا، فلما أيست من الماء جاءت إلى ولدها فرأت ماء ينبع من تحت رجل ولدها إسماعيل بسبب ضرب جبريل ﵇ على الأرض عقب رجله أو طرف جناحه، فحمدت الله وخافت ضياع الماء فجعلت تضع حوله أحجارًا وقال جبريل صلوات الله على نبينا وعليه وسلم لهاجر: لا تخافي عن ضياعه فإن الله تعالى يسقي به أضيافه إلى يوم القيامة فقالت له: يبشرك الله بخير وقال ﷺ : "لولا أم إسماعيل لكان ماء زمزم معينا إلى يوم القيامة". كذا نقلناه في (سلم الفلاح). وقال له أي: للرجل اليمني ابن عمر: أي: بعد ما بين له العمل الأفضل خذ أي: الآن ما تطاير أي: ارتفع من شعرك أي: إما بحلقك أو قصرك واهْدِ، أي: ذبح يوم النحر للتمتع فقالت له امرأة في البيت: في البيت الحرام من العراق وما هديه بفتح فسكون فتحتية خفيفة وبكسر الدال وتشديد التحتية أي جنس من الحيوان وجب عليه أن يذبحه في الحرم يا أبا عبد الرحمن؟ قال: هديه أي: ما يطلق عليه الهدي من بعير أو بقر أو شاة ثلاثًا أي: قالته ثلاث، مرات كلَّ ذلك يقول هديُه، أي: في جوابه قال: أي: صدقة بن يسار المكي ثم أي: بعد الجواب للسائلة سكت ابن عمر، حتى أي: إلى غاية من الزمان إذا أردنا الخروج، أي: من عنده قال: أمَا بالتخفيف حرف تنبيه أي: اعلموا أيها المريدون الخروج من عندي والله لو لم أجد ما يجب على أن أذبحه إلا شاةً أي: فيما يجب علي من الهدي لكان أرى أن أذبحها أي: الشاة أحبّ إليَّ أي: أو أحب إلى من أن أصومَ أي: بدله ثلاثة أيام في الحج وسبعة بعد الرجوع، وهذا لا يخالف قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] بدنة أو بقرة؛ لأنه رجع عنه أو لأنه قيد بعدم الوجوه، فمن وجد البقرة أو البدنة فهو أفضل له. قال أبو عمر: هذا أصح من رواية من روى عن ابن عمر الصيام أحب إلي من الشاة؛ لأنه معروف في مذهب ابن عمر تفضيل إراقة الدماء في الحج على سائر الأعمال كذا قاله الزرقاني (١). قال محمد: وبهذا نأخذ، أي: إنما نعمل بما رواه صدقة بن يسار القِرَانُ أي:

стр. 785

الإِحرام بالحج والعمرة أفضل، كما قال عبد الله بن عمر وفي (شرح مسلم) (١): اختلفت روايات الصحابة في صفة حجه ﷺ في حجة الوداع هل كان قارنًا أو مفردًا أو متمتعًا وطريق الجمع أنه ﷺ كان أولًا مفردًا ثم صار قارنًا، فمن روى الإِفراد روى (ق ٤٢٨) أول الأمر، ومن روى القران اعتمد آخر الأمر، ومن روى التمتع اللغوي، وهو الارتفاق يعني الانتفاع الأخروي بأداء النسكين انتهى، وقد وضع ابن حزم كتابًا (٢) في أنه كان ﷺ قارنًا في حجة الوداع وتأول باقي الأحاديث فإذا كانت عمرة، أي: إحرامها وحدها وقد حضر أي: المحرم بها الحج أي أشهره بأن أوقع طوافه فيه أو أكثر وطاف لها وسَعَى؛ أي: للعمرة فليقصِّر، أي: إن لم يحلق ليكون حلقه بعد حجه ثم ليُحرم بالحج، فإذا كان يومُ النَحر حلق؛ أي: بعد الرمي والذبح مثاةٌ أي: واحدة من ضأن أو معز تُجْزِئهُ، أي: عن هديه كما قال عبد الله بن عمر أي: لأنها أدنى ما يطلق عليه الهدي وهو قولُ أبي حنيفة والعامة من فقهائنا. * * * ٣٩٦ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، أن محمد بن عبد الله بن نَوْفَل بن الحارث بن عبد المطلب حدَّثه: أنه سمع سعد بن أبي وقاص، والضحاك بن قيس عامَ حجَّ معاوية بن أبي سفيان، وهما يذكران التمتع بالعمرة إلى الحج؛ فقال الضحاك بن قيس: لا يُصْنَعُ ذلك إلا مَنْ جَهِلَ أمر الله تعالى، فقال سعد بن أبي وقَّاص: بئس ما قلتَ؛ قد صنعها رسول الله ﷺ ، وصنعناها معه. قال محمد: القِرَانُ أفضل من الإِفراد بالحج، وإفراد العُمْرَة، فإذا قَرَنَ

стр. 786

طاف بالبيت لعمرته، وسَعَى بين الصفا والمروة، وطاف بالبيت لحجته، وسعَى بين الصفا والمروة، طوافان وسَعْيان أحبَّ إلينا من طوافٍ واحدٍ وسعْيٍ واحد، ثبت ذلك بما جاءَ عن عليّ بن أبي طالب: أنه أمر القَارِنَ بطَوافين وسَعْيَيْن، وبه نأخذ، وهو قولُ أبي حنيفة والعامَّةِ من فقهائنا. • أخبرنا مالك، أي: ابن أنس بن عمير بن أبي عامر الإِمام الأصبحي، يعني كان منسوبًا إلى ملك يقال له: ذو أصبح من ملوك اليمن، وكان في الطبقة السابعة من كبار أتباع التابعين، من أهل المدينة، وهي كانت في الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة (١) وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي نسخة: أنا وكل واحد منهما رمزًا إلى أخبرنا، أخبرنا وفي نسخة: قال: بنا، أو أنا ابن شهاب، وهو محمد بن مسلم بن شهاب بن زهرة بن كلاب كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين من أهل المدينة (٢) أن محمد بن عبد الله بن نَوْفَل بن الحارث بن عبد المطلب الهاشمي النوفلي المدني مقبول كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة (٣) وفي نسخة: حدَّثه: أي: ابن شهاب أنه أي: محمد بن عبد الله سمع سعد بن أبي وقاص، بن مالك الزهري، وهو أحد العشرة المبشرة بالجنة (٤) والضحاك بن قيس نصب على أنه عطف على سعد، وهو ابن خالد بن وهب القرشي الفهري الأمير المشهور صحابي، وهو أخو فاطمة بنت قيس كان أصغر سنًا منها يقال: إنه ولد قبل وفاة النبي ﷺ بسبع سنين أو نحوهما وينفون سماعه من النبي ﷺ قتل في وقعة "مرج راهط" سنة أربع وستين، وكان من ولاة معاوية وعماله كذا نقله علي القاري عن ابن عبد البر في (الاستيعاب) (٥) عامَ حجَّ معاوية بن أبي سفيان، وهما أي: سعد والضحاك يذكران المتعة أي: التمتع كما في نسخة: بالعمرة إلى الحج؛ أي: الإِحرام بأن يحرم بها في أشهره فقال الضحاك بن قيس، لا يُصْنَعُ ذلك أي: التمتع إلا مَنْ جَهِلَ أمر الله تعالى؛ لأنه تعالى قال في سورة البقرة: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] بأمره

стр. 787

بالإِتمام، يقتضي استمرار الإِحرام إلى فراغِ الحج ومنع التحلل والمتمتع يتحلل ويستمتع بما كان محظورًا عليه فقال سعد بن أبي وقَّاص: بئس ما قلتَ؛ أي: يا ابن أخي ملاطفة وتأنيسًا فإن الحظر الذي يجب عنه الحذر فقال الضحاك فإن عمر بن الخطاب قد نهى عن ذلك أي التمتع كما في (الموطأ) لمالك، روى الشيخان (١) واللفظ لمسلم عن أبي موسى: كنت أفتي الناس بذلك أي: بجواز التمتع في إمارة أبي بكر وعمر وإني لقائم بالموسم إذ جاءني رجل فقال: إنك لا تدري ما أحدث أمير المؤمنين في شأن النسك قال: إنه بكتاب الله تعالى فإنه تعالى قال: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] وأن نأخذ بسنة نبينا فإنه ﷺ لم يحل حتى نحر الهدي ولمسلم أيضًا فقال عمر: قد علمت (ق ٤٢٩) أن النبي ﷺ قد فعله وأصحابه ولكن كرهت أن تظنوا معربين بهن أي: النساء في الأراك ثم تروحون في الحج تقطروا رؤوسهم، فبين عمر العلة التي لأجلها كره التمتع، وكان في رأيه عدم الترفه للحاج بكل طريق فكره قرب عهدهم بالنساء لئلا يستمر البلل إلى ذلك بخلاف من بعد عهده ومن يعظم بتعظيم، فقال سعد: قد صنعها رسول الله ﷺ ، أي: المتعة اللغوية، وهي الجمع بين الحج والعمرة وحكم القران والمتعة واحد للأنواع الثلاثة في الحج من الإِفراد والتمتع والقران جائز بالإِجماع، وإنما الخلاف في الأفضل منها كما قدمناه وصنعناها معه أي: فعلنا المتعة اللغوية والشرعية مع النبي ﷺ . والحاصل: أن القران وقع منه ﷺ والتمتع من بعض أصحابه بعلمه واطلاعه فالطف في كل منهما جهل بأمر الله تعالى، وقال سعد بن زيد الباجي المالكي: إنما نهى عمر؛ لأنه لم ير الإِفراد أفضل منهما ولم ينه عنها على وجه التحريم. قال محمد: القِرَانُ عندنا أي: معشر الحنفية أفضل من الإِفراد بالحج، أي: مع إتيان عمرة بعده، وإلا فمن المعلوم أن العبادتين خير من عبادة واحدة إجماعًا فالمعنى أن بالجمع بينهما بإحرام أفضل من إتيانهما بإحرامين وإفراد العُمْرَة، أي: ومن إفراد العمرة في أشهر الحج وإفراد الحج بعدها ليكون متمتعًا وإلا فالعمرة سنة عندنا والحج وحده أفضل منها إجماعًا فإذا قَرَنَ أي: بين النسكين طاف بالبيت لعمرته، أي. طواف الفرد لها

стр. 788

وسَعَى بين الصفا والمروة، أي: لأجلها، وطاف بالبيت لحجته، أي: طواف القدوم فإنه من سنن حجته وسعى بين الصفا والمروة أي: إن أراد تقديمه وقوفه وجاز له بل الأفضل أن يؤخر حتى يسعى بعد طواف فرضه المسمى بطواف الإِضافة وطواف الركن طوافان وسَعْيان أرى أي: النسكين أحبَ إلينا أي: واجب علينا من طوافٍ واحدٍ أي: من عمرته وقدوم حجته وسعْيٍ واحد، أي: عن عمرته وحجته كما قال به مالك والشافعي وأحمد ثبت ذلك أي: ما ذكرنا من الطوافين والسعيين بما جاءَ عن عليّ بن أبي طالب: أنه أمر القَارِنَ بطَوافين وسَعْيَيْن، أي: كما قدمناه وبه نأخذ، أي: إنما نعمل بما رواه محمد بن عبد الله بن نوفل بن الحارث وهو أي: قاله محمد بن عبد الله بن نوفل قولُ أبي حنيفة والعامَّةِ من فقهائنا وقد ذكرنا بعضهم. * * * ٣٩٧ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن عبد الله بن عمر، أن عمر بن الخطاب قال: افْصِلُوا بين حَجَكم وعُمْرَتَكُم، فإنَّه أتَمُّ لحجّ أحدكم، وأتمُّ لِعُمْرَتِه أن يعتمر في غير أشهر الحَجّ. قال محمد: يعتمر الرجل ويرجع إلى أهله، ثم يَحُج ويرجع إلى أهله، فيكون ذلك في سَفَرَيْن، أفضل من القِرَان في سفر واحد، ولكن القِرَان أفضل من الحجّ مفردًا والعُمْرة من مكة، ومن التمتُّع والحَجّ من مكة؛ لأنه إذا قَرَنَ كانت عُمْرَتُه وحَجَّته من بلده، وإذا تمتَّعَ كانت حَجَّتُهُ مَكِّيَّةً، وإذا أَفْرَدَ الحجّ كانت عُمْرَتُه مكيةً، فالقِرَان أفضل، وهو قولُ أبي حنيفة والعامَّةِ من فقهائنا. • أخبرنا مالك, وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي نسخة أخرى: أنا، أخبرنا نافع، أي: المدني مولى ابن عمر عن عبد الله بن عمر، ﵄ أن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: افْصِلُوا أي: فرقوا يا معشر المسلمين بين حَجَكم وعُمْرَتَكُم، أي: بأن تحرموا بكل منهما وحده وأن لا يكون العمرة في أشهر الحج أي: تفريق الحج عن

стр. 789

العمرة فإنَّه أتَمُّ لحجّ أحدكم، وأتمُّ لِعُمْرتِه أي: حيث يكون كل في سفر منفرد بناء على أن الأجر على قدر المشقة أن يعتمر أي: أن يحرم المعتمر للعمرة في غير أشهر الحَجّ وهو شوال وذي القعدة وعشر من ذي الحجة والحاصل أنه قائل بأفضلية نوع من الإِفراد مما الخلاف فيه بين العباد. قال محمد: يعتمر الرجل أي: يفعل الرجل المعتمر أفعال العمرة، وهي الإِحرام لها من ميقاتها وطواف البيت سبعة أشواط مع الرمل في الثلاثة الأولى منها والسعي بين الصفا والمروة سبعة أشواط مع الهرولة بين الميلين الأخضرين في كل سعي، وأفعال العمرة في غير أشهر (ق ٤٢٩) الحج إما قبلها وإما بعدها أيام التشريق. ويرجع إلى أهله، والعمرة جائزة في جميع السنة؛ لأنها غير مؤقتة، وتكره يوم عرفة والنحر وأيام التشريق فإن هذه الأيام مشتغلة بأفعال الحج فلو اشتغلت بالعمرة ربما اشتغلت عنها فتفوت ولو أداها فيها جازت مع الكراهة كصلاة التطوع في الأوقات الخمسة المكروهة كذا في الاختيار، ثم أي: بعد رجوع المعتمر إلى أهله يَحُج أي: يفعل أفعال الحج في ذلك العام ويرجع إلى أهله، فيكون ذلك إلى الرجوع إلى أهله بعد إتمام أفعال العمرة والحج في سَفَرَيْن، أفضل من القرَان في سفرٍ واحد، ولكن القِرَان أي: في سفر أفضل من الحجّ مفردًا والعُمْرة من مكة، أي: فضلًا عما لا يأتي بها ومن التمتُّع أي: من العمرة في أشهر الحج، فمن كان في الحال يحرم للعمرة في أشهر الحج أو قبل أشهر الحج ويطوف لها في أشهر الحج أربعة أشواط أو أكثر؛ لأن العمرة في المتمتع أن يوجد طواف العمرة أو أكثر في أشهر الحج فيطوف المتمتع ويسعى ويحلق أو يقصر ويبقى على إحرامه حتى يحرم بالحج يوم التروية ويحلل من الإِحرامين بالحلق يوم النحر كذا قاله الشمني في (شرح النقاية) والحَجّ من مكة؛ لأنه إذا قَرَنَ كانت عُمْرَتُه وحَجَّته أي: كلتاهما من بلده، أي: حيث أحرم بهما منه فيستحب حكم السفر عليهما وإن كان أفعال الحج تتأخر عن أفعال العمرة وإذا تمتَّعَ أي: وإذا أحرم الأفاقي خارج حرم مكة للعمرة والحج كانت حَجَّتُهُ مَكِّيَّةً، وعمرته أفاقية وإذا أَفْرَدَ الحجّ كانت عُمْرَتُه مكيةً، أي: إن أتى بها وسفره ينصرف إلى حجه فالقِرَان أي: إحرام الأفاقي بالحج مع العمرة أفضل، أي: بهذا الاعتبار مع قطع النظر عن ورود الأحاديث والآثار وهو أي: فضل القران من الإِفراد بالحج والإِفراد بالعمرة قولُ أبي حنيفة والعامَّةِ من فقهائنا كذا قاله علي القاري.

стр. 790

والحاصل الإِحرام على أربعة أوجه: إحرام بحجة مفردة، وإحرام بعمرة مفردة، وإحرام بحجة وعمرة، وهو القران وإحرام بعمرة في الحج وهو التمتع. أما الإِحرام بحجة مفردة: أن يقول عند الميقات: اللهم إني أريد الحج فيسره لي وتقبله مني، ويقول: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك. وأما الإِحرام بعمرة مفردة فهو أن يقول عند الميقات: اللهم إني أريد العمرة فيسرها لي وتقبلها مني ثم يقول كما ذكرنا، وإن شاء قال: لبيك بعمرة والعمرة أربعة أشياء الإِحرام من الميقات، والطواف، والسعي بين الصفا والمروة، والحلق أو التقصير. وأما الإِحرام بحجة وعمرة: فإنه يقول عند الميقات: اللهم إني أريد الحج والعمرة فيسرهما لي وتقبلهما مني، فيؤديهما جميعًا بإحرام واحد، ثم يذبح شاة بعد رمي جمرة العقبة في يوم النحر أو الفداء أو بعد الغد فإن لم يجد ما يذبح صام ثلاثة أيام في الحج آخرها يوم عرفة وسبعة إذا رجع إلى أهله. وأما الإِحرام بعمرة في الحج: وهو التمتع فصورته أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج ويأتي بأفعال العمرة، فإذا حل من عمرته يقيم بمكة حلالًا من غير أن يرجع إلى أهله، ثم يجيء بالحج من المسجد في يوم التروية (ق ٤٣١) ويفعل ما يفعله الحاج المفرد وعليه دم التمتع، فإن لم يجد ما يذبح فعليه صيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله كذا قاله الشيخ أبو الليث نصر بن محمد السمرقندي في خزانة الفقه. لما فرغ من بيان حكم القران، شرع في بيان حكم حال من أرسل هديًا إلى الحرم، فقال: هذا * * * باب من أهدى هديًا وهو مقيم وفي نسخة: فيمن أي: في بيان حكم حال من أهدى أي: أرسل هديًا أي: إلى الحرم وهو مقيم أي: والحال أنه قائم في بلده غير مريد أن يتلبس بإحرام فالهدي لغة وشرعًا واحد وهو ما يهدى إلى الحرم من شاة أو بقرة أو بعير ليقرب به إليه تعالى يقال: هدى بالتشديد على فعيل الواحدة هدية كمطية ومطى ومطايا كذا في (المغرب).

стр. 791

٣٩٨ - أخبرنا مالك، حدثنا عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حَزْم: أنَّ عَمْرَةَ بنت عبد الرحمن أخْبَرَتْهُ: أن زياد بن أبي سفيان كتب إلى عائشة: أن ابن عباس قال: مَنْ أَهْدَى هديا حَرُمَ عليه ما يَحْرُم على الحاجّ، وقد بَعَثْتُ بِهَدْيٍ فاكتُبي إليَّ بأمْرِك، أو مُرِي صاحِبَ الهَدْي، قالت عَمْرَة: قالت عائشة: ليس كما قال ابن عباس، أنا فَتَلْتُ قلائد هَدْي رسول الله ﷺ بيدي، ثم قَلَّدَها رسول الله ﷺ بيده، وبعث بها مع أبي، ثم لم يَحْرُم على رسول الله ﷺ شيء كان أحَلَّه الله، حتى نحر الهَدْي. قال محمد: وبهذا نأخذ، وإنما يُحرم الذي يتوجَّه مع هَدْيِه، يريد مكة، وقد ساقَ بَدَنَتَه وقَلَّدَها، فهذا يكون مُحْرِمًا، حين يتوجَّه مع بَدَنَتِه المقلَّدة بما أرادَ حَجٍّ أو عُمْرَةٍ، فأمَّا إذا كان مُقيمًا في أهله لم يكن محرِمًا، ولم يحرم عليه شيء حَلَّ له، وهو قولُ أبي حنيفة. • أخبرنا مالك، أي: ابن أنس بن مالك بن عمير بن أبي عامر الإِمام الأصبحي، يعني منسوب إلى ملك ذي أصبح، من ملوك اليمن، وهو في الطبقة السابعة من كبار أتباع التابعين من أهل المدينة، وهي كانت في الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة في الأرض (١) وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي نسخة أخرى: أنا وكل واحدة منهما رمزًا إلى أخبرنا، حدثنا وفي نسخة قال: بنا، عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حَزْم: الأنصاري المدني القاضي، ثقة من طبَقات التابعين كان من الطبقة الخامسة مات سنة خمسة وثلاثين ومائة وهو ابن سبعين سنة كذا قاله في (التقريب) (٢). أنَّ عَمْرَةَ بنت عبد الرحمن

стр. 792

ابن سعد بن زرارة الأنصارية المدنية ثقة من الطبقة الثالثة ماتت قبل المائة وقيل بعدها كذا قاله ابن حجر (١) أخْبَرَتْهُ: أي: عبد الله بن أبي بكر أن زياد بن أبي سفيان وهو صخر بن حرب بن أمية بن عبد الشمس بن عبد مناف صحابي شهير، أسلم عام الفتح، ومات سنة اثنين وثلاثين وقيل بعدها كذا قاله ابن حجر في (التقريب) (٢) لكن زياد بن أبي سفيان لا ابنه حقيقية وأمه سمية جارية الحارث بن كلدة، واختلف في وقت مولده فقيل: ولد عام الفتح وقيل: عام الهجرة، وقيل: قبل يوم بدر، يكنى أبا المغيرة ليست له صحبة ولا رواية كان رجلًا عاقلًا في دنياه ولكن تابعي قطعًا كذا قاله ابن عبد البر في (الاستيعاب) كتب إلى عائشة: زوج النبي ﷺ أن ابن عباس بفتح الهمزة وكسرها والفرق بينهما لا يخفى قال: مَنْ أَهْدَى أي: من بعث إلى مكة هديًا أي: بهدي كما في نسخة حَرُمَ عليه ما يَحْرُم على الحاجّ، من محظورات الإِحرام حتى ينحر الهدي وقد بَعَثْتُ بِهَدْيٍ أي: إلى الحرم وأنا مقيم غير محرم فاكتُبي إليَّ بأمْرِك، أي: حتى أعلم كيف أعمل أو مُرِي صاحِبَ الهَدْي، أي: الذي معه الهدي بما يصنع وكاأه كتب إليها لما بلغ إنكارها عليه روى سعيد بن منصور (٣) عن عائشة وقيل لها: إن زيادًا إذا بعث بالهدي أمسك عما يمسك المحرم حتى ينحر هديه فـ "أو" للتنويع بين الكتابة وبين الرواية، ولا يبعد أن تكون للشك قالت عَمْرَة: أي: بالسند المذكور لما جاء بسؤال زياد قالت عائشة: أي: في الجواب كتابة أو رواية ليس أي: الأمر كما قال ابن عباس، أي: بطريق العباس فإنه مخالف للنص الصريح المانع من التعليل ولو بالدليل الصحيح أنا فَتَلْتُ أي: دورت قلائد هَدْي رسول الله ﷺ بيدي، (ق ٤٣٢) بفتح الدال المهملة وتشديد التحتية، وفي رواية بالإِفراد على إرادة الجنس وفيه رفع مجاز أن تكون أرادت أنها فتلت من الصوف قلائد هداياه بأمره ثم قَلَّدَها رسول الله ﷺ وعلق القلائد على أعناق الهدايا وعليه سلم بيده، أي: الشريفة وفي التقييد هذا وفيما قبلها دفعًا للتجوز أنه لم يكن بأمر إحديهما وبعث بها أي: بالهدايا الدالة عليها القلائد مع أبي، أي: أبي بكر الصديق حين حج في السنة العاشرة أمير الحجاج قال ابن السني: أرادت عائشة بذلك علمها بجميع القصة ويحتمل أن تريد أنه أخر فعل النبي ﷺ لأنه حج

стр. 793

في العام الذي يليه حجة الوداع؛ لئلا يظن ظان أن ذلك كان في أول الإِسلام، ثم نسخت فأرادت إزالة هذا اللبث والمكث ذلك بقوله: ثم لم يَحْرُم على رسول الله ﷺ شيءٌ أي: من محظورات الإِحرام وكان أحَلَّه الله، أي: قبل إرسال الهدي حتى نحر الهَدْي على بناء الماضي أي: نحره أبو بكر فإن السنة هي الحجة عند الاختلاف خصوصًا وقد صححها أهل المدينة وحتى للغاية أي: للدلالة على أن ما بعدها غاية لما قبلها يعني: من بعث هديًا إلى مكة وأقام ببلدة لم يحرم عليه شيء كان أحله الله إلى أن نحر الهدي بخلاف من بعث الهدي إلى مكة وتوجه إليها مع هديه، فإنه حرم عليه ما يحرم على المحرم حتى ذبح هديه في مكة. قال محمد: وبهذا أي: بما أخبرت عائشة ﵂ نأخذ، أي: نعمل وإنما يُحرم على الذي يتوجَّه أي: يريد أن يسافر مع هَدْيِه، يريد مكة، أي: أو غيرها من أرض النحر يقصد أحد النسكين وقد ساقَ بَدَنَتَه أي: أرسلها قدامها ومشى ورائها وقَلَّدَها، أي: والحال أنه قلدها وهذا قيد كمال فهذا أي: الشخص يكون مُحْرِمًا، أي: وعليه بعض الأشياء محرمًا حين يتوجَّه مع بَدَنَتِه المقلَّدة بما أرادَ حَجٍّ أو عُمْرَةٍ، أو من جمعهما فأمَّا إذا كان مُقيمًا في أهله لم يكن محرِمًا، ولم يحرم عليه شيء أي: بسبب بعثه هديًا حَلَّ له، أي: قبل ذلك وهو قول أبي حنيفة نعمان بن ثابت بن طاوس بن هرمز بن ملك بن شيبان، في أصح الرواية على ما في (الكافي). لما فرغ من بيان أحكام من بعث الهدي إلى مكة، شرع في بيان أحكام تقليد البدن وإشعارها، فقال: هذا * * * باب تقليد البدن وإشعارها في بيان أحكام تقليد البدن وإشعارها، البدن: بضم الموحدة وسكون الدال المهملة والنون جمع بدنة بفتحتين، وهي الإِبل والبقر عندنا والإِبل فقط عند الشافعي، وسميت بها لكبر بدنها ويستحب الهدي، وهو أن يسوق معه شيئًا من النعم ليذبحه في الحرم، ويستحب أن يقلد الإِبل فعلين ونحوها وكذا الغنم عند الثلاثة. وقال مالك: لا يستحب أن يقلد الغنم كذا في اختلاف الأئمة لكن ذكر ابن الهمام

стр. 794

أحب من التحليل؛ لأن له ذكرًا في القران إلا في الشاة؛ فإنه ليس بسنة على ما ذكر صاحب (الهداية) ثم يستحب إشعار الهدي، إذا كان من إبل أو بقر في صفحة سنامه (ق ٤٣٣) الأيمن عند الشافعي وأحمد. قال مالك: في الجانب الأيسر، وقال أبو حنيفة: الإِشعار مكروه والأولى ما حمل عليه (الطحاوي) (١) من أن أبا حنيفة إنما كره إشعار أهل زمانه؛ لأنهم لا يهتدون إلى إحسانه وهو شق مجرد الجلد ليدمى بل كانوا يبالغون في اللحم حتى يكثر الألم ويخاف منه السراية إلى العظم وذلك لما في مسلم عن ابن عباس ﵄: أنه ﷺ أشعر بدنه من الجانب الأيسر (٢) وفي رواية: صلى الظهر بذي الحليفة، ثم دعا ببدنة فأشعرها في صفحة سنامها الأيمن. وفي (الموطأ) لمالك عن نافع عن ابن عمر: كان إذا أهدى هديًا في المدينة يقلده بنعلين ويشعره في الشق الأيمن (٣)، فهذا يعارض ما في مسلم من حديث ابن عباس: أنه لم يكن أحد أشد اقتداءً بظهور فعل رسول الله ﷺ من ابن عمر. فلولا عليه وقوع ذلك من فعله ﷺ لم يستمر عليه فوجه التوفيق حينئذ هو ما صرنا إليه من الإِشعار فيهما حملًا له وأيتهن على رواية كل رأي الإِشعار من جانب، وهو واجب ما أمكن كذا حققه الإِمام ابن الهمام (٤). ٣٩٩ - أخبرنا مالك، حدثنا نافع، عن عبد الله بن عمر، أنَّه كان إذا أَهْدَى هَدْيًا من المدينة قَلَّدَه وأشْعَرَه بذي الحُلَيْفَة، يُقَلِّده قبل أن يُشْعِرَه، وذلك في مكان واحد، وهو موجَّه إلى القبلة، يقلِّده بنعلين، ويُشْعِرَه من شقِّه الأيسر، ثم يُساق معه حتى يوقف به مع الناس بِعَرَفة، ثم يُدْفَع به معهم إذا دفعوا، فإذا قَدِمَ مِنىً من غَدَاةِ يوم النَّحْر نحره قبل أن يحلق أو يُقَصِّرَ، وكان ينحر هَدْيَه بيده، يَصُفُّهُنّ قِيامًا، ويوجِّههنّ إلى القبلة، ثم يأكلُ ويُطْعِمُ.

стр. 795

• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، وفي نسخة أخرى: أنا، حدثنا وفي نسخة: قال: بنا نافع، عن عبد الله بن عمر، أنَّه كان إذا أَهْدَى أي: إذا بعث إلى مكة هَدْيًا من المدينة أي: وهو قاصد للإِحرام قَلَّدَه أي: الهدي بنعل بأن يعلقه في عنقه أو قطعة مزادة وأشْعَرَه بذي الحُلَيْفَة، أي: أدماه في سنامه من ميقات أهل المدينة ليكون إشعارًا بأنه من شعائر الله ولا الشهر الحرام ولا الهدي ولا القلائد أي: ذوات القلائد أي: ولا قلائده فضلًا عن ذاته يُقَلِّده قبل أن يُشْعِرَه، وذلك أي: ما ذكر من التقليد والإِشعار في مكان واحد، أي: لا في مكانين بأن يكون أحدهما قبل الآخر وهو ابن عمر موجَّه أي: جاعل وجه هديه وفي نسخة: متوجه فالضمير المرفوع المنفصل كناية عن الهدي أي: والهدي يتوجه إلى القبلة، أي: إلى جهة الكعبة في حالتي التقليد والإِشعار يقلِّده بنعلين، أي: من النعال التي تلبس في الإِحرام قوله: يقلِّده بيان لما أجمله وكذا قوله. ويُشْعِرَه من شقِّه الأيسر، قوله: ويشعره من الإِشعار بكسر الهمزة وهي لغة الإِعلام وشرعًا شق سنام الهدي ثم يُساق أي: الهدي معه أي: مع ابن عمر حتى يوقف به أي: يجعل الوقوف بالهدي مع الناس بِعَرَفة، أي: بعرفات بيوم عرفة ثم يُدْفَع به معهم إذا دفعوا، أي: أفاضوا فإذا قَدِمَ مِنىً من غَدَاةِ يوم النَّحْر أي: من أول نهاره نحره أي: بعد طلوع الشمس فإنه المستحب للرمي وهو مقدم على الذبح قبل أن يحلق أو يُقَصِّرَ، ومفهومه أنه بعد أن يرمي وكان ينحر أي: يذبح هَدْيَه بيده؛ لأنه يستحب عند استحسان فعله، وقد نحر ﷺ في حجة الوداع ثلاثًا وستين بدنة بعدد سن عمره ﷺ وأمر بنحر البدن كلها مائة (١) يَصُفُّهُنّ بفتح التحتية وضم الصاد المهملة وتشديد الفاء المضمومة والهاء المضمومة والنون المشددة أي: يجعل ابن عمر (ق ٤٣٤) هداياه صافات قِيامًا، أي: قائمات لقوله تعالى في سورة الحج: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ﴾ [الحج: ٣٦] ولقوله تعالى في سورة الحج: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا﴾ [الحج: ٣٦] أي: عند نحرها ﴿صَوَافَّ﴾ أي: قيامًا على

стр. 796

ثلاث قوائم قد صفت رجليها وإحدى يديها ويدها اليسرى معقولة أي: مشددة بحبل وتنحر على تلك الحال ويوجِّههنّ أي: ويجعل وجوه الهدايا عند نحرهن إلى القبلة، أي: إلى جهة الكعبة اتباعًا لقوله ﷺ فإنه كان يستقبل بذت القبلة فيستحب استقبالها بالأعمال التي يريد بها الله تعالى تبركًا واتباعًا للسنة. قال الراوي: ثم أي: بعد طبخ الهدي يأكلُ أي: بعضه ويُطْعِمُ أي: يعطي باقيه للفقراء والمساكين لقوله تعالى في سورة الحج: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ [الحج: ٣٦] أي: المتعفف الحال والمعترض للسؤال. * * * ٤٠٠ - أخبرنا مالك، حدثنا نافع، أنَّ عبد الله بن عمر، كان إذا وَخَزَ في سَنام بَدَنَته وهو يُشْعِرها، قال: بسم الله والله أكبر. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، أو أنا حدثنا وفي نسخة عن نافع، أي: المدني مولى ابن عمر أنَّ عبد الله بن عمر، كان إذا وَخَزَ بالخاء المعجمة والزاي المعجمة أي طعن طعنة غير نافذة برمح أو بإبرة أو غير ذلك في سَنام بفتح السين المهملة بَدَنَته وهو يُشعِرها، أي: والحال أن يريد أن يشعرها أي: يقصد إشعارها قال: بسم الله والله أكبر فيستحب ذلك، امتثالًا لقوله تعالى في سورة البقرة: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٥] واللام للندب وهذا الحديث موقوف ظاهرًا مرفوع حكمًا. * * * ٤٠١ - أخبرنا مالك، حدثنا نافع، أنَّ عبد الله بن عمر كان يُشْعِر بَدَنَته في الشِّقِّ الأيسر، إلا أن تكون صِعابًا مقَرَّنة، فإذا لم يستطع أن يدخل بينها أشْعَرَ من الشِّقِّ الأيسر، وإذا أراد أن يُشْعِرها وجَّهَهَا إلى القبلة، قال: فإذا أشْعَرَها، قال: بسم الله والله أكبر، وكان يُشْعِرها بيده وينحرها بيده قِيامًا.

стр. 797

قال محمد: وبهذا نأخذ، التقليد أفضل من الإِشعار، والإِشعار حَسَنٌ، والإِشعار من الجانب الأيسر، إلا أن تكون صِعَابًا مُقَرَّنة لا يستطيع أن يدخل بينها فيُشْعِرها من الجانب الأيسر أو الأيمن. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا حدثنا وفي نسخة: عن نافع، أي: المدني مولى ابن عمر أنَّ ابن عمر ﵁ كان يُشْعِر من الإِشعار أي: يريد إدماء بَدَنَته في الشِّقِّ بكسر الشين المعجمة وتشديد القاف بمعنى الجانب أي بدماء بدنته في الجانب الأيسر، من سنامها في الزمن الكثير إلا أن تكون البدنة يعني جنسها صِعابًا بكسر الصاد المهملة أي: متصعبة مقَرَّنة، بتشديد الراء المهملة أي مقرونة بعضها ببعض فإذا لم يستطع أي: ابن عمر أن يدخل بينها أي: بين البدن أشْعَرَ أي: أدما من الشِّقِّ الأيمن وهذا يدل على أنه كان يجمع الإِشعار بين الجانبين لكن الإِشعار من الأيمن أفضل وعمله أكثر الأيسر، أيسر وإذا أراد أن يُشْعِرها أي: البدن وجَّهَهَا إلى القبلة، أي: جانب الكعبة لأنها أحسن الجهات وأيمن التوجهات قال: أي: نافع فإذا وفي نسخة: وإذا بالواو أشْعَرَها، أي: إذا أراد ابن عمر إدماء بدنته قال: بسم الله والله أكبر، وكان أي: والحال أن ابن عمر يُشْعِرها بيده وينحرها بيده أي: يقطع عروق بدنته في أسفل أعناقها عند الصد؛ لأن فيها أيسر؛ لأن العروق مجتمعة في النحر، وهو بفتح النون وسكون الحاء والراء موضع القلادة وموضع قريب إلى الصدر كذا قاله محمد الواني في (ترجمة الجوهري) قِيامًا أي: قائمًا بنفسه لأمر النحر غير أمر بغيره؛ لأن الأعمال الآخرة أولى أن تكون بلا واسطة إن أمن وقوعها فعلم من خبر نافع أن ابن عمر قال حين أشعرها ونحرها: بسم الله والله أكبر بالواو امتثالًا وتبركًا لقوله تعالى في سورة البقرة: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٥] كذا قاله الزرقاني (١). واستفيد منه الجواز للذابح حين ذبحها بسم الله والله أكبر بالواو (ق ٤٣٥) ولكن نقل الشمني في كتاب الذبائح من (شرح النقاية) عن الحلواني وقال: يستحب أن يقول الذابح حين ذبحها: بسم الله الله أكبر بلا واو لأن ذكر الواو تقطع فور التسمية انتهى، وهو أي فور التسمية مستفاد من قوله تعالى في سورة الحج: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ [الحج: ٣٦] ذهب أبو الحسن الكرخي من أصحاب أبي حنيفة وبعض أصحاب الشافعي

стр. 798

والقائلين بأن موجب الأمر التكرار يدل على الفور احتج من قال بالفور، ومعناه وجوب الأداء في الأول أوقات الإِمكان يلحقه الذم بالتأخير وبأن السيد إذا قالى لعبده اسقني وأخر العبد عُدَّ عاصيًا فلو لم يكن الأمر للفور لما كان كذلك، وهذا خلاصة ما قاله شارح المعنى من الأصول وفيه تفصيل فراجع إليه، وأول الآية: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [الحج: ٣٦] قوله: ﴿وَالْبُدْنَ﴾ جمع بدنة كخشب وخشبة منصوب بمضمر قوله: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ﴾ [يس: ٣٩] وقوله: ﴿جَعَلْنَاهَا لَكُمْ﴾ [الحج: ٣٦] أي: البدن وقوله: ﴿مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ أي: من أعلام دينه التي شرعها الله قوله: ﴿لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ﴾ أى: في نحر البدن منافع دينية ودنيوية قوله: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا﴾ قيل: فيه حذف أي: فاذكروا اسم الله عليها عند نحرها وذبحها بأن تقولوا عند ذبحها: الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر، اللهم منك وإليك قوله: ﴿صَوَافَّ﴾ حال من الهاء في عليها، أي: قائم على القوائم الأربع وقراءة ابن عباس ﵄ "صوافن" بمعنى على ثلاث قد علقت يدها الواحد والآية دلت على أن الإِبل تنحر قائمة قوله: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ أي: سقطت على الأرض بجنبها بعد النحر وسكنت حركتها قوله: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ أى: حل لكم الأكل منها والطعام، وكان المشركون لا يأكلون من ذبائحهم فرخص للمعلمين بقوله: ﴿وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ﴾ أي: الراضي بما عنده أو الذي يقنع بما أعطى من غير سؤال قوله: ﴿وَالْمُعْتَرَّ﴾ أي: المعترض بالسؤال قيل: السنة أن يأكل الرجل من لحم أضحيته قبل أن يتصدق قوله: ﴿كَذَلِكَ﴾ أي: مثل ما وصفنا من نحرها قيامًا قوله: ﴿سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ﴾ أي: مع عظمها وقوتها، حتى تأخذوها منقادة فتعقلوها أي: تشدوها بحبل وتحبسوها صافة قوائمها ثم تطعنون في لباتها أي: موضع قلادتها ففيه إظهار منة الله تعالى على عباده قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ أي: لعلكم تشكرون ربكم على هذه النعم. قال محمد: وبهذا أي: بقول ابن عمر نأخذ، أي: نعمل نحن أصحاب أبي حنيفة ولكن نقول عند ذبح أضحيتنا: باسم الله الله أكبر بغير واو؛ ولأنه تعارض النظم الكريم على قول ابن عمر: فخرجنا حكم النظم الكريم على حكم الخبر؛ لأن الأمر في قوله

стр. 799

تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا﴾ [الحج: ٣٦] يدل علي الفورية على مذهب (ق ٤٣٦) الكرخي وبعض أصحاب الشافعي والتقليد أفضل من الإِشعار، أي: لعدم توهم الفرد في الأول، ولكون جوازه متفقًا عليه والإِشعار حَسَنٌ، أي: مستحسن عند الجمهور والإِشعار أي: الأحسن من الجانب الأيسر، إلا أن تكون صِعَابًا أي: مستصعب مُقَرَّنة أي: مقرونة بعضها ببعض لا يستطيع أي: لا يقدر صاحبها أن يدخل بينها فيُشْعِرها أي: قيدها من الجانب الأيسر أو الأيمن. لما فرغ من بيان تقليد البدن وإشعارها، شرع في بيان حكم حال من تطيب قبل أن يحرم، فقال: هذا * * * باب من تطيب قبل أن يحرم في بيان حكم حال من تطيب أي: استعمل طيبًا قبل أن يحرم وفي نسخة: باب بغير حرف الجر. ٤٠٢ - أخبرنا مالك، حدثنا نافع، عن أسْلَم مولى عمر بن الخطاب، أنَّ عمر بن الخطاب وجد ريح طيبٍ وهو بالشجرة، فقال: مِمَّن رِيحُ هذا الطيب؟ فقال مُعَاويَة بن أبي سفيان: مِني يا أمير المؤمنين، قال: منك؟ لَعَمْرِي، قال: يا أمير المؤمنين إنَّ أمّ حبيبةَ طَيَّبَتْني، قال: عزمت عليك لترجعَنّ فلتغْسِلنّه. • أخبرنا مالك، أي: ابن أنس بن عمير بن أبي عامر الإِمام الأصبحي، يعني: منسوب إلى ملك من ملوك اليمن، يقال له: ذو أصبح، كان في الطبقة السابعة من طبقات كبار أتباع التابعين، من أهل المدينة (١) وفي نسخة: محمد قال: ثنا، حدثنا أي: نافع، ابن عبد الله المدني مولى ابن عمر، ثقة ثبت فقيه مشهور كان من الطبقة الثالثة، مات سنة سبع

стр. 800

عشرة ومائة أو بعد ذلك من الهجرة (١) عن أسْلَم أي: العدوي مولى عمر بن الخطاب، مخضرم مات سنة ثمانين بعد الهجرة، وقيل: بعد سنة وهو ابن مائة وإحدى عشرة سنة كذا قاله ابن حجر في (التقريب) (٢) أنَّ عمر بن الخطاب ﵁ وجد ريح طيبٍ أي: من أحد المحرمين وهو بالشجرة، موضع قريب من المدينة بذي الحليفة على ستة أميال من المدينة فقال: أي: سأل مستفهمًا أو منكرًا مِمَّن رِيحُ هذا الطيب؟ أي: يفوح فقال مُعَاويَة بن أبي سفيان: وهو صخر بن حرب بن أمية الأموي أبو عبد الرحمن الخليفة، وهو أي: ابن أبي سفيان صحابي أسلم قبل الفتح وكتب الوحي، ومات في رجب سنة ستين، وقد قارب الثمانين بعد الهجرة كذا في (التقريب) (٣) مِني يا أمير الؤمنين، قال: منك؟ لَعَمْرِي، بفتح العين وضمها من الباب الرابع إذا عاش زمانًا طويلًا وهذا مخالف للقياس، وهو أن يكون غير فعله في مصدره متحركًا ومنه أطال الله عمرك، وهذه الألفاظ وإن كان مصدرا في المعنى ولكن يستعمل في القسم بفتح العين فقط، ماذا أدخلت عليه اللام الابتداء كان مرفوعًا على الابتدائية، وتقول لعمر الله وإذا كان اللام التوكيد للابتداء وكان الخبر محذوفًا يكون تقدير الكلام لعمر الله ما أقسم به، وإن لم تدخل عليه لام الابتداء يكون نصبه كنصب سائر المصادر، فتقول: عمر الله ما فعلت كذا وعمرك الله ما فعلت كذا فالمعنى في لعمر الله وعمر الله احلف ببقاء الله ودوامه كذا قاله محمد الواني في (ترجمة الجوهري)، وكان عمر ﵁ قاس هذا على قوله تعالى من سورة الحجر: ﴿لَعَمْرُكَ﴾ [الحجر: ٧٢] وإلا فمن المعلوم أن ليس لي أحد أن يحلف بغير الله ولا بحياة أحد سواه، وأما هو فله أن يقسم بما شاء قال: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾ [البروج: ١] ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [العصر: ١ - ٣] كذا قال علي القاري قال: أي: معاوية معتذرًا يا أمير المؤمنين إنَّ أمّ حبيبةَ (ق ٤٣٧) وهي أخت بنت أبي سفيان إحدى أمهات المؤمنين، مشهورة بكنيتها، واسمها رملة طَيَّبَتْني، أي: مسحتني طيبًا مع أنها عالمة بأحوال النبي ﷺ في حال الإِحرام فقال: أي: عمر عزمت عليك أي: أقسمت عليك وألزمتك لترجعَنّ أي: إلى مكان فيه ماء

стр. 801

فلتغْسِلنّه وكان الطيب مما بقي عينه، ثم هذا الأمر يحتمل أن يكون بعد تلبية الإِحرام أو عند إرادته له، وفي رواية عبد الرزاق: أقسمت عليك لترجعن إلى أم حبيبة فلتغسلنه عنك كما طيبتك، وزاد في رواية أيوب عن نافع عن أسلم قال: فرجع معاوية إليها حتى لحقهم ببعض الطرق فهذا عمد مع جلالته لم يأخذ بحديث عائشة على ظاهره فتعين تأويله بما مر وسيأتي عليه الكلام. * * * ٤٠٣ - أخبرنا مالك، أخبرنا الصَّلْتُ بن (زُبَيْد) عن غير واحد من أهله، أنَّ عمر بن الخطاب وَجَدَ ريح طِيبٍ وهو بالشَّجَرَة، وإلى جنبه كثير بن الصَّلْت، فقال: مِمَّن ريح هذا الطيب؟ فقال كثير: مني، لَبَّدْتُ رأسي، وأردتُ أن أحلق، قال عمر: فاذهب إلى شَرَبَة فادلك منها رأسك حتى تُنْقِيَه، ففعل كثير بن الصَّلْت. قال محمد: وبهذا نأخذ، لا أرَى أن يتطيبَ المُحْرِم حين يريد الإِحرام، إلا أن يتطيب، ثم يغتسل بعد ذلك. وأما أبو حنيفة، فكان لا يَرَى به بأسًا. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، وفي نسخة أخرى: أنا أخبرنا وفي نسخة: قال: بنا، الصَّلْتُ بفتح الصاد المهملة وسكون اللام بالمثناة الفوقية، وهو ابن أخي كثير بن الصلت بن (زييد) بضم الزاي وتحتيتين تصغير زيد الكندي، وثقه العجلي (١) وغيره، مدني، كان من الطبقة الثانية من التابعين في الدينة كذا قاله ابن حجر في (التقريب) (٢) عن غير واحد من أهله، أي: عن جمع كثير من أقارب الصلت أنَّ عمر بن الخطاب ﵁ وَجَدَ ريح طيبٍ وهو أي: والحال أن عمر بن الخطاب ﵁ بالشَّجَرَة، أي: موضع بذي الحليفة قريب من المدينة بستة أميال وإلى جنبه أي:

стр. 802

والحال وجد عند عمر بن الخطاب كثير بن الصَّلْت، بن معدي كرب الكندي المدني من كبار التابعين ولد في عهد النبي ﷺ كان في الطبقة الثانية ووهم من جعله صحابيًا كذا قاله في (التقريب) (١) فقال: أي: عمر كما في (الموطأ) (٢) لمالك مِمَّن ريح هذا الطيب؟ فقال كثير: أي: ابن الصلت مني، أي: يا أمير المؤمنين لَبَّدْتُ رأسي، أي: جعلت فيه شيئًا نحو الصمغ ليجتمع شعره؛ لئلا يشعث في الإِحرام ويقع فيه العمل وأردتُ أن أحلق، أي: بعد فراغ نسكي قال عمر: فاذهب إلى شَرَبَةٍ هي بالتحريك حويض حول النخلة كذا في (القاموس)، وقال مالك: الشربة حفير يكون عند أصل النخلة، وفي (التمهيد): الشربة مستنقع الماء عند أصول الشجر حوض يكون مقداريها، وقال ابن وهب: هو الحوض حول النخلة يجتمع فيها الماء، وروى ابن أبي شيبة (٣) عن بشير بن يسار لما أحرموا وجد عمر ريح طيب فقال: ممن هذا الريح فقال البراء بن عازب: مني يا أمير المدينة قال عمر: قد علمنا أن امرأتك عطرة أو عطارة، إنما الحاج الأوقر الأغير، فهذا عمر قد أنكر على صحابيتين وتابعي كبير الطيب بمحضر الجمع الكثير من الناس صحابة وغيرهم، وما أنكر عليه منهم أحد فهو من أقول الأدلة على تأويل حديث عائشة ﵂، وقد روى وكيع عن شيبة عن سعيد بن إبراهيم عن أبيه أن عثمان رأى رجلًا تطيب أي: استعمل طيبًا عند الإِحرام فأمره أن يغسل رأسه بطين كذا قال الزرقاني فادلك وهو أمر من الدلك من باب نصر منها رأسك وكلمة "من" بمعنى "في" كقوله تعالى في سورة الجمعة: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ [الجمعة: ٩] والضمير المجرور عائد إلى شربة باعتبار الحوض، وهو مؤنث سماعي (ق ٤٣٨) حتى تُنْقِيَه، أي: من الإِنقاء أو التنقية أي: حتى تنظف رأسك من طيبك ففعل كثير بن الصَّلْت وهذا واضح؛ لأن التلبية بما يغطي الرأس، فإن كان مخلوط بطيب فيوجب دمين والإِدماء. قال محمد: وبهذا نأخذ، أي: إنما نحن أصحاب أبي حنيفة رحمه الله تعالى نعمل بأمر عمر بن الخطاب بعدم استعمال الطيب عند الإِحرام لا أرَى أي: لا أختار أن يتطيبَ أي: يستعمل المُحْرِم حين يريد الإِحرام، أي: إلا أن يتطيب، أي: بذلك الطيب أولًا ثم

стр. 803

يغتسل بعد ذلك ليذهب جرمه وأما أبو حنيفة، رحمه الله تعالى وكذا بقية أصحابه، فإنه فكان لا يَرَى به أي: باستعمال المحرم طيبًا بأسًا أي: كراهة، بل المذهب أن مريد الإِحرام يستحب له أن يتطيب بأي طيب كان سواء مما يبقي عينه بعد الإِحرام ومما لا يبقي وبه قال الشافعي لما في البخاري (١) من حديث عائشة ﵂ أنها قالت: كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يحرم يتطيب بأطيب ما يجد، ثم أرى ويبقى الطيب في رأسه ولحيته بعد ذلك الإِحرام بثلاثة أيام كما في رواية. وقال محمد بن الحسن الشيباني: لا يتطيب بما يبقى عينه بعد الإِحرام لما روى البخاري ومسلم (٢) من حديث يعلى بن أمية قال: أتى النبي ﷺ متضمخ وعليه جبة فقال: يا رسول الله، كيف في رجل أحرم بعمرة وفي جبة بعد ما تضمخ بطيب فقال له النبي ﷺ : "أما الذي بك فاغسله ثلاث مرات، وأما الجبة فانزعها ثم اصنع في عمرتك ما تصنع في حجتك" وأجيب عنه بأنه منسوخ؛ لأنه كان في عام الجعرانة سنة ثمان وحديث عائشة في حجة الوداع سنة عشر يكره التطيب في اللباس بالاتفاق. كذا قاله علي القاري. لما فرغ من بيان حكم حال من استعمل طيبًا قبل أن يحرم، شرع في بيان حكم حال من ساق إلى مكة هديًا فهلك هديه في الطريق، فقال: هذا * * * باب من ساق هديًا فعطب في الطريق أو نذر بدنة في بيان حكم حال من ساق أي: إلى مكة هديًا أي: بدنة فعطب بكسر الفاء من الباب الرابع أي: هلك.

стр. 804

قال في (النهاية): وقد يعبر بالعطب عن آفة تعتريه وتمنعه عن المشي ويخاف عليها الهلاك في الطريق أي: في طريق مكة أو نذر بدنة أي: إبلًا إلى مكة. ٤٠٤ - أخبرنا مالك، حدثنا ابن شهاب الزُّهْرِيّ، عن سعيد بن المسيَّب، أنَّه كان يقول: مَنْ ساقَ بَدَنَةً تطَوُّعًا، ثم عطبت فنحرها فليجعل قلادتَها ونعلها في دمها، ثم يتركها للناس يأكلونها، وليس عليه شيءٌ، فإن هو أكلَ منها أو أمر بأكلها فعليه الغُرْم. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي نسخة أخرى: أنا، أي: أخبرنا، مالك بن أنس بن عمير بن أبي عامر الإِمام الأصبحي، يعني منسوب إلى ملك ذي أصبح من ملوك اليمن، وكان من كبار أتباع التابعين، من الطبقة السابعة من أهل المدينة وهي كانت في الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة في وجه الأرض (١) حدثنا وفي نسخة: قال: بنا، ابن شهاب أي: محمد بن مسلم بن شهاب بن زهرة بن كلاب، تابعي مدني، كان في الطبقة الرابعة من أهل المدينة (٢) كذا قاله ابن الجوزي عن سعيد بن المسيَّب، أي: ابن حزن يكنى أبا محمد، وهو تابعي ثقة في الطبقة الأولى من أهل المدينة (٣) كذا قاله ابن الجوزي في طبقاته أنَّه كان يقول: مَنْ ساق بَدَنَةً تطَوُّعًا، ثم عطبت أي: قرب هلاكها حتى خيف عليها الموت وامتنع عليها السير فنحرها؛ لأن النحر بعد حقيقة الهلاك لا يتصور فليجعل قلادتَها بكسر القاف أي: ما قلدت به من قطعة مزادة أو نعل (ق ٤٣٩) فقوله: ونعلها عطف تفسيري لها بأكمل أنواعها في دمها، أي: فليغمسها فيه وليضرب بها جانب سنامها. وفائدة ذلك: إعلام الناس أنه هدي فيأكل منه الفقراء دون الأغنياء؛ لأن الإذن في تناوله معلق بشرط بلوغه محله، فينبغي أن لا يحل قبل ذلك أصلًا؛ لأن التصدق على الفقراء أفضل من أن يترك لحمه للسباع وفيه نوع تقرب وهو المقصود كذا في (سلم الفلاح) ثم يتركها للناس أي: لفقرائهم يأكلونها، حال واستئناف وليس عليه أي: على صاحب

стр. 805

الهدي شيءٌ، أي: بدل الهدي فإن هي أكلَ منها أو أمر بأكلها أي: أحد فعليه الغُرْم بضم العين المعجمة والراء المهملة والميم أي: الغرامة، وهي قيمة من أكل أن يتصدقها إلى الفقراء. * * * ٤٠٥ - أخبرنا مالك، أخبرنا هِشام بن عُرْوَة، عن أبيه: أن صاحِبَ هَدْي رسول الله ﷺ قال له: كيف نصنع بما عَطِبَ من الهَدْي؟ فقال رسول الله ﷺ : "انحرها وأَلْقِ قِلادتها أو نَعْلَها في دمها، وخَلِّ بينها وبين الناس يأكلونها". • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، أخبرنا، وفي نسخة: قال: أنا رامزًا إلى أخبرنا هِشام بن عُرْوَة، أي: ابن الزبير بن العوام الأسدي ثقة، فقيه ربما دلس، كان في الطبقة الخامسة من أهل المدينة ومات سنة ست أو خمس وأربعين ومائة وله سبع وثمانون سنة (١) عن أبيه: أبي عروة بن الزبير بن العوام بن خويلد الأسدي المدني، يكنى أبا عبد الله المدني، ثقة فقيه مشهور في الطبقة الثانية، مات سنة أربع وتسعين على الصحيح (٢) كذا قاله ابن حجر أن صاحِبَ هَدْي رسول الله ﷺ وهو ناجية بالنون والجيم وبالتحتية صحابي، وهذا الحديث مرسل ظاهرًا موصول حكمًا؛ لأن عروة بن الزبير ثبت سماعه من ناجية، فقد أخرجه ابن خزيمة من طريق عبد الرحيم بن سليمان عن هشام عن عروة قال: حدثني ناجية قوله: ابن حزيمة، وهو بضم الحاء المهملة وفتح الزاي المعجمة سكون التحتية وبعدها ميم مفتوحة والتاء بعدها كذا قاله علي القاري في (شرح نخبة الفكر)، ورواه أيضًا أبو داود وابن عبد البر من طريق سفيان بن سعيد الثوري والترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح. قال ابن حجر في (الإِصابة) (٣): ولم يسم أحد منهم لكن قال بعضهم: الخزاعي وبعضهم: الأسلمي، ولا يبعد التعدد، فقد ثبت من حديث ابن عباس أن ذويبا الخزاعي حدثه أنه كان مع النبي أيضًا، وأخرج ابن أبي شيبة عن عروة أن النبي ﷺ بعث ناجية

стр. 806

الخزاعي عينا في فتح مكة، وقد جزم أبو الفتح الأزدي وأبو صالح المؤذن بأن عروة تفرد بالرواية عن ناجية الخزاعي، فهذا يدل على أنه غير الأسلمي. انتهى. لكن جزمهما بذلك لا يدل على أن هذا الحديث عنه، وكذا بعثه عينًا في فتح مكة وكون ذويب مع البدن لا دلالة فيه على أنه السائل، فلعل الصواب رواية من قال: إنه الأسلمي ثم قال: إنه اختلف على ابن عباس فطائفة رووا عنه ما يدل على أنه ناجية الأسلمي، وطائفة رووا أن ذويبًا الخزاعي والد قبيعة حدثه، وربما بعث ﷺ أيضًا معه هديًا فسأله كما سأله ناجية انتهى. وقال ابن إسحاق عن بعض أهل العلم عن رجال من أسلم (ت ٤٤٠): إن ناجية بن جندب الأسلمي صاحب هدي رسول الله ﷺ قال أي: صاحب هديه ﷺ له أي: النبي ﷺ كيف بما عَطِبَ أي: قرب إلى الهلاك من الهَدْي؟ أي: على فرض وقوع العطب فقال رسول الله ﷺ : "انحرها بكسر الهمزة وسكون النون وفتح الحاء المهملة وسكون الراء أي: اذبحها (البدنة) من قرب صدرها موضع القلادة وأَلْقِ أي: اغمس قلادتها أو نَعْلَها وكلمة "أو" إما للتنويع وإما للشك في دمها، قال مالك مرة: أمره بذلك ليَعلم أنه هدي فلا يستباح الأعلى الوجه الذي ينبغي تأوله مرة على أنه نهي أن ينتفع منها بشيء حتى لا تحبس قلادتها التقلد بها غيرها وخَلِّ أي: ترك بينها وبين الناس يأكلونها" كذا الرواية بإثبات النون، فهو حال واستئناف زاد مسلم وغيره في حديث ابن عباس منها ولا على أهل رفقتك قال المازري: قيل نهاه عن ذلك حماية أن يساهل فينحره قبل أوانه. قال القرطبي: لأنه لو لم يمنعهم أمكن أن يبادر بنحره قبل أوانه، وهو من المواضع التي وقعت في الشرع وأحملها مالك على سد الذرائع، وهو أصل عظيم لم يظفر فيه غير مالك لدقة نظر. قال عياض: فما عطب من هدي التطوع لا يأكل منه صاحبه ولا سائقه ولا رفقته لنص الحديث وبه قال مالك والجمهور. وقالوا: لا يدل عليه لأنه موضع بيان، ولم يبين ذلك ﷺ بخلاف الهدي الواجب إذا عطب قبل محله، فيأكل منه صاحبه والأغنياء؛ لأن صاحبه يضمنه لتعلقه بذمته، وأجاز الجمهور بيعه، ومنعه مالك فإن بلغ محله لم يأكل من جزاء وفدية ونذر مساكين وأكل مما سوى ذلك على مذهب المشهور وبه قال فقهاء الأمصار وجماعة من السلف كذا قاله الزرقاني (١). * * *

стр. 807

٤٠٦ - أخبرنا مالك، حدثنا عبد الله بن دينار، قال: كنتُ أرَى ابن عمر بن الخطاب يهدي في الحَجّ بَدَنَتَيْنِ بَدَنَتَيْنِ، وفي العُمْرَة بَدَنَة، قال: ورأيته في العُمْرَة ينحر بدنتهُ وهي قائمة، في حرفِ دار خالد بن أَسِيد، وكان فيها منزله، وقال: لقد رأيته طَعَنَ في لَبَّةِ بدنته، حتى خرجت سِنَّةُ الْحَرْبَة من تحت كتفها. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، حدثنا وفي نسخة: بنا عبد الله بن دينار، العدوي مولاهم، يكنى أبا عبد الرحمن المدني مولى ابن عمر، تابعي ثقة كان في الطبقة الرابعة من أهل المدينة مات سنة سبع وعشرين ومائة بعد الهجرة (١) قال: كنتُ أرَى أي: أبصر عبد الله بن عمر بن الخطاب يهدي من الإِهداء أي: يرسل في الحَجّ أي في حال إحرامه به بَدَنَتَيْنِ بَدَنَتَيْنِ، أي: في كل حج، كرر البدنتين لإِفادة عموم التثنية وفي العُمْرَة بَدَنَة، أي: في حال إحرامه بها بدنة واحدة لكل عمرة وهي سنة عند الجمهور والأئمة وقال: أي: ابن دينار ورأيته أي: ابن عمر في العُمْرَة ينحر بدنته بضم الموحدة وسكون الدال المهملة وبه قرأ الجمهور وبضمها وبها قرأ الأعرج رواية عن عاصم، وفي نسخة: بدنته وهي أي: والحال أن البدن أو البدنة قائمة، لاستحباب ذلك في حرِفِ أي: بطن دار خالد بن أَسِيد، بفتح الهمزة وكسر السين المهملة أن أبي العاص بن أمية، وهو أخو عتاب أمير زمانه وجد أمية بن عبد الله بن خالد قال هشام بن الحاسبي: أسلم يوم الفتح وأقام بمكة وكان من المؤلفة قيل: إنه فقد يوم اليمامة وقيل: مات قبل فتح مكة وفي نسخة: في حرف (ق ٤٤١) محرف عن الجرف، وكان فيها أي: والحال كان في دار خالد بن أسيد منزله، أي: موضع النزول كذا في (القاموس) وإن ابن عمر رضي الله تعالى عنه كان ينزلها إذا حج واعتمر والمقصود أنها كانت قريبة من المروة، وهي أفضل بقع الحرم لنحر بدن العمرة وقال: أي: عبد الله بن دينار لقد رأيته وفي (الموطأ): ليحيى ولقد أي: أحلف الله أبصرت ابن عمر، وفائدة القسم تقربه هذا الحكم وهو قوله: طَعَنَ في لَبَّةِ

стр. 808

بدنته، وهي بفتح اللام وتشديد الموحدة المنحر من الصدر موضع القلادة من الإِبل حتى خرجت سِنَّةُ الْحَرْبَة أي: خرجت رأس فعل الرمح القصير من تحت كتفها أي: البدنة من قوة الطعنة. * * * ٤٠٧ - أخبرنا مالك، أخبرنا أبو جعفر القارئ، أنه رَأى عبد الله بن عَيّاش بن أبي ربيعة أهدى عامًا بدَنَتَين؛ إحداهما بُخْتِيَّة. قال محمد: وبهذا نأخذ، كل هَدْيِ تَطَوعُّ عَطِبَ في الطريق صُنِعَ به كما صَنَعَ، وخَلَّى بينه وبين الناس يأكلونه، ولا يعجبنا أن يأكل منه إلا مَنْ كان محتاجًا إليه. • أخبرنا مالك، أي: أنس بن عمير بن أبي عامر الإِمام الأصبحي، يعني منسوب إلى ملك ذي أصبح من ملوك اليمن، كان في الطبقة السابعة من أتباع التابعين، من أهل المدينة، وهي كانت في الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة من وجه الأرض (١) وفي نسخة: محمد قال: ثنا، وأنا أخبرنا وفي نسخة: قال: بنا، وفي أخرى: أنا، أبو جعفر القارئ، أي: المقري وهو شيخ نافع أحد القراء العشرة المدني المخزومي سيدهم يقال له: يزيد بن القعقاع، وقيل: جندب بن ضرورة وقيل: فيروز، ثقة من الطبقة الرابعة، مات سنة سبع وعشرين وقيل: سنة ثلاثين ومائة بعد الهجرة، كذا قاله ابن حجر في (التقريب) (٢) أنه رَأى عبد الله بن عَيّاش بفتح المهملة وتشديد التحتية وسين معجمة، وكان في الطبقة السابعة من طبقات التابعين من أهل مصر كانت في الإِقليم الثالث من الأقاليم السبعة مات سنة سبعين (٣) ابن أبي ربيعة واسمه عمرو بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشي المخزومي، الصحابي ابن الصحابي ولد بالحبشة وحفظ عن النبي ﷺ ، وروى عن

стр. 809

عمر وغيره وأبوه قديم الأسلمي أهدى أي: بعث إلى مكة عامًا أي: سنة من السنين بدَنَتَين؛ إحداهما بُختِيَّة بضم الموحدة وسكون الخاء المعجمة وكسر التاء الفوقية وفتح التحتية المشددة، وهي الأنثى من الجمال، والذكر البختي قال في (المشارق): هي إبل غلاظ لها سنامان، وفي (النهاية): هي جمال طوال الأعناق، وفي رواية نَجِيْبة بفتح النون وكسر الجيم وسكون التحتية وفتح الموحدة مؤنث نجيب، وفي (المشارق): وهو ما اتخذ للسير الرجائل وفي (النهاية) (١): هو القوي من الإِبل الخفيف السريع. كذا قاله الزرقاني (٢). قال محمد: وبهذا أي: بما رواه أبو جعفر القاري نأخذ، أي: نعمل كل هَدْيِ تَطَوُّع عَطِبَ في الطريق أي: قبل أن يصل إلى أرض الحرم صُنِعَ به بصيغة المجهول كما صَنَعَ، أي: ابن عمر وثبت عنه ﷺ وخَلَّى أي: وترك بينه وبين الناس أي: الفقراء ويأكلونه، أي: أو لا يأكلونه؛ فإنه ليس عليه إلزامه في أكله ولا يعجبنا أي: لا يجوز عندنا أن يأكل أي: صاحب الهدي منه أي: من الهدي ولو تطوعًا إلا مَنْ كان محتاجًا إليه أي: مضطر إليه. اعلم أن هدي التطوع إذا بلغ الحرم يجوز لصاحبه وغيره من الأغنياء أن يأكل (ق ٤٤٢) منه، وأما إذا لم يبلغ فلا يجوز لصاحبه أن يأكل منه ولا لغيره من الأغنياء؛ لأن القربة فيه بإزالة الدم في الحرم، وفي غيره بالتصدق كذا قاله علي القاري. * * * ٤٠٨ - أخبرنا مالك، حدثنا نافع، أن عبد الله بن عمر كان يقول: الهَدْي ما قُلِّدَ أو أُشْعِرَ، وأوقف به بعَرَفة. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، وفي نسخة: أنا حدثنا وفي نسخة: قال: نافع، أي: ابن عبد الله المدني مولى ابن عمر، ثقة كذا في (التقريب) (٣) أن ابن عمر كان

стр. 810

يقول: وفي نسخة: عن عبد الله بن عمر أنه قال: الهَدْي أي: الكامل ما قُلِّدَ أو أُشْعِرَ، وأوقف به بعَرَفة فغيره ليس بهدي كامل إن اشتراه بمكة أو منى ولم يخرج به إلى الحل وعليه بدله فإن ساق من الحل استحب وقوفه بعرفات به هذا قول مالك وأصحابه كما في (الاستذكار) (١)، وفي هذا كله أن الإِشعار سنة. وفائدته: الإِعلام بأنها صارت هديًا ليتبعها من يحتاج إلى ذلك وحتى لو اختلطت بغيرها تميزت أو صلت بعرفات أو عطبت عرفها المساكين بالعلامة فأكلوها مع ما في ذلك من تعظيم شعار الشرع وحث الغير عليه. وبذلك قال الجمهور من السلف والخلف، وكرهه أبو حنيفة؛ لأنه مثله، وقد نهى عنها وعن تعذيب الحيوان فكان مشروعًا قبل النهي عن ذلك، وتعقب بأن النسخ لا يصار إليه بالاحتمال بل وقع الإِشعار في حجة الوداع وذلك بعد النهي عن المثلة بزمان قال الخطابي وغيره: الاعتلال بأنه من المثلة مردود بل هو من باب آخر كالكي وشق أذن الحيوان ليصير علامة وغير ذلك من الوسم، وكالختان والحجامة وشفقة الإِنسان على ماله عادةً فلا يتوهم سريان الجرح حتى يفضي إلى الهلاك وقد كثر تشنيع المتقدمين على أبي حنيفة في إطلاق كراهة الإِشعار حتى قال ابن حزم (٢): هذه طامة من طوام العالم أن يكون مثلة شيء فعله رسول الله ﷺ ، إن لكل عقل يتعقب حكمه قال: وهذا قوله لأبي حنيفة لا نعلم له فيها متقدمًا من السلف، ولا موافق من فقهاء عصره إلا من قلده. وكذا قال الخطابي: لا أعلم أحدًا كرهه إلا أبا حنيفة وخالفه صاحباه وقالا بقول الجماعة، وتعقب بأن النخعي وافقه. وقال الترمذي (٣): سمعت أبا السائب يقول: كنا عند وكيع فقال له رجل روى عن إبراهيم النخعي: إن الإِشعار مثلة فقال وكيع: أقول لك: أشعر رسول الله ﷺ ويقول: قال إبراهيم النخعي: ما أحقك أن تحبس وقد انتصر الطحاوي فقال: لم يكره أبو حنيفة أصلًا الإِشعار، وإنما كره ما يفعل على وجه يخاف من هلاك البدن لسراية الجرح لا سيما
следующие страницы →