← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 127713

المهيأ في كشف أسرار الموطأ

عثمان الكماخي

Полный текст (1 812 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

الخزاعي عينا في فتح مكة، وقد جزم أبو الفتح الأزدي وأبو صالح المؤذن بأن عروة تفرد بالرواية عن ناجية الخزاعي، فهذا يدل على أنه غير الأسلمي. انتهى. لكن جزمهما بذلك لا يدل على أن هذا الحديث عنه، وكذا بعثه عينًا في فتح مكة وكون ذويب مع البدن لا دلالة فيه على أنه السائل، فلعل الصواب رواية من قال: إنه الأسلمي ثم قال: إنه اختلف على ابن عباس فطائفة رووا عنه ما يدل على أنه ناجية الأسلمي، وطائفة رووا أن ذويبًا الخزاعي والد قبيعة حدثه، وربما بعث ﷺ أيضًا معه هديًا فسأله كما سأله ناجية انتهى. وقال ابن إسحاق عن بعض أهل العلم عن رجال من أسلم (ت ٤٤٠): إن ناجية بن جندب الأسلمي صاحب هدي رسول الله ﷺ قال أي: صاحب هديه ﷺ له أي: النبي ﷺ كيف بما عَطِبَ أي: قرب إلى الهلاك من الهَدْي؟ أي: على فرض وقوع العطب فقال رسول الله ﷺ : "انحرها بكسر الهمزة وسكون النون وفتح الحاء المهملة وسكون الراء أي: اذبحها (البدنة) من قرب صدرها موضع القلادة وأَلْقِ أي: اغمس قلادتها أو نَعْلَها وكلمة "أو" إما للتنويع وإما للشك في دمها، قال مالك مرة: أمره بذلك ليَعلم أنه هدي فلا يستباح الأعلى الوجه الذي ينبغي تأوله مرة على أنه نهي أن ينتفع منها بشيء حتى لا تحبس قلادتها التقلد بها غيرها وخَلِّ أي: ترك بينها وبين الناس يأكلونها" كذا الرواية بإثبات النون، فهو حال واستئناف زاد مسلم وغيره في حديث ابن عباس منها ولا على أهل رفقتك قال المازري: قيل نهاه عن ذلك حماية أن يساهل فينحره قبل أوانه. قال القرطبي: لأنه لو لم يمنعهم أمكن أن يبادر بنحره قبل أوانه، وهو من المواضع التي وقعت في الشرع وأحملها مالك على سد الذرائع، وهو أصل عظيم لم يظفر فيه غير مالك لدقة نظر. قال عياض: فما عطب من هدي التطوع لا يأكل منه صاحبه ولا سائقه ولا رفقته لنص الحديث وبه قال مالك والجمهور. وقالوا: لا يدل عليه لأنه موضع بيان، ولم يبين ذلك ﷺ بخلاف الهدي الواجب إذا عطب قبل محله، فيأكل منه صاحبه والأغنياء؛ لأن صاحبه يضمنه لتعلقه بذمته، وأجاز الجمهور بيعه، ومنعه مالك فإن بلغ محله لم يأكل من جزاء وفدية ونذر مساكين وأكل مما سوى ذلك على مذهب المشهور وبه قال فقهاء الأمصار وجماعة من السلف كذا قاله الزرقاني (١). * * *

стр. 807

٤٠٦ - أخبرنا مالك، حدثنا عبد الله بن دينار، قال: كنتُ أرَى ابن عمر بن الخطاب يهدي في الحَجّ بَدَنَتَيْنِ بَدَنَتَيْنِ، وفي العُمْرَة بَدَنَة، قال: ورأيته في العُمْرَة ينحر بدنتهُ وهي قائمة، في حرفِ دار خالد بن أَسِيد، وكان فيها منزله، وقال: لقد رأيته طَعَنَ في لَبَّةِ بدنته، حتى خرجت سِنَّةُ الْحَرْبَة من تحت كتفها. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، حدثنا وفي نسخة: بنا عبد الله بن دينار، العدوي مولاهم، يكنى أبا عبد الرحمن المدني مولى ابن عمر، تابعي ثقة كان في الطبقة الرابعة من أهل المدينة مات سنة سبع وعشرين ومائة بعد الهجرة (١) قال: كنتُ أرَى أي: أبصر عبد الله بن عمر بن الخطاب يهدي من الإِهداء أي: يرسل في الحَجّ أي في حال إحرامه به بَدَنَتَيْنِ بَدَنَتَيْنِ، أي: في كل حج، كرر البدنتين لإِفادة عموم التثنية وفي العُمْرَة بَدَنَة، أي: في حال إحرامه بها بدنة واحدة لكل عمرة وهي سنة عند الجمهور والأئمة وقال: أي: ابن دينار ورأيته أي: ابن عمر في العُمْرَة ينحر بدنته بضم الموحدة وسكون الدال المهملة وبه قرأ الجمهور وبضمها وبها قرأ الأعرج رواية عن عاصم، وفي نسخة: بدنته وهي أي: والحال أن البدن أو البدنة قائمة، لاستحباب ذلك في حرِفِ أي: بطن دار خالد بن أَسِيد، بفتح الهمزة وكسر السين المهملة أن أبي العاص بن أمية، وهو أخو عتاب أمير زمانه وجد أمية بن عبد الله بن خالد قال هشام بن الحاسبي: أسلم يوم الفتح وأقام بمكة وكان من المؤلفة قيل: إنه فقد يوم اليمامة وقيل: مات قبل فتح مكة وفي نسخة: في حرف (ق ٤٤١) محرف عن الجرف، وكان فيها أي: والحال كان في دار خالد بن أسيد منزله، أي: موضع النزول كذا في (القاموس) وإن ابن عمر رضي الله تعالى عنه كان ينزلها إذا حج واعتمر والمقصود أنها كانت قريبة من المروة، وهي أفضل بقع الحرم لنحر بدن العمرة وقال: أي: عبد الله بن دينار لقد رأيته وفي (الموطأ): ليحيى ولقد أي: أحلف الله أبصرت ابن عمر، وفائدة القسم تقربه هذا الحكم وهو قوله: طَعَنَ في لَبَّةِ

стр. 808

بدنته، وهي بفتح اللام وتشديد الموحدة المنحر من الصدر موضع القلادة من الإِبل حتى خرجت سِنَّةُ الْحَرْبَة أي: خرجت رأس فعل الرمح القصير من تحت كتفها أي: البدنة من قوة الطعنة. * * * ٤٠٧ - أخبرنا مالك، أخبرنا أبو جعفر القارئ، أنه رَأى عبد الله بن عَيّاش بن أبي ربيعة أهدى عامًا بدَنَتَين؛ إحداهما بُخْتِيَّة. قال محمد: وبهذا نأخذ، كل هَدْيِ تَطَوعُّ عَطِبَ في الطريق صُنِعَ به كما صَنَعَ، وخَلَّى بينه وبين الناس يأكلونه، ولا يعجبنا أن يأكل منه إلا مَنْ كان محتاجًا إليه. • أخبرنا مالك، أي: أنس بن عمير بن أبي عامر الإِمام الأصبحي، يعني منسوب إلى ملك ذي أصبح من ملوك اليمن، كان في الطبقة السابعة من أتباع التابعين، من أهل المدينة، وهي كانت في الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة من وجه الأرض (١) وفي نسخة: محمد قال: ثنا، وأنا أخبرنا وفي نسخة: قال: بنا، وفي أخرى: أنا، أبو جعفر القارئ، أي: المقري وهو شيخ نافع أحد القراء العشرة المدني المخزومي سيدهم يقال له: يزيد بن القعقاع، وقيل: جندب بن ضرورة وقيل: فيروز، ثقة من الطبقة الرابعة، مات سنة سبع وعشرين وقيل: سنة ثلاثين ومائة بعد الهجرة، كذا قاله ابن حجر في (التقريب) (٢) أنه رَأى عبد الله بن عَيّاش بفتح المهملة وتشديد التحتية وسين معجمة، وكان في الطبقة السابعة من طبقات التابعين من أهل مصر كانت في الإِقليم الثالث من الأقاليم السبعة مات سنة سبعين (٣) ابن أبي ربيعة واسمه عمرو بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشي المخزومي، الصحابي ابن الصحابي ولد بالحبشة وحفظ عن النبي ﷺ ، وروى عن

стр. 809

عمر وغيره وأبوه قديم الأسلمي أهدى أي: بعث إلى مكة عامًا أي: سنة من السنين بدَنَتَين؛ إحداهما بُختِيَّة بضم الموحدة وسكون الخاء المعجمة وكسر التاء الفوقية وفتح التحتية المشددة، وهي الأنثى من الجمال، والذكر البختي قال في (المشارق): هي إبل غلاظ لها سنامان، وفي (النهاية): هي جمال طوال الأعناق، وفي رواية نَجِيْبة بفتح النون وكسر الجيم وسكون التحتية وفتح الموحدة مؤنث نجيب، وفي (المشارق): وهو ما اتخذ للسير الرجائل وفي (النهاية) (١): هو القوي من الإِبل الخفيف السريع. كذا قاله الزرقاني (٢). قال محمد: وبهذا أي: بما رواه أبو جعفر القاري نأخذ، أي: نعمل كل هَدْيِ تَطَوُّع عَطِبَ في الطريق أي: قبل أن يصل إلى أرض الحرم صُنِعَ به بصيغة المجهول كما صَنَعَ، أي: ابن عمر وثبت عنه ﷺ وخَلَّى أي: وترك بينه وبين الناس أي: الفقراء ويأكلونه، أي: أو لا يأكلونه؛ فإنه ليس عليه إلزامه في أكله ولا يعجبنا أي: لا يجوز عندنا أن يأكل أي: صاحب الهدي منه أي: من الهدي ولو تطوعًا إلا مَنْ كان محتاجًا إليه أي: مضطر إليه. اعلم أن هدي التطوع إذا بلغ الحرم يجوز لصاحبه وغيره من الأغنياء أن يأكل (ق ٤٤٢) منه، وأما إذا لم يبلغ فلا يجوز لصاحبه أن يأكل منه ولا لغيره من الأغنياء؛ لأن القربة فيه بإزالة الدم في الحرم، وفي غيره بالتصدق كذا قاله علي القاري. * * * ٤٠٨ - أخبرنا مالك، حدثنا نافع، أن عبد الله بن عمر كان يقول: الهَدْي ما قُلِّدَ أو أُشْعِرَ، وأوقف به بعَرَفة. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، وفي نسخة: أنا حدثنا وفي نسخة: قال: نافع، أي: ابن عبد الله المدني مولى ابن عمر، ثقة كذا في (التقريب) (٣) أن ابن عمر كان

стр. 810

يقول: وفي نسخة: عن عبد الله بن عمر أنه قال: الهَدْي أي: الكامل ما قُلِّدَ أو أُشْعِرَ، وأوقف به بعَرَفة فغيره ليس بهدي كامل إن اشتراه بمكة أو منى ولم يخرج به إلى الحل وعليه بدله فإن ساق من الحل استحب وقوفه بعرفات به هذا قول مالك وأصحابه كما في (الاستذكار) (١)، وفي هذا كله أن الإِشعار سنة. وفائدته: الإِعلام بأنها صارت هديًا ليتبعها من يحتاج إلى ذلك وحتى لو اختلطت بغيرها تميزت أو صلت بعرفات أو عطبت عرفها المساكين بالعلامة فأكلوها مع ما في ذلك من تعظيم شعار الشرع وحث الغير عليه. وبذلك قال الجمهور من السلف والخلف، وكرهه أبو حنيفة؛ لأنه مثله، وقد نهى عنها وعن تعذيب الحيوان فكان مشروعًا قبل النهي عن ذلك، وتعقب بأن النسخ لا يصار إليه بالاحتمال بل وقع الإِشعار في حجة الوداع وذلك بعد النهي عن المثلة بزمان قال الخطابي وغيره: الاعتلال بأنه من المثلة مردود بل هو من باب آخر كالكي وشق أذن الحيوان ليصير علامة وغير ذلك من الوسم، وكالختان والحجامة وشفقة الإِنسان على ماله عادةً فلا يتوهم سريان الجرح حتى يفضي إلى الهلاك وقد كثر تشنيع المتقدمين على أبي حنيفة في إطلاق كراهة الإِشعار حتى قال ابن حزم (٢): هذه طامة من طوام العالم أن يكون مثلة شيء فعله رسول الله ﷺ ، إن لكل عقل يتعقب حكمه قال: وهذا قوله لأبي حنيفة لا نعلم له فيها متقدمًا من السلف، ولا موافق من فقهاء عصره إلا من قلده. وكذا قال الخطابي: لا أعلم أحدًا كرهه إلا أبا حنيفة وخالفه صاحباه وقالا بقول الجماعة، وتعقب بأن النخعي وافقه. وقال الترمذي (٣): سمعت أبا السائب يقول: كنا عند وكيع فقال له رجل روى عن إبراهيم النخعي: إن الإِشعار مثلة فقال وكيع: أقول لك: أشعر رسول الله ﷺ ويقول: قال إبراهيم النخعي: ما أحقك أن تحبس وقد انتصر الطحاوي فقال: لم يكره أبو حنيفة أصلًا الإِشعار، وإنما كره ما يفعل على وجه يخاف من هلاك البدن لسراية الجرح لا سيما

стр. 811

مع الطعن بالشفرة، فأراد سد باب عن العامة؛ لأنهم لا يراعون الحد في ذلك، وأما من كان عالمًا بالسنة في ذلك فلا، وقد ثبت عن عائشة وابن عباس ﵄ التخيير في الإِشعار وتركه كذا قاله الزرقاني (١). * * * ٤٠٩ - أخبرنا مالك، حدثنا نافع، عن عبد الله بن عمر، أنَّه قال: مَنْ نَذَرَ بَدْنَة فإنَّه يقلِّدها نَعْلًا ويُشْعِرها، ثم يسوقها فينحرها عند البيت، أو بمنى يوم النحر، ليس له محِلّ دون ذلك، ومَنْ نَذَرَ جزُورًا من الإِبل أو البقر، فإِنَّه ينحرها حيث شاء. قال محمد: هذا قول ابن عمر، وقد جاء عن النبيّ ﷺ وعن غيره من أصحابه: أنهم رَخصوا في نحر البدنَة حيث شاءَ، وقال بعضهم: الهَدْي بمكة؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥]، ولم يقل ذلك في البدنة، فالبدنة حيث شاءَ إلا أن ينوي الْحَرَم فلا ينحرها إلا فيه، وهو قولُ أبي حنيفة، وإبراهيم النَّخَعِيّ، ومالك بن أنس. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قالى: ثنا، وفي نسخة: أنا، حدثنا وفي (ق ٤٤٣) نسخة: قال: بنا، نافع بن عبد الله المدني مولى ابن عمر، ثقة ثبت فقيه مشهور من الطبقة الثالثة مات سنة سبع عشرة ومائة أو بعد ذلك كذا قاله ابن حجر (٢) عن ابن عمر، أنَّه قال: مَنْ نَذَرَ بَدْنَة أي: من إبل أو بقرة فإنَّه يقلِّدها نَعْلًا أي: بطريقة الاستحباب وفي (الموطأ) لمالك: نعلين أن يجعلها في أعناقها علامة ويُشْعِرها، أي: يشق في سنامها ثم يسوقها أي: يذهب وراءها فينحرها عند البيت، أي: بمكة مطلقًا أو بمنىً يوم النحر، أي: أحد أيامه واليوم الأول أفضل ليس له أي: لمن نذر بدنه محِلّ بفتح الميم وكسر الحاء المهملة

стр. 812

واللام المشددة وهو موضع يذبح فيه الأضحية كما قال تعالى في سورة البقرة: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦] كذا قاله محمد الواني في (ترجمة الجوهري)، وفي نسخة: يحل محرفا أي ليس لصاحب الهدي المنذور موضع يحل له أن ينحره فيه دون ذلك، أي: غير مكة أو منى، وإنما إشارة إلى مكة يكلمه ذلك وضعت للمشار إليه في مكان بعيد إشعارًا لشرفها وشرف الهدي الذي ينحر فيها وأي شيء كان شرفه أعظم من شرف الهدي فإنه قربة يقرب صاحبه إلى رحمة رب العالمين أو لبعدها عن أيدي المشركين إلى يوم القيامة كما قال تعالى في سورة التوبة: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨] ومَنْ نَذَرَ بأن يقول: إن أوصلني الله إلى مقصودي فعلي أن أنحر جزُورًا بفتح الجيم وضم الزاي، وهو الإِبل خاصةً، يقع على الذكر والأنثى كذا في (المصباح) في اللغة فقوله: من الإِبل أو البقر، بعميم باعتبار الإِطلاق العرفي للتنويع فإنَّه أي: الناذر ينحرها أي: الجذور وإن أردت ذكرًا كذا في (النهاية) حيث شاء أي: في أي مكان؛ لأنه أراد إطعام لحمة مساكين، موضعه أو ما نوى من المواضع وكان ابن عمر ﵄ فرق بين نذر البدنة ونذر الجزور الأول خاص بالحرم والثاني أعم - والله أعلم - ولعل سبب ذلك قوله: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ الآية [الحج: ٣٦]. قال محمد: هو أي: ما ذكر قول ابنِ عمر، أي: مختارة أو هو منفرد به وقد جاء عن النبيّ ﷺ وعن غيره من أصحابه: أنهم رخصوا في نحر البدنَة يعني أيضًا حيث شاءَ، أي: الناذر وقال بعضهم: الهَدْي بمكة يعني إذا نذر هديًا مخصوصِ بمكة وما حولها من الحرم المحترم؛ لأن الله تعالى يقول في سورة المائدة: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥]، ولم يقل ذلك في البدنة، فالبدنة أي: نحرها حيث شاءَ أي: عند أخلاقها إلا أن ينوي الْحَرَم فلا ينحرها إلا فيه، وهو قولُ أبي حنيفة، وإبراهيم النَّخَعِيّ، ومالك بن أنس رحمهم الله تعالى. * * * ٤١٠ - أخبرنا مالك، أخبرني عمرو بن عُبَيْد الأنصاريّ، أنه سأل سعيد بن المسيَّب، عن بَدَنَة جعلَتْها امرأتُه عليها، قال: فقال سعيد: البدن من

стр. 813

الإِبل، ومَحِلّ البدن البيت العتيق، إلا أن تكون سمَّتْ مكانًا من الأرض، فلتنحرها حيث سمَّت، فإن لم تجد بدنة فبقرة، فإن لم تكن بقرة فعشر من الغنم، قال: ثم سألتُ سالم بن عبد الله فقال مثل ما قال سعيد بن المسيّب، غير أنه قال: إن لم تجد بقرة فسبع من الغنم، قال: ثم جئتُ خَارِجَة بن زيد بن ثابت، فسألته، فقال مثل ما قال سالم، قال: ثم جئتُ عبد الله بن محمد بن علي، فقال مثل ما قال سالم بن عبد الله. قال محمد: البدن من الإِبل والبقر، ولها أن تنحرها حيث شاءَت، إلا أن تنوي الحرم، فلا تنحرها إلا في الحرم، ويكون هديًا، والبدنة من الإِبل والبقر تجزئ عن سبعة، ولا تجزئ عن أكثر من ذلك، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامةِ من فقهائنا. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، أخبرني بالإِفراد، وفي نسخة: قال: أخبرني عمرو بن عُبَيْد الله بالتصغير، وهو ابن كعب (ق ٤٤٤) بن مالك الأنصاريّ، المدني ثقة كان في الطبقة السادسة (١) أنه أي: عمرو بن عبيد الله سأل سعيد بن المسيَّب بن حزن بن أبي وهب بن عامر بن عمران بن مخزوم القرشي المخزومي كان واحدًا من العلماء الأثبات لفقهاء كبار التابعين، وكان من الطبقة الأولى من أهل المدينة، مات بعد التسعين من الهجرة كذا قاله ابن حجر (٢) وابن الجوزي في طبقاتهما عن بَدَنَة جعلَتْها امرأتُه أي: عمرو بن عبيد الله عليها، أي: ألزمتها على نفسها بأن نذرتها فقال سعيد: البدن من الإِبل، أي: دون البقر وهو موافق الشافعي في هذا ومَحِلّ البدن بفتح الميم وكسر الحاء المهملة واللام المشددة أي: موضع ذبحها الذي يحل وضع الظاهر موضع الضمير للتعظيم لها والمبالغة في البيان البيت العتيق، أي: القديم وهو الكعبة المكرمة، وسمي عتيقًا؛ لأنه أول بيت وضع للناس وجعل متعبدًا لهم والواضع هو الله تعالى. قال عبد الله بن عمر ومجاهد وقتادة والسدي: خلق زبدة بيضاء على الماء الذي صار

стр. 814

من جوهر خلقه الله تعالى بقدرته من العدم فنظر إليه بنظر عظمته فصار ماء قدحت الأرض من تحته ثم الملائكة بنوا أصل البيت العتيق على الأرض قبل آدم صلوات الله على نبينا وعليه بألفي عام فيحجونه ويطوفون حوله إلى أن يهبط آدم من الجنة ثم أمر آدم بأن يبنيه ويطوف حوله، ثم عمره إبراهيم صلوات الله على نبينا وعليه، ثم عمره قوم من جرهم ثم العمالقة ثم قريش ثم الحجاج بن يوسف، وقال بعض المفسرين: سمي البيت عتيقًا؛ لأنه عتق من القتل والبغي والجراحات وغير ذلك في الجاهلية. قال أبو حنيفة ﵀: من لزمه القتل بردة أو قصاص أو غيرهما فدخل البيت العتيق لم يتعرض له ولكن لم يعط طعامًا ولا شرابًا حتى يخرج منه فيقتل، وقال بعضهم: سمي عتيقًا؛ لأنه عتق من الغرق يوم الطوفان في زمن نوح صلوات الله على نبينا وعليه. وقال بعضهم: سمي عتيقًا؛ لأنه عتق من الجبابرة المتسلطة، ولا يشكل بتسلط الحجاج عليه؛ لأن ابن الزبير تحصن بالبيت فاحتال لإخراجه ولم يكن قصده التسلط عليه كما قال في (عيون التفاسير) إلا أن تكون أي: المرأة سمَّتْ أي: عينت أو نوت مكانًا من الأرض، أي: غير الحرم فلتنحرها حيث سمَّت، أي: عينت فإن لم تجد بدنة فبقرة، أي: فإنها تقوم مقامه فإن لم تكن أي: إن لم تجد المرأة بقرة فعشر وفي نسخة: فعشرة أي: يقوم عشرة من الغنم، مقام إبل واحد، وكان القياس أن يقول: فسبعة من الغنم، لأن البدنة تجزئ عن سبعة رجال وكذا البقرة، والشاة عن واحد بالاتفاق وقال إسحاق بن راهويه: البقرة عن عشرة فالبدنة بالأولى عنده (ق ٤٤٥) قال: أي: عمرو بن عبيد الله ثم جئت سالم بن عبد الله فسألته أي: ابن عبد الله بن عمر بن الخطاب القرشي العدوي، ويكنى أبا عمر وأبا عبد الله المدني، أحد الفقهاء السبعة وكان ثبتًا عابدًا فاضلًا وكان يشبَّه بأبيه في الهدي والسمت، وكان من كبار التابعين، ومن الطبقة الثانية مات في آخر سنة ستة بعد المائة على الصحيح كذا في (التقريب) (١) يعني: قال عمرو بن عبيد الله: سألت سالم بن عبد الله عن المسألة بعينها فقال أي: سالم مثل ما قال سعيد بن المسّيب، غير أنه أي: لكن سالم بن عبد الله قال: إن لم تجد بقرة فسبع من الغنم، أي: يكفيه قال: أي: عمر ثم جئتُ خَارِجَة بن زيد بن ثابت، الأنصاري يكنى أبا زيد المدني، ثقة فقيه من الفقهاء

стр. 815

السبعة أيضًا كان في الطبقة الثالثة مات سنة مائة، وقيل: قبلها ومن الهجرة كذا قاله ابن حجر (١) فسألته، أي: خارجة بن زيد فقال مثل ما قال سالم، قال: أي: عمر ثم جئتُ عبد الله بن محمد بن علي، أي: ابن أبي طالب وهو ابن الحنفية كان محمد بن علي من الطبقة الأولى من أهل المدينة (٢) قال أبو عبد الله بن محمد بن علي بن أبي طالب: ليس بحاكم من لم يعاشر المعروف من لم يجد من معاشرته بدًا حتى يجعل الله له مخرجًا، وقال: من كرب عليه نفسه لم يكن للدنيا عنده قدر، وقال: إن الله تعالى جعل الجنة ثمنًا لأنفسهم بقوله في سورة التوبة: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة: ١١١] فلا تبيعوها بغيرها، وقال: كل ما يبتغي فيه وجه الله تعالى اضحمل، كتب ملك الروم إلى عبد الملك بن مروان يهدد ويوعد ويحلف له ليحملن إليه مائة ألف في البر ومائة ألف في البحر، فكتب إلى الحجاج أن اكتب لابن الحنفية وتهدده وتوعده، ثم أعلمني ما يرد عليك، فكتب إليه كتابًا شديدًا يتوعده بالقتل، فكتب إليه أبو عبد الله بن الحنفية: إن لله تعالى ثلاث مائة وستين نظرة إلى خلقه، وأنا أرجو أن ينظر إلي نظرة يمنعني بها منك، فبعث الحجاج به إلى عبد الملك بن مروان فكتب نسخته إلى ملك الروم فقال: ما خرج هذا منك ولا أنت كتبته، ولا خرج إلا من نبوة كذا قاله ابن الجوزي في طبقاته فقال أي: عبد الله بن محمد مثل ما قال سالم بن عبد الله. قال محمد: أي: ابن الحسن الشيباني البدن من الإِبل والبقر، أي: من كليهما في مذهبنا ولها أي: للمرأة الناذرة المذكورة أن تنحرها أي: البدن حيث شاءَت، أي: إذا طلقت وما قيدت إلا أن تنوي الحرم، أي: إن قصدت بقلبها وتلفظت بلسانها فلا تنحرها أي: حينئذ إلا في الحرم، ويكون أي: البدن هديًا، أي: تصير بالنية هديًا وبدونها يكون نذرًا مطلقًا والبدنة من الإِبل والبقر تجزئ أي: تكفي عن سبعة أي: يجوز أن يشارك سبعة رجال في بدنة كما في الأضحية بشرط إرادة الكل قربة، وإن اختلف أجناس القربة كالأضحية والقران والتمتع والعقيقة، ولو كان الكل من جنس واحد لكان (ق ٤٤٦)

стр. 816

أحب. كذا في (سلم الفلاح) ولا تجزئ أي: تكفي بدنة عن أكثر من ذلك، أن من سبعة رجال كما سبق عن سعيد بن المسيب وابن راهويه وتجزئ عن أقل من سبعة بالأولى وهو قولُ أبي حنيفة، والعامةِ من فقهائنا أي: من العلماء الحنفية ﵏. لما فرغ من بيان حكم حال الرجال ساق إلى مكة هديًا فعطب هديه في الطريق، شرع في بيان حكم حال الرجل يسوق بدنة فيحتاج إلى ركوبها، فقال: هذا * * * باب الرجل يسوق بدنة فيضطر إلى ركوبها في بيان حكم حال الرجل يسوق بدنة أي: يجعلها قدامه ويمشي خلفها فيضطر أي: يحتاج إلى ركوبها بأن عجز عن المشي ولم يجد مركوبًا غيرها. ٤١١ - أخبرنا مالك، أخبرنا هشام بن عُرْوَةَ، عن أبيه، أنه قال: إذا اضْطُرِرْتَ إلى ركوب بدنتك فاركبها ركوبًا غير فَادح. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي نسخة أخرى: أنا رمزًا إلى أخبرنا، أخبرنا وفي نسخة: بنا، أو أنا هشام بن عُرْوَةَ، أي: ابن الزبير بن العوام بن خويلد الأسدي المدني يكنى أبا عبد الله المدني، ثقة فقيه كان من الطبقة الثانية، مات سنة أربع وتسعين على الصحيح كذا قاله ابن حجر في (التقريب) (١) أنه أي: عروة بن الزبير قال: إذا اضْطُرِرتَ إلى ركوب بدنتك فاركبها ركوبًا غير فَادح بالفاء والدال المهملة أي: غير مثقل ومؤلم صعب عليها لقوله ﷺ : "اركبها بالمعروف إذا ألجئت إلى ظهرها" (٢) فهذا الحديث موقوف ظاهرًا أو مرفوعًا حكمًا، وما بعده مرفوع ظاهرًا وتمام الحديث: "وإذا

стр. 817

اضطررت إلى لبنها فاشرب بعد ما يروى فصيله" أي: ولدها كذا في (الموطأ) لمالك برواية يحيى بن يحيى الليثي، وكرهه مالك في حال الاختيار ولو فضل ربي فصيلها؛ لأنه نوع من الرجوع في الصدقة، وليتصدق بما فضل، ومحل الكراهة حيث لا ضرر وإلا عزم إن أضرها أو فصيلها بشربه أرش النقص والبدل إن حصل تلف. كذا قاله الزرقاني (١). * * * ٤١٢ - أخبرنا مالك، أخبرنا أبو الزِّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ مرَّ على رجل يسوق بدنة، فقال: "اركبها"، فقال: إنها بدنة، فقال له - بعد مرتين -: "اركبها ويلك". • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، أخبرنا أبو الزِّناد، وهو عبد الله بن ذكوان القرشي المدني ثقة فقيه، من الطبقة الخامسة من طبقات التابعين، مات سنة ثلاثين ومائة، وقيل بعدها كذا في (التقريب) (٢) عن الأعرج، اسمه عبد الرحمن بن هرمز، ويكني أبا داود المدني مولى ربيعة بن الحارث، ثقة ثبت عالم من الطبقة الثالثة مات سنة سبع عشرة ومائة من الهجرة كذا قاله ابن حجر (٣) عن أبي هريرة، ﵁ أن النبي ﷺ مرَّ على رجل قال الحافظ: لم أقف على اسمه بعد طول البحث (٤) يسوق بدنة، وهو عاجز في مشيه، زاد مسلم من طريق المغيرة عن أبي الزناد: ومقلده، والبخاري من وجه آخر: مقلده نقلًا، والبدنة يقع على الجمل والناقة والبقر وكثر استعمالها فيما كان هديًا، وفي البخاري قال مجاهد: سميت البدنة ببدنها بفتح الموحدة أو المهملة للأكثر وبضمها وسكون

стр. 818

الدال، وفي رواية: لبدانتها أي: لسمنيتها، ولعبد بن حميد عن مجاهد: إنما سميت البدن من قبل السمانة فقال له: "اركبها"، لضرورتك ففي رواية: أنه رأى رجلًا يسوق (ق ٤٤٧) بدنة وقد أجهد فقال: اركبها فقال: أي: الرجل إنها بدنة، أي: هدي فقال ﷺ له بعد مرتين أي بعد اعتزاره إنها بدنة "اركبها ويلك" أي: ويحك كما في طريق ابن عجلان عن أبي هريرة قال: "اركبها ويحك"، وهو بفتح الواو وسكون التحتية والحاء المهملة كلمة رحمة تستعمل في مقام الترحم كذا قاله محمد الواني، وزاد البخاري من رواية عكرمة عن أبي هريرة ﵁: فلقد رأيته ساير النبي ﷺ والنعل في عنقها، وهذه الطرق دالة على أنه أطلق البدنة على الواحدة من الإِبل المهداة إلى البيت إذ لو كان المراد مدلولها اللغوي لم يحسن الجواب بأنها بدنة؛ لأن كونها من الإِبل معلوم، فالظاهر أن الرجل ظن أنه خفي عليه كونها هديًا فقال: إنها بدنة، والحق أن ذلك لم يخف على النبي ﷺ ؛ لأنها كانت مقلدة؛ ولذا قال لما زاد في مراجعته: ويلك تأديبًا لمراجعته مع عدم خفاء الحال عليه وبه جزم ابن عبد البر وابن العربي وبالغ فقال: الويل لمن راجع في ذلك بعد هذا ولولا أنه ﷺ اشترط ربه ما اشترط لهلك الرجل لا محالة قال القرطبي: ويحتمل أنه فهم منه ترك ركوبها على عادة الجاهلية في السائبة وغيرها، فزجره عن ذلك على الحالتين فهي دعاء ورجحه عياض وغيره. قالوا: الأمر هنا وإن قلنا: إنه للإِرشاد لكنه استحق الذم لتوقفه عن امتثال الأمر والذي يظهر أنه ما ترك الامتثال عنادًا، ويحتمل أنه ظن يلزم عزم بركوبها وآثم، وإن الإِذن بركوبها إنما هو للشفقة عليه، فلما أغلظ له بادر إلى الامتثال، وقيل: لأنه أشرف على هلكه من الجهد وويل يقال لمن وقع في هلكه، فالمعنى أشرفت على الهلكة فاركب فولي هذا إخبار، وقيل: هي كلمة تزعم بها العرب كلامها ولا تقصد معناها كقولهم: لا أم لك، ويقويه ما تقدم في بعض الروايات بلفظ ويحك بدل ويلك، فإنه يقال: ويلك لمن وقع في هلكة يستحقها، وويح لمن وقع في هلكة: لا يستحقها. وفي الحديث تكرير الفتوى والندب إلى المبادرة إلى امتثال الأمر، وزجر من لم يبادر وتوبيخه، وجواز مسايرة الكبار في السفر، وإن الكبير إذا رأى مصلحة للصغير لا يأنف عن إرشاده إليها. كذا قاله الزرقاني (١). * * *

стр. 819

٤١٣ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع أن عبد الله بن عمر كان يقول: إذا نُتِجت البدنة فليحمل ولدها معها حتى ينحر معها، فإن لم يجد له محمَلًا فليحمله على أمه، حتى يُنحر معها. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي نسخة أخرى: أنا أخبرنا وفي نسخة: عن نافع بن عبد الله المدني مولى ابن عمر، ثقة ثبت فقيه مشهور، من الطبقة الثالثة مات سنة سبع عشرة ومائة أو بعد ذلك (١) أن عبد الله بن عمر كان يقول: إذا نُتِجت بضم النون وكسر التاء الفوقية وفتح الجيم أي ولدت البدنة وفي نسخة: البدن فليحمل أي: صاحب البدنة ولدها أي: على غيرهما معها حتى ينحر معها، فإن لم يجد له أي: للولد محمَلًا بكسر الميم الأولى وسكون الحاء المهملة وفتح الميم الثانية أي: ما يحمل عليه فليحمله أي: صاحب البدنة على أمه، حتى ينحر على صيغة المجهول أي: إلى غاية يذبح الولد وفي نسخة: لينحر بدل "حتى" معها وليحيى: فإن لم يوجد له محل حمل على أمه. * * * ٤١٤ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، أن ابن عمر - أو عمر - شك محمدٌ: كان يقول: من أهدى بدنة فضلَّت أو ماتت، فإن كانت نذرًا أبدلها، وإن كانت تطوعًا، فإن شاءَ أبدلها وإن شاء تركها. قال محمد: وبهذا نأخذ، ومَنْ اضطر إلى ركوب بدنته فليركبها، فإن نَقَصها ذلك شيئًا تَصَدَّقَ بما نقصها، وهو قولُ أبي حنيفة. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، أخبرنا وفي نسخة: قال: بنا، رمزًا إلى أخبرنا نافع، أي: ابن عبد الله المدني مولى ابن عمر أن ابن عمر (أو عمر) شك محمدٌ: أراد المصنف إخبارًا عما وقع في نفسه من الشك ترغيبًا للطالبين أن يخبروا عما هو الواقع في أنفسهم من الشك أو اليقين، (ق ٤٤٨) وهو (أي الشك) أن يساوي الأمرين عند المتكلم لا يرجع أحدهما

стр. 820

على الآخر وكان أي: أحدهما يقول: من أهدى أي: بعث بدنة أي: مثلًا فضلَّت أي: ضاعت أو ماتت، أي: قبل بلوغها محل النحر فإن كانت نذرًا أي: واجبًا أخر أبدلها، أي: بمثلها؛ لأنها تعلقت بالذمة وإن كانت تطوعًا، أي: نفلًا فإن شاءَ أبدلها وإن شاء تركها أي لم يبدلها والأولى أولى كما لا يخفى. قال محمد: وبهذا نأخذ، أي: نعمل ومَنْ اضطر بصيغة المجهول أي: من الحق حال ضرورته إلى ركوب بدنته فليركبها، أي: ترفقًا معها فإن نَقَصها ذلك أي: ركوبها أو حمل متاع عليها شيئًا أي: من نقص بدنها تَصَدَّقَ بما نقصها، أي: بقيمة نقصها وهو قولُ أبي حنيفة رحمه الله تعالى. لما فرغ من بيان حكم حال الرجل يسوق بدنة فيضطر إلى ركوبها، شرع في بيان جناية المحرم، فقال: هذا * * * باب المحرم يقتل قملة أو نحوها أو ينتف شعرًا في بيان حكم حال الحرم أي: الذي أحرم للحج أو العمرة يقتل قملة بفتح القاف وسكون الميم واحد القمل أو غيرها أي: يقتل المحرم غير القملة من إلقائها على الأرض أو من قتل الصيد بغير ضرورة قتلها أو بنتف شعرًا أو غيره من ستر رأسه أو لبس ثياب المخيطة. ٤١٥ - أخبرنا مالك، عن نافع، قال: المحرم لا يصلح له أن يَنْتِفَ من شعره شيئًا، ولا يحلقه ولا يُقَصِّره، إلا أن يصيبه أذىً من رأسه، فعليه فِدْيَة كما أمره الله تعالى، ولا يحل له أن يقلم أظفاره، ولا يقتل قملة، ولا يطرحها من رأسه إلى الأرض، ولا من جلده، ولا من ثوبه، ولا يقتل الصيد، ولا يأمر به، ولا يدل عليه. قال محمد: وبهذا نأخذ، وهو قولُ أبي حنيفة. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي نسخة أخرى: أنا عن نافع، أي:

стр. 821

ابن عبد الله المدني مولى ابن عمر، ثقة ثبت فقيه مشهور، من الطبقة الثالثة مات سنة سبع عشرة ومائة أو بعد ذلك من الهجرة قال: المحرم لا يصلح له أي: لا يحل له أن يَنْتِفَ أي: أن يقلع وكذا أن يقطع من شعره شيئًا، أي: مطلقًا ولا يحلقه أي: لا يحل للمحرم أن يزيله بموس ولا يُقَصِّره، أي: بمقرض أو بتنورة إلا أن يصيبه أذىً من رأسه، أي: إن أصاب المحرم أذى من شعر رأسه فعليه فِدْيَة أي: يجب عليه فدية إذا أزال الأذى من رأسه كما أمره الله تعالى، فيِ سورة البقرة: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ الآية [البقرة: ١٩٦] ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ الآية فالصيام مفسر بثلاثة أيام والصدقة بالطعام ستة مساكين كل مسكين نصف صاع من بر أو صاع من شعير والنسك بأدنى ما يطلق عليه الهدي من غنم أو بقر أو إبل وللتخير، وهذا عند العذر كما تقرر، وأما عند عدمه فيجب عليه دم متحتم مع الإِثم ولا يحل له أي: للمحرم أن يقلم أظفاره، أي: لا ينبغي للمحرم أن يقص أظفار يديه أو رجليه في مجلس واحد ويد ورجل في مجلس واحد، فإن الكل إذا كان في مجلس واحد لا يزاد على دم واحد؛ لأن الجناية من نوع واحد، وإن كان في مجالس تجب أربعة دماء إن قلم في كل مجلس يدًا أو رجلًا؛ لأن الغالب باتحاد المجلس كما في آية السجدة وإن قص يدًا ورجلًا منه فعليه دم أقسامه للربع مقام الكل كما في الحال كذا في (الدرر) ولا يقتل قملة، ولا يطرحها من رأسه إلى الأرض، ولا من جلده، ولا من ثوبه، أي: وإن فعلها وطرحها من رأسه وجلده وثوبه تصدق بما شاء كجرادة، وعن أبي يوسف في القملة يتصدق بكف، وعن محمد بكسرة من خبز كذا في الاختيار، وفي الكثير من القمل يجب (ق ٤٤٩) نصف صاع والكثير وهو الزائد على الثلاثة ولا يقتل أي: المحرم الصيد، أي: صيد البر، وأما صيد البحر محللًا للمحرم سواء كان مأكولًا أو لا هو الصحيح ولا يأمر به، أي: يقتل الصيد ولا يأخذه ولا يدل عليه أي: لا يشير المحرم على الصيد إلى قاتله وإن دل عليه سهوًا أو عمدًا فيلزم عليه قيمة الصيد بتقويم عدلين في موضع قتله إن كان له قيمة فيه كبلد أو أقرب موضع منه إن لم يكن فيه قيمة بأن يكون في الصحراء لا يباع فيه الصيد فلا بد من اعتبار الزمان والمكان في القيمة على الأصح كذا أغراه صاحب مجمع الأنهر إلى المحيط. قال محمد: وبهذا أي: بقول نافع ابن عبد الله المدني نأخذ، أي: نعمل وهو أي: قول نافع المدني قولُ أبي حنيفة رحمه الله تعالى.

стр. 822

لما فرغ من بيان المحرم يقتل قملة أو غيرها وبيان ما لزمه عليه، شرع في بيان حكم حجامة المحرم، فقال: هذا * * * باب الحجامة للمحرم في بيان حكم الحجامة بكسر الحاء المهملة الاحتجام، سميت بذلك لما في المص قال في الحجام: المصاص للمحرم زاد في رواية علقها البخاري (١): "من شقيقة كانت به" وهي نوع من الصداع يعرض في مقدم الرأس وإلى أحد جانبيه انتهى. ٤١٦ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، أن عبد الله بن عمر كان يقول: لا يحتجم المُحْرِم إلا أن يُضْطَرَّ إليه، مما لا بد له منه. قال محمد: لا بأس من أن يحتجم المحرم، ولكن لا يحلق شعرًا. بلغنا عن النبي ﷺ أنه احتجم وهو صائم محرم، فبهذا نأخذ، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي نسخة أخرى: أنا، أخبرنا وفي نسخة: قال: بنا، نافع بن عبد الله المدني مولى ابن عمر ثقة ثبت فقيه مشهور من الطبقة الثالثة مات سنة سبع عشرة ومائة أو بعد ذلك من الهجرة (٢) أن عبد الله بن عمر كان يقول: لا يحتجم المُحْرِم إلا أن يُضْطَرَّ إليه، أي: إلى الاحتجام مما أي: من أمر لا بد له منه كذا في نسخة: أي: مما لا فراق عنه ولا علاج فيه إلا الحجامة؛ لأنه ﷺ لم يحتجم إلا لضرورة فإن احتجم لغير ضرورة حرمت، لأنه لزم منها قلع الشعر فإن كان في موضع لا شعر فيه فأجازها الجمهور ولا فدية، وأوجبها الحسن البصري وكرهها ابن عمر وبه قال مالك: لا يحتجم المحرم إلا من ضرورة، ولا يكره؛ لأنها قد تؤدى إلى ضعفه، كما كره

стр. 823

صوم يوم عرفة للحجاج مع أن الصوم أخف من الحجامة، فبطل استدلال المجيز بأنه لم يقم دليل على تحريم إخراج الدم في الإِحرام، لأنا لم نقل بالحرمة بل بالكراهة لعلة أخرى قد علمت. قال محمد: لا بأس من أن يحتجم المحرم؛ لأن إخراج الدم لا يضر الإِحرام اتفاقًا؛ ولذا يجوز له القصد إجماعًا ولكن لا يحلق وفي نسخة: لا يحلقن شعرًا أي: وإن حلق بعذر فعليه الفدية المتقدمة من قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦] والمراد بالصدقة نصف صاع من بر أو صاع من شعير، وإن حلق المحرم رأسه بغير عذر فعليه الدم، وإن لم يكن في موضع الحجامة شعر فلا بأس بها. بلغنا عن النبي ﷺ أنه احتجم وهو صائم محرم، أي: فوق رأسه، وفي رواية الصحيحين: وسط رأسه في حجة الوداع، كما جزم به الحازمي وغيره، وقد تقدم حلق المحجم موجب للدم في قول أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمد: الواجب في حلق المحاجم الصدقة؛ لأنه صح أنه ﷺ احتجم وهو محرم (١) ولو كان حلق المحاجم يوجب الدم لما باشره ﷺ . وأجيب عنه بأنه يحتمل أنه ﷺ (ق ٤٥٠) احتجم في موضع لا شعر فيه أو احتجم بعذر؛ لأنه ﷺ لا يفعل ما يوجب الصدقة، كما لا يفعل ما يوجب الدم كذا قاله علي القاري فبهذا أي بقول ابن عمر نأخذ، أي: نعمل وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا أي: الحنفيين ولأبي داود والنسائي والحاكم عن أنس ﵁: أن النبي ﷺ احتجم وهو محرم على ظهر القدم من وجع كان به (٢) ولفظ الحاكم: "على القدمين"

стр. 824

وقال: صحيح على شرطهما، وهذا يبين لعددها منه ﷺ في الإِحرام، ويحتمل أنهما في إحرام واحد وأن الثاني في عمرة، والأولى في حجة الوداع، وفيه الحجامة في الرأس وغيره للعذر وهو إجماع عليه، ولو أدت إلى قلع الشعر لكن يفدي إذا قلع لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ﴾ الآية [البقرة: ١٩٦] وفيه مشروعية التداوي واستعمال الطيب والتداوي بالحجامة، وفي الحديث: "إن أنفع ما تداويتم به الحجامة والقسط البحري"، وفيه أيضًا: "إن كان الشفاء في شيء ففي شرطة محجم أو شربة عسل أو كي وأنهي أمتي عن الكي". كذا قاله الزرقاني (١). لما فرغ من بيان حكم الحجامة للمحرم، شرع في بيان حكم غطاء المحرم وجهه، فقال: هذا * * * باب المحرم يغطي وجهه في بيان حكم حال المحرم يغطي أي: يلقي على وجهه سترة أي: لا يجوز تغطية المحرم وجهه عندنا وبه قال مالك، خلافًا للشافعي وأحمد لما رواه الشافعي (٢) من حديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال للذي وقص: "خمروا وجهه" أي: غطوه "ولا تخمروا رأسه" ولنا ما رواه مسلم والنسائي وابن ماجه عن ابن عباس ﵄ أن رجلًا أوقصته أي: رمته على ظهرها راحلته وهو محرم فمات فقال رسول الله ﷺ : "اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبيه ولا تمسوه طيبًا ولا تخمروا رأسه، ولا وجهه؛ فإنه

стр. 825

يبعث يوم القيامة ملبيًا" (١). قال ابن الهمام: أفاد الحديث أن للإِحرام أثرًا من تغطية الرأس والوجه بدليل آخر. ٤١٧ - أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الله بن أبي بكر، أن عبد الله بن ربيعة أخبره، قال: رأيتُ عثمان بن عفَّان بالْعَرْج وهو محرم، في يوم صائف، قد غَطَّى وجهه بقطيفة أُرْجُوَان، ثم أُتِيَ بلحم صَيْدٍ، فقال: كلوا، فقالوا: ألا تأكُلُ، فقال: لستُ كهيئتكم، إنما صِيد من أجلي. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي نسخة أخرى: أنا أخبرنا وفي نسخة: بنا، وفي أخرى: أنا عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري المدني القاضي، ثقة من الطبقة الخامسة، مات سنة خمس وثلاثين ومائة وهو ابن سبعين سنة كذا قاله ابن حجر (٢) أن عبد الله بن ربيعة العنبري حليف بني عدي يكنى أبا محمد المدني ولد على عهد النبي ﷺ ، ولأبيه صحبة مشهورة وثقة العجلي (٣) مات سنة بضع وثمانين أخبره، قال: رأيتُ عثمان بن عفَّان بالْعَرْج بفتح العين المهملة وسكون الراء والجيم موضع بطريق المدينة وهو محرم، في يوم صائف، أي: من أيام الصيف اسم فاعل لا فعل له قد غَطَّى وجهه قال سعيد بن زيد الباجي المالكي: يحتمل أن يكون فعل ذلك لحاجة إليه أي: لضرورة باعثة عليه، وأن يكون رآه مباحًا فقد خالف غيره فقالوا: لا يجوز بقطيفة أُرْجُوَان، بالإِضافة والقطيفة: دثار له حمل والدثار ما يتدثر به الإنسان أي يتلفف به من كساء أو غيره، والأرجوان: بضم الهمزة (ق ٤٥١) والجيم بينهما راء ساكنة ثم واو مفتوحة فألف فنون صوف أحمر فيه خطوط حمر ثم أُتِيَ أي: جيء عثمان بلحم صَيْدٍ، بالإِضافة فقال: أي: عثمان لأصحابه كلوا، أي: أنتم فقالوا: ألا تأكُلُ، بفتح الهمزة وتخفيف اللام حرف عرض وتحضيض ومعناهما طلب الشيء، ولكن العرض طلب بلين

стр. 826

والتحضيض طلب بحث كما قاله ابن هشام في (مغني اللبيب) (١) أي: كل أنت فقال: لستُ كهيئتكم، أي: ما كان حالي كحالكم في هذه القصة إنما صِيد من أجلي وأنا محرم، وقد اختلف قول مالك فيما صيد لمحرم بعينه هل لغير من صيد لأجله أن يأكل في سائر من معه من المحرمين والمشهور من مذهبه عند أصحابه أنه لا يأكل ما صيد لمحرم معين أو غير معين، ولم يأخذوا بقول عثمان هذا قاله أبو عمر. كذا قاله الزرقاني (٢). وقد روى الحاكم في (مستدركه) عن جابر مرفوعًا: "لحم صيد البر لكم حلال وأنتم حرم ما لم تصيدوه أو يصد لكم" (٣) وفي رواية أيضًا: "ويصاد لكم" والحديث رواه أبو داود والترمذي والنسائي أيضًا عن جابر مرفوعًا (٤)، وبه قال مالك والشافعي أنه إذا صاد حلال صيد لأجل محرم لا يحل للمحرم أكله، وعند أبي حنيفة للمحرم أن يأكل ما فعل الحلال فيه مجموع الصيد وذبحه سواء صيادة لأجل حلال ولأجل محرم، لكن بشرط عدم دلالة محرم عليه وأمره إليه لما روى في مسلم (٥) من حديث معاذ بن عبد الرحمن بن عثمان عن أبيه قال: كنا مع طلحة بن عبيد الله ونحن حرم فأهدى إليه طير وطلحة راقد فمنا من أكل ومنا من تورع، فلما انتبه أخبر فوافق من أكله وقال: أكلناه مع رسول الله ﷺ . وفي (الموطأ) (٦) من حديث هشام بن عروة عن أبيه أن الزبير بن العوام كان يتزود

стр. 827

صفيف الظباء في الإِحرام والصفف ما يصف اللحم على اللحم ليشوى قال مالك: والصفيف القويد وقال (القاموس): الصفيف كأمير ما صف في الشمس ليجف أو على الجمر ليشوى، وأجاب الطحاوي عن حديث جابر بأن معناه ويصيد لكم بأمركم توفيقًا بين الأحاديث، وفي مسند أبي حنيفة (١) عن هشام بن عروة عن أبيه عن جده الزبير بن العوام قال: كنا نحمل الصيد صفيفًا وكنا نتزوده ونأكل ونحن محرمون مع رسول الله ﷺ . واختصره مالك في (الموطأ) وحاصله: نقل وقائع أحوال فيه لا عموم لها فيجوز كون ما كانوا يحملونه من لحوم الصيد للتزود فما لم يصد لأجل المحرمين بل هو الظاهر؛ لأنهم يتزودون من الحضر ظاهرًا والإِحرام بعد الخروج من الميقات في أثناء السفر فالأولى بالاستدلال في هذا المقام ما ذكره الإِمام ابن الهمام على أصل المطلب والمراد حديث أبي قتادة على وجه المعارضة على ما في الصحيحين فإنهم لما سألوه ﷺ لم يجب بحله لهم حتى سألهم عن واقع الحل كان موجوده أم فقال ﷺ : "أمعكم أحد آمره أن يحمل عليها أو أشار إليها" قالوا: لا قال: "فكلوا إذن" فلم كان من الموانع أن يصار لنظم في سلك ما يسأل عنه منها في التفحص عنها لتجيب بحكم عند خلوها وهذا المعنى كالصريح في نفي كون الاصطياد مانعًا فيعارض حديث جابر ويقدم عليه لقدرة ثبوته، إذ هو في الصحيحين وغيرهما من الكتب الستة بخلاف ذلك كذا قاله علي القاري. * * * ٤١٨ - أخبرنا مالك، حدثنا نافع، أن عبد الله بن عمر، كان يقول: ما فوق الذَّقَن من الرأس، فلا يخمره المُحْرِم. قال محمد: وبقول ابن عمر نأخذ، وهو قولُ أبي حنيفة والعامة من فقهائنا. • أخيرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي نسخة أخرى، أنا حدثنا وفي نسخة: عن (ق ٤٥٢) نافع بن عبد الله المدني مولى ابن عمر، ثقة ثبت فقيه مشهور من الطبقة

стр. 828

الثالثة مات سنة سبع عشرة ومائة أو بعد ذلك من الهجرة (١) أن ابن عمر، ﵄ أنه كان يقول: ما فوق الذَّقَن بفتحتين وهو الوجه من الرأس، أي: جملته في باب الإِحرام فلا يخمره المُحْرِم أي: فلا يغطيه وإن الوجه من حكم الرأس بالنسبة إلى الرجل وأما المرأة فلا تكشف رأسها بل تكشف وجهها لما روى الدارقطني والبيهقي والطبراني عن ابن عمر أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "ليس على المرأة إحرام إلا في وجهها وكفيها" (٢). قال الدارقطني: الصواب وقفه على ابن عمر. أقول: لكنه في حكم المرفوع فإن مثله ما يقال بالرأي على أن قول الصحابي عندنا حجة إذا لم يخالف ولو سدلت شيئًا على وجهها مجافيًا عنه جاز لما روى أبو داود وابن ماجه من حديث عائشة ﵂ أنها قالت: كان الركبان يمرون بنا ونحن مع رسول الله ﷺ محرمات، فإذا جاوزنا سدلت إحدانا جلبابها من رأسها على وجهها فإذا جاوزونا كشفناه (٣). قال محمد: وبقول ابن عمر نأخذ، أي: نعمل وهو قولُ أبي حنيفة والعامة من فقهائنا ﵏ وقد سبق خلاف بعض المتأخرين من المجتهدين. لما فرغ من بيان حكم غطاء المحرم وجهه، شرع في بيان حكم غسل المحرم رأسه واغتساله له، فقال: هذا * * *

стр. 829

١٥ - باب المحرم يغسل رأسه ويغتسل في بيان حكم حال الحرم يغسل رأسه ويغتسل أي: يحمي بدنه من غير قصد إزالة وسخه. ٤١٩ - أخبرنا مالك، حدثنا نافع، أن عبد الله بن عمر: كان لا يغسل رأسه وهو محرم، إلا من احتلام. • أخبرنا مالك، أي: ابن أنس بن النضر بن عمير بن أبي عامر الإِمام الأصبحي، يعني: كان من ولد ملك يقال له: ذي أصبح من ملوك اليمن، وكان في الطبقة السابعة من كبار أتباع التابعين من أهل المدينة، وهي كانت في الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة من وجه الأرض (١)، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي نسخة أخرى: أنا، حدثنا وفي نسخة: قال: بنا نافع بن عبد الله المدني مولى ابن عمر، ثقة تابعي ثبت فقيه مشهور كان في الطبقة الثالثة، مات سنة سبع عشرة ومائة أو بعد ذلك من الهجرة (٢) أن ابن عمر: كان لا يغسل رأسه وهو محرم، إلا من احتلام فكان يعمل بالأفضل لما روى الترمذي وابن ماجه (٣) من حديث ابن عمر قال: قام رجل فقال: يا رسول الله من الحاج الشعث التفل والشعث: المنتثر شعر الرأس والتفل: التارك الطيب، وقد قال تعالى في سورة الحج: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ [الحج: ٢٩] والتفث: الوسخ كذا ذكرا المطرزي عن قطرب قوله: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ [الحج: ٢٩] يعني: ليزيلوا أوساخهم كذا في (عيون التفاسير). * * *

стр. 830

٤٢٠ - أخبرنا مالك، أخبرنا زيد بن أسلم، عن إبراهيم بن عبد الله بن حُنين، عن أبيه، أن عبد الله بن عباس، والمِسْوَر بن مَخْرَمَةَ تَمَارَيَا بالأبْوَاءِ، فقال ابن عباس: يغسل المحرم رأسه، وقال المِسْور: لا، فأرسله ابن عباس إلى أبي أيوب يسأله، فوجده يغتسل بين القَرْنَيْن، وهو يُسْتَر بثوب؛ قال: فسلمتُ عليه، فقال: من هذا؟ فقلت: أنا عبد الله بن حُنين، أرسلني إليك ابن عباس، أسألك: كيف كان رسول الله ﷺ يغسل رأسه وهو محرم؟ فوضع يده على الثوب وطَأطَأه حتى بدا لي رأسه، ثم قال لإِنسان يصب الماءَ عليه: اصبُب، فصبّ على رأسه، ثم حرَّك رأسه بيده، فأقبل بيده وأدبر، فقال: هكذا رأيته يفعل. قال محمد: وبقول أبي أيوب نأخذ، لا نرى بأسًا بأن يغسل المحرم رأسه بالماءِ، وهلْ يزيده الماء إلا شَعَثًا! وهو قولُ أبي حنيفة والعامة من فقهائنا. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، وفي أخرى: أنا أخبرنا وفي نسخة: عن زيد بن أسلم، العدوي مولى عمر يكنى عبد الله وأبا أسامة المدني، ثقة عالم كان يرسل وكان من الطبقة الثالثة، مات سنة ست وثلاثين ومائة من الهجرة (١) عن إبراهيم بن عبد الله الهاشمي مولاهم المدني يكنى أبا إسحاق ثقة من الطبقة الثالثة مات بعد المائة كذا قاله ابن حجر (٢) ابن حُنين، بضم المهملة وفتح النون الأولى الهاشمي مولاهم مدني ثقة من الطبقة الثالثة، مات في خلافة يزيد بن عبد الملك في أول المائة الثانية (٣) وليحيى

стр. 831

ومالك عن زيد بن أسلم عن نافع عن إبراهيم بن عبد الله إلى آخره قال ابن عبد البر (١): لم يتابع أحد من رواة (الموطأ) يحيى على إدخال نافع بن زيد وإبراهيم وهو خطأ لا شك فيه، وهو مما يحفظ من أخطاء يحيى في (الموطأ) (ق ٤٥٣) وغلطه ابن وضاح بطرحه كذا ذكره السيوطي (٢) عن أبيه، أي: عبد الله بن حنين أن عبد الله بن عباس، والمِسْوَر بكسر الميم وسكون المهملة وفتح الواو ابن مَخْرَمَةَ بفتح الميم وسكون الخاء المعجمة وفتح الراء، وهو ابن أخت عبد الرحمن بن عوف الزهري القرشي ولد بمكة بعد الهجرة بعد السنتين، وقدم به إلى المدينة في ذي الحجة سنة ثمان وقبض النبي ﷺ وله ثمان سنين وسمع منه وحفظ عنه وكان فقيهًا من أهل الفضل والديانة ولم يزل بالمدينة إلى أن قتل عثمان بن عفان وانتقل إلى مكة فلم يزل بها حتى مات معاوية (٣) تَمَارَيَا أي: اختلافا في جواز غسل المحرم وعدمه بالأبْوَاءِ، بفتح الهمزة وسكون الموحدة والمد، وهو جبل قرب مكة وعنده بلدة تنسب إليه قبل سمي بذلك لوبائه، وهو على القلب وإلا لقيل الأوباء فقال ابن عباس: ﵄ يغسل الحرم رأسه، أي: جوازًا وقال المِسْور: لا، أي: لا يجوز أو لا يغسله استحبابًا ويلائم الأول قوله فأرسله ابن عباس أي: عبد الله بن حنين كما قاله لمالك في (الموطأ): قال عبد الله بن حنين: فأرسلني عبد الله بن عباس إلى أبي أيوب أي: خالد بن زيد الأنصاري، وهو صحابي جليل يسأله، أي: عن حكم الغسل للمحرم فوجده أي: أبا أيوب يغتسل وهذا من الاتفاقات الحسنة إن كان محرمًا بين القَرْنَيْن، بفتح القاف تثنية قرن وهما الخشبتان القائمتان على رأس البير وشبههما وقد بينهما خشبة تجر عليها الحبل المستقي به ويعلوا عليها البكرة كذا ذكره السيوطي وهو أي: الحال أن أبا أيوب يُسْتَر بثوب؛ بصيغة المجهول، وفي رواية (الصحيحين): وهو مستتر بثوب قال: أي: ابن حنين فسلمتُ عليه؛ فقال: من هذا؟ أي: المسلم فقلت: أنا عبد الله بن حُنين، أرسلني إليك ابن عباس، إنما اقتصر عليه؛ لأنه أرسله إليه، ومن باب الاكتفاء والاختصار على من هو أفضل لديه أسألك: أي: على لسانه كما، وقع اختلاف في شأن بيانه وفي رواية: يسألك كيف كان رسول الله ﷺ يغسل رأسه وهو محرم؟ وفيه أنه لم يكن النزاع في كيفية غسله لكنها تفيد زيادة في بيان جواز فعله.

стр. 832

قال ابن عبد البر: فيه أن ابن عباس ﵄ كان علم غسل رأس المحرم عنه ﷺ أنبأه أبو أيوب وغيره؛ لأنه كان يأخذ عن الصحابة، ألا ترى أنه قال: كيف يغسل رأسه، ولم يقل هل كان يغسل؟ وقال ابن دقيق العيد: هذا يشعر بأن ابن عباس كان عنده علم بأصل الغسل، فإن السؤال عن كيفية الشيء إنما يكون بعد العلم بأصله، وإن غسل البدن كان عنده متقرر الجواز إذا لم يسأل عنه إنما سأل عن كيفية غسل الرأس، ويحتمل أن يكون ذلك؛ لأنه موضع الإِشكال؛ لأن الشعر عليه وتحريك اليد يخاف منه نتف الشعر وتعقب بأن النزاع بينهما إنما وقع في غسل الرأس. وقال الحافظ العسقلاني: لم يقل: هل كان يغسل رأسه ليوافق اختلافهما؟ بل سأل عن الكيفية، لاحتمال أنه لما رآه يغتسل وهو محرم فهم من ذلك الجواب، ثم أحب أن لا يرجع إلا بفائدة (ق ٤٥٤) أخرى فسأله عن الكيفية كذا قاله الزرقاني (١) فوضع أي: أبو أيوب الأنصاري يده على الثوب أي: الساتر عليه وطَأطَأه بهمزتين على وزن جلب أي: خفض الثوب وأزاله عن رأسه حتى بدا بالتخفيف أي: ظهر لي رأسه، أي: رأس أبي أيوب الأنصاري ﵁ ثم قال لإِنسان أي: لرجل هناك ولم يعلم اسمه يصب الماءَ عليه: أي: قاله أبو أيوب لا يصبه على رأسه اصبُب، بضم الهمزة وسكون الصاد المهملة وضم الباء الموحدة الأولى أمر مخاطب أي: صب الماء فصبّ أي: إنسان الماء على رأسه، أي: رأس أبي أيوب الأنصاري في نسخة: فيصب ثم حرَّك أي: أبو أيوب رأسه بيده، فأقبل بيده وأدبر، أي: بها وليحيى: بيديه، فأقبل بهما وأدبر أي: بهما والمراد بيد جنسه ولا تنافي بينهما وهو يدل على جواز ذلك ما لم يؤده إلى نتف الشعر والبيان بالفعل أبلغ من القول فقال: أي: أبو أيوب هكذا رأيته أي: النبي ﷺ يفعل أي: يغسل في حال الإِحرام على ما هو الظاهر في مقام المرام لكن بقي الكلام أنه هل كان غسله ﷺ بسبب من الأسباب أم لا على أنه ﷺ كان محفوظًا من الاحتلام.؟ وفي رواية ابن جريج عن زيد بن أسلم بهذا الإِسناد: فأمرّ أبو أيوب بيديه على رأسه جميعًا فأقبل بهما وأدبر، وزاد سفيان بن عيينة فرجعت إليهما فأخبرتهما فقال المسور بن

стр. 833

مخرمة لابن عباس: لا أماريك أبدًا أي: لا أجادلك، وفيه رجوع المختلفين إلى من يظنان أن عنده علم ما اختلف فيه وقبول خبر الواحد، وأنه كان مشهورًا عند الصحابة؛ لأن ابن عباس أرسل عبد الله بن حنين يسأل أبا أيوب، ومن ضرورة ذلك قبول خبر أبي أيوب عن النبي ﷺ ، وقبول خبر عبد الله بن حنين عن أبي أيوب والرجوع إلى النص عند الاختلاف وترك الاجتهاد والقياس عند النص. قال ابن عبد البر: وفيه أن الصحابة إذا اختلفوا لم يكن أحدهما حجة على الآخر إلا بدليل، وإن حديث "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم" محله في النقل عنه ﷺ كما قال أهل النظر كالمزني؛ لأن كلًا منهم ثقة مأمون عدل لا في الاجتهاد والرأى وإلا لقال ابن عباس للمسور بن مخرمة: أنت نجم وأنا نجم فبأينا اقتدى اهتدى، ولم يحتج إلى طلب البرهان في السنة على صحة قوله، ولذا حكم سائر الصحابة إذا اختلفوا وفي الاستعانة بالطهارة لقوله: اصبب قال القاضي عياض: والأولى تركها إلا لحاجة. وقال ابن دقيق العيد: ورد في الاستعانة أحاديث صحيحة وفي تركها شيء لا يقابلها في الصحة، وأخرجه البخاري عن عبد الله بن يوسف ومسلم عن قتيبة بن سعيد وأبو داود عن القعنبي الثلاثة عن مالك وتابعه سفيان بن عيينة وابن جريج عن زيد بن أسلم كذا قاله الزرقاني (١). قال محمد: وبقول أبي أيوب أي: الموافق لرأي ابن عباس نأخذ، أي: نعمل؛ لأن علمين خير من علم واحد ولأن المثبت مقدم على النافي؛ ولأن الأصل الجواز (ق ٤٥٥) حتى ثبت دليل قوي على منعه لا نرى أي: لا نعلم بأسًا أي: جناية بأن يغسل المحرم رأسه بالماءِ أي: سواء غسل سائر بدنه أم لا، نعم الأولى أن لا يغسل رأسه لئلا تموت هوامه ولا يرفع شعثه وغباره لما سبق، وأما قوله: وهل يزيده الماء إلا شَعَثًا! ففيه نظر، فإن الشعث محركة انتشار الشعر وتغيره وتفرقه كما ينتشر رأس السواك، ولا شك أن الماء يحصل له الاجتماع والالتئام والله أعلم بحقيقة المرام، وهو أي جواز غسل المحرم رأسه واغتساله وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا لما تقدم من الحديث وهو في الصحيحين، وفي البخاري قال ابن عباس ﵄: يدخل المحرم الحمام، وفي مسند الشافعي وفي

стр. 834

كتاب الحج الأكبر: أن ابن عباس ﵄ دخل الحمام بالجحفة وهو محرم وقال: ما يعبأ الله من أوساخنا شيء. * * * ٤٢١ - أخبرنا مالك، أخبرنا حُميد بن قيس المكي، عن عطاء بن أبي رباح، أن عمر بن الخطاب قال ليَعْلى ابن مُنْيَة وهو يصبّ على عمر ماءً، وعمر يغتسل: اصبب على رأسي، قال له يعْلى: أتريد أن تجعلها فيّ؟ إن أمرتني صَبَبْت، قال: اصببْ فلم يزده الماء إلى شَعَثًا. قال محمد: لا نرى بهذا بأسًا؛ وهو قولُ أبي حنيفة والعامة من فقهائنا. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي نسخة أخرى: أنا أخبرنا وفي نسخة: قال: بنا، وفي نسخة أخرى: أنا حُميد بالتصغير ابن قيس المكي، الأعرج يكني أبا صفوان، ليس به بأس، من الطبقة السادسة، مات سنة ثلاثين ومائة وقيل بعدها (١) عن عطاء بن أبي رباح، بفتح الراء المهملة والموحدة اسمه أسلم القرشي مولاهم المكي، ثقة فقيه فاضل لكنه كثير الإِرسال من الطبقة الثالثة، مات سنة أربع عشرة ومائة على المشهور، وقيل: إنه تغير بآخرة ولم يكن ذلك منه كذا في (التقريب) (٢) أن عمر بن الخطاب قال ليَعْلى بكسر اللام وفتح التحتية وسكون العين المهملة واللام المفتوحة والتحتية على وزن سلمى ابن مُنْيَة بضم الميم وسكون النون وفتح التحتية وهي أمه واسم أبيه أمية بن أبي عبيدة بن همام التميمي حليف قريش، صحابي مات سنة بضع وأربعين (٣) وهو أي: يعلى ابن منية يصبّ على عمر ماءً، وهو يغتسل أي: الحال أن عمر يغتسل: محرمًا اصبب على رأسي، يعني أمر عمر ليعلى ابن منية صب الماء على رأسي قال له أي: لعمر يعْلى:

стр. 835

أتريد أن تجعلها أي: هذه الخصلة أو الفعلة فيّ؟ أي: بسببي وفي نسخة: بكسر الفاء وتشديد التحتية المفتوحة أي في كسبي إن أمرتني أي: بالعزيمة صَبَبْت، وإلا فاستعنت قال عمر ليعلى ابن منية: اصببْ بضم الهمزة وسكون الصاد المهملة وبضم الموحدة الأولى وسكون الثانية فلم يزده الماء إلى شَعَثًا أي: انتشارًا وتفرقًا، ولعل مراد عمر ﵁ محمول على إعادة العرب، فإنهم عند إرادة الإِحرام يدهنون شعورهم ويطيبونها بالعطر فحينئذ لا شك في التئامها واجتماعها وبالغسل يفوت تلك فيتفرق الشعر هنالك والماء يلبد الشعر ويدخله مع ذلك الغبار، وهذا يقتضي أن غسله لم يكن لجنابة أن الإِجماع على أن المحرم إذا كان جنبًا أو المرأة حائضًا أو نفساء وطهرت يغسل رأسه، واختلف في غسل المحرم تبردًا أو غسل رأسه فأجازه الجمهور بلا كراهة كما قاله عمر: لا يزيده الماء إلا شعثًا. قال عياض: وتؤول عن مالك مثله وتؤول عليه الكراهة (ق ٤٥٦) أيضًا، وقد كره عمر المحرم رأسه في الماء، وعللت، الكراهة بأنه في تحريك يده في غسله أو غمسه قد يقتل بعض الدواب أو يسقط بعض الشعر وقيل: لعله رواه من تغطية الرأس وكره فقهاء الأمصار غسل الرأس بالخطمى والسرر وأوجب مالك وأبو حنيفة فيه الفدية وأجازه بعض السلف إذا كان ملبدًا انتهى. وقال الشافعية: لا فدية عليه إذا لم ينتف الشعر. قال محمد: لا نرى أي: لا نظن بهذا أي: بغسل المحرم رأسه إذا لم يقتل هوام رأسه بأسًا؛ أي: كريهًا وهو قولُ أبي حنيفة والعامة من فقهائنا وهذا تأكيد لما تقدم والله أعلم. لما فرغ من بيان حكم غسل المحرم رأسه أو اغتساله، شرع في بيان حرمة لبس الثياب المخيطة أو المصبوغة بطيب من حمرة أو صفرة للمحرم، فقال: هذا * * * باب ما يكره للمحرم أن يلبس من الثياب في بيان حكم ما يكره أي: يحرم للمحرم أي: بحج أو عمرة أن يلبس من الثياب بيان لما، والمراد بالثياب ثوب مخيط أو مصبوغ بطيب من حمرة أو صفرة.

стр. 836

٤٢٢ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن ابن عمر، أن رجلًا سأل رسول الله ﷺ : ماذا يلبس المُحْرِم من الثياب؛ فقال: "لا يلبس القُمُصَ ولا العمائم ولا السَّرَاوِيلات، ولا البَرَانِسَ، ولا الخِفاف، إلا أحدٌ لا يجد نعلين، فليلبس خُفَّيْن، وليقْطَعْهُمَا أسفل من الكعبين، ولا تلبسوا من الثياب شيئًا مسّه الزعفران ولا الوَرْس". • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، وفي نسخة أخرى: بنا، أو أنا رمزًا إِلى أخبرنا، أخبرنا وفي نسخة: عن نافع بن عبد الله المدني مولى ابن عمر، ثقة ثبت فقيه تابعي مشهور، من الطبقة الثالثة، مات سنة سبع عشرة ومائة أو بعد ذلك، كذا قاله ابن حجر (١) عن ابن عمر، ﵁ أن رجلًا قال الحافظ (٢): لم أقف على اسمه في شيء من الطرق سأل رسول الله ﷺ : ماذا يلبس بفتح الموحدة أي: يتلبس المُحْرِم أي: بحج أو عمرة من الثياب؛ قوله: "ما" مبتدأ متضمن بمعنى الاستفهام ولفظ "ذا" اسم إشارة خبر لما يلبس صفة "ذا"، والمحرم فاعل يلبس، ومن الثياب بيان بما، والمبتدأ مع خبره متعلق بسأل فالمعنى يا رسول الله أي شيء من الثياب يلبسه المحرم للحج أو العمرة؟ وللبخاري من طريق الليث عن نافع: ما نلبس من الثياب إذا أحرمنا؟ وهو مشعر بأن السؤال كان قبل الإِحرام، وحكى الدارقطني عن أبي بكر النيسابوري أن في رواية ابن جريج والليث عن نافع أن ذلك كان في المسجد ولم أر ذلك في شيء من الطرق عنهما، نعم أخرج البيهقي من طريق أيوب وعبد الله بن عوف كلاهما عن نافع عن عمر قال: نادى رجل رسول الله ﷺ وهو يخطب بذلك المكان، وأشار نافع إلى مقدم المسجد فظهر

стр. 837

أن السؤال كان بالمدينة وللبخاري ولمسلم عن ابن عباس ﵄ أنه ﷺ خطب بذلك في عرفات فيحمل على التعدد، ويؤيده أن في حديث ابن عباس ابتدأ به في الخطبة، وفي حديث ابن عمر أجاب به السائل فقال: أي: رسول الله ﷺ كما في (الموطأ) ليحيى: "لا يلبس أي: المحرم القُمُصَ بضم القاف والميم جمع قميص، وفي رواية التنيسي: لا يلبس بالرفع على الأشهر خبر عن حكم الله أن هو جواب السؤال وخبر بمعنى النهي، وبالجزم على النهي وكسر لالتقاء الساكنين ولا العمائم بفتح العين المهملة جمع عمامة بكسر العين سميت بذلك؛ لأنها تعم جميع الرأس ولا السَّرَاويلات، أو جمع الجمع أو جمع سروال فارسي معرب، والروايتين بالنون لغة وبالشين المعجمة لغة أيضًا ولا البَرَانِسَ، (ق ٤٥٧) بفتح الموحدة والراء المهملة وألف، وبكسر النون والسين المهملة جمع البرنس بضمتين، وهو قلنسوة طويلة أو كل ثوب رأسه دراعة كان أو جبة ولا الخِفاف، بكسر الخاء المعجمة جمع خف فنبه بالقميص على كل ما في معناه وهو المخيط المعمول على قدر البدن، وبالسراويل على المخيط المعمول على قدر بعض منه كالتبان والقفاز وغيرهما وبالعمائم والبرانس على كل ثوب يغطي رأسه مخيطًا أو غيره، وبالخفاف على ما يستر الرجل كالجورب وغيره، والمراد بتحريم المخيط ما يلبس على الوضع الذي جعله له ولو في بعض البدن، فلو ارتدى بالقميص مثلًا قال الخطابي: ذكر العمامة والبرنس معًا ليدل على أنه لا يجوز تغطية الرأس لا بالمعتاد ولا بالنادر. قال الحافظ (١): إن أراد لبسه كالقبع صح ما قال، وإلا فمجرد وضعه على رأسه على هيئة الحامل له لا يضر في مذهبه كالانغماس بالماء، فإنه لا يسمى لابسًا وكذا ستر الرأس باليد، وأجمعوا على اختصاص النهي بالرجل فيجوز للمرأة لبس جميع ما ذكره حكاه ابن المنذر، فإن قيل: السؤال وقع عما يجوز لبسه والجواب وقع عما لا يجوز فما حكمته؟ أجاب العلماء كما قال النووي (٢): بأن هذا الجواب من بديع الكلام وجزله ما لا يُلبس منحصر فصرح به، وأما الجائر فغير منحصر فقال: لا يلبس كذا أي: يلبس ما سواه. وقال البيضاوي (٣): أجاب بما لا يلبس ليدل بالالتزام من طريق المفهوم على ما

стр. 838

يجوز، وإنما عدل عن الجواب؛ لأنه أحصر وأحضر، وفيه إشارة إلى أن حق السؤال أن يكون عما لا يلبس؛ لأنه الحكم العارض في الإِحرام المحتاج لبيانه إذ الجواز ثابت بالأصل المعلوم بالاستصحاب مكان اللائق السؤال عما لا يلبس، قال غيره: وهذا يشبه أسلوب الحكيم، ويقرب منه قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ﴾ الآية [البقرة: ٢١٥] فعدل من جنس المتفق وهو المسئول عنه إلى جنس المتفق عليه؛ لأنه الأهم وقال ابن دقيق العيد: استفادة منه أن المعتبر في الجواب ما يحصل منه المقصود كيف كان ولو يتغير أو زيادة، ولا تشترط المطابقة. قال الحافظ: وهذا كله على هذه الرواية وهي المشهورة عن نافع، وقد رواه أبو عوانة من طريق ابن حجر عن نافع بلفظ: ما يترك المحرم، وهي شاذة، والاختلاف فيها على ابن جريج لا على نافع، ورواه سالم عن ابن عمر بلفظان: أن رجلًا قال: يا رسول الله، ما يجتنب المحرم من الثياب؟ أخرجه أحمد عن ابن عيينة عن الزهري فقال مرة: ما يترك، ومرة ما يلبس. وأخرجه البخاري من طريق إبراهيم بن سعد عن الزهري بلفظ نافع، فالاختلاف فيه عن الزهري شعر بأن بعضهم رواه بالمعنى فاستقامت رواية نافع لعدم الاختلاف فيها، واتجه البحث المتقدم وطعن بعضهم في قول من قال: إنه من الأسلوب الحكيم بأنه كان يمكن الجواب بما يحصر أنواع ما يلبس كأن يقال: ما لبس بخيط ولا على قدر البدن كالقميص أو بعضه كالسراويل والخف ولا يستر الرأس (ق ٤٥٨) أصلًا، ولا يلبس ما يوجب الفدية إلا أحدٌ بالرفع بدل من فاعل لا يلبس، وهو أول من نصبه في الاستثناء المتصل بعد النفي وشبهة، وبها قرئ قوله تعالى في سورة النساء: ﴿مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾ الآية [النساء: ٦٦] وعليه الجمهور، وإلا قليل منهم في قراءة الشامي لا يجد نعلين، أي: حقيقة وحكمًا زاد معمر عن الزهري زيادة حسنة تفيد ارتباط ذكر النعلين بما سبق، وهي قوله: وليحرم أحدكم في إزار ورداء ونعلين فإن لم يجد النعلين فليلبس خُفَّيْن، كذا في (الموطأ) لمالك ليحيى والظاهر الخفين أي: خفيه، ثم رأيت أنه لذلك في رواية الصحيحين ظاهرة الوجوب لكنه لما شرع للتسهيل لم يناسب التثقيل، وإنما هو للرخصة وليقْطَعْهُمَا أسفل من الكعبين، والواو المطلق الجمع، فلا يرد أن لبسهما إنما يجوز بعد قطعهما، والراد بالكعبين العظمان الناتئان عن مفصل الساق والقدم، وهذه الأحكام مختصة بالرجال دون النساء، وفيه أن واجد النعلين لا يلبس الخفين المقطوعين، وهو قول الجمهور، وأجازه الحنفية وبعض الشافعية.

стр. 839

قال ابن العربي: إن صار كالنعلين جاز وإلا فمتى سترا من ظاهر الرِّجْل شيئًا لم يجب إلا للفاقد، وهو من لا يقدر على تحصيله لفقده، أو ترك بذلك المال له أو عجزه عن الثمن إن وجد معه أو عن الأجرة، ولو بيع بغير فاحش لا يلزمه شراؤه أو وهب له لم يلزمه قبوله إلا إن أعير له، وظاهر الحديث أنه لا فدية على من لبسهما إذا لم يجد نعلين. وقال الحنفية يجب كما إذا احتاج لحلق رأسه يحلق ويفتدي، وتعقب بأنها لو وجبت لبينها النبي ﷺ ؛ لأنه وقعت الحاجة، وأيضًا لو وجبت فدية لم يكن للقطع فائدة لا تجب إذا لبسهما بلا قطع، فإن لبسهما مع وجود نعلين افتدى عند مالك والليث. وقال أبو يوسف: لا فدية، وعن الشافعي قولان: وظاهر أيضًا أن قطعهما منوط في جواز لبسهما، خلافًا للمشهور عن أحمد في إجازة لبسهما بلا قطع، لإِطلاق حديث ابن عباس وجابر في الصحيحين بلفظ: "ومن لم يجد نعلين فليلبس خفين" (١) وتعقب بأنه يوافق حمل المطلق على المقيد، فينبغي أن يقول به هنا، فإن حمله عليه جيد لأن التقييد ورد بصفة الأمر، وذلك زيادة على الصور المطلقة، فلو عمل بالمطلق، الذي هو حديث ابن عمر يقول عمرو بن دينار، وقد روى الحديثين. انظروا أيهما قبل. رواه الدارقطني، وقال: إن أبا بكر النيسابوري قال: حديث عمر قبل؛ لأنه بالمدينة قبل الإِحرام، وحديث ابن عباس بعرفات، وأجاب الشافعي عن هذا في (الأم) فقال كلاهما صادق حافظ، وزيادة ابن عمر لا تخالف ابن عباس لاحتمال أن تكون غربت عنه أو شك أو قالها فلم ينقلها عنه بعض رواته ويؤيده أنه ورد في بعض طرق حديث ابن عباس موافقته لحديث ابن عمر، أخرجه النسائي (٢) عن ابن عباس مرفوعًا بلفظ: وإذا لم يجد نعلين فليلبس الخفين وليقطعهما (ق ٤٥٩). أسفل من الكعبين. وإسناده صحيح وزيادة الثقة مقبولة، وبعضهم سلك الترجيح. فقال ابن الجوزي: حديث ابن عمر اختلف في رفعه ووقفه، وحديث ابن عباس لم يختلف في رفعه. قال الحافظ: وهو مردود فلم يختلف عن ابن عمر رفع الأمر بالقطع إلا في رواية شاذة، على أنه اختلف في حديث ابن عباس، فرواه ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن سعيد

стр. 840

ابن جبير عنه موقوفًا، ولا يرتاب أحد من المحدثين أن حديث ابن عمر أصح من حديث ابن عباس؛ لأنه جاء بإسناد وصف بأنه أصح الأسانيد، واتفق عليه عنه غير واحد من الحفاظ منهم نافع وسالم بخلاف حديث ابن عباس، فلم يأت مرفوعًا إلا من رواية جابر بن زيد عنه حتى قال الأصيلي: إنه شيخ بصري لا يعرف مع أنه معروف موصوف بالفقه عند الأئمة، ومنهم من اعتل بقول عطاء: القطع فساد والله لا يحب الفساد، وتعقب بأن الفساد إنما يكون فيما نهى عنه الشارع لا فيما أذن فيه، وحمل ابن الجوزي الأمر بالقطع على الإِباحة لا على الاشتراط عملًا بالحديثين لا يخفى تكلفه، كذا قاله الزرقاني ولا تلبسوا بفتح أوله وثالثه من الثياب أي: من أنواعه شيئًا أي: مما يطلق عليه الثوب مخيطًا أو غيره مسّه أي: أصابة أو صبغة الزعفران بفتح الزاي المعجمة وسكون العين المهملة وفتح الفاء والراء وبعد ألف ونون دواء معروف، إلا أنه يستعمل بالتعريف والتنكير، وإذا استعمل بالتنكير نون؛ لأنه ليس فيه إلا ألف ونون فقط، وهو لا يمنع الصرف كذا قاله محمد الواني ومحمد الزرقاني ولا الوَرْس بفتح الواو وسكون الراء والسين المهملة، نبت أصفر يصبغ به. كذا في (النهاية). وقال ابن العربي: ليس الورس بطيب، ولكنه نبه به على اجتناب الطيب وما يشبهه في ملائمة الشم، فيؤخذ منه تحريم أنواع الطيب على المحرم، وهو مجمع عليه فيما يقصد به الطيب، وهذا الحكم شامل النساء قبل، فعدل عما تقدم إشارةً إلى اشتراكهما، وفيه نظر بل إن الظاهر أن نكتة العدول أن الذي يخالف الزعفران والورس لا يجوز لبسه سواء كان فيما يلبسه المحرم أو لا يلبسه. قال الحافظ: والظاهر أنه لا ينافي بين النكتتين. وقال الوالي العراقي: نبه بهما على ما هو أطيب منهما رائحة المسك والعنبر ونحوهما، وإذا حرم في الثوب ففي البدن أولى وفي معناه تحريمه في المأكول؛ لأن الناس يقصدون تطيب طعامهم، كما يقصدون تطييب لباسهم وكل هذا متفق عليه بين العلماء، وهذا فيما يقصد بالتطيب به، أما الفواكه كالأترج والتفاح وأزهار البر كالبنفسج والقيصوم، ونحوهما فليس بحرام؛ لأنه لا يقصد للتطيب. انتهى في حكاية الاتفاق في المأكول المطيب نظر؛ لأن فيه خلافًا عند المالكية. وقال الحنفية: لا يحرم؛ لأن الموارد للبس والتطيب والأكل لا يعد تطيبًا قال العلماء: والحكمة في منع الحرم من اللباس أنه يدعو إلى الجماع ولأنه مناف للحج، فإن

стр. 841

الحاج أشعث أغبر، والقصد أن يبعد عن الترفة وزينة الدنيا وملازها ويجمع همه لمقاصد الآخرة والاتصاف بصفة الخاشع، وليتذكر القدوم على ربه فيكون (ق ٤٦٠) أقرب إلى مراقبته وامتناعه من ارتكاب المحظورات، وليتذكر به الموت ولباس الأكفان ويتذكر البعث ويوم القيامة حفاة عراة وليتضائل بتجرده عن ذنوبه، وهذا الحديث رواه البخاري عن عبد الله بن يوسف، وإسماعيل بن أبي أويس، ومسلم عن يحيى، وأبي داود عن القعنبي، والنسائي عن قتيبة، وابن ماجه عن أبي مصعب الستة عن مالك به، وله طرق عندهم كذا قاله (الزرقاني) (١). * * * ٤٢٣ - أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الله بن دينار، قال: قال عبد الله بن عمر: نهى رسول الله ﷺ أن يَلْبسَ الْمُحْرِم ثوبًا مصبوغًا بزعفران أو وَرْس، وقال: "مَنْ لم يجد نعلين فليلبس خُفَّين وَلْيَقْطَعهما أسفل من الكعبين". • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي نسخة أخرى: أنا، وفي نسخة: ثنا، أخبرنا وفي نسخة عن عبد الله بن دينار، العدوي سيدهم، يكنى أبا عبد الرحمن المدني التابعي مولى ابن عمر ثقة، من الطبقة الرابعة من أهل المدينة، مات سنة سبع وعشرين ومائة، كذا في (التقريب) قال: قال عبد الله بن عمر: ﵁ نهى رسول الله ﷺ أي: نهي تحريم أن يَلْبسَ بفتح أوله وثالثه الْمُحْرِم أي: رجلًا كان أو امرأة ثوبًا مصبوغًا بزعفران أو وَرْس، وهو بفتح الواو وسكون الراء والسين المهملتين نبت أصفر مثل نبات السمسم طيب الريح، ويصبغ به بين الحمرة والصفرة ينبت في بلاد اليمن، وفي معناه الصفر وقال: أي: ﷺ مَنْ لم يجد نعلين أي: حقيقة وحكمًا بأن بيع بغير فاحش فليلبس خُفَّين بالتنكير وليحيى النيسابوري الخفين بالتعريف وَلْيَقْطَعهما أسفل من الكعبين" أي: أن قطعهما شرط في جواز لبسهما خلافًا للحنابلة، ولا فدية خلافًا للحنفية، والكعبان هما العظمان الناتئان عند مفصل الساق والقدم، ويؤيده ما رواه ابن

стр. 842

أبي شيبة (١) عن عروة قال: إذا اضطر المحرم إلى الخفين خرق ظهورهما وترك فيهما قدر ما تستمسك رجلاه، وجمهور أهل اللغة على أن في كل قدم كعبين، وقيل: المراد بهما هنا العظم الذي في وسط القدم عند معقد الشراك، ورُد بأنه لا يعرف لغة وقد أنكره الأصمعي لكن قال الزين العراقي إنه أقرب إلى عدم الإحاطة على القدم، ولا يحتاج القول به إلى مخالفة اللغة، بل يوجد ذلك في بعض ألفاظ حديث ابن عمر. ففي رواية الليث عن نافع عنه: "فليلبس الخفين ما أسفل من الكعبين"، فقوله: ما أسفل بدل من الخفين، فيكون اللبس لهما أسفل من الكعبين والقطع منهما فما فوق، وليس في قوله: وليقطعهما أسفل ما يدل على قصد للقطع على دون الكعبين، بل يراد مع الأسفل ما يخرج القدم عن كونه مسورًا بإحاطة الخف عليه، ولا حاجة حينئذ إلى مخالفة أهل اللغة انتهى وهذا الحديث رواه البخاري في اللباس عن عبد الله بن يوسف ومسلم هنا عن يحيى كلاهما عن مالك به. * * * ٤٢٤ - أخبرنا مالك، حدثنا نافع، عن عبد الله بن عمر، أنَّه كان يقول: لا تَنْتَقِبْ المرأة الْمُحْرِمَة، ولا تلبس القُفَّازَيْن. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي نسخة أخرى: أنا، وفي أخرى: ثنا، أخبرنا، وفي نسخة عن نافع، بن عبد الله المدني التابعي مولى ابن عمر ثقة ثبت فقيه مشهور، من الطبقة الثالثة، مات سنة سبع عشرة ومائة أو بعد ذلك. كذا في (التقريب) عن عبد الله بن عمر، أنَّه كان يقول: لا تَنْتَقِبْ بفوقيتين مفتوحتين ونون مفتوحة ثم قاف مشددة (ق ٤٦١) ثم موحدة من النقاب، وهو ما يستر به الوجه أي: لا تلبس المرأة الْمُحْرِمَة، أي: للحج أو للعمرة النقاب من البرقع ونحوه إلا إذا جافت بينه وبين وجهها، والنقاب وهو الخمار الذي تشده الرأة على الأنف أو تحت المحاجر، وإن قرب من العين حتى لا تبدو أجفانها فهو الوصواص بفتح الواو وسكون الصاد المهملة الأولى؛ فإن

стр. 843

نزل إلى طرف الأنف فهو اللفاف، بكسر اللام وبالفاء، فإن نزل إلى الفم ولم يكن على الأرنبة من شيء فهو اللثام، بالمثلثة، وهو يحتمل أن يكون نهيًا أو نفيًا يكون معناه نهيًا. كذا قوله: ولا تلبس بفتح الباء الموحدة القُفَّازَيْن بضم القاف وتشديد الفاء تثنية قفاز، بوزن رمان، وهو شيء يعمل لليدين يحشى بقطن تلبسهما المرأة للبرد، وما تلبسه المرأة في يدها فيغطي أصابعها وكفيها عند معانات الشيء في غزل ونحوه، فيحرم على المرأة المحرمة ستر وجهها وكفيها بقفازين أو أحدهما بأحدهما أو بغيرهما، وهكذا رواه مالك موقوفًا وتابعه عبد الله العمري وليث بن أبي سليم وأيوب السختياني وموسى بن عقبة في إحدى الروايتين عنه، كلهم عن نافع موقوفًا، كما في البخاري وأبي داود وأخرجاه من طريق الليث عن نافع، فجعله من جملة المرفوع في الحديث السابق، فقال بعد قوله: "ولا ورس ولا تنتقب المرأة المحرمة، ولا تلبس القفازين"، وتابعه عليه موسى بن عقبة وجويرية بن إسحاق وإسماعيل بن إبراهيم بن عقبة لكن بينت رواية عبيد الله عن نافع عن ابن راهويه وابن خزيمة أنه مدرج من قول ابن عمر كما أشار إليه البخاري، وأيده برواية مالك هذه، وهو أي الحديث المدرج زيد فيه إما من كلام رسول الله بأن يزاد في حديث آخر ومن زيل ذلك الحديث بإسناد آخر، ومن كلام الصحابي للإِيضاح أَو نحوه. كذا قاله الأصوليون، واستشكل الحكم بالإِدراك؛ لأنه ورد النهي عن النقاب والقفازين مرفوعًا مفردًا رواه أبو داود (١) عن إبراهيم بن سعد المدني، عن نافع عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: "المحرمة لا تنتقب ولا تلبس القفازين"، قال أبو داود: إبراهيم شيخ مدني ليس له كبير حديث، وقال ابن عدي: ليس بالمعروف. وقال في (الميزان): طريق ابن إسحاق: حدثني نافع عن ابن عمر أنه سمع رسول اللهِ ينهى النساء في إحرامهن عن القفازين والنقاب وما مس الورس والزعفران من الثياب، ويلبس بعد ذلك ما أحبت من الوان الثياب قال في (الاقتراح): دعوى الإِباحة في أول المتن ضعيفة، وأجبّ بأن النقاب إذا اختلفوا، وكان مع أحدهم زيادة قدمت، ولا سيما إن كان حافظًا، خصوصًا إن كان أحفظ، والأمر هنا كذلك، فإن عبيد الله بن عمر عن نافع أحفظ من جميع من خالف، وقد فصل المرفوع من الموقوف وتقوى برواية مالك، وهو أحفظ أصحاب نافع، وأما الذي ابتدأ: في المرفوع بالموقوف؛ فإنه من التصرف من الرواية

стр. 844

بالمعنى، فكأنه رأى أشياء متعاطفة فقدم وأخر لجواز ذلك عنده، ومع الذي فصلا زيادة علم، فهو أولى. كما قال (ق ٤٦٢) الحافظ ونحوه لشيخه زين العراقي الحافظ في شرح الترمذي. * * * ٤٢٥ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن أسْلَم مولى عمر بن الخطاب، أنَّه سمع أسْلَم يُحَدِّث عبد الله بن عمر، أن عمر بن الخطاب رأى على طَلْحَة بن عُبَيْد الله ثوبًا مصبوغًا وهو مُحْرِم، فقال عمر: ما هذا الثوب المصبوغ يا طَلْحَة؟ فقال: يا أمير المؤمنين، إنما هو من مَدَرٍ، فقال: إنكم أيها الرَّهطُ أئمة يَقْتَدِى بكم الناس، ولو أن رجلًا جاهلًا رأى هذا الثوب لقال: إنَّ طلحة كان يلبس الثياب المُصَبَّغَة في الإِحرام. قال محمد: يُكْرَهُ أن يلبس الْمُحْرِم المُشْبَعَ بالعُصْفُر، والمصبوغ بالوَرْس أو الزَّعْفَرانِ، إلا أن يكون شيءٌ من ذلك قد غُسِلَ فذهب ريحه، وصار لا ينفَضُّ، فلا بأس بأن يلبسه، ولا ينبغي للمرأة أن تَنْتَقِب، فإن أرادت أن تُغَطِّي وجهها فلتَسْدُل الثَّوْب سدْلًا من فوق خِمارها على وجهها، وتجافيه عن وجهها، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامّة من فقهائنا. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي نسخة أخرى: ثنا، أخبرنا وفي نسخة: قال: بنا نافع، بن عبد الله المدني مولى ابن عمر ثقة فقيه تابعي مشهور، من الطبقة الثالثة، مات سنة سبع عشرة ومائة أو بعد ذلك عن أسْلَم مولى عمر بن الخطاب، ﵁، يكنى أبا عبد الله العدوي المدني، ثقة عالم من الطبقة الثالثة، مات سنة ست وثلاثين. كذا قاله ابن حجر (١) أنه أي: نافعًا سمع أسْلَم يُحَدِّث عبد الله بن عمر، أي: يرويه ويحكيه أن عمر بن الخطاب ﵁ رأى على طَلْحَة بن عُبَيْد الله التيمي أحد العشرة المبشرة ثوبًا مصبوغًا بغير زعفران وورس وهو أي: طلحة بن عبيد الله مُحْرِم،

стр. 845

فقال عمر: ما هذا الثوب المصبوغ يا طَلْحَة؟ فقال: أي: طلحة يا أمير المؤمنين، إنما هو أي: الثوب المصبوغ من مَدَرٍ، بفتح الدال والميم المهملة وراء أي: من طين أحمر يقال مفرة قال: أي: عمر إنكم أيها الرَّهطُ أي: الأكابر من أصحاب النبي ﷺ أئمة أي: من المجتهدين يَقْتَدِي بكم الناس، أي: في أمور الدين لقوله ﷺ : "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم" ولو أن رجلًا جاهلًا رأى هذا الثوب أي: على مثل ذلك من بعيد عن مقامك لقال: إنَّ طلحة كان يلبس الثياب المُصَبَّغَة وفي نسخة: المصبوغة في الإِحرام ولم يفرق بين الحلال والحرام، مع أن نفس هذا اللون مع قطع النظر عن كونه طيبًا لا يليق بالعلماء الكرام، وزاد ابن الهمام: فلا تلبسوا أيها الرهط شيئًا من هذه الثياب المصبغة. انتهى. فإن صح كونه في محضر من الصحابة أفاد منع المتنازع فيه وغيره يخرج الأزرق بالإِجماع عليه، ويبقى المتنازع فيه في المنع، هذا آخر كلامه وفق مرامه فإنما كره عمر ذلك لئلا يقتدى به الجاهل فيظل جواز لبس الورس والزعفران، فلا حجة فيه لأبي حنيفة، فإن العصفر طيب، وفيه الفدية. قال ابن المنذر: وقد أجازه الجمهور لبس العصفر للمحرم. كذا قاله علي القاري والزرقاني (١). قال محمد: يُكْرَهُ أن يلبس الْمُحْرِم المُشْبَعَ بضم الميم وسكون الشين المعجمة وفتح الموحدة من أشبع الثوب صبغًا إذا أكثر صبغه حتى انتهى غايته كذا في (ضياء العلوم) بالعُصْفُر، بضمتين نبت [] (٢) اللحم الغليظ وعصفر ثوبه صبغه به أو المصبوغ بالوَرْس أو الزَّعْفَرانِ، وفي نسخة: أو الزعفران إلا أن يكون شيءٌ من ذلك قد غُسِلَ فذهب ريحه، وصار لا ينفَضُّ، بفتح الفاء وتشديد الضاد المعجمة، أي: لا يتناثر منه الطيب أو لا يفوح منه فلا بأس أي: لا حرمة بأن يلبسه، أي: حينئذ ولا ينبغي للمرأة أي: يحرم عليها إذا كانت محرمة أن تَنْتَقِب، أي: تلبس النقاب ولا تغطي وجهها من الحجاب فإن أرادت أن تُغَطِّي وجهها أي: لمقابلة غير محرم ونحو ذلك فلتَسْدُل بضم الدال من باب نصر ولا يقال: أسدل بالألف على ما في (المصباح)، أي: فلترخ وترسل الثَّوْب سدْلًا أي: إرخاء وإرسالًا من غير ضم جانبيه من فوق خِمارها بكسر أوله أي: ما يغطي به وجهها من
следующие страницы →