← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 127713

المهيأ في كشف أسرار الموطأ

عثمان الكماخي

Полный текст (1 812 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

الحاج أشعث أغبر، والقصد أن يبعد عن الترفة وزينة الدنيا وملازها ويجمع همه لمقاصد الآخرة والاتصاف بصفة الخاشع، وليتذكر القدوم على ربه فيكون (ق ٤٦٠) أقرب إلى مراقبته وامتناعه من ارتكاب المحظورات، وليتذكر به الموت ولباس الأكفان ويتذكر البعث ويوم القيامة حفاة عراة وليتضائل بتجرده عن ذنوبه، وهذا الحديث رواه البخاري عن عبد الله بن يوسف، وإسماعيل بن أبي أويس، ومسلم عن يحيى، وأبي داود عن القعنبي، والنسائي عن قتيبة، وابن ماجه عن أبي مصعب الستة عن مالك به، وله طرق عندهم كذا قاله (الزرقاني) (١). * * * ٤٢٣ - أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الله بن دينار، قال: قال عبد الله بن عمر: نهى رسول الله ﷺ أن يَلْبسَ الْمُحْرِم ثوبًا مصبوغًا بزعفران أو وَرْس، وقال: "مَنْ لم يجد نعلين فليلبس خُفَّين وَلْيَقْطَعهما أسفل من الكعبين". • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي نسخة أخرى: أنا، وفي نسخة: ثنا، أخبرنا وفي نسخة عن عبد الله بن دينار، العدوي سيدهم، يكنى أبا عبد الرحمن المدني التابعي مولى ابن عمر ثقة، من الطبقة الرابعة من أهل المدينة، مات سنة سبع وعشرين ومائة، كذا في (التقريب) قال: قال عبد الله بن عمر: ﵁ نهى رسول الله ﷺ أي: نهي تحريم أن يَلْبسَ بفتح أوله وثالثه الْمُحْرِم أي: رجلًا كان أو امرأة ثوبًا مصبوغًا بزعفران أو وَرْس، وهو بفتح الواو وسكون الراء والسين المهملتين نبت أصفر مثل نبات السمسم طيب الريح، ويصبغ به بين الحمرة والصفرة ينبت في بلاد اليمن، وفي معناه الصفر وقال: أي: ﷺ مَنْ لم يجد نعلين أي: حقيقة وحكمًا بأن بيع بغير فاحش فليلبس خُفَّين بالتنكير وليحيى النيسابوري الخفين بالتعريف وَلْيَقْطَعهما أسفل من الكعبين" أي: أن قطعهما شرط في جواز لبسهما خلافًا للحنابلة، ولا فدية خلافًا للحنفية، والكعبان هما العظمان الناتئان عند مفصل الساق والقدم، ويؤيده ما رواه ابن

стр. 842

أبي شيبة (١) عن عروة قال: إذا اضطر المحرم إلى الخفين خرق ظهورهما وترك فيهما قدر ما تستمسك رجلاه، وجمهور أهل اللغة على أن في كل قدم كعبين، وقيل: المراد بهما هنا العظم الذي في وسط القدم عند معقد الشراك، ورُد بأنه لا يعرف لغة وقد أنكره الأصمعي لكن قال الزين العراقي إنه أقرب إلى عدم الإحاطة على القدم، ولا يحتاج القول به إلى مخالفة اللغة، بل يوجد ذلك في بعض ألفاظ حديث ابن عمر. ففي رواية الليث عن نافع عنه: "فليلبس الخفين ما أسفل من الكعبين"، فقوله: ما أسفل بدل من الخفين، فيكون اللبس لهما أسفل من الكعبين والقطع منهما فما فوق، وليس في قوله: وليقطعهما أسفل ما يدل على قصد للقطع على دون الكعبين، بل يراد مع الأسفل ما يخرج القدم عن كونه مسورًا بإحاطة الخف عليه، ولا حاجة حينئذ إلى مخالفة أهل اللغة انتهى وهذا الحديث رواه البخاري في اللباس عن عبد الله بن يوسف ومسلم هنا عن يحيى كلاهما عن مالك به. * * * ٤٢٤ - أخبرنا مالك، حدثنا نافع، عن عبد الله بن عمر، أنَّه كان يقول: لا تَنْتَقِبْ المرأة الْمُحْرِمَة، ولا تلبس القُفَّازَيْن. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي نسخة أخرى: أنا، وفي أخرى: ثنا، أخبرنا، وفي نسخة عن نافع، بن عبد الله المدني التابعي مولى ابن عمر ثقة ثبت فقيه مشهور، من الطبقة الثالثة، مات سنة سبع عشرة ومائة أو بعد ذلك. كذا في (التقريب) عن عبد الله بن عمر، أنَّه كان يقول: لا تَنْتَقِبْ بفوقيتين مفتوحتين ونون مفتوحة ثم قاف مشددة (ق ٤٦١) ثم موحدة من النقاب، وهو ما يستر به الوجه أي: لا تلبس المرأة الْمُحْرِمَة، أي: للحج أو للعمرة النقاب من البرقع ونحوه إلا إذا جافت بينه وبين وجهها، والنقاب وهو الخمار الذي تشده الرأة على الأنف أو تحت المحاجر، وإن قرب من العين حتى لا تبدو أجفانها فهو الوصواص بفتح الواو وسكون الصاد المهملة الأولى؛ فإن

стр. 843

نزل إلى طرف الأنف فهو اللفاف، بكسر اللام وبالفاء، فإن نزل إلى الفم ولم يكن على الأرنبة من شيء فهو اللثام، بالمثلثة، وهو يحتمل أن يكون نهيًا أو نفيًا يكون معناه نهيًا. كذا قوله: ولا تلبس بفتح الباء الموحدة القُفَّازَيْن بضم القاف وتشديد الفاء تثنية قفاز، بوزن رمان، وهو شيء يعمل لليدين يحشى بقطن تلبسهما المرأة للبرد، وما تلبسه المرأة في يدها فيغطي أصابعها وكفيها عند معانات الشيء في غزل ونحوه، فيحرم على المرأة المحرمة ستر وجهها وكفيها بقفازين أو أحدهما بأحدهما أو بغيرهما، وهكذا رواه مالك موقوفًا وتابعه عبد الله العمري وليث بن أبي سليم وأيوب السختياني وموسى بن عقبة في إحدى الروايتين عنه، كلهم عن نافع موقوفًا، كما في البخاري وأبي داود وأخرجاه من طريق الليث عن نافع، فجعله من جملة المرفوع في الحديث السابق، فقال بعد قوله: "ولا ورس ولا تنتقب المرأة المحرمة، ولا تلبس القفازين"، وتابعه عليه موسى بن عقبة وجويرية بن إسحاق وإسماعيل بن إبراهيم بن عقبة لكن بينت رواية عبيد الله عن نافع عن ابن راهويه وابن خزيمة أنه مدرج من قول ابن عمر كما أشار إليه البخاري، وأيده برواية مالك هذه، وهو أي الحديث المدرج زيد فيه إما من كلام رسول الله بأن يزاد في حديث آخر ومن زيل ذلك الحديث بإسناد آخر، ومن كلام الصحابي للإِيضاح أَو نحوه. كذا قاله الأصوليون، واستشكل الحكم بالإِدراك؛ لأنه ورد النهي عن النقاب والقفازين مرفوعًا مفردًا رواه أبو داود (١) عن إبراهيم بن سعد المدني، عن نافع عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: "المحرمة لا تنتقب ولا تلبس القفازين"، قال أبو داود: إبراهيم شيخ مدني ليس له كبير حديث، وقال ابن عدي: ليس بالمعروف. وقال في (الميزان): طريق ابن إسحاق: حدثني نافع عن ابن عمر أنه سمع رسول اللهِ ينهى النساء في إحرامهن عن القفازين والنقاب وما مس الورس والزعفران من الثياب، ويلبس بعد ذلك ما أحبت من الوان الثياب قال في (الاقتراح): دعوى الإِباحة في أول المتن ضعيفة، وأجبّ بأن النقاب إذا اختلفوا، وكان مع أحدهم زيادة قدمت، ولا سيما إن كان حافظًا، خصوصًا إن كان أحفظ، والأمر هنا كذلك، فإن عبيد الله بن عمر عن نافع أحفظ من جميع من خالف، وقد فصل المرفوع من الموقوف وتقوى برواية مالك، وهو أحفظ أصحاب نافع، وأما الذي ابتدأ: في المرفوع بالموقوف؛ فإنه من التصرف من الرواية

стр. 844

بالمعنى، فكأنه رأى أشياء متعاطفة فقدم وأخر لجواز ذلك عنده، ومع الذي فصلا زيادة علم، فهو أولى. كما قال (ق ٤٦٢) الحافظ ونحوه لشيخه زين العراقي الحافظ في شرح الترمذي. * * * ٤٢٥ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن أسْلَم مولى عمر بن الخطاب، أنَّه سمع أسْلَم يُحَدِّث عبد الله بن عمر، أن عمر بن الخطاب رأى على طَلْحَة بن عُبَيْد الله ثوبًا مصبوغًا وهو مُحْرِم، فقال عمر: ما هذا الثوب المصبوغ يا طَلْحَة؟ فقال: يا أمير المؤمنين، إنما هو من مَدَرٍ، فقال: إنكم أيها الرَّهطُ أئمة يَقْتَدِى بكم الناس، ولو أن رجلًا جاهلًا رأى هذا الثوب لقال: إنَّ طلحة كان يلبس الثياب المُصَبَّغَة في الإِحرام. قال محمد: يُكْرَهُ أن يلبس الْمُحْرِم المُشْبَعَ بالعُصْفُر، والمصبوغ بالوَرْس أو الزَّعْفَرانِ، إلا أن يكون شيءٌ من ذلك قد غُسِلَ فذهب ريحه، وصار لا ينفَضُّ، فلا بأس بأن يلبسه، ولا ينبغي للمرأة أن تَنْتَقِب، فإن أرادت أن تُغَطِّي وجهها فلتَسْدُل الثَّوْب سدْلًا من فوق خِمارها على وجهها، وتجافيه عن وجهها، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامّة من فقهائنا. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي نسخة أخرى: ثنا، أخبرنا وفي نسخة: قال: بنا نافع، بن عبد الله المدني مولى ابن عمر ثقة فقيه تابعي مشهور، من الطبقة الثالثة، مات سنة سبع عشرة ومائة أو بعد ذلك عن أسْلَم مولى عمر بن الخطاب، ﵁، يكنى أبا عبد الله العدوي المدني، ثقة عالم من الطبقة الثالثة، مات سنة ست وثلاثين. كذا قاله ابن حجر (١) أنه أي: نافعًا سمع أسْلَم يُحَدِّث عبد الله بن عمر، أي: يرويه ويحكيه أن عمر بن الخطاب ﵁ رأى على طَلْحَة بن عُبَيْد الله التيمي أحد العشرة المبشرة ثوبًا مصبوغًا بغير زعفران وورس وهو أي: طلحة بن عبيد الله مُحْرِم،

стр. 845

فقال عمر: ما هذا الثوب المصبوغ يا طَلْحَة؟ فقال: أي: طلحة يا أمير المؤمنين، إنما هو أي: الثوب المصبوغ من مَدَرٍ، بفتح الدال والميم المهملة وراء أي: من طين أحمر يقال مفرة قال: أي: عمر إنكم أيها الرَّهطُ أي: الأكابر من أصحاب النبي ﷺ أئمة أي: من المجتهدين يَقْتَدِي بكم الناس، أي: في أمور الدين لقوله ﷺ : "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم" ولو أن رجلًا جاهلًا رأى هذا الثوب أي: على مثل ذلك من بعيد عن مقامك لقال: إنَّ طلحة كان يلبس الثياب المُصَبَّغَة وفي نسخة: المصبوغة في الإِحرام ولم يفرق بين الحلال والحرام، مع أن نفس هذا اللون مع قطع النظر عن كونه طيبًا لا يليق بالعلماء الكرام، وزاد ابن الهمام: فلا تلبسوا أيها الرهط شيئًا من هذه الثياب المصبغة. انتهى. فإن صح كونه في محضر من الصحابة أفاد منع المتنازع فيه وغيره يخرج الأزرق بالإِجماع عليه، ويبقى المتنازع فيه في المنع، هذا آخر كلامه وفق مرامه فإنما كره عمر ذلك لئلا يقتدى به الجاهل فيظل جواز لبس الورس والزعفران، فلا حجة فيه لأبي حنيفة، فإن العصفر طيب، وفيه الفدية. قال ابن المنذر: وقد أجازه الجمهور لبس العصفر للمحرم. كذا قاله علي القاري والزرقاني (١). قال محمد: يُكْرَهُ أن يلبس الْمُحْرِم المُشْبَعَ بضم الميم وسكون الشين المعجمة وفتح الموحدة من أشبع الثوب صبغًا إذا أكثر صبغه حتى انتهى غايته كذا في (ضياء العلوم) بالعُصْفُر، بضمتين نبت [] (٢) اللحم الغليظ وعصفر ثوبه صبغه به أو المصبوغ بالوَرْس أو الزَّعْفَرانِ، وفي نسخة: أو الزعفران إلا أن يكون شيءٌ من ذلك قد غُسِلَ فذهب ريحه، وصار لا ينفَضُّ، بفتح الفاء وتشديد الضاد المعجمة، أي: لا يتناثر منه الطيب أو لا يفوح منه فلا بأس أي: لا حرمة بأن يلبسه، أي: حينئذ ولا ينبغي للمرأة أي: يحرم عليها إذا كانت محرمة أن تَنْتَقِب، أي: تلبس النقاب ولا تغطي وجهها من الحجاب فإن أرادت أن تُغَطِّي وجهها أي: لمقابلة غير محرم ونحو ذلك فلتَسْدُل بضم الدال من باب نصر ولا يقال: أسدل بالألف على ما في (المصباح)، أي: فلترخ وترسل الثَّوْب سدْلًا أي: إرخاء وإرسالًا من غير ضم جانبيه من فوق خِمارها بكسر أوله أي: ما يغطي به وجهها من

стр. 846

خشب (ق ٤٦٣) أو قصب على وجهها، وتجافيه أي: تباعد، المراد الثوب المسدول عن وجهها، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامّة من فقهائنا وقد قدمنا دليلنا وبينا خلاف من خالفنا في حق الرجل، وأما كون إحرام المرأة فلا أعلم خلافًا لذلك. * * * ٤٢٦ - أخبرنا مالك، حدثنا حُمَيْدُ بن قَيْس المكي، عن عطاء بن أبي رَباح، أنَّ أعرابيًا جاءَ إلى رسول الله ﷺ وهو بِحُنَيْنِ، وعلى الأعرابي قميصٌ به أثر صُفْرَة، فقال: يا رسول الله، إني أهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ، فكيف تأمرني أن أصنع؟ فقال رسول الله ﷺ : "انزع قميصك، واغسل هذه الصُّفْرَة عنك، وافعل في عمرتك مثل ما تفعل في حَجِّكَ". قال محمد: وبهذا نأخذ، ينزع قميصه، ويغسل الصُّفْرَة التي به. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي نسخة أخرى: أنا، وفي أخرى: ثنا، حدثنا وفي أخرى: قال: بنا، حُمَيْدُ بن قَيْس المكي، الأعرج يكنى أبا صفوان القارئ ليس به بأس من الطبقة السادسة، مات سنة ثلاثين ومائة، وقيل بعدها عمت عطاء بن أبي رَباح، بفتح الراء والموحدة، اسمه أسلم القرشي سيدهم المكي الشافعي، ثقة فقيه فاضل من الطبقة الثالثة، مات سنة أربع عشرة ومائة على المشهور، لكنه أرسله، ووصله البخاري (١) ومسلم (٢) وأبو داود (٣) والترمذي (٤) والنسائي (٥) من طرق عن عطاء عن صفوان بن يعلى بن أمية عن أبيه أنَّ أعرابيًا جاءَ إلى رسول الله ﷺ قال الحافظ: لم أقف

стр. 847

على اسمه، لكن في تفسير الطرطوسي أن اسمه عطاء بن منية قال ابن فتحون: إن ثبت ذلك فهو أخو يعلى راوي الخبر، ويجوز أن يكون خطأ من اسم الراوي؛ فإنه من رواية عطاء عن صفوان بن يعلى، عن أبيه، ومنهم من لم يذكر بين عطاء ويعلى أحدًا، وقول شيخنا ابن الملقن: يجوز أنه عمرو بن سواد؛ لأن في الشفا عنه: أتيت رسول الله ﷺ وأنا متخلق فقال: "ورس ورس حط حط" وغشيني بيده في بطني فأوجعني. . . الحديث، لكن عمرو هذا لا يدرك ذا فإنه صاحب ابن وهب معترض، فأما أولًا، فليست هذه القصة شبيهة بهذه القصة حتى يفسر صاحبها بها، وأما ثانيًا ففي الاستدراك غفلة عظيمة؛ لأن من يقول: أتيت النبي ﷺ لا يتخيل أنه صاحب صاحب مالك، بل إن ثبت فهو آخر اتفاقًا في الاسم واسم الأب ولم يثبت؛ لأنه انقلب على شيخنا فإنما الذي في الشفا سواد بن عمر، وقيل: سواد ابن عمرو، وأخرج حديثه المذكور عبد الرزاق في (مصنفه) والبغوي في (معجمه) وهو أي: النبي ﷺ بِحُنَيْنِ، بالتصغير وادي بالطائف. قال ابن عبد البر: المراد منصرفه من غزوة حنين، والموضع الذي لقيه فيه هو الجعرانة، وفي الصحيحين (١) وغيرهما أن يعلى قال لعمر: أرني النبي ﷺ حين يوحى إليه فبينا النبي ﷺ بالجعرانة ومعه نفر من أصحابه جاء رجل فقال: يا رسول الله كيف ترى في رجل أحرم بعمرة وهو متضمخ بطيب؟ فسألت النبي ﷺ فجاء الوحي فأشار عمر إلى يعلى وعلى رسول الله ﷺ ثوب قد أظل به فأدخل رأسه فإذا رسول الله ﷺ محمر الوجه وهو يغط ثم سري عنه وعلى الأعرابي قميصٌ ورواية: وعليه جبة به أثر صُفْرَة، أي: من ورس وزعفران فقال: يا رسول الله، إني أهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ، أي: أحرمت بها بالنية والتلبية فكيف تأمرني أن أصنع؟ أي: في عمرتي فقال رسول الله ﷺ : أي: بعد سكوته حتى نزل عليه الوحي ثم سري عنه فقال: "أين الذي سأل عن العمرة" فأتي به فقال: "انزع بكسر الزاي أي: اقلع (ق ٤٦٤) قميصك، أي: لأنه مخيط واغسل هذه الصُّفْرَة ولمسلم: "اخلع هذه الجبة واغسل هذا الزعفران عنك"، أي: بدنك، ولعل أصابه بعض شيء منه والأفضل الثوب غير محتاج إليه عند عدم لبسه، ولا يبعد أن يكون غيره فليلبسه على خلاف عامة من قبله ووضعه على كتفه موضع ردائه أو يجعله مكان إزاره، زاد الصحيحان: ثلاث مرات، قال عياض وغيره: يحتمل أنه من لفظ النبي ﷺ فيكون نص

стр. 848

في تكرار الغسل مرة ثم مرة على عادته أنه كان إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثًا لتفهم عنه وافعل في عمرتك أي: في أعمالها مثل ما تفعل في حَجِّكَ" أي: في أفعاله، وكان أمر الحج وأفعاله معلومًا عنده. قال محمد: وبهذا نأخذ، ينزع قميصه، ويغسل الصُّفْرَة التي به قال ابن العربي: كأنهم كانوا في الجاهلية يخلقون الثياب ويجتنبون الطيب في الإِحرام إذا حجوا ويتساهلون في العمرة، فأخبره النبي ﷺ أن مجراهما واحد. قاله الزرقاني. لما فرغ من بيان حرمة لبس الثياب مخيط أو المصبوغ بطيب من حمرة أو صفرة للمحرم بالحج أو العمرة، شرع في بيان ما رخص للمحرم من قتل الدواب، فقال: هذا * * * باب ما رخص للمحرم أن يقتل من الدواب في بيان أي: فعل ما رخص بضم الراء وتشديد الخاء المعجمة المكسورة والصاد المهملة أي: سهل من التسهيل ضد التضييق للمحرم، أي: بالحج أو العمرة واللام فيه اللام الفائدة، كما في قوله: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: ١] أي: أبيح لأجل المحرم، وفائدته أن يقتل من الدواب أي: المعدودة إذا اقتضت الحاجة إلى قتلها. ٤٢٧ - أخبرنا مالك، حدثنا نافع، عن عبد الله بن عمر، أنَّ رسول الله ﷺ قال: "خمسٌ من الدَّوابِّ ليس على المُحْرِم في قتلهنّ جُناح: الغُرَابُ، والفَأرَةُ، والْعَقْرَبُ، والحِدَأةُ، والكلبُ العَقُور". • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، وفي نسخة أخرى: بنا، وفي أخرى: أنا حدثنا وفي نسخة عن نافع، بن عبد الله المدني التابعي مولى ابن عمر ثقة ثبت فقيه مشهور، من الطبقة الثالثة، مات سنة سبع عشرة ومائة أو بعد ذلك كذا قاله ابن حجر عن عبد الله بن عمر، ﵄ أنَّ رسول الله ﷺ قال: "خمسٌ مبتدأ نكرة لتخصيصه

стр. 849

بقوله: من الدَّوابِّ أي: غير صيد البر وخبره ليس على المُحْرم في قتلهن جُناح أي: إثم ولو في الحرم فضلًا عن غير المحرم والإِحرام الغُرَابُ، أي: الذي يأكل الحية وهو الغراب الأبقع، زاد في حديث عائشة الأبقع وهو الذي في ظهره أو بظنه بياض يختلس وينقر ظهر البعير وينزع عينه والفَأرَةُ، بالهمزة وتبدل ألفا، ويستوي فيها الأهلية والوحشية روى الطحاوي عن يزيد بن أبي نعيم أنه سأل أبا سعيد الخدري: لم سميت الفأرة الفويسقة قال: استيقظ النبي ﷺ ذات ليل وقد أخذت فأرة فتيلة لتحرق عليه البيت فقام إليها وقتلها، وأحل قتلها للحلال والمحرم. وفي أبي داود (١) عن ابن عباس ﵄ أنه قال: جاءت فأرة فأخذت تجر الفتيلة فجاءت بها فألقتها بين يدي النبي ﷺ على الجمرة التي كان قاعدًا عليها فأحرقت منها موضع درهم زاد الحاكم (٢) فقال ﷺ "فاطفؤوا سرجاكم، فإن الشيطان يدل مثل هذه على هذا فتحرقكم". قال الحاكم: صحيح الإِسناد، وليس في الحيوان أفسد من الفأرة؛ (ق ٤٦٥) لأنه لا يبقى على حقير ولا جليل إلا أهلكه وأتلفه والْعَقْرَبُ، واحدة العقارب، مؤنثة والأنثى عقربة، وعقرباء بالمد بلا طرف ولها ثمانية أرجل، وعيناها في ظهرها تلدغ وتؤلم إيلامًا شديدًا، وربما ماتت بلسعتها الأفعى، وتقتل الفيل والبعير بلسعتها، ولا تضرب الميت ولا النائم حتى يتحرك شيء من بدنه فتضربه، وتأوي إلى الخنافس وتسالمها. وفي ابن ماجه (٣) عن عائشة ﵂، قالت: لدغت النبي ﷺ عقرب وهو في الصلاة فلما فرغ قال: "لعن الله العقرب ما تدع مصليًا ولا غيره، اقتلوها في الحل والحرم والحية أولى بالقتل" والحِدَأةُ، بكسر الحاء وفتح الدال المهملتين مقصورًا حدًا بكسر الحاء والقصر والهمزة كعنب وعنبة، وهي أخس الطير تخطف أطعمة الناس، وفي حديث عائشة والحُدَيّا بضم الحاء وفتح الدال وشد الياء مقصور تصغير الحداة والكلبُ العَقُور" بمعنى عاقر أي: جارح، وهو بفتح العين وضم القاف وسكون الواو والراء أي: المجنون والذي يعض. قال النووي: اختلفوا فيه فقيل: هو الكلب المعروف خاصة وقيل: الذئب وحده، وقال جمهور العلماء: المراد به كل عاقر مفترس غالبًا كالسبع والنمر

стр. 850

والذئب والفهد ونحوها، وقال ابن الهمام: اسم الكلب يتناول السباع بأسرها ويدل عليه أنه ﷺ قال داعيًا على عتبة بن أبي لهب: "اللهم سلط عليه كلبًا من كلابك" فافترسه السبع انتهى. وحكى عن النخعي لا يجوز للمحرم قتل الفأرة قال الخطابي: هذا مخالف للنص خارج عن أقاويل العلماء، وعن علي ومجاهد: لا يقتل الغراب ولكن يرهبه، قال عياض: لا يصح عن علي، وهو مخالف للأحاديث الصحيحة، لكن يوافقه ما لأبي داود (١) والترمذي (٢) وقال: حسن، وابن ماجه (٣) عن أبي سعيد مرفوعًا: "ويرمي الغراب ولا يقتله"، قال الخطابي: يشبه أن المراد به الغراب الصغير الذي يأكل الحب، وهو الذي استثناه مالك من جملة الغرابات وقال عطاء: فيه الفدية ولم يتابعه أحد، والحديث رواه البخاري عن عبد الله بن يوسف، ومسلم عن يحيى كلاهما عن مالك به، وتابعه ابن جريج والليث عن جرير بن حازم وعبيد الله وأيوب ويحيى بن سعيد، كل هؤلاء عن نافع عن ابن عمر: سمعت النبي ﷺ إلا ابن جريج، وتابعه محمد بن إسحاق. قال مسلم في صحيحه: كذا قاله السيد محمد الزرقاني (٤). * * * ٤٢٨ - أخبرنا مالك، حدثنا عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، أنَّ رسول الله ﷺ قال: "خمسٌ من الدَّوابِّ مَنْ قَتَلَهُنَّ وهو مُحْرِم فلا جُناح عليه: الْعَقْرَبُ، والفَأرَةُ، والكلبُ العَقُور، والغُرَابُ، والحِدَأةُ". • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، حدثنا وفي نسخة: قال: بنا عبد الله بن دينار، العدوي، مولاهم يكنى أبا عبد الرحمن المدني مولى ابن عمر، ثقة من الطبقة الرابعة من تابعي أهل المدينة، مات سنة سبع وعشرين ومائة عن ابن عمر، ﵁

стр. 851

قال رسول الله ﷺ قال: "خمسٌ من الدَّوابِّ جمع الدابة، وهي ما يدب على الأرض المفصلة في قوله تعالى في سورة النور: ﴿خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ﴾ الآية [النور: ٤٥] مَنْ قَتَلَهُنَّ أي: والحال وهو مُحْرِم أو في الحرَم فغيره أولى فلا جُناح عليه: أي: لا إثم عليه الْعَقْرَبُ، والفَأرَةُ، والكلبُ العَقُور، أي: الجارح المفترس كأسد وذئب، سماهما كلابًا، لاشتراكهما في السبعية، وفي نسخة: قوله: والكلب العقور. وقع في آخر الحديث بعد قوله: والغُرَابُ، والحِدَأةُ" سمى به لسواده، ومنه قوله تعالى في سورة (ق ٤٦٦) الملائكة: ﴿وَغَرَابِيبُ سُودٌ﴾ [فاطر: ٢٧] وهما لفظان بمعنى واحد، والعرب يتشاءمون به إذا توجهوا بطريق ولقوا بغراب رجعوا عنه وتقوَّلوا زعمًا أنه لا خير في هذا الطريق وتركوا العمل، فلذا اشتقوا الغربة والاغتراب وغراب البين هو الأبقع قال (صاحب المجالسة): سمي بذلك؛ لأنه بان من نوح صلوات الله على نبينا وعليه ليختبر أمر الطوفان والحدأة بزنة عنبة. * * * ٤٢٩ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، عن عمر بن الخطاب، أنَّه أمر بقتل الحَيَّات في الحَرم. • أخبرنا مالك، أي: ابن أنس بن عمير بن أبي عامر الإِمام الأصبحي، يعني منسوب إلى ملك ذي أصبح من ملوك اليمن، وكان في الطبقة السابعة من كبار أتباع التابعين، من أهل المدينة، وفي نسخة: محمد ثنا، أو أنا أخبرنا ابن شهاب، أي: محمد بن مسلم بن شهاب بن زهرة بن كلاب، تابعي من الطبقة الرابعة من أهل المدينة عن عمر بن الخطاب، ﵁ أنَّه أمر بقتل الحَيَّات في الحَرم أي: سواء كان القاتل محرمًا أو حلالًا، ففي غير المحرم بالطريق الأولى؛ إما لأنه بلغه الحديث الذي فيه الجهة، وإما لأنها أولى من العقرب قال الأبي: قد صح النهي عن قتل حيات البيوت بلا إنذار فهو مختص لهذا العموم، والإنذار عند مالك في حيات البيوت المدينة أكثر من حيات بيوت غيرها. * * *

стр. 852

٤٣٠ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، قال: بلغني أن سعد بن أبي وقاص كان يقول: أمر رسول الله ﷺ بقتل الوَزَغ. قال محمد: وبهذا كله نأخذ، وهو قولُ أبي حنيفة والعامّة من فقهائنا. • أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، أي: محمد بن مسلم بن شهاب الزهري قال بلغني أي: بواسطة أن سعد بن أبي وقاص أي: أحد العشرة المبشرين بالجنة كان يقول: أمر رسول الله ﷺ بقتل الوَزَغ بفتح الواو والزاي المعجمة المفتوحة جمع الوزغة، وهي سام أبرص، واتفقوا على أنه من الحشرات المؤزية، وروى الشيخان والنسائي وابن ماجه عن أم شريك: أنها استأمرت النبي ﷺ في قتل الوزغان فأمرها بذلك. وفي الصحيحين أن النبي ﷺ أمر بقتل الوزغ، وأسماه فويسقًا، وقال: "كان ينفخ النار على إبراهيم". وكذلك رواه أحمد في مسنده (١)، وفي الصحيح (٢) عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "من قتل وزغة في أول ضربة فله مائة حسنة، وفي الثانية دون ذلك وفي الثالثة دون ذلك" وروى الطبراني (٣) بإسناد ضعيف عن ابن عباس ﵁: أن النبي ﷺ قال: "اقتلوا الوزغة، ولو في جوف الكعبة". قال محمد: وبهذا أي: بما رواه ابن شهاب كله نأخذ، أي: نعمل وهو أي: ما قاله ابن شهاب وهو قولُ أبي حنيفة والعامّة من فقهائنا ﵏. لما فرغ من بيان ما رخص للمحرم من قتل الدواب المعدودة في الحل والحرم، شرع في بيان حكم الرجل يفوته الحج، فقال: هذا * * *

стр. 853

باب الرجل الْمُحْرِم يفوته الحج في بيان حكم حال الرجل يفوته الحج، وهو أن يحرم به، ولم يحصل له الوقوف بعرفات في وقته، وهو من الزوال من يوم عرفة إلى طلوع فجر يوم النحر (ق ٤٦٧). ٤٣١ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن سليمان بن يَسَار: أن هَبَّار بن الأسود جاءَ يوم النحر، وعمر ينحر بُدْنَهُ، فقال: يا أمير المؤمنين، أخطأنا في العِدَّة، كنا نرى أن هذا اليوم يوم عَرَفَة، فقال له عمر: اذهب إلى مكة فَطُفْ بالبيت سبعًا وبين الصفا والمروة سبعًا، أنت ومن معك، وانحر هَدْيًا إن كان معك، ثم احلقوا أو قصِّروا، وارجعوا فإن كان قَابلٌ فَحُجُّوا واهدوا، فمن لم يجد فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم. قال محمد: وبهذا نأخذ، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا، إلا في خَصلة واحدة، لا هَدْي عليهم من قابل ولا صوم، وكذلك روى الأعمش عن إبراهيم النَخَعيِّ، عن الأسود بنِ يزيد، قال: سألتُ عمر بن الخطاب، عن الذي يفوته الحج، فقال: يَحِل بعُمْرة، وعليه الحج من قابل، ولم يذكر هديًا، قال: ثم سألتُ بعد ذلك زيد بن ثابت، فقال: مثل قول عمر. قال محمد: وبهذا نأخذ، وكيف يكون عليه هدي، فإن لم يجد فالصيام، وهو لم يتمتع في أشهر الحج؟ • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، وفي نسخة أخرى: بنا، أخبرنا وفي نسخة عن نافع، بن عبد الله المدني التابعي مولى ابن عمر، ثقة ثبت فقيه مشهور، من الطبقة الثالثة، مات سنة سبع عشرة ومائة أو بعد ذلك عن سليمان بن يَسَار: الهلالي المدني، مولى ميمونة، وقيل: مولى أم سلمة، ثقة فاضل أحد الفقهاء السبعة، من كبار التابعين من الطبقة الأولى، مات بعد المائة، وقيل قبلها. كذا قاله ابن حجر في

стр. 854

(التقريب) (١) ومن مناقبه أنه كان من أحسن الناس وجهًا، فدخلت عليه امرأة فسألته نفسه فامتنع فقالت: ادن فخرج من منزله هاربًا، وتركها فيه فرأى فيما يرى النائم يوسف صلوات الله على نبينا وعليه وكأنه يقول له: أنت يوسف قال: نعم أنا يوسف، وخرج هو وأخوه عطاء حاجين ومعهما أصحاب فنزلوا بالأبواء، فانطلق سليمان وأصحابه لبعض حاجتهم، وبقى عطاء يصلي فدخلت عليه امرأة جميلة، فلما رآها ظن أن لها حاجة فأوجز ثم قال لها: ألك حاجة؟ قالت: نعم قال: وما هي؟ قالت: قم فأصب مني، فإني أطلب أن تطأني، ولا بعل لي، قال: إليك عني لا تحرقيني ونفسك بالنار، ونظر إلى امرأة جميلة، وجعلت تراوده، أي تريده عن نفسه ولا تأتي إلا ما تريد، فجعل يبكي ويقول: ويحك إليك عني، واشتد بكاؤه، فلما نظرت إليه وما داخله من البكاء والجزع بكت لبكائه، فجعل يبكي وهي تبكي بين يديه، وجعل أصحابه يأتون رجلًا رجلًا، حتى أتى رجل فرآهم يبكون فجلس يبكي لبكائهم، لا يسألهم عن أمرهم حتى كثر البكاء وعلا الصوت، فلما رأت الأعرابية ذلك قامت فخرجت فقام القوم فدخلوه، فلبث سليمان بعد ذلك لا يسأل أخاه إجلالًا له وهيبة له، وكان أسن منه، ثم قدما مصر لبعض حاجتهم فلبثا بها ما شاء الله فبينا عطاء ذات ليلة نائم إذ استيقظ وهو يبكي، فقال سليمان: ما يبكيك؟ قال: رؤيا، قال: ما هي؟ قال: لا تخبر بها أحدًا ما دمت حيًا، رأيت يوسف صلوات الله على نبينا وعليه، فجئت أنظر إليه فيمن ينظر، فلما رأيت حسنه بكيت، فقال: ما يبكيك قلت: بأبي أنت وأمي يا نبي الله، ذكرتك وامرأة العزيز وما ابتليت به من أمرها، وما لقيت من السجن وفرقة يعقوب صلوات الله على نبينا وعليه، فبكيت من ذلك، وجعلت أتعجب منه، قال: فهلا تعجب من صاحب المرأة البدوية بالأبواء، فعرفت الذي آراه فبكيت واستيقظت باكيًا، قال سليمان: أي أخي، وما كان من حالى تلك المرأة، فقص عليه القصة فما أُخبِر بها أحدٌ حتى مات، فكان سليمان يصوم الدهر وعطاء يصوم يومًا ويفطر يومًا. كذا قاله (ابن الجوزي) في طبقاته أن الحباء بفتح الحاء وتشديد الموحدة ابن الأسود بن المطلب بن أسد بن العزى بن قصي القرشي الأسدي أسلم بالجعرانة بعد فتح مكة، صحابي شهير، وللبخاري في (التاريخ) عن موسى بن عطية عن سليمان بن يسار

стр. 855

عن هَبَّار أنه حدثه أنه جاءَ يوم النحر، أي: وصل فيه من السفر وعمر (ق ٤٦٨) ﵁ ينحر بُدْنَهُ، بضم الموحدة وسكون الدال المهملة والنون جمع بدنة، وهي الإِبل، قوله: عمر إلى آخره جملة حالية فقال: أي: هبار بن الأسود يا أمير المؤمنين، أخطأنا في العِدَّة، أي: في عدد أيام ذي الحجة كنا أي: أنا ورفقتي نرى بضم النون وفتح الراء أي: نظن أن هذا اليوم أي: اليوم الذي نحن فيه يوم النحر يوم عَرَفَة، فلهذا تأخرنا والحج فأما [] فما نقصد في إحرامنا؟ فقال له عمر: اذهب إلى مكة فَطُفْ أي: أنت ومن معك بالبيت سبعًا أي: واقطع التلبية عند استلام الحجر كالعمرة وبين الصفا والمروة سبعًا، أنت ومن معك، وانحر هَدْيًا إن كان معك، أي: إن وجد الهدي معك ومعهم، وكان هبار قد حج من الشام كما في رواية ثم احلقوا وهو الأفضل أو قصِّروا، وارجعوا أي: إلى بلادكم إن أردتم فإنكم قد أحللتم فإن كان قَابلٌ أي: عام المستقبل فَحُجُّوا أي: قضاء واهدوا، أي: وجوب لقوله فمن لم يجد أي: الهدي حقيقة أو حكمًا فليصم أي: بدل الهدي ثلاثة أيام أي: متوالية أم لا في الحج أي: في الشهر بعد إحرامه به، فالأفضل أن يكون آخرها يوم عرفة رجاء أن يجده وسبعة إذا رجعتم أي: عن الحج وفرغتم عن أفعاله في أيامه ولو بمكة أو إذا رجعتم إلى بلادكم، فإن الأمر موسع عليكم، وفي البخاري عن سالم قال: كان ابن عمر يقول: أليس حسبكم سنة رسول الله ﷺ إن حبس أحدكم عن الحج طاف بالبيت وبالصفا والمروة ثم حل من كل شيء حتى يحج عام قابل، أفيهدي أو يصوم إن لم يجد هديًا، قول الصحابي بكذا له حكم الرفع، وهو قد صرح بإضافتها له ﷺ ، فهو مرفوع بلا ريب. كذا قاله محمد الزرقاني (١). قال محمد: وبهذا أي: بما ذكره نأخذ، أي: نعمل وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا، وفي نسخة: قبلنا أي من الصحابة والتابعين والأئمة والمجتهدين إلا في خَصلة واحدة، أي: فإنها ليست بواجبة بل مستحبة، كما بينها بقوله: لا هَدْي أي: وجوبًا عليهم أي: على فائتي الحج من قابل ولا صوم، وكذلك أي: كما ذكر لك أيها المخاطب من وجوب أفعال العمرة دون وجود الهدي والصوم وروى وفي نسخة: ذكر الأعمش يكنى أبا محمد، روى عن عيسى بن يونس، قال: ما رأينا في زماننا مثل

стр. 856

الأعمش، وما رأيت الأغنياء والسلاطين في مجلس أحد أحقر منهم في مجلس الأعمش وهو محتاج إلى درهم، قال وكيع: كان الأعمش قريبًا من سبعين سنة لم تفته التكبيرة الأولى، واختلفت إليه ستين سنة، ما رأيته يقضي ركعة، وكان من النساك، وكان محافظًا على الصلاة في الجماعة وعلى الصف الأول، وكان في الطبقة الرابعة من أهل الكوفة، وهي في الإِقليم الثالث من الأقاليم السبعة في وجه الأرض، عن إبراهيم بن يزيد بن الأسود النَخَعّيِّ، يكنى أبا عمر كان في الطبقة الثالثة من أهل الكوفة عن الأسود بن يزيد بن قيس، بن عبد الله يكنى أبا عمرو، وهو ابن أخي علقمة بن قيس، وهو أكبر من علقمة، كان حج ثمانين حجة وعمرة، وكان من مشايخ التابعين، وكان في الطبقة الأولى من أهل الكوفة، مات سنة أربع وسبعين كذا قاله (أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي) في طبقاته قال: أي: الأسود بن يزيد سألتُ عمر بن الخطاب، ﵁ عن الذي يفوته الحج، فقال: يَحِل أي: عن إحرامه (ق ٤٦٩) بالعُمْرَة، أي: بأفعالها وعليه الحج من قابل، ولم يذكر هديًا، أي: لو كان واجبًا لذكره ثم أي: قال الأسود: سألتُ بعد ذلك أي: بعد ما سألت عمر بن الخطاب عمن يفوته الحج زيد بن ثابت، المدني تابعي ثقة، فقيه من الطبقة الثالثة، مات سنة مائة من الهجرة فقال: أي: زيد بن ثابت مثل ما قال عمر وفي نسخة: مثل قول عمر بدون ذكر الهدي وبدله، فما روى عن عمر بن الخطاب محمول على الاستحباب، وحاصله أن فائت الحج طاف وسعى وتحلل وقضى بإحرام جديد من قابل لازم عليه ولا طواف في الصدر فلو لم يتحلل وبقى محرمًا إلى قابل فحج بذلك الإِحرام لم يصح حجه؛ لأن الإِحرام له شبه بالركن وشبه بالشرط. قال محمد: وبهذا أي: بما رواه الأعمش عن عمرو بن زيد بن ثابت نأخذ، أي: نعمل وتفتي؛ لأنه أقوى رواية كما بينه بقوله: وكيف يكون عليه أي: على ما فاته الحج هدي، أي: واجب فإن لم يجد فصيام، وفي نسخة: فالصيام بدله وهو لم يتمتع في أشهر الحج؟ أي: لا تمتع المنون وفق مني ولا القران الذي في معناه، والآية إنما أنزلت فيهما، حيث قال تعالى في سورة البقرة: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ الآية [البقرة: ١٩٦] فالجملة الجزائية لا تترتب إلا على تحقق الجملة الشرطية والله أعلم بالكلية والجزائية، ولعل عمر

стр. 857

رضي الله عنه قال: من على المحرم في وجوب الهدي، وبه قال مالك والشافعي، ولنا ما رواه الدارقطني (١) من حديث ابن عباس وابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "من وقف بعرفات بليل فقد أدرك الحج، ومن فاته عرفات بليل فقد فاته الحج فليحل بعمرة، وعليه الحج من قابل" ولم يذكر الهدي، ولو كان واجبًا لذكره؛ لأن الحج يعطي بالمثل فقط كالصلاة والصوم، وإنما وجب الدم على المحصر ليتحلل به فائت الحج بأفعال العمرة، فلا يجمع بينهما والله أعلم كما قاله على القاري. لما فرغ من بيان حكم حال من فاته الحج، شرع في بيان أحكام حال المحرم لينزع ويطرح عن بعيره ما يؤذيه من القراد والقمل، فقال: هذا * * * باب الحلمة والقراد ينزعه المحرم في بيان الحلمة والقراد الكبير كذا في (القاموس)، والقراد بضم القاف وفتح الراء المهملة والدال بينهما ألف يقال له: باللسان التركي كنه، أي: يفعله ويطرحه عن بعيره من غير قتل. ٤٣٢ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، أن عبد الله بن عمر كان يكره أن ينزع الْمُحْرِم حَلَمة أو قرادًا عن بعيره. قال محمد: لا بأس بذلك، قول عمر بن الخطاب في هذا أعْجَبُ إلينا من قول عبد الله بن عمر. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا وأنا، في نسخة: ثنا، أخبرنا وفي نسخة عن نافع، بن عبد الله المدني مولى ابن عمر، ثقة ثبت، فقيه مشهور من الطبقة الثالثة، مات سنة سبع عشرة ومائة أو بعد ذلك من الهجرة كذا قاله ابن حجر (٢) أن عبد الله بن

стр. 858

عمر كان يكره أن ينزع أي: يقلع الْمُحْرِم حَلَمة بفتحتين جمع أو قرادًا بضم القاف والراء والدال وألف بينهما بوزن غراب، و "أو" للتنويع لا للشك عن بعيره وأما عن نفسه فيجوز؛ لأنه ليس من دواب الإِنسان وفي نسخة: عن بعيره. قال محمد: لا بأس بذلك، أي: لا كراهة للمحرم أن يطرح عن بعيره شيئًا مؤذيًا به بغير قتله قول عمر بن الخطاب ﵁، وهو في الحديث الثاني من هذا الباب في هذا أي: الحكم وفي نسخة: وفي ذلك الأمر أعْجَبُ أي: أحب أو أوجب إلينا من قول عبد الله بن عمر؛ لأن مقامه في العلم دون والده، ولعله كان يمنعه ويقسيه على نزع (ق ٤٧٠) المحرم قملة وطرحه عن بدنه والفرق بينهما ظاهر؛ لأنها مؤذية بطبعها، وليست بصيد ولا متولد من بدن أي إنسان. * * * ٤٣٣ - أخبرنا مالك، حدثنا عبد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، عن محمد بن إبراهيم التَّيْمِيّ عن ربيعة بن عبد الله بن الهُدَيْر، قال: رأيتُ عمر بن الخطاب يُقَرّد بعيره بالسُّقْيَا وهو مُحْرِم، فيجعله في طين. قال محمد: وبهذا نأخذ، لا بأس به، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا أو أنا، وفي نسخة أخرى: ثنا، حدثنا عبد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، ﵁ كان من الطبقة السابعة، مات سنة إحدى وسبعين عن محمد بن إبراهيم بن الحارث بن خالد القرشي التَّيْمِيّ، يكنى أبا عبد الله المدني ثقة له أفراد، كان من الطبقة الرابعة مات سنة عشرين ومائة من الهجرة على الصحيح كذا قاله ابن حجر (١) عن ربيعة بن عبد الله بن الهُدَيْر،

стр. 859

بضم الهاء وفتح الدال المهملة، كان من الطبقة السادسة من التابعين كذا قاله ابن حبان قال: أي: ربيعة بن عبد الله رأيتُ عمر بن الخطاب يُقَرّد بعيره بضم التحتية وفتح القاف وتشديد الراء المكسورة أي: يزيل عنه القراد ويلقيه بالسُّقْيَا بضم السين المهملة وسكون القاف التحتية وألف مكسورة قرية جامعة بين مكة والمدينة وهو مُحْرِم، أي: والحال أن عمر محرم بالحج أو العمرة فيجعله أي: فيرميه في طين أي: لئلا يرجع إلى البعير ليكون أعون على قتله، ولأنه يرى حاله. قال محمد: وبهذا أي: بقول ربيعة بن عبد الله لا بغيره نأخذ، أي: نعمل ونفتي لا بأس به، أي: لا جناية بقتله فضلًا عن نزعه، وفي معناه البعوض والبرغوث وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا أي: الحنفية. لما فرغ من بيان حكم نزع المحرم القراد عن بعيره، شرع في بيان حكم لبس المحرم المنطقة والهميان، فقال: هذا * * * ٢٠ - باب لبس المنطقة والهميان للمحرم في بيان حكم لبس المحرم المنطقة بكسر الميم وفتح الطاء المهملة ما يشد به وسط الرجل والهميان للمحرم، وهو بكسر الهاء وسكون الميم وفتح التحتية وألف ونون على وزن غلمان، هو الذي يجعل فيه النفقة ويشده على الوسط ويشبه تكة السروال. ٤٣٤ - أخبرنا مالك، حدثنا نافع: أن عبد الله بن عمر كان يكره لبس المِنْطَقَة للمحرم. قال محمد: هذا أيضًا لا بأس به، قد رَخَّص غير واحدٍ من الفقهاء في لبس الهِمْيان للمُحْرِم، وقال: استوثقْ من نفقتك. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا أو أنا، وفي نسخة أخرى: ثنا حدثنا وفي نسخة عن نافع بن عبد الله المدني مولى ابن عمر، ثقة مشهور فقيه، كان من الطبقة الثالثة،

стр. 860

مات سنة سبع عشرة ومائة أو بعد ذلك كذا في (التقريب) (١) أن عبد الله بن عمر كان يكره أي: تنزيهًا لبس المِنْطَقَة للمحرم يعني وكذا لبس الهميان، والظاهر أنه لا يلزم من كراهية لبس المنطقة كراهة لبس الهميان؛ لأن في الثاني ضرورة حفظ، والضرورات تبيح المحظورات بخلاف مجرد المنطقة، ولما كان عبادته مهمة للمشاركة بينهما في حكم الكراهة. قال محمد: هذا أي: لبس المحرم منطقة أيضًا أي: مثل ما فعله عمر بن الخطاب من تقدير بعيره ورميه في طين ما يؤذي بعيره لا بأس به، أي: لا كراهة للمحرم أن يلبس منطقة وهميان وسيف وسلاح وتختم بغير طيب وختان وفصد وحجامة وجبر كسر وحك رأسه وبدنه من غير أن يسقط من بدنه شيء كذا نقلناه من (تهذيب نور الإِيضاح) للشرنبلالي عن (تنوير الأبصار) وغيره، وإنما كرهه ابن عمر تنزيهًا قد رَخَّص غير واحدٍ أي: كثير من الفقهاء في لبس الهِمْيان للمُحْرِم، وقال: أي: غير واحد منهم استوثقْ أمر مخاطب من الاستوثاق أي: استحفظ واستحكم من نفقتك أي: من أجلها فإنها زاد طريقك، ويستوي فيه كون النفقة له أو لغيره؛ لأن شده ليس (ق ٤٧١) بلبس مخيط قالوا: لو شد المنطقة أو السيف أو تختم بخاتم لا يكره، كما نقلناه آنفًا، وعن أبي يوسف يكره شد المنطقة الإِبريسم، يعني لكونه حريرًا، وفي الجملة يسمى لبسا، فإن قلت: لو لم يكن الشد لبسًا لما كرهوا شد الإِوار بحبل أو غيره مع أنه مكروه إجماعًا. قلت: يثبت كراهته بالحديث وهو أنه ﷺ رأى رجل شد ما فوق إزاره حبلًا، فقال: ألق الحبل كذا نقله علي القاري عن (شرح المجمع). لما فرغ من بيان حكم لبس المحرم المنطقة والهميان، شرع في بيان حكم حال المحرم يحك جلده، فقال: هذا * * * باب المحرم يحك جلده في بيان حكم حال المحرم يحك جلده أي: جزء من جسده برفق بحيث لا يقطع شعره.

стр. 861

٤٣٥ - أخبرنا مالك، أخبرنا عَلْقَمَة بن أبي عَلْقَمة، عن أُمِّه، قالت: سمعتُ عائشة تُسأل عن المحرم يحك جلده، فتقول: نعم، فليحكّ وَلْيَشْدُدْ، ولو رُبِطَتْ يَدَايَ ثم لم أجد إلا أن أحك برجليَّ لاحتككت. قال محمد: وبهذا نأخذ، وهو قولُ أبي حنيفة. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي نسخة أخرى: ثنا، أي: حدثنا مالك بن أنس بن عمير بن أبي عامر الإِمام الأصبحي، يعني منسوب إلى ملك ذي أصبح، من ملوك اليمن، كان في الطبقة السابعة من طبقات كبار أتباع التابعين، من أهل المدينة، وهي كانت في الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة في وجه الأرض أخبرنا وفي نسخة أخرى: ثنا عَلْقَمَة بن أبي عَلْقَمة، واسمه بلال مولى أم عائشة روى عن أنس بن مالك وعن أُمِّه أي: مرجانة علق لها البخاري في الحيض، وهي مقبولة كانت في الطبقة الثالثة كما قال ابن حجر (١) قال: سمعتُ عائشة زوج النبي ﷺ تُسأل بصيغة المجهول عن المحرم يحك أي: يحك جلده، أي: بدنه فتقول: نعم، أي: يجوز له الحك فليحكّ أمر إباحة بالحك وكذا وَلْيَشْدُدْ، بفتح التحتية وسكون الشين المعجمة وضم الدال الأولى وسكون الثانية أي: وليبالغ في الحك إذا أراد ولو رُبِطَت بصيغة المجهول أي: شدت يَدَايَ أي: كلتاهما فرضا وتقديرًا واحتجت إلى حك بدني ثم لم أجد أي: شيئا أحك به إلا أن أحك برجليَّ بصيغة التثنية أو لاحتككت لو قدرت عليه. قال محمد: وبهذا أي: بقول أم علقمة نأخذ، أي: نعمل وهو قولُ أبي حنيفة رحمه الله تعالى قولًا لاحتككت زادته أم علقمة عن المسئول عنه لكن يحمل قولها: وليشدد عن مالك على ماذا كان يرى ما يحكه، فإن لم يره كرأسه وظهره، فإنما يجوز الحك برفق؛ لأنه إذا شدد مع عدم الرؤية ربما أتى على شيء من الدواب ولا يشعر به. لما فرغ من بيان حكم احتكاك المحرم، شرع في بيان حكم تزوج المحرم، فقال: هذا * * *

стр. 862

باب الْمُحْرِم يتزوج في بيان حكم حال المحرم يتزوج، يعني: أو يزوج وما يتبعهما في الخطبة والعقد وغيرهما. ٤٣٦ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن نُبَيْهِ بن وهب: أخي بني عبد الدار، أن عُمر بن عُبَيْد الله أرسل إلى أبان بن عثمان، وأبان أمير على المدينة، وهما مُحْرمان فقال: إني أردتُ أن أُنْكِحَ طلحة ابن عمر ابنة شيبة بن جبير، وأردتُ أن تحضُر ذلك، فأنكر عليه أبان، وقال: إني سمعتُ عثمان بن عفان قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يَنكِحُ المُحْرِم ولا يخطب، ولا يُنْكِح". • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا أو أنا، وفي نسخة: ثنا أخبرنا وفي نسخة: عن نافع، بن عبد الله المدني ثقة ثبت فقيه مولى ابن عمر، مشهور كان من الطبقة الثالثة، مات سنة سبع عشرة ومائة أو بعد ذلك عن نُبَيْهِ بضم النون وفتح الموحدة وسكون تحتية فهاء ابن وهب بن عثمان العبدري المدني ثقة أخي بني عبد بن قصي كان من الطبقة الثالثة من صغار التابعين روى عنه نافع، مات سنة ستة وعشرين أن عُمر بن عُبَيْد الله بضم العينين أي: ابن معمر بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة القرشي التيمي وجده معمر صحابي، وهو ابن عم أبي قحافة والد الصديق أرسل إلى أبان بفتح الهمزة وتخفيف الموحدة ابن عثمان بن عفان الأموي المدني الثقة، مات سنة خمس ومائة وأبان يومئذ أمير على المدينة، وفي رواية يحيى (ق ٤٧٢) في موطئه أمير الحجاج أي من جهة عبد الملك، ويمكن التوجيه بينهما بأن يكون أميرًا على المدينة حتى يكون أميرًا للحجاج، وأقام غيره مقامه في المدينة حتي يعود من الحج وهما أي: عمر بن عبيد الله وأبان مُحْرمان فقال: أي: عمر إني أردتُ أن أُنْكِحَ بضم الهمزة أي أزوج طلحة بن عمر القرشي التيمي، وقال بعضهم: الأنصاري والأول صحيح، ففي مسلم من رواية أيوب عن نافع عن نبيه بعثني عمر بن عبيد الله وكان يخطب بنت شيبة بن جبير، وفي نسخة: ابنة شيبة واسمها. أمة الحميد كما ذكره الزبير بن بكار وغيره. قوله: جبير بالتصغير أي: ابن عثمان

стр. 863

ابن أبي طلحة العبدري وأردتُ أن تحضُر ذلك، أي: مجلس العقد هنالك فيه ندب الاستئذان لحضور العقد، وفي نسخة: إن مخفقة من إني فأنكر عليه أبان، أي: جوازه فقال: ألا أراه عراقيًا جافيًا كما في رواية لمسلم، وله في أخرى: أعرابيًا أي جاهلًا بالسنة كالأعراب ومعنى رواية القاف أخذ بمذهب أهل العراق تاركًا بالسنة وقال: أي: أبان بن عثمان بن عفان الأموي المدني إني سمعتُ عثمان بن عفان ﵁، يعني أباه، وفي تصريحه سمعت رد على من قال: أنه لم يسمع أباه فالمثبت مقدم على المنفي قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يَنكِحُ بفتح التحتية نفيًا أو نهيًا أي: لا يعقد لنفسه المُحْرِم أي: بحج أو عمرة أو بهما ولا يخطب، يحتمل الخطبة بكسر الخاء المعجمة وسكون الطاء المهملة وبضم الخاء وسكون الطاء وفتح الموحدة فيهما، لكن المراد هنا الأول؛ لأن الخطبة بكسر المعجمة وسكون المهملة وفتح الموحدة، بمعنى دعوة المرأة للتزوج، كذا قاله محمد الواني في (ترجمة الجوهري) ولا يُنْكح" بضم التحتية وسكون النون لا يزوج غيره بولاية ولا وكالة فيه حرمة العقد، وبه قال الجمهور من الصحابة فمن بعدهم، فلو عقد لم يصح وليفسخ أبدًا بطلقة عند مالك للاختلاف فيه، فيزال الاختلاف بالطلاق احتياطًا للفرج. وقال الشافعي: بلا طلاق، وقال أبو حنيفة والكوفيون: يصح نكاحه وإنكاحه، وأجابوا عن هذا الحديث بأنه ليس نهيًا عن نكاح المحرم بل هو إخبار عن حاله، وأنه لاشتغاله بنسكه ولا يتبع زمانه لعقد النكاح ولا يتفرغ له، وبأنه المراد بالنكاح هنا الوطء لا العقد، فقوله: لا ينكح ولا يطأ، وتعقب بأن الرواية الصحيحة بالجزم على النهي لا على حكاية الحال وحمله عليها لا يكون إخبارًا عن أمر شرعي، بل عن قصة يشترك في معرفتها الخاص والعام وحمل كلام الشارع على الشرعيات التي لا تعلم إلا من جهة أولى أيضًا، فإن أبان بن عثمان بن عفان روى الحديث فهم أن المراد النهي وأنكر عمر بن عبيد الله وأقام عليه الحجة بالحديث، وحمل النكاح على الوطء لا فائدة فيه إن هو أمر مقرر يعلمه كل واحد، وأيضًا فهو خلاف فهم راويه، ولو صح في الجملة الأولى لم يصح في الثانية، فإن قوله: ولا ينكح نهي عن التزويج بلا شك، وإذا منع من العقد لغيره فأولى لنفسه، ولا حجة لهم في قول ابن عباس أن النبي ﷺ تزوج ميمونة ﵂ وهو محرم رواه البخاري (١) ومسلم (٢) وأصحاب

стр. 864

السنن (١)؛ لأن ابن المسيب وغيره وهموه في ذلك؛ فإنه انفرد به وخالفته ميمونة وأبو رافع، فرويا أنه ﷺ نكحها، وهو حلال وهو (ق ٤٧٣) أولى بالقبول؛ لأن ميمونة وهي الزوجة، وأبو رافع هو السفير أي: المصلح بينهما فهما أعرف بالواقعة من ابن عباس؛ لأنه ليس من التعلق بالقصة ما لهما ولصغره حينئذ عنهما إن لم يكن في سنهما ولا يقرب منه، فإن لم يكن وهما فهو قابل للتأويل بأن معنى وهو محرم أي: في الحرم؛ لأن ابن عباس عربي فصيح يتكلم وهم يقولون: أحرم وأنجد، وأتهم إذا دخل الحرم ونجد وتهامة أو في الشهر الحرام كقوله: قتلوا ابن عفان الخليفة محرمًا في الشهر الحرام فإن لم يكن محرمًا بحج ولا بعمرة أو هو على مذهبه أن من قلد هديه صار محرمًا بالتقليد، فلعل لين عباس علم نكاحه بعد أن قلد هديه ﷺ أو أن عقد الإِحرام من خصائصه ﷺ -كما هو المعتمد عند المالكية والشافعية، وعلى تقدير الإِغماض عن هذا كله فقد تعارض هو وحديث ميمونة وأبي رافع فسقط الاحتجاج بالخبرين، ووجب الرجوع إلى حديث عثمان؛ لأنه لا معارض له كذا ذكره ابن عبد البر وغيره، ويرجحه أن الصحيح عند أهل الأصول ترجيح القول إذا تعارض هو والفعل لقوة القول، لدلالته بنفسه على الفعل فإنه يدل بواسطة القول، ولتعدي القول إلى الغير والفعل يحتمل قصره عليه، وقد أخرج حديث عثمان هذا مسلم في النكاح عن يحيى، وأبو داود في الحج عن القعنبي كلاهما عن مالك به، ورواه أيضًا النسائي والترمذي وابن ماجه وابن حبان وكلهم من طريق مالك، وتابعه مطر الوراق وأيوب بن موسى وسعيد بن أبي هلال عن بقية، وفي مسلم كما قاله الفاضل السيد محمد الزرقاني (٢). * * * ٤٣٧ - أخبرنا مالك، حدثنا نافع، أن ابن عمر كان يقول: لا ينكح المحرم ولا يخطب على نفسه، ولا على غيره. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي نسخة أخرى: ثنا، حدثنا وفي

стр. 865

نسخة: عن نافع، بن عبد الله المدني، ثقة ثبت فقيه مشهور، مولى ابن عمر كان من الطبقة الثالثة، مات سنة سبع وعشرين ومائة من الهجرة أن ابن عمر ﵁ كان يقول: لا ينكح المحرم بفتح التحتية وسكون النون أي: لا يتزوج المرأة لنفسه ولا يخطب أي: لا يدعو المرأة إحالة نكاحها على نفسه، ولا على غيره أي: ولا يطلب المحرم بتزويج المرأة ولاته ووكالة على غيره. * * * ٤٣٨ - أخبرنا مالك، حدثنا أبو غَطَفَان بن طَريف، أخبره أن أباه طريفًا تزوج امرأة وهو محرم، فرد عمر بن الخطاب نكاحه. قال محمد: قد جاءَ في هذا اختلاف، فأبطل أهل المدينة نكاح المحرم، وأجاز أهل مكة وأهل العراق نكاحه، وروى عبد الله بن عباس أن رسول الله ﷺ تزوج ميمونة بنت الحارث، وهو محرم، فلا نعلم أحدًا ينبغي أن يكون أعلم بتزوّج رسول الله ﷺ ميمونة من ابن عباس، وهو ابن أختها، فلا نرى بتزوج المحرم بأسًا، ولكنه لا يقبل ولا يمس حتى يَحِل، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامةِ من فقهائنا. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي نسخة أخرى: أنا، وفي نسخة ثنا، حدثنا داود بن الحصين الأموي مولاهم، يكنى أبا سليمان المدني ثقة إلا في عكرمة ورأى رأي الخوارج، كان في الطبقة السادسة من طبقات التابعين المحدثين، من أهل المدينة، مات سنة خمس وثلاثين ومائة أن أبا غَطَفَان بفتح الغين المعجمة والطاء المهملة والفاء على وزن نزوان بالفتحات من [طريق] (١) بفتح المهملة فكسر وليحيى طريق المري بضم الميم وتشديد الراء المهملة المديني اسمه سعد تابعي أخبره أي: غطفان إلى داود بن الحصين أن أباه طريفًا تزوج أي: امرأة، كذا في الموطأ ليحيى وهو أي: والحال أن طريفًا

стр. 866

محرم، فرد عمر بن الخطاب ﵁ نكاحه أي: أبطله لفساده ففيه دلالة على العمل بالحديث على ظاهره. قال محمد: أي: ابن الحسن الشيباني قد جاءَ هذا في أي: الحكم والباب اختلافًا، أي: في النقول والروايات (ق ٤٧٤) من الأخبار والآثار فأبطل أهل المدينة نكاح المحرم، وأجاز أهل مكة وأهل العراق نكاحه، يعني والحكم المعتبر ما عليه الأكثر فهذا أحد وجوه الترجيح والآخر قوله وروى عبد الله بن عباس ﵁ أن رسول الله ﷺ تزوج ميمونة بنت الحارث، وهو محرم، فلا نعلم أحدًا ينبغي أن يكون أعلم بتزوّج رسول الله ﷺ ميمونة من ابن عباس، ﵄ وهو ابن أختها، فلا نرى على صيغة المجهول أي: لا نظن بتزوج المحرم بأسًا، أي: جناية ولكنه لا يقبل من التقبيل ولا يمس أي: لا يمس كما في نسخة يعنى يمتنع المحرم عن مقدمات الجماع فضلًا عنه حتى يَحِل، يخرج من إحرامه وهو قولُ أبي حنيفة، والعامةِ من فقهائنا وفي كتاب (الرحمة) في كتاب الأمة: أنه لا يجوز للمحرم أن يعقد النكاح لنفسه ولا لغيره ولا أن يوكل فيه بالإِجماع، فلو فعل ذلك لم ينعقد عند الثلاثة وقال أبو حنيفة: ينعقد وجوَّز له مراجعته عند الثلاثة. وقال أحمد: لا يجوز: انتهى. ولا يخفى أن أبا حنيفة لم يقل بحرمة عقد النكاح، فلا يصح قوله: بالإِجماع ولا قوله: وجوَّز مراجعته عند الثلاثة على الإِطلاق. كذا قاله علي القاري. لما فرغ من بيان حكم تزوج المحرم وخطبته امرأة، شرع في بيان حكم الطواف أي: طواف بالبيت الحرام بعد العصر والفجر، فقال: هذا * * * باب الطواف بعد العصر وبعد الفجر في بيان حكم الطواف أي: طواف البيت الحرام بعد العصر وبعد الفجر أي: بعد صلاتهما.

стр. 867

٤٣٩ - أخبرنا مالك، أخبرنا أبو الزبير المكي، أنه كان يرى البيت يخلو بعد العصر وبعد الصبح، ما يطوف به أحد. قال محمد: إنما كان يخلو؛ لأنهم كانوا يكرهون الصلاة بتينك الساعتين، والطواف لا بدّ له من ركعتين، فلا بأس بأن يطوف سبعًا ولا يصلي الركعتين حتى ترتفع الشمس، وتبيض، كما صنع عمر بن الخطاب، أو يصل المغرب، وهو قولُ أبي حنيفة. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي نسخة أخرى: أنا، وفي نسخة أخرى: ثنا أخبرنا أبو الزبير المكي، وهو محمد بن مسلم تدر بفتح المثناة وسكون الدال المهملة وضم الراء الأسدي، مولاهم صدوق إلا أنه يدلس كان من الطبقة الرابعة، مات سنة ستة ومائة بعد الهجرة، كذا قاله ابن حجر في (التقريب) (١) أنه كان يرى البيت أي: حول الكعبة يخلو بعد العصر وبعد الصبح، أي: بعد صلاتهما ما يطوف به أي: بالبيت أحد أي: من الطائفين، لعله أراد بلفظ: "أحد" المبالغة في حد القلة؛ لأن النكرة إذا وقعت في سياق النفي تفيد العموم، وكان بعض علماء زمانه قاس الطواف نفسه على الصلاة بعدهما في الكراهة؛ لقوله ﷺ : "الطواف كالصلاة". قال ابن عبد البر: كره الثوري والكوفيون الطواف بعد العصر والصبح، فإن فعل فليؤخر الصلاة قال الحافظ: ولعل هذا عند بعض الكوفيين، ولأن المشهور، عن الحنفية أن الطواف بعدهما لا يكره، وإنما تكره الصلاة. قال محمد: بن الحسن: كذا في نسخة إنما كان أي: المطاف يخلو؛ عن الطائفين لأنهم أي: الصحابة والتابعين، كانوا يكرهون الصلاة بتينك الساعتين، أي: في هذين الوقتين، لما ورد النهي عنهما فيهما أن رسول الله ﷺ قال: "لا يتحرى أي لا يقصد أحدكم، فيصلي عند طلوع الشمس ولا عند غروبها"، كذا أخرجه المصنف ﵀ في باب الصلاة عند طلوع الشمس، وعند غروبها عن ابن عمر ﵄؛ فإن

стр. 868

الشيطان يطلع قرناه مع طلوع الشمس ويغربان مع غروبها وقد أشبعنا بتفصيله هناك، فإن شئت فراجعه والطواف لا بدّ له من صلاة ركعتين، أي: وجوبًا، ويستحب الموالاة بين الطواف وصلاته إن لم يجد مانعًا، وحيث يجوز تأخير الصلاة عن (ق ٤٧٥) الطواف بعذر فلا بأس بأن يطوف سبعًا أي: وأكثر في وقت كراهة الصلاة النافلة كما بعد طلوع الفجر قبل صلاته وبعده ولا يصلي الركعتين أي: ركعتي الطواف حتى ترتفع الشمس، وتبيض، أي: وتذهب جملة وهو كالتفسير لما قبله كما صنع عمر بن الخطاب، أي: على ما سيجيء بيانه وبرهانه أو يصل المغرب، أي: حتى يصلي المغرب، أي: فرضه ثم يصلي الركعتين قبل سنته ولكونهما واجبتين إلا عند ضيق وقته، فتقدم السنة لفوتها وسعة وقتها وهو قولُ أبي حنيفة ولم يقل: وتغرب؛ لأن الصلاة النافلة بعد الغروب قبل صلاة المغرب مكروهة؛ لأنها تؤدي إلى تأخير المغرب، وهو يستحب تعجيله قبل أن يشبك النجوم، فإن تشبك النجوم وقت صلاة أهل الكتاب. * * * ٤٤٠ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، أن حُميد بن عبد الرحمن أخبره، أن عبد الرحمن أخبره، أنه طاف مع عمر بن الخطاب بعد صلاة الصبح بالكعبة، فلما قضى طوافه نظر فلم ير الشمس، فركب ولم يسبِّح حتى أناخ بذي طُوى، فسبّح ركعتين. قال محمد: وبهذا نأخذ، ينبغي أن لا يصلِّي ركعتي الطواف حتى تطلعُ الشمس وتبيضّ، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، أي: حدثنا مالك بن أنس بن عمير بن أبي عامر الإِمام الأصبحي، يعني: منسوب إلى ملك ذي أصبح من ملوك اليمن، كان في الطبقة الثالثة من طبقات أتباع التابعين من أهل المدينة أخبرنا وفي نسخة: ثنا، وفي نسخة: قال: بنا، ابن شهاب، أي: محمد بن مسلم بن شهاب بن زهرة بن كلاب، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين من أهل المدينة، أن حُميد بالتصغير ابن عبد الرحمن أي: ابن عوف الرواسي، ذكره ابن حبان في الثقات، وهو كان من الطبقة الثالثة من طبقات

стр. 869

التابعين. كذا قاله ابن حجر في التقريب (١) أخبره، أي: حميد بن شهاب أن عبد الرحمن أخبره، يعني: قال حميد: أخبرني أنه طاف أي: بالبيت الحرام مع عمر بن الخطاب ﵁ بعد صلاة الصبح بالكعبة، قيده بها احترازًا من الصفا والمروة فلما قضى أي: أتم عمر بن الخطاب طوافه نظر إلى جانب الشرق فلم ير الشمس، أي: لم تطلع ولم ترتفع فركب ولم يسبِّح أي: لم يصل صلاة الطواف وذهب حتى أناخ أي: برك راحلته، وأجلسه والصق بطن بعيره بالأرض بذي طُوىً، بفتح الواو ويضم ويكسر، وينون ويلوك، وهو موضع بقرب مكة ينزل فيه أمير الحاج فسبّح أي: صلى ركعتين أي: الطواف أداء إذ العمر كله وقت، ويجوز أداءه حيث كان من حرم أو حل، وإن كان خلف المقام أفضل ثم داخل البيت، ثم الحطيم ثم سائر المسجد، ثم باقي أرض الحرم المحترم وفي رواية سفيان ثم خرج إلى المدينة، فلما كان بذي طوى وطلعت الشمس صلى ركعتين، رواه ابن منده. قال محمد: وبهذا بخبر حميد بن عبد الرحمن نأخذ، أي: نعمل وينبغي أن لا يصلِّي ركعتي الطواف أي: بعد صلاة الصبح سواء طاف في وقت الكراهة أم لا بأن طاف قبل الصبح مثلًا حتى تطلعُ الشمس وتبيضّ، أي: وكذا الحكم فيه بعد صلاة العصر وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا فإن قلت: يجوز الوتر بعد الفجر قبل صلاة وبعدهما، فلم لا يجوز صلاة الطواف وهما واجبان؟ قلت: الفرق بينها أن الوتر واجب بإيجاب الله تعالى، وصلاة الطواف تجب فعل الطائف سواء يكون الطواف واجبًا عليه أم لا؛ فتأمل فإنه موضع ذلك. لما فرغ من بيان حكم طواف البيت الحرام بعد صلاة العصر وبعد الفجر، شرع في بيان حكم الصيد الذي يذبحه الحلال أو يصيده، فقال: هذا * * * باب الحلال يذبح الصيد أو يصيده هل يأكل المحرم منه أم لا ؟ في بيان حكم حال الحلال يذبح الصيد، أي صيد البر ويصيده هل يحل أن يأكل

стр. 870

المحرم منه أم لا وقد تقدم أنه كان (ق ٤٧٦) صاده بأمر محرم أو دلالته أو إشارته وإعانته لا يحل له أن يأكل فيه عندنا وعند مالك والشافعي إذا صاده لأجل محرم أيضًا لا يحل له أن يأكل منه، ويحل لغيره أن يأكل منه، وهذا إذا ذبح الحلال الصيد، وأما إذا ذبحه المحرم فهو حرام مطلقًا، هذا وأن الصيد غير مأكول، ولا تولد من مأكول لم يحرم قتله على المحرم عند الثلاثة، وقال أبو حنيفة: يحرم بالحلال قتل كل وحشي ويجب بقتله الجزاء إلا الذئب، ويؤيده عموم قوله تعالى في سورة المائدة: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ الآية [المائدة: ٩٦] ووجه استثناء الذئب أنه فسر الكلب العقور في الحديث والله أعلم. ٤٤١ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عُتْبَةَ بن مسعود، عن عبد الله بن عباس، عن الصَّعب بن جَثَّامَة الليثيّ، أنَّهُ أهْدَى لرسول الله ﷺ حمارًا وَحْشِيًا، وهو بالأبْوَاءِ - أو بوَدَّان - فردَّه رسول الله ﷺ ، فلما رَأى ما في وجهي قال: "إنَّا لم نَرُدُّهُ عليك إلا أَنَّا حُرُمٌ". • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا أو أنا، وفي أخرى: ثنا، أخبرنا وفي نسخة: قال: ثنا، ابن شهاب، أي: محمد بن مسلم بن شهاب الزهري التابعي، من الطبقة الرابعة، من أهل المدينة، عن عبيد الله بضم العين المهملة وفتح الموحدة وسكون التحتية تصغير ابن عبد الله بفتحها ابن عُتْبَةَ بضم العين المهملة وسكون المثناة وفتح الموحدة والهاء ابن مسعود، الهذلي أحد الفقهاء، يكنى أبا عبد الله المدني ثقة ثبت فقيه، كان من الطبقة الثالثة، مات سنة أربعة وتسعين، وقيل: سنة ثمان وقيل غير ذلك كذا قاله ابن حجر (١) عن عبد الله بن عباس، الحسبي الترجمان عن الصَّعب بفتح أوله وسكون المهملة والموحدة ابن جَثَّامَة بفتح الجيم وتشديد المثلثة فألف فميم ابن قيس بن ربيعة بن عبد الله بن يعمر الليثيّ، حليف قريش أمه أخت أبي سفيان بن حرب، واسمها فاختة، وقيل:

стр. 871

زينب ويقال: هو أخو محكم بن جثامة، وكان صحابيًا مات في خلافة عثمان على الأرجح. كذا في التقريب (١) أنَّهُ أي: الصعب بن جثامة أهْدَى لرسول الله ﷺ حمارًا وَحْشِيًا، لا خلاف عن مالك أيضًا في هذا وتابعه معمر وابن جريج، وعبد الرحمن بن الحارث، وصالح بن كيسان والليث، وابن أبي ذئب، وشعيب بن أبي حمزة ويونس ومحمد بن عمرو بن علقمة كلهم قالوا: حمارًا وحشيًا كما قال مالك، وخالفهم سفيان بن عيينة عن الزهري فقال: هديت له من لحم حمار وحشي رواه مسلم، مكان من إطلاق الكل على الجزء، وهو أي: والحال أنه ﷺ بالأبْوَاءِ بفتح الهمزة وسكون الموحدة والمد، جبل بينه وبين الجحفة مما يلي المدينة ثلاثة وعشرون مَيلًا، سمي بذلك لتبوء السيول به لا لما فيه من الوباء إذ لو كان كذلك يقبل الأوبأ أو هو مقلوب منه أو بوَدَّان شك من الرواي، وهو بفتح الواو وتشديد الدال المهملة فألف فنون على وزن شتات، اسم موضع قريب من الجحفة، أو قرية جامعة أقرب إلى الجحفة من الأبواء بينهما ثمانية أميال فردَّه رسول الله ﷺ ، أي: رد الحمار على الصعب لكونه ﷺ محرمًا والراوي غافل عن هذا المعنى فتغير وجهه خوفًا من غضبه ﷺ لغير هذا المعنى، واتفقت الروايات بأكملها على رده إلا ما رواه ابن وهب والبيهقي من طريق بإسناد حسن عن عمرو بن أمية أن الصعب أهدى للنبي ﷺ عجز حمار وحشي وهو (ق ٤٧٧) بالجحفة، وأكل القوم، قال البيهقي: إن كان هذا محفوظًا فلعله أراد الحي، وقيل: اللحم. قال الحافظ: وفيه نظر، فإن كانت الطرق كلها محفوظة، فلعله رده حيًا لكونه صيد لأجله ورد اللحم تارة لذلك، وقيل: تارة أخرى حيث علم أنه لم يصد لأجله. وقد قال الشافعي: إن كان الصعب أهدى حمارًا حيًا فليس للمحرم أن يذبح حمارًا وحشيًا حيًا، إن كان أهدى لحمًا فيحتمل أن يكون علم أنه صيد لأجله، ونقل الترمذي عن الشافعي أنه ﷺ رده لظنه أنه صيد من أجله فتركه على وجه التنزه، ويحتمل أن يحمل القبول المذكور في حديث عمرو بن أمية على حال رجوعه ﷺ من مكة، ويؤيده أنه جازم بوقوع ذلك في الجحفة، وفي غيرها من الروايات بالأبواء أو بودان فلما رَأى أي: رسول الله ﷺ كما في (الموطأ) ليحيى ما في وجهي أي: من الكراهة لما حل له من الكسر برد

стр. 872

هديته قال: متعذرًا أو تطييبًا لقلية "ألا" بفتح الهمزة وتخفيف اللام صيغة التنبيه على ما في نسخة "إنَّا بكسر الهمزة وفتح النون المشددة فألف لوقعها في الابتداء لم نَرُدُّهُ بفتح الدال رواه المحدثون، وقال محققو النحاة: إنه غلط، والصواب ضم الدال كآخر المضاعف من كل مضاعف مجزوم اتصل به ضمير المذكر مراعاة للواو التي توجبها ضمة الهاء بعدها لخفاء الهاء، فكان ما قبلها ولي الواو، ولا يكون ما قبل الواو إلا مضمومًا: هذا في المذكر، أما المؤنث مثل ردها فمفتوح الدال مراعاة للألف. ذكره القاضي عياض وغيره وجوز الكسر وهو ضعيفًا ضعف من الفتح، أوهم ثعلب فصاحة الفتح وقد غلَّطوه؛ لأنه ذكر في الفصيح ولم ينبه على ضعفه أي: لم نرد الحمار الوحشي عليك لعله من العلل إلا أَنَّا بفتح الهمزة وتشديد النون أي لأجل أنا حُرُمٌ" بضم الحاء المهملة، والراء جمع حرام والحرام محرم أي: لأنا محرمون، ومنه قوله تعالى في سورة المائدة: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ الآية [المائدة: ٩٦] وتمسك بظاهرها من حرم لحم الصيد على المحرم مطلقًا صاده المحرم أو صاده حل له أو لم يصيده، وبه قال على وابن عمر وابن عباس؛ لأنه ﷺ علل رده بأنه محرم ولم يقل بأنك صدته لنا، وفيه رد ما لا يجوز للمهدي الانتفاع به، وأخرجه البخاري عن عبد الله بن يوسف، ومسلم عن يحيى: كلاهما عن مالك به والترمذي والنسائي وابن ماجه كلهم من طريق مالك أيضًا كذا قاله الفاضل السيد محمد الزرقاني (١). * * * ٤٤٢ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، أنَّه سمع أبا هريرة يحدِّث عبد الله بن عمر، أنَّه مَرّ به قومٌ مُحْرِمون بالرَّبَذَة، فاستفتوه في لحم صَيْدٍ وَجَدُوا: أحِلَّةً يأكلونه؟ فأفْتَاهم بأكله، قال: ثم قَدِمَ على عمر بن الخطاب فسأله عن ذلك، فقال عمر: بِمَ أفْتَيْتَهُمْ؟ قال: أَفْتَيْتُهُمْ بأكله، قال عمر: لو أفْتَيْتَهُمْ بغيره لأوْجَعْتُك.

стр. 873

• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا أو أنا، وفي نسخة أخرى: ثنا، أخبرنا وفي نسخة: قال: ثنا، وفي نسخة أخرى: أنا أو بنا، ابن شهاب، هو محمد بن مسلم بن شهاب الزهري تابعي ثقة، من الطبقة الرابعة، من أهل المدينة عن سالم بن عبد الله، بن عمر بن الخطاب القرشي العدوي، يكنى أبا عمر أو أبا عبد الله المدني، أحد الفقهاء السبعة، كان ثبتًا عابدًا فاضلًا يشبه بأبيه في الهدى والسمت، وكان من الطبقة الثالثة من طبقات كبار التابعين، من أهل المدينة، مات في آخر سنة ست بعد المائة على الصحيح، كذا قاله ابن حجر (١) أنَّه سمع أبا هريرة يحدِّث عبد الله بن عمر، يعني أباه أنَّه أي: أبا هريرة مَرّ به قومٌ مُحْرِمون بالرَّبَذَة، بفتح الراء المهملة والموحدة والذال المعجمة المفتوحة، قرية قرب المدينة ولا يخالف قوله في السابق حتى إذا كان بالربذة وجد ركبًا؛ لأنه يحمل على أنه وجدهم مارين (ق ٤٧٨) به لما استقر بالربذة، فالقصة واحدة فاستفتوه في لحم صَيْدٍ وَجَدُوا أي: القوم المستفتون أحِلَّةً بفتح الهمزة وكسر المهملة واللام المشددة المفتوحة جمع حلال، أي: جماعة حلال من الربذة يأكلونه؟ فأفْتَاهم أي: أبو هريرة بأكله، أي: بأكل ذلك اللحم ثم قَدِمَ أي: جاء أبو هريرة بعد ما أفتاهم بأكل ذلك اللحم على عمر بن الخطاب ﵁ فسأله أي: أبو هريرة عمر عن ذلك، أي: عما أفتاهم من أكل ذلك اللحم وردد الشارح علي القاري في السائل، حيث فسر الضمير المستتر في قوله فسأله بقوله أي: أبو هريرة عمر عن ذلك، أو عمر أبا هريرة، وعلل تفسيره على الترديد بقوله: لما بلغه مجمل ما هنالك، ولعله لم يقال (بالموطأ) ليحيى حيث فيه السائل والمسئول بأن قال: ثم قدمت المدينة على عمر بن الخطاب فسألته عن ذلك أي: لشكي في فتواي فقال عمر ﵁: يا أبا هريرة بم أصله بما كما في نسخة فحذف الألف؛ لأن حرف الجر إذا ما دخلت على ما الاستفهامية يحذف ألفها تخفيفًا للفظ الكثير التداول، أو فرقًا بين ما الاستفهامية والإِسمية، كما في قوله تعالى في سورة الصف: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢] والمعنى بماذا أفْتَيْتَهُمْ؟ قال أي: أجاب أبو هريرة لسؤال عمر بقوله: أَفْتَيْتُهُمْ بأكله، قال عمر: لو أفْتَيْتَهُمْ يا أبا هريرة بغيره أي: بمنع أكله لأوْجَعْتُك بالضرب المؤلم، أو بالكلام العنيف كما يقتضيه تأديب المقام، ففي هذا أن حل ما لم يصده المحرم لا صيد له بل صاده الحلال لنفسه كان أمرًا مقررًا عندهم لا يجوز

стр. 874

الاجتهاد في الإِفتاء بخلافه إلا فالمجتهد لا لوم عليه فيما أداه اجتهاده، فضلًا عن الإِيجاع بضرب أو غيره كذا قاله الزرقاني (١). * * * ٤٤٣ - أخبرنا مالك، أخبرنا أبو النَّضْر، مولى عمر بن عُبَيْد الله، عن نافع مولى أبي قَتَادَةَ، عن أبي قَتَادة، أنه كان مع رسول الله ﷺ ، حتى إذا كان ببعض الطريق تخلَّفَ مع أصحابِ له مُحْرِمين، وهو غير مُحْرِم، فرأى حِمارًا وَحْشِيًا، فاستوى على فرسه، فسأل أصحابه أن يُنَاوِلوه سوطه، فأبَوْا، فسألهم أن يُنَاوِلُوهُ رُمحه، فأبَوْا، فأخذه، ثم شدَّ على الحمار فقتله، فأكل منه بعض أصحاب رسول الله ﷺ ، وأَبَى بعضهم، فلما أدركوا رسول الله ﷺ سألُوهُ عن ذلك، فقال: إنما هي طُعْمَةٌ أطْعَمَكُمُوها الله. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا أخبرنا وفي نسخة: قال: بنا أبو النَّضْر، بفتح النون وسكون الضاد المعجمة، اسمه سالم بن أمية، مولى عمر بن عُبَيْد الله، بن معمر القرشي التيمي المدني، تابعي روى عنه مالك والثوري وابن عيينة، كان من الطبقة الخامسة من أهل المدينة عن نافع بن عباس بموحدة ومهملة وتحتانية ومعجمة ابن محمد الأقرع، المدني الثقة، مولى أبي قَتَادَةَ، الأنصاري كما ذكره النسائي والعجلي وغيرهما، وقال ابن حبان وغيره: قيل له ذلك للزومه له إنما هو مولى عقيلة بنت طلق الغفارية، كان من الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة عن أبي قَتَادة، هو الحارث بن ربعي بكسر الراء وسكون الموحدة بعدها مهملة السلمي، بفتحتين المدني شهد أحدًا وما بعدها، ولم يصح شهوده بدرًا، مات سنة أربع وخمسين من الهجرة، كذا قاله ابن حجر أنه كان مع

стр. 875

رسول الله ﷺ ، حتى إذا كان ببعض الطريق أي: طريق مكة كما في (الموط) أليحيى، وفي (الصحيحين) من رواية عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه: انطلقنا مع النبي ﷺ عام الحديبية فأحرم أصحابه ولم أحرم حتى كانوا ببعض الطريق مكة تخلَّفَ أي: عن مرافقة النبي ﷺ مع أصحابٍ له مُحْرِمين، وهو أي: والحال أن أبا قتادة غير مُحْرِم، قال النووي: فإن قيل: كيف كان أبو قتادة غير محرم وقد جاوز ميقات المدينة، وقد تقرر أن من أراد حجًا أو عمرة لا يجوز له مجاوزة الميقات غير محرم. قال القاضي: وجواب هذا أن المواقيت لم تكن وقتت بَعدُ، وقيل؛ لأنه (ق ٤٧٩) ﷺ بعثه ورفقته يكشف عدوًا لهم بجهة الساحل. ذكره السيوطي. وفي الجوابين: بحث؛ أما الأول فبعد أن لم يوقت بعد، وأما الثاني فلأن بعثه ورفقائه بعد المجاوزة بدليل كونهم محرمين معه؛ فالأوجه أنه أخر إحرامه ليحرم من الميقات الثاني، كما تقدم كذا قاله علي القاري. وفي البخاري من طريق عمرو بن الحارث وهم محرمون، وأنا رجل على فرسي وكنت رقًا على الجبال فبينا أنا على ذلك إذ رأيت الناس متشوفين فذهبت أنظر فرأى حِمارًا وَحْشِيًا، فاستوى على فرسه، وفي رواية عمر: وكنت نسيت سوطي، وفي رواية عبد الله بن أبي قتادة: فسقط مني سوطي، فلعله أطلق النسيان على السوط وعكسه تجوزًا فسأل أصحابه أن يُنَاوِلوه سوطه، فأبَوْا، أي: امتنعوا عن مناولته إياه حيث عرفوا أنه قصد الصيد، وفي رواية عمرو قالوا: لا نعينك عليه فسألهم أن يُنَاوِلُوهُ رُمحه، فأبَوْا، فأخذه، أي: ما ذكر من سقوطه ورمحه ثم شدَ أي: حمل على الحمار أي: الوحشي فقتله، أي: برمحه وطبخه، وفي رواية عبد الله بن أبي قتادة، قلت: ناولني السوط، قالوا: والله لا نعينك عليه بشيء، فنزلت فتناولته ثم ركبت، فأدركت الحمار من خلفه وهو وراء أكمة فطعنته برمحي فعقرته، وفي رواية عمرو: فأتيت إليهم فقلت لهم: قوموا فاحتملوا قالوا: لا تمسه، فحملته حتى جئتهم به فأكل منه بعض أصحاب رسول الله ﷺ ، أي: بناء على أن الأصل جوازه وأَبَى بعضهم، أي: من الأكل، وفيه جواز الاجتهاد في الفروع، والاختلاف فيها إذا استند كلُّ إلى دليل في ظنه، وفي رواية: أنهم شكوا في أكله إياه وهم حرم، وفي أخرى: فقلنا: إنا نأكل لحم صيد ونحن محرمون، فلما أدركوا رسول الله ﷺ سألُوهُ عن ذلك، أي: ذكروا له القصة على ما هي عليه وأن أصحابه لم يعينوه بمناولة سوط

стр. 876

ولا رمح ولا غيرهما، وفي رواية عمرو: وأبى بعضهم فقلت لهم: أنا أستوقف لكم النبي ﷺ فأدركته فحدثته الحديث، وفي رواية عبد الله بن أبي قتادة فقلنا: نأكل لحم صيد ونحن محرمون فحملنا ما بقي من لحمها فقال: ﷺ : "هل منكم أحد أمره أو أشار إليه بشيء"، وفي رواية أخرى: "وأعانه" قالوا: لا، فقال: أي: "كلوا ما بقي من لحمها" إنما هي طُعْمَةٌ بضم الطاء المهملة وسكون العين المهملة فميم وهاء أي طعامه أو لقمة أطْعَمَكُمُوها الله أي: رزقكموها وأحلها لكم. والحديث رواه أصحاب الكتب الستة من حديث أبي قتادة: أنهم كانوا في مسير لهم بعضهم محرم وبعضهم ليس بمحرم، قال: فرأيت حمارًا وحشيًا فركبت فرسي، وأخذت الرمح، واستعنت بهم فأبوا أن يعينوني فاختلست سوطًا من بعضهم وشددت على الحمار فأصبته، فأكلوا منه فأشفقوا، وفي نسخة: واستبقوا فسئل عن ذلك النبي ﷺ فقال: "أمنكم أحد أمره أي: يحمل عليها أو أشار إليها؟ " قالوا: لا قال: "فكلوا، ما بقي من لحمها"، وفي لفظ مسلم: "هل أشرتم، هل أعنتم"، قالوا: لا، قال: "فكلوا" وفيه جواز أكل المحرم لحم الصيد إذا لم يكن منه دلالة وإعانة عليه أو إشارة إليه، فإن صاده أو صيد لأجله بإذنه أم بغير إذنه حرم عند الجمهور لحديث جابر مرفوعًا: "صيد البر لكم حلال ما لم تصيدوه أو يصد لكم" رواه أبو داود والنسائي، وإلى هذا ذهب (ق ٤٨٠) الجمهور ومالك والشافعي وأحمد. وقال أبو حنيفة وطائفة: يجوز أكل ما صيد لأجله؛ لظاهر حديث أبي قتادة أنه صاده لأجلهم، وتعقب بأنه يحتاج إلى نقل أنه صاده لأجلهم، والجمع بينه وبين حديث جابر بما ذهب إليه الجمهور أولى من طرح حديث جابر كذا. قاله الزرقاني. * * * ٤٤٤ - أخبرنا مالك، حدثنا زيد بن أسْلَم، عن عَطاءِ بن يَسار، أنَّ كَعْبَ الأحبار أقْبَلَ من الشام في رَكْبٍ مُحْرِمين، حتى إذا كانوا ببعض الطَّرِيق، وجدوا لحم صَيْدٍ، فأفتاهم كَعْب بأكله، فلما قدموا على عمر بن الخطاب

стр. 877

ذكروا ذلك له، فقال: مَنْ أفْتاكم بهذا؟ قالوا: كعب، قال: فإني قد أمَّرْتُه عليكم حتى ترجعوا، ثم إنه لما كان ببعض الطَّريق طَريقِ مكة، مَرَّت بهم رِجْلٌ من جَرَاد، فأفْتاهم كعب بأن يأكلوه ويأخذوه، فلما قدموا على عمر ذكروا ذلك له، فقال: ما حملك على أن تفتيهم بهذا؟ قال: يا أمير المؤمنين، والذي نفسي بيده، إن هو إلا نَثْرَة حوت، يَنْثُرُهُ في كل عام مرتين. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا أو أنا، وفي أخرى: ثنا حدثنا زيد بن أسْلَم، العدوي مولى عمر، يكنى أبا عبد الله أو أبا أسامة المدني، ثقة عالم، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين، مات سنة ستة وثلاثين عن عَطاءِ بن يَسار، الهلالي، يكنى أبا محمد المدني مولى ميمونة ثقة، فاضل صاحب مواعظ وعبادة، كان في الطبقة الثانية من طبقات صغار التابعين، مات سنة ستة وتسعين وأربع أنَّ كَعْبَ الأحبار بفتح الهمزة وسكون الحاء المهملة فألف فراء كان من علماء اليهود وأسلم بعد سيد الأبرار فصار من التابعين الأخيار، وهو أي: الأحبار جمع حبر بكسر الحاء المهملة وفتحها وأيضًا كما لأوله إما لكثرة كتابته بالحبر بإيحاء العلماء وقول المحد: كعب الحبر ولا تقل: الأحبار، فيه نظر [فيه] أثبت غير واحد، وهو أي: كعب بن ماتع بفوقية أدرك زمن النبوة وأسلم في خلافة عمر على المشهور كذا قاله الزرقاني (١) كان في الطبقة الأولى من طبقات التابعين من أهل الشام وهي كانت في الإِقليم الثالث من الأقاليم السبعة من وجه الأرض. قال أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي: من بعض مناقب كعب الأحبار أنه قال: ما كرم عبد على الله تعالى إلا زاد البلاء عليه شدة، ولا أعطى رجل زكاة فنقصت من ماله ولا حبسها فذادت فيه، لا يسرق سارق إلا حسب له من رزقه، وقال: إن سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر دوي حول العرش يذكرون بصاحبها، والعمل الصالح في الخزائن، وقال: ما استقر لعبد ثناء في الأرض حتى يستقر في السماء، وقال: لأن أبكي من خشية الله حتى تسيل دموعي على وجنتي أحب إلى أن أتصدق بوزني ذهبًا، والذي نفس كعب بيده، ما بكى عبد من خشية الله حتى تقع قطرة من دموعه على الأرض فتمسه النار أبدًا حتى يعود قطر السماء الذي وقع على الأرض من حيث جاء، ولن يعود أبدًا.

стр. 878

وقال: من تعبد الله تعالى ليلة حيث لا يراه من يعرفه خرج من ذنوبه كما يخرج من ليلته انتهى أقْبَلَ من الشام في رَكْبٍ بفتح الراء وسكون الكاف والموحدة اسم لأصحاب الإِبل أي: في جمع مُحْرِمين، أي: بعمرة، كذا في رواية حتى إذا كانوا ببعض الطَّرِيق، أي: ببدء إحرامهم وجدوا لحم صَيْدٍ، صاده حلال بغير إحرام فأفتاهم كَعْب بأكله، فلما قدموا على عمر بن الخطاب أي: بالمدينة المنورة ذكروا ذلك له، أي: لعمر ففيه تنبيه على أنهم أحرموا من دويرة أهلهم بعد دخول أشهر الحج، فإنه أفضل لمن أمن ارتكاب المحظور، فقد روى أنهم أحرموا بها من بيت المقدس، لحديث ورد بذلك فقال: أي: عمر مَنْ أفْتاكم بهذا؟ أي: بأكل المحرم لحم الصيد قالوا: كعب، أي: أفتانا به قال أي: عمر فإني قد أمَّرْتُه عليكم بتشديد الميم (ق ٤٨١) أي: جعلته أميرًا عليكم حتى ترجعوا، إلى بلدكم ثم لما كانوا أي: كعب الركب ببعض الطَّريق طَريقِ مكة، عطف بيان مَرَّت بهم أي: عبرت عليهم رِجْلٌ بكسر الراء وسكون الجيم أي: قطيع من جَرَاد، فأفْتاهم كعب بأن يأكلوه ويأخذوه، الواو بمجرد الجمع، في (الموطأ) ليحيى أن يأخذوه فيأكلوه فلما قدموا على عمر أي: في المدينة بعد رجوعهم من مكة ذكروا ذلك أي: ما أفتى به كعب له، أي: لعمر فقال: أي عمر ما حملك أي: يا كعب على أن تفتيهم بهذا؟ أي: على تجوز أكل الجراد للمحرمين قال: يا أمير المؤمنين، والذي نفسي بيده، إن هو أي: ما هو يعني: الجراد إلا نَثْرَة حوت، بفتح النون وسكون المثلثة وأصلها ما يلقيه الإِنسان عند الامتحان والعطاس في (النهاية) أي: عطسته حوت يَنْثُرُهُ إي: يرميه في كل عام مرتين وبذلك ورد حديث مرفوع عند ابن ماجه (١) عن أنس ﵁: أن الجراد نثره الحوت من البحر وفي أبي داود (٢) والترمذي (٣) وابن ماجه (٤) عن أبي هريرة مرفوعًا: الجراد من صيد البحر، وفي رواية: إنما هو من صيد البحر، لكنها أحاديث ضعفها أبو داود والترمذي وغيرهما، فلا حجة فيها لمن أجاز للمحرم صيده. ولذا قال الأكثر كمالك والشافعي أنه صيد البر، فيحرم التعرض له، وفيه قيمته

стр. 879

وقد جاء ما يدل على رجوع كعب عن هذا، فروى الشافعي بسند صحيح أو حسن عن عبد الله بن أبي عمار أقبلنا مع معاذ بن جبل وكعب الأحبار في الناس محرمين من بيت المقدس بعمرة حتى إذا كنا ببعض الطريق وكعب على نار يصطلي فمرت به رجل جرد أي: قطيع من الجراد فأخذ جرادتين فقتلهما، وكان قد نسي إحرامه فذكره فألقاهما فلما قدمنا المدينة على عمر قص عليه كعب قصة الجرادتين فقال: ما جعلت على نفسك قال: درهمين قال: بخ، درهمان خير من مائة جرادة نعم لو عم الجراد المسالك، ولم يجد بدا من وطئه فلا ضمان، وليحفظ منه وقد توقف ابن عبد البر في أنه من نثرة حوت بأن المشاهدة تدفعه، وقد روى سعيد بن زيد الباجي المالكي عن كعب قال: خرج أوله من منخر حوت فأفاد أن أوله خلقه من ذلك، وهذا أشبه. قال وما ذكره كعب الأحبار من ذلك لا تعلم صحته ولم يكذبه عمر ولا صدقه؛ لأنه خشي أنه علم ذلك من التوراة والسنة فيما حدثوا به أن لا يصدقوا ولا يكذبوا لئلا يكذبوا في حق جاؤوا به أو يصدقوا في باطل اختلفوا أوائلهم وحرفوه عن مواضعهم، كذا قاله الزرقاني (١). * * * ٤٤٥ - أخبرنا مالك، حدثنا زيد بن أسْلَم، أن رجلًا سأل عمر بن الخطاب فقال: إني أصَبْتُ جَرَادَات بِسَوْطِي، فقال: أطعم قبضةً من طعام. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي أخرى: ثنا حدثنا وفي نسخة: قال: بنا زيد بن أسْلَم، العدوي مولى عمر، يكنى أبا عبد الله وأبا أسامة المدني ثقة عالم، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين، من أهل المدينة، مات سنة ست وثلاثين، كذا قاله ابنِ حجر (٢) أن رجلًا سأل عمر بن الخطاب ﵁ فقال: إني أصَبْتُ جَرَادَات بِسَوْطِي، أي: قتلتهن بضرب سوطي عليهن وأنا محرم أي: والحال أنا محرم على ما في

стр. 880

نسخة فقال: أطعم قبضةً كذا في الأصل بالضاد المعجمة وهي بفتح القاف والضم أكثر ما قبضت عليه من شيء من طعام أي: من حنطة، والأظهر أنه بالصاد المهملة، وهي بالفتح وبضم ما ملأ كفاك من الطعام، وهذا هو المناسب للمقام. * * * ٤٤٦ - أخبرنا مالك، أخبرنا هشام بن عُرْوَة، عن أبيه أنَّ الزُّبَيْر بن العَوَّام كان يتزَوَّد صَفيف الظِّباءِ في الإِحرام. قال محمد: وبهذا كلِّه نأخذ، إذا صادَ الحلال الصَّيْد فذبحه لا بأس بأن يأكل المُحْرِم من لحمه، إن كان صِيد من أجله، أو لم يُصَدْ من أجله؛ لأن الحلال صادَه وذبحه، وذلك له حَلال، فخرج من حال الصَّيْد، وصار لحمًا، فلا بأس بأن يأكل المُحْرِم منه. وأما الجراد فلا ينبغي للمحرم أن يصيده، فإن فعل كَفَّرَ، وتَمْرَةٌ خيرٌ من جَرَادَة، كذلك قال عمر بن الخطاب، وهذا كلّه قولُ أبي حنيفة والعامة من فقهائنا. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي أخرى: ثنا أخبرنا وفي نسخة: قال: ثنا، هشام بن (ق ٤٨٢) عُرْوَة، عن أبيه أنَّ أي: أباه الزُّبَيْر بن العَوَّام الأسدي ثقة فقيه ربما دلس، كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين، من أهل المدينة مات سنة ست أو خمس وأربعين ومائة من الهجرة، وله سبع وثمانون سنة. كذا قاله ابن حجر كان يتزَوَّد أي: يتخذ في السفر طعامًا صَفيف الظِّباءِ بكسر الظاء المعجمة وفتح الموحدة والألف الممدودة جمع الظبي في الإِحرام أي: عند قصده. قال مالك: والصفيف بصاد مهملة وفائين بينهما تحتية بزنة أمير، هو القديد، وفي القاموس: الصفيف كأمير ما صف في الشمس وعلى الجمر ليتشوى. قال محمد: وبهذا كلِّه نأخذ، أي: إنما نعمل أنا وأصحاب أبي حنيفة بجميع ما
следующие страницы →