← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 127713

المهيأ في كشف أسرار الموطأ

عثمان الكماخي

Полный текст (1 812 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

ولا رمح ولا غيرهما، وفي رواية عمرو: وأبى بعضهم فقلت لهم: أنا أستوقف لكم النبي ﷺ فأدركته فحدثته الحديث، وفي رواية عبد الله بن أبي قتادة فقلنا: نأكل لحم صيد ونحن محرمون فحملنا ما بقي من لحمها فقال: ﷺ : "هل منكم أحد أمره أو أشار إليه بشيء"، وفي رواية أخرى: "وأعانه" قالوا: لا، فقال: أي: "كلوا ما بقي من لحمها" إنما هي طُعْمَةٌ بضم الطاء المهملة وسكون العين المهملة فميم وهاء أي طعامه أو لقمة أطْعَمَكُمُوها الله أي: رزقكموها وأحلها لكم. والحديث رواه أصحاب الكتب الستة من حديث أبي قتادة: أنهم كانوا في مسير لهم بعضهم محرم وبعضهم ليس بمحرم، قال: فرأيت حمارًا وحشيًا فركبت فرسي، وأخذت الرمح، واستعنت بهم فأبوا أن يعينوني فاختلست سوطًا من بعضهم وشددت على الحمار فأصبته، فأكلوا منه فأشفقوا، وفي نسخة: واستبقوا فسئل عن ذلك النبي ﷺ فقال: "أمنكم أحد أمره أي: يحمل عليها أو أشار إليها؟ " قالوا: لا قال: "فكلوا، ما بقي من لحمها"، وفي لفظ مسلم: "هل أشرتم، هل أعنتم"، قالوا: لا، قال: "فكلوا" وفيه جواز أكل المحرم لحم الصيد إذا لم يكن منه دلالة وإعانة عليه أو إشارة إليه، فإن صاده أو صيد لأجله بإذنه أم بغير إذنه حرم عند الجمهور لحديث جابر مرفوعًا: "صيد البر لكم حلال ما لم تصيدوه أو يصد لكم" رواه أبو داود والنسائي، وإلى هذا ذهب (ق ٤٨٠) الجمهور ومالك والشافعي وأحمد. وقال أبو حنيفة وطائفة: يجوز أكل ما صيد لأجله؛ لظاهر حديث أبي قتادة أنه صاده لأجلهم، وتعقب بأنه يحتاج إلى نقل أنه صاده لأجلهم، والجمع بينه وبين حديث جابر بما ذهب إليه الجمهور أولى من طرح حديث جابر كذا. قاله الزرقاني. * * * ٤٤٤ - أخبرنا مالك، حدثنا زيد بن أسْلَم، عن عَطاءِ بن يَسار، أنَّ كَعْبَ الأحبار أقْبَلَ من الشام في رَكْبٍ مُحْرِمين، حتى إذا كانوا ببعض الطَّرِيق، وجدوا لحم صَيْدٍ، فأفتاهم كَعْب بأكله، فلما قدموا على عمر بن الخطاب

стр. 877

ذكروا ذلك له، فقال: مَنْ أفْتاكم بهذا؟ قالوا: كعب، قال: فإني قد أمَّرْتُه عليكم حتى ترجعوا، ثم إنه لما كان ببعض الطَّريق طَريقِ مكة، مَرَّت بهم رِجْلٌ من جَرَاد، فأفْتاهم كعب بأن يأكلوه ويأخذوه، فلما قدموا على عمر ذكروا ذلك له، فقال: ما حملك على أن تفتيهم بهذا؟ قال: يا أمير المؤمنين، والذي نفسي بيده، إن هو إلا نَثْرَة حوت، يَنْثُرُهُ في كل عام مرتين. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا أو أنا، وفي أخرى: ثنا حدثنا زيد بن أسْلَم، العدوي مولى عمر، يكنى أبا عبد الله أو أبا أسامة المدني، ثقة عالم، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين، مات سنة ستة وثلاثين عن عَطاءِ بن يَسار، الهلالي، يكنى أبا محمد المدني مولى ميمونة ثقة، فاضل صاحب مواعظ وعبادة، كان في الطبقة الثانية من طبقات صغار التابعين، مات سنة ستة وتسعين وأربع أنَّ كَعْبَ الأحبار بفتح الهمزة وسكون الحاء المهملة فألف فراء كان من علماء اليهود وأسلم بعد سيد الأبرار فصار من التابعين الأخيار، وهو أي: الأحبار جمع حبر بكسر الحاء المهملة وفتحها وأيضًا كما لأوله إما لكثرة كتابته بالحبر بإيحاء العلماء وقول المحد: كعب الحبر ولا تقل: الأحبار، فيه نظر [فيه] أثبت غير واحد، وهو أي: كعب بن ماتع بفوقية أدرك زمن النبوة وأسلم في خلافة عمر على المشهور كذا قاله الزرقاني (١) كان في الطبقة الأولى من طبقات التابعين من أهل الشام وهي كانت في الإِقليم الثالث من الأقاليم السبعة من وجه الأرض. قال أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي: من بعض مناقب كعب الأحبار أنه قال: ما كرم عبد على الله تعالى إلا زاد البلاء عليه شدة، ولا أعطى رجل زكاة فنقصت من ماله ولا حبسها فذادت فيه، لا يسرق سارق إلا حسب له من رزقه، وقال: إن سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر دوي حول العرش يذكرون بصاحبها، والعمل الصالح في الخزائن، وقال: ما استقر لعبد ثناء في الأرض حتى يستقر في السماء، وقال: لأن أبكي من خشية الله حتى تسيل دموعي على وجنتي أحب إلى أن أتصدق بوزني ذهبًا، والذي نفس كعب بيده، ما بكى عبد من خشية الله حتى تقع قطرة من دموعه على الأرض فتمسه النار أبدًا حتى يعود قطر السماء الذي وقع على الأرض من حيث جاء، ولن يعود أبدًا.

стр. 878

وقال: من تعبد الله تعالى ليلة حيث لا يراه من يعرفه خرج من ذنوبه كما يخرج من ليلته انتهى أقْبَلَ من الشام في رَكْبٍ بفتح الراء وسكون الكاف والموحدة اسم لأصحاب الإِبل أي: في جمع مُحْرِمين، أي: بعمرة، كذا في رواية حتى إذا كانوا ببعض الطَّرِيق، أي: ببدء إحرامهم وجدوا لحم صَيْدٍ، صاده حلال بغير إحرام فأفتاهم كَعْب بأكله، فلما قدموا على عمر بن الخطاب أي: بالمدينة المنورة ذكروا ذلك له، أي: لعمر ففيه تنبيه على أنهم أحرموا من دويرة أهلهم بعد دخول أشهر الحج، فإنه أفضل لمن أمن ارتكاب المحظور، فقد روى أنهم أحرموا بها من بيت المقدس، لحديث ورد بذلك فقال: أي: عمر مَنْ أفْتاكم بهذا؟ أي: بأكل المحرم لحم الصيد قالوا: كعب، أي: أفتانا به قال أي: عمر فإني قد أمَّرْتُه عليكم بتشديد الميم (ق ٤٨١) أي: جعلته أميرًا عليكم حتى ترجعوا، إلى بلدكم ثم لما كانوا أي: كعب الركب ببعض الطَّريق طَريقِ مكة، عطف بيان مَرَّت بهم أي: عبرت عليهم رِجْلٌ بكسر الراء وسكون الجيم أي: قطيع من جَرَاد، فأفْتاهم كعب بأن يأكلوه ويأخذوه، الواو بمجرد الجمع، في (الموطأ) ليحيى أن يأخذوه فيأكلوه فلما قدموا على عمر أي: في المدينة بعد رجوعهم من مكة ذكروا ذلك أي: ما أفتى به كعب له، أي: لعمر فقال: أي عمر ما حملك أي: يا كعب على أن تفتيهم بهذا؟ أي: على تجوز أكل الجراد للمحرمين قال: يا أمير المؤمنين، والذي نفسي بيده، إن هو أي: ما هو يعني: الجراد إلا نَثْرَة حوت، بفتح النون وسكون المثلثة وأصلها ما يلقيه الإِنسان عند الامتحان والعطاس في (النهاية) أي: عطسته حوت يَنْثُرُهُ إي: يرميه في كل عام مرتين وبذلك ورد حديث مرفوع عند ابن ماجه (١) عن أنس ﵁: أن الجراد نثره الحوت من البحر وفي أبي داود (٢) والترمذي (٣) وابن ماجه (٤) عن أبي هريرة مرفوعًا: الجراد من صيد البحر، وفي رواية: إنما هو من صيد البحر، لكنها أحاديث ضعفها أبو داود والترمذي وغيرهما، فلا حجة فيها لمن أجاز للمحرم صيده. ولذا قال الأكثر كمالك والشافعي أنه صيد البر، فيحرم التعرض له، وفيه قيمته

стр. 879

وقد جاء ما يدل على رجوع كعب عن هذا، فروى الشافعي بسند صحيح أو حسن عن عبد الله بن أبي عمار أقبلنا مع معاذ بن جبل وكعب الأحبار في الناس محرمين من بيت المقدس بعمرة حتى إذا كنا ببعض الطريق وكعب على نار يصطلي فمرت به رجل جرد أي: قطيع من الجراد فأخذ جرادتين فقتلهما، وكان قد نسي إحرامه فذكره فألقاهما فلما قدمنا المدينة على عمر قص عليه كعب قصة الجرادتين فقال: ما جعلت على نفسك قال: درهمين قال: بخ، درهمان خير من مائة جرادة نعم لو عم الجراد المسالك، ولم يجد بدا من وطئه فلا ضمان، وليحفظ منه وقد توقف ابن عبد البر في أنه من نثرة حوت بأن المشاهدة تدفعه، وقد روى سعيد بن زيد الباجي المالكي عن كعب قال: خرج أوله من منخر حوت فأفاد أن أوله خلقه من ذلك، وهذا أشبه. قال وما ذكره كعب الأحبار من ذلك لا تعلم صحته ولم يكذبه عمر ولا صدقه؛ لأنه خشي أنه علم ذلك من التوراة والسنة فيما حدثوا به أن لا يصدقوا ولا يكذبوا لئلا يكذبوا في حق جاؤوا به أو يصدقوا في باطل اختلفوا أوائلهم وحرفوه عن مواضعهم، كذا قاله الزرقاني (١). * * * ٤٤٥ - أخبرنا مالك، حدثنا زيد بن أسْلَم، أن رجلًا سأل عمر بن الخطاب فقال: إني أصَبْتُ جَرَادَات بِسَوْطِي، فقال: أطعم قبضةً من طعام. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي أخرى: ثنا حدثنا وفي نسخة: قال: بنا زيد بن أسْلَم، العدوي مولى عمر، يكنى أبا عبد الله وأبا أسامة المدني ثقة عالم، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين، من أهل المدينة، مات سنة ست وثلاثين، كذا قاله ابنِ حجر (٢) أن رجلًا سأل عمر بن الخطاب ﵁ فقال: إني أصَبْتُ جَرَادَات بِسَوْطِي، أي: قتلتهن بضرب سوطي عليهن وأنا محرم أي: والحال أنا محرم على ما في

стр. 880

نسخة فقال: أطعم قبضةً كذا في الأصل بالضاد المعجمة وهي بفتح القاف والضم أكثر ما قبضت عليه من شيء من طعام أي: من حنطة، والأظهر أنه بالصاد المهملة، وهي بالفتح وبضم ما ملأ كفاك من الطعام، وهذا هو المناسب للمقام. * * * ٤٤٦ - أخبرنا مالك، أخبرنا هشام بن عُرْوَة، عن أبيه أنَّ الزُّبَيْر بن العَوَّام كان يتزَوَّد صَفيف الظِّباءِ في الإِحرام. قال محمد: وبهذا كلِّه نأخذ، إذا صادَ الحلال الصَّيْد فذبحه لا بأس بأن يأكل المُحْرِم من لحمه، إن كان صِيد من أجله، أو لم يُصَدْ من أجله؛ لأن الحلال صادَه وذبحه، وذلك له حَلال، فخرج من حال الصَّيْد، وصار لحمًا، فلا بأس بأن يأكل المُحْرِم منه. وأما الجراد فلا ينبغي للمحرم أن يصيده، فإن فعل كَفَّرَ، وتَمْرَةٌ خيرٌ من جَرَادَة، كذلك قال عمر بن الخطاب، وهذا كلّه قولُ أبي حنيفة والعامة من فقهائنا. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي أخرى: ثنا أخبرنا وفي نسخة: قال: ثنا، هشام بن (ق ٤٨٢) عُرْوَة، عن أبيه أنَّ أي: أباه الزُّبَيْر بن العَوَّام الأسدي ثقة فقيه ربما دلس، كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين، من أهل المدينة مات سنة ست أو خمس وأربعين ومائة من الهجرة، وله سبع وثمانون سنة. كذا قاله ابن حجر كان يتزَوَّد أي: يتخذ في السفر طعامًا صَفيف الظِّباءِ بكسر الظاء المعجمة وفتح الموحدة والألف الممدودة جمع الظبي في الإِحرام أي: عند قصده. قال مالك: والصفيف بصاد مهملة وفائين بينهما تحتية بزنة أمير، هو القديد، وفي القاموس: الصفيف كأمير ما صف في الشمس وعلى الجمر ليتشوى. قال محمد: وبهذا كلِّه نأخذ، أي: إنما نعمل أنا وأصحاب أبي حنيفة بجميع ما

стр. 881

روى في هذا الباب إذا صادَ الحلال الصَّيْد فذبحه أي: الحلال إن ذبحه المحرم للصيد حرام عليه وعلى غيره إذ يصير نجسة فلا بأس بأن يأكل المُحْرِم من لحمه، أي: من لحم صيد الحلال وذبحه إن كان أي: سواء كان صِيد بصيغة المجهول أي: اصطيد من أجله، أي: بلا دلالة محرم وأمره أو لم يُصَدْ بصيغة المجهول من أجله؛ خلافًا لما ذهب إليه عثمان، وبه قال مالك والشافعي مستدلين بما رواه أبو داود (١) والترمذي (٢) من حديث جابر بن عبد الله الأنصاري أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "صيد البر لكم حلال ما لم تصيدوه أو يصد لكم بأمركم" لأن الحلال صادَه وذبحه، وذلك أي: ما ذكر من الفعلين له أي: للمحرم حَلال، أي: بالإِجماع فخرج من حال الصَّيْد، وصار لحمًا، أي: كسائر اللحوم فلا بأس أي: لا كراهة بأن يأكل المُحْرِم منه أي: كما يجوز له أن يأكل من لحم الغنم ونحوه إذا ذبحه حلال أو محرم اتفاقًا. وأما الجراد فقد اختلف العلماء في كونه صيد البحر أو البر فلا ينبغي للمحرم أن يصيده، أي: يأخذه ويأكل منه؛ لأنه الأحوط وعليه الأكثر فإن فعل كَفَّرَ، أي: بقيمته وتَمْرَةٌ خيرٌ من جَرَادَة، أي: كما رواه ابن أبي شيبة عن عمرو بن عباس كذلك قال عمر بن الخطاب، ﵁ أي: كما رواه يحيى في (موطئه) عن مالك عن يحيى بن سعيد أن رجلًا جاء إلى عمر بن الخطاب ﵁ فسأله عن جرادة قتلها وهو محرم فقال عمر لكعب: تعالى حتى تحكم فقال: درهم درهم فقال عمر لكعب: إنك لتجد الدراهم تمرة خير من جرادة انتهى. ولا يخفى هذا من كعب مخالفًا لما سبق من فتواه، ولا الحق من عمر فيما أمضاه، ولعلهما رجعًا عن قولهما أولًا أو رجع كعب إلى رأي عمر لما تبين أنه أظهر وهذا كلّه قولُ أبي حنيفة والعامة من فقهائنا وفي (شرح الهداية) لابن الهمام وعليه كثير من العلماء لكنه يشكل عليه ما في أبي داود والترمذي عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في حجة أو عمرة فاستقبلنا رجل، أي: قطيع من جراد فجعلنا نضربه بسياطنا وقسينا فقال: ﷺ : "كلوه فإنه من صياد البحر" فعلى هذا لا يكون فيه شيء وتبع عمر أصحاب المذاهب انتهى. قال علي القاري: يحل للمحرم أكل الجراد عند الأئمة الأربعة سواء مات بحتف أو

стр. 882

بغير سبب أو بذكاة أو باصطياد مجوسي أو مسلم أو بقطع شيء منه أم لا، وعن أحمد إذا قتله البرد لم يؤكل، وملخص مذهب مالك: إن قطعت رأسه حل أكله وإلا فلا، والدليل على عموم حمله قوله ﷺ (ق ٤٨٣): "أحلت لنا ميتتان ودمان: الجراد والسمك والكبد والطحال" رواه الشافعي (١) وأحمد (٢) والدارقطني (٣) والبيهقي (٤) من حديث عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن ابن عمر مرفوعًا. قار البيهقي: وروى موقوفًا على ابن عمر وهو أصح، قلت: إنه في حكم المرفوع، كما لا يخفى. لما فرغ من بيان حكم صيد البر والبحر يصيده الحلال هل يحل للمحرم أكله أم لا، شرع في بيان جواز العمرة في أشهر الحج، فقال: هذا * * * باب الرجل يعتمر فى أشهر الحج ثم يرجع إلى أهله من غير أن يحج في بيان حكم حال الرجل يعتمر في أشهر الحج وهو شوال وذو القعدة والعشر الأوائل من ذي الحجة، كذا في (ملتقى الأبحر) ثم أي: بعمرة في أشهر الحج يرجع أي: المعتمر إلى أهله أي: إلي بلده من غير أن يحج، أي: في السنة. ٤٤٧ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، عن سعيد بن المسيِّب، أن عمر بن أبي سَلَمَة المخزوميّ، استأذن عمر بن الخطاب أن يعتمر في شَوَّال، فأذن له عمر، فاعتمر في شَوَّال، ثم قَفَلَ إلى أهله ولم يَحُجّ. قال محمد: وبهذا نأخذ، ولا مُتْعَة عليه، وهو قولُ أبي حنيفة. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا أو أنا، وفي أخرى: ثنا، أخبرنا وفي

стр. 883

نسخة: قال: ثنا ابن شهاب، أي: محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين من أهل المدينة عن سعيد بن المسِّيب، أي: ابن حزن بن أبي وهب بن عمرو بن عامر بن عمر بن مخزوم القرشي المدني المخزومي أحد العلماء الأثبات، كان في الطبقة الأولى من كبار طبقات التابعين من أهل المدينة، اتفقوا على أن مرسلاته من أصلح المراسيل، وقال المدني: لا أعلم في كبار التابعين أوسع علمًا منه، مات بعد التسعين بيسير من الهجرة. كذا قاله ابن الجوزي وابن حجر أن عمر بن أبي سَلَمَة المخزوميّ، أي: نسبة إلى قبيلة المخزوم من قريش ربيب النبي ﷺ وأمه أم سلمة، زوج النبي ﷺ ولد بأرض الحبشة في السنة الثانية من الهجرة، وتوفي رسول الله ﷺ وله تسع سنين، ومات في زمن عبد الملك بن مروان بالمدينة وله ثلاث وثمانين سنة. حفظ عن رسول الله ﷺ ، ورى عنه أحاديث وعنه جماعة. كذا قاله علي القاري استأذن أي: طلب عمر ابن أبي سلمة عن عمر بن الخطاب ﵁ أن يعتمر في شَوَّال، أي: من المدينة ونحن هنا فأذن له عمر، فاعتمر في شَوَّال، ثم قَفَلَ أي: رجع إلى أهله أي: بلده ولم يَحُجّ أي: في تلك السنة، وفي هذا دليل على جواز العمرة في أشهر الحج، وفي الصحيحين عن ابن عباس ﵄. أنه قال: كانوا أي: أهل الجاهلية يرون العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور في الأرض. قال العلماء: هذا من مبتدعاتهم الباطلة التي لا أصل لها ولابن حبان عن ابن عباس قال: والله ما أعمر رسول الله ﷺ عائشة ﵂ في ذي الحجة إلا ليقطع ذلك أمر المشركين، فإن هذا الحي من قريش، ومن دان دينهم كانوا يقولون. . . فذكر نحوه. قال محمد: وبهذا نأخذ، أي: نعمل بما روي سعيد بن المسيب عن عمر بن أبي سلمة ﵄ ولا مُتْعَة عليه، أي: لا دم عليه للمتمتع وإن شرطه أن يجتمع عمرته وحجته في أشهر الحج مع إحرامه في سنة واحدة وهو قولُ أبي حنيفة رحمه الله تعالى هذا يدل على أنه المكي أيضًا لو اعتمر ولم يحج في عامه لا يجب عليه شيء، خلافًا لابن الهمام ومن تابعه من الأنام وسنقرر هذا المبحث رواية ودراية في هذا المقام. * * * ٤٤٨ - أخبرنا مالك، حدثنا صَدَقَة بن يَسَار المكي، عن عبد الله بن عمر،

стр. 884

أنَّه قال: لأَنْ أعتمر قبل الحج، فأهدي، أحَبُّ إليَّ من أن أعتمر في ذي الحجَّة بعد الحجّ. قال محمد: كل هذا حَسَنٌ وَاسِعٌ، إن شاءَ فعل، وإن شاءَ قَرَن وأَهْدَى، فهو أفضل من ذلك. أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي أخرى: ثنا، أخبرنا وفي نسخة: قال: بنا، وفي أخرى: ثنا صَدَقَة بن يَسَار المكي، الجوزي، ثقة كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين، من أهل مكة، مات في أول خلافة بني العباس، وكان ذلك سنة اثنين وثلاثين ومائة من الهجرة. كذا قاله ابن حجر في (التقريب) (١) (ق ٤٨٤) عن عبد الله بن عمر، أنَّه قال: لأَنْ أعتمر أي: في أشهر الحج قبل الحج، أي: قبل أن أحج بأن أكون قارنًا أو متمتعًا فأهديَ، أي: لأحدهما شكرًا للجمع بينهما أحَبُّ إليَّ من أن أعتمر في ذي الحجَّة أي: بعد أيام التشريق بعد الحجّ أي: بعد أن أحج. قال محمد: كل هذا أي: كل ما ذكر من أنواع الحج قرانًا وتمتعًا وإفرادًا حَسَنٌ أي: مستحسن وَاسِعٌ، أي: جائز فعله، وفي نسخة: واسع حسن إن شاءَ فعل، أي: ما ذكره من الإِفراد وإن شاءَ قَرَن أي: جمع بين النسكين بأحد النوعين وأَهْدَى، أي: ذبح في منى أو صام بدله، كما هو معروف فهو أي: القران بنوعيه، وفي نسخة: وهو بالواو أفضل من ذلك أي من الإِفراد، وفي نسخة: ومن ذلك كله أي: من جميع ما ذكر من أنواع الحج، كما نقرره في محله إن شاء الله تعالى. * * * ٤٤٩ - أخبرنا مالك، أخبرنا هشام بن عُرْوَةَ، عن أبيه، أن النبي ﷺ لم يعتمر إلا ثلاثَ عُمَرٍ؛ إحداهنّ في شَوَّال، والاثنتين في ذي الْقَعْدَة. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا أو أنا، وفي أخرى: ثنا أخبرنا وفي نسخة:

стр. 885

قال: ثنا، هشام بن عُرْوَةَ، أي: ابن الزبير بن العوام الأسدي المدني، ثقة فقيه ربما دلس، كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين، من أهل المدينة، مات سنة ست أو خمس وأربعين من الهجرة، وله سبع وثمانون سنة كذا قاله ابن حجر (١) عن أبيه، عن عروة مرسلًا أن النبي ﷺ لم يعتمر أي: بعد الهجرة إلا عُمَرٍ؛ بضم ففتح ويصرف جمع عمرة إحداهنّ في شَوَّال، والاثنتين في ذي الْقَعْدَة بفتح القاف وبكسر. كذا في نسخة الشارح وفي (المتون) ذي القعدة بالإِفراد، وفي الصحيحين (٢) وسنن الترمذي (٣) وأبي داود (٤) عن قتادة قال: سألت أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه عن كم حج رسول الله ﷺ قال: حج حجة واحدة واعتمر أربع عمر، عمرة في ذي القعدة، وعمرة في الحديبية، وعمرة مع حجه، وعمرة الجعرانة حيث قسم غنيمة حنين، ولفظه رواية الترمذي، وقال: حسن صحيح، وفي رواية الصحيحين: اعتمر أربع عمر كلها في ذي القعدة إلا التي مع حجته، عمرة الحديبية أو زمن الحديبية في ذي القعدة من العام المقبلة في ذي القعدة، وعمرة من جعرانة حيث قسم غنائم حنين في ذي القعدة وعمرة في حجته، وفي رواية أبي داود عن عون عن عائشة ﵂ أنها قالت: أن رسول الله ﷺ اعتمر عمرتين ذي القعدة وعمرة في شوال، فلعلها أراد بها التي في ضمن حجته، ووقع ابتداء إحرامه وشروعه في إحرامه في شوال، ولم يذكر عمرة وهي الحديبية أولًا؛ حيث لم يأت النبي ﷺ بأفعالها في ذلك العام ويؤيده أنه في رواية أبي داود عن مجاهد سئل ابن عمر: كم اعتمر النبي ﷺ قال: عمرتين فبلغ عائشة لقد علم أن رسول الله اعتمر ثلاث سوى التي قرنها بحجة الوداع وكان ابن عمر لم يعد المقرونة بالحج، فإنه ﷺ كانا قارنًا لعمره المفردة في الحقيقة شأن إحديهما عمرة القضاء بعد عام الحديببة وعمرة الجعرانة هذا. وعن عروة بن الزبير قال: كنت أنا وابن عمر مستندين إلى حجرة عائشة وإنا لنسمع صوتها بالسؤال قال: فقلت: يا أبا عبد الرحمن اعتمر النبي ﷺ في رجب؟ قال: نعم

стр. 886

فقلت لعائشة: أي (ق ٤٨٥) أختاه أما تسمعين ما يقول أبو عبد الرحمن قالت: وما يقول؟ يقول: اعتمر النبي ﷺ في رجب فقالت: يغفر الله لأبي عبد الرحمن لعمري ما اعتمر في رجب وما اعتمر من عمرة إلا وأنا معه قال: وابن عمر يسمع ما قال لا ولا نعم سكت واحتاج بعضهم إلى تأويل ما وقع عن عائشة ﵂ من أنه اعتمر في شوال وعن ابن عمر من أنه اعتمر في رجب، فقال: إنما يجوز نسبته إلى النبي ﷺ باعتبار أنه أمر الناس بها، فعملت بحضرته وقدرها لا أنه ﷺ بنفسه اعتمرها، كذا قاله علي القاري. لما فرغ من بيان جواز العمرة في أشهر الحج، شرع في بيان فضل العمرة في شهر رمضان، فقال: هذا * * * باب فضل العمرة في شهر رمضان في بيان فضل العمرة في رمضان، أي: في أيامه أو لياليه، لاجتماع شرف الزمان والمكان. ٤٥٠ - أخبرنا مالك، أخبرنا سُمَيّ مَوْلَى أبي بكر بن عبد الرحمن، أنَّه سمع مَوْلاهُ أبا بكر بن عبد الرحمن يقول: جاءَت امرأة إلى النبي ﷺ فقالت: إني كنت تجَهَّزْتُ للحجّ وأردته، فاعْتُرِضَ لي، فقال لها رسول الله ﷺ : "اعتمري في رمضان، فإنَّ عُمْرةً فيه كحِجَّةٍ". • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي نسخة أخرى: أنا رمزًا إلى أخبرنا وفي نسخة أخرى: ثنا رمزًا، إلى حدثنا أخبرنا وفي نسخة: قال: ثنا سُمَيّ بالتصغير مَوْلَى أبي بكر بن عبد الرحمن، بن الحارث بن هشام، ثقة كان في الطبقة السادسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة ثلاثين ومائة مقتولًا بقديد. كذا قاله ابن حجر (١) أنَّه سمع مَوْلاهُ أبا بكر بن عبد الرحمن والمولى يطلق على الرقيق تارة وعلى السيد أخرى

стр. 887

يقول أبو بكر بن عبد الرحمن المخزومي اسمه عبد الله كان صدوقًا، في الطبقة السادسة من طبقات التابعين من أهل المدينة: كذا في (التقريب) (١) جاءَت امرأة إلى النبي ﷺ فقالت: إني كنتُ تجَهَّزْتُ للحجّ أي: هيئات ما لزم في طريق الحج وأردته، فاعْتُرِضَ لي، بصيغة المجهول أي: فحصل لي عارض كان مانعًا من خروجي، وفي بعض طرقه: فأصابتنا هذه القرحة الحصبة أو الجدري كذا ذكره السيوطي فقال لها رسول الله ﷺ : "اعتمري في رمضان، فإنَّ عُمْرةً فيه كحِجَّة" أي: أن ثواب العمرة في رمضان كثواب الحج المبرور، كما روى مالك في (موطئه) عن سمي مولى أبي بكر بن عبد الرحمن عن أبي صالح السمان عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلى الجنة"، وفيه أن أعمال البر قد تفضل بعضها على بعض في أوقات، وأن الشهور بعضها أفضل من بعض والعمل في بعضها أفضل من بعض، وأن شهر رمضان بما يتضاعف فيه عمل البر وذلك دليل على عظم فضله، وأن الحج أفضل من العمرة، لما فيه من زيادة المشقة والعمل، لأم طليق قصة مثل هذه أخرجها ابن السكن وابن منده في (الصحابة) والدولابي في (الكنى) من طريق ابن حبيب أن أبا طلق حدثه أن امرأته أم طليق قالت له وكان له جمل يغزو عليه وناقة يحج عليها: أعطني جملك أحج عليه قال: جملي حبس في سبيل الله فقالت: إن الحج في سبيل الله قالت: فأعطني الناقة وحج أنت على الجمل قال: لا أوثرك على نفسي من نفقتك قال: ما عندي فضل غنى وعن عيالي ما أخرج به وما أترك لكم قالت: إنك لو أعطيتني أخلفه الله، فلما أبيت عليها قالت: إذا لقيت رسول الله ﷺ فأقرئه مني (ق ٤٨٦) السلام وأخبره بالذي قلت لك، فأتيته فأقرأته السلام منها، وأخبرته بما قالت فقال: "صدقت أم طليق لو أعطيتها الجمل لكان في سبيل الله، ولو أعطيتها الناقة لكانت وكنت في سبيل الله، ولو أعطيتها من نفقتك لأخلفها الله" وسألته ما يعدل الحج؟ قال: "عمرة في رمضان"، وسنده جيد. قال الحافظ: وزعم ابن عبد البر أن أم معقل هي أم طليق لها كنيتان، وفيه نظر؛ لأن أبا معقل مات في عهد النبي ﷺ ، وأن أبا طلق عاش حتى سمع منه طلق بن حبيب، وهو من صغار التابعين فدل على تغاير المرأتين، ويدل عليه تغاير السياقين أيضًا.

стр. 888

وفي البخاري (١) ومسلم (٢) وغيرهما عن ابن عباس ﵄ لما رجع النبي ﷺ من حجته قال لأم سنان الأنصارية: "ما منعك من الحج؟ " قالت: كان لنا ناضحان، أي: ناقتان فركب أبو فلان؛ أي: زوجها وابنها على إحديهما والآخر ينبغي أرضا لنا قال: "فإذا كان رمضان فاعتمري فيه، فإن عمرة في رمضان تعدل في حجة معي"، والظاهر أن المراد بهذه العمرة أن تكون إفاقية، ولهذا لم تجوِّز الحنبلية غيرها، وأما عند الحنفية والشافعية فيحتمل أن تكون شاملة لعمرة إفاقية ومكية فيستحب إنهاؤها لأهل مكة إلا أن المالكية يقولون بكراهة العمرة زيادة على المرة في كل سنة، فعلى هذا صرف الأوقات إلى الطواف أفضل من تعدد العمرات للمكي ومن بمعناه، إذ الأولى استحبابه مجمع عليه، بخلاف الثاني لاختلاف وقع فيه المقصود باللذات، وهو الطواف في ذلك المقام، وإنما الإِتيان بالإِحرام وسيلة إلى ذلك المرام. كذا قاله الزرقاني وعلي القاري. لما فرغ من بيان فضل العمرة في شهر رمضان، شرع في بيان المتمتع، فقال: هذا * * * باب المتمتع ما يجب عليه من الهدي بالتنوين على أنه مرفوع خبر لمبتدأ محذوف، كما قدرناه المتمتع بصيغة اسم الفاعل من التمتع، وهو في اللغة الانتفاع أو النفع وفي الشرع المتمتع هو الذي يحرم بعمرة من الميقات في أشهر الحج، ويطوف بالبيت للعمرة، ثم يسعى بين الصفا والمروة، ويحلق رأسه أو يقصر للخروج من الإِحرام إن شاء أو بقي محرمًا حتى يحرم للحج، ويتحلل من الإِحرامين يوم النحر إن لم يسق الهدي، وإن ساقه لا يتحلل إلى أن يبلغ يوم النحر كما قال ما أي: من يجب عليه من الهدي، فالمتمتع مرفوع مبتدأ وكلمة ما موصولة أو موصوفة، ولفظ يجب خبره، ومن الهدي مرفوع الحل على أنه فاعل يجب، فمن زائدة وإنما آثر المصنف ذكر كلمة ما على من الموضوعة لذي العلم المناسب بهذا المقام لإِرادة معنى الوصفية هو معنى اسم الفاعل؛ الذي هو المتمتع، فإن كلهم ما تستعمل في الصفات، فإذا أردت أن

стр. 889

تسأل عن صفة زيد تقول: ما هو، والجواب عنه عالم زاهد، وإذا سألت عن ذاته تقول: من هو فالجواب عنه أنه زيد، إلا أنه عدل عن كلمة من إلى ما، لدلالته على الوصفية وبلوغ الوصف إلى أقصى (ق ٤٨٧) الغاية، بحيث يكون الموصوف عجيب الشأن يحسب اتصاف به أو لإِرادة تفخيم لشأن المتمتع وتعجيبًا لأمره، وأي عجب مما إذا أراد المتمتع الإِحرام، وقال: اللهم إني أريد العمرة فيسرها لي وتقبلها مني، اللهم لبيك، يقول الرب: أنا لبيك ومتجل عليك، فاسأل ما تريد وأنا أقرب إليك من حبل الوريد، فاطلب تفصيل هذا في حاشية تفسير قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا﴾ [الشمس: ٥] من كتابنا (نور الأفئدة) وفي حل الإِحرام من (سلم الفلاح). ٤٥١ - أخبرنا مالك، حدثنا عبد الله بن دينار، قال: سمعتُ عبد الله بن عمر يقول: مَنْ اعتمر في أشهر الحجّ في شَوَّال، أو ذي القعْدَة، أو ذي الحجة، فقد استمتع ووَجَبَ عليه الهدي، أو الصيام إن لم يجد هَدْيًا. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي أخرى: أنا، وفي أخرى: ثنا حدثنا عبد الله بن دينار، العدوي، يكنى أبا عبد الرحمن المدني، مولى ابن عمر ثقة، في الطبقة الرابعة من طبقات أهل المدينة، مات سنة سبع وعشرين ومائة من الهجرة قال: سمعتُ عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵁ أنه يقول: مَنْ اعتمر في أشهر الحجّ وهو مجمل بيان قوله في شَوَّال، أو ذي القعْدَة، بكسر القاف وفتحها وكلمة "أو" هنا وفيما بعده للتنويع أو ذي الحجة، أي: في العشر الأول من ذي الحجة بكسر الحاء المهملة، لا غير والمراد به تسعة أيام منه ففي إطلاق الكل وإرادة البعض، وتسميتها شهرًا تغليب الأكثر فقد استمتع أي: صار متمتعًا إن حج في عامه ذلك ووَجَبَ عليه الهدي، أي: دم الشكر للجمع بين النسكين، وهما العمرة والحج في سفر واحد أو الصيام أي: وجب الصيام ثلاثة أيام من أشهر الحج ويكن آخر الأيام يوم عرفة فيصوم يومًا قبل يوم التروية ويومًا يوم التروية ويومًا يوم عرفة، ولا يجوز صوم الثلاثة في يوم النحر وأيام التشريق عند أبي حنيفة، وقيل: يجوز صوم الثلاثة في يوم النحر وأيام التشريق عند الثلاثة وصيام سبعة أيام إذا رجع من منى إلى بلده، فلو صامها قبل الرجوع لم يجز عند الأكثر، ومنهم الشافعي

стр. 890

وقيل: يجوز صيامهما بعد الفراغ من أعمال الحج، وبه قال أبو حنيفة وقال الزهري: وهو المراد من الرجوع في الآية من قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ الآية [البقرة: ١٩٦]. قال مالك وذلك إذا أقام حتى الحج ثم حج عن عامه، فلو لم يحج منه أو أعاد إلى بلده ثم حج في عامه لم يكن متمتعًا إن لم يجد هَدْيًا أي: أو ثمنه يوم النحر، فإنه يصوم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع من حجه أو بلده، فالقران في معنى التمتع من جهة الهدي أو الصيام. * * * ٤٥٢ - أخبرنا مالك، حدثنا ابن شهاب، عن عُرْوَة بن الزُّبَيْر، عن عائشة، أنها كانت تقول: الصيام لمن تمتَّعَ بالعُمْرَة إلى الحجّ، فمن لم يجد هَدْيًا ما بينَ أن يُهِلَّ بالحجّ إلى يوم عرفة؛ فإن لم يصم صام أيامَ مِنًى. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي أخرى: ثنا، حدثنا وفي نسخة: قال: بنا أو أنا، ابن شهاب، أي: محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، المدني ثقة فقيه، كان في الطبقة الثانية من طبقات التابعين، من أهل المدينة، مات سنة أربع وتسعين من الهجرة على الصحيح. كذا قاله ابن حجر (١) عن عائشة، ﵂ أنها كانت تقول: الصيام أي: الأيام الثلاثة لمن تمتَّعَ أو استمتع وانتفع بالتقرب إلى الله بالعُمْرَة إلى الحجّ، أي: إلى وقت الحج يعني: قبل انتفاعه بتقربه إليه بالحج فمن أي: من أجل من، وفي نسخة: لمن أي: مختص لمن لم يجد هَدْيًا أي: يوم النحر فقوله: ما بينَ أن يُهِلَّ بالحجّ أي: أن يحرم به؛ لأنه أول وقت وجوب الهدي أو بل (ق ٤٨٨) والمشهور عن أبي حنيفة وأحمد أنه إذا أحرم جاز له صومها إلى يوم عرفة؛ ظرف للصيام، والمعنى أنه يجب أن يقع الصيام ثلاثة أيام ما بينهما متوالية أو متفرقة، فالأفضل أن يؤخرها إلى أن يقع آخرها يوم عرفة رجاء أن يجد الهدي؛ الذي هو الأصل، فإن فاته كلمة أو بعضه تعين الهدي في ذمته

стр. 891

عندنا، وأما قولهما: فإن لم يصم أي: قبل عرفة صام أيامَ مِنًى فأخذ به، وهو رواية عن أحمد وقول للشافعي، والأظهر عنده عدم جوازه كمذهبنا ثم لا يفوت صومهما بفوت يوم عرفة إلا عند أبي حنيفة، وأما على الراجح من مذهب الشافعي فيصومهما بعد ذلك ولا يجب بتأخيرها غير القضاء وإن أخره بغير عذر لزمه دم عند أحمد، وإذا وجد الهدي وهو في صومها استحب له الانتقال إلى الهدي. وقال أبو حنيفة: يلزمه ذلك، وأما صوم السبعة فعند الشافعي قولان: أصحهما إذا رجع إلى أهله، وهو مذهب أحمد، والثاني الجواز قبل الرجوع، وفي وقت جواز ذلك وجهان أحدهما: إذا خرج من مكة وهو قول مالك، وثانيهما: إذا فرغ من الحج وإن كان بمكة وهو قول أبي حنيفة، هذا وقد ذكر يحيى هذين الحديثين في صيام المتمتع. * * * ٤٥٣ - أخبرنا مالك، حدثنا ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، عن عبد الله بن عمر، مثل ذلك. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا حدثنا ابن شهاب، أي: محمد بن مسلم بن شهاب الزهري المدني الثقة، كان من الطبقة الرابعة، من طبقات التابعين، من أهل المدينة عن سالم بن عبد الله، بن عمر بن الخطاب القرشي العدوي، يكنى أبا عمرو وأبا عبد الله المدني أحد الفقهاء السبعة، وكان ثبتًا عابدًا فاضلًا يشبه بأبيه في الهدي والسمت، وكان في الطبقة الثانية من كبار طبقات التابعين من أهل المدينة، كانت في الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة من الأرض عن عبد الله بن عمر، مثل ذلك أي: مثل قول عائشة ﵂. * * * ٤٥٤ - أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد، أنَّه سمع سعيد بن المسيَّب

стр. 892

يقول: مَنْ اعتمر في أشهر الحج في شَوَّال، أو في ذي القعْدَة، أو في ذي الحجة، ثم أقام حتى يَحُجّ فهو مُتَمَتِّع، قد وَجَبَ عليه ما اسْتَيْسَرَ من الهَدْي، أو الصيام إن لم يجد هَدْيًا، وَمَنْ رجع إلى أهله ثم حَجّ فليس بمتمتِّع. قال محمد: وبهذا كُلِّه نأخذ، وهو قولُ أبي حنيفة والعامّة من فقهائنا. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا أو أنا، وفي نسخة أخرى: ثنا أخبرنا وفي نسخة: قال: بنا أو أنا، وفي نسخة أخرى: ثنا يحيى بن سعيد، بن قيس الأنصاري المدني، يكنى أبا سعيد القاضي، ثقة تابعي ثبت، كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين من أهل المدينة مات سنة أربع وأربعين. كذا قاله ابن حجر (١) أنَّه سمع سعيد بن المسيَّب بن حزن بن أبي وهب بن عمرو بن عامر بن عمران بن مخزوم القرشي المخزومي، أحد العلماء الأثبات، كان في الطبقة الأولى من طبقات فقهاء كبار التابعين، من أهل المدينة، اتفقوا على أن مرسلاته أصلح المراسيل. وقال المدني: لا أعلم في التابعين أوسع علمًا منه، وقيل: إنه سيد التابعين، وقيل: أفضلهم مع أنه ورد خير التابعين أويس القرني، كذا قاله ابن الجوزي وابن حجر في (طبقاته) و (تقريبه) يقول: مَنْ اعتمر في أشهر الحج في شَوَّال، أو في ذي القعْدَة، بفتح وكسرها أي: بأن وقع أكثر طواف عمرته في الأشهر أو في ذي الحجة, ثم أقام أي: بمكة أو غيرها من غير رجوع إلى بلده حتى يَحُجّ أي: في تلك السنة فهو مُتَمَتِّع، قد وَجَبَ عليه ما اسْتَيْسَرَ من الهَدْي، وأقله شاة أو الصيام أي: المعروف مِن الأيام العشرة إن لم يجد هَدْيًا، وَمَنْ رجع إلى أهله أي: بعد إتمامه أفعال عمرته ثم حَجّ فليس بمتمتِّع أما لو رجع قبل الطواف أو بعده قبل الحلق ثم عاد وحج كان متمتعًا؛ لأن إلمامه أي: نزوله إلى بلده فاسد هنا بخلاف الأول فإن إلمامه صحيح. قال محمد: وبهذا (ق ٤٨٩) كُلِّه نأخذ، أي: إنما نعمل بجميع ما روى يحيى بن سعيد بن المسيب أي: ما قاله يحيى بن سعيد وهو قولُ أبي حنيفة والعامّة من فقهائنا أي من العلماء الحنفية.

стр. 893

لما فرغ من بيان حكم حال المتمتع، شرع في بيان حكم الرمل بالبيت الحرام، فقال: هذا * * * ٢٨ - باب الرمل بالبيت في بيان حكم الرمل بالبيت أي: الكعبة بفتح الراء والميم والمهملتين واللام أن يحرك في مشيه كتفيه كالبارز يتبختر بين الصفين. ٤٥٥ - أخبرنا مالك، حدثنا جعفر بن محمد عن أبيه، عن جابر بن عبد الله الحَرَامي، أنَّ رسول الله ﷺ رَمَلَ من الحَجَر إلى الحَجَر. قال محمد: وبهذا نأخذ، والرَّمل ثلاثة أشواط من الحَجَر إلى الحَجَر، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامَّةِ من فقهائنا. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي نسخة أخرى: قال: ثنا حدثنا وفي نسخة: قال: ثنا جعفر الصادق ابن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي، يكنى أبا عبد الله المعروف بالصادق، فقيه إمام، كان في الطبقة السادسة من طبقات أتباع التابعين من أهل المدينة، مات سنة ثمان وأربعين ومائة عن أبيه، أي: محمد الباقر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب. ومن مناقب جعفر الصادق أنه قال: الصواعق تصيب المؤمن وغير المؤمن ولا تصيب الذاكر. وقال: الغني والعز يجولان في طلب المؤمن؛ فإذا أوصلا إلى مكان فيه التوكل لوصلاه. وقال: ما دخلت قلب أمرئ شيء من الكبر إلا نقص من عقله مثل ما دخله قل أو كثر، وقال: سلاح اللئام قبيح الكلام، وقال: لموت العالم أحب إلى الشيطان من موت سبعين عابدًا. وقال: ما اغرورقت عين بمائها إلا حرم الله وجه صاحبها على النار، فإن سالت على الخدين لم يرهق وجهه قتر ولا ذلة، وما من شيء إلا له جزاء إلا الدمعة، فإن الله يكفر بها بحور الخطايا، ولو أن باكيًا بكى في أمة لحرم الله تلك الأمة على النار، وقال

стр. 894

لابنه يا بني إياك والكسل والضجر، فإنهما مفتاح كل شر، إنك إن كسلت لم ترد حقًا وإن ضجرت لم تقر على حق، عن عروة بن عبد العزيز قال: سألت محمدًا عن حلية السيوف فقال: لا بأس به قد حلى أبو بكر الصديق سيفه، قلت: وتقول الصديق، فوثب وثبة واستقبل القبلة ثم قال: نعم الصديق، نعم الصديق، نعم الصديق فمن لم يقل الصديق فلا صدق الله قولًا في الدنيا وفي الآخرة وعن جابر قال: قال لي محمد: بلغني أن قومًا بالعراق يزعمون أنهم يحبون وينالون أبا بكر وعمر ويزعمون أني أمرتهم بذلك، فأبلغهم أني إلى الله بريء منهم، والذي نفس محمد بيده لو وليت لتقربت لله تعالى بدمائهم، لا نالني شفاعة محمد أن لم أكن أستغفر لهما وأترحم عليهما، إن أعداء الله لغافلون عنهما يا جابر، إني لمحذور وإني لمشغل القلب. قلت: وما ذاك قال: إنه من دخل قلبه صافي خالص دين الله شغله الله عما سواه في الدنيا، وما عسى أن تكون هل هو إلا مركب ركبته أو ثوب لبسته أو امرأة أصبتها إن المؤمنين لم يطمئنوا إلى الدنيا لبقاء فيها، ولم يأمنوا قدوم الآخرة عليهم ولم يصمهم عن ذكر الله تعالى ما سمعوا بآذانهم من الفتنة، ولم يعمهم عن نور الله تعالى ما رأوها بأعينهم من الريبة، فقال: بثواب الأبرار، وإن ذكرت أعانوك قولين بحق قوامين بأمر الله، فأنزل الدنيا كمنزل نزلت به، وخرج حاجًا فلما دخل المسجد الحرام نظر إلى البيت فبكى حتى علا صوته، فقال له مولاه: أفلح بأبي وأمي إن الناس ينظرون (ق ٤٩٠) إليك فلو رفعت بصوتك قليلًا قال: ويحك ولم لا أبكي لعل الله ينظر إليَّ منة برحمته فأفوز بها عنده غدًا، ثم طاف بالبيت، ثم ركع عند المقام فرفع رأسه من سجوده فإذا موضع سجوده مبتل من دموعه. عن عبد الله بن عطاء قال: ما رأيت العلماء عند أحدًا أصغر علمًا منهم عند محمد، لقد رأيت الحاكم عنده كان متعلمًا وفقد بلغه له، فقال: لئن ردها الله تعالى لأحمدنه بمحامد يرضاها، فما لبس أن أتى بها بسرجها ولجامها فركبها، فلما استوى عليها وضم إليه ثيابه رفع رأسه إلى السماء وقال: الحمد كله لله لم يزد عليها، وكان يقول في جوف الليل: أمرتني فلم آتمر وزجرتني فلم أذدجر، هذا عبدك بين يدك، ولا اعتذر، وقال: وكفى بالمرء عيبًا أن يبصر من الناس ما يعمر عليه من نفسه وأن يأمر الناس بما لا يستطيع التحول عنه، وأن يؤذي جليسه بما لا يعنيه أوصى أن يكفن في ثوبه الذي كان يصلي فيه كذا قاله أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي في (طبقاته) عن جابر بن عبد الله

стр. 895

الحَرَامي، بفتح الحاء المهملة والراء المهملة ضد الحلال نسبة إلى جده حرام بن كعب الأنصاري، ثم السلمي بفتح السين المهملة واللام، صحابي ابن صحابي، غزا تسع عشرة غزوة وشهد العقبة الثانية مع أبيه وهو صغير، وكان من المكثرين الحفاظ المسنين، كف بصره في آخر عمره، ومات بالمدينة بعد السبعين من الهجرة، وهو ابن أربعة وتسعين سنة كذا قاله ابن حجر في (التقريب) (١). والشارح علي القاري في شرح هذا لحديث أنَّ رسول الله ﷺ رَمَلَ أي: في طواف القدوم كما في حديث ابن عمر من الحَجَر أي: الأسود منتهى إلى الحَجَر وهو بفتحتين فيهما؛ ففي الصحيحين عن ابن عمر ﵄: كان ﷺ إذا طاف في الحج والعمرة أول ما يقدم؛ فإنه يسعى ثلاثة أطواف بالبيت، ثم يمشي أربعة أشواط ثم يصلي سجدتين، ثم يطوف بين الصفا والمروة، وفي رواية لهما: كان إذا طاف بالبيت الطواف الأول خب ثلاثًا فمشى أربعًا، وكان السعي ببطن المسيل إذا طاف بين الصفا والمروة، وكان ابن عمر يفعل ذلك، فالرمل سنة في الثلاثة الأول، فلو ترك فيها بقي كتارك السورة في الركعتين الأوليين لا يقرؤها في الأخريين؛ لأن هيئة الطواف في الأربع الأخيرة السكينة، فلا تغير ولا فرق في سنية الرمل بين ماش وراكب ومحمول لمرض أو صبي، ولا دم بتركه عند الجمهور، وظاهر هذا الحديث استيعاب الرمل في جميع الطواف. وفي الصحيحين عن ابن عباس ﵄: قدم رسول الله ﷺ وأصحابه فقال المشركون: إنه يقدم عليكم وقد هنتهم حمى يثرب فأمرهم النبي ﷺ أن يرملوا الأشواط الثلاثة وأن يمشوا ما بين الركنين ولم يمنعه أن يأمرهم أن يرملوا الأشواط كلها إلا بقي عليهم، وهذا صريح في عدم الاستيعاب فيعارض حديث جابر وأجيب، بأنه متأخر لكونه في حجة الوداع في سنة عشر فهو ناسخ لحديث ابن عباس ففي القضية سنة سبع، وكان في المسلمين ضعف بالبدن فرملوا إظهار القوة واحتاجوا إلى ذلك فيما عدا بين الركنين اليمانيين؛ لأن المشركين جلوس في الحجر فلا يرونهم بينهما فلما حج ﷺ سنة عشر رمل من الحجر إلى الحجر فوجب الأخذ به؛ لأنه الآخر من فعل النبي ﷺ . وحديث الباب رواه مسلم (٢) عن القعنبي ويحيى عن مالك، ومن طريق ابن وهب عن مالك وابن

стр. 896

جريج بلفظ: أن رسول الله ﷺ رمل الثلاثة أطواف من الحجر إلى الحجر. قال مالك: وذلك الأمر الذي لم يزل عليه أهل العلم ببلدنا، وقال به جميع العلماء إلا ابن عباس، وفي مسلم وغيره عن أبي الطفيل قلت لابن عباس: أرأيت هذا الرمل بالبيت ثلاثة أطواف ومشي أربعة أسنة هو، فإن قومك يزعمون أنها سنة؟ قال: صدقوا وكذبوا قال: إن رسول الله ﷺ قدم مكة، فقال المشركون: إن محمدًا وأصحابه لا يستطيعون أن يطوفوا بالبيت من الهزال، وكانوا يحسدونه فأمرهم أن يرملوا ثلاثًا ويمشي أربعًا أي: صدقوا في أن المصطفى فعله وكذبوا في أنه سنة، لإِظهار القوة للكفار، وقد ذال ذلك المعنى. هذا معنى كلامه، وكان عمر بن الخطاب لحظ هذا المعنى ثم رجع عنه ففي الصحيحين أنه قال: ما لنا وللرمل، إنما كنا رأينا المشركين وقد أهلكهم الله ثم قال: شيء صنعه النبي ﷺ ولم نحب أن نتركه. زاد الإِسماعيلي: ثم رمل فهم بتركه لفقد سببه ثم رجع لاحتمال أنه له حكمة لم يطلع عليها، فراعى الاتباع أولى، وقد يكون فعله باعثًا عن تذكر سببه، فيذكر نعمة الله تعالى على أن أعز الإِسلام وأهله ثم لا يشكل قوله رأينا مع أن الرياء بالعمل مذموم؛ لأن صورته وإن كانت صورته الرياء لكنها ليست مذمومة؛ لأن المذموم يظهر العمل ليقال: إنه عامل ويعمله إذا لم يره أحد، وما وقع لهم إنما هو من المخادعة في الحرب لأنهم أوهموا المشركين أنهم أقوياء لئلا يطمعوا فيهم وقد صح: "الحرب خدعة"، كما قاله الزرقاني (١). قال محمد: وبهذا نأخذ، أي: نعمل بحديث جابر بن عبد الله الحرامي الرَّمل ثلاثة أشواط وفي نسخة: وفي ثلاثة أشواط من الحَجَر إلي الحَجَر، أي: الأسود لا ركن اليماني كما قال بعضهم وهو أي: ما قاله جابر بن عبد الله الحرامي قولُ أبي حنيفة، والعامَّةِ من فقهائنا أي: من أتباع أبي حنيفة ﵀ ونفعنا الله بعلمه وبركته، وأما الاضطباع فمن أول أطوافه إلى آخره لما روى أبو داود (٢) والمنذري وقال: حديث حسن عن ابن عباس ﵄ أن رسول ﷺ وأصحابه اعتمروا من الجعرانة فرملوا بالبيت وجعلوا أرديتهم تحت آباطهم ثم قذفوها على عواتقهم اليسرى تفسير لقوله: وأما

стр. 897

الاضطباع ثم الرمل والاضطباع سنتان في كل طواف بعده سعي عند المالكية واجبتان عند الحنفية والشافعية. لما فرغ من بيان حكم الرمل بالبيت، شرع في بيان حكم الرمل للمكي وغيره، فقال: هذا * * * ٢٩ - باب المكي وغيره يحج أو يعتمر .. هل يجب عليه الرمل ؟ في بيان حكم حال المكي وغيره يحج أو يعتمر فكلمة "أو" للتنويع وفيها رد لمذهب أحمد بن حنبل؛ فإنه لم يجوز العمرة للمكي وفي جمعه المكي وغيره في هذه الترجمة في إشارة إلى أن المكي وغيره يجوز لهما أن يعتمر في سنة عمرات كثيرة عند الحنفية والشافعية خلافًا لمالك؛ فإنه لم يجوز العمرة للمكي إلا واحدة في سنة كما نقلنا في باب فضل العمرة في شهر رمضان هل يجب عليه أي: على المكي الرمل، أي: إذا طاف البيت في الأشواط الثلاثة الأول، وإنما اختار المصنف كلمة هل التي لطلب التصديق ولتخصيص المضارع بالاستقبال (ق ٤٩١) بحكم الوضع كالسين وسوف، وإشعار المعنيين، أحدهما: الرمل وثانيهما: وجوبه على الطائف كما قال الخطيب الدمشقي في (تلخيص المفتاح) حيث قال: كلمة هل بسيطة ومركبة البسيطة هي التي تطلب بها وجود الشيء أو لا وجوده كقوله: الحركة موجودة أو لا موجودة، والمركبة هي التي تطلب بها وجود الشيء أو لا وجوده له كقوله: هل الحركة دائمة أو لا دائمة، فإن المطلوب وجود المداوم للحركة أو لا وجوده لها، وكذلك المطلوب هنا وجوب الرمل على الطائف، فالاستفهام حينئذ للتقرير هنا وهو حمل المخاطب علي الإِقرار، والمعنى هل يجب الرمل على الطائف بل هو يجب عليه. ٤٥٦ - أخبرنا مالك، حدثنا هشام بن عُرْوَةَ، عن أبيه أنَّه رَأى عبد الله بن الزُّبَيْر أحْرَمَ بِعُمْرَة من التَّنْعيم، قال: ثم رأيتُه سَعَى حول البيت؛ حين طافَ الأشواط الثلاثة.

стр. 898

قال محمد: وبهذا نأخذ، الرَّمَل واجب على أهل مكة وغيرهم، في العمرة والحَجّ، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامَّةِ من فقهائنا. • أخبرنا مالك, وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي أخرى: ثنا حدثنا وفي نسخة: قال: ثنا هشام بن عُرْوَةَ، بن الزبير بن العوام الأسدي، ثقة فقيه ربما دلس، كان من الطبقة الخامسة من طبقات التابعين، من أهل المدينة، مات سنة ست أو خمس وأربعين ومائة، وله سبع وثمانون سنة عن أبيه أي: عن عروة أنَّه أي: عروة رَأى أي: أخاه عبد الله بن الزُّبَيْر القرشي الأسدي المدني التابعي، يكنى أبا الحارث ثقة عابد، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة إحدى وعشرين ومائة من الهجرة كذا قاله الزرقاني أحْرَمَ بِعُمْرَة من التَّنْعيم، وهو المعروف الآن بمسجد عائشة قال: أي: عروة ثم رأيتُه أي: عبد الله سَعَى أي: رمل حول البيت؛ حين وفي نسخة: حتى لعلها تصحيف طافَ الأشواط الثلاثة أي: الأول. قال محمد: وبهذا نأخذ، أي: إنما نعمل بما رواه عروة بن الزبير عن أخيه عبد الله بن الزبير ونفتي بأن الرَّمَل واجب على أهل مكة وغيرهم، في العمرة والحَجّ؛ لأن دليله ظني وهو أي: القول وجوب الرمل في طواف الأشواط الثلاثة الأول على أهل مكة وغيرهم قولُ أبي حنيفة، والعامَّةِ صت فقهائنا أي: من أتباع أبي حنيفة خلافًا لمالك فإن الرمل في طواف الأشواط الثلاثة، الأول سنة لأهل مكة؛ لما روى عن نافع بن عبد الله المدني مولى ابن عمر أن عبد الله بن عمر: كان إذا أحرم من مكة لم يطف بالبيت طواف الإِفاضة ولا بين الصفا والمروة حتى يرجع من منى، وكان لا يرمل إذا طاف حول البيت إذا أحرم من مكة كذا في نسخة الشارح الزرقاني (١) للموطأ وليحيى عن مالك. لما فرغ من بيان حكم حال المكي وغيره يحج أو يعتمر هل يجب عليه الرمل، شرع في بيان حكم حال المعتمر والمعتمرة، فقال: هذا * * *

стр. 899

باب المعتمر أو المعتمرة ما يجب عليهما من التقصير والهدي في بيان حكم حال المعتمر أو المعتمرة ما يجب عليهما من التقصير والهدي كلمة "أو" للتنويع، وجمع بينهما ليكون نصًا على اتحاد حكمها إلا أن التقصير يتعين في حق المرأة ويجوز في حق الرجل، وإن كان الحلق أفضل بالنسبة إليه وما مبتدأ وخبره جملة، وضمير التثنية عائد إلى المعتمر والمعتمرة، ومن التقصير متعلق إلى يجب وبيان. ٤٥٧ - أخبرنا مالك، حدثنا عبد الله بن أبي بكر، أن مَوْلاةً لَعَمْرَة بنت عبد الرحمن، يُقالُ لها: رُقَيَّة، أَخْبَرَتْهُ أنها كانت خرجت مع عَمْرَة بنت عبد الرحمن إلى مكة، قالت: فدخلت عَمْرَة مكة يوم التَّرْوِيَة، وأنا معها، قالت: فطافت بالبيت، وبين الصَّفا والمروة، ثم دخلت صُفَّة المسجد، فقالت: أَمَعَكِ مِقَصَّان؟ فقلتُ: لا، قالت: فالتمسيه لي، قالت: فالتمَسْتُهُ، حتى جئتُ به، فأخَذَتْ من قُرُون رأسها، قالت: فلما كان يوم النحر؛ ذبحت شاة. قال محمد: وبهذا نأخذ، للمعتمر والمعتمرة، ينبغي أن يُقَصِّر من شعره إذا طافَ وسَعَى، فإذا كان يوم النحر ذبح ما اسْتَيْسَرَ من الهَدْيِ، وهو قولُ أبي حنيفة والعامّة. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا حدثنا عبد الله بن أبي بكر، بن محمد بن عمرو بن حزم من أهل المدينة، مات سنة خمس وثلاثين ومائة من الهجرة، وهو ابن سبعين سنة كذا قاله ابن حجر (١) أن مَوْلاةً أي: معتقة لَعَمْرَة بفتح العين بنت عبد الرحمن، ابن أسعد بن زرارة (ق ٤٩٢) الأنصارية المدنية، كانت في الطبقة الثالثة من طبقات التابعيات المشهورات، وكانت في حجر عائشة أم المؤمنين، ﵂ وربتها وروت عنها كثيرًا من حديثها أو غيرها، وروى عنها جماعة، ماتت قبل المائة، ويقال بعدها كذا في (التقريب) (٢) يُقالُ لها أي: لمولاتها رُقَيَّة، بالتصغير أَخْبَرَتْهُ أي: عبد الله بن أبي بكر

стр. 900

أنها كانت خرجت مع عَمْرَة بنت عبد الرحمن إلى مكة، أي: للحج متمتعة قالت: أي: رقية فدخلت عَمْرَة مكة يوم التَّرْوِيَة، وهو اليوم الثامن من ذي الحجة وأنا معها، أي: رفقة عمرة قالت: أي: رقية فطافت أي: عمرة بالبيت، أي: طواف العمرة وبين الصَّفا والمروة، أي: سعت بينهما لتمام العمرة ثم دخلت صُفَّة المسجد، بضم الصاد المهملة وفتح الفاء المشددة المفردة صفف كغرفة وغرف قال ابن حبيب: هي مؤخر المسجد، وقيل: هي قريبة من المسجد فقالت: أي: عمرة أَمَعَكِ أي: يا رقية مِقَصَّان؟ بكسر الميم وفتح القاف وتشديد الصاد المهملة المشددة، أي: مقراض كما في نسخة. وقال الجوهري: المقص المقراض، ويقال: مقصان إذ له طرفان يقصان فقلتُ: لا، قالت: فالتمسيه لي، أي: اطلبيه وحصليه لأجلي قالت: أي: رقية فالتمَسْتُهُ، أي: فطلبت المقراض ووجدته حتى جئتُ به، أي: وأعطيتها فأخَذَتْ من قُرُون أي: ضفائر رأسها أي: فقطعت أي: من شعر رأسها قدر أنملة من جميعها، قالت: أي: رقية فلما كان أي: وجد يوم النحر؛ ذبحت شاة أي: لتمتعها حيث أحرمت بالحج عقب تحللها من عمرتها. قال محمد: وبهذا نأخذ، أي: إنما نعمل بما رواه عبد الله بن أبي بكر للمعتمر والمعتمرة، أي: لأصلهما سواء كان في حكمهما ينبغي أي: يجب على المعتمر مطلقًا أن يُقَصِّر من شعره إذا طافَ أي: بالبيت وسَعَى، أي: بين الصفا والمروة، لكن التقصير في حق المتمتع بعد فراغ عمرته أفضل من حلقه ليكون الحلق بعد فراغ حجته فإذا كان يوم النحر ذبح أي: بعد الرمي قبل الحلق ما اسْتَيْسَرَ من الهَدْيِ، أي: وأقله شاة كما سيأتي وهو أي: ما قاله عبد الله بن أبي بكر قولُ أبي حنيفة والعامّة من فقائنا أي: من أتباع أبي حنيفة. * * * ٤٥٨ - أخبرنا مالك، أخبرنا جعفر بن محمد، عن أبيه، أنَّ علِيّا ﵁ كان يقول: ما اسْتَيْسَرَ من الهَدْي: شاةٌ.

стр. 901

• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي أخرى: قال: ثنا أخبرنا جعفر بن محمد، وهو ابن علي بن الحسين بن على بن أبي طالب، الهاشمي، يكنى أبا عبد الله المعروف بمحمد الصادق، فقيه إمام كان في الطبقة السادسة من طبقات أتباع التابعين، مات سنة ثمان وأربعين ومائة كذا قاله ابن حجر (١) عن أبيه، أي: محمد الباقر الصادق أنَّ علِيّا أي: علي بن أبي طالب ﵁ كان يقول: ما اسْتَيْسَرَ من الهَدْي: شاةٌ؛ لأن النعم اسم للإِبل، والبقر والغنم، وقد سماها الله تعالى هديًا بقوله هديًا بالغ الكعبة، وهذا من بديع الاستنباط أو الفقه. * * * ٤٥٩ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، أنَّ عبد الله بن عمر، كان يقول: ما اسْتَيْسَرَ من الهَدْي: بعيرٌ أو بقرةٌ. قال محمد: وبقول عليّ بن أبي طالب نأخذ؛ ما اسْتَيْسَرَ من الهَدْي: شاةٌ، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامَّةِ من فقهائنا. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي أخرى: ثنا أخبرنا وفي نسخة: عن نافع، أي: ابن عبد الله المدني مولى ابن عمر، كان في الطبقة الثالثة مات سنة سبع عشرة ومائة أو بعد ذلك من الهجرة كذا قاله ابن حجر (٢) أنَّ عبد الله بن عمر، كان يقول: ما اسْتَيْسَرَ من الهَدْي: بعيرٌ أو بقرةٌ أي: لأهل الحيرة استحبابًا، فلا يخالف قول على وابن عباس شاة على ذلك قول ابن عمر لو لم أجد إلا شاة لكان أحب إلي ممن أصوم، ومعلوم أن أعلى الهدي بدنة، فكيف تكون ما استيسر وكلمة للشك من الراوي. قال محمد: وبقول عليّ بن أبي طالب نأخذ؛ أي: (ق ٤٩٣) إنما نعمل بقول علي ﵁؛ لأنه أعلم وأفقه من ابن عمر ووافقه الأكثرون ما اسْتَيْسَرَ من الهَدْي: شاةٌ، أي: معروفة كما في باب الأضحية، وهو أي: كون ما استيسر من الهدي شاة قولُ

стр. 902

أبي حنيفة، والعامَّةِ من فقهائنا أي: من أتباع أبي حنيفة ﵀، وفي كتاب (الرحمة في اختلاف) الأئمة أنه يجب على المتمتع والقارن دم وهو شاة باتفاق الأئمة الأربعة كما قاله علي القاري والزرقاني. لما فرغ من بيان حال المعتمر والمعتمرة، شرع في بيان دخول مكة بغير إحرام، فقال: هذا * * * باب دخول مكة بغير إحرام في بيان جواز دخول من يدخل مكة شرفها الله تعالى بغير إحرام أي: بغير نية أحد النسكين إذا لم يكن دخولها في المواقيت. ٤٦٠ - أخبرنا مالك، حدثنا نافع، أن عبد الله بن عمر اعتمر، ثم أقبل حتى إذا كان بقُدَيْد، جاءَهُ خبر من المدينة، فرجع، فدخل مكة بغير إحْرَام. قال محمد: وبهذا نأخذ، من كان في المواقيت أو دونها إلى مكة؛ ليس بينه وبين مكة وقت من المواقيت التي وقتت، فلا بأس أن يدخل مكة بغير إحرام، وأما من كان خلف المواقيت، أيّ وقت من المواقيت، التي بينه وبين مكة فلا يدخلنّ مكة إلا بإحرام، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامَّة من فقهائنا. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي أخرى: أنا رمزًا، إلى أخبرنا، وفي نسخة أخرى: ثنا، حدثنا وفي نسخة: قال: ثنا نافع، أي: ابن عبد الله المدني مولى ابن عمر، ثقة فقيه من الطبقة الثانية من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة سبع عشرة ومائة أو بعد ذلك من الهجرة، كذا قاله ابن حجر (١) أن عبد الله بن عمر ﵁ اعتمر، أي: أتي بعمرة وفرغ منها ثم أقبل أي: توجه إلى المدينة واستمر على سفرها حتى إذا كان بقُدَيْد، بضم القاف وفتح الدال المهملة الأولى وسكون التحتية والدال المهملة قرية جامعة بين مكة والمدينة جاءَهُ خبر من المدينة، أي: مما كان مانعًا عن التوجه إليها فرجع، أي: عن طريق المدينة فدخل مكة بغير إحْرَام أي: لقرب الموضع بمكة. هذا الحديث

стр. 903

موقوف حقيقة ومرفوع حكمًا؛ لما روى أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ دخل مكة عام الفتح في رمضان وعلى رأسه المغفر أي: بيضة من حديد مثل القلنسوة، فلما نزعه جاء رجل فقال: يا رسول الله إن ابن خطل يتعلق بأستار الكعبة فقال رسول الله ﷺ : "اقتلوه", قال مالك جوابًا من كون المغفر على رأسه: ولم يكن ﷺ يومئذ محرمًا كذا في (الموطأ): ليحيى. قال ابن إسحاق وغيره: إنما أمر بقتل ابن خطل؛ لأنه أسلم فبعثه ﷺ مصدقًا وبعث معه رجلًا من الأنصار، وكان معه مولى مسلم يخدمه فنزل منزلًا فأمر المولى أن يذبح شيئًا أي: من ذكر المعز ويصنع له طعامًا ونام واستيقظ ولم يصنع له شيئًا فقتله ثم ارتد، والعياذ بالله ولحق بمكة، كذا قاله الزرقاني (١)، كان اسم ابن خطل عبد العزى فلما أسلم سماه النبي ﷺ عبد الله، أخرج عمر بن شبة في كتاب (مكة) عن السائب بن يزيد ﵁: رأيت رسول الله ﷺ استخرج من تحت أستار الكعبة ابن خطل فضرب عنقه صبرًا بين زمزم ومقام إبراهيم وقال: "لا يقتل قرشي بعد هذا صبرًا" ورجاله ثقات إلا أن في أبي معشر مقالًا، واختلف هل قاتل سعيد بن الحارث أو عمار بن ياسر أو سعد بن أبي وقاص أو سعيد بن زيد أو أبو برزة؟ وذكر ابن هشام في (تهذيب السيرة) بأن سعيد بن الحارث وأبا برزة اشتركا في قتله، وقال أبو حنيفة وأصحابه: من لزمه (ق ٤٩٤) القتل بردة أو قصاص أو غيرهما لا يتعرض لقتله، ولكن ألجئ إلى الخروج من الحرم بأن لا يعطى طعامًا ولا شرابًا فيخرج فيقتل، وتأول الحديث على أنه كان في الساعة التي أبيح فيها له القتل بها، وأجيب بأن إنما أبيحت له ساعة الدخول حتى استولى عليها وقتل ابن خطل، واحتج بهذا الحديث ابن شهاب والحسن البصري وداود وأتباعه على دخولها بلا إحرام، وقالوا: إن موجب الإِحرام عليه بحج أو عمرة لم يوجبه الله تعالى ولا رسوله ﷺ ، ولا اتفق عليه، وأبى ذلك الجمهور. قال محمد: وبهذا نأخذ، أي: إنما أنا وأصحاب أبي حنيفة ﵀، نعمل بحديث ابن عمر من كان في المواقيت أي: نفسها أو دونها أي: أسفل فيها أقرب إلى مكة؛ أي: إلى جهتها ليس بينه أي: بين المواقيت وبين مكة وقت أي: ميقات، وفي نسخة: بينه فالضمير راجع إلى من أي: من داخل الميقات أقرب إلى مكة ليس بينه وبين

стр. 904

مكة ميقات آخر من المواقيت التي وقتت، أي: عينت وبينت كالجحفة، فإنها بين ذي الحليفة ومكة ميقات ثان لا يجوز التجاوز لأحد عن أحدهما بغير إحرام إذا قصد دخول أرض الحرم سواء أراد أحد النسكين أم لا خلافًا لمن خالفنا. والحاصل أنه إذا كان بعد الميقات أو في داخل ميقات الثاني فلا بأس أي: ضرر أن يدخل مكة بغير إحرام، أي: إذا لم يرد أحد النسكين وأما من كان خلف المواقيت، أي: الآفاقية التي لم يصل الميقات أيّ وقت بفتح الهمزة وفتح التحتية المشددة للاستفهام الإِقراري أي: أي ميقات من المواقيت، التي بينه أي: وجدت المواقيت بين ذلك وبين مكة سواء تعدد الميقات أم لا فلا يدخلنّ أي: أحد البتة مكة أرض الحرم إلا بإحرام، أي: إما بحجة أو عمرة أو بهما في محلهما أم لا وهو أي: دخول من كان خارج المواقيت في مكة بالإِحرام وهو قولُ أبي حنيفة، والعامَّةِ من فقهائنا أي: أتباع أبي حنيفة رحمه الله تعالى. لما فرغ من بيان عدم جواز دخول مكة بغير إحرام، شرع في بيان حال الحاج والمعتمر لمن كان خارج الميقات إذا أراد كل واحد منهما أن يخرج من إحرامه، فقال: هذا * * * باب فضل الحلق وما يجزئ من التقصير في بيان فضل الحلق وما أي: وبيان عمل يجزئ أي: يكفي وهو بضم التحتية وسكون الجيم وكسر الزاي المعجمة وبعدها تحتية بلا همزة من الإِجزاء من التقصير، بيان استعمال أكثر من التحليق، كما أن استعمال التقصير أكثر من استعمال القصر. ٤٦١ - أخبرنا مالك، حدثنا نافع عن عبد الله بن عمر، أن عمر بن الخطاب قال: من ضَفَرَ فليحلق، ولا تَشَبَّهُوا بالتَّلْبيد. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، أو أنا حدثنا وفي نسخة: عن نافع بن عبد الله المدني مولى ابن عمر، ثقة فقيه مشهور، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة عن ابن عمر، ﵁ أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: من ضَفَرَ بفتح الطاء المعجمة والفاء والراء المهملة، أي أدخل بعض شعر رأسه في بعض

стр. 905

وجعل ضفائر وكل ضفيرة على حدة بثلاث طاقات فما فوقها فليحلق وجوبًا واستحبابًا على ما سيأتي فإن كان الأمر للوجوب فالتقصير لم يجزه وعليه الحلق ولا تَشَبَّهُوا بفتح التاء والشين المعجمة وبالموحدة المشددة، أي لا تشبهوا علينا ويجوز بضم التاء وفتح الشين وكسر الموحدة المشددة من الفعيل، فالمعنى لا تشبهوا الضفر بالتَّلْبيد في (المغرب) أن الملبدين يجعل شعر رأسه لزوقًا (ق ٤٩٥) بصمغ ونحوه ليلتصق، ولئلا يدخل القمل والغبار بينه وليبقى رأسه نظيفة، وهذا الحديث موقوف على عمر ظاهرًا مرفوع حكمًا، وليحيى عن سعيد بن المسيب أن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: من عقص رأسه أو ضفر أو لبد فقد وجب عليه الحلق، ولا يجزيه التقصير إلى هذا ذهب الجمهور منهم مالك والثوري وأحمد والشافعي في قوله القديم قال في الجديد كالحنفية، ولا يتعين إلا أن نذره أو كان شعره خفيفًا لا يمكن تقصيره وإذا لم يكن له شعر فيمر الموسي على رأسه. قال ابن دقيق العيد: إن السبب فيهما مختلف فالذي في الحديبية سببه توقف من الصحابة عن الإِحلال، لما دخل عليهم من الحزن لكونهم منعوا الوصول إلى البيت منع اقتدارهم في أنفسهم على ذلك، فخالفهم ﷺ وصالح قريشًا على أن يرجع من العام المقبل، فلما أمرهم بالحلال توقفوا فأشارت أم سلمة أن يحل ففعل فحلق بعض وقصر بعض فكان من بادر إلى الحلق أسرع إلى امتثال ممن قصر. * * * ٤٦٢ - أخبرنا مالك، حدثنا نافع، عن عبد الله بن عمر، أن رسول الله ﷺ قال: "اللهم ارحم المُحَلِّقِينَ"، قالوا: والمُقَصِّرين يا رسول الله، قال: "اللهم ارحم المُحَلِّقِينَ"، قالوا: والمُقَصِّرين يا رسول الله، قال: "والمُقصِّرِينَ". قال محمد: وبهذا نأخذ، مَنْ ضَفَر فليحلق، والحلق أفضل من التقصير، والتقصير يجزئ، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامَّةِ من فقهائنا.

стр. 906

• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، أو أنا حدثنا وفي نسخة: قال: بنا، أو أنا نافع، بن عبد الله المدني مولى ابن عمر ثقة فقيه، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة، وهي كانت في الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة في وجه الأرض عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: أي: في حجة الوداع، كما هو ظاهر عن نافع عن ابن عمر ﵄ قال: حلق رسول الله ﷺ في حجة الوداع وناس من أصحابه وقصر بعضهم "اللهم ارحم المُحَلِّقِينَ"، قالوا: أي: بعض الصحابة من المحلقين أو المقصرين أو منهما جميعًا على طريق الالتماس والتلقين. قال الحافظ: ولم أقف في شيء من طرقه على الذي تولى السؤال في ذلك بعد الحث الشديد والمُقَصِّرين يا رسول الله، أي: قل: وارحم المقصرين فإنك رحمة للعالمين قال: "اللهم ارحم المُحَلِّقِينَ"، أي: وأعرض عن قبول التلقين قالوا: ثانيًا قل: والمُقَصِّرين يا رسول الله، فالعطف على محذوف هو يسمى العطف التلقيني كقوله تعالى في سورة البقرة: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ [البقرة: ١٢٤] أولها ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ فاطلب تفسير من التفاسير قال: "اللهم ارحم المُحَلِّقِينَ" أي: كما قاله أَولًا وثانيًا قالوا: أي: ثالثًا قل: والمُقَصِّرين يا رسول الله، قال: أي: رسول الله ﷺ في المرتين الثانية أو الثالثة أو الرابعة بحسب اختلاف الروايات "والمُقصِّرِينَ" والحديث في الصحيحين وغيرهما. قال الحافظ: فيه إعطاء المعطوف حكم المعطوف عليه، ولو تخلل بينهما السكون بلا عذر ثم هو هكذا في معظم الروايات عن مالك، والدعاء للمحلقين مرتين وعطف المقصرين عليهم في المرة الثالثة وانفرد يحيى بن بكير رواه (الموطأ) بإعادة ذلك ثلاث مرات نبه عليه ابن عبد البر في (التقضي)، واعتله في (التمهيد) بل فيه أنهم لم يختلفوا على مالك في ذلك وقد راجعت أصل سماعي من موطأ يحيى بن بكير فوجدته كما قال في (التقضي)، وفي رواية الليث عن نافع عن مسلم، وعلقها البخاري ﵀ المحلقين مرة أو مرتين قالوا: والمقصرين قال: "والمقصرين" والشك في الليث وإلا فأكثرهم موافق لرواية مالك، وعلقه البخاري (ق ٤٩٦) من رواية عبيد الله بالتصغير عن نافع قال في الرابعة: المقصرين، ولمسلم من وجه آخر عن عبيد الله بلفظ مالك سواء، وبيان كونها في

стр. 907

الرابعة أن قوله: والمقصرين عطف على مقدر أي: وارحم المحلقين، وإنما قال بعد دعائه لهم ثلاث مرات فيكون دعائه للمقصرين في الرابعة، ورواه أبو عوانة من طريق الثوري عن عبيد الله بلفظ: قال في الثالثة والمقصرين، والجمع بينهما واضح بأن من قال الرابعة فعلى ما شرحناه، ومن قال الثالثة: أراد أن المقصرين عطف على الدعوة الثالثة أو أراد بالثالثة مسألة السائلين وصلى الله عليه وسلم لا يراجع بعد ثلاث، ولو لم يدعو لهم ثالث سأله ما سألوه، ولأحمد من طريق أيوب عن نافع بلفظ: "اللهم اغفر للمحلقين"، قالوا: وللمقصرين حتى قالها ثلاثًا أو أربعًا ثم قال: "والمقصرين" ورواية من جزم مقدمة على من شك، واختلف المتكلمون على هذا الحديث في الوقت الذي قال فيه ذلك. فقال ابن عبد البر: لم يذكر أحد من رواة نافع عن ابن عمر أن ذلك كان يوم الحديبية وهو تقصير وحذف، وإنما جرى ذلك يوم الحديبية حين صد عن البيت، وهذا محفوظ مشهور من حديث ابن عمر وأبي سعيد الخدري وابن عباس وأبي هريرة وحبش بن جنادة وغيرهم، ثم أخرج حديث أبي سعيد الخدري بلفظ: سمعت رسول الله ﷺ يستغفر لأهل الحديبية للمحلقين ثلاثًا وللمقصرين مرة، وحديث ابن عباس بلفظ: حلق رجال يوم الحديبية وقصر آخرون فقال ﷺ : "رحم الله المحلقين"، الحديث، وحديث أبي هريرة ولم يثق لفظه بل قال معناه وتجوز في ذلك فليس في حديثه تعيين الموضع، ولم يقع من شيء من طريق التصريح بسماعه له من النبي ﷺ ، ولو وقع لقطعت بأنه كان في حجة الوداع؛ لأنه شهدها ولم يشهد الحديبية، ولم يسق ابن عبد البر عن ابن عمر في هذا شيئًا، ولم أقف على تعيين الحديبية في شيء من الطريق عنه، بل صرح موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر بأنه في حجة الوداع رواه البخاري في المغازي، وعنده من رواية الجويرية ابن أسماء ومسلم من رواية الليث كلاهما عن نافع عن ابن عمر ما يشعر بأن ذلك وقع في حجة الوداع وإليه يومئ صنيع البخاري. وأما سبب تكرير الدعاء للمحلقين في حجة الوداع، فقال ابن الأثير في (النهاية): كان أكثر من حج معه ﷺ لم يسق الهدي فلما أمرهم أن يفسخوا الحج إلى العمرة ثم يتحللوا منها ويلحقوا رؤوسهم شق عليهم، فلما لم يكن لهم بد من الطاعة كان التقصير في أنفسهم أخف ففعله أكثرهم فرجح النبي ﷺ فعل من حلق؛ لأنه أبين في امتثال وفيه نظر وإن تبعه عليه غير واحد؛ لأن المتمتع يستحب له أن يقصر في العمرة ويحلق في الحج

стр. 908

إذا قرب بين النسكين، وقد كان ذلك هنا، والأولى قول الخطابي وغيره أن عادة العرب حب توفير الشعور والتزين بها والحلق فيهم قليل، وربما رواه من الشهرة ومن ذي الأعاجم، فلهذا كرهوا الحلق واقتصروا على التقصير. وفي حديث الباب من الفوائد: أن التقصير يجزي عن الحلق، وهو مجمع عليه. كذا قاله الزرقاني (١). قال محمد: وبهذا نأخذ، أي: نعمل بما رواه ابن عمر عن عمر بن الخطاب مَنْ صَفَر فليحلق، والحلق أفضل (ق ٤٩٧) من التقصير، لأنه أبلغ في العبادة وأبين للخضوع والذلة، وأدل على صدق النية والمقصر يبقى على نفسه شيئًا فما يتزين به بخلاف الحالق، فيشعر بأنه ترك ذلك لله تعالى والتقصير يجزئ، من الإِجزاء أي: يكفي عن الحلق، وهو أي: قيام التقصير مقام الحلق قولُ أبي حنيفة، والعامَّةِ من فقهائنا أي: من أتباع أبي حنيفة ﵀. * * * ٤٦٣ - أخبرنا مالك, حدثنا نافع: أن ابن عمر كان إذا حلق في حج أو عمرة، أخذ من لحيته وشاربه. قال محمد: وليس هذا بواجب، من شاءَ فعله، ومن شاءَ لم يفعله. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي نسخة أخرى: ثنا حدثنا وفي أخرى: عن نافع بن عبد الله المدني مولى ابن عمر، ثقة فقيه مشهور، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة أن ابن عمر كان إذا حلق في حج أو عمرة، أخذ من لحيته أي: من طولها أو عرضها إذا كانت زائدة على قبضة ومن شاربه أي: إذا طال. قال محمد: وليس هذا أي: الأخذ من اللحية والشارب بواجب، أي: من واجبات الحج أو العمرة بل الأولى مستحبة والثانية سنة من شاءَ فعله، أي: إذا احتاج إليه بعد خروجه من إحرامه ليكون تكميلًا لقضاء تفثه ومن شاءَ لم يفعل أي: حيث لم يجب عليه إلا حلقه أو تقصيره قبل إعفاء اللحية وقص الشارب من سنن إبراهيم، صلوات الله على نبينا وعليه، وقيل: عشر خصال من السنن خمسة في الرأس: كقص الشارب

стр. 909

والمضمضة والاستنشاق والسواك وحلق العانة والختان والاستنجاء بالماء، كذا قاله الشيخ شهاب أحمد بن محمود السيوسي في (عيون التفاسير). لما فرغ من بيان فضل الحلق على التقصير وبيان كيفية التقصير عن الحلق، شرع في بيان قدوم المرأة إلى مكة بحج أو عمرة فما تعمل إذا حاضت قبل دخولها مكة أو بعد دخولها بها، فقال: هذا * * * باب المرأة تقدم مكة بحج أو عمرة فتحيض قبل قدومها أو بعد ذلك في بيان حال المرأة تقدم من باب علم، أي: تمشي سرعة إلى مكة بحج أو عمرة والباء سببية كقوله تعالى في سورة البقرة: ﴿إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ﴾ [البقرة: ٥٤]. وكما يقال: لقيت يزيد الأسد أي: بسبب لقائي إياه فتحيض قبل قدومها أي: إلى مكة أو بعد ذلك فالفاء تعقيبية، كما في قوله تعالى في سورة الحج: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً﴾ [الحج: ٦٣] وكما يقال: تزوج فلان فولد له أن ألم يكن بينهما إلا مدة الحمل وإن كانت متطاولة كذا قاله ابن الهمام. ٤٦٤ - أخبرنا مالك، حدثنا نافع، أن ابن عمر كان يقول: المرأة الحائض التي تُهلّ بحج أو بعمرة، تهلّ بِحَجَّتِهَا، أو بعمرتها إذا أرادت، ولكن لا تطوف بالبيت ولا بين الصفا والمروة حتى تطهر، وتشهد المَنَاسِكَ كلها مع الناس، غير أنها لا تطوف بالبيت ولا بين الصفا والمروة، ولا بقرب المسجد، ولا تِحِلّ حتى تطوف بين الصَّفا والمروة. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي نسخة أخرى: ثنا حدثنا وفي نسخة: قال: ثنا نافع، أي: ابن عبد الله المدني، ثقة فقيه مشهور مولى ابن عمر، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة أن ابن عمر كان يقول: المرأة الحائض وكذا

стр. 910

النفساء التي تُهلّ أي: تحرم بحج بأن تقول: اللهم إني أريد الحج فيسره وتقبله مني، اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك أو بعمرة، أي: تحرم بأن تقول: اللهم إني أريد العمرة فيسرها لي وتقبلها مني، اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك تهلّ بحَجَّتِهَا، أو بعمرتها أي: يجوز لها أن تحرم بأيتهما إذا أرادت؛ لأن الحيض، وكذا النفساء لا يمنعها عن جواز إحرامها في أي وقت شاءت، بل تغتسل لإِحرامها إلا أنها لا تصلي سنة الإِحرم لعذرها (ق ٤٩٨) ولكن لا تطوف بالبيت أي: طواف العمرة؛ لأن دخولها في المسجد حرام كذا طوافها من غير طهارتها عن جنابتها؛ لأن الطهارة شرط في صحته ولا بين الصفا والمروة أي: ولا تسعى بينهما فهو من باب علفتها تبنًا وماء باردًا أو التقدير: ولا تطوف مجازًا؛ لأن صحة السعي متوقفة على طواف صحيح قبله، وإلا فالطهارة في السعي غير واجبة إجماعًا حتى تطهر، أي: بانقطاع الحيض وغسلها بعده وتشهد أي: والحال أنها تحضر المَنَاسِكَ كلها أي: من وقوف عرفات والمزدلفة ورمي الجمرة مع الناس أي: مع سائرهم من غير فرق غير أنها لا تطوف بالبيت أي: طواف الإِفاضة ولا بين الصفا والمروة، أي: ولا تسعى بينهما؛ لأن السعي يتوقف على تقدم طواف قبله، فإذا امتنع الطواف امتنع السعي لأجله، لا لأن الطهارة شرط في السعي؛ إذ لا تشترط عند الكافة إلا ما حكاه ابن المنذر عن الحسن البصري والمجد بن تيمية ورواية عن أحمد، وحكى ابن المنذر عن عطاء قولين فيمن بدأ بالسعي قبل الطواف وبالإِجزاء، قال بعض أهل الحديث. أسامة بن شريك أن رجلًا سأل النبي ﷺ ، فقال: سعيت قبل أن أطوف قال: "طف ولا حرج" وعلى الجمهور لا يجزيه وأولوا حديث أسامة على من سعى بعد طواف القدوم وقبل الإِفاضة ولا بقرب المسجد، أي: فضلًا عن دخولها فيه، ولو من غير طواف ولا تِحِلّ من الباب الثاني، كذا قاله محمد الواني في ترجمة (صحاح الجوهري)، أي: ولا تخرج من إحرامها بالكلية إن كانت معتمرة أو بالنسبة إلى غير الحاج إن كانت حاجة سواء كانت مفردة أو قارنة حتى تطوف بين الصفَّا والمروة. * * * ٤٦٥ - أخبرنا مالك، حَدَّثني عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن

стр. 911

عائشة زوج النبي ﷺ أنها قالت: قدمت مكة، وأنا حائض، لم أطُف بالبيت ولا بين الصَّفا والمروة، فشكوت ذلك إلى رسول الله ﷺ فقال: "افعلي ما يفعلُ الحاجّ، غير أنْ لا تطوفي بالبيت حتى تَطْهُرِي". • أخبرنا مالك, وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي أخرى: ثنا حَدَّثني بالإِفراد وفي نسخة: حدثنا بالجمع، وفي نسخة أخرى: قال: أنا أو بنا رمزًا إلى أخبرنا عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق التيمي، يكنى أبا محمد المدني ثقة جليل، قال ابن عيينة: كان أفضل أهل زمانه، وكان في الطبقة السادسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، ومات سنة ست وعشرين من الهجرة، كذا في (التقريب) عن أبيه، أي: عن القاسم ابن محمد بن أبي بكر الصديق، أحد الفقهاء السبعة المشهورين، كان أفضل أهل زمانه في علو شأنه، وكان في الطبقة الثانية من طبقات كبار التابعين من أهل المدينة، وقد نقلنا منقبته عن طبقات ابن الجوزي في باب القراءة في صلاة الجمعة، عن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ وفي نسخة: زوج النبي ﷺ أنها قالت: قدمت مكة، أي: في حجة الوداع وأنا حائض، أي: حينئذ ولم أطُف بالبيت ولا بين الصَّفا والمروة، أي: لما تقدم فشكوت ذلك أي: ما وقع لي ومنعني عن طواف البيت إلى رسول الله ﷺ ، فقال: "افعلي ما يفعلُ الحاجّ، أي: من الوقوفين ورمي الجمرة ونحوها والمعنى أرفضي عمرتك وأحرمي بالحج وافعلي جميع أفعاله غير أنْ لا تطوفي بالبيت حتى تَطْهُرِي" أي: من حيضك وتغتسلي فتطوفي وتسعي بعده قوله: تطهري بفتح التاء وسكون الطاء المهملة وضم الهاء كذا في ما وقفت عليه من الأصول، كذا قاله بعض الشراح. وقال الحافظ: بفتح التاء والطاء المهملة والهاء (ق ٤٩٩) المشددتين على حذف أحد الطائين وأصله تتطهري، ويؤيده ما رواه مسلم (١) حتى تغسلي، والحديث ظاهر في نهي الحائض عن الطواف لو فعلته وفي معناه الجنب والنفساء والمحدث، وهو قول الجمهور. وقال الحاكم وحماد ومنصور وسليمان: لا بأس بالطواف على غير طهارة رواه ابن أبي شيبة وفي هذا تعقب على قول النووي: انفرد به أبو حنيفة بأن الطهارة ليس بشرط في الطواف، واختلف أصحابه في وجوبها وجبره الدم إن فعله فلم ينفرد بذلك كما ترى،

стр. 912

فعله أراد انفراده من الأئمة الثلاثة، لكن عند أحمد أن الطهارة للطواف واجبة تجبر بالدم وللمالكية قول يوافقه انتهى. وقال ولي الدين: في الحديث دليل على امتناع الطواف على الحائض، وهو مجمع عليه، لكن اختلفوا في علته على حسب اختلافهم في اشتراط الطهارة في صحة الطواف، فقال الجمهور ومالك والشافعي وأحمد باشتراطهما، فالعلة في بطلانها عدم الطهارة وقال أبو حنيفة وداود: ليست شرطًا، فالعلة كونها ممنوعة من اللبث في المسجد بل ومن دخوله على رأي كذا قاله الزرقاني (١). * * * ٤٦٦ - أخبرنا مالك، حدثنا ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن عائشة أنها قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ عامَ حَجة الوَداع، فأهْلَلْنَا بِعُمْرَة، ثم قال رسول الله ﷺ : "مَنْ كان معه الهَدْي فليُهِلّ بالحج والعُمْرَة، ثم لا يَحِل حتى يَحِلّ منهما جميعًا"، قالت: فقدمتُ مكة وأنا حائض، ولم أطف بالبيت ولا بين الصفا والمروة، فشكوتُ ذلك إلى رسول الله ﷺ فقال: "انقُضي رأسك، وامتشطي، وأهلِّي بالحج، ودعي العمرة"، قالت: ففعلت؛ فلما قضينا الحج أرسلني رسول الله ﷺ مع عبد الرحمن بن أبي بكر إلى التَّنْعيم، فاعتمرتُ، فقال رسول الله ﷺ : "هذه مكان عمرتك"، وطاف الذين حَلوا؛ بالبيت وبين الصفا والمروة، ثم طافوا طوافًا آخر بعد أن رجعوا من مِنى، وأما الذين كانوا جمعوا الحج والعمرة، فإنما كانوا طافوا طوافًا واحدًا. قال محمد: وبهذا كله نأخذ، الحائض تقضي المناسك كلها، غير أن لا تطوف بالبيت، ولا تسعى بين الصَّفَا والمروة، حتى تَطْهُرَ، فإن كانت أهَلَّت بعمرة، فخافت فوت الحج، فلتُحْرِم بالحج وتقف بعرفة، وترفض العمرة،

стр. 913

فإذا فرغت من حجتها قضت العمرة، كما قضتها عائشة، وذبحت ما اسْتَيْسَرَ من الهَدْي. بلغنا أن النبي ﷺ ذبح عنها بقرة، وهذا كله قولُ أبي حنيفة، إلَّا من جمع الحجّ والعُمْرَة، فإنه يطوف طوافين، ويَسْعى سَعْيَيْن. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي أخرى: ثنا حدثنا وفي نسخة: قال: بنا ابن شهاب، أي: محمد بن مسلم بن شهاب بن زهرة بن كلاب، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين من أهل المدينة عن عروة بن الزبير بن العوام بن خويلد الأسدي المدني، يكني أبا عبد الله المدني، ثقة فقيه مشهور، كان في الطبقة الثانية من طبقات التابعين من أهل المدينة مات سنة أربع وتسعين من الهجرة. كذا قاله ابن حجر في (التقريب) (١) عن عائشة ﵂ أنها قالت: خرجنا أي: معشر الصحابة مع رسول الله ﷺ عامَ حَجة الوَداع بفتح الواو وبكسر سميت بذلك؛ لأنه ﷺ ودع الناس فيها ولم يحج بعد، وكانت سنة عشر من الهجرة. كذا قاله علي القاري فأهْلَلْنَا بِعُمْرَة، أي: أحرم بعضنا بعمرة مفردة ليكون متمتعًا وقيل: المعنى أهللنا بها بعد أن فتحنا الحج، وهو إخبار عن حالها وكان من كان مثلها في إهلال بعمرة، لا عن فعل جميع الناس، فلا تنافي في قولها المتقدم، فمنا من أهل بعمرة ومنا من أهل بحج وعمرة، ومنا من أهل بالحج وقد اختلفت الروايات فيما أحرمت به عائشة اختلافًا كثيرًا ثم قال رسول الله ﷺ : "مَنْ بعد إحرامهم بالحج وقربهم من مكة يسوق كما في رواية عائشة أو بعد طوافهم بالبيت، كما في رواية جابر، ويحتمل كما قال القاضي عياض وغيره أنه قال مرتين في الموضعين، وأن العزيمة كانت أخرى لا أمرهم بفسخ الحج إلى العمرة من كان معه الهَدْي بإسكان الدال وخفة الياء وبكسرها وتشديد الياء الأولى أفصح كالهدي إلى الحرم من الأنعام وسوق الهدي سنة لمن يريد الحج أو العمرة فليُهِلّ بالحج والعُمْرَة، أي: فليحرم بالحج مع العمرة، كما في (الموطأ) ليحيى، والواو في والعمرة بمعنى المصاحبة أي: فليقرن بينهما فإنه أفضل من غيره ولا شك أنه ﷺ كان ممن معه هدي فكان قارنًا إذ لا يتصور أنه يأمر الناس بشيء ويفعل بخلافه ثم لا يَحِل (ق ٥٠٠) بكسر الحاء المهملة فيه وفيما يأتي أي: لا يخرج

стр. 914

صاحب الهدي قارنًا أو متمتعًا عن إحرامه حتى يَحِلّ منهما جميعًا"، أي: يخرج من الحج والعمرة معًا، بأن يحلق أو يقصر بعد الرمي والذبح يوم النحر. وفيه دلالة على أن السبب في بقاء من ساق الهدي، كما يقول أبو حنيفة وأحمد وجماعة متمسكين برواية عقيل عن الزهري في الصحيحين فقال ﷺ : "من أحرم بعمرة ولم يهد فلا يحلل حتى ينحر هديه، ومن أحرم بحج فليتم حجة" وهي ظاهرة في الدلالة لمذهبهم، وقال مالك والشافعي وجماعة: يحل بتمام العمرة قياسًا على الإِجماع على من يسق هديًا؛ ولأنه يحل من نسكه فوجب أن يحل له كل شيء وأجابوا عن هذه الرواية بأن فيها حذف بينته رواية مالك هذه، وتقديره: ومن أحرم بعمرة وأهدى فليتحلل بالحج، وحينئذ فلا يحل حتى ينحر هديه، وهذا التأويل متعين؛ لأن فيه جمعًا بين الروايتين لأن القصة واحدة والمخرج واحد وهو عائشة قالت: فقدمتُ مكة وأنا حائض، جملة إسمية وقعت حالًا كان ابتداء حيضها بسوق كما صح عنها وذلك يوم السبت لثلاث خلت من ذي الحجة ولم أطف بالبيت أي: طواف العمرة؛ لأن الطهارة شرط فيه؛ ولأنه في المسجد ولا تدخله الحائض ولا بين الصفا والمروة، أي: للعمرة؛ لأن شرطه تعقب الطواف. قال الطيبي: عطف على المنفي قبله على تقدير ولم أسع، هذا مثال من يقول: علفتها تبنًا وماء باردًا، ويجوز أن يقدر ولم أطف على تقدير المجاز لما في الحديث وطاف بين الصفا والمروة سبعة أشواط، ولعل هذا المجاز من قبيل تسمية المقارن باسم قرينه، وإنما ذهب إلى التقدير دون الانسحاب، لئلا يلزم استعمال اللفظ الواحد حقيقة ومجازًا في حالة واحدة؛ لأن حقيقته الطواف الشرعي لم توجد لأنها الطواف بالبيت، وأجيب أيضًا بأنه سمي السعي طوافًا على حقيقته اللغوية، فالطواف لغة المشي فشكوتُ ذلك إلى رسول الله ﷺ لما دخل عليها وهي تبكي فقال: "ما يبكيك" فقلت: لا أصلي كما في رواية عنها في الصحيح كنَّت بذلك عن الحيض، وهي من لطيف الكنايات. وفي مسلم عن جابر: أن دخوله عليها وشكواها كان يوم التروية فقال: "انقُضي بضم القاف وكسر الصاد المعجمة رأسك، أي: حلي ضفر شعر رأسك وامتشطي، أي: سرحيه، والمعنى: اخرجي من عمرتك وأهلِّي بالحج، أي: وأحرمي به ودعي العمرة"، أي: اتركيها برفضها، ظاهره أنه ﷺ أمرها أن تجعل عمرتها حجًا، ولذا قالت يرجع الناس بحج وعمرة، فأعمرها من التنعيم واستشكل أن العمرة لا ترفض كالحج.

стр. 915

وقال مالك: ليس العمل على هذا الحديث قديمًا ولا حديثًا، قال ابن عبد البر: يريد لبس العمل عليه في رفض العمرة وجعلها حجًا بخلاف جعل الحج عمرة، فإنه وقع للصحابة، واختلفوا في جوازه من بعدهم وأجاب جماعة منهم الشافعي باحتمال أن معنى دعي عمرتك، اتركي التحلل منها وأدخلي عليها الحج، فتصير قارنة ويؤيده قوله في رواية مسلم وأمسكي على العمرة، أي: على أعمالها وإنما قالت: وأرجع بحج لاعتقادها أن إفراد العمرة بالعمل أفضل كما وقع لغيرها من أمهات المؤمنين. ولمسلم أيضًا: فقال لها ﷺ : "طوافك يسعك لحجك وعمرتك" فهذا صريح (ق ٥٠١) في أنها قارنة، وتعقب بأن قوله: "انقضي رأسك وامشطي" ظاهر في إبطال العمرة، وأن المحرم لا يفعل مثل ذلك لتأديه إلى نتف الشعر، وأجيب بجوازهما للمحرم حيث لا يؤدي إلى نتف الشعر مع الكراهة لغير عذر، وكان ذلك لأذى برأسها فأباح لها ذلك كما أباح لكعب بن عميرة الحلاق لأذى برأسه ونقض رأسها لأجل الغسل، لتهل بالحج ولا سيما إن كانت ملبدة فتحتاج إلى نقض الضفر. ولعل المراد بالامتشاط تسريح شعرها بأصابعها برفق، حتى لا يسقط منها شيء ثم تضفره كما كان أو عادة الشكوى بعد رمي جمرة العقبة فأباح لها الامتشاط حينئذ. قال المازري: هو تعسف بعيد من لفظ الحديث أو كان مذهبها أن المعتمر إذا دخل مكة استباح ما يستبيحه الحاج إذا رمى الجمرة. قال الخطابي: وهذا لا يعلم من جهة قالت: أي: عائشة ففعلت؛ بسكون اللام أي: عملت ما أمرت به من النقض والامتشاط والإِهلال بالحج وترك العمرة بظاهره. استدل الحنفية على أن المرأة إذا أحرمت بالعمرة متمتعًا فحاضت قيل أن تطوف تترك العمرة وتهل بالحج مفردًا، كما صنعت عائشة ﵂، فإنها تركتها وحجت مفردة، ويقويه ما لأحمد عن عطاء عنها وأرجع بحجة ليس معها عمرة، ورد بأن في رواية عطاء عنها ضعفًا. وفي مسلم في حديث جابر أن عائشة أهلت بعمرة حتى إذا كانت بسرف حاضت فقال لها النبي ﷺ : "أهلي بالحج" حتى إذا طهرت طافت بالكعبة وسعت فقال: فتحللت من حجك وعمرتك قالت: يا رسول الله إني أجد في نفسي أني لم أطف بالبيت حتى حجت قال: "فأعمرها من التنعيم" فهذا صريح في أنها كانت قارنة، وإنما أعمرها من التنعيم تطييبًا لقلبها لكونها لم تطف بالبيت لما دخلت معتمرة، وفي رواية مسلم: وكان ﷺ رجلًا سهلًا إذا هويت الشيء تابعها عليه فلما قضينا الحج أي: أديته
следующие страницы →