عائشة زوج النبي ﷺ أنها قالت: قدمت مكة، وأنا حائض، لم أطُف بالبيت ولا بين الصَّفا والمروة، فشكوت ذلك إلى رسول الله ﷺ فقال: "افعلي ما يفعلُ الحاجّ، غير أنْ لا تطوفي بالبيت حتى تَطْهُرِي".
• أخبرنا مالك, وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي أخرى: ثنا حَدَّثني بالإِفراد وفي نسخة: حدثنا بالجمع، وفي نسخة أخرى: قال: أنا أو بنا رمزًا إلى أخبرنا عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق التيمي، يكنى أبا محمد المدني ثقة جليل، قال ابن عيينة: كان أفضل أهل زمانه، وكان في الطبقة السادسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، ومات سنة ست وعشرين من الهجرة، كذا في (التقريب) عن أبيه، أي: عن القاسم ابن محمد بن أبي بكر الصديق، أحد الفقهاء السبعة المشهورين، كان أفضل أهل زمانه في علو شأنه، وكان في الطبقة الثانية من طبقات كبار التابعين من أهل المدينة، وقد نقلنا منقبته عن طبقات ابن الجوزي في باب القراءة في صلاة الجمعة، عن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ وفي نسخة: زوج النبي ﷺ أنها قالت: قدمت مكة، أي: في حجة الوداع وأنا حائض، أي: حينئذ ولم أطُف بالبيت ولا بين الصَّفا والمروة، أي: لما تقدم فشكوت ذلك أي: ما وقع لي ومنعني عن طواف البيت إلى رسول الله ﷺ ، فقال: "افعلي ما يفعلُ الحاجّ، أي: من الوقوفين ورمي الجمرة ونحوها والمعنى أرفضي عمرتك وأحرمي بالحج وافعلي جميع أفعاله غير أنْ لا تطوفي بالبيت حتى تَطْهُرِي" أي: من حيضك وتغتسلي فتطوفي وتسعي بعده قوله: تطهري بفتح التاء وسكون الطاء المهملة وضم الهاء كذا في ما وقفت عليه من الأصول، كذا قاله بعض الشراح.
وقال الحافظ: بفتح التاء والطاء المهملة والهاء (ق ٤٩٩) المشددتين على حذف أحد الطائين وأصله تتطهري، ويؤيده ما رواه مسلم (١) حتى تغسلي، والحديث ظاهر في نهي الحائض عن الطواف لو فعلته وفي معناه الجنب والنفساء والمحدث، وهو قول الجمهور.
وقال الحاكم وحماد ومنصور وسليمان: لا بأس بالطواف على غير طهارة رواه ابن أبي شيبة وفي هذا تعقب على قول النووي: انفرد به أبو حنيفة بأن الطهارة ليس بشرط في الطواف، واختلف أصحابه في وجوبها وجبره الدم إن فعله فلم ينفرد بذلك كما ترى،
стр. 912
فعله أراد انفراده من الأئمة الثلاثة، لكن عند أحمد أن الطهارة للطواف واجبة تجبر بالدم وللمالكية قول يوافقه انتهى.
وقال ولي الدين: في الحديث دليل على امتناع الطواف على الحائض، وهو مجمع عليه، لكن اختلفوا في علته على حسب اختلافهم في اشتراط الطهارة في صحة الطواف، فقال الجمهور ومالك والشافعي وأحمد باشتراطهما، فالعلة في بطلانها عدم الطهارة وقال أبو حنيفة وداود: ليست شرطًا، فالعلة كونها ممنوعة من اللبث في المسجد بل ومن دخوله على رأي كذا قاله الزرقاني (١).
* * *
٤٦٦ - أخبرنا مالك، حدثنا ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن عائشة أنها قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ عامَ حَجة الوَداع، فأهْلَلْنَا بِعُمْرَة، ثم قال رسول الله ﷺ : "مَنْ كان معه الهَدْي فليُهِلّ بالحج والعُمْرَة، ثم لا يَحِل حتى يَحِلّ منهما جميعًا"، قالت: فقدمتُ مكة وأنا حائض، ولم أطف بالبيت ولا بين الصفا والمروة، فشكوتُ ذلك إلى رسول الله ﷺ فقال: "انقُضي رأسك، وامتشطي، وأهلِّي بالحج، ودعي العمرة"، قالت: ففعلت؛ فلما قضينا الحج أرسلني رسول الله ﷺ مع عبد الرحمن بن أبي بكر إلى التَّنْعيم، فاعتمرتُ، فقال رسول الله ﷺ : "هذه مكان عمرتك"، وطاف الذين حَلوا؛ بالبيت وبين الصفا والمروة، ثم طافوا طوافًا آخر بعد أن رجعوا من مِنى، وأما الذين كانوا جمعوا الحج والعمرة، فإنما كانوا طافوا طوافًا واحدًا.
قال محمد: وبهذا كله نأخذ، الحائض تقضي المناسك كلها، غير أن لا تطوف بالبيت، ولا تسعى بين الصَّفَا والمروة، حتى تَطْهُرَ، فإن كانت أهَلَّت بعمرة، فخافت فوت الحج، فلتُحْرِم بالحج وتقف بعرفة، وترفض العمرة،
стр. 913
فإذا فرغت من حجتها قضت العمرة، كما قضتها عائشة، وذبحت ما اسْتَيْسَرَ من الهَدْي.
بلغنا أن النبي ﷺ ذبح عنها بقرة، وهذا كله قولُ أبي حنيفة، إلَّا من جمع الحجّ والعُمْرَة، فإنه يطوف طوافين، ويَسْعى سَعْيَيْن.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي أخرى: ثنا حدثنا وفي نسخة: قال: بنا ابن شهاب، أي: محمد بن مسلم بن شهاب بن زهرة بن كلاب، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين من أهل المدينة عن عروة بن الزبير بن العوام بن خويلد الأسدي المدني، يكني أبا عبد الله المدني، ثقة فقيه مشهور، كان في الطبقة الثانية من طبقات التابعين من أهل المدينة مات سنة أربع وتسعين من الهجرة. كذا قاله ابن حجر في (التقريب) (١) عن عائشة ﵂ أنها قالت: خرجنا أي: معشر الصحابة مع رسول الله ﷺ عامَ حَجة الوَداع بفتح الواو وبكسر سميت بذلك؛ لأنه ﷺ ودع الناس فيها ولم يحج بعد، وكانت سنة عشر من الهجرة. كذا قاله علي القاري فأهْلَلْنَا بِعُمْرَة، أي: أحرم بعضنا بعمرة مفردة ليكون متمتعًا وقيل: المعنى أهللنا بها بعد أن فتحنا الحج، وهو إخبار عن حالها وكان من كان مثلها في إهلال بعمرة، لا عن فعل جميع الناس، فلا تنافي في قولها المتقدم، فمنا من أهل بعمرة ومنا من أهل بحج وعمرة، ومنا من أهل بالحج وقد اختلفت الروايات فيما أحرمت به عائشة اختلافًا كثيرًا ثم قال رسول الله ﷺ : "مَنْ بعد إحرامهم بالحج وقربهم من مكة يسوق كما في رواية عائشة أو بعد طوافهم بالبيت، كما في رواية جابر، ويحتمل كما قال القاضي عياض وغيره أنه قال مرتين في الموضعين، وأن العزيمة كانت أخرى لا أمرهم بفسخ الحج إلى العمرة من كان معه الهَدْي بإسكان الدال وخفة الياء وبكسرها وتشديد الياء الأولى أفصح كالهدي إلى الحرم من الأنعام وسوق الهدي سنة لمن يريد الحج أو العمرة فليُهِلّ بالحج والعُمْرَة، أي: فليحرم بالحج مع العمرة، كما في (الموطأ) ليحيى، والواو في والعمرة بمعنى المصاحبة أي: فليقرن بينهما فإنه أفضل من غيره ولا شك أنه ﷺ كان ممن معه هدي فكان قارنًا إذ لا يتصور أنه يأمر الناس بشيء ويفعل بخلافه ثم لا يَحِل (ق ٥٠٠) بكسر الحاء المهملة فيه وفيما يأتي أي: لا يخرج
стр. 914
صاحب الهدي قارنًا أو متمتعًا عن إحرامه حتى يَحِلّ منهما جميعًا"، أي: يخرج من الحج والعمرة معًا، بأن يحلق أو يقصر بعد الرمي والذبح يوم النحر. وفيه دلالة على أن السبب في بقاء من ساق الهدي، كما يقول أبو حنيفة وأحمد وجماعة متمسكين برواية عقيل عن الزهري في الصحيحين فقال ﷺ : "من أحرم بعمرة ولم يهد فلا يحلل حتى ينحر هديه، ومن أحرم بحج فليتم حجة" وهي ظاهرة في الدلالة لمذهبهم، وقال مالك والشافعي وجماعة: يحل بتمام العمرة قياسًا على الإِجماع على من يسق هديًا؛ ولأنه يحل من نسكه فوجب أن يحل له كل شيء وأجابوا عن هذه الرواية بأن فيها حذف بينته رواية مالك هذه، وتقديره: ومن أحرم بعمرة وأهدى فليتحلل بالحج، وحينئذ فلا يحل حتى ينحر هديه، وهذا التأويل متعين؛ لأن فيه جمعًا بين الروايتين لأن القصة واحدة والمخرج واحد وهو عائشة قالت: فقدمتُ مكة وأنا حائض، جملة إسمية وقعت حالًا كان ابتداء حيضها بسوق كما صح عنها وذلك يوم السبت لثلاث خلت من ذي الحجة ولم أطف بالبيت أي: طواف العمرة؛ لأن الطهارة شرط فيه؛ ولأنه في المسجد ولا تدخله الحائض ولا بين الصفا والمروة، أي: للعمرة؛ لأن شرطه تعقب الطواف.
قال الطيبي: عطف على المنفي قبله على تقدير ولم أسع، هذا مثال من يقول: علفتها تبنًا وماء باردًا، ويجوز أن يقدر ولم أطف على تقدير المجاز لما في الحديث وطاف بين الصفا والمروة سبعة أشواط، ولعل هذا المجاز من قبيل تسمية المقارن باسم قرينه، وإنما ذهب إلى التقدير دون الانسحاب، لئلا يلزم استعمال اللفظ الواحد حقيقة ومجازًا في حالة واحدة؛ لأن حقيقته الطواف الشرعي لم توجد لأنها الطواف بالبيت، وأجيب أيضًا بأنه سمي السعي طوافًا على حقيقته اللغوية، فالطواف لغة المشي فشكوتُ ذلك إلى رسول الله ﷺ لما دخل عليها وهي تبكي فقال: "ما يبكيك" فقلت: لا أصلي كما في رواية عنها في الصحيح كنَّت بذلك عن الحيض، وهي من لطيف الكنايات.
وفي مسلم عن جابر: أن دخوله عليها وشكواها كان يوم التروية فقال: "انقُضي بضم القاف وكسر الصاد المعجمة رأسك، أي: حلي ضفر شعر رأسك وامتشطي، أي: سرحيه، والمعنى: اخرجي من عمرتك وأهلِّي بالحج، أي: وأحرمي به ودعي العمرة"، أي: اتركيها برفضها، ظاهره أنه ﷺ أمرها أن تجعل عمرتها حجًا، ولذا قالت يرجع الناس بحج وعمرة، فأعمرها من التنعيم واستشكل أن العمرة لا ترفض كالحج.
стр. 915
وقال مالك: ليس العمل على هذا الحديث قديمًا ولا حديثًا، قال ابن عبد البر: يريد لبس العمل عليه في رفض العمرة وجعلها حجًا بخلاف جعل الحج عمرة، فإنه وقع للصحابة، واختلفوا في جوازه من بعدهم وأجاب جماعة منهم الشافعي باحتمال أن معنى دعي عمرتك، اتركي التحلل منها وأدخلي عليها الحج، فتصير قارنة ويؤيده قوله في رواية مسلم وأمسكي على العمرة، أي: على أعمالها وإنما قالت: وأرجع بحج لاعتقادها أن إفراد العمرة بالعمل أفضل كما وقع لغيرها من أمهات المؤمنين. ولمسلم أيضًا: فقال لها ﷺ : "طوافك يسعك لحجك وعمرتك" فهذا صريح (ق ٥٠١) في أنها قارنة، وتعقب بأن قوله: "انقضي رأسك وامشطي" ظاهر في إبطال العمرة، وأن المحرم لا يفعل مثل ذلك لتأديه إلى نتف الشعر، وأجيب بجوازهما للمحرم حيث لا يؤدي إلى نتف الشعر مع الكراهة لغير عذر، وكان ذلك لأذى برأسها فأباح لها ذلك كما أباح لكعب بن عميرة الحلاق لأذى برأسه ونقض رأسها لأجل الغسل، لتهل بالحج ولا سيما إن كانت ملبدة فتحتاج إلى نقض الضفر. ولعل المراد بالامتشاط تسريح شعرها بأصابعها برفق، حتى لا يسقط منها شيء ثم تضفره كما كان أو عادة الشكوى بعد رمي جمرة العقبة فأباح لها الامتشاط حينئذ.
قال المازري: هو تعسف بعيد من لفظ الحديث أو كان مذهبها أن المعتمر إذا دخل مكة استباح ما يستبيحه الحاج إذا رمى الجمرة.
قال الخطابي: وهذا لا يعلم من جهة قالت: أي: عائشة ففعلت؛ بسكون اللام أي: عملت ما أمرت به من النقض والامتشاط والإِهلال بالحج وترك العمرة بظاهره. استدل الحنفية على أن المرأة إذا أحرمت بالعمرة متمتعًا فحاضت قيل أن تطوف تترك العمرة وتهل بالحج مفردًا، كما صنعت عائشة ﵂، فإنها تركتها وحجت مفردة، ويقويه ما لأحمد عن عطاء عنها وأرجع بحجة ليس معها عمرة، ورد بأن في رواية عطاء عنها ضعفًا. وفي مسلم في حديث جابر أن عائشة أهلت بعمرة حتى إذا كانت بسرف حاضت فقال لها النبي ﷺ : "أهلي بالحج" حتى إذا طهرت طافت بالكعبة وسعت فقال: فتحللت من حجك وعمرتك قالت: يا رسول الله إني أجد في نفسي أني لم أطف بالبيت حتى حجت قال: "فأعمرها من التنعيم" فهذا صريح في أنها كانت قارنة، وإنما أعمرها من التنعيم تطييبًا لقلبها لكونها لم تطف بالبيت لما دخلت معتمرة، وفي رواية مسلم: وكان ﷺ رجلًا سهلًا إذا هويت الشيء تابعها عليه فلما قضينا الحج أي: أديته
стр. 916
وفرغت منه أرسلني رسول الله ﷺ مع أخي عبد الرحمن بن أبي بكر إلى التَّنْعيم بفتح الفوقية وسكون النون وكسر المهملة مكان خارج مكة على أربعة أميال منها إلى جهة المدينة، كما نقله الفاكهاني.
وقال المحب الطبري: أبعد من أدنى الحل إلى مكة بقليل وليس بطرف الحل بل نحوهما نحو الميل، ومن أطلق عليه طرف الحل فهو تجوز. وروى الفاكهاني عن عبيد بن عمير: إنما يسمى التنعيم؛ لأن الجبل الذي عن يمين الداخل يقال له: ناعم والذي عن يساره يقال له: منعم، والوادي نعمان أي بفتح النون فاعتمرتُ أي: منه فقال رسول الله ﷺ : "هذه أي: العمرة، وفي (الموطأ) ليحيى: هذا أي: الاعتمار مكان عمرتك" بالرفع خبر والنصب على الظرفية وعامله محذوف، وهو الخبر أي: كائنة مجعولة مكان عمرتك ومضاف إلى عمرتك.
قال القاضي عياض: والرفع أوجه عندي إذ يرد به الظرف وطاف الذين حَلوا؛ بالحاء المهملة المفتوحة واللام المضمومة المشددة وسكون الواو، أي: خرجوا من إحرام العمرة بالبيت أي: بسبب طواف البيت طواف العمرة وبين الصفا والمروة, أي: وسعى الذين حلوا بين الصفا والمروة وفي (الموطأ) لمالك (ق ٥٠٢). ثم حلوا أي: خرجوا من إحرام العمرة بالحلق أو التقصير ثم أي: بعد طواف العمرة وسعيها بينهما أو بعد الخروج عن إحرامها بالحلق أو التقصير طافوا طوافًا آخر أي: بلا إفاضة، ووقع لبعض رواة البخاري: طوافًا واحدًا، والصواب الأول كذا قاله القاضي عياض بعد أن رجعوا من مِنى, أي: لحجهم يوم النحر، ويحتمل أنهم قدموا السعي أو أخروه وأما الذين كانوا أي: من الصحابة جمعوا الحج والعمرة، أي: بأن أحرموا بها فإنما كانوا طافوا طوافًا واحدًا أي: على زعمها؛ لأن القارن يكفيه طواف واحد؛ لأن أفعال العمرة تندرج في أفعال الحج، وإلى هذا ذهب مالك والشافعي وأحمد والجمهور.
وقال الحنيفة: لا بد للقارن طوافين وسعيين؛ لأن القران هو الجمع بين العبادتين، فلا يتحقق القران إلا بالإِتيان بأفعال كل منهما، والطواف والسعي مقصودان فيهما فلا يتداخلان إذ لا تداخل في العبادات. كذا قاله الزرقاني (١).
قوله: وطاف الذي أهلوا بالبيت. . . إلى آخره كلام مدرج عن عائشة رضي الله
стр. 917
عنها وعطف على قولها فقال رسول الله ﷺ ، وهذا حديث مدرج، وهو ما زيد فيه من كلام رسول الله ﷺ بأن يزاد في حديث من حديث آخر وبأن زيد ذلك الحديث بإسناد آخر ومن كلام الصحابي للإِيضاح أو نحوه، كما قاله الأصوليون.
قال محمد: وبهذا نأخذ، أي: إنما نعمل وإنما وأتباع أبي حنيفة نقول بما رواه عروة بن الزبير عن عائشة الحائض تقضي المناسك كلها، أي: جميعها مما لا يتوقف صحتها على طهارتها غير أن بفتح الهمزة وسكون النون المخففة من الثقيلة، وضمير الشأن محذوف وتقديره: غير أنه، أي: الشأن لا تطوف أي: الحائض ولا تسعى بين الصَّفَا والمروة، حتى تَطْهُرَ، كما قدمناه فإن كانت أي: الحائض أهَلَّت أي: أحرمت بعمرة، فخافت فوت الحج، فلتُحْرِم بالحج وتقف بعرفة، وترفض العمرة، أي: تتركها وتفسخها فإذا فرغت من حجتها قضت العمرة، كما قضتها عائشة، ﵂ وذبحت أي: لرفضها ما اسْتَيْسَرَ أي: ما تيسر من الهَدْي وهو الشاة.
بلغنا أن النبي ﷺ ذبح عنها بقرة، وفي رواية: ذبح عن نسائه بقرة وهذا كله أي: جميع ما تقدم قولُ أبي حنيفة، أي: مذهبه المختار إلَّا من جمع الحجّ والعُمْرَة، أي: بالقران فإنه يطوف طوافين، ويَسْعى سَعْيَيْن أي: قياسًا عن المتمتع وعملًا برواية على وهي الأصح والأرجح من رواية عائشة ﵂.
لما فرغ من بيان حال المرأة تقدم إلى مكة بحج أو عمرة، شرع في بيان المرأة تحيض في حجها قبل أن تطوف طواف الزيارة، فقال: هذا
* * *
باب المرأة تحيض في حجتها قبل أن تطوف طواف الزيارة
في بيان حال المرأة تحيض في حجتها، أي: بين زمان الوقوف بعرفات وبين زمان طواف الزيارة وكلمة: "في" في حجتها ظرف الزمان كقوله تعالى في سورة الروم: ﴿وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ [الروم: ٣، ٤] كذا قاله ابن الهمام قبل أن تطوف أي: البيت طواف الزيارة، ويسمى طواف الإِفاضة، وطواف الركن؛ لأن طواف الوداع وإن كان واجبًا إلا أنه يسقط بالعذر اتفاقًا.
стр. 918
٤٦٧ - أخبرنا مالك, أخبرني أبو الرِّجَال، أن عَمْرَةَ أخبرتْهُ، أنَّ عائشة كانت إذا حَجَّت ومعها نساءٌ، فخافت أن تحيض؛ قَدَّمَتْهُنَّ يوم النحر فأفَضْنَ، فإنْ حِضْنَ بعد ذلك لم تَنتظر، تنْفِر بهنَّ، فَأَفَضْنَ، وهُنَّ حُيَّض، إذا كُنَ قد أفَضْنَ.
• أخبرنا مالك, أي: ابن أنس بن عمير بن أبي عامر الإِمام الأصبحي، كان ينسب إلى ملك ذي أصبح من ملوك اليمن، وكان في الطبقة السابعة من طبقات كبار التابعين من أهل المدينة، وهي في الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة في وجه (ق ٥٠٣) الأرض وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي أخرى: ثنا أخبرني وفي نسخة: قال: بنا أبو الرِّجَال، بكسر الراء المهملة وبجيم مخففة، جمع رجل كان له عشرة أبناء وكان اسمه محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن الحارثة الأنصارية، كان في الطبقة السادسة من أهل المدينة أنَّ عَمْرَةَ بنت عبد الرحمن بن سعد بن زرارة الأنصارية المدينة، كانت في الطبقة الثالثة من طبقات التابعيات من أهل المدينة.
وقال بعض المؤرخين: إنها ماتت قبل المائة، وقيل بعدها من الهجرة، كذا قاله ابن حجر أخبرتْهُ، أي: أبا الرجال أنَّ عائشة أم المؤمنين ﵂ كانت إذا حَجَّت أي: إذا وقفت في عرفات؛ لأنه ﷺ قال: "الحج عرفة فمن أدرك عرفة أدرك الحج". رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه، كذا أورده المناوي في (كنوز الحقائق) ومعها نساءٌ، أي: من رفقائها فخافت أي: عليهن أن تحيض؛ أي: قبل طواف الزيارة فيحتاج إلى تأخرهن قَدَّمَتْهُنَّ يوم النحر فأفَضْنَ، أي: طفن البيت طواف الزيارة والإِفاضة وهي لا تخاف عليهن أخرت طوافهن إلى الليل استنبطت عائشة ﵂ ذلك من استفهامه ﷺ عن طواف صفية بنت حييِّ يوم النحر فإنْ حِضْنَ بعد ذلك أي: بعد طواف الزيارة لم تَنتظر، أي: لا تأمر بهن الانتظار؛ لأنهن فعلن الواجب تنْفِر بهنَّ بكسر الفاء، أي: تخرج معهن، فَأَفَضْنَ، وهُنَّ حُيَّض، بضم الحاء المهملة وفتح التحتية المشددة، جمع حائض إذا كُنَ قد أفَضْنَ أي: طفن طواف الإِفاضة تصريح بما علم ضمنًا وتوكيد لوجوب طواف
стр. 919
الإِفاضة عليهن، وعدم سقوطه عنهن، بخلاف طواف الوداع عقب المرفوع بالموقوف للإِشارة إلى بقاء العمل به، وأنه لا يطرقه احتمال النسخ، بل هو ناسخ لما أوهم خلافه.
* * *
٤٦٨ - أخبرنا مالك، حدثنا عبد الله بن أبي بكر، أن أباه أخبره عن عمرة بنت عبد الرحمن عن عائشة، زوج النبي ﷺ قالت: قلتُ: يا رسول الله، إنَّ صفيَّة بنت حُييّ قد حاضَتْ، لعلَّها تحبِسنا، قال: "ألم تكن طافَتْ معكنَّ بالبيت"، قُلْنَ: بلي، قال: "فاخرجن".
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي نسخة أخرى: ثنا حدثنا وفي نسخة: قال: بنا عبد الله بن أبي بكر، بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري المدني ثقة، قال أحمد: حديثه شفاء، كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، قال المؤرخون: إنه مات سنة خمس وثلاثين ومائة، وكان ابن سبعين سنة. كذا في (التقريب) لابن حجر (١) أن أباه أي: أبا بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري، ولي القضاء والموسم زمن عمر بن عبد العزيز كان في الطبقة الخامسة، مات سنة عشرين ومائة أخبره أي: ابنه عبد الله عن عمرة بنت عبد الرحمن بن سعد بن زرارة الأنصاري المدنية ثقة، كانت في الطبقة الثالثة من طبقات التابعيات من أهل المدينة.
قال المؤرخون: إنها ماتت قبل المائة، وقال بعضهم: بعدها من الهجرة كذا قاله ابن حجر عن عائشة، أم المؤمنين ﵂ فهذا من باب رواية الأكابر، وعن الصحابة قالت: قلتُ: يا رسول الله، إنَّ صفيَّة بنت حُييّ بضم الحاء المهملة وفتح التحتية وتشديد الثانية إحدى أمهات المؤمنين قد حاضَتْ، أي: في أيام منى يوم النفر أي: الإِفاضة من منى، كما في الصحيحين عن الأسود عن عائشة، وفي (الموطأ) ليحيى فقال (ق ٥٠٤) رسول الله ﷺ : "لعلَّها تحبِسنا"، أي: تمنعنا من الخروج من مكة إلى المدينة حتى تطهر وتطوف، قال: الكرماني لعل هنا ليست للترجي بل للاستفهام أو الظن أو ما شاكله أي: كالتوهم قال: "ألم تكن أي: صفية طافَتْ معكنَّ بالبيت"، أي: طواف الإِفاضة، وفي
стр. 920
رواية: "ألم تكن أفاضت" قُلْنَ: بلى، أي: طافت معنا وفي رواية التنيسي، قالوا: بلى أي: النساء ومن معهم من المحارم قال: "فاخرجن" أي: فإنه يسقط طواف الوداع عنهن بعذرهن وفي رواية قال: فاخرجي خطابًا بالصيغة؛ لأنها كانت حاضرة، كما في مسلم أو لعائشة، كلاهما عن مالك به.
* * *
٤٦٩ - أخبرنا مالك, حدثنا عبد الله بن أبي بكر، عن أبيه أن أبا سَلَمَة بن عبد الرحمن بن عوف، أخبره عن أمّ سُلَيْم ابنة مِلْحَان، قالت: استَفْتَيْتُ رسول الله ﷺ فيمن حاضَتْ أو وَلَدَتْ بعد ما أفَاضَتْ يوم النحر، فأذن لها رسول الله ﷺ فخرجت.
قال محمد: وبهذا نأخذ، أيما امرأة حاضَتْ قبل أن تطوف يوم النحر طوافَ الزِّيَارَة، أو وَلَدَتْ قبل ذلك، فلا تَنْفِرَنَّ حتى تطوف طواف الزِّيَارة، فإن كانت طافَتْ طوافَ الزيارة ثم حاضَتْ أو وَلَدَتْ، فلا بأس بأن تنفِر قبل أن تطوف طوافَ الصَّدَر، وهو قولُ أبي حنيفة والعامّة.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا حدثنا وفي نسخة: قال: بنا، وفي أخرى: ثنا عبد الله بن أبي بكر، بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري المدني القاضي، ثقة كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين، من أهل المدينة، مات سنة خمس وثلاثين ومائة من الهجرة وهو ابن سبعين سنة، كما قاله ابن حجر (١) عن أبيه أي: عن أبي بكر بن محمد أن أبا سَلَمَة بن عبد الرحمن بن عوف، الزهري المدني، قيل: اسمه عبد الله، وقيل: إسماعيل، ثقة مكثر كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين، من أهل المدينة، مات سنة أربع وتسعين أو أربع ومائة قال بعض المؤرخين: كان مولده سنة بضع وعشرين، كما قاله ابن حجر (٢) أخبره أي: أبو بكر بن محمد عن أمّ سُلَيْم بالتصغير ابنةِ مِلْحَان،
стр. 921
بكسر الميم وسكون اللام ابن خالد الأنصاري، والدة أنس بن مالك ﵁ وفي نسخة: بنت ملحات، ويقال: اسمها سهلة أو رميلة أو رمينة أو مليكة أو اليفة من الصحابيات العالمات، قالت: استَفْتَيْتُ رسول الله ﷺ فيمن حاضَتْ أو وَلَدَتْ شك من الراوي إن كانت نفساء بعد ما أفاضت يوم النحر, أي: قبل طواف الوداع قوله: يوم النحر بيان لوقت الواجب؛ لا أنه قيد احترازي فأذن لها رسول الله ﷺ أي: أن تخرج من غير طواف الوداع لها فخرجت أي: أم سليم إلى المدينة بلا طواف الوداع، وهذا الحديث إن سلم أن فيه انقطاعًا؛ لأن أبا سلمة لم يسمع أم سليم، فله شواهد فأخرج الطيالسي في مسنده: حدثنا هشام هو الدستوائي، عن قتادة عن عكرمة، قال: اختلف ابن عباس ﵄ وزيد بن ثابت في المرأة إذا حاضت، وقد طافت بالبيت يوم النحر فقال زيد: يكون آخر عهدها بالبيت وقال ابن عباس: تنفر إن شئت، فقالت الأنصارية: لا نتابعك يا ابن عباس وأنت تخالف زيد، فقال: اسئلوا صحابتكم أم سليم، فقالت: حضت بعد ما طوفت بالبيت فأمرني ﷺ أن أنفر، وفي مسلم (١) والنسائي (٢) والإِسماعيلي عن طاوس: كنت مع ابن عباس فقال له زيد بن ثابت: تفتي أن تصدر الحائض قبل أن يكون آخر عهدها بالبيت، فقال: أما لي فسل فلانة الأنصارية هل أمرها النبي ﷺ بذلك فرجع إليه فقال: ما أراك إلا قد صدقت. ولفظ النسائي: فسألها، ثم رجع وهو يضحك فقال الحديث لها حدثتني، وللإِسماعيلي: فقال ابن عباس: سأل أم سليم وهو صاحبها (ق ٥٠٥) هل أمرهن ﷺ بذلك؟
قال الحافظ: وقد عرف برواية عكرمة أن الأنصارية هي أم سليم وأما صواحبها فلم أقف على تسميتهن انتهى.
قال محمد: وبهذا نأخذ، أي: نعمل ونقول بما روته أم سليم بنت ملحان أيما امرأةٍ حاضَتْ قبل أن تطوف يوم النحر طوافَ الزِّيَارَة، أو وَلَدَتْ كانت نفساء قبل ذلك، أي: طواف الزيارة فلا تَنْفِرَنَّ أي: فلا تسافر حتى تطوف طواف الزِّيَارة، وإن كانت وفي نسخة: فإن بالفاء طَافَتْ طوافَ الزيارة ثم حاضَتْ أو وَلَدَتْ، فلا بأس بأن تنفِر قبل أن تطوف طوافَ الصَّدَر، بفتحتين وهو طواف الوداع؛ لأنه من واجبات الحج، وهو يسقط
стр. 922
بالعذر، ولا يجب فيه شيء وهو أي: المذكور قولُ أبي حنيفة والعامّة من فقهائنا أي: من أتباع أبي حنيفة، وفي اختلاف الأئمة: إذا حاضت المرأة قبل طواف الإِفاضة لم تنفر حتى تطهر وتطوف، ولا يلزم الجمال حبس الجمل لها بل ينفر مع الناس ويركب غيرها مكانها عند الشافعي وأحمد، وقال مالك: يلزمه حبس الجمل أكثر من مدة الحيض وزيادة ثلاثة أيام، وعند أبي حنيفة: أن الطواف لا يشترط فيه الطهارة، وتطوف وترحل مع الناس انتهى. ولا يخفى أن المعنى من الحنفية ينبغي أن يقول لها: يحرم عليك دخول المسجد والطواف لكن لو طفت صح حجك وتلزمك بدنة لجنابتك.
لما فرغ من بيان حكم حال المرأة تحيض في حجتها قبل أن تطوف طواف الزيارة، شرع في بيان حال المرأة تريد الحج والعمرة فتلد أو تحيض قبل أن تحرم.
* * *
باب المرأة تريد الحج أو العمرة فتلد أو تحيض قبل أن تُحْرِم
في بيان حكم حال المرأة تريد الحج أو العمرة، وفي نسخة بالواو فتلد أي: تكون نفساء أو تحيض قبل أن تحرم، فيه إشارة إلى أنه لا يلزم من الإِرادة تحقيق النية، ولذا لا يلتقي عن النية قوله: اللهم إني أريد الحج أو العمرة، فإنما في الدعاء إخبار، ولا بد في النية من الإِنشاء.
٤٧٠ - أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، أن أسماء بنت عُمَيْس؛ وَلَدَت محمد بن أبي بكر بالبَيْدَاءِ، فَذَكَرَ ذلك أبو بكر لرسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : "مُرْهَا؛ فلتغتسل، ثم لِتُهِلَّ".
قال محمد: وبهذا نأخذ في النُّفَسَاءِ والحائض جميعًا، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامَّةِ من فقهائنا.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي أخرى: ثنا أخبرنا وفي نسخة: قال: بنا عبد الرحمن بن القاسم، بن محمد بن أبي بكر الصديق التيمي، يكنى أبا محمد
стр. 923
المدني ثقة تابعي جليل، قال ابن عيينة: كان أفضل أهل زمانه، وكان في الطبقة السادسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، كانت في الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة في وجه الأرض، كما قاله ابن حجر (١) عن أبيه، أي: القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق ﵁، قال أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي: كان القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة، وقد سبق منقبته في باب القراءة في صلاة الجمعة أن أسماء قيل: أصله وسماء، وقيل: إنه جمع اسم فهو غير منصرف للعلمية والتأنيث بنت عُمَيْس؛ بالتصغير وَلَدَت محمد بن أبي بكر أي: الصديق ﵁ بالبَيْدَاءِ، وهي مقدمة الصحراء بذي الحليفة فَذَكَرَ ذلك أبو بكر ﵁ لرسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : "مُرْهَا؛ أي: أمر ندب فلتغتسل، أي: غسل الإِحرام، وهو للنظافة؛ ولذا لا يقوم مقامه التيمم ثم لِتُهِلَّ" بكسر اللام وضم التاء الفوقية وكسر الهاء وفتح اللام المشددة، أي: لتحرم من غير صلاة.
قال القعنبي وابن بكير وابن مهدي ويحيى بن يحيى، عن أبيه أن أسماء، وعلى كل حال فهو مرسل؛ لأن القاسم لم يلحق أسماء، وقد وصله مسلم وأبو داود وابن ماجه من طريق عبيد الله بن عمر عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه أبي بكر الصديق، ورواه ابن عبد البر من طريق إسحاق بن محمد الفروي عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر، قال: ولهذا اختلاف في إسناد هذا الحديث أرسله مالك فكثيرًا ما كان يصنع ذكره السيوطي.
قال محمد: وبهذا نأخذ أي: أنا وأصحاب أبي حنيفة، إنما نعمل بما رواه عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه في النُّفَسَاءِ والحائض جميعًا، أي: لأن حكمها فتجدد شرعًا وهو أي: اتحاد حكم النفساء والحائض قولُ أبي حنيفة، والعامَّةِ من فقهائنا من أتباع أبي حنيفة في العمل.
لما فرغ من بيان حكم حال المرأة تلد أو تحيض قبل أن تحرم، شرع في بيان حكم المستحاضة في الحج، فقال: هذا
* * *
стр. 924
باب المستحاضة في الحج
في بيان حكم المستحاضة في الحج، اعلم أن ما نقص عن أقل الحيض وهو ثلاثة أيام أو زاد على حيض المبتدأ، وهو عشرة أيام وعلى نفاسها، وهو أربعون يومًا أو على العادة، وجاز أكثرهما وما رأت حامل استحاضة، وحكمها أنها لا تمنع صلاة وصومًا ووطئًا ونحوها.
٤٧١ - أخبرنا مالك, أخبرنا أبو الزبَيْر المكي، أنَّ أبا مَاعِزٍ، عبد الله بن سفيان، أخبره أنَّه كان جالسًا مع عبد الله بن عمر، فجاءَتْه امرأةٌ تستفتيه، فقالت: إني أقبلتُ أُريدُ أن أطوف بالبيت؛ حتى إذا كنتُ عند باب المسجد أهْرَقْتُ، فرجعتُ حتى ذَهَبَ ذلك عني، ثم رجعتُ إلى المسجد أيضًا، فقال لها ابن عمر: إنما ذلك رَكْضَةً من الشيطان، فاغتسلي، ثم استَثْفِري بِثَوْبٍ، ثم طُوفي.
قال محمد: وبهذا نأخذ؛ هذه المُسْتَحَاضَة، فلتتوضَّأ وتَسْتَثفِر بثوب، ثم تطوف، وتصنع ما تصنع الطاهرة، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامَّةِ من فقهائنا.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي أخرى: أنا، أخبرنا أبو الزبَيْر المكي، هو محمد بن مسلم تدرس، بفتح التاء الفوقية وسكون الدال المهملة وضم الراء الأسدي، مولاهم صدوق إلا أنه يدلس، كان في الطبقة الرابعة من طبقات أهل المدينة، وهي كانت في الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة في وجه الأرض أنَّ أبا مَاعِزٍ، اسمه عبد الله بن سفيان، بن عبد الله الثقفي الطائي وثقه النسائي، وكان في الطبقة الثالثة من طبقات أهل الطائف، كما قاله ابن حجر في (التقريب) (١) أخبره أي: أبا الزبير أنَّه كان أي: أبا عامر جالسًا مع عبد الله بن عمر، ﵄ فجاءَتْه امرأةٌ تستفتيه، أي:
стр. 925
طلبت الفتوى فقالت: إني أقبلتُ أي: توجهت وقصدت أُريدُ أن أطوف بالبيت؛ أي: للحج أو للعمرة، ولا دلالة في الحديث صريحًا على عنوان الباب حتى إذا كنتُ عند باب المسجد أي المسجد الحرام أهْرَقْتُ، أي: صببت الدم فرجعتُ حتى ذَهَبَ ذلك عني، أي: وطهرت وتطهرت ثم أقبلت أي: ثانيًا، حتى كنت عند باب المسجد فرجعت ثانيًا حتى ذهب ذلك عني ثم رجعت إلى المسجد أيضًا، فقال لها ابن عمر: إنما ذلك بكسر الكاف رَكْضَةً من الشيطان، وهي بفتح الراء المهملة وسكون الكاف والضاد المعجمة ضرب بالرجل ومنه قوله تعالى في سورة (ص): ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾ [ص: ٤٢] أراد الإِضرار والأذى بسببها، والمعنى أن الشيطان وجد بذلك طريقًا إلى التلبيس عليها في أمر دينها في طهرها وصلاتها حتى نساها ذلك عادتها، وصار التقدير كأنه ركضها برجله من ركضاته كذا في (النهاية) فاغتسلي، ولعل أمرها بالغسل لتقدم حيضها أو لتكمل طهارتها، ونظافتها، وإلا فالمستحاضة تتوضأ، وإذا استمر دمها لكل وقت يجب عليها الوضوء، وأما إذا نسيت عادتها فيجب عليها لكل صلاة غسل على حدة ثم استَثْفِري بِثَوْبٍ، اربطي ثوبًا على مخرج الدم على هيئة الثغر في الدابة ثم طُوفي وكذا الحكم الصلاة، وإن تقاطر دمها.
قال محمد: وبهذا نأخذ؛ أي: نعمل بما رواه أبو الزبير المكي هذه أي: المرأة (ق ٥٠٦) المُسْتَحَاضَة، أي: لا الحائض فلتتوضَّأ وتَسْتَثفِر بثوب، أي: لئلا يتلوث بدنها ولا يتلطخ ثوبها ثم تطوف، وتصنع ما تصنع الطاهرة، أي: من الصلاة والتلاوة من المصحف ونحوها وهو قولُ أبي حنيفة, والعامَّةِ من فقهائنا أي: من علماء الحنفية.
لما فرغ من بيان حكم حال المستحاضة في الحج، شرع في بيان حكم حال من يريد دخول مكة، فقال: هذا
* * *
باب دخول مكة وما يُستحب من الغُسل قبل الدخول
في بيان حكم حال من يريد دخول مكة، وما يستحب له من الغسل بيان ما قبل الدخول أي: دخوله مكة ليلًا أو نهارًا والظرف متعلق بالغسل، والمناسبة بين هذا الباب والباب السابق استحباب الغسل على المستحاضة في الحج، وعلى من يريد دخول مكة.
стр. 926
٤٧٢ - أخبرنا مالك، حدثنا نافع، عن ابن عمر: أنَّه كان إذا دَنَا من مكة باتَ بذي طَوَّى بين الثَّنِيَّتَيْنِ حتى يُصْبِح، ثم يُصلّي الصبح، ثم يدخل من الثَّنِيَّة التي بأعْلَى مكة، ولا يدخل مكة إذا خرج حاجَّا أو مُعْتَمِرًا حتى يغتسل، قبل أن يدخل، إذا دَنَا من مكة بذي طُوْى، ويأمر من معه فيغتسلوا قبل أن يدخلوا.
• أخبرنا مالك, وفي نسخة: محمد قال: بنا أو أنا، وفي نسخة أخرى: ثنا رمزًا إلى أخبرنا أو حدثنا وفي نسخة: قال: بنا، وفي نسخة أخرى: نافع، أي: ابن عبد الله المدني، فاضل ثقة مشهور، مولى ابن عمر، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة عن ابن عمر: ﵄ أنَّه كان إذا دَنَا أي: قرب من مكة بات أي: مكث ليلًا بذي طَوَّى مثلثة الطاء والفتح أشهر، وبفتح الواو وبضمها، وحكى كسرها وينون ولا ينون وهو واد بقرب مكة على نحو نصف فرسخ، فيعرف في وقتنا بالزاهر والجوخي في طريق التنعيم، وينزل فيه أمراء الحاج دخولًا أو خروجًا، فمن نونه جعله اسمًا للوادي، ومن منعه جعله اسمًا للبقعة مع العلمية، أو منعه للعلمية مع تقدير العدل من طاف، كذا في (المصباح) بين الثَّنِيَّتَيْن بالثاء المثلثة المفتوحة والتحتية الساكنة وبعدها نون أي: بين العقبتين حتى يُصْبِح، فإن بات أي: مكث ليلًا بذي طوى إلى أن يطلع الفجر ثم يُصلّي الصبح، ومن ثم إيماء إلى الإِسفار.
وفي رواية أيوب عن نافع: فإذا صلى الغداة اغتسل، ويحدث أن رسول الله ﷺ فعل ذلك رواه البخاري ومسلم وغيرهما أي: المذكور من البيات والصلاة والغسل ثم يدخل أي: مكة من الثَّنِيَّة التي بأعْلَى مكة، التي ينزل منها المعلا ومقابر مكة بجنب المحصب، وهي التي يقال لها: الحجون بفتح الحاء المهملة وضم الجيم، وكانت صعبة المرتقى فهدها معاوية ثم عبد الملك بن مروان ثم المهدي على ما ذكره الأزرقي، ثم سهل في سنة إحدى عشرة وثمان مائة موضع، ثم سهل كلها في زمن سلطان قهر الملك ٤ المؤيد في حدود العشرين وثمان مائة، وفي البخاري عن إبراهيم بن المنذر وأبي داود عن عبد الله بن
стр. 927
جعفر البرمكي، كلاهما عن معز عن مالك عن نافع عن ابن عمر قال: كان رسول الله ﷺ يدخل من الثنية السفلى. قال الحافظ: ليس هذا الحديث في (الموطأ) ولا رأيته في غريب مالك والدارقطني، ولم أقف عليه إلا من رواية معن بن عيسى، وقد عزا على الإِسماعيلي استخراجه، فرواه عن ابن ناجية عن البخاري مثله كذا قاله الزرقاني ولا يدخل أي: ابن عمر مكة إذا خرج أي: من المدينة حاجَّا أي: مفردًا أو قارنًا أو مُعْتَمِرًا حتى يغتسل، أي: لدخول مكة استحبابًا قبل أن يدخل، أي: مكة كما في (الموطأ) ليحيى إذا دَنَا أي: قرب من مكة بذي طُوْى، أي: اقتداء بفعله ﷺ (ق ٥٠٧)، ليكون دخوله الأكمل والأفضل، وكان ابن عمر من أتبع الناس له ﷺ ويأمر من معه أي: بذلك فيغتسلوا قبل أن يدخلوا أي: مكة تحصيلًا للمستحب؛ لأنه يندب لغير حائض ونفساء؛ لأنه للطواف وهما لا تدخلان المسجد، كما قال ﷺ : "وافعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت للإحرام، والوقوف"، وهذا كيفية الدخول، وأما من أراد الخروج فيخرج من آخر مكة من المسفلة، وهي طريق الشبيكة فينزل بذي طوى ثم يسافر منه، لما في مسلم من حديث عائشة: أن النبي ﷺ ، لما جاء إلى مكة دخل من أعلاها وخرج من أسفلها كذا قاله الزرقاني وعلي القاري.
* * *
٤٧٣ - أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الرحمن بن القاسم أن أباه القاسم، كان يدخل مكة ليلًا، وهو مُعْتَمِر، فيطوف بالبيت والصَّفَا والمروة، ويؤخِّر الحِلَاق حتى يُصْبِح، ولكنه لا يعود إلى البيت فيطوف به حتى يحلق، قال: وربما دخل المسجد فأوْتَرَ فيه، ثم انصرفَ، ولم يقرب البيت.
قال محمد: لا بأسَ بأن يدخل الرجل مكة، إن شاء ليلًا، وإن شاء نهارًا؛ فيطوف ويسْعَى، ولكنه لا يعجبنا له أن يعود في الطَّوَاف حتى يحلق أو يُقَصِّر، كما فعل القاسم، وأما الغُسْل حين يدخل فهو حَسَنٌ، وليس بواجب.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي أخرى: أنا، أخبرنا وفي نسخة:
стр. 928
قال: بنا عبد الرحمن بن القاسم أي: ابن محمد بن أبي بكر الصديق التيمي، يكنى أبا محمد المدني ثقة جليل قال ابن عيينة: كان أفضل أهل زمانه، وكان في الطبقة السادسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، ومات سنة ست وعشرين ومائة وقيل بعدها، كذا قاله ابن حجر (١)، ومنقبته سبقت في باب القراءة في صلاة الجمعة أن أباه القاسم، أي: ابن محمد بن أبي بكر الصديق كان يدخل مكة ليلًا، وهو مُعْتَمِر، قيد وقوعي لا احترازي فيطوف بالبيت كما في الصحيحين عن عائشة ﵂. أن أول شيء بدأ به رسول الله ﷺ حين قدم مكة أن توضأ ثم طاف بالبيت والصَّفَا والمروة، أي: سعي بينهما ليلًا لبيان جوازهما ليلًا، وكانت العبادة أفضل أن تكون بالخفية ويؤخِّر الحِلَاق بكسر الحاء المهملة أي: الحلاقة، وفي نسخة: الحلق حتى يُصْبِح، ولعل تأخيره لعدم وجود السراج عنده ولكنه لا يعود إلى البيت فيطوف به أي: ثانيًا حتى يحلق، أي: أو يقصر ليقع التوالي بين طواف الأول وحلقه من غير فاصل بينهما، وإن كان جائز وربما دخل المسجد أي: آخر الليل فأوْتَرَ فيه، أي: تهجد مع الوتر في المسجد ثم انصرفَ، أي: عن المسجد، وفي نسخة: وانصرف بالواو ولم يقرب البيت أي: للطواف ولا للاستلام.
قال محمد: لا بأسَ بأن يدخل الرجل مكة، أي: وقت قصدها إن شاء ليلًا، وإن شاء نهارًا؛ لكن عمل السر خير من العلانية في غير الفريضة فيطوف ويسْعَى، أي: ليلًا أو نهارًا ولكنه أي: الشأن لا يعجبنا أي: لمحرم طاف وسعى، وكذا إذا طاف ولم يسع بالأولى أن يعود في الطَّوَاف أي: فضلًا لما قدمناه واحتياطًا؛ لأنه يوجب الوسوسة حتى يحلق أو يُقَصِّر، كما فعل القاسم، وهو أحد الفقهاء السبعة من أهل المدينة، وكان من أفضل أقرانه في زمانه من علو شأنه وأما الغُسْل أي: الذي كان يفعله ابن عمر يأمر به غيره حين يدخل أي: مكة فهو حَسَنٌ، أي: مستحب وليس بواجب أي: ولا سنة مؤكدة، لما سبق أنه ﷺ دخل مكة ليلًا في عمرته ونهارًا في حجته.
لما فرغ من بيان حكم حال من يريد دخول مكة وما يستحب له من الغسل، شرع في بيان حكم السعي بين الصفا والمروة، فقال: هذا
* * *
стр. 929
باب السعي بين الصفا والمروة
في بيان حكم السعي بين الصفا والمروة، وهو واجب في النسكين وعند الشافعي فيها، (ق ٥٠٨) والمشي فيه واجب عندنا خلافًا للشافعي.
٤٧٤ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن عبد الله بن عمر، أنه كان: إذا طاف بين الصفا والمروة؛ بدأ بالصفا فَرَقِيَ حتى يبدو له البيت، قال: وكان يكبر ثلاث تكبيرات، ثم يقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، يفعل ذلك: سبع مرات، فذلك إحدى وعشرون تكبيرة، وسبع تهليلات، ويدعو فيما بين ذلك، ويسأل الله تعالى، قال: ثم يهبط، فيمشي، حتى إذا جاءَ بطن المَسِيل سعى، حتى يظهر منه، ثم يمشي حتى يأتي المَرْوَة، فيرقَى، فيصْنَعُ عليها مثل ما صنع على الصفا، يصنع ذلك سبع مرات، حتى يفرغ من سعيه.
وسمعتُه يدعو على الصفا: اللهم إنك قلت: ادعوني أستجب لكم، وإنك لا تُخلف الميعاد، وإني أسألك كما هديتني للإسلام، أن لا تنزِعه مني، حتى تَوَفَّاني وأنا مسلم.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي أخرى: ابنا أخبرنا وفي نسخة: قال: بنا نافع، أي: ابن عبد الله المدني، التابعي ثقة عالم مشهور، مولى ابن عمر، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة، وقال المؤرخون: إنه مات سنة سبع عشرة ومائة أو بعد ذلك من الهجرة كما في (التقريب) (١) عن عبد الله بن عمر، ﵄ أنه كان: إذا طاف بين الصفا والمروة؛ أي: أراد السعي بينهما بدأ بالصفا أي: لقوله ﷺ حين قارب الصفا: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ الآية [البقرة: ١٥٨]، وفي رواية: "ابدؤوا بما بدأ الله به" وهو سنة، وقيل: واجب وقيل: شرط.
стр. 930
قال الخطابي: فيه أنه اعتبر تقديم المبدأ به في التلاوة فقدمه، وأن الظاهر في حق الكلام أن المبدأ ومقدم في الحكم على ما بعده، والساعي إذا بدأ بالمروة لم يعتد به ذلك. انتهى.
ونحوه لابن عبد البر وبهذا قال مالك والشافعي والجمهور: وأصرح منه في الدلالة رواية النسائي (١): "ابدؤوا بما بدأ الله به"، هكذا بصيغة الأمر للجمع، كذا قاله الزرقاني فَرَقِيَ بكسر القاف أي: صعد ابن عمر، وهذا يتصور إن كان ماشيًا حتى يبدو له البيت، بضم الدال وفتح الواو حتى يظهر له الكعبة ويعاينها ويستقبلها قال: وكان يكبر ثلاث تكبيرات، أي: يقول: الله أكبر ثلاث مرات ويرفع يديه، كما في الدعاء؛ لا أنه يرفعهما ويخفضهما كما يفعله السفهاء ثم يقول: وثم بمعنى الواو، كما وجد الواو مكان ثم في (الموطأ) ليحيى لا إله أي: لا مستحق للعبادة إلا الله أي: إلا الذات المستجمع لصفات الكمالات، وهو بدل العين من العين من محل لا إله، كما في (العيون) وحده نصب حال، أي: منفردًا بالذات لا شريك له، أي: في حقيقة الصفات عقلًا وسمعًا، وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم إنما هو إله واحد له الملك بضم الميم أي: ملك الدنيا والآخرة ظاهرًا وباطنًا ملك العلم والحلم والقناعة والإِيمان والمعرفة وسلك، السلطة العامة والسياسة الخاصة، يؤتي الملك من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء، ويعز من يشاء بإعطاء ملكه له، ويذل من يشاء بنزعه عنه بيده الخير، وكذا الشر في عطائه ومنعه وله الحمد، أي: في الدنيا والآخرة على كل حال، وفي كل حال يحيي أي: يوجد من يشاء، ويميت أي: يسلب حياته أو يحيي بالإِيمان والعمل ويميت بالكفر وهو أي: والحال أنه تعالى على كل شيء أي: تعلقت به الإِرادة قدير، أي: تام القدرة.
وفي رواية لمسلم وغيره: مرفوعًا زيادة: لا إله إلا الله وحده، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، وفيه دليل على إثبات أهل السنة والجماعة ورد الفرق الضالة، فإن العبد وفعله بخلق الله تعالى، وعليه التسليم بربه والرضا بقضائه والعلم بأنه تعالى عزيز في حكمته، وأنه ضعيف عاجز، وفي تفسير (الكواش) في قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: ١٣٠] أوحى الله تعالى إلى داود صلوات الله
стр. 931
على نبينا وعليه (ق ٥٠٩) يا داود اعرفني وأعرف نفسك، فقال: يا رب فكيف أعرفك وأعرف نفسي، فقيل: اعرف نفسك بالضعف والعجز والفناء، واعرفني بالقدرة والقوة والبقاء انتهى يفعل ذلك: أي: يقول ما ذكر من التكبيرات الثلاثة والتهليل المذكور مع رفع يديه، ولذا عبر عنه بيفعل تغليبًا سبع مرات، فذلك أي: مجموع ما ذكر إحدى وعشرون تكبيرة، وسبع تهليلات، ويدعو أي: يطلب من الله ما شاء من مراداته وحاجاته فيما بين ذلك، أي: المذكور من المرات السبع على الوجه المسطور ويسأل الله تعالى، عطف تفسيري أو الدعاء باللسان والسؤال بالجنان، وفي نسخة: قال: أي نافع ثم أي: بعد الدعاء والسؤال يهبط، بكسر الموحدة، أي: ينزل عبد الله بن عمر من الصف فيمشي، أي: على هنية وسكون في هنية حتى إذا جاءَ بطن المَسِيل وهو المحازي للميلين الأخضرين الأولين سعى، أي: أسرع في مشيه حتى يظهر منه، أي: يعلو من بطن المسيل وحاذى الميلين الأخضرين الأخيرين ثم يمشي أي: على مهله حتى يأتي المَرْوَة، فيرقَى، بفتح التحتية والقاف من باب علم أي: فصعد ابن عمر ﵁ فيصْنَعُ عليها أي: على المروة مثل ما صنع على الصفا، أي: من استقبال الكعبة وغيره فينحرف قليلًا إلى يمينه، ويكبر ويهلل ويدعو فيما بين ذلك، كما تقدم آنفا ويصنع ذلك أي: ما ذكر من السعي سبع مرات، أي: الأربعة عشر كما توهم بعضهم حتى يفرغ من سعيه أي: بأن يقع ختمه على المروة، كما في الرواية.
وسمعتُه عطف على قال أي: قال نافع: سمعت ابن عمر حال كونه يدعو على الصفا: أي: من جملة ما ورد عنه من الدعاء اللهم إنك قلت: ادعوني أستجب لكم، وإنك لا تُخلف الميعاد، أي: الوعد في المبدأ والمعاد وإني أسألك كما هديتني إلى الإِسلام، وفي نسخة: للإِسلام، أي: الإِمضاء التام والهداية تتعدى بهما كما في قوله تعالى: ﴿يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩] ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢] وتتعدى أيضًا بلا واسطتها، كقوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦] أن لا تنزعه بكسر الزاي المعجمة أي: لا تخلع الإِسلام مني، حتى تَوَفَّاني بحذف إحدى التائين أي: حتى تقبضني وتميتني، كما خلقتني على الإِسلام وأمتني على الإِسلام وأنا مسلم أي: والحال الآن أنا مسلم ظاهرًا وباطنًا، فهو مضمون توفني مسلمًا وألحقني بالصالحين، وهو تعليم الأمة أو تعظيم لله تعالى على وجه العزة، والحديث رواه
стр. 932
ابن أبي شيبة في مصنفه أيضًا من قول ابن عمر موقوفًا، كذا قاله علي القاري. وفيه تنبيه أنه لا يجوز لأحد من المؤمنين غير الأنبياء والمبشرين بالجنة أن يقطع لنفسه ولغيره بحسن الخاتمة، قال رسول الله ﷺ : "من قال: أنا مؤمن حقًا فهو كافر أو منافق" رواه الديلمي في مسند الفردوس، وأورده المناوي في (كنوز الحقائق) في حديث: خير الخلائق.
قال السخاوي: معناه من قال: أنا مؤمن جزمًا بحسن الخاتمة فهو كافر، وهو مقصور بعلم الله تعالى، فينبغي للمؤمن أن يقول في آناء الليل وأطراف النهار: ثبت قلبي على دينك، واقبضني على (ق ٥١٠) دينك، واحشرني مع نبيك.
* * *
٤٧٥ - أخبرنا مالك، أخبرنا جعفر، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله، أن رسول الله ﷺ حين هبط من الصفا، مشى حتى إذا انصبَّت قدماه في بطن المسِيل سعى، حتى ظهر منه، قال: وكان يكبر على الصفا ثلاثًا، ويهلل واحدة، يفعل ذلك ثلاث مرات.
قال محمد: وبهذا كله نأخذ، إذا صعِدَ الرجل الصفا كبر وهلل، ثم هبط ماشيًا حتى يبلغ بطن الوادي، فيسعى فيه حتى يخرج منه، ثم يمشي مشيًا على هِينَتِهِ حتى يأتي المروة، فيصعَد عليها، فيكبِّر ويهلِّل، ويدعو، يصنع ذلك بينهما سبعًا، يسعى في بطن الوادي في كل مرة منها، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامَّةِ من فقهائنا.
• أخبرنا مالك، أي: ابن أنس بن عمير بن أبي عامر الإِمام الأصبحي، يعني منسوب إلى ذي أصبح ملك من ملوك اليمن، وكان في الطبقة السابعة من طبقات كبار أتباع التابعين من أهل المدينة، وهي كانت في الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة في وجه الأرض، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي أخرى: أنا أخبرنا وفي نسخة: قال: بنا، وفي أخرى: أنا جعفر، بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي، يكنى أبا عبد الله المعروف بالصادق، صدوق فقيه إمام، كان في الطبقة السادسة من طبقات التابعين، من أهل المدينة
стр. 933
مات سنة ثمان وأربعين من الهجرة، وذكر منقبته في باب الرمل بالبيت عن أبيه، أي: محمد الباقر عن جابر بن عبد الله، بن عمرو بن حرام بمهملتين الأنصاري، ثم السلمي بفتح السين المهملة واللام، صحابي غزا تسع عشرة غزوة، ومات بالمدينة بالسبعين من الهجرة وهو ابن أربعة وتسعين. كذا قاله ابن حجر (١) أن رسول الله ﷺ حين هبط بفتح الموحدة أي: نزل من الصفا، مشي أي: على راحلته حتى إذا أنصبَّت قدماه بتشديد الموحدة أي: انحدرتا في بطن المسِيل سعى، أي: أسرع في مشيه حتى ظهر منه، أي: طلع من المسيل قال: أي: جابر وكان أي: النبي ﷺ يكبر على الصفا ثلاثًا، ويهلل واحدة، أي: ثم يدعو ثم يعيدها يفعل ذلك ثلاث مرات كذا في رواية مسلم وأبي داود والنسائي وابن ماجه وأبي عوانة عن جابر أيضًا، ولعله ما اطلع على الزيادة بخلاف ابن عمر، فإنه كان بالغًا في مقام المتابعة والاستفادة ويمكن الجمع بأن العدد بحسب النسك.
قال محمد: وبهذا كله نأخذ، أي: إنما نعمل بجميع من ذكر في هذا الباب إذا صعِدَ الرجل أي: المحرم على الصفا وفي حكم المرأة، ولا يبعد أن يقال: المرأة لا ينبغي أن تصعد لأن مبنى أمرها التستر كبر وهلل، ودعا أي: وأقله مرة واحدة منها وأكثره سبعًا، كما مضى ثم هبط ماشيًا أي: إلا إذا كان معذور فيكون راكبًا حتى يبلغ بطن الوادي، أي: أوله فيسعى فيه أي: فيبالغ في سرعته حتى يخرج منه، أي: من بطن الوادي ويصل إلى آخره ثم يمشي مشيًا مفعول مطلق على هِينَتِهِ بكسر الهاء وسكون التحتية وفتح النون وكسر الفوقية أي: على سهولة في مشيه كذا قاله محمد الواني في (ترجمة الجوهري) حتى يأتي المروة، فيصعَد عليها، أي: يستقبل الكعبة المكرمة ويرفع يديه فيكبِّر ويهلِّل، ويدعو، أي: كما تقدم يصنع ذلك أي: ما ذكر من المشي بينهما سبعًا، أي: لا زيادة عليها ولا نقص منها يسعى أي: يسرع في بطن الوادي في كل مرة منها، أي: لا في ثلاثة الأول، قياسًا على ما في الطواف من عدد الرمل، وهو أي: السرعة في بطن الوادي في كل مرة من السعي السبع وهو قولُ أبي حنيفة، والعامَّةِ من فقهائنا الحنفية خلافًا للطحاوي من الحنفية وبعض الشافعية.
стр. 934
حيث قالوا: إن الذهاب من الصفا إلى المروة ومنها إلى الصفا مجموع ذلك شوطًا، كما أن الشوط في الطواف من الحجر إلى الحجر، ويرده قول جابر: فلما كان آخر طوافه على المروة؛ لأن مقتضى قولهم: أن يكون آخر طوافه (ق ٥١١) على الصفا، والفرق بين السعي والطواف أن السعي يتم بالمروة فيكون الرجوع تكرارًا، والطواف لا يتم إلا بالوصول إلى الحجر، كذا قاله علي القاري.
لما فرغ من بيان حكم السعي بين الصفا والمروة، شرع في بيان حكم الطواف بالبيت راكبًا وماشيًا، فقال: هذا
* * *
٣٩ - باب الطواف بالبيت راكبًا أو ماشيًا
في بيان حكم الطواف بالبيت أي: بالكعبة المكرمة راكبًا أو ماشيًا، المشي واجب إلا لضرورة فيجوز الركوب، فكان الأولى أن يقدم لفظة ماشيًا، كما لا يخفى وقد يقال: قدم لفظة راكبًا لورود الحديث الآتي على صفة الركوب.
٤٧٦ - أخبرنا مالك، أخبرنا محمد بن عبد الرحمن بن نَوْفَل الأسدي، عن عروة، عن زينب بنت أبي سَلَمَة، عن أم سلمة زوج النبيّ ﷺ ، أنها قالت: شكيتُ: فذكرتُ ذلك لرسول الله ﷺ , فقال: "طوفي من وراء الناس، وأنت راكبة"، قالت: فطفتُ ورسول الله ﷺ يصلي إلى جانب البيت، ويقرأ بـ ﴿وَالطُّورِ (١) وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ﴾ [الطور: ١، ٢].
قال محمد: وبهذا نأخذ، لا بأس للمريض وذي العلة أن يطوف بالبيت، محمولًا، ولا كفارة عليه، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامَّةِ من فقهائنا.
• أخبرنا مالك، أي: ابن أنس بن عمير بن أبي عامر الإِمام الأصبحي، كان منسوبًا إلى
стр. 935
ملك ذي أصبح من ملوك اليمن، كان في الطبقة السابعة من طبقات كبار أتباع التابعين من أهل المدينة، وكان ابن تسعين سنة. كذا قاله الإِمام الواقدي، وقال بعض المؤرخين: مكث في بطن أمه ثلاث سنين ومات بالمدينة سنة تسع وتسعين ومائة، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي أخرى: أنا كل واحد منهما رمزًا إلى أخبرنا، أخبرنا وفي نسخة: قال: بنا محمد بن عبد الرحمن بن نَوْفَل بفتح النون وسكون الواو وبعدهما فاء مفتوحة ولام ابن خويلد الأسدي، القرشي، يكنى أبا الأسود المدني يتيم عروة ثقة كان في الطبقة السادسة من طبقات أهل المدينة مات سنة بضع وثلاثين ومائة، كما قال ابن حجر في (التقريب) (١) عن عروة، بن الزبير بن العوام بن خويلد الأسدي المدني، يكنى أبا عبد الله كان ثقة فقيهًا، وكان في الطبقة الثانية من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة أربع وتسعين، على الصحيح. كذا قاله ابن حجر (٢).
اعلم أن كلمة "عن" في اصطلاح المحدثين كلمة للسماع والإِجازة لكن عنعنة المعاصر محمولة على السماع سواء ثبت الملقي بينهما أم لا عند الجمهور، خلافًا للبخاري حيث يشترط الملقي، ولا شبهة في ثبوت الملقي بين محمد بن عبد الرحمن بن نوفل وبين عروة بن الزبير بن العوام عن زينب بنت أبي سَلَمَة، أي: كان اسمه عبد الله بن عبد الأسد المخزومي الصحابي، وبنته صحابية ربيبة النبي ﷺ ، وعند البخاري من طريق يحيى بن أبي زكريا عن هشام عن أبيه عن أم سلمة، لم يذكر زينب، وتعقبه الدارقطني في كتاب (التتبع) بأنه منقطع، فقد رواه حفص بن غياث عن هشام عن أبيه عن زينب عن أمها، ولم يسمعه عروة من أم سلمة، ورده الحافظ بأن سماعه منها ممكن، فإنه أدرك من حياتها نيفًا وثلاثين سنة، وهو معها في بلد واحد أو يحتمل أن يكون اسمه أولا من زينب عن أمها، ثم سمعه من الأم فحدث به على الوجهين، فلا يكون منقطعًا، قال: وقد زاد الأصيلي في طريق هشام عن زينب، وقد رواه ابن السكن عن علي بن عبد الله بن ميثر عن محمد بن حرب شيخ البخاري فيه ليس فيه زينب، وهو المحفوظ من حديث هشام فأما أبو الأسود فبإثبات زينب كما قاله الزرقاني (٣).
стр. 936
أنها أي: أم سلمة قالت: شكيتُ أي: مرضت أو شكوت إلى رسول الله ﷺ من وجع بي أو برجل وأنا أريد الطواف فذكرتُ ذلك لرسول الله ﷺ ، أي: بأن أقول: إني مريضة فقال: "طوفي من وراءِ الناس"، (ق ٥١٢) أي: من الطوافين والمصلين، والأظهر لما سيأتي من أن سنة النساء التباعد عن الرجال في الطواف، ولأن بقربها يخاف تأذي الناس بدابتها وقطع صفوفهم وأنتِ راكبة، أي: على دابة، زاد في رواية هشام بعيرك، وبيَّن فيها أن طواف الوداع ولفظه: أن رسول الله ﷺ أراد الخروج ولم تكن أم سلمة طافت، فقال لها: "إذا أقيمت صلاة الصبح فطوفي على بعيرك" قالت: فطفتُ أي: راكبة بعيري ورسول الله ﷺ يصلي إلى جانب البيت، أي: يصلي صلاة الصبح بالناس ملصقًا بالكعبة، وبعض أصحابه من رواته وآخرون متحلقًا حول الكعبة ليتأتى لها الطواف راكبة ويقرأ بـ ﴿وَالطُّورِ (١) وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ﴾ [الطور: ١، ٢] أي: سورة الطور كلها أو بعضها.
فائدة: ذكرها بيان كمال استحضارها، وفيه جواز طواف الراكب لعذر، ويلحق به المحمول للعذر، أما بلا عزر فمنعه مالك وكرهه الشافعي، لقوله تعالى في سورة الحج: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩] ولو طاف راكبًا لم يطف به إنما طاف به غيره، وركوبه ﷺ إنما كان للعذر، ففي أبي داود (١) عن ابن عباس ﵄: قدم النبي ﷺ وهو يشتكي فطاف على راحلته، وفي حديث جابر عند مسلم أنه ﷺ طاف راكبًا ليراه الناس ويسألوه، فيحتمل أنه فعل ذلك للأمرين، ولذا ركوب أم سلمة للعذر، زاد هشام في روايته فعلت ذلك فلم تصل حتى خرجت أي: من المسجد أو من مكة، فدل على جواز صلاة ركعتي الطواف خارجًا من المسجد أن لو كان ذلك شرطًا لازمًا أقرها ﷺ على ذلك في رواية حسان بن إبراهيم عن هشام عن الإِسماعيلي قالت: ففعلت ذلك، ولم أصل حتى خرجت فصليت وفيه رد على من قال: يحتمل أنها أكملت طوافها قبل صلاة الصبح ثم أدركتهم فصلتهم معهم ورأت أنها يجزيها عن ركعتي الطواف، واستدل به على أن من نسي ركعتي الطواف قضاها، حيث ذكرها من حل أو حرم وهو قول الجمهور، نعم قال مالك: إن تباعد ورجع إلى بلده فعليه دم، وتعقبه ابن المنذر بأن ذلك ليس أكبر من صلاة مكتوبة، وليس على من تركها غير قضائها حيث ذكرها، وهو مردود بأن للحج
стр. 937
متعلقات، وأحكام تخصه لا دخل فيها للقياس، واستدل به ابن بطال وغيره على جواز إدخال الدواب التي يؤكل لحمها المسجد للحاجة؛ لأن بولها لا ينجسه بخلاف غيرها من الدواب، وتعقب بأنه ليس في الحديث دلالة على عدم الجواز مع عدم الحاجة بل ذلك دائر مع التلوث وعدمه، بحيث يخشى التلويث منع الإِدخال، وقد قيل: إن ناقته ﷺ كان مُنَوَّقَة، أي: مدربة معلمة، فيؤمن منها ما يحذر من التلويث وهي سائرة، ولعل بعير أم سلمة كان كذلك قيل: والحديث ظاهر في الدلالة على طهارة بول البعير وبعره ويقاس عليه بقية مأكول اللحم، والقول بأن الناقة منوقة لم يثبت إنما أبداه الحافظ احتمالًا وترجى أن (ق ٥١٣) بعير أم سلمة كذلك ممنوع، والحديث رواه البخاري عن الإسماعيلي والقعنبي والتنيسي ومسلم عن يحيى؛ الأربعة عن مالك به، كما قال الزرقاني.
قال محمد: وبهذا نأخذ، أي: إنما نعمل بما رواه محمد بن عبد الرحمن بن نوفل عن عروة بن الزبير لا بأس أي: لا حرج للمريض أي: ضعيف البدن وذي العلة أي: كالأعرج، والزمن ومن به وجع الرجل ونحوه من مغمى عليه أن يطوف بالبيت, محمولًا، أي: على إنسان أو دابة سواء كان رجل أو امرأة ولا كفارة عليه، أي: على المريض حيث يكون معذورًا، وأما إذا طاف راكبًا من غير عذر فيصح ويجب عليه دم عند أبي حنيفة؛ لأن المشي فيه من الواجبات عندنا، وهو أي: طواف المريض بالبيت راكبًا بلا كفارة عليه قولُ أبي حنيفة، والعامَّةِ من فقهائنا أي: من أتباع أبي حنيفة بن النعمان بن ثابت، رحمة الله عليه.
* * *
٤٧٧ - أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الله بن أبي بكر، عن ابن أبي مُلَيْكَة، أنَّ عمر بن الخطاب مَرَّ على امرأةٍ مَجْذُومَة تطوف بالبيت، فقال: يا أمَةَ الله، اقعدي في بيتك، ولا تؤذي الناس، فلما تُوُفِّي عمر بن الخطاب أتَتْ مكة، فقيل لها: هَلَكَ الذي كان يَنْهَاكِ عن الخروج، قالت: والله لا أُطِيعُهُ حَيّا وأعْصِيه مَيِّتًا.
стр. 938
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: قال: بنا أخبرنا عبد الله بن أبي بكر، بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري المدني القاضي، ثقة كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة خمس وثلاثين ومائة من الهجرة، وهو ابن سبعين سنة، كذا قاله ابن حجر (١) عن ابن أبي مُلَيْكَة، بضم الميم بالتصغير، يقال: اسمه زهير التيمي، مولى عبد الله بن جدعان، أدرك ثلاثين من الصحابة، كان ثقة فقيهًا، وكان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة، ومات سنة سبع عشرة ومائة من الهجرة أنَّ عمر بن الخطاب ﵁ مَرَّ على امرأةٍ مَجْذُومَة أي: أصابها داء الجزام، وهو بضم الجيم وبالذال المعجمة: مرض يشق الجلد ويقطع اللحم ويسقط تطوف بالبيت، أي: الكعبة المكرمة نافلة، على ما هو الظاهر من توجه النهي عليها فقال: أي: عمر يا أمَةَ الله، بفتح الهمزة وتخفيف الميم أي: جاريته اقعدي في بيتك، أي: فلا تخرجي منه ولا تؤذي الناس، أي: بريح الجزام بخروجك معهم وقربك منهم، إذ هو من العلل المعدية بحسب العادة الجارية عند بعض الناس، وقد ورد "فر من الجزام فرارك من الأسد" وهذا بالنسبة إلى العامة، وأما الخاصة الواصلة إلى مقام التوكل والنظر إلى مقام الوحدة والقائلة: من أعدى الأول فلا يبالون بمخالطتها ومؤاكلتها، فقد روى أبو داود (٢) وابن ماجه (٣) وابن حبان (٤) والحاكم (٥) وابن السني عن جابر: أن رسول الله ﷺ أخذ بيد مجزوم فوضعها معه في القصعة وقال: "كله ثقة بالله"، وفي رواية زيادة: "وتوكل عليه" فلما تُوُفِّي عمر بن الخطاب ﵁ أتَتْ مكة، فقيل لها: هَلَكَ أي: مات الذي كان يَنْهَاك عن الخروج، أي: الطواف ونحوه قالت: والله لا أُطِيعُهُ حَيّا وأعْصِيه مَيِّتًا أي: بل أطيعه حيًا وميتًا؛ لأنه أمر بحق لا يجوز نقض أمره إلا باجتهاد واحد يكون فوق قدرة، وهو مفقود غير موجود وهذا من المعلوم أن خروجها من غير أن يترتب إذا بان تطوف خفية في ليلة مظلمة غير ممنوع لها، ولا يحرم منه أن يجوز لها دخول مكة من غير إحرام، وهو
стр. 939
ينافي عموم الأحكام الشرعية، فيتعين حمل النهي على خروجها على طريق البر وذات العرفية، كذا قاله علي القاري.
لما فرغ من بيان حكم الطواف بالبيت راكبًا أو ماشيًا، شرع في بيان حكم استلام الركن، فقال: هذا
* * *
٤٠ - باب استلام الركن
في بيان حكم استلام الركن (ق ٥١٤)، أي: تقبيل الحجر الأسود فإنه الفرد الكامل الذي ينصرف إليه المطلق ويتبعه الركن اليماني، لما روى مالك عن هشام بن عروة عن أبيه أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: وهو يطوف بالبيت للركن الأسود: إنما أنت حجر، ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ قبلك ما قبلتك فقبله، وروى الحاكم عن أبي هارون العبدري عن أبي سعيد الخدري: حججنا مع عمر بن الخطاب، فلما طاف استقبل الحجر فقال: إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ قبلك ما قبلتك، ثم قبله فقال له علي بن أبي طالب: بلى إنه يضر وينفع، قال: بم؟ بكتاب الله تعالى في سورة الأعراف: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢]، خلق الله آدم ومسح، أي: مسح ملك من ملائكة الله تعالى على ظهره فقدرهم أنه الرب وأنهم العبيد، وأخذو عهودهم مواثيقهم وكتب ذلك في رق، وكان لهذا الحجر عينان ولسان فقال: افتح ففتح فاه فألقمه ذلك الرق، وقال: اشهد لمن وافاك بالموافاة يوم القيامة، وإني أشهد سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يؤتى يوم القيامة بالحجر الأسود، وله لسان ذلق يشهد لم يستلمه بالتوحيد"، فهو يا أمير المؤمنين يضر وينفع، فقال عمر: أعوذ بالله أن أعيش في قوم لست فيهم يا أبا الحسن ﵃. انتهى.
وبيان ذلك قال ابن عباس ﵄: مسح الله تعالى أي: مسح ملك (١) بأمره تعالى على ظهر آدم صلوات الله على نبينا وعليه، فأخرج أرواح ذريته من صلبه على
стр. 940
صورة الذر، بعضها أبيض وبعضها أسود وانتشروا على يمين آدم، صلوات الله على نبينا وعليه ويساره فجعل للأرواح عقلًا، فخاطبهم حين أشهدهم على أنفسهم بقوله: ﴿ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ وأمرهم بالإِيمان ونهاهم عن الكفر فأقروا لله تعالى بالربوبية ولأنفسهم بالعبودية، حيث قالوا: بلى فكان ذلك منهم إيمانًا فهم يولدون على تلك الفطرة، كما قاله أبو حنيفة رحمه الله تعالى في الفقه الأكبر، والمراد بالفطرة الإِيمان، جدد الله تعالى هذا العهد والميثاق، وذكر لنا هذا المنسى بإرسال الرسول، وأنزل القرآن وفرض على أغنياء المؤمنين حج البيت، ليحجوا به ويقبلوا الحجر الأسود ويجددوا عهودهم وميثاقهم السابق.
وروى جابر ﵁: أن رسول الله ﷺ لما قدم مكة أتى الحجر الأسود واستلمه. كذا في (المصابيح) وهو كان أبيض مضيئًا ما بين المشرق والمغرب، ثم صار أسود بخطايا بني آدم، وروى عبد الله بن عمر ﵄ أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الركن والمقام ياقوتتان من يواقيت الجنة، طمس الله نورهما ولو لم يطمس نورهما لأضاء ما بين المشرق والمغرب" (١) كذا أورده محيي السنة في (المصابيح).
والمراد بالركن: الحجر الأسود، وبالمقام: مقام إبراهيم صلوات الله على نبينا وعليه، وبالطمس: إذهاب النور، والتأويل الحسن أن فضل الحجر الأسود ومقام إبراهيم على سائر الأحجار كفضل ياقوت (ق ٥١٥) الجنة الباقية على ياقوت هذه الفانية.
٤٧٨ - أخبرنا مالك، حدثنا سعيد بن أبي سعيد المَقْبُري عن عُبيد بن جُريج، أنه قال لعبد الله بن عمر: يا أبا عبد الرحمن، رأيتك تصنع أربعًا؛ ما رأيتُ أحدًا من أصحابك يصنعها، قال: فما هنّ يا ابن جريج؟ قال: رأيتك لا تَمَسُّ من الأركان إلا اليمانَيْن، ورأيتك تلبس النعال السَّبْتية؛ ورأيتك تصبُغُ بالصفرة، ورأيتك إذا كنت بمكة أهلَّ الناس إذا رأوا الهلال ولم تهل أنت حتى يكون يوم التَّرْوِيَة.
стр. 941
قال عبد الله: أما الأركان؛ فإني لم أر رسول الله ﷺ يَمَسّ إلا اليمانَيْن، وأما النعال السِّبتية: فإني رأيتُ رسول الله ﷺ يلبس النعال التي ليس فيها شعر، ويتوضأُ فيها، أنا أحب أن ألبسها، وأما الصُّفرة: فإني رأيتُ رسول الله ﷺ يصبُغُ بها، وأنا أحبُ أن أصبغ بها، وأما الإِهلال، فإني لم أرّ رسول الله ﷺ يُهل حتى تنبعث به راحلته.
قال محمد: هذا كله حسن، ولا ينبغي أن يستلم من الأركان إلا الركن اليماني والْحَجَر، وهما اللذان استلمهما ابن عمر، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامَّةِ من فقهائنا.
• أخبرنا مالك، بن أنس بن عمير بن أبي عامر الإمام الأصبحي، كان منسوبًا إلى ملك ذي أصبح من ملوك اليمن، وكان في الطبقة السابعة من طبقات كبار أتباع التابعين من أهل المدينة، من الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي نسخة أخرى: أنا حدثنا سعيد بكسر العين وسكون التحتية ابن أبي سعيد اسمه كيسان المَقْبُري، بضم الباء الموحدة وفتحها، وهو المدني ثقة كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات في حدود العشرين ومائة عن عُبيد بن جُريج، بتصغيرها التيمي مولاهم المدني، ثقة كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة.
قال الحافظ: وليس بينه وبين عبد الملك بن العزيز بن جريج المكي مولى ابن أمية نسبة، فقد يظن أن هذا عنه، وليس كذلك وهذا من رواية الأقران عن الأقران؛ لأن عبيدًا أو سعيدًا تابعيًا من طبقة واحدة أنه أي: عبيد بن جريج قال لعبد الله بن عمر: يا أبا عبد الرحمن، كنية ابن عمر رأيتك تصنع أربعًا؛ أي: من الخصال ما رأيتُ أحدًا من أصحابك أي: أقرانك وأمثالك من الصحابة والتابعين والمراد بعضهم يصنعها، أي: تلك المعدودات الأربع لم يصنع مثل صنعك، وإن كان يصنع بعضهما.
قال المازري: وظاهر السياق انفراد ابن عمر ﵄ بما ذكر دون غيره ممن رواه عبيد قال: فما هنّ وفي نسخة: وما هي يا ابن جريج؟ بضم الجيم وفتح الراء المهملة وسكون التحتية والجيم هو عبيد قال: رأيتك لا تَمَسُّ بفتح الميم وتشديد السين المهملة أي لا تلمس باليد والقبلة ولا تستلم من الأركان الأربعة للكعبة إلا اليمانَيْن، أي: الركنين
стр. 942
اليمانين بتخفيف الياء؛ لأن الألف بدل من إحدى يائي النسب ولا يجمع بين البدل والمبدل منه، وفي لغة قليلة بتشديدها علي أن الألف زائدة لا بدل، والمراد بها الركن اليماني، والركن الذي فيه الحجر الأسود وهو الركن العراقي وظاهره أن غير ابن عمر من الصحابة الذين رآهم عبيد كانوا يستلمون الأركان كلها وصح ذلك عن معاوية وابن الزبير، وروي عن الحسن والحسين وجابر، ورواه ابن أبي شيبة عن عباد بن عبد الله بن الزبير أنه رأى أباه يستلم الأركان كلها، وقال: إنه ليس شيء من البيت مهجورًا، ومن قول ابن عمر ﵁ إنما نزل رسول الله ﷺ استلام الركنين الشاميين؛ لأن البيت لم يبق على قواعد إبراهيم، وعلي هذا أحمد بن القصار وتبعه ابن التين استلام ابن الزبير لهما أنه لما عَمَّر الكعبة أتمها على قواعد إبراهيم صلوات الله على نبينا وعليه، ويؤيده ما ذكره الأزرقي من أن ابن الزبير لما فرغ عن بنائها خرج إلى التنعيم واعتمر، وطاف البيت واستلم الأركان جميعًا حتى قبل ابن الزبير وعنده، عن ابن إسحاق بلغني أن آدم صلوات الله على نبينا وعليه، لما حج استلم الأركان كلها وأن إبراهيم وإسماعيل صلوات الله على نبينا وعليه فرغنا عن بناء البيت طافا به سبعًا يستلمان الأركان كلها، والجمهور على ما دل عليه حديث ابن عمر أنه لا يستلم إلا الركن الأسودي واليماني ورأيتك تلبس بفتح الموحدة (ق ٥١٦) النعال السَّبْتية؛ بكسر السين المهملة وسكون الموحدة، وهي التي لا شعر فيها وهي من السبت، وهي الحلق، والإِزالة، وقيل: سميت بذلك؛ لأنها سبغت بالدباغ أي: لانت وقيل: السبت كل جلد مدبغ، وقيل: جلود البقر مدبوغة كانت أو لا، وقيل: هو نوع من الدباغ يقلع الشعر، وقيل: النعل السبتية كانت سوداء لا شعر فيها.
وقال القاضي عياض: وكان من عادة العرب لبس النعال بشعرها غير مدبوغة، وكانت المدبوغة تعمل بالطائف وغيره، وإنما يلبسها أهل الرفاهية كذا ذكره السيوطي ورأيتك تصبُغُ بضم الموحدة وفتحها وحكى كسرها بالصفرة، بضم الصاد المهملة وسكون الفاء المهملة المفتوحة: والحناء، أي: تصبغ ثوبك أو شعرك بالصفرة ورأيتك إذا كنت أي: مستقر بمكة أهلَّ الناس أي: رفعوا أصواتهم بالتلبية للإِحرام بحج أو عمرة إذا رأوا الهلال أي: من أول شهر ذي الحجة ولم تهلل أنت بلامين بفك الإِدغام حتى يكون أي: يوجد، وفي رواية: كان أي: وجد يوم بالرفع فاعل يكون التامة والنصب خبر على أنها ناقصة يوم التَّرْوِيَة وهو ثامن من ذي الحجة، سمي به؛ لأن الناس كانوا يرون فيه الماء، أي:
стр. 943
يسقون دوابهم، ويحملونه معهم من مكة إلى عرفات ليستعملوه في الشرب وغيره، فتهل أنت وتبين جوابه أنه كان لا يهل حتى يركب قاصدًا إلى منى.
قال عبد الله: أي: ابن عمر في جوابه أما الأركان؛ التي ذكرتها وتخصص باستلام الركنين منها فسببه المتابعة فإني لم أر رسول الله ﷺ يَمَسّ أي: قبل إلا اليمانَيْن، أي: مع تفاوت الاستلام فيهما، فإن زاد التقبيل في الحجر دون اليمان، وفي رواية: وضع الجبهة أيضًا على الحجر خاصة، روى الحاكم وصححه عن ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ سجد على الحجر وروى ابن المنذر والحاكم، وصححه عن ابن عباس أيضًا أنه كان يقبله ويسجد عليه بجبهته وقال: رأيت عمر قبله وسجد عليه، ثم قال: رأيت رسول الله ﷺ فعل ذلك وفعلته، وأما استلام الركن اليماني من غير تقبيل فحسن في قول أبي حنيفة وأبي يوسف، وقال محمد: يفعل فيه كما يفعل بالحجر الأسود، ولا يستلم الركن العراقي والشامي، وعن الأئمة الأربعة خلافًا لبعض السلف، وتبعهم بعض أهل البدعة ولنا ما تقدم من الحديث، وقد رواه الجماعة إلا الترمذي، ولأن الركن العراقي والشامي ليسا بركن في الحقيقة، وإنما هي من وسط البيت؛ لأن بعض الحطيم من البيت وأما النعال السِّبتية أي: واختيار لبسها فإني رأيتُ رسول الله ﷺ يلبس النعال التي ليس فيها شعر، ويتوضأُ فيها، فيه إيماء إلى وجه امتياز ما لم يكن فيها شعر فأنا أحب أن ألبسها، أي: متابعة لمن لبسها وتوفي بعض الأحيان، وأما الصُّفرة أي: الصبغ بها (ق ٥١٧) فإني رأيتُ رسول الله ﷺ يصبُغُ بها وأنا أحبُ أن أصبغ بها.
قال المازري: قيل المراد به صبغ شعر رأسه بالحناء؛ فإنه ينفع الصداع ويقيد لدفع الحرارة ويثبت عنه ﷺ صبغة به، كما حرره علي القاري في (شرح الشمائل)، وقيل: المراد به صبغ الثوب.
قال المازري: وهو الأشبه؛ لأرة ينقل أنه صلى الله تعالى عليه وسلم صبغ شعره، وقال القاضي عياض: هو أظهر الوجهين، وقد جاءت آثار عن ابن عمر ﵁ بين فيها تصفير ابن عمر لحيته.
واحتج أنه ﷺ كان يصفر لحيته بالورس والزعفران. رواه أبو داود وذكر أيضًا في حديث آخر احتجاجه أنه ﷺ كان يصبغ بها ثيابه حتى عمامته، وأجيب عن الأول باحتمال أنه كان مما يتطيب؛ لأنه كان يصبغ بها شعره.
стр. 944
وقال ابن عبد البر: لم يكن ﷺ يصبغ بالصفرة إلا ثيابه، وأما الخضاب فلم يكن يخضب، وتعقبه في (المفهم) بأن في سنن أبي داود عن أبي رمثة قال: انطلقت مع أبي نحو النبي ﷺ فإذا هو ذو وقرة وفيها ردع من حناء، وعليه بردان أخضران قال لي العراقي: وكان ابن عبد البر إنما أراد نفي الخضاب في لحيته فقط. كذا قاله الزرقاني.
وأما الإِهلال، أي: الإِحرام من أول الهلال فتركته، وأخرته إلى يوم التروية فإني لم أرّ رسول الله ﷺ يُهل أي: يحرم مطلقًا بحج أو عمرة حتى تنبعث به راحلته أي: تستوي قائمة إلى طريقها والمعنى أنه ﷺ لم يكن يتقدم على زمان الإِحرام ولا على مكانه وأنه جوز التقديم بالشروط الواردة في شأنه؛ فإن اتبعه لا أتقدم عليه ولا أتأخر عنه، فإنه كمثال المتابعة.
قال محمد: هذا أي: الذي ذكر كله أي: جميعه حسن، أي: مستحسن، والاستحسان في اللغة هو عد الشيء واعتقاده حسنًا، وفي الاصطلاح: هو اسم لدليل من الأدلة الأربعة يعارض القياس الجلي ويعمل به إذا كان أقوى منه، سموه بذلك لأنه في الأغلب يكون أقوى من القياسِ الجلي فيكون به قياسًا مستحسنًا قال الله تعالى: في سورة الزمر: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ [الزمر: ١٧، ١٨] كذا قاله السيد الشريف (محمد الجرجاني الحنفي) ولا ينبغي أي: بل يكره أن يستلم من الأركان إلا الركن اليماني والْحَجَر، أي: أن استلام مما ينبغي أن لا يترك، وقدم اليماني وإن كان حقه التأخر إيماء إلى ما سيق من التغليب وهما اللذان استلمهما ابن عمر، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامَّةِ من فقهائنا أي: أتباع أبي حنيفة، وتبعه الأربعة، وعن ابن عباس وابن الزبير وجابر أن استلام الركنين الآخرين يستحب ويسميان الشاميين بتغليب الشامي على العراقي. كذا قاله علي القاري.
* * *
٤٧٩ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، أن عبد الله بن محمد بن أبي بكر الصديق، أخبر عبد الله بن عمر، عن عائشة، أن
стр. 945
رسول الله ﷺ قال: "ألم تَرَيْ: أن قومك حين بنوا الكعبة اقتصروا على قواعد إبراهيم؟ "، قالت: فقلتُ: يا رسول الله، أفلا تردها على قواعد إبراهيم، قالت: فقال: "لولا حِدْثان قومك، بالكُفر"، قالت: فقال عبد الله بن عمر: لئن كانت عائشة سمعت هذا من رسول الله ﷺ ، ما أرى رسول الله ﷺ ترك استلام الركنين اللذين يليان الحِجْر، إلا أن البيت لم يتم على قواعد إبراهيم.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي أخرى: أنا أخبرنا وفي نسخة: قال: بنا ابن شهاب، أي: محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين من أهل المدينة عن سالم بن عبد الله، بن عمر بن الخطاب القرشي العدوي، أبو عمر أبو عبد الله المدني، أحد الفقهاء السبعة كان ثبتًا (ق ٥١٨) عابدًا فاضلًا كان يشبه بأبيه في الهدي والسمت، وكان في الطبقة الثانية من طبقات كبار التابعين من أهل المدينة، مات سنة ست بعد المائة. كذا في (التقريب) (١) لابن حجر أن عبد الله بن محمد بن أبي بكر الصديق، التيمي أخبر القاسم بن محمد، ثقة كان في الطبقة الثالثة من طبقات ثقات التابعين، قتل بوقعة الحرة سنة ثلاث وستين. كذا قاله ابن حجر في (التقريب) (٢) أخبره عبد الله بن عمر، كذا ليحيى إيفاد.
قال الحافظ ابن حجر: بنصب عبد الله على المفعولية، أي: أخبر هو عبد الله، وظاهره أن سالمًا كان حاضرًا لذلك، والمحفوظ الأول، وقد رواه معمر عن الزهري عن سالم، لكنه اختصره. وأخرجه مسلم من رواية نافع عن عبد الله بن محمد بن أبي بكر عن عائشة، فتابع فيه عن عائشة، ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: "ألم تَرَيْ: مجزوم بحذف النون وفتح التاء الفوقية والراء المهملة وسكون التحتية، أي: ألم تعلمي أن قومك أي: قريشًا، وفيه تلطيف معها حيث نصب قريشًا إليها، وإيماء إلى بني هاشم أخص منهم وإن كانوا من قريش أيضًا حين بنوا الكعبة أي: حين أرادوا بنائها مجددة بعد خرابها اقتصروا على قواعد إبراهيم؟ " أي: أنقصوها عن أساسها حيث أخرجوا الحطيم عنها، لقلة النفقة والقواعد جمع قاعدة، وهي بمعنى الأساس، وفي النسخ المصحَّفة: اقتصروا
стр. 946
بالقاف، وهي لا تنبغي؛ لأن الاقتصار بكسر الهمزة وسكون القاف بمعنى الحبس، والاختصار بكسر الهمزة وسكون الخاء المعجمة والتاء الفوقية والصاد والراء المهملتين بمعنى التنقيص، ويؤيده كلمة عن في قواعد إبراهيم وهي ثلاثة أركان؛ لأنها شكلي مكعب، ولذلك سميت بالكعبة تشبيهًا بها، فإن قيل: ما الحكمة كان البيت في الوضع القديم مثل الشكل المكعب، وهي في الحقيقة ذات الركنين الحجر واليماني وأما الركن الشامي والعراقي فقد حدثا بسب التربيع لسر إلهي يعرفه العارفون.
الجواب: أما السر في كونها في الوضع القديم مثلث الشكل المكعب فإشارة إلى قلوب الأنبياء ﵈؛ فإن خواطرهم خواطر إلهي وخواطر ملكي وخواطر نفسي، أما السر في كونها في هذا الوضع القديم على الركنين الحجر واليماني والإِشارة إلا تفرده تعالى في مرتبة الذات ومرتبة الأسماء والصفات في كونها على أربعة أركان بالوضع الحادث، فإشارة إلى قلوب المؤمنين؛ لأن قلب المؤمن لا يخلو خواطر إلهي وملكي ونفساني وشيطاني فركن الحجر بمنزلة الخواطر الإِلهي واليماني بمنزلة المكي، والشامي بمنزلة النفساني، والركن العراقي بمنزلة الخاطر الشيطاني؛ لأن الشارع شرع أن يقال عنده: أعوذ بالله من الشقاق والنفاق وسوء الأخلاق، وبالذكر المشروع تعرف من ابن الأركان كما ذكره الشيخ الأكبر في (الفتوحات المكية).
اختلف في أول من بناها، فحكى المحب الطبري أن الله وضعها لا ببناء واحد، وللأزرقي (ق ٥١٩) عن علي بن الحسين أن الملائكة بنتها قبل آدم صلوات الله على نبينا وعليه، ولعبد الرزاق عن عطاء: أول من بني البيت آدم.
وعن وهب بن منبه: أول من بناها شيث بن آدم، وقيل: أول من بناها إبراهيم صلوات الله على نبينا وعليه، وجزم به كثير زاعمًا أنه أو من بناها مطلقًا إذا لم يثبت عن معصوم أنه كان مبنيًا قبله، ويقال عليه: لم يثبت عن معصوم أنه أول من بناها.
وقد روى البيهقي في (الدلائل) عن ابن عمر عن النبي ﷺ قصة بناء آدم لها ورواه الأزرقي وابن شيخ وابن عساكر موقوفًا على ابن عباس وحكمه الرفع أنه لا يقال رأيا. وأخرج الشافعي عن محمد بن كعب القرظي قال: حج آدم فلقيته الملائكة، فقالوا: بر نسكك يا آدم، ولابن أبي حاتم عن ابن عمر: أن البيت رفع في الطوفان، فكان الأنبياء بعد ذلك يحجونه، ولا يعلمون مكانه حتى بوأه الله لإِبراهيم فبناه على أساس آدم صلوات
стр. 947
الله على نبينا وعليه، وجعل طوله في السماء سبعة أذرع بذراعهم، وفي الأرض فلا يكن ذراعًا بذراعهم، وأدخل الحجر في البيت، ولم يجعل له سقفًا وجعل له بابًا وحفر له بئرًا عند بابه يلقى فيه ما يهدى للبيت، فهذه الأخبار إن كانت مفرداته ضعيفة لكن يقوي ببعضها بعضًا، وروى ابن أبي شيبة، وابن راهويه وابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي عن على أن بناء إبراهيم لبث ما شاء الله أن يلبث ثم انهدم فبنته العمالقة، ثم انهدم فبنته جرهم ثم بناه قصي بن كلاب نقله الزبير بن بكار وجزم به (الماوردي) ثم قريش فجعلوا ارتفاعها ثمانية عشر ذراعًا وفي رواية: عشرين، ولعل راويها جبر الكسر ونقصوا من طولها ومن عرضها أذرعًا أدخلوها في الحجر لضيق النفقة بهم على وجه الحلال من غير شبهة في صرف بنائها، ثم لما حوصر ابن الزبير من جهة يزيد بن معاوية تضعضعت بالرمي من المنجنيق فهدها في خلافته، وبناها على قواعد إبراهيم ﵇، فأعاد طولها على ما هو عليه الآن وأدخل من الحجر تلك الأذرع، وجعل لها بابًا آخر، فلما قتل ابن الزبير شاور الحجاج عبد الملك بن مروان في نقض بناء ابن الزبير فكتب إليه أما ما زاد في طولها فأقره، وأما ما زاده في الحجر فرده إلى بنائه وسد الباب الذي فتحه ففعل، كما في مسلم عن عطاء.
وذكر الفاكهاني: أن عبد الملك، ندم على إذنه للحجاج في هدمها ولعن الحجاج وبناء الحجاج إلى الآن.
ونقل ابن عبد البر: وتبعه القاضي عياض وغيره، أن الرشيد وأباه المهدي أوجده المنصور أراد أن يعيد الكعبة على فعلة ابن الزبير فناشده مالك وقال: أخشى أن تصير ملعبة للملوك فترك هذا بعينه خشية جدهم الأعلى عبد الله بن عباس ﵄ فإنه أشار على ابن الزبير لما أراد هدمها وتجديد بنائها وأن يرم ما وهي منها ولا يتعرض لها بزيادة ولا نقص؛ لا آمن من يجيء بعدك فيغير الذي صنعت أخرجه الفاكهاني، ولم يتفق لأحد من الخلفاء ولا غيرهم تغير شيء مما صنعه الحجاج إلى الآن (ق ٥٢٠) إلا في الميزاب والباب وعتبة، وكذا وقع ترميمهم الجدار والسقف وسلم السطح [. . . .] (*) جدد فيها الرخام.
قال ابن جريج: أول من فرشها بالرخام الوليد بن عبد الملك، وهو أي: الرخام بضم الراء المهملة وفتح الخاء المعجمة وألف بعدها ميم حجر مرمر أبيض لين كذا قاله محمد الواني عن (القاموس) قالت: أي: عائشة فقلتُ: يا رسول الله، أفلا تردها
стр. 948
فالهمزة للاستفهام والفاء عطف على تحب مقدرًا بعد الهمزة واللام للنفي، فالهمزة الإِنكارية إذا دخلت على النفي تفيد الإِثبات، والمسئول منه رد الكعبة المكرمة على أصل بناء إبراهيم ﵇ والمعنى الحب أن ترد الكعبة المشرفة على قواعد إبراهيم، أي: على أساسه قالت: فقال: أي: رسول الله ﷺ كما في (الموطأ) ليحيى "لولا حِدْثان بكسر الحاء المهملة وسكون الدال المهملة وفتح المثلثة فألف ونون مبتدأ حذف خبره وجوبًا، أي: موجود يعني لولا قرب زمن قومك بالكُفر"، لفعلت أي: لرددتها على قواعدها، كذا في نسخة الشارح و (الموطأ) لمالك، وأما عندي من النسخ فلم توجد لفظ: فعلت، فحينئذ تكون لفظ لولا للتمني، وفي رواية للشيخين: "لولا أن قومك حديث عهد بجاهلية لأمرت بهدم البيت، فأدخلت فيه ما أخرج منه والزقته بالأرض وجعلت له بابين بابًا شرقيًا وبابًا غربيًا فبلغت به أساس إبراهيم ﵇"، وفيه ترك ما هو صواب خوف وقوع مفسدة أشد واستئلاف الناس إلى الإِيمان، واجتناب ولي الأمر ما يسارع إلى إنكاره، وما يخشى منه تولد الضرر عليهم في دين أو دنيا، وإلف قلوبهم بما لا يُترك فيه واجب كما ساعدتهم على ترك الزكاة وشبه ذلك، وفيه تقديم الأهم من دفع المفسدة وجلب المصلحة وأنهما إذا تعارضا يرى رفع المفسدة، وحدث الرجل مع أهله في الأمور العامة، وفيه سد الذرائع وفي رواية للشيخين أخاف أن تنكر قلوبهم إذا دخل الجدار في البيت، وأن الصق بابه إلى الأرض قال: أي: عبد الله بن محمد بن أبي بكر الصديق فقال عبد الله بن عمر: لئن كانت عائشة ﵂ واللام توطئة للقسم والله لئن كانت عائشة سمعت هذا أي: قوله: "لولا حدثان قومك بالكفر" من رسول الله ﷺ .
قال القاضي عياض: ليس هذا شك في روايتها، فإنها من الحفظ والضبط بحيث لا يستراب فيما نقله ولكن كثيرًا من كلام العرب ما يأتي بصوِرة الشك مرادًا به اليقين والتقرير ومنه قوله تعالى في سورة الأنبياء: ﴿وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ﴾ [الأنبياء: ١١١] وقوله تعالى في سورة سبأ: ﴿قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي﴾ الآية [سبأ: ٥٠] ما أرى بضم الهمزة وفتح الراء أي ما أظن رسول الله ﷺ ترك استلام الركنين افتعال من الإِسلام والمراد هنا مهما بالقبلة أو اليد اللذين يليان بكسر اللام أي: يقربان الحِجْر، بكسر الحاء المهملة وسكون (ق ٥٢١) الجيم، وهو معروف على صفة نصف الدائرة وقدرها تسعة وثلاثون ذراعًا كذا ذكره علي القاري، ويقال له: حجر إسماعيل إلا أن البيت لم يتم على قواعد
стр. 949
إبراهيم ﵇ أي: لا يقع الركنان على وجه التمام على أساس إبراهيم، صلوات الله على نبينا وعليه فالموجود الآن من جهة الحجر نقض الجدار الذي بنته قريش، فلذا لم يستلم النبي ﷺ . كذا قاله الزرقاني (١).
لما فرغ من بيان حكم استلام الركن الحجر الأسود وتقبيله، شرع في بيان حكم الصلاة في الكعبة وبيان آداب دخولها، فقال: هذا
* * *
٤١ - باب الصلاة في الكعبة ودخولها
في بيان حكم الصلاة في الكعبة، وبيان آداب دخولها وآداب فتحها، والمناسبة بين هذا الباب والباب السابق المساس بها من خارجها وداخلها على التعظيم.
٤٨٠ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن عبد الله بن عمر، أن رسول الله ﷺ : دخل الكعبة هو وأسامة بن زيد، وبلال، وعثمان بن طلحة الحجبي فأغلقها عليه، ومكث فيها، قال عبد الله: فسألتُ بلالًا حين خرجوا ماذا صنع رسول الله ﷺ ؟ قال: جعل عمودًا عن يساره، وعمودين عن يمينه، وثلاثة أعمدة وراءَه، ثم صلى، وكان البيت يومئذٍ على ستة أعمدة.
قال محمد: وبهذا نأخذ، الصلاة في الكعبة حسنة جميلة، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامَّةِ من فقهائنا.
• أخبرنا مالك، بن أنس بن عمير بن عامر الإِمام الأصبحي، يعني منسوب إلى ملك ذي أصبح من ملوك اليمن، وكان في الطبقة السابعة من طبقات كبار التابعين من أهل المدينة، التي كانت في الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة على وجه الأرض، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي أخرى: أنا أخبرنا وفي نسخة: عن نافع، بن عبد الله المدني، مولى ابن عمر ثقة ثبت فقيه مشهور، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة،
стр. 950
ومات سنة سبع عشرة ومائة أو بعد ذلك من الهجرة كذا قاله ابن حجر عن عبد الله بن عمر، بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله ﷺ : دخل الكعبة أي: عام الفتح، كما في البخاري في (الجهاد) عن يونس بن يزيد عن نافع عن ابن عمر: أقبل النبي ﷺ يوم الفتح من أعلى مكة، وله في (المغازي) عن فليح عن نافع، وهو مردف أسامة على القصواء ثم اتفق ومعه بلال وعثمان بن طلحة حتى أناخ في المسجد، وفي رواية فليح: عند البيت فدخل، ولمسلم وعبد الرزاق عن أيوب عن نافع: ثم دعا عثمان بن طلحة بالمفتاح فذهب إلى أمه فأبت أن تعطيه، فقال: والله لتعطينه أو لأخرجن هذا السيف من صلبي، فلما رأت ذلك أعطيته فجاء به إلى رسول الله ﷺ ففتح الباب وظهر من رواته فليح أن فاعل فتح هو عثمان المذكور، ولكن روى القاري من طريق ضعيف عن ابن عمر قال: كان بنو أبي طلحة بن عون أنه لا يستطيع أحد فتح الكعبة غيرهم فأخذ رسول الله ﷺ المفتاح ففتحها بيده ودخل هو وأسامة بن زيد بن حارثة الكلبي الحب بن الحب الخليق كل منهما للإِمارة بالنص النبوي المختص أبوه بأن الله تعالى لم يصرح في كتابه باسم أحد من الصحابة سوى زيد البدري وبلال، أي: ابن رباح بفتح الراء المهملة والموحدة الخفيفة أحد السابقين الأولين وعثمان بن طلحة أي: ابن أبي طلحة بن عبد العزى بن عبد الدار بن قصي بن كلاب القرشي الحجبي بفتح الحاء المهملة والجيم وتشديد التحتية نسبة إلى جماعة الكعبة أي: بوابها؛ ولذا يقال لأهل بيته الحجبية ويعرفون بالشيبيين نسبة إلى شيبة بن عثمان بن أبي طلحة، هو ابن عم عثمان هذا لا ولده، وله أيضًا صحبة ورواية زاد مسلم (ق ٥٢٢) من طريق آخر: ولم يدخلها معهم أحد.
وللنسائي عن عوف عن نافع زيادة الفضل بن عباس، ولأحمد عن ابن عباس: حدثني أخي الفضل وكان معه حين دخلها فأغلقها، أي: عثمان أو بلال عليه أي: النبي ﷺ خوفًا من الازدحام ولبعض رواة (الموطأ) لمالك: فأغلقها بضمير التثنية لعثمان وبلال، وفي رواية: فأغلقوا عليهم الباب، وجمع بينها بأن عثمان هو المباشر لذلك؛ لأنه وظيفته ولعل بلالا ساعده في ذلك ورواية الجمع يدخل فيها الأمر بذلك والراضي به، زاد أبو عوانة: من دخل ومكث فيها، بفتح الكاف وضمها أي: لبث النبي ﷺ في الكعبة على طريق الإعظام، زاد يونس بن يزيد نهارًا طويلًا وفليح زمانًا بدل نهارًا وفي رواية جويرية عن نافع: فأطال، ولمسلم عن ابن عوف عن نافع: فمكث فيها مليًا أي: زمانًا، وعن