بالقاف، وهي لا تنبغي؛ لأن الاقتصار بكسر الهمزة وسكون القاف بمعنى الحبس، والاختصار بكسر الهمزة وسكون الخاء المعجمة والتاء الفوقية والصاد والراء المهملتين بمعنى التنقيص، ويؤيده كلمة عن في قواعد إبراهيم وهي ثلاثة أركان؛ لأنها شكلي مكعب، ولذلك سميت بالكعبة تشبيهًا بها، فإن قيل: ما الحكمة كان البيت في الوضع القديم مثل الشكل المكعب، وهي في الحقيقة ذات الركنين الحجر واليماني وأما الركن الشامي والعراقي فقد حدثا بسب التربيع لسر إلهي يعرفه العارفون.
الجواب: أما السر في كونها في الوضع القديم مثلث الشكل المكعب فإشارة إلى قلوب الأنبياء ﵈؛ فإن خواطرهم خواطر إلهي وخواطر ملكي وخواطر نفسي، أما السر في كونها في هذا الوضع القديم على الركنين الحجر واليماني والإِشارة إلا تفرده تعالى في مرتبة الذات ومرتبة الأسماء والصفات في كونها على أربعة أركان بالوضع الحادث، فإشارة إلى قلوب المؤمنين؛ لأن قلب المؤمن لا يخلو خواطر إلهي وملكي ونفساني وشيطاني فركن الحجر بمنزلة الخواطر الإِلهي واليماني بمنزلة المكي، والشامي بمنزلة النفساني، والركن العراقي بمنزلة الخاطر الشيطاني؛ لأن الشارع شرع أن يقال عنده: أعوذ بالله من الشقاق والنفاق وسوء الأخلاق، وبالذكر المشروع تعرف من ابن الأركان كما ذكره الشيخ الأكبر في (الفتوحات المكية).
اختلف في أول من بناها، فحكى المحب الطبري أن الله وضعها لا ببناء واحد، وللأزرقي (ق ٥١٩) عن علي بن الحسين أن الملائكة بنتها قبل آدم صلوات الله على نبينا وعليه، ولعبد الرزاق عن عطاء: أول من بني البيت آدم.
وعن وهب بن منبه: أول من بناها شيث بن آدم، وقيل: أول من بناها إبراهيم صلوات الله على نبينا وعليه، وجزم به كثير زاعمًا أنه أو من بناها مطلقًا إذا لم يثبت عن معصوم أنه كان مبنيًا قبله، ويقال عليه: لم يثبت عن معصوم أنه أول من بناها.
وقد روى البيهقي في (الدلائل) عن ابن عمر عن النبي ﷺ قصة بناء آدم لها ورواه الأزرقي وابن شيخ وابن عساكر موقوفًا على ابن عباس وحكمه الرفع أنه لا يقال رأيا. وأخرج الشافعي عن محمد بن كعب القرظي قال: حج آدم فلقيته الملائكة، فقالوا: بر نسكك يا آدم، ولابن أبي حاتم عن ابن عمر: أن البيت رفع في الطوفان، فكان الأنبياء بعد ذلك يحجونه، ولا يعلمون مكانه حتى بوأه الله لإِبراهيم فبناه على أساس آدم صلوات
стр. 947
الله على نبينا وعليه، وجعل طوله في السماء سبعة أذرع بذراعهم، وفي الأرض فلا يكن ذراعًا بذراعهم، وأدخل الحجر في البيت، ولم يجعل له سقفًا وجعل له بابًا وحفر له بئرًا عند بابه يلقى فيه ما يهدى للبيت، فهذه الأخبار إن كانت مفرداته ضعيفة لكن يقوي ببعضها بعضًا، وروى ابن أبي شيبة، وابن راهويه وابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي عن على أن بناء إبراهيم لبث ما شاء الله أن يلبث ثم انهدم فبنته العمالقة، ثم انهدم فبنته جرهم ثم بناه قصي بن كلاب نقله الزبير بن بكار وجزم به (الماوردي) ثم قريش فجعلوا ارتفاعها ثمانية عشر ذراعًا وفي رواية: عشرين، ولعل راويها جبر الكسر ونقصوا من طولها ومن عرضها أذرعًا أدخلوها في الحجر لضيق النفقة بهم على وجه الحلال من غير شبهة في صرف بنائها، ثم لما حوصر ابن الزبير من جهة يزيد بن معاوية تضعضعت بالرمي من المنجنيق فهدها في خلافته، وبناها على قواعد إبراهيم ﵇، فأعاد طولها على ما هو عليه الآن وأدخل من الحجر تلك الأذرع، وجعل لها بابًا آخر، فلما قتل ابن الزبير شاور الحجاج عبد الملك بن مروان في نقض بناء ابن الزبير فكتب إليه أما ما زاد في طولها فأقره، وأما ما زاده في الحجر فرده إلى بنائه وسد الباب الذي فتحه ففعل، كما في مسلم عن عطاء.
وذكر الفاكهاني: أن عبد الملك، ندم على إذنه للحجاج في هدمها ولعن الحجاج وبناء الحجاج إلى الآن.
ونقل ابن عبد البر: وتبعه القاضي عياض وغيره، أن الرشيد وأباه المهدي أوجده المنصور أراد أن يعيد الكعبة على فعلة ابن الزبير فناشده مالك وقال: أخشى أن تصير ملعبة للملوك فترك هذا بعينه خشية جدهم الأعلى عبد الله بن عباس ﵄ فإنه أشار على ابن الزبير لما أراد هدمها وتجديد بنائها وأن يرم ما وهي منها ولا يتعرض لها بزيادة ولا نقص؛ لا آمن من يجيء بعدك فيغير الذي صنعت أخرجه الفاكهاني، ولم يتفق لأحد من الخلفاء ولا غيرهم تغير شيء مما صنعه الحجاج إلى الآن (ق ٥٢٠) إلا في الميزاب والباب وعتبة، وكذا وقع ترميمهم الجدار والسقف وسلم السطح [. . . .] (*) جدد فيها الرخام.
قال ابن جريج: أول من فرشها بالرخام الوليد بن عبد الملك، وهو أي: الرخام بضم الراء المهملة وفتح الخاء المعجمة وألف بعدها ميم حجر مرمر أبيض لين كذا قاله محمد الواني عن (القاموس) قالت: أي: عائشة فقلتُ: يا رسول الله، أفلا تردها
стр. 948
فالهمزة للاستفهام والفاء عطف على تحب مقدرًا بعد الهمزة واللام للنفي، فالهمزة الإِنكارية إذا دخلت على النفي تفيد الإِثبات، والمسئول منه رد الكعبة المكرمة على أصل بناء إبراهيم ﵇ والمعنى الحب أن ترد الكعبة المشرفة على قواعد إبراهيم، أي: على أساسه قالت: فقال: أي: رسول الله ﷺ كما في (الموطأ) ليحيى "لولا حِدْثان بكسر الحاء المهملة وسكون الدال المهملة وفتح المثلثة فألف ونون مبتدأ حذف خبره وجوبًا، أي: موجود يعني لولا قرب زمن قومك بالكُفر"، لفعلت أي: لرددتها على قواعدها، كذا في نسخة الشارح و (الموطأ) لمالك، وأما عندي من النسخ فلم توجد لفظ: فعلت، فحينئذ تكون لفظ لولا للتمني، وفي رواية للشيخين: "لولا أن قومك حديث عهد بجاهلية لأمرت بهدم البيت، فأدخلت فيه ما أخرج منه والزقته بالأرض وجعلت له بابين بابًا شرقيًا وبابًا غربيًا فبلغت به أساس إبراهيم ﵇"، وفيه ترك ما هو صواب خوف وقوع مفسدة أشد واستئلاف الناس إلى الإِيمان، واجتناب ولي الأمر ما يسارع إلى إنكاره، وما يخشى منه تولد الضرر عليهم في دين أو دنيا، وإلف قلوبهم بما لا يُترك فيه واجب كما ساعدتهم على ترك الزكاة وشبه ذلك، وفيه تقديم الأهم من دفع المفسدة وجلب المصلحة وأنهما إذا تعارضا يرى رفع المفسدة، وحدث الرجل مع أهله في الأمور العامة، وفيه سد الذرائع وفي رواية للشيخين أخاف أن تنكر قلوبهم إذا دخل الجدار في البيت، وأن الصق بابه إلى الأرض قال: أي: عبد الله بن محمد بن أبي بكر الصديق فقال عبد الله بن عمر: لئن كانت عائشة ﵂ واللام توطئة للقسم والله لئن كانت عائشة سمعت هذا أي: قوله: "لولا حدثان قومك بالكفر" من رسول الله ﷺ .
قال القاضي عياض: ليس هذا شك في روايتها، فإنها من الحفظ والضبط بحيث لا يستراب فيما نقله ولكن كثيرًا من كلام العرب ما يأتي بصوِرة الشك مرادًا به اليقين والتقرير ومنه قوله تعالى في سورة الأنبياء: ﴿وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ﴾ [الأنبياء: ١١١] وقوله تعالى في سورة سبأ: ﴿قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي﴾ الآية [سبأ: ٥٠] ما أرى بضم الهمزة وفتح الراء أي ما أظن رسول الله ﷺ ترك استلام الركنين افتعال من الإِسلام والمراد هنا مهما بالقبلة أو اليد اللذين يليان بكسر اللام أي: يقربان الحِجْر، بكسر الحاء المهملة وسكون (ق ٥٢١) الجيم، وهو معروف على صفة نصف الدائرة وقدرها تسعة وثلاثون ذراعًا كذا ذكره علي القاري، ويقال له: حجر إسماعيل إلا أن البيت لم يتم على قواعد
стр. 949
إبراهيم ﵇ أي: لا يقع الركنان على وجه التمام على أساس إبراهيم، صلوات الله على نبينا وعليه فالموجود الآن من جهة الحجر نقض الجدار الذي بنته قريش، فلذا لم يستلم النبي ﷺ . كذا قاله الزرقاني (١).
لما فرغ من بيان حكم استلام الركن الحجر الأسود وتقبيله، شرع في بيان حكم الصلاة في الكعبة وبيان آداب دخولها، فقال: هذا
* * *
٤١ - باب الصلاة في الكعبة ودخولها
في بيان حكم الصلاة في الكعبة، وبيان آداب دخولها وآداب فتحها، والمناسبة بين هذا الباب والباب السابق المساس بها من خارجها وداخلها على التعظيم.
٤٨٠ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن عبد الله بن عمر، أن رسول الله ﷺ : دخل الكعبة هو وأسامة بن زيد، وبلال، وعثمان بن طلحة الحجبي فأغلقها عليه، ومكث فيها، قال عبد الله: فسألتُ بلالًا حين خرجوا ماذا صنع رسول الله ﷺ ؟ قال: جعل عمودًا عن يساره، وعمودين عن يمينه، وثلاثة أعمدة وراءَه، ثم صلى، وكان البيت يومئذٍ على ستة أعمدة.
قال محمد: وبهذا نأخذ، الصلاة في الكعبة حسنة جميلة، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامَّةِ من فقهائنا.
• أخبرنا مالك، بن أنس بن عمير بن عامر الإِمام الأصبحي، يعني منسوب إلى ملك ذي أصبح من ملوك اليمن، وكان في الطبقة السابعة من طبقات كبار التابعين من أهل المدينة، التي كانت في الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة على وجه الأرض، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي أخرى: أنا أخبرنا وفي نسخة: عن نافع، بن عبد الله المدني، مولى ابن عمر ثقة ثبت فقيه مشهور، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة،
стр. 950
ومات سنة سبع عشرة ومائة أو بعد ذلك من الهجرة كذا قاله ابن حجر عن عبد الله بن عمر، بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله ﷺ : دخل الكعبة أي: عام الفتح، كما في البخاري في (الجهاد) عن يونس بن يزيد عن نافع عن ابن عمر: أقبل النبي ﷺ يوم الفتح من أعلى مكة، وله في (المغازي) عن فليح عن نافع، وهو مردف أسامة على القصواء ثم اتفق ومعه بلال وعثمان بن طلحة حتى أناخ في المسجد، وفي رواية فليح: عند البيت فدخل، ولمسلم وعبد الرزاق عن أيوب عن نافع: ثم دعا عثمان بن طلحة بالمفتاح فذهب إلى أمه فأبت أن تعطيه، فقال: والله لتعطينه أو لأخرجن هذا السيف من صلبي، فلما رأت ذلك أعطيته فجاء به إلى رسول الله ﷺ ففتح الباب وظهر من رواته فليح أن فاعل فتح هو عثمان المذكور، ولكن روى القاري من طريق ضعيف عن ابن عمر قال: كان بنو أبي طلحة بن عون أنه لا يستطيع أحد فتح الكعبة غيرهم فأخذ رسول الله ﷺ المفتاح ففتحها بيده ودخل هو وأسامة بن زيد بن حارثة الكلبي الحب بن الحب الخليق كل منهما للإِمارة بالنص النبوي المختص أبوه بأن الله تعالى لم يصرح في كتابه باسم أحد من الصحابة سوى زيد البدري وبلال، أي: ابن رباح بفتح الراء المهملة والموحدة الخفيفة أحد السابقين الأولين وعثمان بن طلحة أي: ابن أبي طلحة بن عبد العزى بن عبد الدار بن قصي بن كلاب القرشي الحجبي بفتح الحاء المهملة والجيم وتشديد التحتية نسبة إلى جماعة الكعبة أي: بوابها؛ ولذا يقال لأهل بيته الحجبية ويعرفون بالشيبيين نسبة إلى شيبة بن عثمان بن أبي طلحة، هو ابن عم عثمان هذا لا ولده، وله أيضًا صحبة ورواية زاد مسلم (ق ٥٢٢) من طريق آخر: ولم يدخلها معهم أحد.
وللنسائي عن عوف عن نافع زيادة الفضل بن عباس، ولأحمد عن ابن عباس: حدثني أخي الفضل وكان معه حين دخلها فأغلقها، أي: عثمان أو بلال عليه أي: النبي ﷺ خوفًا من الازدحام ولبعض رواة (الموطأ) لمالك: فأغلقها بضمير التثنية لعثمان وبلال، وفي رواية: فأغلقوا عليهم الباب، وجمع بينها بأن عثمان هو المباشر لذلك؛ لأنه وظيفته ولعل بلالا ساعده في ذلك ورواية الجمع يدخل فيها الأمر بذلك والراضي به، زاد أبو عوانة: من دخل ومكث فيها، بفتح الكاف وضمها أي: لبث النبي ﷺ في الكعبة على طريق الإعظام، زاد يونس بن يزيد نهارًا طويلًا وفليح زمانًا بدل نهارًا وفي رواية جويرية عن نافع: فأطال، ولمسلم عن ابن عوف عن نافع: فمكث فيها مليًا أي: زمانًا، وعن
стр. 951
أيوب: عن نافع: فمكث فيها ساعة، والنسائي فوجدت شيئًا فذهبت ثم جئت سريعًا فوجدت النبي ﷺ خارجًا منها قال عبد الله أي: ابن عمر فسألتُ بلالًا ولمسلم من وجه آخر بلال أو عثمان بن طلحة بالشك، والمحفوظ أنه سأل بلالًا، كما رواه الجمهور، ولأبي يعلى عن عبد الرحمن بن العلاء عن ابن عمر: أنه سأل بلالًا وأسامة بن زيد، ولأحمد والطبراني أنه سأل أسامة، ولمسلم والطبراني فقلت: أين صلى؟ فقالوا: فإن كان محفوظًا حمل على أنه ابتداء بلال بالسؤال، ثم أراد زيادة الاستثبات فسأل عثمان وأسامة بن زيد ويؤيده قوله في رواية لمسلم بالشك، وكأنه لا يقف على بقية الروايات حين خرجوا أي: كلهم منها، وفي رواية: ثم خرجوا فابتدر الناس الدخول فسبقتهم وفي رواية أخرى: وكنت رجلًا قويًا فبادرت الناس فبدرتهم، وفي رواية أخرى: كنت أول الناس ولج على أثره، وفي رواية أخرى: فرقيت الدرجة فدخلت البيت، وفي رواية مجاهد عن ابن عمر واجد بلالًا قائمًا بين البابين فسألته ماذا صنع رسول الله ﷺ ؟ أي: في الكعبة وللصحيحين: عن سالم، عن أبيه فسأله هل صلى فيه؟ قال: نعم، وفي رواية: فسألته أين صلى؟ فظهر أنه سأل أولًا هل صلى أم لا؟ ثم سأل عن موضع صلاته قال: جعل عمودًا بالإِفراد أي: من أعمدة الكعبة واسطواناتها عن يساره، وعمودين عن يمينه، وثلاثة أعمدة وراءَه، هكذا روى يحيى الأندلسي، ويحيى النيسابوري، والشافعي وابن مهدي في إحدى الروايتين عنهما جعل عمودين عن يمينه، وعمودًا عن يساره بتثنية الأول وإفراد الثاني، عكس الرواية الأولى، والجمع باحتمال تعدد الواقعة بعيد لا تحاد مخرج الحديث، ورجح البيهقي الرواية الثانية، وكان توجيهها معًا ثم صلى، أي: الركعتين قريبًا من الباب الغربي المسدود بها وكان البيت يومئذٍ على ستة أعمدة أما على رواية عبد الله بن يوسف والجمهور بإفراد عمود فيها فمشكل من قوله: وكان البيت. . . إلخ لأنه يشعر بأن ما عن يمينه أو يساره اثنان وجمع بأنه حيث (ق ٥٢٣) ثنى أشار إلى ما صار إليه بعد ذلك ويرشد إليه قوله: وكان البيت يومئذ؛ لأنه يشعر بأنه تغير هيئته الأولى.
وقال الكرماني: لفظ عمود جنس يحتمل الواحد والاثنين مجمل بينته رواية التثنية، ويحتمل أن تكون الأعمدة على سمت واحد بل ثنا على سمت، والثالث على غير سمتهما ويشعر به رواية البخاري عن جويرية عن نافع عن ابن عمر: صلى بين العمودين المقدمين قال الحافظ العسقلاني: ويؤيده أيضًا رواية مجاهد عن ابن عمر بلفظ: بين
стр. 952
الساريتين اللتين عن يسار الداخل، وهو صريح في أنه هذا لا عمودان على اليسار وأنه ﷺ بينهما فإنه يحتمل أنه كان ثم عمودًا أخر على اليمين، لكنه بعيد وعلى غير سمت العمودين، فيصح رواية جعل على يمينه عمودين، ورواية جعل عمودًا عن يمينه.
قال الكرماني تبعًا لغيره: ويجوز هناك ثلاثة أعمدة، فصلى إلى جنب الأوسط فمن قال جعل عمودًا عن يمينه وعمودًا عن يساره لم يعتبر الذي صلى إلى جانبه كذا قاله الزرقاني.
قال محمد: وبهذا نأخذ، أي: نعمل بما رواه نافع عن ابن عمر الصلاة فرضًا أو نفلًا في الكعبة هي اسم المعرضة التي هي قبلة للناس، واسم لهوائها إلى عنان السماء لا يرى أنه لو صلى أبي قبيس لجاز، ولا بناء بين يديه ولا سترة، وليست رسمًا للبناء بأن الحيطان لو وضعت في موضع آخر فصلى إليها لا تجوز كذا في العناية حسنة جميلة، أي: غاية الجمالة وهو قولُ أبي حنيفة، والعامَّةِ من فقهائنا وقال مالك: لا نجوز الفرض فيها ولعل وجه منعه أنه مستقبل من وجه ومستدبر من وجه آخر فتدبر، كذا قال علي القاري.
لما فرغ من بيان حكم الصلاة في الكعبة والدخول بها، شرع في بيان الحج عن الغير نيابة، فقال: هذا
* * *
باب الحج عن الميت أو عن الشيخ الكبير
في بيان جواز الحج عن الميت، وعن الشيخ الكبير بطريقة النيابة كلمة "أو" للتنويع بأن النيابة بالحج عن الميت أو عن المريض الذي لا يرجى زوال مرضه جائرة، أشار المصنف ﵀ بهذه الترجمة إلى مذهب أهل السنة والجماعة، فعندهم أن الإِنسان يجوز له أن يجعل ثواب عمله لغيره سواء كان صلاة أو صومًا أو صدقة أو قراءة قرآنًا أو ذكرًا أو طوافًا أو حجًا أو عمرة أو غير ذلك.
بدليل قوله تعالى في سورة بني إسرائيل: ﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٤] يخبر تعالى عن ملائكة في سورة غافر: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ [غافر: ٧] بدليل أحاديث كثيرة،
стр. 953
منها في الصحيحين (١) حين ضحى رسول الله ﷺ بكبشين فجعل أحدهما عن أمته وهو مشهور، وسيجيء تفصيله في كتاب الضحايا وما يجزئ منها إن شاء الله تعالى، ومنها ما رواه أبو دواد (٢) أنه ﷺ قال: "اقرؤوا على موتاكم سورة يس حينئذ"، فليس قوله تعالى في سورة النجم: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩] على ظاهره، وفيه تأويلات أقر بها ما اختاره المحقق الكمال بن الهمام أنها مقيدة بهبة العامل يعني ليس للإِنسان (ق ٥٢٤) من سعي غيره نصيب إلا إذا وهب له وحينئذ يكون، فإن قلت: ما الجواب عن قوله ﷺ : "لا يصوم أحد عن أحد، ولا يصلي أحد عن أحد" قلنا: أجيب عنه بأنه في الخروج عن العهدة لا في حق الثواب إليهم عند أهل السنة والجماعة قال التمرتاشي في (منح الغفار) عن شيخه صاحب (بحر الرائق): والظاهر أنه لا فرق بين أن ينوي عند الفعل للغير أو يفعله لنفسه ثم بعد ذلك يجعل ثوابه لغيره لإِطلاق كلامهم. انتهى.
اعلم أن العبادة المالية كالزكاة وصدقة الفطر والأضحية تقبل النيابة مطلقًا أي: سواء كانت في حالة القدرة أو العجز؛ لأن المقصود يحصل بفعل النائب، فالمعتبر نية الموكل لا نية الوكيل، وأما العبادة البدنية كالصلاة والصوم والاعتكاف فلا تقبل النيابة فيها مطلقًا أي: سواء كانت في حالة العجز أو في حالة القدرة، وأما العبادة المركبة من البدن والمال كالحج فتقبل النيابة عند العجز فقط بشرط دوام العجز للأمر عن الحج بنفسه إلى موته فتجوز نيابة المأمور الحج عن العاجز ويقول المأمور عند الإِحرام بعد الركعتين: لبيك بحجة عن فلان والأعمال بالنيات كما أشبعناه في (سلم الفلاح شرح نور الإِيضاح).
٤٨١ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، أن سليمان بن يسار، أخبره أن عبد الله بن عباس أخبره، قال: كان الفضل بن عباس رَدِيف رسول الله ﷺ , قال: فأتت امرأة من خَثْعَم تستفتيه، قال: فجعل الفضل ينظر إليها، وتنظر إليه، قال: وجعل رسول الله ﷺ يصرف وجه الفضل بيده إلى الشق الآخر،
стр. 954
قالت: يا رسول الله، إن فريضة الله جلَّ وعزَّ على عباده في الحج أدركت أبي شيخًا كبيرًا، لا يستطيع أن يثبت على الراحلة، أفأحجُ عنه؟ قال: "نعم"، وذلك في حَجَةِ الوداع.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي أخرى: أنبا أخبرنا وفي نسخة: قال: بنا، وفي نسخة: أخرى: أنا رمزًا، إلى أخبرنا ابن شهاب، أي: محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، التابعي كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين، من أهل المدينة قال أي: ابن شهاب كما في نسخة أن سليمان بن يسار، الهلالي المدني مولى ميمونة، وقيل: مولى أم سلمة ثقة فاضل أحد الفقهاء السبعة، وكان في الطبقة الثالثة من طبقات كبار التابعين من أهل المدينة، ومات بعد المائة وقيل قبلها، قاله ابن حجر أخبره أي: ابن شهاب أن عبد الله بن عباس ﵄ أخبره، أي: سليمان بن يسار قال: كان الفضل بن عباس وهو أكبر ولده، وبه يكنى أبوه استشهد في خلافة عمر قال الترمذي: سألت محمدًا يعني البخاري عن هذا فقال: أصح شيء هنا ما روى عن ابن عباس عن الفضل.
قال محمد: ويحتمل أن يكون ابن عباس سمعه من الفضل وغيره ثم رواه بلا واسطة. انتهى. وكأنه رجح هذا؛ لأن الفضل كان رديف المصطفى حينئذ، وكان عبد الله قد تقدم من مزدلفة إلى منى مع الضعفة، فكان الفضل حدث أخاه بما شاهده في تلك الحالة، لكن عند أحمد والترمذي أن العباس كان حاضرًا فلا مانع أن عبد الله كان معه محملة تارة عن أخيه وتارة حدث به عن مشاهدة فقال: كان الفضل رَدِيف رسول الله ﷺ ، أي: راكبًا خلفه، زاد البخاري من رواية شعيب عن الزهري: على عجز راحلته، وفيه جواز الإِرداف، وهو من التواضع، ولا خلاف فيه إذا أطاقته الدابة والرجل الجليل جميل به والارتداف والأنفة من متجبر وتكبر كذا قاله ابن عمر قال: أي: عبد الله بن عباس فأتت أي: فجاءت امرأة وهي أسماء بنت عميس من المهاجرات (ق ٥٢٥) من خَثْعَم بفتح الخاء المعجمة وسكون المثلثة وفتح العين المهملة غير مصروف للعلمية والتأنيث، باعتبار القبيلة للعلمية ووزن الفعل قبيلة مشهورة وسميت باسم جدها، واسمه أفتل بن أنمار قال ابن العباس عن أبيه: إنما سمي خثعم. يحمل يقال له: خثعم، ويقال: إنه لما تحالف ولد أفتل على أخوته نحروا بعيرًا ثم تخثعموا بدمه أي: تلطخوا به بلغتهم تستفتيه، أي: تسأله عن مسألة قال: أي: عبد الله وجعل أي: شرع رسول الله ﷺ -
стр. 955
يصرف أي: يدير وجه الفضل أي: عنها بيده إلى الشق الآخر، بكسر الشين المعجمة وتشديد القاف بمعنى الجانب، وإنما يصرف النبي ﷺ بيده وجه الفضل إنكارًا باليد فإنه أقوى من اللسان؛ ولأنه أبلغ في هذا الشأن لاشتماله على امتناع كل منهما عن العصيان.
قال ابن عبد البر: وتبعه القاضي عياض فيه ما يلزم الأئمة من تغيير ما يخشى الفتنة ومنعه ما ينكر في الدين.
وقال النووي: فيه حرمة النظر إلى الأجنبية وتغير المنكر باليد قدر عليه.
قال الأبي: إن صرف وجه الفضل ليس الوقوع في المحرم كما يعطيه كلام القاضي عياض والنووي، وإنما هو لخوف الوقوع كما يعطيه كلام القرطبي انتهى.
وقال الوالي العراقي: إن أراد النووي تحريم النظر عند خوف الفتنة فهو محل وفاق من العلماء، وإن أراد الأعم من خوفها وأمنه ففي حالة أمنها خلاف مشهور للعلماء، وهما وجهان ولا يصح الاستدلال بالحديث على التحريم في هذه الحالة لأن الأمر محتمل لكل منهما، بل الظاهر أن المصطفى خشى عليهما الفتنة، وبه صرح جابر في حديثه الطويل عن الترمذي: أن النبي ﷺ لوى عنق الفضل فقال له العباس: لويت عنق ابن عمك فقال: "رأيت شابًا وشابة فلم آمن الشيطان عليهما".
قال النووي نفسه: فهذا يدل على أن وضع يده على الفضل كان لدفع الفتنة عنه وعنها، وفي مسلم عن جابر: وضع يده على وجه الفضل فكأنه صرف وجهه بل عنقه ووضع يده عليه مبالغة في منعه، وهذا أولى من قول الوالي العراقي فعل كلًا منهما في وقت فلوى عنقه تارة ووضع يده على جبهته تارة، وبين استفتائها بقوله: فقالت: أي: أسماء بنت عميس يا رسول الله، إن فريضة الله جلَّ وعزَّ على عباده في الحج أي: فمن استطاع إليه سبيلًا أدركت أي: الفريضة أبي مفعول أي: عميس شيخًا حال كبيرًا، نعت له أي: في مشيخته وضعف بنيته أشد الحالة بحيث إنه لا يستطيع أي: لا يقدر أن يثبت أي: قعودًا ورقودًا على الراحلة، صفة بعد الصفة أو من الأصول المتداخلة أو شيخًا بدل لكونه موصوفًا أي: وجب عليه الحج بأن أسلم وهو شيخ كبير وحمل له المال في هذه الحالة والأول أوجه، كذا قاله الطيبي أفأحجُ عنه؟ أي: يصح أن أنوي عنه فأحج قال: "نعم"، أي: حجي عنه وقال: "أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته أكان (ق ٥٢٦) يقبل منك" فقالت: نعم، فقال: "والله أحق أن يقبل"، فدل ذلك على جواز الحج عن
стр. 956
الغير عند العجز وأنه يقع عن المحجوج عنه، كذا قاله صاحب (الاختيار) و (المنح)، وبه استدل من قال كالشافعي تجب الاستنابة عن العاجز عن الحج الفرض.
قال القاضي عياض: ولا حجة فيه؛ لأن قولها إلى فريضة الله إلى آخره لا يوجب دخول أبيها في هذا الفرض وإنما الظاهر من الحديث أنها أخبرت أن فرض الحج بالاستطاعة نزل وأبوها غير مستطيع، فسألت هل يباح أن تحج عنه ويكون له في ذلك أجر ولا يخالفه قوله، وفي رواية: "فحجي عنه"؛ لأنه أمر ندب وإرشاد ورخصة لها أن تفعل لما رأى من حرصها على تحصيل الخير لأبيها.
وقال أبو عمر: حديث الخثعمية خاص لها لا يجوز أن يتعدى إلى غيرها لقوله تعالى في سورة آل عمران: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧] وكان أبوها ممن لا يستطيع فلم يكن عليه الحج فكانت ابنته مخصوصة بذلك الجواب، وممن قال بذلك مالك وأصحابه.
قال المازري: فإن الظاهر في الاستطاعة أنها البدنية، إذ لو كانت المالية لقال حجاج البيت فرع بين الأصلين أحدهما على بدن صرف كالصلاة والصوم، فلا استنابة فيه والثاني مال صرف كالصدقة.
وقال القاضي عياض: الاستطاعة عند مالك هي القدرة ولو على رجليه دون مشقة قادعة، وقال الأكثر: هي الزاد والراحلة وجاء فيه حديث لكن ضعفه أهل الحديث، وتأويله عندنا أنه أحد أنواع الاستطاعة هي السبب فقد تضمن الزاد والراحلة أمر الطريق وصحة الجسم. كذا قاله الزرقاني وذلك أي: المقال والسماع في حَجَةِ الوداع بفتح الواو وبكسر، وفيه تنبيه على هذا الحكم لم يقع منسوخًا، كذا قاله علي القاري، وفي رواية شعيب عن الزهري: يوم النحر وفي الترمذي وأحمد ما يدل على أن السؤال وقع عند المنحر بعد الفراغ من الرمي، وهذا الحديث رواه البخاري وأبو داود عن القعنبي والبخاري أيضًا عن عبد الله بن يوسف، ومسلم عن يحيى، والنسائي من طريق ابن القاسم، والأربعة عن مالك به كذا قاله الزرقاني (١).
* * *
стр. 957
٤٨٢ - أخبرنا مالك، أخبرنا أيوب السَّخْتِياني، عن ابن سيرين، عن رجل أخبره عن عبد الله بن عباس، أن رجلًا أتى النبي ﷺ فقال: إنَّ أمي امرأة كبيرة لا تستطيع أن نحملها على بعير، وإن رَبَطْناها خِفْنا أن تموت، أفأحجُ عنها؟ قال: "نعم".
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي نسخة: أنا أخبرنا وفي نسخة: قال: بنا أيوب السَّخْتِياني، بفتح السين المهملة وكسرها وسكون الخاء المعجمة وكسر الفوقية وفتح التحتية، نسبة إلى نوع جلد مدبوغ، يكنى أبا بكر تميمة، اسمه كسيان البصري، ثقة ثبت حجة، كان في الطبقة الخامسة من طبقات كبار الفقهاء والعباد من أهل البصرة، كانت في الإِقليم الثالث، من الأقاليم السبعة على وجه الأرض، مات سنة إحدى وعشرين ومائة، وهو ابن خمسة وستين سنة، كذا قاله أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي الحنبلي وابن حجر العسقلاني الشافعي وغيرهما في طبقاتهم عن محمد بن سيرين، الأنصاري مولى أنس بن مالك، يكنى أبا بكر بن أبي عمرة البصري، ثقة عابد كان في الطبقة الثالثة من طبقات كبار العباد، من أهل البصرة، مات سنة عشرة ومائة كذا قاله ابن حجر في (التقريب)، وسيرين منع صرفه للعلمية ومطلق المزيد على مذهب أبي علي الفارسي النحوي، كذا قاله علي القاري.
ومن مناقب محمد بن سيرين: إذا ذكر الناس عنده رجلًا بسيئة ذكره محمد بن سيرين (ق ٥٢٧) بأحسن ما يعلم، وكان يحدث رجلًا فقال: ما رأيت الرجل الأسود ثم قال: استغفر الله، ما أراني إلا قد اغتبته، ودخل عليه طوق بن وهب فقال: كأني أراك شاكيًا، قال: أجل، قال: اذهب إلى فلان الطبيب فاسق صفته، ثم قال: اذهب إلى فلان فإنه أطيب منه ثم قال: أستغفر الله أراني قد اغتبته، وكان قد أعطي هديًا وسمتًا وخشوعًا، وكان الناس إذا رأوه ذكروا الله تعالى، وكان يمر في السوق فيكثر الناس، وكان إذا مشى معه رجل قام وقال: ألك حاجة، فإن كان له حاجة قضاها، فإن عاد مشى معه، قام وقال: ألك حاجة قال مورق العجلي: ما رأيت رجلًا أفقه في ورعه ولا أروع في فقهه من محمد بن سيرين قال: إذا أراد الله بعبد خيرًا جعله واعظًا من قبله يأمره وينهاه
стр. 958
وأوصى أنس بن مالك ﵁ أن يغسله، فقيل له في ذلك، وكان محبوسًا، فقال: لا أستطيع فقالوا: قد استأذنا الأمير فقال: إن الأمير لم يحسبني إنما حسبني صاحب الحق فأذن له صاحب الحق فخرج فغسله، قال: يونس بن عبيد أما ابن سيرين، فإنه لم يعرض له أمران في دينه إلا أخذ بأوثقهما، واشترى شيئًا فأشرف فيه على ثمانين ألف فعرض في قلبه عنه شيء فتركه، قال سليمان التيمي: لقد تركته في شيء ما يختلف فيه أحد من العلماء، وقال هشام بن حسان: تركها في شيء ما ترون به اليوم بأسًا، وكان إذا دعا إلى وليمة دخل من له فيقول: اسقوني شربة من سويق فيقال: أنت تذهب إلى الوليمة وتشرب سويقًا فيقول: إني أكره أن أحمل جر جوعي على طعام الناس، وكان إذا دخل على أمه لا يكلمها بلسانه كله تخشعًا لها، ودخل رجل وهو عند أمه فقال: ما حاله يشتكي شيئًا قالوا: لا، ولكن هكذا يكون إذا كان عندها، وبعث ابن هبيرة إليه وأتى الحسن والشعبي فدخلوا عليه فقال لابن سيرين: ماذا رأيت حين قربت من بابنا قال ظلمًا فاشيًا فغمزه ابن أخيه بمنكبه فالتفت إليه فقال: إنك لست تسأل، إنما نسئل، فأرسل إلى الحسن بأربعة آلاف درهم، وإلى محمد بن سيرين بثلاثة آلاف درهم، وإلى الشعبي بألفين، فأما ابن سيرين فلم يأخذ فقيل: ما منعك أن لا تقبل؟ قال: إنما أعطاني كان يظنه بي، ولئن كنت كما ظن فما ينبغي لي أن أقبل، وإن لم أكن كما ظن فبالأحرى أن لا يجوز لي أن أقبل، وكان له حوانيت لا يكريها إلا من أهل الذمة، وكان إذا سئل عن الرؤيا قال: اتق الله في اليقظة ولا يضرك ما رأيت في المنام، وكان ربما سمع بكاؤه وهو يصلي في جوف الليل، وكان إذا ذكرت الموت مات كل عضو منه على حدته. كذا قاله ابن الجوزي في (طبقاته)، أي عن رجل من التابعين أخبره عن عبد الله بن عباس، أن رجلًا أتى النبي ﷺ فقال: إنَّ أمي امرأة كبيرة لا تستطيع أن نحملها أي: نركبها على بعير، أي: خوفًا لسقوطها لعدم قدرتها على استمساكها بنفسها وإن رَبَطْناها أي: فوق بعيرها خِفْنا أن تموت، أي: لشدة ربطها وقلة ضبطها أفأحجُ أي: أنا عنها؟ أي: نيابة قال: "نعم" بفتح النون وفتح العين المهملة وسكون الميم حرف تصديق، لما بعد الاستفهام أي: حج عن أمك.
* * *
стр. 959
٤٨٣ - أخبرنا مالك، أخبرنا أيوب السَّخْتِيانيّ، عن ابن سِيرين، أنّ رجلًا كان جَعَلَ عليه ألا يبلغ أحدٌ من وَلَدِه الْحَلَبَ فيحلب ويشرب ويَسْقيه إلا حَجّ وحَجّ به، قال: فبلغ رجلٌ من وَلَدِه الذي قال، وقد كبر الشيخ، فجاءَ ابنه إلى النبي ﷺ ، فأخبره الْخَبَرَ، فقال: إنَّ أبي قد كبر، وهو لا يستطيع الحجّ، أفأحُجّ عنه؟ قال: "نعم".
قال محمد: وبهذا نأخذ، لا بأسَ بالحجّ عن الميّت، وعن المرأة والرجل إذا بَلَغَا من الكِبَرِ ما لا يستطيعان أن يَحُجّا، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامّةِ من فقهائنا.
وقال مالك بن أنس: لا أرَى أن يَحُجّ أحدٌ عن أحد.
• أخبرنا مالك, وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي أخرى: أنا أخبرنا وفي نسخة: بنا، في أخرى: قال: ابنا أيوب السَّخْتِيانيّ، (ق ٥٢٨) عن محمد بن سِيرين، وهو من أجلاء التابعين وفضلاء المعبرين أنّ رجلًا كان جَعَلَ عليه أو نذر على نفسه أن ألا يبلغ أحدٌ أي: لا يصل عمر أحد كائن من وَلَدِه بفتحتين يطلق على المصدر أي: وقت حَلَبَ الناقة فيحلب بضم اللام نصب بإضمار أن عطفًا على أن يبلغ ليدل على نفي البلوغ والحلب عقبه مطلقًا، كما قال عبد الله بن عمر بن محمد بن علي البيضاوي في تفسير قوله تعالى في سورة الملائكة: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا﴾ [فاطر: ٣٦] أي: فلا يموتون فيها يعني: فلا يحلب ولده فحلبه دخل في حكم النفي، وكذا دخل في حكم الشرب المفهوم من قوله: فيشرب بفتح الراء من الباب الثاني، أي: فلا يشرب ولده ويَسْقيه: أي: ولا يسقي اللبن وغيره إلا حَجّ أي: الرجل الناذر منفردًا أو حجَّ به، أي: مع والده فالباء فيه للمصاحبة، كما في قوله تعالى في سورة هود: ﴿قِيلَ يَانُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ﴾ [هود: ٤٨] أي: معه وصورته أن رجلًا من الأصحاب الكرام نذر بأن يقول: إن بلغ عمر ولد من أولادي إلى وقت حلب الناقة، فحلب وشرب وأسقاه فعلي مستقلا أو حج مع ولدي فإذا
стр. 960
كان الأمر كذلك لزمه الحج، كما قال: أي: محمد بن سيرين فبلغ أي: وصل عمر رجلٌ من وَلَدِه أي: من ولد الناذر الذي قال، أي: شرط ونذر أبوه بالحج وقد كبر بكسر الموحدة أي: والحال أسر الشيخ، وضعف قواه ولم يقدر الركوب على الدابة وعجز عن الحج بنفسه فجاءَ ابنه إلى النبي ﷺ ، فأخبره الْخَبَرَ، أي: المذكور وبيانه فقال: وفي نسخة بالواو إنَّ أبي قد كبر، وهو لا يستطيع الحجّ، بنفسه لضعفه أفأحُجّ عنه؟ والاستفهام للاستعلام أي: أخبرني يا رسول الله، هل يصح أن أحج عنه قبل أن أحج عن نفسي؟ وبعده قال: "نعم". أي: حجي عنه هذا الحديث مرسل، وهو الذي يرويه التابعي عن النبي ﷺ مع عدم ذكر الصحابي وذلك عند أبي حنيفة وأحمد وأكثر العلماء، وعند الشافعي هو الذي يستوي صدقه وكذبه بأن لا يكون في متنه ولا في روايته خلل بين لكن جهل بعض رواته بعينه، فإن كان صحابي يسمى مرسلًا، وإن كان غيره يسمى منقطعًا
قال محمد: أي: ابن حسن الشيباني وبهذا نأخذ، أي: إنما نعمل ونفتي بما رواه محمد بن سيرين لا بأس بالحجّ عن الميّت، أي: نفلًا أو فرضًا بوصية أو بغيرها، ولا دليل عليه إلا بقياس الميت على الحي أو بدليل آخر. كذا قاله علي القاري وعن المرأة والرجل أي: الحيين إذا بَلَغَا من الكِبَرِ ما أي: حالة لا يستطيعان أن يَحُجّا، أي: بأنفسهما وهو أي: جواز الحج عن الميت وعن المرأة والرجل إذ لم يستطيعا أن يحجا بأنفسهما وهو قولُ أبي حنيفة، والعامّةِ من فقهائنا وعليه الجمهور وفي نسخة: وهذا ويقع الحج عن الأمر على المذهب الظاهر لحديث محمد بن سيرين وأسماء بنت عمير من المهاجرات لكنه يشترط أهلية الماء بصحة أفعال الحج فجاز (ق ٥٢٩) نيابة المرأة والعبد، والصرورة وهو بفتح الصاد المهملة وضم الراء الأولى وفتح الثانية وبينهما واو ساكنة وهاء في آخرها هو الذي لم يحج عن نفسه نفلًا أو غيره، لكن يجب عن رؤية الكعبة الحج لنفسه وعليه أن يتوقف إلى عام قبل ويحج لنفسه أو يحج بعد عودته إلى أهله بماله كما في (المنح) وغيره.
وقال مالك أي: أنس: بن مالك بن عمير بن أبي عامر الإِمام الأصبحي لا أرَى أي: لا أختار أن يَحُجّ أحدٌ عن أحد أي: إذا كان حيًا لما تقدم من الأحاديث، ولما ذكر في كتاب (الرحمة) أن النيابة في حج الفرض عن الميت يجوز بالاتفاق، وكذا في التطوع عند أبي حنيفة وأحمد والشافعي قولان أصحهما المنع، والله أعلم. كذا قاله علي القاري.
стр. 961
لما فرغ من بيان ما يتعلق بجواز الإِحجاج عن الميت، وعن المريض الذي لا يرجى زوال مرضه، شرع في بيان ما يتعلق بالصلاة بمنى يوم التروية، فقال: هذا
* * *
باب الصلاة بمنى يوم التروية
في بيان حكم الصلاة بمنى يوم التروية أي: اليوم الثامن من شهر ذي الحجة يسمى به؛ لأنهم كانوا يرون إبلهم فيه، ويأخذون الماء ليشرب يوم عرفة، وقيل: سميت تروية لأن آدم صلوات الله على نبينا وعليه رأى فيه حواء ﵂ واجتمع بها، أو لأن إبراهيم صلوات الله على نبينا وعليه رأى ليلته ذبح ابنه فأصبح يتروى، أو لأن جبريل ﵇ أري إبراهيم فيه المناسك، أو لأن الإِمام يعلم الناس فيه المناسك، وهي شاذة، إذ لو كان من الأول لقيل يوم الرؤية أو الثانية لقيل يوم التروي بتشديد الواو، والثالث لقيل الرؤيا، والرابع لقيل: الرواية كذا قاله الزرقاني.
٤٨٤ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، أنَّ عبد الله بن عمر، كان يصليّ الظُّهْرَ والعصرَ والمغربَ والعشاءَ والصُّبْحَ بمنَّى، ثم يغدو إذا طَلَعتِ الشمس إلى عَرَفَة.
قال محمد: هكذا السُّنَّة، وإن عجِّلَ أو تأخَّرَ، فلا بأس، إن شاءَ الله تعالى، وهو قولُ أبي حنيفة.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا أخبرنا وفي نسخة: أبنا، وفي أخرى: قال: بنا نافع، بن عبد الله المدني التابعي مولى ابن عمر، ثقة ثبت فقيه مشهور، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة سبع عشرة ومائة أو بعد ذلك كذا في (التقريب) لابن حجر (١) أنَّ عبد الله بن عمر، ﵄ كان يصليّ الظُّهْرَ والعصرَ والمغربَ والعشاءَ والصُّبْحَ بمنَّى، بعرفة ويمنعه وفيه تنبيه أنه كان يخرج من مكة بعد طلوع الشمس إلى منى ثم أي: بعد أداة الصلوات الخمس بمنى يوم التروية يغدو أي:
стр. 962
يذهب وقت الغدوة من منى إذا طَلَعتِ الشمس إلى عَرَفَة اتباعًا لما رواه ابن عمر وغيره من فعل النبي ﷺ وهذا الحديث موقوف على ابن عمر حقيقة ومرفوع حكمًا، لما روى مسلم عن جابر، فلما كان يوم التروية توجهوا إلى منى وركب ﷺ فصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر من أبي داود (١) والترمذي وأحمد (٢) والحاكم عن ابن عباس ﵄: صلى النبي ﷺ الظهر يوم التروية والفجر يوم عرفة بمنى، ولأحمد عنه ﷺ بمنى خمس صلوات.
ولابن خزيمة والحاكم عن عبد الله بن الزبير قال: من سنة الحج أن يصلي الإِمام الظهر وما بعدها والفجر بمنى ثم يغدون إلى عرفات.
وقد استحب ذلك الأئمة الأربعة وغيرهم، وأما قول أنس عن الشيخين افعل كما يفعل أمراؤك (ق ٥٣٠) فإشارة إلى متابعة أولي الأمر، والاحتراز عن مخالفة الجماعة، وأن ذلك ليس بواجب، وأن الأمر إذ ذاك ما كانوا يواظبون على صلاة الظهر ذلك اليوم بمكان معين. كذا قاله الزرقاني.
قال محمد: هكذا السُّنَّة، أي: المأثورة، وإلا فهي المستحبة كما يدل عليه قوله: وإن عجَّلَ أي: تقدم إلى عرفات في يوم التروية أو قبله أو تأخَّرَ، أي: عن صبح عرفة لضرورة عن غيرها بحيث يصل عرفات في وقت وقوفها وفي نسخة: فإن عجل أو أخر فلا بأس، إن شاءَ الله تعالى، وإنما استثنى احتياطًا؛ لاحتمال جعل تأخره ﷺ في منى كان للنسك وقصد العبادة ولضرورة قلة الماء بعرفات هو للاستراحة ولحوق الجماعة المتأخرة، وعلى كل تقدير فالأولى هو المتابعة تعبدًا في الطاعة وهو أي: عدم البأس في تقدم عرفات في يوم التروية أو تأخره قولُ أبي حنيفة النعمان بن ثابت الكوفي، ولا أعلم خلافًا في ذلك.
لما فرغ من بيان ما يتعلق بالصلاة في منى يوم التروية، شرع في بيان ما يتعلق بالغسل بعرفات، فقال: هذا
* * *
стр. 963
باب الغُسل بعرفة يوم عرفة
في بيان حكم الغسل بعرفات يوم التروية، وهو سنة للحاج ولا لغيره في عرفات لا خارجها، ويكون فعله بعد الزوال للوقوف على الأصح. كذا قاله الشرنبلالي في (مراقي الفلاح).
٤٨٥ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، أنَّ ابن عمر كان يغتسل بِعَرَفَة، يومَ عَرَفَة، حين يريد أن يروح.
قال محمد: هذا حَسَنٌ، وليس بواجب.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا أخبرنا وفي نسخة: عن نافع، أي: عبد الله المدني التابعي مولى ابن عمر، ثقة ثبت مشهور فقيه، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين، مات سنة سبع عشرة ومائة أو بعد ذلك أنَّ ابن عمر كان يغتسل بِعَرفَة، يومَ عَرَفَة، حين يريد أن يروح أي: يذهب بعد الزوال إلى موقف الدعاء.
قال محمد: هذا أي: الاغتسال بعرفات في يوم عرفة للوقوف حَسَنٌ، أي: مستحسن، وهو لا ينافي كونه سنة مؤكدة، بل ويشير إليه قوله: وليس بواجب بل هو قريب إليه. كذا قاله علي القاري.
لما فرغ من بيان ما يتعلق بالغسل بعرفات يوم عرفة، شرع في بيان الإِفاضة من عرفات، فقال: هذا
* * *
باب الدفع من عرفة
في بيان حكم الدفع من عرفات، أي: الانصراف منها إلى المزدلفة، سمي به دفعًا لازدحامهم إذا انصرفوا منها، فيدفع بعضهم بعضِ، استنبط المصنف هذه الترجمة من مفهوم قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ﴾ الآية [البقرة: ١٩٨].
стр. 964
٤٨٦ - أخبرنا مالك، أخبرنا هشام بن عُرْوَة، أن أباه أخبره، أنه سمع أسامة بن زيد يُحَدِّث عن سَيْرِ رسول الله ﷺ حين دَفَعَ من عَرَفَة، قال: كان يَسِيرُ العنَق، حتى إذا وَجَدَ فَجْوَةً، نَصَّ، قال هشام: والنَّصُّ أَرْفَعُ من العَنَق.
قال محمد: بلغنا أنَّه قال ﷺ : "عليكم بالسَّكينة، فإنَّ البِّرَ ليس بإيضاع الإبل، وإيجاف الْخَيْل"، فبهذا نأخذ، وهو قولُ أبي حنيفة.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي نسخة أخرى: أنا أخبرنا وفي نسخة: قال: بنا هشام بن عُرْوَة، بن الزبير بن العوام الأسدي التابعي، ثقة فقيه ربما دلس، كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة ست أو خمس وأربعين بعد المائة وله سبع وثمانون سنة. كذا قاله ابن حجر (١) أن أباه أي: عروة بن الزبير بن العوام أخبره، أنه سمع أسامة بن زيد ﵁ مولى رسول الله ﷺ يُحَدِّث أي: يخبر عن سَيْرِ رسول الله ﷺ أي: عن كيفيته حين دَفَعَ أي: انصرف من عَرَفَة، أي: إلى المزدلفة فقال: أي: أسامة بن زيد ﵁ كان أي: صلى الله تعالى عليه وسلم يَسِيرُ العنَق، بضم المهملة والنون والقاف سير بين الإِبطاء والإِسراع، وفي (شرح المشارق): وهي سير سهل في سرعة.
وقال القزاز: (ق ٥٣١) سير سريع، وقيل: الذي يتحرك به عنق الدابة، وفي (الفائق): العنق الخطو الفسيح، وانتصب على المصدر المؤكد من لفظ الفعل. وفي (التمهيد): سير معروف للدواب يستعمل مجازًا في غيرها حتى إذا وَجَدَ فَجْوَةً بفتح الفاء وسكون الجيم فواو مفتوحة أي مكانًا متسعًا.
قال النووي: ورواه بعض الرواة في (الموطأ) فرجة بضم الفاء وفتحها وسكون الراء وهو بمعنى الفجوة نَصَّ، بفتح النون وتشديد الصاد فأسرع قال هشام: والنَّصُّ أَرْفَعُ من العَنَق أي: أوسع وأسرع منه، والحاكي مالك في رواية يحيى الليثي: قال مالك: قال هشام بن عروة والنص فوق العنق أي: أرفع منه في السرعة.
стр. 965
قال محمد: بلغنا أنَّه أي: الشأن قال ﷺ : "عليكم بالسَّكينة، أي: الزموا بالوقار والسكون والطمأنينة فإنَّ البِّرَ بكسر الموحدة وتشديد الراء المهملة أَي الطاعة والإِحسان في العبادة ليس بإيضاع الإبل، أي: بإسراعها وإيجاف الْخَيْل"، أي: إعدائها وعدوها بسرعة، والحديث في البخاري (١) عن ابن عباس ﵁ أنه وقع مع النبي ﷺ يوم عرفة فسمع النبي ﷺ وراءه زجرًا شديدًا وضربًا للإِبل، فأشار بسوطه إليهم، وقال: "أيها الناس عليكم بالسكينة"؛ لأن البر ليس بالإِيضاع، والإِيضاع الإِسراع فبهذا نأخذ، أي: نعمل بما رواه ابن عباس ﵄ وهو أي: ما رواه أسامة بن زيد أو ابن عباس قولُ أبي حنيفة.
لما فرغ من بيان ذكر ما يتعلق بالدفع والإِفاضة من عرفات، شرع في ذكره ما يتعلق من الحكم في بطن محسر، فقال: هذا
* * *
باب بطن محسر
في بيان ما يتعلق بطن محسر بضم الميم وفتح الحاء المهملة وتشديد السين المهملة المكسورة، واد بين المزدلفة ومنى، يسمى واد النار وقد عذب فيه بعض الكفار.
٤٨٧ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، أن ابن عمر كان يُحَرِّك راحلته في بطن محسِّر كَقَدْر رَمْيَة بِحَجَر.
قال محمد: هذا كله وَاسِعٌ، إن شئت حَرَّكْتَ، وإن شِئتَ سِرْتَ على هِينَتك.
بَلَغَنا أن النبي ﷺ قال في السِّيْرَيْن جميعًا: "عليكم بالسَّكِينَة"، حين أفاضَ من عَرَفَة، وحين أفاضَ من المُزْدَلِفَة.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا أخبرنا وفي نسخة: عن نافع، بن عبد الله المدني، ثقة فقيه مشهور، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات
стр. 966
سنة سبع عشرة ومائة أو بعد ذلك أن أبن عمر كان يُحَرِّك راحلته في بطن محسِّر كَقَدْر رَمْيَة بِحَجَر أي: عملًا بالسنة وفي نسخة: الحجر.
قال محمد: هذا كله وَاسِعٌ، أي: أمره إن شئت حَرَّكْتَ، أي: دابتك أيها المخاطب وإن شِئتَ سِرْتَ على هِينَتك بكسرها وسكون التحتية وفتح النون ففوقية بعدها، أي: السكونة والوقار، فإنه لا يجب عليك شيء والأمران مستويان بل المشية على الهيئة أولى، كما يدل عليه قوله: بَلَغَنا أن النبي ﷺ قال في السِّيْرَيْن أي: سير عرفات إلى المزدلفة وسير من المزدلفة إلى منى جميعًا: أي: تأكيد لهما "عليكم بالسكينة"، حين أفاضَ أي: قال وقت رجوعه من عَرَفَة، وحين أفاضَ أي: رجع من المُزْدَلِفَة أي: إلى منى وهما بيان السيرين، لكن لا يخفى أن هذا المكان بخصوصه مقيد من مطلقه، وقد استحب في المذاهب الأربعة، ويدل عليه حديث جابر حتى أتى بطن محسر فحرك قليل.
لما فرغ من بيان ذكر ما يتعلق ببطن محسر، شرع في ذكر ما يتعلق بالصلاة في المزدلفة، فقال: هذا
* * *
باب الصلاة بالمزدلفة
في بيان حكم الصلاة بالمزدلفة، سميت بها لإِجماع الناس فيها ومنه قوله تعالى في (ق ٥٣٢) سورة الشعراء: ﴿وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ﴾ [الشعراء: ٦٤] أي: جمعناهم، وقيل: من الازدلاف بمعنى التقريب، ومنه قوله تعالى في هذه السورة أيضًا: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ﴾ الآية [الشعراء: ٩٠]، أي: قربت أو لاقتراب الناس إلى منى بعد الإِفاضة من عرفات، وقيل: لأن حواء أزلفت إلى آدم فيها. كذا في (سلم الفلاح) وفي كتاب (الترجمة): أنه يجمع بين صلاة المغرب والعشاء في وقت العشاء بالإِجماع فلو صلى كل واحد منهما في وقتها جاز عند مالك والشافعي وأحمد.
وقال أبو حنيفة: لا تجوز تلك أي: الصلاة في عرفات أو في طريقها، والمعنى: أنها تفسد فسادًا موقوفًا فيجعل إعادتها عليه في المزدلفة وقت العشاء، إلا أنه لو لم يعدها إلى أن طلع الفجر عادت صحيحة كذا قاله علي القاري.
стр. 967
٤٨٨ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، أن عبد الله بن عمر: كان يصلي المغرب والعشاءَ بالمُزْدَلِفَة جميعًا.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا أخبرنا وفي نسخة: عن نافع، أن عبد الله بن عمر: كان يصلي المغرب والعشاءَ بالمُزْدَلِفَة جميعًا أي: أجمع بينهما جمع تأخير كما دل على ذلك روايات أخر منها التي يليها، وقوله: في رواية ابن أبي ذئب عن ابن شهاب بإقامة جمع بينهما، وإن كان ليس في هذا اللفظ من حيث هو ما يدل على أنه جمع بينهما، لأنه مدلول جميعًا تأكيد كونه صلاهما بالمزدلفة فأما جمعهما أو كل واحدة في وقتها فلا دليل فيه على ذلك وإن كان الواقع أنه جمع بينهما.
* * *
٤٨٩ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله عن عبد الله بن عمر، أن رسول الله ﷺ : صلى المغرب والعشاءَ بالمُزْدَلِفَة جميعًا.
• أخبرنا مالك، أي: ابن أنس بن مالك بن عمير بن أبي عامر، الإِمام الأصبحي، كان في الطبقة السابعة من طبقات كبار أتباع التابعين، من أهل المدينة، وفي نسخة: محمد قال: بنا أخبرنا ابن شهاب، أي: محمد بن مسلم بن شهاب بن زهرة بن كلاب، يكنى أبا بكر كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين، من أهل المدينة، كذا قاله أبو الفرج بن الجوزي الحنبلي في (طبقاته) عن سالم بن عبد الله عن عبد الله بن عمر، بن الخطاب ﵄ القرشي العدوي يكنى أبا عمر وأبا عبد الله المدني، أحد الفقهاء السبعة، كان ثبتًا عابدًا فاضلًا كان يشبه بأبيه في الهدي والسمت، وكان في الطبقة الثالثة من طبقات كبار التابعين من أهل المدينة، مات في آخر سنة ست بعد المائة، كذا في (التقريب) لابن حجر (١) عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ : صلى المغرب والعشاءَ بالمُزْدَلِفَة جميعًا أي: جمعهما جمع تأخير، والحديث الأول موقوف على ابن عمر، والثاني مرفوع ولكنهما حجتان عندنا، والموقوف هو المروي من أقوال الصحابة وأفعالهم
стр. 968
من ذلك قولهم: كنا نفعل كذا أو نقول كذا بلا رفع إلى رسول الله ﷺ فيسمى موقوفًا، والمرفوع ما أضيف إلى النبي ﷺ خاصة من قول أو فعل أو تقرير سواء كان متصلًا أو منقطعًا فالمتصل قد يكون مرفوعًا وغير مرفوع.
* * *
٤٩٠ - أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد، عن عديّ بن ثابت الأنصاري، عن عبد الله بن يزيد الخَطْمِي، عن أبي أيوب الأنصاري، قال: صلى رسول الله ﷺ المغرب والعشاء بالمزدلفة جميعًا في حَجَّة الوَدَاع.
قال محمد: وبهذا نأخذ، لا يصلي الرجل المغرب حتى يأتي المُزْدَلِفَة، وإن ذهب نصف الليل، فإن أتاها أَذَّنَ وأقام، فيصلي المغرب والعشاء بأذانٍ وإقامةٍ واحدة، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: أخبرنا، وفي أخرى: بنا أخبرنا يحيى بن سعيد، بن قيس الأنصاري المدني، يكنى أبا سعيد القاضي، ثقة ثبت كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة أربع وأربعين ومائة أو بعدها كذا قال ابن حجر عن عديّ بالدال ابن ثابت الأنصاري، الكوفي، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين من أهل (ق ٥٣٣) الكوفة، وهي في الإِقليم الثالث من الأقاليم السبعة من أوجه الأرض، مات سنة ست عشرة ومائة، وفيه رواية تابعي عن تابعي يحيى عن عدي عن عبد الله بن يزيد بفتح التحتية قبل الزاي ابن زيد بلا ياء ابن حصين الأنصاري الخَطْمِي، بفتح الخاء المعجمة وسكون الطاء نسبة إلى بني خطمة، بطن من الأنصار، صحابي صغير في رواية الليث عند مسلم. وكان أميرًا على الكوفة على عهد ابن الزبير. كذا قاله الزرقاني عن أبي أيوب الأنصاري اسمه خالد وأبوه زيد بن كليب، كان من كبار الصحابة، شهد بدرًا ونزل النبي ﷺ حين قدم المدينة، مات غازيًا بالروم سنة خمسين، وقيل بعدها، وقبره الشريف في خارج صور القسطنطينية يزار اليوم نفعنا الله بشفاعته، وفيه رواية صحابي عن صحابي قال: صلى رسول الله ﷺ المغرب والعشاء بالمزدلفة
стр. 969
جميعًا أي: جمعهما جمع تأخير كما صلى الظهر والعصر جمع تقديم بعرفات، ولا يخفى علتهما وحكمهما في حَجَّة الوَدَاع، وهذا الحديث رواه البخاري في (المغازي) عن القعنبي عن مالك به، وتابعه سليمان عن بلال عند الشيخين والليث بن سعد عند مسلم، كلاهما عن يحيى بن سعيد.
قال محمد: وبهذا نأخذ، أي: إنما نعمل بما رواه أبو أيوب الأنصاري ﵁ لا يصلي الرجل أي: المرأة إذا كانا محرمين بالحج المغرب أي: لا في عرفات ولا في طريقها حتى يأتي المُزْدَلِفَة، وإن ذهب نصف الليل، أي: كذا إذا كان أكثر فإن أتاها أي: المزدلفة أَذَّنَ وأقام، فيصلي المغرب والعشاء بأذانٍ وإقامةٍ واحدة، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا وقال زفر: بأذان وإقامتين، وهو اختيار الطحاوي من أصحابنا هو الأصح من جهة الرواية والدراية كما حقق بعض أئمتنا.
لما فرغ من بيان حكم الصلاة بالمزدلفة، شرع في بيان ما يحرم على الحاج بعد رمي جمرة العقبة يوم النحر، فقال: هذا
* * *
باب ما يحرم على الحاج بعد رمي جمرة العقبة يوم النحر
في بيان ما أي: فعل يحرم على الحاج بعد رمي جمرة العقبة يوم النحر، والجمرة بفتح الجيم وفتح الراء المهملة والتاء للوحدة، والعقبة بفتحتين ثالثة الجمرات على حد منى من جهة مكة، وليس من منى ويقال لها: الجمرة الكبرى والأخيرة، كما نقله شيخي زادة صاحب (مجمع الأنهر) عن القهستاني، فجمرة العقبة اسم لموضع في منى عين لرمي الحصاة السبعة، فكان جمرة العقبة تركيبًا لاسم مكان كتركيب بعل بك.
٤٩١ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، وعبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر، أن عمر بن الخطاب خطب الناس بِعَرَفَة يُعَلِّمهم أمر الحج، وقال لهم فيما قال: ثم إذا جئتم مِنى فَمَنْ رَمى الجمرة التي عند العَقَبَة فقد حَلَّ له ما حَرُم
стр. 970
عليه، إلا النَّساء والطيب، لا يَمَسّ أحدُ نساءً ولا طيبًا، حتى يطوف بالبيت.
• أخبرنا مالك وفي نسخة: محمد قال: بنا أخبرنا وفي نسخة: عن نافع، أي: ابن عبد الله المدني عطف عليه بالواو وإشارة إلى تحويل السند تقوية الحكم فقال: وعبد الله بن دينار، وكل منهما، مولى ابن عمر، لكن نافع كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة، وعبد الله بن دينار كان في الطبقة الرابعة من أهل المدينة، مات الأول سنة (ق ٥٣٤) سبع عشرة ومائة من الهجرة، والثاني مات سنة سبع وعشرين ومائة من الهجرة عن عبد الله بن عمر، ﵄ أن عمر بن الخطاب ﵁ خطب الناس أي: وعظ لهم بِعَرَفة أي: في مسجد نمرة اتباعًا لرسول الله ﷺ يُعَلِّمهم أمر الحج، أي: بعض أحكامه وقال لهم فيما قال: أي: مقامه ثم أي: بعد رجوعهم من عرفات ومزدلفة ثم إذا جئتم مِنَّى فَمَنْ رَمى الجمرة التي عند العَقَبَة فقد حَلَّ له ما حَرُم عليه، أي: بالحلق والتقصير إلا النَّساء وقد أجمع عليه العلماء والطيب، وهو قول بعض الفقهاء لا يَمَسّ أحدٌ نساءً أي: لا يمسهن بشهوة فضلًا عن جماعهن ولا طيبًا، أي: لأنه من مقدمات الجماع حتى يطوف بالبيت أي: طواف الإِفاضة: وهذا مذهب عمر في الطيب وكرهه مالك فقط. وقال الشافعي وغيره: إلا النساء خاصَّة.
* * *
٤٩٢ - أخبرنا مالك، حدثنا عبد الله بن دينار، أنه سمع عبد الله بن عمر يقول: قال عمر بن الخطاب: مَنْ رَمَى الجمرة ثم حلق أو قَصَّرَ ونحر هَدْيًا إن كان معه، فقد حَلَّ له ما حَرُمَ عليه في الحج إلا النِّساءَ والطيب، حتى يطوف بالبيت.
قال محمد: هذا قول عمر وابن عمر، وقد رَوَتْ عائشة خلاف ذلك، قالت: طَيَّبْتُ رسول الله ﷺ بيَدَيّ هاتين، بعد ما حلق، قبل أن يزور البيت؛ فأخذنا بقولها، وعليه أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.
• أخبرنا مالك وفي نسخة: محمد قال: بنا حدثنا عبد الله بن دينار، العدوي
стр. 971
سيدهم، يكنى أبا عبد الرحمن المدني، مولى ابن عمر، ثقة كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة سبع وعشرين بعد المائة من الهجرة أنه سمع عبد الله بن عمر يقول: قال عمر بن الخطاب: ﵁ مَنْ رَمى الجمرة أي: جمرة العقبة ثم حلق أو قَصَّرَ ونحر هَدْيًا أي: قبلها ولو نحر بعد الحلق أو التقصير لزمه الدم إن كان أي: الهدي معه، أي: أو عليه فقد حَلَّ له ما حَرُمَ عليه في الحج أي: إحرامه من المحظورات جميعًا إلا النِّساءَ أي: أصالة والطيب، أي: تبعية حتى يطوف بالبيت أي: طواف الركن.
قال محمد: هذا أي: الذي ذكر قول عمر وابن عمر، رضي الله تعالى عنهما أي: مذهبهما ومختارهما وقد رَوَتْ عائشة ﵂ خلاف ذلك، قالت: طَيَّبْتُ رسول الله ﷺ بيَدَيّ هاتين، بيان وتأكيد للتثنية بعد ما حلق، قبل أن يزور البيت؛ أي: يطوف طواف الزيارة فأخذنا أي: عملنا بقولها، حيث كان مرفوعًا وعليه أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.
* * *
٤٩٣ - أخبرنا مالك، حدثنا عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة أنها قالت: كنتُ أُطَيِّب رسول الله ﷺ لإِحْرَامِه قبل أن يُحْرِم، ولِحِلِّه قبل أن يطوف بالبيت.
قال محمد: فبهذا نأخذ في الطيب قبل زيارة البيت، ونَدعَ ما رَوى عمر وابن عمر، وهو قولُ أبي حنيفة والعامَّة من فقهائنا.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي أخرى: أنا حدثنا عبد الرحمن بن القاسم، بن محمد بن أبي بكر الصديق التيمي، يكنى أبا محمد المدني ثقة جليل، قال ابن عيينة: كان أفضل أهل زمانه، وكان في الطبقة السادسة من طبقات أهل المدينة، ومات سنة ست وعشرين بعد المائة كذا قاله ابن حجر في (التقريب) (١) عن أبيه، أبي القاسم بن
стр. 972
محمد بن أبي بكر الصديق، كان في الطبقة الثانية من طبقات التابعين من أهل المدينة، كذا قاله ابن الجوزي في (طبقاته) عن عمته عائشة ﵂ أنها قالت: كنتُ أُطَيِّب رسول الله ﷺ لإِحْرَامِه قبل أن يُحْرِم، ولِحِلِّه بكسر الحاء المهملة واللام المكسورة المشددة أي: ولإِحلالة قبل أن يطوف بالبيت أي: طواف الزيارة.
قال محمد: فبهذا نأخذ في الطيب أي: إنما نعمل ونستعمل الطيب قبل زيارة البيت، بما رواه (ق ٥٣٥) القاسم بن محمد عن عائشة ﵂ ونَدَع أي: نترك ما رَوى عمر وابن عمر، ﵄ وهو أي: بما رواه القاسم بن محمد قولُ أبي حنيفة والعامَّة من فقهائنا رحمهم الله تعالى.
لما فرغ من بيان فعل يحرم على الحاج بعد رمي جمرة العقبة يوم النحر، شرع في بيان المكان الذي يرمى فيه الجمار، فقال: هذا
* * *
٤٩ - باب من أي موضع يرمي الحجارة ؟
بالتنوين من أي موضع يرمي أي: فيه الجمار بكسر الجيم جمع الجمرة الشاملة للعقبة وغيرها.
٤٩٤ - أخبرنا مالك قال: سألتُ عبد الرحمن بن القاسم: من أين كان القاسم بن محمد يرمي جَمْرَة العَقَبَة؟ قال: من حيث تَيَسَّرَ.
قال محمد: أفضل ذلك أن يرميها من بطن الوادي، ومن حيث ما رماها فهو جائز، وهو قولُ أبي حنيفة والعامّة.
• أخبرنا مالك، بن أنس بن مالك بن عمير بن أبي عامر الإِمام الأصبحي، يعني منسوب إلى ملك ذي أصبح من ملوك اليمن، كان في الطبقة السابعة من طبقات كبار أتباع التابعين من أهل المدينة، وهي كانت في الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة من وجه الأرض قال: سألتُ عبد الرحمن بن القاسم سبق طبقاته آنفًا من أين أي: في أي موضع كان القاسم بن
стр. 973
محمد وهو أحد الفقهاء السبعة من أهل المدينة يرمي جَمْرَة العَقَبَة؟ قال: من حيث تَيَسَّرَ أي: من جوانبها علوها وسفلها.
قال محمد: أفضل ذلك أن يرميها من بطن الوادي، أي: لفعله ﷺ كما في حديث جابر ومن حيث ما رماها فهو جائز، وهو قول أبي حنيفة والعامّة فلو رمى من أعلى العقبة جاز لحصول المقصود، وكان تاركًا للأفضل وإن ترتب عليه أذى فهو حرام، وسيأتي حكم سائر الجمرات.
لما فرغ من بيان موضع رمي الجمار، شرع في بيان الحكم في رمي الجمار، فقال: هذا
* * *
٥٠ - باب تأخير رمي الجمار من علة أو من غير علة وما يُكره من ذلك
في بيان الحكم في تأخير رمي الجمار، أي: عن بعض أوقاتها من علة أو من غير علة، وما أي: وبيان رمي الجمار يكره من ذلك، أي: لأجل تأخيره عن أوقاتها من غير علة، أما رميها في أوقاتها فواجب عند أبي حنيفة وأيامها كلها وقت قضائها وبخروجها يفوت أداؤها.
٤٩٥ - أخبرنا مالك، حدثنا عبد الله بن أبي بكر، أن أباه أخبره، أن أبا البدَّاح بنِ عاصم بن عديّ أخبره عن أبيه عاصم بن عديّ، عن رسول الله ﷺ أنَّه رَخَّص لرعاءِ الإِبل في البَيْتُوتَة، يرمون يوم النحر، ثم يرمون من الغَدِ، أو من بعد الغَدِ لِيَوْمَيْن، ثم يرمون يوم النَّفْرِ.
قال محمد: مَنْ جَمع رَمْي يومين في يوم، من عِلَّةٍ أو من غير عِلَّة، فلا كَفَّارة عليه، إلا أنَّهُ يُكْرَه له أن يَدَع ذلك من غير عِلة، حتى الغَد.
وقال أبو حنيفة: إذا ترك ذلك حتى الغَد فعليه دَمٌ.
стр. 974
• أخبرنا مالك, وفي نسخة: محمد قال: بنا حدثنا وفي نسخة: قال: بنا عبد الله بن أبي بكر، بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري المدني القاضي، ثقة كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين، من أهل المدينة، مات سنة خمس وثلاثين بعد المائة من الهجرة وهو ابن سبعين سنة أن أباه أبا بكر بن محمد أخبره، أن أبا البدَّاح بفتح الموحدة وتشديد الدال المهملة فألف فحاء مهملة ابن عاصم بن عديّ بن الجد بفتح الجيم ابن العجلان بن الحارثة حليف الأنصاري، قال الواقدي: أبو البداح لقب غلب عليه وكنيته أبو عمرو. انتهى.
ويقال: اسمه عدي، وهو ثقة كان في الطبقة الثالثة من طبقات كبار التابعين، مات سنة عشرة ومائة وقيل: بعد ذلك وزعم من له صحبة كذا قاله ابن حجر (١) وله أربع وثمانون سنة، فعلى هذا يكون ولد سنة ست وعشرين بعد النبي ﷺ أو بخمس عشرة وهذا يدفع قول من زعم أن له صحبة، ويدفع قول ابن منده: أدرك النبي ﷺ كذا قاله الزرقاني (٢) أخبره أي: أبو البداح إلى أبي بكر بن محمد عن أبيه عاصم بن عديّ، وهو أي عاصم (ق ٥٣٦) شهد أحدًا، ولم يشهد بدرًا؛ لأنه ﷺ استعمله على قباء أو على أهل العالية، وضرب له سهمه فكان كمن شهدها يقال: رده من الروحاء، وللطبراني عن ابن إسحاق: إنه عاش خمس عشرة ومائة عن رسول الله ﷺ أنَّه رَخَّصَ أي: جوز وأباح لرعاءِ الإِبل بكسر الراء المهملة والمد جمع راع في البَيْتُوتَة، مصدر بات خارجين عن منى، كما في (الموطأ) ليحيى يرمون أي: جمرة العقبة يوم النحر، أي: لا قبلة في الليل من نصف الأخير؛ كما قال به الشافعي ثم يرمون من الغَدِ، أو من بعد الغَدِ ليَوْمَيْن، أي: لأحدهما أداء ولآخر قضاء، ولا يبعد أن يكون أو للتنويع أو بمعنى الواو فلا إشكال ثم يرمون يوم النَّفْرِ بفتح النون وسكون الفاء الانصراف من منى أي: اليوم الأخير أي: لتقدم الثلاثة، وهذا الحديث رواه أبو داود (٣) عن القعنبي والنسائي (٤) والترمذي (٥)
стр. 975
وقال: حسن صحيح وابن ماجه (١) من طرق عن مالك به، وتابعه سفيان بن عيينة عند أصحاب السنن، لكنه قال عن أبي البداح بن عدي.
قال البيهقي: وكذا قال روح بن القاسم عن عبد الله بن أبي بكر فكأنهما نسبا أبا البداح إلى جده، ولكن اختلف فيه على سفيان بن عيينة فعند أبي داود عن مسدد والترمذي عن محمد بن يحيى بن أبي عمرو عن سفيان بن عيينة عن عبد الله ومحمد بن أبي بكر عن أبيها عن أبي البداح، ورواه النسائي عن الحسين بن حريث ومحمد بن المثنى عن سفيان بن عيينة عن عبد الله وحده كذا قاله الزرقاني (٢).
قال محمد: منْ جَمع رَمْي يومين في يوم، من عِلَّةٍ أي: من عذر، وهو ظاهر يدل عليه الحديث أو من غير عِلَّة، أي: من غير عذر فلا كَفَّارة عليه، عنده وكذا عند أبي يوسف إلا أنَّهُ يُكْرَه له أن يَدعَ ذلك أي: يتركه من غير عِلة، أي: إلى الغد بتأخيره إليه حتى الغَد أي: إلى الغد على ما في نسخة أي: حتى مجيئه.
وقال أبو حنيفة: أي: فيما اختاره إذا ترك ذلك حتى الغَد فعليه دَمٌ أي: للتأخير وما يترتب عليه من التقصير وهو الأصح كذا قاله علي القاري.
لما فرغ من بيان الحكم في تأخير رمي الجمار عن بعض أوقاتها من علة أو من غير علة، وما يكره من ذلك، شرع في بيان الحكم في رمي الجمار راكبًا، فقال: هذا
* * *
باب رمي الجمار راكبًا
في بيان الحكم في رمي الجمار راكبًا يجوز رميها راكبًا وماشيًا، وإنما الخلاف في الأفضل.
٤٩٦ - أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، أنه قال: إن الناس كانوا إذا رموا الجمار مَشَوْا ذاهبين وراجعين، وأوَّل منْ رَكَب مُعَاوِيَةُ بن أبي سفيان.
стр. 976
قال محمد: المَشْيُ أفضل، وَمَنْ رَكَبَ فلا بأسَ بذلك.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا أخبرنا وفي نسخة: بنا عبد الرحمن بن القاسم، بن محمد بن أبي بكر الصديق التيمي، يكنى أبا محمد المدني ثقة جليل، قال ابن عيينة: مات سنة ست وعشرين بعد المائة من الهجرة. كذا في (التقريب) (١) عن أبيه، أي: القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، ﵁، كان في الطبقة الثانية من طبقات التابعين من أهل المدينة، كذا قاله ابن الجوزي في (الطبقات) أنه قال: إن الناس أي: الصحابة والتابعين كانوا إذا رموا الجمار مَشَوْا ذاهبين أي: إليها وراجعين، أي: عنها وأوَّل مَنْ رَكَب مُعَاوِيَةُ بن أبي سفيان أي: عملًا بالرخصة (ق ٥٣٧) وتنبيهًا على الجواز، وكان به ضرورة كان معاوية بن أبي سفيان بن صخر بن حرب بن أمية الأموي، يكنى أبا عبد الرحمن الخليفة، صحابي أسلم قبل الفتح وكتب الوحي، مات في رجب سنة ستين وقد قارب الثمانين، وكان أبو سفيان هو صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف الأموي، صحابي شهير أسلم عام الفتح ومات سنة اثنتين وثلاثين، وقيل: بعد هذا كذا قاله ابن حجر في (التقريب)، وقد روى أبو داود والبيهقي عن ابن عمر: أنه كان يأتي الجمار في الأيام الثلاثة بعد يوم النحر ماشيًا وذاهبًا وراجعًا، ويخبر أن النبي ﷺ كان يفعل ذلك.
قال محمد: المَشْيُ أفضل، أي: لأنه في العبادة قياسًا على الطواف والسعي، مِع أن الحج ماشيًا أفضل لقوله تعالى في سورة الحج: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا﴾ [الحج: ٢٧] أي: مشاة ﴿وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ أي: بعير ضعيف، ففي تقدير المشاة إشعار بأنه أفضل، كما صرح ابن عباس، وأما أنه ﷺ حج راكبًا فلبيان الرخصة ودفع الحرج عن الأمة وَمَنْ رَكَبَ أي: ولو بلا عذر فلا بأسَ بذلك أي: بخلاف الطواف والسعي فيما هناك لتفاوت المقامات.
حكى إبراهيم بن الجراح قال: دخلت على أبي يوسف يومًا فوجدته مغمى عليه، ففتح عينيه فرآني، فقال: يا إبراهيم، أيما أفضل للحاج أن يرمي راجلًا أو راكبًا؟ فقلت: راجلًا فخطأني أي: حملني إلى الخطأ، ثم قلت: راكبًا فخطأني فقلت: فما يقول الإِمام قال: كل رمي بعده رمي يرميها الرامي ماشيًا وكل لبس بعده رمي يرميها الرامي راكبًا،
стр. 977
فخرجت من عنده فسمعت بكاء النساء في داره، فقيل: أي قبض أبو يوسف فلو كان شيء أفضل من مذاكرة العلم لا يشتغل به في هذه الحالة؛ لأن هذه الحالة حالة الندامة والحسرة، كذا في (منح الغفار).
لما فرغ من بيان حكم رمي الجمار راكبًا، شرع في بيان حكم ما يقال عند الجمار والوقوف عند الجمرتين، فقال: هذا
* * *
باب ما يقول عند الجمار والوقوف عند الجمرتين
في بيان حكم ما أي: الذكر مطلقًا يقول أي: الرامي، وفي نسخة: يقال عند الجمار: جمع جمرة وهو اسم المجتمع الحصي، سمي بذلك لاجتماع الناس بها يقال: تجمر بنوا فلان إذا اجتمعوا، وقيل: إن العرب تسمى الحصى الصغار جمارًا فسميت بذلك للشيء بلازمه، وقيل: لان آدم وإبراهيم صلوات الله على نبينا وعليهما لما عرض له إبليس فحصبه جمرة بين يديه أي: أسرع ذكره في (الفتح).
وقال الشهاب العراقي: الجمار اسم للحصى لا للمكان والجمرة اسم للحصى لا للمكان، والجمرة للحصاة، وإنما سمي الموضع جمرة باسم ما جاوره، وهو اجتماع الحصى فيه والوقوف عند الجمرتين إحديهما الأولى التي إلى مسجد الخيف أقرب ومن بابه الكبير إليها ألف ذراعًا وماليًا ذراع وأربع وخمسون ذراعًا، وسدس ذراع، ومنها إلى الجمرة الوسطى مائتا ذراع وخمسة وسبعون ذراعًا، ومن الجمرة الوسطى إلى جمرة العقبة مائتا ذراع وثمانية أذرع كل ذلك بذراع الحديد.
٤٩٧ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، أنَّ ابن عمر كان يُكَبِّر كل ما رَمَى الْجَمْرَة بِحَصاةٍ.
قال محمد: وبهذا نأخذ.
أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي أخرى: أنا أخبرنا وفي نسخة: عن نافع، بن عبد الله المدني، ثقة مشهور فقيه مولى ابن عمر، كان في الطبقة الثالثة من
стр. 978
طبقات التابعين من أهل المدينة أنَّ ابن عمر كان يُكَبِّر كل ما رَمَى الْجَمْرَة بِحَصاةٍ والمعنى كبر مع كل حصاة كما في حديث جابر.
قال محمد: وبهذا نأخذ أي: (ق ٥٣٨) ونقول: إنه مستحب.
* * *
٤٩٨ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن ابن عمر، أنَّه كان يقف عند الجمرتين الأولَيَيْن، يقف وُقُوفًا طويلًا، ويُكَبِّر الله ويُسَبِّحه، ويدعو الله، ولا يقف عند العَقَبَة.
قال محمد: وبهذا نأخذ، وهو قولُ أبي حنيفة.
• أخبرنا مالك, وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي أخرى: أنا أخبرنا وفي نسخة عن نافع، بن عبد الله المدني، ثقة فقيه مشهور مولى ابن عمر ﵄، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة عن ابن عمر، ﵄ أنَّه كان يقف عند الجمرتين الأولَيَيْن، إحديهما الأولى التي تلي مسجد منى، أي: مسجد الخيف، والثانية الوسطى يقف وُقُوفًا طويلًا، أي: يمكث مكثًا طويلًا مقدار ما يقرأ سورة البقرة، كما رواه ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن عطاء عن ابن عمر ويُكَبِّر الله أي: بأن يقول: الله أكبر زاد نساكم على أثر كل حصاة، أي من السبع، ففيه مشروعية التكبير عند كل حصاة، وأجمعوا على أن من تركه لا شيء عليه إلا الثوري، فقال: يطعم وإن جبره بدم فأحب إليَّ ويُسَبِّحه، أي. ينزهه عما لا يليق به، مثل أن يقول: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم ويدعو الله، أي: يطلب من الله تعالى حاجته في الدنيا والآخرة، مستقبل القبلة، فإن الدعاء مستجاب هناك، وفي (البحر الرائق) معزيًا إلى الرسالة المنسوبة إلى الحسن البصري أنه أرسلها إلى أهل مكة يقول فيها: إن الدعاء مستجاب في خمسة عشر موضعًا:
أحدها: في الطواف، وثانيها: عند الملتزم، وهو موضع ما بين باب الكعبة الكرمة، وبين الحجر الأسود، وثالثها: تحت الميزاب، ورابعها: في البيت، وخامسها: عند بئر زمزم، وسادسها: خلف المقام، وسابعها: على الصفا، وثامنها: على المروة، وتاسعها:
стр. 979
في السعي، وعاشرها: في عرفة، والحادي عشر: في المزدلفة، والثاني عشر: في منى، والثالث عشر: عند الجمرة الأولى، والرابع عشر: عند الجمرة الوسطى، والخامس عشر: عند جمرة العقبة، وزاد غيره: عند رؤية البيت الشريف، فهي ستة عشر موضعًا. كذا في (منح الغفار) للتمرتاشي ولا يقف أي: لا يمكث الرامي الحصاة عند العَقَبَة أي: للدعاء لضيق المقام وحصول الزحام، وفي البخاري من رواية سالم عن ابن عمر يقول: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يفعل.
قال محمد: وبهذا نأخذ، أي: إنما نعمل بما رواه نافع بن عبد الله المدني عن سيده ابن عمر ﵄، وهو أي: ما قاله نافع قولُ أبي حنيفة رحمه الله تعالى أي: تنزه عما لا يليق بشأنه.
لما فرغ من بيان حكم ما يقال عند الجمار والوقوف عند الجمرتين، شرع في بيان حكم الجمار قبل الزوال أو بعده، فقال: هذا
* * *
باب رمي الجمار قبل الزوال أو بعده
في بيان حكم رمي الجمار قبل الزوال, أي: قبل ميل الشمس عن بطن السماء إلى طرف المغرب أو بعده "أو" للتنويع، فقبل الزوال يرمي جمرة العقبة وبعده البقية.
٤٩٩ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن ابن عمر، أنه كان يقول: لا تُرْمَى الجمار حتى تزول الشمس؛ في الأيام الثلاثة التي بعد يوم النحر.
قال محمد: وبهذا نأخذ.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا أخبرنا وفي نسخة: عن نافع، بن عبد الله المدني عن ابن عمر، ﵄ أنه كان يقول: لا تُرْمي بصيغة المجهول الجمار حتى تزول أي: تميل الشمس؛ عن خط الاستواء إلى جانب الغرب في الأيام الثلاثة التي بعد يوم النحر، وأما يوم النحر فيجوز الرمي قبل الزوال وبعده إلا (ق ٥٣٩) أن الأفضل قبلهم.
стр. 980
قال محمد: وبهذا نأخذ لكن رمي في اليوم الرابع قبل الزوال صح عند أبي حنيفة مع الكراهة؛ لأنه خالف السنة، وقال: لا يصح فيلزم إعادة رميها بعده عند الجمهور والأئمة الأربعة، وأما ما روي من جواز رمي الجمار قبل الزوال في اليوم الثاني والثالث فهو ساقط الاعتبار: كذا قاله علي القاري.
لما فرغ من بيان حكم رمي الجمار قبل الزوال وبعده في الأيام الثلاثة التي بعد يوم النحر، شرع في بيان المكث ليلًا خارج جمرة العقبة، فقال: هذا
* * *
باب البيتوتة وراء عقبة منى وما يكره من ذلك
في بيان حكم البيتوتة، أي: مكث الحاج ليلًا وراء العقبة، أي: خارج جمرة العقبة ليالي منى، وما أي: فعل يكره من ذلك أي: البيتوتة وراء العقبة فإن المكث ليلًا من ليالي منى خارج العقبة من جهة مكة مكروه تنزيهًا، والبيتوتة بمنى في أيام التشريق سنة عن أبي حنيفة وأحمد وواجبة عند الشافعي وجمهور المحدثين.
٥٠٠ - أخبرنا مالك أخبرنا نافع، قال: زَعموا أن عمر بن الخطاب كان يبعث رجالًا يُدْخِلون الناس من وراء العَقَبة إلى مِنىً، قال نافع: قال عبد الله بن عمر: قال عمر بن الخطاب: لا يبيتنّ أحدٌ من الحاج لَيَالي منى وراء العَقَبة.
قال محمد: وبهذا نأخذ، لا ينبغي لأحدٍ من الحاجّ أن يبيت إلا بمنًى ليالي الحجّ، فإن فعل فهو مكروه، ولا كَفَّارَة عليه، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامّة من فقهائنا.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا أخبرنا وفي نسخة: قال: بنا نافع، بن عبد الله المدني ثقة فقيه مشهور مولى ابن عمر، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة، قال: أي: نافع المدني زعموا أي: قال بعض التابعين، وإنما قال: زعموا، ولم يقل قالوا؛ لأنهم قالوا ما قالوه بلا حصول يقين لهم.
стр. 981
قال السيد الشريف محمد الجرجاني: الزعم هو القول بلا دليل انتهى. يعني ادعى بعض التابعين أن عمر بن الخطاب ﵁ كان يبعث رجالًا يُدْخِلون أي: من الإِدخال الناس من وراء العَقَبة أي: من خارج جمرة العقبة إلى مِنىً، أي: في داخلها.
قال ابن مالك من النحويين: ويمكن أن تكون كلمة "إلى" مرادفة "في"، كما في قوله تعالى في سورة النساء والأنعام: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنعام: ١٢] أي: في يوم القيامة، كما قاله ابن هشام في (مغني اللبيب)، وهل العقبة من منى أم لا، المشهور المذكور عن كثير منهم أنها ليست من منى من جهة مكة، وهي التي بايع النبي ﷺ الأنصار عندها على الهجرة قال نافع: قال عبد الله بن عمر ﵄ قال عمر بن الخطاب ﵁ لا يبيتنّ نهي غائب مؤكد من باب التفعيل أي: لا يمكثن أحدٌ من الحاجّ لَيَالي منى وراء العَقَبة أي: من جهة مكة، فإذا كان النهي تحريمًا يجب الدم على من بات خارج العقبة عند الشافعي والجمهور من المحدثين، وإذا كان تنزيهًا لا شيء عليه، لكنه خالف السنة، وقد روى ابن نافع عن مالك: من حبسه مرض فبات بمكة فعليه هدي إلا لرعاء الإِبل للحديث الآتي وأهل الساقية للحديث الصحيح: رخص النبي ﷺ للعباس رضي الله تعالى عنه أن يبيت بمكة أيام منى من أجل سقايته، كما قاله الزرقاني.
قال محمد: وبهذا نأخذ، أي: إنما نعمل بما رواه ابن عمر عن عمر بن الخطاب ﵁ لا ينبغي لأحدٍ من الحاجّ أن يبيت إلا بمنًى ليالي الحجّ، فإن فعل أي: إن بات في غير منى خارج جمرة العقبة فهو مكروه، أي: بكراهة التنزيه لمخالفته السنة ولا كَفَّارَة عليه، أي: لعدم وجوب البيتوتة بمنى وهو أي: عدم وجوب الكفارة على من بات في غير منى في ليالي أيام التشريق قولُ أبي حنيفة، والعامّة من فقهائنا أي: من أتباع أبي حنيفة رحمه الله تعالى.
لما فرغ من بيان حكم (ق ٥٤٠) البيتوتة للحاج خارج منى في ليالي أيام التشريق، شرع في بيان حكم الحاج من تقديم نسك على نسك، فقال: هذا
* * *
باب من قدم نسكًا قبل نسك
في بيان حكم حال (من) أي: الحاج قدَّم نسكًا على نسك بضم النون وسكون
стр. 982
السين، بمعنى العبادة يقال: مسك ينسك، من باب الأول كذا قاله محمد الواني، وهو مما يجب تقديمه على بعض أو تأخير عنه.
٥٠١ - أخبرنا مالك، حدثنا ابن شهاب، عن عيسى بن طَلْحَةَ بن عُبَيْد الله أنَّه أخبره، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، أنَّ رسول الله ﷺ ، وَقَفَ للناس عام حَجَّة الوداع، يسألونه، فجاءَ رجلٌ فقال: يا رسول الله، لم أشْعُر، فنحرتُ قبل أن أرْمِي، قال: "ارْمِ ولا حَرَج"، وقال آخرُ: يا رسول الله، لم أشعرُ فحلقتُ قبل أن أذبح، قال: "اذبح ولا حَرَج"، قال: فما سُئل رسول الله ﷺ عن شيءٍ يومئِذٍ قُدِّمَ ولا أُخِّرَ، إلا قال: "افعل ولا حرج".
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا حدثنا وفي نسخة: بنا، وفي أخرى: ثنا ابن شهاب، أي: محمد بن مسلم بن زهرة بن كلاب، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين، من أهل المدينة، كانت في الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة على وجه الأرض، عن عيسى بن طَلْحَةَ بن عُبَيْد الله بالتصغير القرشي التيمي المدني، يكنى أبا محمد ثقة فاضل، كان في الطبقة الثالثة من طبقات كبار التابعين من أهل المدينة، مات سنة مائة كما في (التقريب) لابن حجر (١) وأبو طلحة أحد العشرة، وكان زوج أم سلمة بعد وفاة زوجها الأول مالك أبي أنس، خادم رسول الله ﷺ فكان أنس بن مالك ربيبة أنَّه أي: عيسى بن طلحة أخبره، أي: ابن شهاب عن عبد الله بن عمرو بفتح العين ابن العاص، بغير الياء، وبها خطأ. كما قال علي القاري في (فتح القدير شرح المشكاة)، ﵄ أنَّ رسول الله ﷺ ، وَقَفَ أي: توقف على ناقته، كما في رواية صالح عند البخاري ويونس عند مسلم بلفظ: على راحلته، فرواية يحيى القطان جلس في حجة الوداع للناس أي: لأجلهم عام حَجَّة الوداع، وفي رواية: وقف عند الجمرة، وفي رواية أخرى: فخطب يوم النحر.
قال القاضي عياض: جمع بعضهم بأنه توقف واحد، ومعنى خطب أي: أعلم الناس؛ لأنها من خطب الحج المشروعة قال: ويحتمل أن ذلك في موطنين: أحدهما: على راحلته عند الجمرة، ولم يقل في هذا خطب، والثاني: يوم النحر بعد صلاة الظهر
стр. 983
وذلك في وقت الخطبة المشروعة من خطب الحج يعلم الإِمام فيها الناس ما بقي عليهم من مناسكهم، وصوَّب النووي هذا الثاني، فعن البخاري وغيره عن ابن عمر أنه ﷺ وقف يوم النحر بين الجمرات، فذكر خطبته فلعل ذلك وقع بعد أن أفاض ورجع إلى منى انتهى. فطفق الناس يسألونه، أي: عن مسائل حجهم فجاءَ رجلٌ قال الحافظ ابن حجر العسقلاني: لم أقف على اسمه بعد البحث الشديد ولا على اسم أحد ومما سأل في هذه القصة، وكانوا جماعة، لكن في حديث أسامة بن شريك عند الطحاوي وغيره: كان الأعراب يسألونه فكان هذا هو السبب في عدم ضبط أسمائهم فقال: يا رسول الله، لم أشْعُر، بضم العين أي: لم أدر وجوب الترتيب أو سنة فنحرتُ قبل أن أرْمِي، قال: "ارْمِ أي: بعد النحر ولا حَرَج"، أي: لا إثم عليك بالجهل بالأحكام، وهو عذر في بداية الإِسلام وقال آخرُ: يا رسول الله، لم أشعُر أي: لم أفطن يقال: شعرت الشيء شعورًا إذا أفطنت له وقيل: الشعور العلم، ولم يفصح في رواية مالك بمتعلق الشعور، وبينه يونس عند مسلم بلفظ: لم أشعر الرمي قبل الحلق فحلقتُ أي: شعر رأسي قبل أن أذبح، والفاء سببية جعل الحلق سببًا عن عدم الشعور كأنه يعتذر لتقصيره قال: أي: ﷺ (ق ٥٤١) "اذبح أي: بعد الحلق ولا حَرَج"، أي: لا إثم في تأخيره، لما مر.
قال القاضي عياض: ليس أمرًا بالإعادة، وإنما هو إباحة لما فعل لأنه سأل عن أمر فرغ منه، فالمعنى افعل ذلك متى شئت ونفي الحرج بين في رفع الفدية عن العامد والساهي، وفي مسائل الإِثم عن الساهي، فالأصل أن تارك السنة عمدًا لا يأثم إلا أن يتهاون فيأثم للتهاون لا للتحرك قال: أي: عبد الله بن عمر فما سُئل رسول الله ﷺ عن شيءٍ يومئِذٍ أي: من مسائل الحج قُدِّمَ أي: فيما يستحق التأخير كالطواف والسعي ولا أُخِّرَ، أي: فيما يستحق التقديم من الرمي والحلق والذبح إلا قال: "افعل أي: المؤخر ولا حرج" أي: في تقديم المؤخر، والحديث في الصحيحين، وبظاهره أخذ الشافعي وأبو يوسف ومحمد، وقال أبو حنيفة: إن حلق قبل الرمي أو نحر القارن أو المتمتع قبل الرمي أو حلق قبل الذبح أو أخر طواف الفرض أو الحلق عن أيام النحر يجب عليه دم، وأما لو طاف قبل الرمي والحلق فلا شيء عليه، ويكره، ودليل أبو حنيفة ما رواه ابن أبي شيبة والطحاوي من حديث ابن عباس قال: من قدم شيئًا في حجة أو أخره فليهرق لذلك دمًا.
* * *
стр. 984
٥٠٢ - أخبرنا مالك، حدثنا أيوب السَّخْتِيانِيّ، عن سعيد بن جُبَيْر، أنَّ ابن عباس كان يقول: مَنْ نَسِيَ من نُسُكه شيئًا أو تَركَ فَلْيُهْرِق دمًا، قال أيوب: لا أدري، أقال: تَرَكَ أم نَسِيَ.
قال محمد: وبالحديث الذي رُوي عن النبي ﷺ نأخُذُ، أنَّه لا حرج في شيء من ذلك.
قال أبو حنيفة: لا حَرَجَ في شيءٍ من ذلك، ولم يرَ في شيءٍ من ذلك كَفَّارَة إلا في خَصْلَةٍ واحدة، المُتَمَتِّع والقَارِن، إذا حَلَقَ قبل أن يذبح، قال: عليه دَمٌ، وأما نحن فلا نَرَى عليه شيئًا.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا حدثنا وفي نسخة: قال: ثنا أبو أيوب السَّخْتِيانيّ، اسمه كيسان بفتح المهملة بعدها معجمة ثم مثناة تحتانية وبعد الألف نون، يكنى أبا بكر البصري ثقة ثبت حجة، كان في الطبقة الخامسة من طبقات كبار الفقهاء العباد، من أهل البصرة، وهي كانت في الإِقليم الثالث من الأقاليم السبعة من وجه الأرض، ومات سنة إحدى وعشرين ومائة وهو ابن خمسة وستين سنة. كما قاله ابن حجر (١) عن سعيد بن جُبَيْر، الأسدي وهو مولاهم الكوفي ثقة ثبت فقيه، كان في الطبقة الثانية من طبقات التابعين من أهل الكوفة، كانت في الإِقليم الثالث من الأقاليم السبعة من وجه الأرض، قتل بين يدي الحجاج بن يوسف سنة خمس وتسعين وهو ابن سبع وخمسين، وقال بعض المؤرخين: هو ابن تسعة وأربعين عن عبد الله بن عباس ﵄ أنه كان يقول: مَنْ نَسِيَ من نُسُكه بضم النون وسكون السين أي: من أراد الحج وترك فعلًا من أفعال الحج بنسيانه أو من أفعال عمرته ارتكب بالنسيان من محظورات إحرامه شيئًا وفي معناه من جهل أو تَرَكَ عمدًا أو خطأ فَلْيُهْرِق دمًا، بضم التحتية وسكون المهملة ويفتح أي: فليذبح، وبهذا قال مالك وجماعة قال أيوب أي: ابن أبي تميمة كيسان السختياني لا أدري، أقال: أي: سعيد بن جبير تَرَكَ أم نَسِيَ يعني: أنه إنما قال أحدهما فـ "أو" للشك لا للتنويع.
стр. 985
قال محمد: وبالحديث الذي رُوي عن النبي ﷺ نأخُذُ، أي: نعمل بظاهره أنَّه أي: النبي ﷺ قال: لا حرج أي: لا إثم في شيء من ذلك أي: من نسيان النسك بناء على أن الترتيب مسنون، فلا إثم عليه بتقديم النسك على بعض بالنسيان.
وقال أبو حنيفة: لا حَرَجَ في شيءٍ من ذلك، أي: حيث بما كان جاهلًا بما هنالك ولم يرَ أي: لم يتحر في شيءٍ من ذلك أي: مما ذكر من التقديم والتأخير كَفَّارَة أي: من وجوب الدم إلا في خَصْلَةٍ واحدة، وهي تقديم فعل من أفعال الحج على بعضها حتى إن المُتَمَتِّع والقَارِن، إذا حَلَقَ أي: شعر رأسه أو قصره قبل أن يذبح، قال: عليه دَمٌ، أي: عليه وعلى أمثاله وقد تقدم (ق ٥٤٢) غير ذلك فالحصر غير حقيقي وأما نحن أي: أراد المصنف نفسه وأبا يوسف فلا نَرَى عليه شيئًا أي: لا تقضي على الناس بأي من الكفارة بنسيانه.
لما فرغ من بيان حكم حال الحاج، قدم نسكًا على نسك مما يجب تقديمه أو تأخيره، شرع في بيان حكم الصيد، فقال: هذا
* * *
٥٦ - باب جزاء الصيد
في بيان حكم جزاء الصيد أي: صيد البر إذا صاده المحرم في حال إحرامه استنبط المصنف رحمه الله تعالى هذه الترجمة من قوله تعالى في سورة المائدة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ الآية [المائدة: ٩٥] فالمناسب بين هذا الباب والباب السابق معلوم.
٥٠٣ - أخبرنا مالك، أخبرنا أبو الزبير، عن جابر بن عبد الله، أن عمر بن الخطاب قَضَى في الضَّبْعُ بكبْش، وفي الغَزَالِ بِعَنْز، وفي الأرْنَبِ بعَنَاق، وفي اليَرْبُوع بِجَفْرة.