стр. 1016
← Усуль аль-фикх следующие страницы →
Усуль аль-фикх · id 127717
شرح مختصر أصول الفقه للجراعي
الجراعي
Полный текст (1 782 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.
стр. 1017
ولأنه تكرر شرعًا لدليل خارجي، ولذلك لم يتكرر الحج مع تعليقه بالاستطاعة، مع أن الآمدي (١) جعل الزنا علة، في أثناء كلامه فإنه قال: "وقبل الخوض في الحجاج لا بد من تخليص محل النزاع، فنقول ما علق به المأمور من الشرط والصفة إما أن يكون قد ثبت كونه علة في نفس الأمر، لوجوب الفعل المأمور به كالزنا، أو لا يكون كذلك، بل الحكم متوقف عليه من غير تأثير فيه، كالإحصان الذي يتوقف عليه الرجم في الزنا، فإن كان الأول: "فالاتفاق واقع على تكرار الفعل" لتكرره، نظرًا إلى تكرر العلة، لا إلى الأمر، وإن كان الثاني: فهو محل الخلاف، والمختار: أنه لا تكرار.
تنبيه: قال عبد الوهاب (٢) موانع التكرار عقلية، كقتل المقتول، وكسر المكسور، وشرعية كتكرار العتق في عبد، وقد يمتنع لكون الأول مستغرقًا للجنس، فيحمل الثاني على الأول، انتهى.
وإذا استغرق الأول الجنس، وتناول الثاني بعضه، كقوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ دل على الاهتمام بالثاني، وإن كان الثاني أعم من الأول نحو: "اقتلوا أهل الأوثان واقتلوا جميع المشركين" فالصحيح أنه للاعتناء والتفخيم.
قوله (٣): مسألة: من قال: "الأمر للتكرار" قال: للفور.
стр. 1018
واختلف غيرهم: فذهب الأكثر للفور. وللتراخي عند أكثر الشافعية، وعن أحمد مثله. وقال الإمام: بالوقف لغة، فإن بادر امتثل. وقيل: بالوقف وإن بادر.
القائلون بالتكرار، قائلون بالفور (١). واختلف غيرهم: فظاهر مذهبنا (٢): للفور، وقاله الكرخي (٣) وغيره من الحنفية (٤)، وحكاه جماعة عنهم (٥)، وقاله المالكية (٦)، والصيرفي (٧)، وأبو حامد المروزي (٨) وغيرهما من الشافعية، وبعض المعتزلة (٩).
ولنا: رواية لا يقتضيه (١٠) - لقوله عن قضاء رمضان: يفرق؛ قال الله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (١١) - واختاره
стр. 1019
стр. 1020
لغة، فإن بادر امتثل، وقيل (١): بالوقف ولو بادر، وهو خلاف إجماع السلف (٢).
احتج القائلون بالفور بقوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (٣) وبقوله تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ (٤). فرد الأول: بأنه من جهة المسارعة لا للصيغة (٥)، وإلا لم يكن مسارعًا، لجواز كونه للأفضلية لا للوجوب. لا أن الفور واجب.
سلمنا الوجوب لكن الفورية من حروف المسارعة والإستباق، لا من جهة صيغة الأمر، فلا يحصل المطلوب.
وأيضًا: المراد سبب الخيرات والمغفرة فدلالتهما دلالة الاقتضاء ولا عموم.
والتوبة مراتب، والمغفرة إما من الشرك، أو من المعاصي، وكلاهما على الفور، وبقوله تعالى لإبليس -لعنه الله- ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾.
فرد: بأنه ذمه للإستكبار، وهي واقعة عين.
فأجيب: بأن قوله ﴿إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ (٦) يمنعه.
стр. 1021
فقيل: ليس الأمر مطلقًا، بدليل ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ﴾ (١)، والفاء للتعقيب (٢)، أو ذمه لمخالفته وإن كان متراخيًا، لعلمه عدم سجوده، أو لقرينة سجود الملائكة، ولو سلم لمقتضاها حملت أوامر الله على الفور، والنزاع في الوضع اللغوي لا في الحمل، وبأنه لو قال: "اسقني" فأخر عدّ عاصيًا.
فرد: للقرينة (٣)، وبأنه طلب، فاقتضى الفور كالنهي (٤)، وبأنه لو شرع التأخير لكان إلى غاية، وإلا لألحق بالمندوبات (٥).
واحتج من قال بعدم الفور: بأن الأمر لمطلق الفعل لا إشعار له بالفور ولا بعدمه، وبأنه يحسن الاستفهام فيه، وبأنه لو حلف: "ليفعلن" لم يجب فور، وبالقياس على النذور، والكفارات.
فأجيب: بأن حسن الاستفهام للقطع بانتفاء
стр. 1022
الاحتمال، والحلف لا يوجب، ثم قد يختار التكفير، والكفارات والنذور على الفور، فلا نقض.
تنبيه: ليس كون الأمر على الفور وجوب الفورية في الحج وغيره متلازمين، فقد يقول بفورية الحج من لا يعتقد أن مطلق الأمر على الفور، لأدلة تخصه، وقد يقول بأن الحج على التراخي من يعتقد كون الأمر المطلق على الفور، لأدلة تخصه.
فمذهب أحمد (١): الزكاة والحج على الفور، ومذهب الشافعي (٢): الزكاة على الفور، والحج على التراخي، وعند أبي حنيفة (٣): الزكاة على التراخي، وعنه (٤) في الحج روايتان.
أحدهما يتعين السنة الأولى كقول أبي يوسف، والثانية لا كقول محمد، أ. هـ.
قوله (٥): مسألة: الأمر بشيء معين (٦) نهي عن ضده من
стр. 1023
стр. 1024
وجه الأول كما قال القاضي (١)، وغيره: بناء على أصلنا، أن مطلق الأمر للفور. وأيضًا: فإن الأمر الإيجاب: طلب فعل يذم تاركه إجماعًا، ولا ذم على فعل، وهو الكف عنه، أو الضد، فيستلزم النهي عن ضده، أو النهي عن الكف عنه. وقوله: "من حيث المعنى لا اللفظ" يعني: أن قوله: "قم" غير قوله: "لا تقعد"، وقوله: "تحرك" غير قوله: "لا تسكن" لفظًا، لكن يلزم من قيامه أن لا يقعد، أو من حركته أن لا يسكن، لاستحالة اجتماع الضدين.
ومن يقول: هو نهي من جهة اللفظ، يريد أن قوله: "قم" يستفاد منه استفادة لفظية عدم القعود، لا استفادة التزامية، أن: إن طلب القيام بعينه هو طلب عدم القعود، وعند التحقيق يرجع هؤلاء إلى الأول.
وأما قول المعتزلة فإنهم بنوه على مذهبهم، وهو اشتراط الإرادة ووجودها غير معلوم.
قوله (٢): وأمر الندب كالإيجاب عند الأكثر، [إن] (٣) قيل مأمور به حقيقة.
إن قيل مأمور به حقيقة فهو كالإيجاب، بمعنى هل هو نهي عن ضده على طريق الندب من جهة اللفظ، أو المعنى، أولا يكون نهيًا عن ضده؟ فيه الخلاف المتقدم.
стр. 1025
قال أبو العباس (١): والإثبات قول ابن الباقلاني (٢)، والنفي قول الأشعري (٣) مع موافقته في أمر الإيجاب.
قوله (٤): والنهي عن الشيء هل هو أمر بأحد أضداده؟ على الخلاف.
الخلاف الجاري في مسألة الأمر بالشيء هل هو نهي عن ضده جار هنا أيضًا، فيكون المقدم هنا أن النهي عن الشيء أمر بضده من حيث المعنى، لا اللفظ كما تقدم (٥).
ولنا: خلاف في حنث من قال: "إن أمرتك فخالفتيني فأنت طالق" فنهاها، فخالفته ولا نية، بناء على ذلك (٦).
قوله (٧): مسألة: الإجزاء: امتثال الأمر. ففِعلُ المأمور به بشرطه يحققه إجماعًا. وكذا إن فسر الإجزاء [بسقوط] (٨) القضاء عند الأكثر، خلافًا لعبد الجبار، وابن الباقلاني.
стр. 1026
الإجزاء قد يفسر بالامتثال، وقد يفسر بإسقاط القضاء (١)، فإن فسر بالأول فلا خلاف (٢) في أن إتيان المأمور به على وجهة يحققه (٣)، وإن فسر بالثاني فكذلك (٤) عندنا (٥) وعند عامة الفقهاء والمتكلمين (٦). وعند عبد الجبار وغيره من المعتزلة (٧). وابن الباقلاني (٨) لا يستلزم الإجزاء.
وجه الأول أنه لا يجوز قوله لعبده: "افعل كذا، فإذا فعلت كما أمرتك لم يجزئك وعليك القضاء للتناقض.
قوله (٩): مسألة: الواجب المؤقت يسقط بذهاب وقته عند الأكثر (١٠) خلافًا للقاضي (١١) والمقدسي (١٢).
стр. 1027
والحلواني (١) وبعض الشافعية (٢) فالقضاء بأمر جديد على الأول، وبالأمر السابق على الثاني.
وإن لم يقيد الأمر بوقت. وقل: هو على الفور. فالقضاء بالأمر الأول عند الأكثر، وقال أبو الفرج المالكي والكرخي: هو كالمؤقت.
وجه قول القاضي ومن وافقه: أن بالأمر ثبت وجوب العبادة في ذمة المكلف، وكلما ثبت وجوبه في ذمة المكلف لا يسقط عنه إلا بالأداء، أو الإبراء، أو النسخ، وبخروج الوقت لم يحصل شيء من ذلك، فلم يسقط الوجوب.
فإن قيل: الوجوب إنما ثبت بشرط الوقت، فإذا خرج الوقت سقط الوجوب، لأن شرطه قد زال.
قيل: الوجوب من مقتضى الأمر، والوقت ظرف لإيقاع الفعل فيه، وبعدم الظرف لا يسقط الوجوب.
جواب آخر: لو جعل خروج الوقت مسقطًا للوجوب، لكان للمكلف أن يسقطه عن نفسه، بترك فعله حتى يخرج الوقت. ألا ترى أن الفعل لما كان مسقطًا للوجوب، كان للمكلف أن يسقط الوجوب عن ذمته بإيجاد الفعل، ولما لم يجز أن يقال أن للمكلف أن يسقط عن نفسه بالترك، دل على أن الترك لا يسقط الوجوب.
стр. 1028
ووجه الأول إنما بعد الوقت لم يتناوله الأمر، فلم يجب فيه الفعل كما قبل الوقت.
رد: أن أردت لم يتناوله بلفظ فصحيح، وهذا لا يمنع إيجاب الفعل، كالأمر المطلق لم يتناول بلفظه وقتًا بعينه، ويجب الفعل. وإن أردت لم يتناوله بلفظه ولا بمعناه لم نسلم، لأن حكم الأمر الوجوب، وهو ثابت في ذمته لا يسقط الأمر من المتقدم ذكره وليس هذا منها، وفارق قبل الوقت، لأنه لم يجب عليه فعل الأمور به بحال.
واحتجوا: بأن تخصيصه بالوقت كتخصيصه بالمكان، ولو علق بمكان وتعذر لم يفعل في غيره، فكذا الزمان.
والجواب: ليس الزمان كالمكان (١)، ثم المكان لا يفوت بخلاف الزمان، فوجب القضاء في غيره، فلو قدر تعذر المكان، بأن يصير في لجة بحر وما أشبهه، جاز الفعل في غيره.
قالوا: الحج الفاسد يجب المضي فيه، ويجب القضاء.
قلنا: المفسد لحجه لا يقضي الفاسد، إنما هو مأمور بحج خالٍ عن الفساد، وقد أفسد على نفسه، فيبقى في عهدة الأمر، ويؤمر بالمضي في الفاسد ضرورة الخروج عن الإحرام.
فإن قلنا بعدم السقوط فالقضاء بالأمر الأول. وإن قلنا بالسقوط فالقضاء بأمر جديد.
стр. 1029
وأما الأمر المطلق إذا لم يفعل في أول أوقات إمكانه، وقلنا هو على الفور فإنه يفعل بالأمر الأول، لأن الأمر لم يقيد بوقت فهو متناول للمأمور إلى حين الفعل.
وذهب (١) أبو الفرج المالكي (٢)، والكرخي (٣) إلى أنه كالموقت، وإن الخلاف الذي هناك جار هنا، لأنه باقتضائه الفور صار كالمؤقت (٤).
قوله (٥): مسألة: الأمر بالأمر بشيء ليس أمرًا بذلك الشيء عند الأكثر (٦).
ونقل (٧) العالمي (٨) من الحنفية أنه أمر.
لنا: لو كان أمرًا لكان "مر عبدك بكذا: تعديًا على ملك
стр. 1030
غيره، ولتناقض قول السيد لعبده غانم: "مرْ سالمًا بكذا"، مع قوله لسالم: "لا تطعه"، ولكان: (مروهم للصلاة لسبع) (١) أمر إيجاب للصبيان. وهذا فيه نظر لقيام المانع (٢).
قالوا: فُهِم ذلك من أمر الله تعالى ورسوله (٣)، ومن قول السلطان لوزيره: قل لفلان: افعل كذا.
ردّ: لأنه مبلغ لا آمر.
قوله (٤): مسألة: الأمر بالماهية ليس أمرًا بشيء من جزئياتها عند ابن الخطيب وغيره، خلافًا للآمدي.
مثاله الأمر بالبيع قال ابن الخطيب (٥) لا يكون أمرًا بالبيع بالغبن الفاحش، ولا بثمن المثل، إذ هما متفقان في مسمى البيع، ومختلفان بصفتيهما. والأمر إنما تعلق بالقدر المشترك وهو غير مستلزم لما تخصص له كل واحد من الأمرين، فلا يكون
стр. 1031
الأمر المتعلق بالأعم متعلقًا بالأخص، اللهم إلا أن تدل القرينة على إرادة أحد الأمرين، ولذلك قلنا إن الوكيل في البيع المطلق لا يملك البيع بالغبن الفاحش.
قال الآمدي (١): "وهو غير صحيح"، لأن الأمر طلب إيقاع الفعل، وذلك يستدعى كونه متصورًا (٢)، وإيقاع المعنى الكلي (٣) في الأعيان غير متصور في نفسه، فلا يكون متصورًا في نفس الطالب، فلا يكون مأمورًا به (٤) ولأنه يلزم منه التكليف بما لا يطاق (٥)، فإذًا: الأمر لا يكون بغير الجزئيات الواقعة في الأعيان، لا بمعنى الكلي، وبطل ما ذكره. وإن سلم أن الأمر متعلق بالمعنى المشترك وهو المسمى بالبيع، فإذا أتى المأمور ببعض الجزئيات، كالبيع بالغبن الفاحش، فقد أتى بما هو مسمى البيع المأمور به، الموكل فيه، فوجب أن يصح نظرًا إلى مقتضى صيغة الأمر المطلق بالبيع. وإن قيل بالبطلان فلا يكون ذلك، لعدم دلالة الأمر عليه (٦)، بل لدليل معارض" انتهى.
стр. 1032
أما عندنا فإنه إذا قال لوكيله: "بع هذا" فعند علمائنا (١): "يتناول البيع بغبن فاحش، واعتبر ثمن المثل للعرف والاحتياط للموكل.
ثم: هل يصح العقد ويضمن الوكيل النقص أم لا، كقول المالكية (٢) والشافعية (٣)؛ فيه روايتان عند الإمام أحمد (٤). وعند الحنفية (٥): لا يعتبر ثمن المثل، واعتبروه في الوكيل في الشراء.
وقال بعض علمائنا (٦) وبعض الشافعية (٧): الأمر بالماهية الكلية إذا أتى بمسماها امتثل، ولم يتناول اللفظ للجزئيات، ولم ينفها، فهي مما لا يتم الواجب إلا به، [وجبت] (٨) عقلًا لا قصدًا أي: بالقصد الأول، بل بالثاني. ثم ذكر (٩) كلام ابن الخطيب.
قوله (١٠): مسألة: الأمران المتعاقبان بمتماثلين ولا مانع
стр. 1033
عادة من التكرار من تعريف، أو غيره والثاني غير معطوف، مثل: "صل ركعتين، صل ركعتين"، قيل. معمول بهما، اختاره القاضي وأبو البركات، وأكثر الشافعية.
وقيل: تأكيد، واختاره أبو الخطاب والمقدسي.
وقيل: بالوقف.
إذا أمر السيد عبده مرة عقب أخرى، فإن اختلفا عمل بهما إجماعًا (١) على الاختلاف في مقتضى الأمر كما سبق (٢) كقوله: "صل ركعتين، صم يومين".
فإن تماثلا، فإن لم يقبل التكرار كـ"صم يوم الجمعة، صم يوم الجمعة"، أو قبله ومنحت العادة كـ "اسقني ماءً، اسقني ماء" [أو] (٣) الثاني معرف فهو مؤكد للأول إجماعًا (٤).
فإن لم تمنع، ولم يتعرف كـ "صم صم" أو "صلّ صلّ" أو "أعط زيدًا درهمًا، أعط زيدًا درهمًا -هي مسألة المصنف- فالثاني تأسيس، عند ابن عقيل (٥)، والقاضي (٦)، وذكره هو (٧)
стр. 1034
وغيره (١) عن الحنفية (٢) كبعد امتثال الأول (٣).
قال صاحب المحرر (٤): "وهو أشبه بمذهبنا لقولنا فيمن قال لزوجته: "أنت طالق أنت طالق. يلزمه طلقتان"، وذكره ابن برهان (٥) عن الفقهاء قاطبة، وقاله عبد الجبار (٦)، والجبائي (٧)، وابن الباقلاني (٨)، والآمدي (٩)، لأن الأصل التأسيس.
وفي التمهيد (١٠): الثاني: تأكيد؛ لئلا يجب فعل بالشك (١١)، ولا ترجيح، ومنع أن تغاير اللفظ يفيد تغاير المعنى، ثم سلمه والتأكيد فائدة (١٢).
وذكر أبو محمد التميمي (١٣) عن أحمد: الثاني تأكيد، واختلف أصحابه.
стр. 1035
وللشافعية (١) كالقولين.
وثالث: الوقف، وقاله أبو الحسين البصري (٢) كما سبق (٣) ولمخالفته البراءة الأصلية (٤).
وعورض: يلزم من الوقف مخالفة مقتضى الأمر، فيسلم الترجيح بالتأسيس.
وإن كان الثاني معطوفًا: فإن اختلفا عمل بهما. وإن تماثلا -ولم يقبل تكرارًا - فتأكيد بلا خلاف (٥).
وإن قَبِلَه - ولم تمنع منه عادة، ولا الثاني معرّف - فالأقوال الثلاثة، مع ترجيح آخر (٦) وهو العطف (٧).
وإن منعت العادة تعارضًا (٨)، والأقوال الثلاثة، وجزم بعض علمائنا (٩) بالتكرار.
وإن تعرّف الثاني - كـ "صل ركعتين" و"صل الركعتين"
стр. 1036
أو "الصلاة" - فتأكيد، ذكره القاضي (١) وأبو الفرج المقدسي (٢).
واختار أبو الحسين البصري (٣): الوقف، لمعارضة لام العهد للعطف.
واختار صاحب المحصول (٤): التغاير؛ لأن لام الجنس كما هي للعهد تكون لبيان حقيقة الجنس (٥).
قوله (٦): مسألة: يجوز أن يرد الأمر معلقًا باختيار المأمور، ذكره القاضي (٧) وابن عقيل.
بناه ابن عقيل (٨) على أن الخيرة في المندوب (٩)، مع كونه مأمورًا به خلافًا للمعتزلة (١٠)، وهذه تشبه القول للمجتهد: "احكم بما شئت".
قال أبو العباس (١١): "بحث الأصحاب يدل على إرادة أمر
стр. 1037
الإيجاب، فلا يصح البناء على المندوب، بل حرف المسألة مسألتان: جواز عدم التكليف، وتكليف ما يشاؤه العبد، فذكر ابن عقيل ما يدل على أنهم يمنعون أن يؤمر المكلف بما يشاء، وأن يأمره بما يراه بعقله، بخلاف ما يراه من الأدلة السمعية فيكون الخلاف معهم في أن يأمره بما يعتقده أو بما يريده. وأصحابنا جوزوا القسمين، وهذه إن قيل فيها بالجواز العقلي فقريب، وأما الوقوع ففيها نوع مخالفه لمسألة كل مجتهد مصيب مع إمكان الجمع".
قوله (١): مسألة: يجوز أن يرد الأمر والنهي دائمًا إلى غير غاية، فيقول: "صلوا ما بقيتم أبدًا" عند الأكثر (٢)، خلافًا للمعتزلة.
قالت المعتزلة (٣): متى ورد اللفظ بذلك لم يقتض الدوام وإنما هو حث على التمسك بالفعل.
قال أبو العباس (٤): "وحرف المسألة أنهم لا يمنعون الدوام في الدنيا، وإنما يمنعون الدوام مطلقًا، ويقولون: لا بد من دار ثواب غير دار التكليف، وجوبًا على الله ، فيكون قوله "أبدًا" مجازًا، وموجب قولهم: "إن الملائكة غير مكلفين" واستدل ابن عقيل (٥): باستبعاد الملائكة وإبليس".
стр. 1038
قوله (١): مسألة: الأمر بالصفة أمر بالموصوف نص عليه إمامنا.
إذا ورد الأمر بهيئة أو صفة لفعل، ودل الدليل على استحبابها، ساغ التمسك به على أصل الفعل، لتضمنه الأمر به، لأن مقتضاه وجوبها، فإذا خولف في الصريح بقي المتضمن على أصل الاقتضاء، ذكره علماؤنا (٢)، ونص عليه إمامنا (٣) حيث تمسك بالأمر بالمبالغة (٤) على وجوب الاستنشاق، خلافًا للحنفية (٥).
لا يبقى دليلًا على وجوب الأصل، حكاه الجرجاني (٦) (٧).
стр. 1039
قال أبو العباس (١): "وحقيقة المسألة أن مخالفة الظاهر لفظ الخطاب لا يقتضي مخالفة الظاهر في فحواه، وهو يشبه نسخ اللفظ، هل يكون نسخًا للفحوى؟ وهكذا يجيء في جميع دلالات الالتزام، وقول المخالف متوجه، وسرها هل هو بمنزلة أمرين، أو أمر بفعلين، أو أمر بفعل واحد، ولوازمه جاءت ضرورة، وهو يستمد من الأمر بالشيء، هل هو نهي عن أضداده.
قوله (٢): النهي (٣) مقابل الأمر (٤)، فما قيل في حد الأمر وأن له صيغة تخصه، وما في مسائله من صحيح وضعيف فمثله هنا.
стр. 1040
صيغة النهي: لا تفعل، وهل يشترط معها العلو والاستعلاء، أو لا أو الأول فقط (١) [] (٢).
واعتبر المعتزلة (٣) إرادة الترك.
وقالت الأشعرية (٤): لا صيغة له، بل هو قائم في النفس، كما قالوا في الأمر، وقد تقدمت المباحث في الأمر (٥).
قوله (٦): وصيغة "لا تفعل" وإن احتملت تحقيرًا، كقوله: ﴿لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾ (٧) وبيان العاقبة: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ (٨) والدعاء ﴿لَا تُؤَاخِذْنَا﴾ (٩) واليأس ﴿لَا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ﴾ (١٠) والإرشاد ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ﴾ (١١) .. فهي حقيقة في طلب الامتناع.
ذكر المصنف أن صيغة "لا تفعل" ترد لخمسة أشياء، وهي
стр. 1041
مع ذلك حقيقة في طلب الامتناع، وهو متابع في ذلك ابن مفلح (١).
وترد للتحريم: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ (٢) وللكراهة ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ﴾ (٣) وذكر في المحصول (٤): أنها ترد للخبر: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩)﴾ (٥) وللتهديد، كقولك لمن لا يمتثل لأمرك: " [أنت] (٦) لا تمتثل أمري" (٧)، وللإباحة، وذلك في النهي بعد الإيجاب، فإنه إباحة للترك، ذكره في الروضة (٨)، كقوله ﷺ : (ولا توضؤوا من لحوم الغنم) (٩)، ثم سلم: أنه للتحريم.
وكذا اختار ابن عقيل (١٠): يقتضي إسقاط ما أوجبه الأمر، وأنه وزان الإباحة بعد الحظر (١١).
стр. 1042
وجزم أبو الفرج المقدسي (١) أنه للكراهة، وقاله القاضي (٢)، وأبو الخطاب (٣)، ثم سلما: أنه للتحريم؛ لأنه آكد، واختاره الحلواني (٤).
وذكر أبو إسحاق الإسفرائيني (٥): التحريم إجماعًا، قال أبو المعالي: "ما أرى (٦) المخالفين في الأمر بعد الحظر يسلمون ذلك".
واختار (٧) أبو المعالي: الوقف.
وترد للالتماس (٨): كقولك لنظيرك: "لا تفعل هذا".
وكونها حقيقة في التحريم، والكراهة - وهو وجه لنا (٩)، مع
стр. 1043
أن الإمام أحمد (١) قال: "أخاف على قائل هذا أنه صاحب بدعة"
أو مشتركة (٢)، أو موقوفة (٣)، فعلى ما سبق في الأمر (٤).
قوله (٥): وتختص به مسألتان. إحداهما: إطلاق النهي (٦) عن الشيء لعينه يقتضي فساد المنهي عنه عند الأكثر (٧) شرعًا، وقيل (٨): لغة.
وقال بعض الفقهاء والمتكلمين (٩): لا يقتضي فساده.
وعند أبي الحسين (١٠): يقتضي العبادات فقط.
стр. 1044
وجه الأول: حديث عائشة ﵂ عن النبي ﷺ أنه قال: "من
عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد" متفق عليه (١).
ولأحمد (٢): "من صنع أمرًا على غير أمرنا فهو مردود".
واعترض: آحاد، ثم: المراد لا يثاب عليه.
والجواب: تلقته الأمة بالقبول، فهو كالمتواتر.
ثم: هذا من مسائل الاجتهاد، فهو كالفروع (٣)، ولأن الصحابة والأئمة لم تزل تستدل على الفساد بالنهي، والأصل عدم قرينة، وعادة المحتج بيان الدليل (٤)، ولنقلت (٥)؛ لئلا يضيع الشرع.
القائل: لغة لخبر عائشة (٦).
стр. 1045
رد: لا حجة فيه (١)، ثم: لقوله: (فهو رد) (٢).
ولاستدلال العلماء.
رد: لم يقولوا: لغة بل يفهم شرعا.
القائل لا يدل على الفساد مطلقًا: لأنه لا دليل عليه. ولأن الشارع إذا قال: "نهيتك عن هذا لعينه فإن فعلت ثبت حكمه" صح (٣) ولا تناقض، ولو دل النهي تناقض.
رد: بمنع لزوم التناقض، لأنه يدل ظاهرًا (٤)، والصريح أقوى (٥).
стр. 1046
القائل يدل على صحة غير العبادات: لو لم يدل (١) كان المنهي عنه غير شرعي (٢)؛ لأنه لو كان شرعيًّا كان صحيحًا.
رد: الشرعي صحيح وفاسد (٣)؛ لقوله ﷺ للحائض (دعي الصلاة) (٤) (٥).
قالوا: لو لم يكن المنهي عنه الشرعي صحيحًا كان ممتنعًا فلم يُمنع منه لعدم فائدته (٦).
رد: امتنع للنهي لا لذاته (٧). ثم: صلاة الحائض، ونكاح
стр. 1047
مشركة (١) ممتنعان، وقد منعا (٢).
فإن حملا على اللغة لم يصح (٣) في الحائض، لعدم منعها من الدعاء، والنكاح لغة: الوطء، فيكون الممتنع شرعًا امتنع.
قوله (٤): وكذا المنهي عن الشيء بوصفه، عند أصحابنا (٥)، والشافعية (٦).
وعند الحنفية (٧)، وأبي الخطاب (٨): يقتضي صحة الشيء وفساد وصفه، كصوم يوم العيد، فالمحرم عندهم وقوع الصوم في العيد لا الواقع، فهو حسن؛ لأنه صوم قبيح لوقوعه في العيد، فهو طاعة فيصح النذر به، ووصف قبحه لازم للفعل (٩) لا للاسم (١٠).
وجه الأول: ما سبق، واستدلال الصحابة بالنهي في صوم العيد وغيره من غير فرق.
стр. 1048
وعند الحنفية (١): لو باع بخمر صح بأصله لا وصفه، ولو باع خمرًا بعبد لم يصح؛ لأن الثمن تابع غير مقصود، بخلاف المثمن كذا قالوا.
وقيل لأبي الخطاب في الانتصار (٢) في نذر صوم يوم العيد: نهيه ﷺ عن صوم العيد (٣) يدل على الفساد؟ فقال: هو حجتنا؛ لأن النهي عما لا يكون محال، كنهي الأعمى عن النظر، فلو لم يصح لما نهى عنه.
قوله (٤): وكذا المعنى في غير المنهي عنه، كالبيع بعد النداء للجمعة، عند أحمد، وأكثر أصحابه (٥)، والظاهرية (٦) خلافًا للأكثرين (٧).
فإن كان النهي عن غير العقد، كتلقي الركبان، والنجش (٨)،
стр. 1049
والسوم على سوم أخيه، والخطبة على خطبة أخيه، والتدليس، فلا يقتضي فساد العقد على الأصح (١).
إذا كان النهي لمعنى في غير المنهي عنه، كما مثّل المصنف، فالدليل، والاعتراض، والجواب، كما سبق.
وأما إن كان النهي عن غير العقد، كما مثل، فإن الصحيح عندنا (٢)، وعند الأكثر (٣)، الصحة، لإثبات الشارع الخيار في التلقي (٤)، وعللوه بما سبق، وفي الفروع مسائل، كبيع
стр. 1050
الفضولي (١)، والمجهول (٢)، وغيرها، لها أدلة خاصة هناك.
قوله (٣): الثانية: النهي يقتضي الفور، والدوام، عند الأكثرين (٤)، خلافًا لابن الباقلاني (٥)، وصاحب المحصول (٦).
فإن قال: "لا تفعل هذا مرة"، فيقتضي الكف مرة فإذا ترك مرة سقط النهي، ذكره القاضي (٧)، وقال غيره يقتضي تكرار الترك. والله أعلم.
وجه الأول: أنه إذا نهى عن فعل بلا قرينة، وفعله أي وقت فعله، فإنه يعد مخالفًا لغة، وعرفًا، ولهذا لم تزل العلماء تستدل به من غير نكير.
والنهي يقتضي قبح المنهي عنه، ذكره في التمهيد (٨).
стр. 1051
قالوا: منقسم إلى الدوام وغيره، كالزنا، والحائض عن الصلاة، فكان للقدر المشترك، دفعًا للاشتراك، والمجاز.
وعدم (١) الدوام، لقرينة، هي تقييده بالحيض وكونه حقيقة للدوام أولى من المرات؛ لدليلنا؛ ولإمكان التجوز به عن بعضه لاستلزامه له بخلاف العكس.
فإن قال: "لا تفعل هذا مرة" فقال القاضي (٢): لا يعم، فلو ترك مرة، سقط النهي لقبح المنهي عنه في وقت، وحسنه في آخر.
وقال غيره (٣): يعم، ويكون معنى المرة أبدًا (٤).
قوله (٥): العام (٦) والخاص (٧) أجود حدوده: "اللفظ الدال على جميع أجزاء ماهية مدلوله" والخاص بخلافه.
стр. 1052
اختلفوا في حد العام فقال أبو الحسين (١) وبعض الأشعرية (٢) واختاره في التمهيد (٣) اللفظ العام المستغرق لما يصلح له.
فقيل: ليس بمانع لدخول كل نكرة من أسماء الأعداد كعشرة، ونحو ضرب زيد عمرًا.
قال بعضهم (٤): "وفيه نظر؛ لأنه إن أريد بما يصلح أفراد مسمى اللفظ لم تدخل النكرة، وإن فسر: "ما يصلح" بأجزاء مسمى اللفظ لا بجزئياته فالعشرة مستغرقة أجزائها أي: وحداتها، ونحو ضرب زيد عمرًا إن استغرق لما يصلح من أفراد "ضرب زيد عمرًا فعام، وإلا لم يدخل".
وأبطله الآمدي (٥): بأنه عرف العام: بالمستغرق، وهما مترادفان (٦)، وليس القصد شرح اسم العام ليكون الحد لفظيًّا (٧)،
стр. 1053
بل مسماه بحد حقيقي (١) أو رسمي (٢) (٣).
وفي الروضة (٤): "اللفظ الواحد الدال على شيئين فصاعدًا مطلقًا". وهو أجود من حد الغزالي، لأنه قال (٥): "اللفظ الواحد الدال من جهة واحدة، على شيئين فصاعدًا". وليس بجامع لخروج "المعدوم" و"المستحيل" لأن مدلولهما ليس بشيء، والموصول؛ ليس بلفظ واحد لأنه؛ لا يتم إلا بصلته.
قال الآمدي (٦): "والحق في ذلك أن يقال: العام: هو اللفظ الواحد الدال على مسميين فصاعدًا مطلقًا معًا". فيرد عليه: الموصول أيضًا.
وقيل: "ما دل على مسميات باعتبار أمر اشتركت فيه مطلقًا". فدخل فيه المعاني وفيها خلاف يأتي (٧).
وأما الحد الذي ذكره المصنف فإنه تابع فيه الطوفي (٨) فإنه قال: "وقيل اللفظ إن دل على الماهية من حيث هي هي فهو:
стр. 1054
المطلق، أو على وحدة معينة، كزيد فهو العَلَم، أو غير معينة، كرجل فهو: النكرة، أو على وحدات متعددة، فهي إما: بعض وحدات الماهية، فهو اسم العدد، كعشرين رجلًا، أو جميعها، فهو: العام، فإذن هو اللفظ الدال على جميع أجزاء ماهية مدلولها، وهو أجودها".
"والخاص بخلافه" أي: ما دل وليس بعام، فلا يرد المهمل.
قوله (١): وينقسم اللفظ إلى ما لا أعم منه كالمعلوم والشئ ويسمى العام المطلق، وقيل ليس بموجود، وإلى ما لا أخص منه كزيد وعمرو، وإلى ما بينهما كالموجود والجوهر والجسم والنامي والحيوان والإنسان، فيسمى عامًا وخاصًا إضافيًّا، أي هو خاص بالإضافة إلى ما فوقه، عام بالإضافة إلى ما تحته.
هذا تقسيم العام والخاص بحسب المراتب علوًا ونزولًا وتوسطًا، فاللفظ إما عام مطلق وهو ما ليس فوقه أعم منه، أو خاص مطلق، وهو ما ليس تحته أخص منه، أو عام وخاص إضافي.
مثال العام المطلق: المعلوم، لأنه يتناول الجميع القديم، والمحدث، والموجود، والمعدوم، لتعلق العلم بذلك كله، ومثله بعضهم: بالمتصور (٢). وبعضهم: بالمذكور.
стр. 1055
قال ابن حمدان: "ولا أعم من معلوم ومسمى ومذكور"، ومثّله في العدة (١) بمعلوم ومذكور.
والمصنف جعل الشيء من مثال العام المطلق، وهو تابع فيه الطوفي في مختصره (٢) إلا أنه قال: "أو الشيء". والشيخ موفق الدين (٣): حكاه قولًا فقال: "وقيل الشيء".
وقد نبه الطوفي في شرحه (٤) على أن الشيء أخص من المعلوم، وهو كذلك؛ لأن الشيء يتناول القديم والمحدث، والجوهر (٥) والعرض (٦)، ويتناول وسائر الموجودات، ولا يتناول المعدوم، خلافًا للمعتزلة (٧) حيث قالوا: المعدوم شيء.
ولعل صاحب هذا القول إنما فر من المعلوم لشموله المعدوم والعدم (٨)، لأنهما معنيان يحتاجان إلى ما يقومان به،