فلهذا (١) قال في العدة: إظهار المعنى للمخاطب (٢)، وفي التمهيد: إظهار المعلوم للمخاطب [منفصلًا] (٣) عما يشكل به وإيضاحه له (٤)، ومعناه في الواضح: ولم يقل للمخاطب (٥).
وقال الشافعي: اسم جامع لمعاني مجتمعة الأصول متشعبة الفروع (٦)، فأقل ما فيها أنها بيان لمن خوطب، وبعضها آكد بيانًا.
وقال أبو بكر عبد العزيز (٧) وابن عقيل (٨) وأبو بكر
стр. 1332
الصيرفي (١) الشافعي: إخراج المعنى من حيز (٢) الإشكال إلى حيز التجلي (٣).
وردَّه القاصي بالبيان ابتداءً (٤)، وردَّه غيره (٥) بالتجوز بالحيز، فإنه حقيقة (٦)
стр. 1333
للجوهر (١) لا للعرض (٢)، ونقل ابن الحاجب عن الصيرفي أنه قال: إخراج الشيء من حيز الإشكال إلى حيز التجلي والوضوح (٣). فزاد الوضوح وأبدل المعنى بالشيء (٤)، فالمنقول عنه أولًا ذكره ابن مفلح (٥).
قوله: مسألة: الفعل يكون بيانًا عند الأكثر (٦)، خلافًا
стр. 1334
للكرخي (١)، وبعض الشافعية (٢)(٣).
لنا: أنه ﷺ بيَّن به الصلاة والحج، ولهذا قال: (صلّوا كما رأيتموني أصلي) (٤) و (خذوا عني مناسككم) (٥).
ولأنه أدلُّ ولهذا قال ﷺ : (ليس الخبر كالمعاينة) (٦)، رواه
стр. 1335
أحمد (١) من حديث ابن عباس، والطبراني (٢) من حديث أنس [﵁].
وقال - للسائل عن مواقيت الصلاة -: (صلِّ معنا هذين اليومين) رواه مسلم (٣).
قالوا: الفعل يطول فيتأخر البيان (٤) ,. ردَّ: بما سبق (٥).
ثمَّ: لم يتأخر؛ لشروعه فيه (٦).
ثمَّ: قد يطول بالقول.
ثمَّ: الفعل أقوى، ولم يتأخر عن وقت الحاجة (٧).
[البيان بالأضعف]
قوله: يجوز عند الأكثر (٨) كون البيان أضعف مرتبة، واعتبر
стр. 1336
الكرخي المساواة (١).
لنا: تبيين السنة لمجمل القرآن (٢) وهي أضعف منه، وقد قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (٣) فكلام الرسول ﷺ في بيان القرآن مقبول، وهو دون كلام الله تعالى في الرتبة.
وقال الكرخي (٤): لا يكون البيان إلا مثل المبيِّن في القوة، فإن كان أضعف لم يُقبَل، كخبر (٥) الأوساق (٦)، لا يقبل في بيان
стр. 1337
قوله: (فيما سقت السماء العشر) (١)؛ لأنَّ هذا أشهر من خبر الأوساق (٢).
ردَّ: بما سبق (٣).
قوله: ويعتبر كون المخصِّص والمقيِّد أقوى منه دلالة عند القائل به (٤).
يعتبر كون المخصِّص - بكسر الصاد - أقوى من المخصَّص - بفتحها - وكون المقيَّد أقوى من المطلق عند من يقول بالتخصيص والتقييد، وإلا لزم تقديم الأضعف (٥)، أو التَّحَكُّم (٦) , إذ المساواة توجب التوقف (٧).
стр. 1338
[تأخير البيان عن وقت الحاجة]
قوله: مسألة: لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة (١) , إلا عند من يقول بتكليف ما لا يطاق (٢).
لأن السيد إذا قال لعبده: صلِّ الآن، والعبد لا يعرف الصلاة، فامتثاله محال، فمن يقول بتكليف المحال يُجوِّز هذا (٣). ومن لا فلا.
стр. 1339
قوله: قال أبو العباس (١): وتأخير البيان لمصلحة هو البيان الواجب أو المستحب (٢).
كتأخيره (٣) للأعرابي المسيء في صلاته إلى ثالث مرة (٤)، ولأنه إنما يجب لخوف فوت الواجب المؤقت في وقته (٥).
قوله: وفي تأخيره إلى وقت الحاجة عن إمامنا روايتان، ولأصحابنا قولان (٦).
الجواز: قال به ابن حامد (٧)،
стр. 1340
والقاضي (١)، وابن عقيل وحكاه عن جمهور (٢) الفقهاء وأبو الخطاب (٣) والحلواني (٤) وصاحب الروضة (٥)، وذكره صاحب المحرر عن أكثر الأصحاب (٦) وقاله أكثر الشافعية (٧)، (٨)(٩).
والمنع (١٠): قال به أبو بكر عبد العزيز (١١)، وأبو الحسن (١٢)
стр. 1341
التميمي (١)، وداود وأصحابه (٢)، وأكثر المعتزلة (٣)، وبعض الشافعية (٤).
وجه الجواز: قول الله تعالى: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ (٥) ثم بين ﷺ في الصحيحين: (أن السلب للقاتل) (٦)، ولأحمد (٧)، وأبي داود بإسناد حسن: (أنه لم يخمِّسْه) (٨).
وكذا الحجة من إطلاق الأمر بالصلاة والزكاة والحج والجهاد، ثم بيَّن ذلك.
وكذا بيعٌ ونكاح وميراث وسرقة، وكل عموم قرآن وسنة.
стр. 1342
واعترض: هذه الأوامر ظاهرها متروك لتأخير البيان عن وقت الخطاب، وهو وقت الحاجة، إن كان للفور، أو للتراخي، فالفعل جائز في الوقت الثاني، فيمتنع تأخيره عنه (١).
ردَّ: الأمر - قبل بيان المأمور به - لا يجب به شيء، وهو كثير عرفًا كقول السيد: "افعل" فقط (٢).
قوله: مسألة: يجوز - على المنع - تأخير إسماع المخصِّص الموجود عند الأكثر، ومنعه أبو الهذيل (٣)، والجبائي (٤) ووافقا على المخصِّص العقلي (٥).
يعني إذ قلنا: بالمنع من تأخير البيان، فهل يجوز تأخير استماع المخصص الموجود أم لا؟ (٦)(٧) على الأول.
стр. 1343
لنا: أن فاطمة ﵂: سمعت: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ (١).
وهذا تكليف عام، ولم تسمع المخصِّص مع وجوده وهو قوله ﷺ : (نحن معاشر الأنبياء لا نورث) (٢).
وأكثر الصحابة سمعوا الأمر بقتل الكفار (٣) إلى أن يُؤَدُّوا الجِزْيَة (٤)، ولم يأخذ عمر الجزية من المجوس (٥) حتى شهد
стр. 1344
عبد الرحمن بن عوف: (أنه ﷺ أخذها [منهم]) (١) روراه البخاري (٢).
وروى مالك في الموطأ (٣)، (٤) عنه، عن جعفر بن محمد (٥) عن أبيه (٦) أنَّ عمر ذكرهم فقال: (ما أدري كيف أصنع في أمرهم؟ )، فشهد عبد الرحمن أنَّه ﷺ قال:
стр. 1345
(سُنُّوا بهم سنّة أهل الكتاب) منقطع (١).
وأيضًا: إذا ثبت تأخير البيان؛ فعدم الاستماع أولى.
قوله: مسألة: يجوز - على المنع - تأخير النبي ﷺ تبليغ الحكم إلى وقت الحاجة، عند القاضي (٢)، (٣) ومنعه أبو الخطاب (٤)، وابن عقيل (٥)(٦).
لنا: أنه لا يلزم منه محال، والأصل الجواز عقلًا، والأمر بالتبليغ (٧) - بعد تسليم أنه للوجوب والفور - المراد به: القرآن؛ لأنه المفهوم من لفظ "المُنْزَل".
ووجه المنع: أنه يخلُ أن لا يعتقد المكلف شيئًا، وهو إهمال،
стр. 1346
بخلاف تأخير البيان، ولهذا يجوز تأخير النسخ لا تبليغ المنسوخ (١).
قوله: مسألة: يجوز - على الجواز (٢) - التدريج في البيان عند المحققين (٣).
لوقوعه (٤)، والأصل عدم مانع.
قالوا: تخصيص بعض بذكره يوهم نفي غيره (٥)، ووجوب استعمال اللفظ في الباقي، وهو تجهيل للمكلف.
ردَّ: بذكر العام بلا مخصص (٦).
стр. 1347
قوله: مسألة: وفي وجوب اعتقاد عموم العام، والعمل به قبل البحث عن المخصص، عن إمامنا: روايتان (١)، ولأَصحابنا: قولان.
[فقال] (٢) الجرجاني: إن سمعه من النبي ﷺ على طريق تعليم الحكم؛ وجب اعتقاد عمومه وإلا فلا (٣).
الوجوب: قول أبي بكر (٤)، (٥) وابن عقيل (٦)، وصاحب الروضة (٧)، والصيرفي (٨) الشافعي، والسرخسي الحنفي (٩).
стр. 1348
والمنع قول أبي الخطاب (١)، (٢) وغيرهما من علمائنا (٣)، وأكثر الشافعية (٤) وذكره بعضهم إجماعًا (٥).
وجه الأول: الموجب للاستغراق لفظ العموم، والمخصص معارض الأصل عدمه.
أجاب بعض علمائنا (٦): لكن النفي لا يحكم به قبل البحث، وأجاب في التمهيد (٧): إنَّما يفيده؛ بشرط تجرده عن مخصص، وما نعلمه إلا أن نبحث فلا نجده.
وكذلك قال أبو العباس (٨): عدم المخصِّص شرط في
стр. 1349
العموم، أو هو (١) من باب التعارض؟ فيه قولان، كما في تخصيص العلة.
وجه قول الجرجاني (٢): هو أنه إذا سمعه من المعصوم على طريق تعليم الحكم؛ فالعموم واجبٌ اعتقاده، لمنع تأخير بيان التخصيص منه (٣).
стр. 1350
رُدَّ: يجوز (١).
ثمَّ: الراوي عنه مثله (٢).
قوله: وهل كل دليل مع معارضه كذلك - كما هو ظاهر كلام إمامنا - أو يجب العمل بالظاهر في غير العموم جزمًا؟ قولان، وعلى منع العمل هل يشترط حصول اعتقاد جازم بعدم معارض أو يكفي غلبة الظن؟ قولان (٣).
قال أبو العباس - بعد ذكر مسألة العموم المتقدمة -: "وهذا عام في الظواهر كلها من العموم والمطلق والأمر والنهي والحقائق، وهو نصٌّ (٤)، وقال - فيما كتب به إلى الجوزجاني (٥) -: فأمَّا من تأوَّله على ظاهره - يعني القرآن - بلا دلالة من رسول الله ﷺ ، ولا أحد من أصحابه فهو تأويل أهل البدع, لأن الآية قد تكون خاصَّة ويكون حكمها عامًّا ويكون
стр. 1351
ظاهرها على العموم، وإنما قَصَدَتْ لشيء بعينه، ورسول الله ﷺ المُعبِّر عن كتاب الله وما أراد، وأصحابه أعلم بذلك منا لمشاهدتهم الأمرَ وما أريدَ بذلك" (١) انتهى.
وكذلك جزم به الآمدي (٢)، (٣).
وفي التمهيد: "جميع ذلك كمسألتنا، وإن سلَّمنا أسماء الحقائق فقط (٤)، فلأنَّ لفظ العموم حقيقة فيه ما لم نجد مخصصًا، وحقيقة فيه وفي الخصوص" (٥).
وأيضًا: لا يلزمه طلب ما لا يعلمه كطلب: هل بعث الله رسولًا؟ (٦).
وأجاب في التمهيد: "يلزمه (٧)، كما يلزمه هنا طلب المخصِّص في بلده (٨). قيل له: فلو ضاق الوقت عن
стр. 1352
طلبه؟ (١) فقال: الأشبه؛ يلزمه العمل بالعموم، وإلا لما أسمعه الله إياه قبل تمكنه من المعرفة بالمخصِّص، لأنه وقت الحاجة إلى البيان.
قال: ويحتمل، لا يعمل حتى يطلبه؛ كمجتهد ضاق وقت اجتهاده، لا يقلد غيره" (٢).
قال ابن مفلح: "وظاهر كلام أصحابنا (٣)، - وقاله الأكثر (٤) -: يكفي بحيث يُظنُّ معه انتفاؤه، واعتبر ابن الباقلاني (٥) وجماعةً: القطع (٦).
стр. 1353
لنا: لا طريق إليه؛ فشرطه يبطل العمل بالعموم (١).
قالوا: ما كثر البحث فيه بين العلماء يفيد القطع عادة، وإلا فبحث المجتهد يفيده لاستحالة أن لا ينصِّب الله عليه دليلًا [ويَعلَمَه المكلف] (٢).
ردَّ الأول: بمنع (٣) الاطلاع عليه.
ثمَّ: لو اطلع بعضهم فنَقْلُه غير قاطع (٤).
والثاني: بمنع نصب دليل ولزوم الاطلاع عليه ونقله، وقد يجد مخصصًا يرجع به عن العموم، ولو قطع لم يرجع" (٥).
[تعريف الظاهر]
قوله: والظاهر حقيقة: هو الاحتمال المتبادر، واستعمالًا: اللفظ المحتمل معنيين فأكثر هو في أحدهما أظهر، أو ما [تبادر] (٦) منه عند الإطلاق معنى مع تجويزه غيره ولا يعدل عنه إلا بتأويل (٧).
стр. 1354
الظاهر لغة: الواضح (١). واصطلاحًا (٢): ما دل دلالة ظنية وضعًا كـ "أسد" أو عرفًا كـ "غائط" (٣)، هكذا ذكره ابن الحاجب (٤) والتاج (٥) وابن مفلح (٦)، وأما ما ذكره المصنف فهو متابع فيه للطوفي (٧)، فكما أن الظاهر يطلق حقيقة على الشيء الشاخص المرتفع الواضح الذي تبادر إليه الأبصار، كذلك في المعاني هو:
стр. 1355
الاحتمال المتبادرُ من اللفظ الذي تبادر إليه البصائر والأَفْهام (١).
وقوله: استعمالًا - هو اصطلاح الأصوليين -: اللفظ المحتمل معنيين فأكثر هو في أحدهما أظهر وهو تعريفٌ للشيء بنفسه، حيث أخذ في الحدِّ لفظة أظهر (٢).
قال بعضهم: فلو قال: أرجح، كان أحسن (٣). أو يقال: ما تبادر منه عند الإطلاق معنى مع تجويز غيره (٤)، فيه احتراز عن المجمل إذ لا يتبادر منه عند الإطلاق شيء، والفرق بين هذين الحدَّيْن اللَّذَيْن ذكرهما المصنف، أن الثاني يتبادر منه الظاهر فقط، وغيره إنَّما يذكر بالتأمل، والأول يتبادر منه المعنيان ولكن أحدهما أظهر في إرادة المتكلم.
[حكم الظاهر]
وحكم الظاهر في وجوب العمل به كالنص، لا يُعدل عنه إلا بتأويل (٥) لأن ترك العمل بالراجح إلى المرجوح كترك العمل بالنص إلى غيره.
стр. 1356
[المؤول]
قوله: وهو صرف اللفظ عن ظاهره لدليل يصير المرجوح به [ظاهرًا] (١)(٢) الضمير يعود إلى التأويل، وهو لغةً: من "آل يؤول" إذا رجع، ومنه ﴿وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ (٣)، أي: طلب ما يؤول إليه معناه (٤). واصطلاحًا: صرف اللفظ عن ظاهره لدليل يصير المرجوح به ظاهرًا. هكذا ذكره الطوفي (٥). وفي الروضة: صرف اللفظ عن الاحتمال الظاهر إلى احتمال مرجوح لاعتضاده بدليل، يصير به أغلب على الظن من المعنى الذي دل عليه الظاهر (٦)، وهو حد الغزالي (٧). وأورد عليه: أنَّ الاحتمال شرط التأويل لا نفسه، وعلى عكسه التأويل المقطوع به، وهو: صرف اللفظ عن الظاهر فيه إلى غيره بدليل قاطع (٨).
وقال يوسف الجوزي (٩): صرف اللفظ عن الاحتمال
стр. 1357
الراجح إلى الاحتمال المرجوح لاعتضاده بدليل (١). وأورد عليه أن التأويل قد يكون في الفعل فليس بجامع وهذا وارد على حد المصنف، ولأجل هذا قال ابن قاضي الجبل وغيره: مجمل الظاهر على المُحْتَمل المرجوح بدليل يقتضي رجحانه (٢).
قوله: ثم قد يبعد الاحتمال فيحتاج في حمل اللفظ عليه إلى دليل [أقوى، وقد يقرب] (٣) فيكفيه أدنى دليل وقد يتوسط فيكفيه مثله (٤).
الاحتمال قد يكون بعيدًا فيحتاج إلى دليل قوي، وقد يكون قريبًا فيكفيه أدنى دليل، وقد يتوسط بين الدرجتين فيحتاج دليلًا متوسطًا، والدليل: يكون قرينةً أو ظاهرًا آخر، أو قياسًا راجحًا، ومهما تساوت الاحتمالات، وجب المصير إلى الترجيح (٥).
стр. 1358
[التأويلات البعيدة]
قوله: فمن التأويل البعيد تأويل الحنفية قوله ﵇ لغيلان بن سلمة (١) حيث أسلم على عشر نسوة: (أمسك منهن أربعًا وفارق سائرهن) (٢) على ابتداء النكاح أو إمساك الأوائل (٣) والمتبادر من
стр. 1359
"الإمساك" الاستدامة، والسؤال وقع عنه. ومنه تأويلهم: (أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل) على الأمة. ثم صدّهم: فلها المهر بما استحلَّ من فرجها، إذ مهر الأمة لسيدها لا لها، فتأوُّلوه على المكاتبة. وأقرب من هذا التأويل - مع بُعْدِه - تأويلهم: (لا صيام لمن لم يُبيت الصيامَ من الليل)، على القضاء والنذر المطلق لوجوبهما بسببٍ عارضٍ (١).
ذكر للتأويل البعيد (٢) [ثلاثة] (٣) [أمثلة] (٤).
أمَّا الأول: - فوجهُ بُعده أيضًا - أنَّ الفرقة لو وقعت بالإسلام لم يخيِّره (٥)، وَحَصَر التزويج فيهن، ولم يُبيِّن له شروط
стр. 1360
النكاح مع الحاجة لقرب إسلامه، ولم ينقل تجديد نكاح (١).
وروى الشافعي: أنه قاله لمن أسلم على خمس نسوة، قال: (فعمدت إلى أقدمهن عندي ففارقتها) (٢). وأبعد من هذا: تأويلهم ما روى من قوله لفيروز الديلمي (٣) وقد أسلم على أختين: (أمسك أيهما شئت) (٤) فأولوه على ابتداء النكاح، أو أنه
стр. 1361
نكحهما معًا لأن قوله ﷺ : (أيهما شئت) أظهر دلالةً على أن المراد ليست الأولى.
ومنه تأويلهم (أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل باطل باطل، فإن أصابها فلها المهر بما استحل من فرجها) (١) على الصغيرة والأمة والمكاتبة (٢)، وباطل لمصيره إليه غالبًا (٣) لاعتراض الولي إن تزوجت بغير كفء؛ لأنها (٤) مالكة لبِضْعها فكان كبيع مالها. فالصغيرة (٥) لا تسمى امرأة ونكاحها موقوف عندهم (٦)، ومهر الأمة للسيد، والمكاتبة نادرة، فأبطلوا
стр. 1362
ظهور قصد التعميم لظهور "أي" مؤكدة بـ "ما"، وتكرُّر لفظ البطلان، وحَمْله على نادر يُعد كاللّغز وليس مثل هذا من كلام العرب (١). وإما تأويلهم (لا صيام لمن لم يبيِّت الصيام من الليل) على القضاء والنذر المطلق فهو بعيد لكنه أقرب مما تقدم (٢)؛ لأن القضاء والنذر بنيتهما من الله محل إجماع، وهم يجوِّزون الواجب بنية من النهار وهو بعيد؛ لأن "لا صيام" نكرة في سياق النفي فيعم (٣).
* * *
стр. 1363
[مطلب: مفهوم الموافقة ومفهوم المخالفة]
قوله: والمفهوم، مفهومان: مفهوم موافقةٍ ومفهوم مخالفةٍ.
فالأول: أن يكون المسكوت عنه موافقًا للمنطوق في الحكم، ويسمى فحوى الخطاب ولحن الخطاب، كتحريم الضرب من تحريم التأفيف بقوله: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ (١) وشرطه فهم المعنى في محل النطق وأنه أولى (٢).
الدلالة (٣) منطوق: وهو ما دلَّ عليه اللفظ في محل النطق، كدلالة قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ (٤) على تحريم التأفيف. وغير المنطوق: ما دل لا في محل النطق (٥) كدلالة التأفيف على منع الضرب، وإيقاع الأذى.
والمنطوق نص إن أفاد معنى لا يحتمل غيره وإلا كان
стр. 1364
ظاهرًا، ويحتمل مرجوحًا كـ "أسد". ثم المنطوق (١) إن توقف الصدق أو الصحة على إضمار كقوله ﵇.
(رفع عن أمتي الخطأ والنسيان)، فدلالة اقتضاء. وإن لم يتوقف ودلَّ على ما لم يقصد كقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿مِنَ الْفَجْر﴾ (٢) فإنه يعلم منه جواز صوم الجنب بدلالة إشارة.
وغير المنطوق، مفهوم وهو قسمان. موافقة ومخالفة. فالأول: أن يكون المسكوت موافقًا في الحكم ويسمى فحوى الخطاب ولحن الخطاب (٣). وشرطه فهم المعنى المقصود من الحكم في محل النطق، وكونه أولى فلا يثبت في المساوي وهذا أحد القولين، ونقله إمام الحرمين (٤) عن الشافعي وعزاه
стр. 1365
الهندي (١) للأكثر (٢) والخلاف راجع إلى الاسم، ولا خلاف في الاحتجاج للمساوي كالأولى (٣).
والقول الثاني: لا تشترط الأولوية بل يكون أولى ومساويًا، فعلى هذا يسمى فحوى الخطاب إن كان أولى، ولحنه إن كان مساويًا.
وفحوى الخطاب ما يُعلم من الخطاب بطريق القطع، كتحريم الضرب من قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ (٤)، ولحن الخطاب معناه من قوله تعالى: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ (٥) أي: معناه (٦)، كثبوت الوعيد في إتلاف مال اليتيم وإحراقه من قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ (٧) الآية، لأنه مثل الأكل هكذا ذكره في تشنيف المسامع (٨).
стр. 1366
وذكر ابن فارس (١) أن فحوى الكلام معناه (٢). ولحنه يقال: عرفت ذلك في فحوى كلامه، ولحن كلامه (٣). وكذا قال في الصحاح (٤)، وقال في مادة لحن: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ﴾ (٥) أي: فحواه ومعناه (٦).
стр. 1367
وقال الأزهري (١): لحن القول كالعنوان، وهو كالعلامة يشير بها فيفطن المخاطب لغرضك (٢).
وقال أبو يعلى: لحن الخطاب ما فُهم منه، وقيل: لحن الخطاب: ما دلَّ عليه وحذف استغناءً عنه (٣). كقوله تعالى: ﴿اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ﴾ (٤)، وقال ابن يونس (٥): ذكره أهل اللغة أنه بإسكان الحاء وبفتحها الصواب (٦)، وقال عبد الحق: اللحن من الأضداد (٧).
стр. 1368
قوله: وهو حجة عند الأكثر. واختلف النقل عن داود (١).
كونه حجة ذكره بعضهم إجماعًا (٢) لتبادر فهم العقلاء (٣)، واختلف النقل عن داود الظاهري فتارة نقلت عنه حجيته (٤) كالجمهور، وتارة نقل عدمها لأنه ليس منطوقًا به (٥).
قوله: ثم دلالته لفظية (٦) عند القاضي (٧) والحنفية (٨) والمالكية (٩) وعند أبي موسى (١٠)
стр. 1369
والخرزي (١) وأبي الخطاب (٢) والحلواني (٣) والشافعي (٤) هو قياس جلي (٥).
стр. 1370
الأول: قال به بعض الشافعية وجماعة من المتكلمين (١) والظاهرية (٢)، قال بعض علمائنا: نص عليه أحمد في مواضع (٣)، واختاره ابن عقيل وذكره عن علمائنا (٤)، واختاره الآمدي (٥) وغيره (٦) لفهمه لغةً قبل شرع القياس، ولاندراج أصله في فرعه نحو "لا تعطه ذرة".
واحتج ابن عقيل وغيره بأنه لا يحسن الاستفهام ويشترك في فهمه اللغوى وغيره بلا قرينة (٧).
ومن قال بالثاني، قال: لأنه لم يلفظ به وإنما حكم بالمعنى المشترك (٨).
ردَّ: المعنى شرط [لدلالة] (٩) الملفوظ عليه لغة بخلاف