← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 127717

شرح مختصر أصول الفقه للجراعي

الجراعي

Полный текст (1 782 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.

стр. 1436

(قد جعل الله لهن سبيلًا البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام والثيب بالثيب الجلد والرجم). ومن نظر الأول استدل بقوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ (١)، والسنة لا تساوي القرآن، ولا تكون خيرًا منه، وبما رواه الدارقطني (٢) عن جابر أن النبي ﷺ قال: (القرآن ينسخ حديثي، وحديثي لا ينسخ القرآن) (٣)، وبأنه لا يجوز نسخ تلاوة القرآن وألفاظه، بالسنة فكذلك حكمه (٤). وأجاب (٥) عن الوصية: بأنها نسخت بآية المواريث قاله

стр. 1437

[ابن] (١) عمر وابن عباس، وقد أشار النبي ﷺ إلى هذا بقوله: (إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث) (٢)، وعن الآية الأخرى بأن الله تعالى: أمر بامسإكهن إلى غاية أن يجعل لهن سبيلًا. فبيَّن النبي ﷺ أن الله تعالى جعل لهن السبيل وليس ذلك بنسخ. ومن قال بالجواز اختلف في الوقوع على قولين (٣): - أحدهما: الوقوع، لما تقدم (٤)، والثاني: عدمه (٥)، لما أجيب به (٦).

стр. 1438

وأما نسخ القرآن بخبر الآحاد فجائز عقلًا (١)، إذ لا يمتنع أن يقول الشارع: تعبدناكم بالنسخ بخبر الواحد. وأما شرعًا فغير جائز (٢)، وقال القاضي (٣)، وقوم من أهل الظاهر (٤): يجوز (٥)،

стр. 1439

لأن أهل قباء (١) قبلوا خبر الواحد في نسخ القبلة؛ وكان النبي ﷺ يبعث آحاد الصحابة إلى أطراف دار الإسلام فينقلون الناسخ والمنسوخ؛ ولأنه يجوز التخصيص، فجاز النسخ به كالمتواتر. ولنا: إجماع الصحابة على أن القرآن لا يرفع بخبر الواحد، ولا داعي إلى تجويزه. حتى قال عمر. (لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا، لقول امرأة لا ندري أصدقت أم كذبت) (٢)، وأما المتواتر من السنة فجائز نسخه بالآحاد عقلًا، كما تقدم في القرآن، والكلام في جوازه شرعًا كالكلام في القرآن مع الآحاد (٣).

стр. 1440

[الإجماع لا يُنسَخ ولا يُنسَخ به] قوله: مسألة: الجمهور أن الإجماع لا يُنسخ ولا يُنسخ به، وكذا القياس. وفي الروضة: ما ثبت بالقياس إن نُصَّ على علته (١)، فكالنص يُنسخ ويُنسخ به، وإلا فلا (٢). أمَّا كون الإجماع لا يُنسخ (٣)، فلأنه لا يكون إلا بعد انقراض زمن النصِّ، والنسخ لا يكون إلا بنص (٤)، ولا يُنسخ به (٥)، لأن النسخ إنما يكون بنص، والإجماع لا ينعقد على

стр. 1441

خلافه، لكونه معصومًا عن الخطأ، وهذا يُفضي إلى إجماعهم على الخطأ (١). وأما القياس (٢) فكونه لا يُنسخ، لأنه باقٍ ببقاء أصله. وأما كونه لا يُنسخ به، فلأن المنسوخ إن كان قطعيًا لم يُنسخ لمظنون، وإن كان ظنيًا فالعمل به مقيد برجحانه على معارضه، وتبيَّن بالقياس زوال شرط العمل به -وهو رجحانه- فلا ثبوت له، ولا نسخ (٣). وللشيخ موفق الدين: ما ثبت بالقياس إن كان منصوصًا على علَّتِه فهو كالنص ينسخ ولا يُنسخ به (٤). قوله: مسألة: ما حكم به الشارع مطلقًا أو في أعيان، لا يجوز تعليله بعلة مختصة بذلك الوقت عند أصحابنا (٥)

стр. 1442

والشافعية (١). خلافًا (٢) للحنفية والمالكية (٣). لنا: لا يجوز رفع حكم شرعي بغير دليل شرعي، ثم قيل: قد تزول العلة ويبقى الحكم، كالرَّمَل (٤)، والاضطباع (٥)، وقيل: النطق حكم مطلق، وإن كان سببه خاصًا، وتمسَّك الصحابة ﵃ بنهيه عن الادخار في العام القابل. [نسخ الفحوى والنسخ بها] قوله: مسألة: الفحوى يُنسخ ويُنسخ به، خلافًا لبعض الشافعية (٦)، وإذا نسخ نطق مفهوم الموافقة فلا ينسخ مفهومه، كنسخ تحريم التأفيف، لا يلزم منه نسخ تحريم الضرب، ذكره أبو محمد البغدادي (٧)،

стр. 1443

وعليه أكثر كلام ابن عقيل (١)، خلافًا (٢) للمقدسي (٣). قد تقدم (٤) أَنَّ مفهوم الموافقة يسمى فحوى الخطاب، لنا: أنه كالنص فينسخ وينسخ به (٥)، وإن قيل: إنه قياس

стр. 1444

فقطعيًا (١)، ولهذا قال الشافعي: "لا يجوز أن يرد الشرع بخلافه وينتقض به حكم الحاكم" (٢) وكذا قال أبو الخطاب: لا يحسن المنع منه -وإن نهى عن القياس الشرعي- لمناقضته التعليل وإن لم يكن [مناقضًا] (٣) للفظ (٤)، وأما نسخ تحريم التأفيف، فهل يلزم منه نسخ تحريم الضرب؟ في المسألة قولان (٥): أحدهما: لا، لأنه لا يلزم من تجويز الأدنى تجويز الأعلى في الأذى، والثاني: يلزم، لأن الفحوى تابع لأصله فيرتفع به (٦).

стр. 1445

[نسخ حكم المنطوق يستلزم نسخ حكم الفرع أم لا ؟ ] قوله: وإذا نسخ حكم [أصل القياس] (١) تبعه حكم الفرع عند أصحابنا (٢) والشافعية خلافًا (٣) لبعضهم (٤). لأن الفرع تابع لأصله فإذا نسخ الأصل تبعه الفرع (٥). والخلاف هنا مع أصحاب أبي حنيفة (٦) وذكروا في ذلك مسألتين:

стр. 1446

إحداهما: مسألة النبيذ، واحتجاجهم بخبر (١) ابن مسعود. فقيل لهم: كان ذلك نَيًّا. قالوا: علة النبيذ موجودة في المطبوخ فنقيسه عليه ثم نسخ النِّيْءُ وبقي حكم المطبوخ (٢). قال أبو العباس: المنسوخ عندهم تجويز شربه فيتبعه التطهر به (٣). والثانية: صوم رمضان بنية من النهار. قال أبو العباس: الصحيح أن ذلك لا يوجب نسخ ذلك الحكم (٤)، لأن نسخ وجوب عاشوراء ليس فيه تعرض لنسخه، وذلك بأن المنسوخ هو وجوب صوم عاشوراء، فسقط إجزائه بنية من النهار، لعدم المحل، فأما كون الواجب يجزيء بنية من النهار

стр. 1447

فلم يتعرض للنسخ (١). [حكم النسخ قبل أن يبلغ النبي ﷺ -] قوله: مسألة: لا حكم للناسخ مع جبريل ﵇ اتفاقًا (٢) ومذهب الأكثر لا يثبت حكمه قبل تبليغه المكلف. وخرَّج أبو الخطاب لزومه على انعزال الوكيل قبل علمه بالعزل (٣)، وفرَّق الأصحاب بينهما (٤). لا حكم للناسخ مع جبريل (٥) ﵇، لأنه لا فائدة فيه، ولا

стр. 1448

ثبت حكمه قبل تبليغه المكلف (١). لأنه: لو ثبت لزم [وجوب شيء] (٢) وتحريمه في واحد. لأنه: لو نسخ واجب بمحرم أثم بترك الواجب اتفاقًا، وأيضًا [يأثم بعلمه الثاني] (٣) اتفاقًا. قالوا: إسقاط حق لا يعتبر فيه رضا من يسقط عنه، فكذا علمه، كطلاق وإبراء. ردّ: إنما هو تكليف تَضمَّن رفع حكم خطاب. ثم: يلزم قبل تبليغ جبريل. قالوا: كما ثبت حكم إباحة الآدمي (٤) قبل العلم -فيمن حلف: "لا خرجت إلا بإذنه (٥) "- وإباحة ماله (٦).

стр. 1449

ردّ: بالمنع. قالوا: رفع الحكم بالناسخ. ردَّ: بشرط العلم. قالوا: الناسخ حكم، فلم يتوقف ثبوته على علم المكلف كبقية الأحكام. ردَّ: إن أريد بثبوته تعلقه بالمكلف توقف، لاعتبار التمكن من الامتثال (١). وفرَّق الأصحاب (٢) بين هذه المسألة ومسألة عزل الوكيل. بأن أمر الشارع يتعلق به ثواب وعقاب، فاعتبر العلم وحق الآدمي يتعلق به الضمان (٣). [حكم الزيادة غير المستقلة على النص] قوله: وأما زيادة جزء مشترط، أو زيادةُ شرطٍ، [أو زيادةٌ ترفع مفهوم المخالفة، فالأكثر ليس نسخ، خلافًا للحنفية، وقيل: الثالث نسخ] (٤) (٥).

стр. 1450

كالوضوء للصلاة، أو شرط الإيمان، في رقبة الكفَّارة، أو زيادة ترفع مفهوم المخالفة، كقوله: (في السائمة زكاة)، ثُمَّ قوله: في المعلوفة زكاة، ليس بنسخ عند الأكثر (١)، بل هو زيادة، كزيادة العبادة، وقيل: بلى، إذْ حكم المزيد عليه الإجزاء والصحة، وقد ارتفع، وقيل: الزيادة التي ترفع المفهوم نسخ لأنها قد رفعت حكم المفهوم بالكُلِّيَّة، فكانت نسخًا (٢). [نسخ جزء من العبادة ليس نسخًا لجميعها] قوله: مسألة: نسخ جزء العبادة أو شرطها، ليس نسخًا

стр. 1451

لجميعها (١) عند أصحابنا (٢)، وأكثر الشافعية (٣)، خلافًا للغزالي (٤)، وعند عبد الجبار نَسْخٌ بِنَسْخ جزئها (٥)، قال أبو البركات: الخلاف في شرط متصل كالتوجه، فأما المنفصل فليس نسخًا لها إجماعًا (٦) (٧). لنا: على أنه ليس بنسخ، بقاء وجوبها ولا يفتقر إلى دليل ثان إجماعًا، ولم يتجدد وجوب، وكنسخ سنتها اتفاقًا (٨)،

стр. 1452

ولأنَّ: النسخ: هو الرفع والإزالة وذلك إنما يتناول الشرط والجزء خاصة، فأمَّا ما سوى ذلك فهو باقٍ بحاله، والصلاة كانت تُفعل إلى بيت المقدس كما تُفعل الآن إلى الكعبة، وتغيَّرت القبلة، فكان ذلك نسخًا للقبلة دون الصلاة، وكذلك إذا نسخ منها ركعة فما بقي من الركعات بحالها لم يزل فلم توصف بالنسخ، واحتجَّ: بأنه إذا نسخ ركعة فقد كانت لا تجزئ الصلاة دون هذا المنسوخ فصارت تجزئ، وكان التشهد لا يجوز قبل هذه الركعة، فصار يجوز قبلها، وهذا تغيير لحكم العبادة فكان نسخًا، والجواب: أنها كانت لا تجزئ لوجوب الركعة، فلمَّا سقط وجوب الركعة، بقيت بقية الصلاة مُجْزئة على أصلها (١). [معرفة الله لا تنسخ] قوله: مسألة: قال أبو البركات (٢): يجوز نسخ جميع التكاليف، سوى معرفة الله تعالى على أصل أصحابنا، وسائر أهل الحديث، خلافًا للقدرية (٣). لأن القدرية (٤) يقولون: مصالح فلا يجوز رفعها، قال ابن

стр. 1453

عقيل: فإن قلنا بالمصالح، فلا يمتنع لعلمه أن التكاليف تفسدهم، وكجنون بعضهم، وموته، وكنسخه منها بحسب الأصلح (١). [طرق معرفة النسخ] قوله: مسألة: لا يُعرف النسخ بدليل عقلي ولا قياسي، بل بالنَّقل المجرد أو المشوب باستدلال عقليٍّ، كالإجماع على أنَّ الحكم منسوخ، أو بنقل الراوي، نحو: (رخص لنا في المتعة ثم نُهينا عنها)، وبدلالة اللفظ نحو: (كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها)، أو بالتاريخ نحو: قال سنة خمس كذا، وعام الفتح كذا، أو يكون راوي أحد الخبرين مات قبل إسلام الراوي الثاني (٢). أمَّا كون النسخ لا يُعرف بدليل عقلي، فلأنه لا مجال للعقل في علم التقديم والتأخير، وكذلك القياس (٣) بل لا يُعرف إلا بالنقل المجرد (٤)، أو المشوب باستدلال عقلي، فالمشوب

стр. 1454

كالإجماع (١)، والنقل المجرَّد تارة يكون بنقل الراوي (٢)، كما لو قال: (رخص لنا في المتعة ثم نهينا عنها) (٣)، وتارة يكون بدلالة اللفظ نحو: (كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها) (٤)، وتارة يكون بالتاريخ (٥) كما تقدم سواء كان بتعيين المدة، أو بمعرفة موت أحد الراويين قبل إسلام الآخر. قوله: وإن قال الصحابي: "هذه الآية منسوخة"، لم يُقبل حتى يخبر بما نسخت، أومأ إليه إمامنا (٦)، كقول الحنفية (٧)، والشافعية (٨)،

стр. 1455

وذكر ابن عقيل روايةً. يُقبل كقول بعضهم (١). وقال أبو البركات: إن كان هناك نصٌّ يخالفها، وإن قال: نزلت هذه بعد هذه، قُبل (٢)، ذكره القاضي (٣)، وغيره (٤)، وجزم الآمدي بالمنع لتضمنه نسخ متواتر بآحاد (٥)، وإن قال: هذا الخبر منسوخ فكالآية، وجزم أبو الخطاب (٦)، بالقبول (٧). إذا أخبر الصحابي بأن هذه الآية منسوخة، ولم يتبيَّن الناسخ فهل يقبل قوله، أم لا؟ في المسألة ثلاثة أقوال: أحدهما: لا يقبل، لأنَّ الآية حكمها ثابت ظاهر فلا نتركه لمجرد قول الصحابي. الثاني: يقبل، اختاره أبو الخطاب (٨)، والكرخي (٩) , لأنه عدل ﵁، ومثل هذا لا يقال بالرأي، فنقبل قوله. الثالث: إذا كان هناك نصٌّ آخر يخالفها قُبِل قَولُه؛ لأنه قد عُضد بالنص الآخر، وأمَّا إن قال: نزلت هذه بعد هذه فإنه يقبل،

стр. 1456

ذكره القاضي أبو يعلى ولم يذكر خلافًا، لأنه شاهد التنزيل فهو أخبر بما قال (١)، وقال الآمدي: لا يُقبل، لتضمنه نسخ متواتر بآحاد، لأن الآية متواترة وإخباره آحاد، وإن قال: هذا الخبر منسوخ فكالآية سواء (٢)، وجزم أبو الخطاب بالقبول، لأنه كما قُبِل قوله في الخبر فكذا في نسخه. قوله: وإن قال: كان كذا ونُسخ، قُبِل قوله في النسخ عند الحنفية (٣)، قال أبو البركات: وهو قياس مذهبنا (٤)، وقال ابن بَرهان (٥) لا يقبل، عندنا (٦). لنا: أنه قُبِل في الأولى فقُبل في الثاني، وعلى قول ابن برهان: يقبل في الإثبات دون النسخ كما تقدم في الخبر. [شروط النسخ] قوله: مسألة: ويعتبر تأخر الناسخ وإلا فتخصيص (٧).

стр. 1457

لا بد من تأخر الناسخ حتى يكون مطابقًا لحدِّه، لأنه رفع الحكم الثابت بخطاب متقدم بخطاب متراخٍ عنه، بخلاف ما إذا كان مقترنًا به فإنه تخصيص (١)، لأنه إخبار بأنَّ المخصِّص لم يرده المخاطب أولًا (٢). قوله: والتعارض، فلا نسخ إن أمكن الجمع (٣). أي: ويعتبر التعارض أيضًا للنسخ، فإن أمكن الجمع بين الأدلة فلا نسخ، لعدم الحاجة إليه. قوله: ومن قال: نسخ صوم عاشوراء برمضان، فالمراد وافق نسخ عاشوراء فرض رمضان، فحصل النسخ معه لا به، والله تعالى أعلم. هذا جواب عن سؤال مقدَّر، تقديره: أنتم قلتم: يعتبر للنسخ التعارض، فلِم قلتم: نُسخ عاشوراء برمضان؟ ولا شك أنه غير معارض له، فقال المصنف: من قال: نُسخ، ما مراده النسخ حقيقة، إنما مراده أنَّ نسخ عاشوراء وافق رمضان، لا أنَّه نُسِخ به، وإنما حصل عنده، والله تعالى أعلم. [تعريف القياس] قوله: القياس لغة: التقدير، نحو: قستُ الثّوب بالذراع،

стр. 1458

والجراحةَ بالمِسْبار، وشرعًا: حمل فرع على أصل في حكم بجامع بينهما (١). القياس أحد أصول الأدلة وهو ميزان العقول (٢)، ومعناه لغة: التقدير والتسوية، نحو: قست الثوب بالذراع، أي: قدّرته به (٣)، وقست الجراحة بالمسبار، وهو شيء يشبه الميل يتعرف به عمق الجرح (٤)، وفي حديث الشعبي (٥) أنه قضى بشهادة القائس مع يمين المشجوج، القَيَّاس الذي يقيس الشّجَّة (٦) ويتعرف غورها بإدخاله ذلك الميل فيها، ويقول: قست الشيء بغيره وعلى غيره

стр. 1459

أقيس وأقوس قوسًا وقياسًا في اللغتين (١) إذا قدرته على مثاله. فالقياس في اللغة يدل على معنى التسوية على العموم، لأنه نسبة وإضافة بين شيئين، ولهذا يقال: فلان يقاس بفلان، أي: يساويه ولا يساويه (٢).

стр. 1460

وأما حده شرعًا، فقيل: هو حَمل فرع على أصل في حكم، بجامع بينهما (١)، كحمل النبيذ -وهو الفرع- على الخمر -وهو الأصل- في التحريم، -وهو حكم الأصل- بجامع بينهما، وهو الوصف المناسب (٢) لأن يترتب الحكم عليه في نظر الشارع، وهو هنا الإسكار الذي هو علة لتحريم الخمر، ونعني بالحمل: الإلحاق والتسوية -بين الفرع والأصل- في الحكم (٣). لا يقال: الأصل والفرع لا يعرفان إلا بعد معرفة حقيقة القياس، فأخذهما في تعريفه دور (٤).

стр. 1461

لأنَّا نقول: إنما نعني بالفرع صورة أريد إلحاقها بالأخرى في الحكم، لوجود العلة الموجبة للحكم فيهما، وبالأصل: الصورة الملحق بها، فلا يلزم دور من كون لفظ الفرع والأصل يشعرُ أن لا يكون هذا فرعٌ وذاك أصلٌ، إلا بكون هذا مقيسًا على ذاك (١)، ويرد على هذا قياس العكس (٢) عند من سماه قياسًا، فإنه لا مساواة بين أصله وفرعه (٣) لا في اللغة ولا في الحكم، لكن الذي في التمهيد (٤) أنه لا يسمى قياسًا؛ قال: وسماه بعض الحنفية قياسًا (٥) مجازًا (٦)، وقيل: القياس: إثبات مثل حكم في غير محله لمُقْتَضٍ مُشتَرَك بينهما (٧)، كإثبات مثل تحريم الخمر في النبيذ للإسكار، وقيل: هو تعديه حكم المنصوص عليه إلى غيره بجامع مشترك كتعدية تحريم التفاضل في البر المنصوص عليه إلى غيره. [] (٨).

стр. 1462

مما ليس منصوصًا عليه كالأرز ونحوه بجامع الكيل في الجنس مثلا، وتعدية تحريم الخمر المنصوص عليه إلى النبيذ بجامع الإسكار (١)، ويخرج عن هذا الحد القياس على الفرع المقيس حيث جوزناه كقياس الذرة على الأرز المقيس على البر إذ الأرز ليس منصوصًا عليه وهذه التعريفات المذكورة معانيها إن لم تكن متساوية فهي [متقاربة] (٢). قوله: وأركانه الأصل والفرع وحكم الأصل والوصف الجامع (٣). الأصل: هو الواقعة التي يقصد تعدية حكمها إلى الفرع (٤)، والفرع (٥): يسمى صورة محل النزاع،

стр. 1463

وحكم الأصل: هو الحكم (١) الشرعي الخاص بالأصل، والوصف الجامع: هو العلة (٢) الجامعة التي يشترك فيها الملحق والملحق به، وأما حكم الفرع فهو ثمرة

стр. 1464

القياس، وليس من أركانه؛ لأنه متوقف على القياس وركن الشيء لا يتوقف. قوله: فالأصل عند الأكثر محلّ الحكم المشبه [به] (١)، وقيل: دليله، وقيل: حكمه، قال بعض أصحابنا: الأصل [يقع] (٢) على الجميع (٣). الأصل على القول الأول، الأعيان الستة الثابت تحريم التفاضل فيها في الربا في حديث عبادة (٤)، لأنّ الأصل ما كان حكم الفرع مقتبسًا منه ومردود إليه، وذلك إنما يتحقق في نفس الأعيان الستة، وهذا القول ذكره الآمدي عن الفقهاء (٥)، وعلى القول الثاني: الأصل: هو النصّ الدالّ على تحريم التفاضل في الأعيان الستة لا نفس الأعيان، لأن النص هو الذي ينبني عليه التحريم، والأصل: ما بنى عليه غيره، وحُكِي هذا عن

стр. 1465

المتكلمين (١) وعلى الثالث الأصل: هو الحكم الثابت في الأعيان الستة لأن الأصل ما انبنى عليه غيره، وكان العلم به موصلًا إلى العلم بغيره أو الطرق (٢)، وهذه الخاصية موجودة في حكم الأعيان الستة فكان هو الأصل. قال ابن قاضي الجبل: والنزاع لفظي لصحة إطلاق الأصل على كل منها (٣)، وإنما كان كذلك لأن حكم الأعيان الستة إذا كان مينيًا عليها من حيث إنها محل له فهي أصل له، وهو أصل لحكم الأرز لكونه مبنيًّا عليه، وأصل الأصل فتكون الأعيان الستة أيضًا [أصلًا] (٤) لحكم الأرز، وأيضًا إذا كان حكم الأعيان الستة مبنيًّا على النصوص من حيث إنه مستفاد منه فيكون النص أصلًا له، وهو أصل لحكم الأرز، وأصل الأصل أصل، فيكون النص أيضًا أصلًا لحكم الأرز، والحاصل رجوع الخلاف لما هو أصل بالذات (٥) أو بالعرض. قوله: والفرع المحل المشبه، وقيل: حكمه (٦).

стр. 1466

الخلاف في الفرع (١) تابع للخلاف في الأصل، فمن قال: الأصل محلّ الحكم المشبه به كالأعيان، قال الفرع: المحل المشبّه كالرز، ومن قال الأصل: حكمها وهو التحريم، قال الفرع: الحكم وهو التحريم في الأرز، وهو لفظي أيضًا (٢)؛ ولا يُتصور القول: بأن الفرع دليل حكمه، كما قيل في الأصل؛ لأن دليل الفرع هو القياس. قوله: والعلة والحكم مضى ذكرهما (٣). قد استوفي الكلام عليهما في [ما مضى] (٤) فلا حاجة إلى إعادته (٥).

стр. 1467

قوله: وهي فرعٌ في الأصل لاستنباطها من الحكم، أصلٌ في الفرع لثبوت الحكم فيه بها (١). لا شك أن العلة مستنبطةٌ من الأصل فهي فرعه لأخذها منه، سواء قيل: هو النص أو الحكم أو محله، لأن التحريم لما ثبت في الخمر بالنص استنبطنا علّةً بعد ثبوت هذا النص، فوجدناها الإسكار فكان كون الإسكار علة تبعًا للنص والحكم ومحله والعلة أصل للفرع لبناء حكمه عليها (٢). [شروط حكم الأصل] قوله: ومن شرط حكم الأصل كونه شرعيًّا، وأن لا يكون منسوخًا لزوال اعتبار الجامع، وفي اعتبار كونه غير فرع، وجهان (٣). حكم الأصل -هو التحريم في الخمر مثلًا- فيشترط كونه شرعيًّا (٤) لأنه القصد من القياس الشرعي قال في الروضة: "فإن كان عقليًّا أو من المسائل الأصولية لم تثبت بالقياس، لأنها قطعية لا تثبت بأمور ظنية، وكذلك لو أراد إثبات أصل القياس، وأصل خبر الواحد بالقياس لم يجز: لما ذكرنا" (٥).

стр. 1468

ومن شرطه: أن لا يكون منسوخًا إذ لو نسخ لزال اعتبار الجامع (١). ومن شرطه: كونه غير فرع (٢) في أحد الوجهين، اختاره القاضي في مقدمة المجرد (٣) وقال: هو ظاهر قول أحمد، وقيل له: يقيس الرجل بالرأي؟ فقال: لا؛ هو أن يسمع الحديث فيقيس عليه (٤)،

стр. 1469

وجوزه القاضي أيضًا (١) وأبو محمد البغدادي وقال: إنه لا يخل بنظم القرآن وحقيقته (٢)، واختار في الروضة منعه مطلقًا إلا باتفاق الخصمين (٣)، وذكره بعض علمائنا (٤) عن أكثر الجدليين. قوله: فإن كان حكم الأصل يخالفه المستدِلّ كقول الحنفي -في الصوم بنية النفل-: أتى بما أُمر به فيصح كفريضة [الحج] (٥)، ففاسدٌ لأنه يتضمن اعترافه بالخطأ في الأصل (٦). إذا قال الحنفي: بنية نفل أتى بما أمر به فيصح، كفريضة حج بنية نفل، ففاسد لأنه قاس على أصل لا يعوّل بحكمه وهو الحج (٧)، وإن ذكره إلزامًا لخصمه بقوله: علة الأصل عندي في الفرع فيلزم الاعتراف بحُكْمِهِ أو إبطالها، لتخلف الحكم بلا معارض، فيمتنع ثبوت حكم الأصل؛ فلخصمه أن يقول: حكم الأصل ثبت بغيرها فيصدق؛ لأنه عدل أعرف بمأخذ مذهبه، ولو ثبت بها فليس تخطئته في حكم الفرع، وتصويبه فيها أولى من

стр. 1470

العكس (١) ويأتي في النقض (٢)، هل له أن يلزم خصمه ما لا يقول به؟ قوله: وأن لا يكون معدولًا به عن سَنَن القياس، ولا يُعْقَل معناه كشهادة خزيمة، وعدد الركعات (٣). ومن شرط حكم الأصل (٤): أن لا يكون معدولًا به عن سَنَن (٥) القياس، لأن معنى القياس تعدية حكم الأصل إلى الفرع

стр. 1471

بوجود المعنى المقتضي لثبوت حكم الأصل في الفرع، والمعدول عن سنن القياس قسمان (١): أحدهما: ما لا يعقل معناه وهو على ضربين. إما مستثنى عن قاعدة عامة، أو مبتدأ به عن قاعدة الشهادة الثابت حكمها بالآية (٢) فحِكمَة ذلك محجوبة عن العقول. والثاني (٣): كنصب الزكوات، وأعداد الركعات، ومقادير الحدود والكفّارات، فإنه مع كونه غير معقول المعنى غير مستثنى عن قاعدة عامة وعلى كلا التقديرين يمنع القياس (٤). القسم الثاني: ما شرع ابتداء ولا نظير له شرعًا -بمعنى أنه لم يوجد ما يساويه في العلة- فلا يجري فيه القياس أيضًا، لعدم النظير، وسواء كان: معقول المعنى: كرخص السفر والمسح على الخفين لعله رفع المشقة أم غير معقول المعنى كاليمين في

стр. 1472

القسامة (١)، وضرب الدية على العاقلة (٢)، وقيل: المعدول به عن سنن القياس هو الخارج عن المعنى، فلا ينطبق إلا على شيء خرج عن المعنى لا لمعنى فيخرج شيئان: أحدهما: ما شرع ابتداء لا لمعنى، فإنه لم يدخل حتى يقال: خرج. والثاني: ما استثنى عن معقول المعنى لا لمعنى، كالعرايا (٣) استثنيت من الربويات لحاجة الفقراء وقد سمّاهما الغزالي معدولًا بهما عن سنن القياس وفيه تَجوُّز (٤). تنبيهان: أحدهما: قول المصنف ولا يعقل معناه، الواو واو الحال، يعني أنه: إذا كان معدولًا به عن سنن القياس غير معقول

стр. 1473

المعنى، كشهادة خزيمة (١)، فعلى هذا لا يدخل في كلامه ما عدل به عن سنن القياس وعقل معناه. وسَنن القياس- هو بفتح السين (٢) - ومعناه طريقه. الثاني: في صفة شهادة خزيمة وذلك: أن النبي ﷺ ابتاع فرسًا من أعرابي، فجحده البيع، وقال: هلمَّ شهيدًا يشهد عليَّ، فشهد عليه خزيمة بن ثابت دون غيره، فقال له النبي ﷺ : ما حملك على هذا ولم تكن حاضرًا معنا؟ قال: صدّقتك بما جئت به وعلمت أنك لا تقول إلا حقًّا، فقال رسول الله ﷺ : (من شهد له خزيمة أو شهد عليه فهو حسبه) هذا لفظ ابن خزيمة (٣) وانظر أبي داود (٤)، فجعل النبي ﷺ شهادته شهادة رجلين (٥)، وذكر أهل السير أن ذلك الفرس

стр. 1474

للنبي (١) ﷺ ويسمى المرتجز (٢) لحسن صهيله. قوله: وأن لا يكون دليل الأصل شاملًا [لحكم] (٣) الفرع (٤). ومن شرط حكم الأصل أيضًا: أن لا يكون دليله شاملًا لحكم الفرع، كقول الشافعي في الفاكهة: مطعوم فهو ربوي كالبر، والطعم عنده علة لقوله ﷺ : (لا تبيعوا الطعام إلا مثلًا بمثل) (٥).

стр. 1475

فالنص دال بعمومه على الفواكه (١) فالاستدلال بالقياس تطويل. قوله: ولا يعتبر اتفاق الأمة على حكم الأصل، ويكفي اتفاق الخصمين واعتبره قوم، وسموا ما اتفق عليه الخصمان قياسًا مركبًا (٢). ومن شرط حكم الأصل كونه متفقًا عليه (٣) مخافة أن يمنع، فيحتاج القائس إلى إثباته عند توجه المنع إليه، فيكون الشروع فيه انتقالًا من [مسألة إلى] (٤) أخرى، لكن اختلفوا في كيفية الاتفاق: هل يشترط أن يكون متفقًا عليه بين الأمة؟ لئلا
следующие страницы →