← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 127717

شرح مختصر أصول الفقه للجراعي

الجراعي

Полный текст (1 782 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.

стр. 1471

بوجود المعنى المقتضي لثبوت حكم الأصل في الفرع، والمعدول عن سنن القياس قسمان (١): أحدهما: ما لا يعقل معناه وهو على ضربين. إما مستثنى عن قاعدة عامة، أو مبتدأ به عن قاعدة الشهادة الثابت حكمها بالآية (٢) فحِكمَة ذلك محجوبة عن العقول. والثاني (٣): كنصب الزكوات، وأعداد الركعات، ومقادير الحدود والكفّارات، فإنه مع كونه غير معقول المعنى غير مستثنى عن قاعدة عامة وعلى كلا التقديرين يمنع القياس (٤). القسم الثاني: ما شرع ابتداء ولا نظير له شرعًا -بمعنى أنه لم يوجد ما يساويه في العلة- فلا يجري فيه القياس أيضًا، لعدم النظير، وسواء كان: معقول المعنى: كرخص السفر والمسح على الخفين لعله رفع المشقة أم غير معقول المعنى كاليمين في

стр. 1472

القسامة (١)، وضرب الدية على العاقلة (٢)، وقيل: المعدول به عن سنن القياس هو الخارج عن المعنى، فلا ينطبق إلا على شيء خرج عن المعنى لا لمعنى فيخرج شيئان: أحدهما: ما شرع ابتداء لا لمعنى، فإنه لم يدخل حتى يقال: خرج. والثاني: ما استثنى عن معقول المعنى لا لمعنى، كالعرايا (٣) استثنيت من الربويات لحاجة الفقراء وقد سمّاهما الغزالي معدولًا بهما عن سنن القياس وفيه تَجوُّز (٤). تنبيهان: أحدهما: قول المصنف ولا يعقل معناه، الواو واو الحال، يعني أنه: إذا كان معدولًا به عن سنن القياس غير معقول

стр. 1473

المعنى، كشهادة خزيمة (١)، فعلى هذا لا يدخل في كلامه ما عدل به عن سنن القياس وعقل معناه. وسَنن القياس- هو بفتح السين (٢) - ومعناه طريقه. الثاني: في صفة شهادة خزيمة وذلك: أن النبي ﷺ ابتاع فرسًا من أعرابي، فجحده البيع، وقال: هلمَّ شهيدًا يشهد عليَّ، فشهد عليه خزيمة بن ثابت دون غيره، فقال له النبي ﷺ : ما حملك على هذا ولم تكن حاضرًا معنا؟ قال: صدّقتك بما جئت به وعلمت أنك لا تقول إلا حقًّا، فقال رسول الله ﷺ : (من شهد له خزيمة أو شهد عليه فهو حسبه) هذا لفظ ابن خزيمة (٣) وانظر أبي داود (٤)، فجعل النبي ﷺ شهادته شهادة رجلين (٥)، وذكر أهل السير أن ذلك الفرس

стр. 1474

للنبي (١) ﷺ ويسمى المرتجز (٢) لحسن صهيله. قوله: وأن لا يكون دليل الأصل شاملًا [لحكم] (٣) الفرع (٤). ومن شرط حكم الأصل أيضًا: أن لا يكون دليله شاملًا لحكم الفرع، كقول الشافعي في الفاكهة: مطعوم فهو ربوي كالبر، والطعم عنده علة لقوله ﷺ : (لا تبيعوا الطعام إلا مثلًا بمثل) (٥).

стр. 1475

فالنص دال بعمومه على الفواكه (١) فالاستدلال بالقياس تطويل. قوله: ولا يعتبر اتفاق الأمة على حكم الأصل، ويكفي اتفاق الخصمين واعتبره قوم، وسموا ما اتفق عليه الخصمان قياسًا مركبًا (٢). ومن شرط حكم الأصل كونه متفقًا عليه (٣) مخافة أن يمنع، فيحتاج القائس إلى إثباته عند توجه المنع إليه، فيكون الشروع فيه انتقالًا من [مسألة إلى] (٤) أخرى، لكن اختلفوا في كيفية الاتفاق: هل يشترط أن يكون متفقًا عليه بين الأمة؟ لئلا

стр. 1476

يتطرق إليه المنع بوجه، وقيل: يكفي اتفاق الخصمين إذ النزاع بينهما فيكفي اتفاقهما (١)، ومن قال بالأول، سَمَّى الثاني قياسًا مركبًا وهو: أن يكتفي المستدل بموافقة خصمه في الأصل مع منعه علّة الأصل، [أو منعه] (٢) وجودها في الأصل، فالأول مركب الأصل وإنما سمى مركبًا لاختلافهما في علته (٣)، وقيل: في تركيب الحكم عليها (٤)؛ فعند المستدل: هي فرع له، والمعترض: بالعكس. وسمي مركب الأصل للنظر في علة حكمه، مثاله: عبدٌ منقوص بالرّق فلا يقتل به الحر كالمكاتب، فيقول الحنفي: العلة في المكاتَب بماله المستحق من الورثة والسيد، فإن صحّت بطل

стр. 1477

قياسك، وإن بطلت منعت حكم الأصل لانتفاء مُدْرَكه، فيمتنع القياس لعدم العلة في الفرع أو منع الأصل. والثاني: مركب الوصف سمي به لاختلافهما فيه، كقوله في تعليق الطلاق بالنكاح: تعليق فلا يصح قبل النكاح، كما لو قال: زينب التي أتزوجها طالق، فيقول الحنفي: العلة التعليق، وفي الأصل تنجيز، فإن صحّ هذا بطل قياسك، وإن بطل منحت حكم الأصل، فيمتنع القياس بعدم العلة في الأصل أو منع الأصل، وضعّف في الروضة (١): القول باشتراط اتفاق كل الأمة لندرة المجمع عليه، وبأن كلًّا منهما مقلد، فليس له منع حكم ثبت مذهبًا لإمامه، لأنه لا يعلم مأخذه، ثم: لا يلزم من عجزه عجزه، ثم: لا يتمكن أحدهما من إلزام ما لم يجمع عليه (٢). [شروط علة الأصل] قوله: ومن شرط علة الأصل: كونها باعثة، أي: مشتملة على حكمةٍ مقصودةٍ للشارع من شرع الحُكم، وقال غير واحد من أصحابنا: هي مجرد أمارةٍ وعلامةٍ نصبَها الشارع دليلًا على الحكم موجبةً لمصالح دافعة لمفاسد ليست من جنس الأمارة الساذجة (٣). علّة الأصل: هي ما يعلل بها الحكم في الأصل فمن

стр. 1478

شرطها كونها باعثة، ومعنى الباعثة: أن تكون مشتملة على حكمة مقصودة للشارع من شرع الحكم، من تحصيل مصلحة أو تكميلها، أو دفع مفسدة أو تقليلها (١)، قال أبو العباس: "قد أطلق غير واحد من أصحابنا -القاضي (٢)، وأبو الخطاب (٣)، وابن عقيل (٤)، والحلواني (٥)، وغيرهم- في غير موضع: أنّ عِلل الشرع إنما هي أمارات وعلامات نصبها الله أدلةً على الأحكام، فهي تجري مجرى الأسماء، وهذا الكلام ليس بصحيح على الإطلاق، والكلام في حقيقة العلل الشرعية فيه طول، وذكر ابن عقيل (٦) وغيره: أنها وإن كانت أمارات فإنها موجبة لمصالح ودافعة لمفاسد ليست من جنس الأمارات الساذجة العاطلة عن الإيجاب" (٧). قوله: قال الآمدي: منع الأكثر جواز التعليل [بحكمة] (٨) مجردة عن وصف ضابطٍ لها، قلت: كلام أصحابنا مختلف في ذلك (٩).

стр. 1479

قال الآمدي: "منعه الأكثر، وجوزه الأقل" (١) ثم اختار قول من جوزه بحكمة ظاهرة منضبطة (٢)، وإلا فلا، وذكره بعض علمائنا: عن طائفة من أصحابنا (٣) وغيرهم، والمالكية (٤). وجه الأول (٥): ردّ الشارع في ذلك إلى المظان الظاهرة دفعًا للعسر واختلاف الأحكام. ولأنه يكون الوصف الظاهر المنضبط عديم التأثير، استغناءً بأصل الحكمة. ولأن فيه حرجًا بالبحث عنها فشتفي بالآية (٦). وردّ: بأنه يلزم في الوصف للزوم معرفتها (٧) في جعله علة (٨)، بل المشقة أكثر.

стр. 1480

والاطلاع على الوصف أسهل فلا يلزم منه المنع (١). ووجه الثالث (٢): أنها مع ظهورها وانضباطها كالوصف أو أولى، لأنها المقصودة من شرع الحكم. رد: لا يمكن ذلك (٣)، لرجوعها إلى الحاجة إلى المصلحة ودفع المفسدة، وهي مختلفة. ثم: نادر وفيه حرج فينتفي بالآية. أي: الفرض بأنها ظاهرة منضبطة، فلا محذور، وفيه نظر (٤). قول: ويجوز أن تكون العلة أمرًا عدميًا في الحكم الثبوتي عند أصحابنا (٥) وغيرهم (٦)

стр. 1481

خلافًا للآمدي (١) وغيره (٢) (٣). لنا: أنه لا يمتنع أن ينصب الشارع أمارة إذا كان ظاهرًا معلومًا، ولو قال الشارع: اعلموا أن ما لا ينتفع به لا يجوز بيعه، وأن ما لا يجوز بيعه لا يجوز رهنه، لم يكن منه مانع (٤)، قال بعضهم: والتحقيق أن الخلاف لا يقع مع العدم المحض الذي ليس فيه إضافة إلى شيء (٥)، وأن الإعدام المضافة يُعلَّل بها، كما تكون شرطًا خصوصًا في الشرعيات، وحكى إسماعيل البغدادي في التعليل بالعدم أقوالًا، بأنها يجوز في العدم المضاف (٦).

стр. 1482

قالوا: الباعث على الحكم [مصلحة] (١) أو دفع مفسدة، دلا بد من قدرة المكلف على تحصيلها، والعدم المحض لا يفضي إلى مقصود شرع الحكم، ولا قدرة عليه (٢)، قيل: ما فعله مفسدة فعدمه مصلحة وبالعكس، فيصح التعليل، وعدم القدرة على العدم ممنوع ولهذا يقال: ضربته لعدم امتثاله (٣)، قالوا: العدم هنا الكف، وهو وجودي، قيل: الأصل في الإطلاق الحقيقة، وما تحقق التعليل به إذا كان مضافًا أن الدوران علة وجزأه عدم، وكذلك انتفاء معارضه المعجزة لمظانها، أُخذ من المقتضى للاتباع، وكل من منع من التعليل بالعدم منع أن يكون جزء علة (٤). قوله: ومن شرطها أن تكون متعدية فلا عبرة بالقاصرة (٥)

стр. 1483

وهي: ما لا توجد من غير محل النصّ، كالثّمنيّة في النّقدين عند

стр. 1484

أكثر أصحابنا (١)، والحنفية (٢)، خلافًا للشافعي (٣) (٤). واختار صحة التعليل بالقاصرة أبو الخطاب (٥) والشيِخ موفق الدين (٦) والشيخ مجد الدين (٧)، وقال: قد ثبت ذلك مذهبًا لأحمد حيث علل في النقدين في رواية عنه بالثمنية (٨)، وقال: بل هو من أكثر القائلين بذلك، ووجه حصول الظن، بأن الحكم لأجل القاصرة بمعنى كونها باعثة عليه لثبوت الحكم على وفقها مع المناسبة وإذا حصل الظن صحت القاصرة لأن حصول الظن لأجلها كما في المنصوصة (٩)، ولأن التعدية فرع صحة العلة فلا يجوز جعلها شرطًا أوّلًا، لاشتراط تقدم ما يشترط تأخره، ولأن التعدية

стр. 1485

ليست شرطًا في العلة المنصوص عليها ولا في العقلية (١) وهما آكد (٢)، ولأن الشارع لو نص على جميع القاتلين ظلمًا بوجوب القصاص لم يمنعنا أن يظن كون الباعث حكمه الردع والزجر، وإن لم يتعد إلى غير قاتل، واحتج: بأنه لو كان صحتها موقوفة على [تعديتها] (٣) لم تنعكس -أي لما كانت تعديتها موقوفة على صحتها-، فيلزم الدور لتوقف الصحة على التعدية، وتوقف التعدية على الصحة (٤)، فقيل: لزوم الدور ممنوع، لجواز أن تكون التعدية بتوقف الصحة عند الخصم، وهو وجودها في الفرع، وعلى هذا فلا دور، لعدم تكرار الوسط لتوقف الصحة على وجودها في الفرع، وتوقف ثبوت الحكم بها في الفرع على الصحة (٥)، ووجه

стр. 1486

الأول (١): لو صحت [لأفادت الحكم] (٢) في الأصل بنص أو إجماع ولا فرع لقصورها، ردّ: يلزم في القاصرة بنص، وبأن فائدتها (٣) معرفة الباعث ليكون أسرع قبولًا. وبأنه يمتنع لأجلها تعدية الحكم إلى الفرع (٤). قوله: واختلف في اطراد العلة وهو: استمرار حكمها في جميع محالها (٥)،

стр. 1487

فاشترطه الأكثر (١) خلافًا لأبي الخطاب (٢) وغيره (٣) (٤). استمرار حكمها، أي: وجود حكمها في كل محل وجدت فيه، كوجود التحريم حيث وجد الإسكار، احتج الأول (٥): أن

стр. 1488

تخلف حكمها عنها يدل على عدم عليتها، أو على عدم كونها علة، لوجهين: أحدهما أن انتفاء الحكم لانتفاء عليته موافقٌ للأصل، وحمل الانتفاء على وفق الأصل أولى من حملها على خلافه. الثاني: أن وصف الحكم من حيث هو: إما أن يكون مستلزمًا للعلية أو لا، فإن كان مستلزمًا للعلية لزم وجود الحكم معه في جميع صوره، وإن لم يكن مستلزمًا لم يكن علة حتى [ينضاف] (١) إلى غيره، والتقدير أنه علّة هذا خُلْفٌ، واحتج الثاني: وهو الذي أجاز تخصيصها، وتخلف حكمها عنها في بعض صورها، بأن علل الشرع معرفات لا مؤثرات، واذا كانت أمارات لم يشترط فيها ذلك، لأن الأمارة لا يجب وجود حكمها معها أبدًا، بل يكفي وجوده معها في الأغلب الأكثر، كالغيم الرطب أمارة على المطر، وإن تخلف عنه في بعض الأوقات، وكون مركوب القاضي على باب الأمير أمارة على أنه عنده، وإن تخلف ذلك في بعض الصور (٢). فعلى هذا القول (٣): هل تبقى بعد تخصيصها حجة كالعموم؟ أم مع وجود المانع في الفرع؟ أم كانت منصوصة؟ على مذاهب (٤):

стр. 1489

أحدهما: نعم تبقى حجة (١) بعد تخصيصها بالعموم، ودليله ما تقدم (٢). الثاني: إن وجد في الفرع مانع يمنع تعدي الأصل إليه كانت حجة بعد التخصيص أصالةً لتخلف الحكم على المانع، لا على عدم صلاحية الوصف للعلية استصحابًا لحال دليل العلية كالقتل العمد العدوان، حيث لم نوجب القود على الأب لمانع الأبوه لا لعدم صلاحية القتل المذكور للمقتضي، الثالث: إن كانت

стр. 1490

المخصوصة منصوصة؛ فنعم، لا مستنبطة لضعف المستنبطة وقوة المنصوصة بالنص، فلا يخرجها التخصيص عن العلية لقوتها، إذ يتعين الانقياد لنص الشارع، وكذا إن كانت مجمعًا عليها؛ لأن الإجماع معصوم فلا يؤثر في ذلك تخلف الحكم في صورة ما (١). قوله: وفي تعليل الحكم بعلتين أو علل كل منها مستقل (٢): أقوال، ثالثها للمقدسي، وغيره يجوز في المنصوصة لا المستنبطة، ورابعها: عكسه (٣)، ومختار الإمام (٤) يجوز ولكن

стр. 1491

لم يقع (١). بالجواز مطلقًا قاله علماؤنا (٢) والجمهور (٣)، قال المجد: ويقتضيه كلام أحمد في خنزير ميت (٤) يشير إلى ما ذكره الإمام أحمد، فيما إذا خلط تمرًا وزبيبًا (٥) وشرب ذلك مسكرًا، فهو

стр. 1492

بمنزلة من أكل لحم خنزير ميت، فهو حرام من الوجهين جميعًا، فأثبت تحريمين (١)، وأيضًا فإن اللمس والبول والغائط ثبت لكل واحد منهما الحدث، والقصاص والردة يثبت بكل منهما القتل، وكذلك إذا أجّرت صغيرة بلبن أختك وزوجة أخيك حرمت، لكونك خالها وعمها (٢) دفعة (٣)، ووقوعه دليل جوازه (٤)، وقاهـ المانعون، وهم القاضي أبو بكر (٥).

стр. 1493

وإمام الحرمين (١) نقله الآمدي واختاره (٢): لو علل (٣) الحكم الواحد بعلتين لاجتمع على الأثر الواحد مؤثران لكنه لا يجتمع على الأثر الواحد مؤثران، فلا يجوز تعليل الحكم الواحد بعلتين، وإنما قلنا لا يجتمع على الأثر مؤثران، لأن كل واحد من المؤثرين استقل بايجاد الأثر، فإن أثَّرَا فيه معًا، لزم الاستغناء بكل واحد منهما، والفرض أنه ثبت بهما، هذا خلف، وإن أثَّرا فيه متعاقبين، فهو إنما ثبت بالأول، والثاني ليس بمؤثر لعدم القابل لتأثيره، وإن لم يستقل كل واحد منهما بإيجاد الأثر، فكل واحد منهما جزء المؤثر لا المؤثر الكامل، بل هما جميعًا المؤثر، أما أحدُهما فقط؛ فلا، قلنا: إنما يمتنع اجتماع مؤثرين على أثر واحد في الأحكام العقلية لا الشرعية، لأن علل الشرع أمارات ومعرفات، فلا يمتنع أن يكون على الشيء الواحد علامتان أو علامات، ومعرفان أو معرفاتٌ، كما يُعرف الحكم الواحد بأدلة كثيرة، كما يُعرف الله سبحانه بكل جزءٍ من أجزاء العالم معرفة المؤثر بالأثر، كما قال القائل (٤):

стр. 1494

وفي كل شيء له آية ... تدل على أنه واحد وهذا بخلاف العلل العقلية، فإنها مؤثرات في معلولاتها، فلا يجتمع على المعلول منها علتان، كالتحرك لا يكون في الجوهر الواحد بحركتين، وكسر الإناء لا يكون بكسرين (١)، للتقرير المذكور القائل (٢) بالمنصوصة لاستقلال كل منهما بنص، وكل واحده علامه والمستنبطة إن عين بنص استقلال كل وصف فمنصوصه وإلا فإسناد الحكم إلى إحداهما تحكم، ولأن كل منهما تناقض، لأنه يكون مستغنيًا عن كل منهما غير مستغن فتعين إليهما معًا كل منهما جزء علة، القائل: بالمستنبطة لاستقلالها لما سبق فيما قبله، والمنصوصة قطعية ففي استقلالها اجتماع المثلين أو تحصيل الحاصل، رد: ليست قطعية، وقول المصنف ومختار الإمام يجوز (٣)، ولكن لم يقع المراد به هنا إمام الحرمين فإنه قال في البرهان: "ليس ممتنعًا عقلًا وتسويغًا، ونظرًا إلى المصالح الكلية، ممتنع شرعًا في مسألتنا به جائز عقلًا لكن لم يقع قط" (٤)، وذكر أنه تصفح الشريعة فلم يجد ذلك. قال الصفي الهندي: هو الأشهر عنه يعني بخلاف نقل الآمدي المتقدم عنه (٥).

стр. 1495

قوله. ثم اختلف القائلون بالوقوع إذا اجتمعت، فعند بعض أصحابنا (١) وغيرهم (٢) كل واحدة علة، وقيل: جزء علة، واختاره ابن عقيل (٣)، وقيل: واحدة لا بعينها (٤). وجه الأول: ثبت استقلال كل منها منفردة. رد: لم يثبت مجتمعة. ووجه الثاني: يلزم من الاستقلال اجتماع المثلين فتعين الجزء (٥). ووجه الثالث: ما يلزم من التحكم أو الجزيئية وجوابه: ما سبق (٦). قوله: والمختار: تعليل حُكمين بعلةٍ (٧)

стр. 1496

بمعنى الباعث (١)، وأما الأمارة فاتفاق (٢). أما الأمارة: فجائز اتفاقًا (٣): كغروب الشمس للفطر والصلاة، واختلفوا فيه بمعنى الباعث، وجوازه أظهر لأنه لا مانع، كالإسكار للتحريم والحد، قالوا: أحد الحكمين حُصِّل لحكمة، فإن حَصّلها الثاني فتحصيل الحاصل، وإلا فليست علة، رد: يتوقف المقصود عليهما، فلا يحصل جميعها إلا بهما أو يحصل الحكم الثاني حكمة أخرى، فتعدد الحكمة، والوصف ضابط لأحدهما (٤).

стр. 1497

قوله: والمختار أن لا تتأخر علة الأصل عن حكمة (١). اختلفوا في جواز تأخير علة الأصل عن حكمه (٢)، كتعليل ولاية الأب على صغير عَرَض له جنون: بالجنون، فإن الولاية ثابتة قبل عروض الجنون (٣)، واختار الآمدي (٤) وغيره (٥): المنع، لاستحالة ثبوت الحكم بلا باعث، وإن جاز التعليل بالأمارة (٦)؛ فتعريف المعرّف لتعريف الحكم بالنص، قال بعضهم: وفيه نظر لجواز كون فائدتها تعريف حكم الفرع، فيتوجه قول ثالث (٧).

стр. 1498

قوله: ومن أشراطها أن لا ترجع عليه (١) بالإبطال (٢). لأن العلة فرع هذا الحكم، والفرع لا يرجع إلى إبطال أصله وإلا يلزم أن يرجع إلى نفسه بالإبطال، ولهذا ضعّف مأخذ الحنفي في تأويله حديث: (في أربعين شاة شاة) (٣)، أي: قيمة شاة، لأن القصد دفع الحاجة بالشاة أو القيمة (٤)، فعللوه بدفع حاجة الفقراء فجوزوا قيمتها، فقد أفضى هذا التعليل إلى عدم وجوب الشاة، بل ثبوت التخيير بينها وبين قيمتها (٥). قوله: وأن لا تخالف نصًّا أو إجماعًا (٦).

стр. 1499

أي: ومن شرط العلة أن لا تخالف نصًّا أو إجماعًا (١)، لأنها أولى من القياس (٢)، ومثال مخالفة النص قول الحنفي. المرأة مالكة لبضعها فيصح نكاحها بغير إذن وليها قياسًا على سلعتها (٣)، فهذه علة مخالفة نص قوله ﵊: (أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل)، ومثال مخالفة الإجماع: قياس صلاة المسافر على صومه في عدم الوجوب، بجامع السفر الموجب للمشقة فهذه علة مخالفة للإجماع (٤). قوله: وأن لا تتضمن المستنبطة زيادة على النص (٥). بأن يكون النص دالًّا على عليّة وصف، ويزيد الاستنباط على ذلك الوصف قيدًا، منهم من أطلق ذلك، وقال الآمدي (٦):

стр. 1500

إنما يشترط إذا نافت الزيادة مقتضى النص (١). قوله: وأن يكون دليلها شرعيًّا (٢). ومن شرطها: أن يكون دليلها شرعيًّا، لأن الكلام هنا في العلة الشرعية ولو كان دليلها عقليًّا أو لغويًّا للزم منه أن لا يكون حكم الأصل شرعيًّا (٣). قوله: ويجوز أن تكون العلة حكمًا شرعيًّا عند الأكثر (٤). اختلفوا في تعليل الحكم الشرعي بالحكم الشرعي كقولنا: من صحَّ طلاقه صح ظهاره على أقوال: أحدها: الجواز قاله طائفة من الأصوليين (٥)، وذكره أبو الخطاب عن علمائنا وعلله. بأنها أمارة تقتضي الظن، فإذا وجدنا حكمًا دالًا على آخر كان أمارة لوجوده، وإذا كان أمارة لوجوده جاز أن تكون علة فيه (٦).

стр. 1501

الثاني: المنع - قال بعض علمائنا (١): أظنه اختيار ابن عقيل (٢) وابن المنِّي (٣) - لأن الحكم المعلل إن تقدم أو تأخر فباطل، لِتَقَدّم المعلول أو تأخره، ومعه لا أولوية لتعليل أحدها بالآخر (٤)، ويجوز تأخره لأنه معرف، ولأن الشدة المطربة إن سبقت التحريم فإنما هي علة بجعل الشارع، وقد يكون أحدهما أولى لمناسبته الآخر بلا عكس. الثالث: يجوز كونه علة بمعنى الأمارة لا في أصل القياس،

стр. 1502

واختاره الآمدي نحو: رأيتم أني حَرَّمت كذا وقد حرمت كذا (١). قوله: ويجوز تعدد الوصف، ووقوعه عند الأكثر (٢). اتفقوا على جواز التعليل بالوصف الواحد (٣)، واختلفوا في العلة إذا كانت مركبة من أوصاف، كقولنا: قتل عمد عدوان على أقوال: أحدها: الجواز مطلقًا والوقوع وهو قول علمائنا (٤)، والجمهور (٥)؛ لأن المصلحة قد لا تحصل إلا بالمركب كما يقال: إن وصف الزنا لا يستعمل لمناسبة وجود الحد، إلا بشرط كون الواطي عالمًا كون الموطوءة أجنبية، فلو جهل ذلك: لم يناسب وجود الحد. الثاني: المنع؛ لأنه لو صح التركيب لكانت العلية صفة

стр. 1503

زائدة لأنَّا نعقل المجموع ونجهل كونها علة، والمجهول غير المعلوم، فإن قامت بكل جزء فكل جزء عكسه، وإن قامت بجزء فهو العلة (١). قلت: معنى كون الأوصاف علة أن الشارع قضى بالحكم عند ذلك المجموع رعاية لما اشتمل عليه من الأوصاف، وليس ذلك صفة لها فضلًا عن كونه صفة زائدة. الثالث: الجواز بشرط أن لا يجاوز خمسة أوصاف اختاره الجرجاني (٢). الرابع: يشترط عدم مجاوزة سبعة أوصاف نقله الشيخ أبو إسحاق عن بعضهم، قال في المحصول: ولا أعرف للحصر وجهًا (٣). قوله: ومن شرط الفرع مساواة علته علة الأصل ظنًّا، كالشدة المطربة في النبيذ (٤). [شروط الفرع] لما فرغ من شروط العلة، شرع يتكلم على شروط الفرع،

стр. 1504

منها: مساواة علته علة الأصل ظنًّا (١) إما: في عينها كالشدة المطربة في تحريم النبيذ، أو: في جنسها كالجناية في وجوب القصاص في الأطراف على النفس المشتركة بين القتل والقطع، لأن القياس: تعدية الحكم من الأصل إلى الفرع بواسطة علة الأصل، فإذا لم تشارك علة الأصل علة الفرع في خصوصها ولا عمومها، لم يتعد حكم الأصل إلى الفرع. قول: ومساواة حكمه حكم الأصل، كقياس البيع على النكاح في الصحة (٢). ومنها مساواة حكم الفرع حكم الأصل في المقصود عينًا كوجوب القصاص في النفس بالمثقل قياسًا على المحدّد، أو جنسًا كإثبات الولاية على الصغيرة في نكاحها قياسًا على إثبات الولاية في مالها (٣)، لأن المشترك بينها جنس الولاية لا عينها،

стр. 1505

لأن شرع الأحكام مطلوب لما يفضي إليه من مقاصد العباد، سواء ظهر المقصود أم لا، فإذا ساوى حكم الفرع حكم الأصل علمنا مماثلة ما يحصل به من المقصود لما يحصل من حكم الأصل [ضرورة] (١) اتحاد الوسيلة فيجب إثباته. قوله: وأن لا يكون منصوصًا على حكمه (٢). لأن قياس المنصوص على المنصوص باطل إذ ليس أحدهما بالقياس على الآخر أولى من العكس (٣). قوله: وشرط الحنفية (٤) وغيرهم من أصحابنا أن لا يكون متقدمًا على حكم الأصل، وصحح المقدسي اشتراطه لقياس العلة دون قياس الدلالة (٥). كقياس علمائنا (٦)

стр. 1506

والشافعية (١) الوضوء على التيمم (٢) في اشتراط النية، لثبوت حكم الفرع قبل ثبوت العلة لتأخر الأصل (٣)، قال الآمدي: "إلا أن نذكره إلزامًا للخصم (٤)، وفي الروضة: الصحيح يشترط [لقياس] (٥) العلة لا الدلالة، فيقاس الوضوء على التيمم لجواز تأخر الدليل عن المدلول، كحدث العالم دليل على القدم، والأثر على المؤثر (٦). قوله: مسالك إثبات العلة: الأول: الإجماع (٧). [مسالك العلة] المراد بالمسالك (٨): الطرق الدالة على أن الوصف علة (٩)،

стр. 1507

وقدم الإجماع على النص تبعًا لجماعة منهم: ابن حمدان وابن مفلح (١)، وابن قاضي الجبل والآمدي (٢)، والتاج السبكي (٣)، والبيضاوي (٤)، لأنه مقدم عليه في العمل (٥)، وقدم ابن الحاجب (٦) وأبو الخطاب (٧) والشيخ في الروضة (٨) النص، قال بعضهم: وهو أولى لأنه أصل الإجماع (٩)، فإذا أجمعوا على عِليَّة

стр. 1508

وصفٍ إجماعًا قطعيًّا أو ظنيًّا ثبتت عليته (١)، مثاله قوله ﵊: (لا يقضي القاضي وهو غضبان) (٢)، قال القاضي أبو الطيب: "أجمعوا على أن النهي فيه لأن الغضب يشغل القلب" (٣). قوله: الثاني: النص (٤) فمنه صريح في التعليل نحو ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً﴾ (٥) ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا﴾ (٦) ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ﴾ (٧) (٨). النص الصريح (٩): ما دلّ بالوضع على العلية من غير

стр. 1509

احتياج فيه إلى نظر واستدلال (١)، وله ألفاظ منها: "لعلة كذا"، أو "سبب كذا"، أو "لأجل كذا"، أو ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً﴾ (٢) أي: إنما وجب تخميسه كي لا يتداوله الأغنياء منكم، فلا يحصل للفقراء شيء منه (٣)، ومنها "إذًا" لقوله تعالى: ﴿إِذًا لَأَذَقْنَاكَ﴾ (٤)، وكقوله ﷺ لأبي بن كعب (٥) وقد قال له -اجعل لك صلاتي كلها-: (إذًا يغفر الله لك ذنبك كله) (٦)، وجعل ابن السمعاني (٧)

стр. 1510

"لأجل"، و"كي" دون ما قبلهما في الصراحة (١). قوله: فإن أضيف إلى ما لا يصلح علة نحو لم فعلت؟ فيقول: لأني أردت، فهو مجاز (٢). الفعل بحكم الأصلِ في وضع اللغة أو استعمالها إنما يُضاف إلى علته وسببه، فإن أُضيفَ إلى ما لا يصلح علةً، فهو مجاز، ويُعرف ذلك بعدم الدليل على صلاحيته علةً، مثل: أن يقال للفاعل: لم فعلت؟ فيقول: لأني أردت، فإن هذا لا يَصلُح أن يكون علةً، فهو استعمالُ اللفظ في غير محله، وإنما قلنا: إن الإرادة ليست علة للفعل وإن كانت هي الموجبةَ لوجوده، أو المصححةَ له، لأن المراد بالعلة في الاصطلاح هو المقتضي الخارجي للفعل، أي: المقتضي له من خارج، والإرادة ليست
следующие страницы →