← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 127717

شرح مختصر أصول الفقه للجراعي

الجراعي

Полный текст (1 782 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.

стр. 1506

والشافعية (١) الوضوء على التيمم (٢) في اشتراط النية، لثبوت حكم الفرع قبل ثبوت العلة لتأخر الأصل (٣)، قال الآمدي: "إلا أن نذكره إلزامًا للخصم (٤)، وفي الروضة: الصحيح يشترط [لقياس] (٥) العلة لا الدلالة، فيقاس الوضوء على التيمم لجواز تأخر الدليل عن المدلول، كحدث العالم دليل على القدم، والأثر على المؤثر (٦). قوله: مسالك إثبات العلة: الأول: الإجماع (٧). [مسالك العلة] المراد بالمسالك (٨): الطرق الدالة على أن الوصف علة (٩)،

стр. 1507

وقدم الإجماع على النص تبعًا لجماعة منهم: ابن حمدان وابن مفلح (١)، وابن قاضي الجبل والآمدي (٢)، والتاج السبكي (٣)، والبيضاوي (٤)، لأنه مقدم عليه في العمل (٥)، وقدم ابن الحاجب (٦) وأبو الخطاب (٧) والشيخ في الروضة (٨) النص، قال بعضهم: وهو أولى لأنه أصل الإجماع (٩)، فإذا أجمعوا على عِليَّة

стр. 1508

وصفٍ إجماعًا قطعيًّا أو ظنيًّا ثبتت عليته (١)، مثاله قوله ﵊: (لا يقضي القاضي وهو غضبان) (٢)، قال القاضي أبو الطيب: "أجمعوا على أن النهي فيه لأن الغضب يشغل القلب" (٣). قوله: الثاني: النص (٤) فمنه صريح في التعليل نحو ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً﴾ (٥) ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا﴾ (٦) ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ﴾ (٧) (٨). النص الصريح (٩): ما دلّ بالوضع على العلية من غير

стр. 1509

احتياج فيه إلى نظر واستدلال (١)، وله ألفاظ منها: "لعلة كذا"، أو "سبب كذا"، أو "لأجل كذا"، أو ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً﴾ (٢) أي: إنما وجب تخميسه كي لا يتداوله الأغنياء منكم، فلا يحصل للفقراء شيء منه (٣)، ومنها "إذًا" لقوله تعالى: ﴿إِذًا لَأَذَقْنَاكَ﴾ (٤)، وكقوله ﷺ لأبي بن كعب (٥) وقد قال له -اجعل لك صلاتي كلها-: (إذًا يغفر الله لك ذنبك كله) (٦)، وجعل ابن السمعاني (٧)

стр. 1510

"لأجل"، و"كي" دون ما قبلهما في الصراحة (١). قوله: فإن أضيف إلى ما لا يصلح علة نحو لم فعلت؟ فيقول: لأني أردت، فهو مجاز (٢). الفعل بحكم الأصلِ في وضع اللغة أو استعمالها إنما يُضاف إلى علته وسببه، فإن أُضيفَ إلى ما لا يصلح علةً، فهو مجاز، ويُعرف ذلك بعدم الدليل على صلاحيته علةً، مثل: أن يقال للفاعل: لم فعلت؟ فيقول: لأني أردت، فإن هذا لا يَصلُح أن يكون علةً، فهو استعمالُ اللفظ في غير محله، وإنما قلنا: إن الإرادة ليست علة للفعل وإن كانت هي الموجبةَ لوجوده، أو المصححةَ له، لأن المراد بالعلة في الاصطلاح هو المقتضي الخارجي للفعل، أي: المقتضي له من خارج، والإرادة ليست

стр. 1511

معنى خارجًا عن الفاعل (١). قوله: أما نحو: إنها رجس، إنها ليست بنجس، إنها من الطوافين فصريح عند القاضي وغيره، وإن لحقته الفاء فهو آكد، وإيماء عند غيره (٢). لفظة "إِنّ" مثل قوله ﵊ لما ألقى الروثة: (إنها رجس) (٣)، وقوله في الهرة: (إنها ليست بنجس إنها من الطوافين) (٤)، وقوله ﵊: (لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها، إنكم إذا فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم) (٥)، زعم إسماعيل البغدادي (٦) ويوسف الجوزي (٧) وغيرهما أنها ليست

стр. 1512

للتعليل، ويقوى كون أهل اللغة يعرفونه (١)، وذكر القاضي (٢) وأبو الخطاب (٣) أنها صريح في التعليل لتبادره منه إلى الذهن بلا توقف (٤)، فإن انضم الفاء إلى حرف أن فهو آكد (٥) نحو قوله ﷺ في المحرم: (لا تقربوه طيبًا فإنه يبعث ملبيًا) (٦). قوله: ومنه إيماء وهو أنواع: الأول: ذكر الحكم عقيب وصف بالفاء نحو: ﴿قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا﴾ (٧) (٨). الإيماء (٩): هو الإشارة إلى التعليل لأنه يدل على العلة بطريق الإلتزام (١٠) وهو أنواع: أحدها: ذكر الحكم عقب وصف

стр. 1513

بالفاء، نحو قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا﴾ (١) وقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا﴾ (٢) ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا﴾ (٣) وقوله ﵊: (من بدل دينه فاقتلوه) (٤) (من أحيا أرضًا ميتة فهي له) (٥)، فهذه كلها أحكام ذكرت عقب أوصاف، كاعتزال النساء عقيب المحيض، وقطع السارق عقب السرقة، وجلد الزاني عقب الزنا، وقتل المرتد عقب التبديل، وملك الأرض عقب الإحياء، وذلك يفيد في عرف اللغة: أن الوصف

стр. 1514

الذي قبل الحكم علة لثبوته؛ لأن الفاء في اللغة للتعقيب فتفيد تَعَقُّبَ الحكمِ الوصفَ (١). قوله: الثاني: ترتيب الحكم على الوصف بصيغة الجزاء، نحو: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ (٢) أي: لتقواه (٣). لأن الجزاء يكون عقيب الشرط في اللغة، وقد ثبت مما سبق أن السبب ما ثبت الحكم عقيبه، فإذن: الشرط في مثل هذه الصيغ سبب الجزاء (٤)، ومن أمثلة هذا النوع قوله : ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ (٥) ﴿مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ (٦) ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾ (٧)، وقوله ﷺ : (من تبع جنازة فله من الأجر قيراط) (٨).

стр. 1515

قوله: [الثالث] (١): ذكر الحكم جوابًا لسؤال نحو قوله: (أعتق رقبة) (٢) في جواب سؤال الأعرابي إذ هو في معنى: حيث واقعت فاعتق (٣). لأن السؤال في تقدير الإعادة في الجواب (٤)، كما لو جاء العدو فقال: اركبوا وفلان واقف ليسأل، فقال: أعطوه، إذ التقدير: حيث جاء العدو فاركبوا، وحيث فلان يسأل فأعطوه، إذ لو لم يعلل الجواب بالسؤال لكان غير مرتبط، لخلا السؤال عن جواب، وحينئذ يلزم تأخير البيان عن وقت الحاجة، لأن السائل إنما سأل ليبين له الحكم، فالتقدير: أنه لم يجبه عن سؤاله (٥). قوله: الرابع: أن يذكر مع الحكم، ما لو لم يعلل به للغى، فيعلل به صيانة لكلام الشارع عن اللغو، نحو قوله ﵇ -حين سئل

стр. 1516

عن بيع الرطب بالتمر-: (أينقص الرطب إذا يبس؟ ) قالوا: نعم، قال: (فلا إذن)، فهو استفهام تقريري لا استعلامي لظهوره (١). هذا النوع الرابع من أنواع الإيماء إلى العلة، وهو ضربان: أحدهما: أن يسأل في الواقعة عن أمر ظاهر لا يخفى عن عاقل، ثم يذكر الحكم عقيبه، فيدل على أن ذلك الأمر المسؤول عنه علة للحكم المذكور، والحديث الذي ذكره المصنف مثالًا، رواه الترمذي (٢) وصححه، وكونه تقريريًا لا استعلاميا فظاهر، إذ من المعلوم لكل عاقل أن الرطب ينقص إذا يبس لزوال الرطوبة الموجبة لزيادته وثقله (٣). الثاني: عدوله في الجواب إلى نظير محل السؤال كقوله لعمر لما قال له: إني قَبَّلْت وأنا صائم، فقال: (أرأيت لو تمضمضت؟ ) (٤)، وكقوله للخثعمية (٥) لما سألته عن الحج عن

стр. 1517

أبيها (أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيتيه؟ ) (١)، فإن ذلك يدل على التعليل بالمعنى المشترك بين الصورتين، المسؤول عنها، والمعدول إليها بطريق القياس، إذ لو لم يكن كذلك لخلا السؤال عن جواب، ولزم ما سبق، فكأنه قال لعمر: إن القبلة لا تضر ولا تفسد صومك لأنها مقدمة شهوة الفرج، كما أن المضمضة مقدمة شهوة البطن (٢)، فكما أن هذه لا تبطل الصوم فكذلك تلك، وكأنه قال للمرأة: الحج دين الله تعالى فيجزئ قضاؤه عن الواهد كدين الآدمي والجامع كونهما دينًا (٣). قوله: الخامس: تعقيب الكلام أو تضمّنه ما لو لم يعلل به لم ينتظم نحو: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ (٤) (لا يقضي

стр. 1518

القاضي وهو غضبان) إذ البيع والقضاء لا يمنعان مطلقًا، فلا بد إذن من مانع وليس إلا ما فهم من سياق النص ومضمونه (١). والمعقب للكلام كالآية الكريمة، والذي تضمنه الكلام كالحديث، فالآية الكريمة إنما سيقت لبيان أحكام الجمعة لا لبيان أحكام البيع (٢)، فلو لم يعلل النهي عن البيع حينئذ يكون شاغلًا عن السعي لكان ذكره لاغيًا لكونه غير مرتبط بأحكام الجمعة، ولو لم يعلل النهي عن القضاء عند الغضب بكونه يتضمن اضطراب المزاج، المقتضي لتشويش الفكر، المفضي إلى الخطأ في الحكم، لكان ذكره لاغيًا (٣). قوله: السادس: اقتران الحكم بوصف مناسب، نحو أكرم العلماء وأهن الجهال (٤). لأن المعلوم من تصرفات العقلاء ترتيب الأحكام على الأمور المناسبة والشرع لا يخرج عن تصرفات العقلاء (٥). قوله: وهل تشترط مناسبة الوصف المومأ إليه؟ فيه وجهان (٦).

стр. 1519

في اشتراط المناسب في علل الإيماء مذاهب (١): أحدها: [لا] (٢) يشترط مطلقًا، لأن العلة بمعنى المعرف وعُزِيَ للأكثرين (٣). [الثالث] (٤): اختاره ابن الحاجب: إن فهم التعليل من المناسبة، كما في قوله: (لا يقضي القاضي وهو غضبان) اشترطت المناسبة لامتناع فهم التعليل فيه بدون فهم المناسبة، وإن لم يفهم التعليل منها لم يشترط لأن التعليل يفهم من غيرها (٥)،

стр. 1520

قال العضد: "وهذا إنما يصح لو أراد بالمناسبة ظهورها، وأما نفس المناسبة فلا بد منها في العلة الباعثة ولا يجب في الأمارة المجردة" (١)، وقال في تشنيف المسامع: "اعلم أن هذا الخلاف إنما هو بالنسبة إلى أنه هل يشترط ظهور المناسبة، وإلا فلا بد [منهما] (٢) في نفس الأمر قطعًا، للاتفاق على امتناع خلو الأحكام من الحكمة إما وجوبًا أو تفضيلًا على الخلاف الكلامي (٣). قوله: قال أبو البركات: ترتيب الحكم على اسم مشتق يدل أن ما منه الاشتقاق علة في قول أكثر الأصوليين (٤)، وقال قوم: إن كان مناسبًا (٥). القول الأول: اختاره ابن المنِّي (٦). والثاني: نسبه أبو البركات (٧) إلى أبي الخطاب وأنه ذكره

стр. 1521

في مسألة تعليل الربا من الانتصار (١) وهو الذي في الروضة (٢) واختاره الغزالي (٣) والجويني (٤)، قال ابن مفلح: "إنما ذكره أبو الخطاب منعًا وتسليمًا" (٥)، مثال المسألة (من بدل دينه فاقتلوه)، رتب الحكم وهو القتل على التبديل، فدل أن التبديل علة وكذا: (من مسَّ ذكره فليتوضأ) (٦) وشبهه هكذا رأيته. قلت: والذي يظهر في تركيب الكلام أن يقال: من بدل في موضع المبدل -بكسر الدال- وإنما قلت ذلك، لأن الحكم يبقى مرتب على المبدل وهو اسم مشتق إما من التبديل كما هو مذهب البصريين (٧)، وأما من بدل كما هو مذهب الكوفيين، بخلاف ما إذا

стр. 1522

قلنا: رتب الحكم على التبديل فإن التبديل عند البصريين ليس مشتقًا بل هو أصل الاشتقاق، نعم يأتي على مذهب الكوفيين، وأما على ما قلته فإنه يتأتى على المذهبين جميعًا والله تعالى أعلم. قوله: الثالث من مسالك إثبات العلة التقسيم (١) والسبر وهو: حصر الأوصاف وإبطال كل علة عُلّل بها الحكم المعلل إلا واحدة، [فيتعيّن] (٢)، نحو علة الربا: الكيل أو الطعم أو (٣) القوت، والكل باطل إلا الأولى (٤). السَّبر في اللغة: الاختبار (٥). وفي الاصطلاح (٦): حصر الأوصاف، وإبطال كل علة علل

стр. 1523

بها الحكم المعلل إلا واحدة، فيتعين التعليل بها، فيثبت الحكمُ في الفرعِ بواسطتها، مثل: أن يقول: علة الربا في البُر ونحوه، إما الكيل أو الطعم أو القوت، والعلل كلها لاطلة إلا الأولى مثلًا، وهي الكيل إن كان حنبليًا أو حنفيًا، أو إلا الطعم إن كان شافعيًا، أو إلا القوت إن كان مالكيًا، فيتعيّن للتعليل، ويلحق الأرز والذّرة ونحو ذلك بالبر بجامع الكيل، ويقيم الدليل على بطلان ما أبطله، إما بانتقاضه انتقاضًا مؤثرًا، أو بعدم مناسبته، أو غير ذلك بحسب الإمكان والاتفاق (١). قوله: ومن شرطه أن يكون سبرهُ حاصرًا بموافقة خصمه، أو عجزه عن إظهار وصفٍ زائدٍ، فيجب إذًا على خصمه تسليمُ الحصر، أو إبراز ما عنده، ليُنظَر فيه، فيفسِده ببيان بقاءِ الحكم مع حذفه، أو ببيان طرديته، أي: عدم التفات الشرع إليه في معهود تصرفه (٢). من شرطه أن يكون سبره حاصرًا (٣)؛ إذ لو لم يكن حاصرًا، لجاز أن يكون الوصفُ الباقي هو العلة في نفس الأمرِ، فيقع الخطأ في القياس، ولا يصحُّ السَّبر. ومتى كان حصر الأوصاف، وإبطال ما عدا الواحد منها

стр. 1524

قطعي؛ فالتعليل قطعي، ومتى كانا ظنيين أو أحدهما فالتعليل ظني (١). وحصر السبر (٢) إما: بموافقة خصمه على انحصار العلة فيما ذكره أو: عجزه عن إظهار وصف زائد على ما ذكره المستدلّ، لأنه إذا عَجَز عن ذلك؛ فقد سلم الحصر ضرورة، ولا يسمع قوله: عندي [وصفٌ] (٣) لكني لا أذكره، لأنه حينئذ، إما صادقٌ فيكون كاتمًا لعلم دعت الحاجةُ إليه؛ فيفسَّق، أو كاذبًا فلا يُعَوّل على قوله وينتهض دليل المستدلّ (٤). فيجب إذًا على خصمه إما: تسليم الحصر فيثبت المدعى فيحصل مقصود المستدل، أو إبراز ما عنده من وصف إن كان لينظر فيه المستدلّ فيفسده. ويبين عدم اعتباره (٥)، إما: ببيان بقاء الحكم في صورة مع صدقه في صورة، ويلقب بالإلغاء (٦)، لكون المستدلّ يلغي

стр. 1525

الوصف الذي أبداه المعترض، كما لو قال [الحنبلي أو الشافعي] (١) في العبد: يصحُّ أمان العبد، لأنه أمانٌ وجد من عاقلٍ مسلمٍ غير متهم، فيصحّ قياسًا على الحرّ، فيمنع الحنفي انحصار أوصاف العلة في الأصل، ويدَّعي زيادة (٢) وصف الحرية، فيبطله المستدلّ بالعبد المأذون له، فإن أمانهُ يصح باتفاق مع عدم الحرية، فصار وصف الحرية لاغيًا (٣). أو يفسده ببيان طرديته (٤) أي: عدم التفات الشرع إليه في معهودِ تصرّفه إما مطلقًا في جميع أحكام الشرع: كالطول، والقصر، والبياض، والسواد، وإما بالنسبة إلى ذلك الحكم المعلل به وإن اعتبر في غيره كالذكورة، والأنوثة، في أحكام العتق إذ هي ملغاة، فيقع كونها معتبرة في الشهادة والقضاء وولاية النكاح والإرث فلا يعلل بها شيء من أحكام العتق (٥). قوله: ولا يفسد الوصف بالنقض ولا بقوله: لم أعثر بعد البحث على مناسبة الوصف فيلغى؛ إذ يُعارضُه الخصم بمثله في وصفه (٦).

стр. 1526

لا يفسد الوصف الزائد الذي يبديه المعترض بوجود النقض؛ مع تخلف الحكم عنه، لجواز كونه جزء علة، أو شرطها، فلا يكون وجوده مستقلًا بوجود الحكم؛ إذ الحكم إنما يوجد بوجود كمال علته ولكن يكون تخلفه مؤثرًا، فلا يلزم من عدم استقلاله بالحكم صحة علة المستدلّ بدونه. مثاله: لو قال المستدل: علّة الربا في البُرّ الكيل، فعارضه المعترض بالطُّعْم، فنقضه المستدلّ بالماء أو غيره مما يطعم ولا ربا فيه، لم يكفه ذلك في إبطال كون الطعم علة، لجواز أن يكون جزء علة الربا، بأن تكونَ العلة مجموع الأمرين: الكيل والطعم، أو يكون شرطًا فيها، فتكون العلة الكيل بشرط كون المكيل مطعومًا، وحينئذ فلا يلزم من عدم كون الطعم علة مستقلة أن يكون الكيل علة صحيحة، ولا يتم للمستدلّ أيضًا إفساد وصف المعترض بقوله: لم أعثُر بعد البحث على مناسبة هذا الوصف فيلغى، إذ يعارصه الخصم المعترض بمثله في وصفه، فيقول: وأنا لم أعثر بعد البحث على مناسبة وصفك، فيتعارض الكلامان، ويقف المستدلان، وقوله: لم أعثر، معناه: لم أظهر (١). قوله: وإذا اتفق الخصمان على فساد علة من عداهما، فإفسادُ أحدهما علّة الآخر دليلُ صحةِ علته، عند بعض المتكلمين والصحيح خلافه (٢).

стр. 1527

أما صحته عند بعض المتكلمين (١) فلأن ما عدا علتيهما ثبت فساده باتفاقهما وعلة الخصم ثبت فسادها بإفسادها فتعينت العلة الباقية. ومثال ذلك: إن اتفق الحنبلي والشافعي على أنَّ ما عدا الكيل والطعم في الربا علة فاسدة، ثم نقض الشافعي علة الكيل بالماء مثلًا إذ هو مكيل ولا ربا فيه، أو نقض الحنبليّ علة الطعم بالماء إذ هو مطعوم ولا ربا فيه -والصحيح خلافه- إذ اتفاقهما لا يقتضي فساد علة غيرهما في نفس الأمر، بل في اعتقادهما أو المالكي يعتقد فساد التعليل بالكيل والطعم، ويدعى علة القوت (٢). قوله: وهو حجة للناظر والمناظر عند الأكثر، وثالثها: إن أجمع على تعليل ذلك الحكم (٣). أما إذا كان حصر الأوصاف وإبطال ما عدا الواحد منها قطعي، فلا تنافي هذا الخلاف، وإنما الخلاف إذا كانا ظنيين أو أحدهما (٤) فالمقدم أنه حجة للناظر لنفسه والمناظر لغيره، لوجوب العمل بالظن (٥)، وقيل: ليس بحجة مطلقًا (٦) لجواز بطلان الباقي،

стр. 1528

وقيل: حجة لهما إن أجمع على تعليل ذلك الحكم في الأصل، وعليه إمام الحرمين (١)، حذرًا إذ إن بطلان الباقي [يؤدي] إلى خطأ المجمعين، وقيل: حجه للمناظر لنفسه دون المناظر لغيره لأن ظنه لا يقوم حجة على خصمه (٢). قوله: المسلك الرابع: إثباتها بالمناسبة، وهى: أن يقترن بالحكم وصفٌ مناسبٌ، وهو: وصفٌ ظاهرٌ منضبطٌ يلزم من ترتيب الحكم عليه ما يصلح أن يكون مقصودًا من حصول مصلحة ودفع مفسدة (٣). وتسمى المناسبة هنا الإخالة (٤)، وتسمى تخريج المناط، أما تسميتها بالإخالة: فلأن بها يُخال، أي: يظن أن الوصف علة (٥)، وأما تسميتها (٦) بتخريج المناط فلأنها أبدت ما نيط به الحكم، أي: علق عليه، وهو تعيين العلة، وأما الوصف المناسب (٧)،

стр. 1529

فاختلفوا في تعريفه: فقيل هو: الملائم لأفعال العقلاء في العادة، كما يقال: هذه اللؤلؤة تناسب هذه اللؤلؤة، وهذه الجبة تناسب هذه العمامة (١)، وهذا القول ذكره التاج السبكي في جمعه (٢). وقيل: ما يجلب نفعًا أو يدفع ضررًا، إذ المراد بالنسبة إلى العبد لتعالي الرب ﷻ عن الضرر والانتفاع، وعليه اقتصر البيضاوي (٣)، وقال أبو زيد الدبوسي (٤) من الحنفية: ما لو عرض على العقول لتلقته بالقبول (٥)، قال في البديع: وهو أقرب إلى اللغة (٦)، وما ذكره المصنف هو الذي قدمه ابن مفلح (٧)، وهو حد الآمدي (٨) وابن الحاجب (٩) واحترزنا "بالظاهر" عن الخفي و"بالمنضبط" عن غير المنضبط فإنه لا يسمى مناسبًا، و"ما يصلح

стр. 1530

أن يكون مقصودًا" فاعل يلزم، وفي ابن الحاجب موضع يلزم يحصل عقلًا، وقوله: "من حصول مصلحة أو دفع مفسدة" ليان لقوله ما يصلح، والمصلحة اللذة ووسيلتها، والمفسدة الإثم ووسيلته (١)، وهما (٢): نفسي وبدني دنيوي وأُخروي، لأن العاقل إذا خير اختار المصلحة ودفع المفسدة. قوله: فإن كان خفيًّا أو غير منضبط اعتبر ملازمة وهو المظنة (٣). فإن كان الوصف خفيَّا، أو غير منضبط، لم يعتبر لأنه لا يعلم، فكيف يعلم به الحكم فامتنع التعليل به، فالطريق أن يعتبر ملازمة، أي: يعتبر وصف ظاهر منضبط يلازم ذلك الوصف يوجد بوجوده، ويعدم بعدمه فيجعل معرفًا للحكم وهو المظنة، أي: مظنة المناسب (٤). مثاله: المشقة (٥) هي مناسبة لترتب الترخيص عليها تحصيلًا لمقصود التخفيف، ولا يمكن اعتبارها بنفسها لأنها غير منضبطة لكونها تختلف بالأشخاص والأزمان، ولا يناط الترخص بالكل، ولا يمتاز البعض بنفسه فنيط الترخص بما يلازمها وهو السفر (٦).

стр. 1531

وقوله: وإذا لزم من مصلحة الوصف مفسدة متساوية أو راجحة ألغاها قوم وأثبتها آخرون (١). إذا اشتمل الوصف على مصلحة ومفسدة راجحة على المصلحة أو مساوية فهل تنخرم مناسبته للحكم أم لا؟ قولان (٢). وممن قال: لا تنخرم، الشيخ (٣) والمجد (٤) والجوزي (٥)

стр. 1532

قالوا: لأنها أمر حقيقي فلا يبطل تعارض (١)، ومن قال بالانخرام علل بأن المناسبة أمر عرفي، وأهل العرف لا يعدون تحصيل درهم مع فوات مثله مناسبًا (٢)، والعقل قاضٍ بذلك. قالوا: الصلاة في المحل الغصب صحيحة مع تحريمها (٣)، مع تعارض فضيلة المصلحة ومفسدة التحريم (٤). قيل: لا نسلم الصحة، ولو سلمت فليست المفسدة ناشئة عن الصلاة وبالعكس، ولو نشأت معًا عن الصلاة؛ لم تصح. تنبيه: المناسب أربعة أنواع: أحدها: المؤثر: وهو ما ظهر تأثيره في الحكم بنصٍّ أو إجماع (٥)، كقياس الأمة على الحرة في سقوط الصلاة حالة الحيض لمشقة التكرار وهو ضربان: الأول: أن يظهر تأثير عينه في عين ذلك الحكم، فهو

стр. 1533

المسمى في معنى الأصل نحو قوله ﷺ : (من مس ذكره فليتوضأ) فيقاس عليه من مس ذكر الغير فعينُ الوصف المسُّ، وعين الحكم النقض. الثاني: أن يظهر تأثير عينه في جنس ذلك الحكم (١)، كظهور أثر الأخوة من الأبوين في التقديم في الميراث، فيقاس عليه ولاية النكاح، إذ الولاية ليست عين الميراث، لكن بينهما مجانسة. النوع الثاني: الملائم: وهو ما ظهر تأثير جنسه في عين الحكم، كتأثير المشقة في إسقاط الصلاة عن الحائض فإنه ظهر تأثير جنس الحرج في إسقاط قضاء الصلاة كتأثير مشقة السفر في القصر (٢). النوع الثالث: الغريب: وهو ما ظهر تأثير جنسه في جنس ذلك الحكم كتأثير جنس المصالح في جنس الأحكام (٣). والجنسية مراتب، بعضها أعم من بعض: فأعم الأوصاف كونه حكمًا، ثم ينقسم إلى الأحكام الخمسة، والواجب إلى: عبادة وغيرها، والعبادة إلى: صلاة وغيرها.

стр. 1534

فالمؤثر في الصلاة الواجبة أخص من المؤثر في العبادة، والمؤثر في العبادة أخص من المؤثر في الواجب، والمؤثر في الواجب أخص مما ظهر في الأحكام. واعتباره في المعاني أعم أوصافه كونه وصفًا يُناطُ الحكم بجنسه، وأخص منه كونه مصلحة خاصة، ولأجل تفاوت درجات الجنسية في القرب والبعد تتفاوت درجات الظن، فالأعلى راجح على ما دونه. وقال بعضهم: الملائم: ما ظهر تأثير جنسه في جنس الحكم (١) كتأثير المشقة في التخفيف. والغريب: الذي لم يظهر تأثيره، ولا ملائمته بجنس تصرفات الشرع (٢) كقولنا: [حُرِّم الخمر] (٣) لكونه مسكرًا، وفي معناه: كل مسكر، ولم يظهر تأثير السكر في موضع [آخر] (٤) لكنه مناسب اقترن به الحكم، وكالمبتوتة (٥) في مرض الموت ترث،

стр. 1535

معارضة للزوج بنقيض قصده (١) قياسًا على حرمان القاتل معارضة بنقيض قصده، فهو مناسبة مجردة غريبة لعدم الالتفات إلى هذا في مواضع أُخَر. النوع الرابع: المرسل: قال بعضهم: هو غير المعتبر (٢)، فإن كان غريبًا أو ثبت إلغاؤه، فمردود اتفاقًا (٣)، كتعيين بعض العلماء (٤) صوم الشهرين على بعض الملوك (٥) حيث وجب عليه كفارة الظهار، فألغى الإعتاق المعتبر ابتداء لسهولته على الملك، ومشقة الصوم عليه (٦)، وإن كان ملائمًا فقد نقل عن

стр. 1536

الشافعي (١) ومالك (٢) اعتباره، واختاره الجويني (٣) والغزالي (٤)، وأنكره أصحاب مالك عنه (٥)، وهو قول الأكثرين لاتفاق الجمهور (٦) على عدم التمسك به؛ لأن ما لا يكون معتبرًا بعينه ولا بجنسه القريب لا يكون دليلًا شرعيًّا. قوله: المسلك الخامس: إثبات العلة بالشبه، وعند القاضي وابن عقيل [وغيرهما] (٧) إلحاق الفرع المتردد بين أصلين بما هو

стр. 1537

أشبه به منهما، كالعبد المتردد بين الحر والبهيمة، والمذي المتردد بين البول والمني، وفي صحة التمسك به قولان لأحمد (١) والشافعي (٢) والأظهر: نعم، خلافًا للقاضي (٣). الشبهية لغة (٤): شامل كل قياس، لأن كل قياس (٥) مشتمل على شبه واطّراد، فقياس العلة عرف بأشبه صفاته، وقياس الشبه أشرف صفاته المشابهة. واصطلاحًا (٦):

стр. 1538

قال القاضي (١) وابن عقيل (٢) وغيرهما (٣): تردد الفرع بين أصلين من مناط كل منهما إلا أنه يشبهه أحدهما في أوصاف أكثر، فإلحاقه به هو الشبه، كالعبد؛ هل يملك؟ وهل يضمنه قاتله بأكثر من دية الحر؟ وقال الآمدي: ليس هذا من الشبه في شيء فإن كل مناط مناسب، وكثرة المشابهة للترجيح (٤). ثم قياس علة الشبه لا يصار إليه مع إمكان العلة إجماعًا (٥)، فإن تعذر فهو حجة عندنا (٦) وعند الشافعية (٧)، حتى قال ابن عقيل: لا عبرة بالمخالف لأنه يغلب على الظن عليته حينئذٍ لشبهه بالمناسب (٨). والقول الثاني: أنه مردود ونظرًا لشبهه بالطرد (٩). تنبيه: القاضي هنا لا أدري، هو القاضي أبو يعلى كما دل

стр. 1539

عليه سياق الكلام، أم القاضي يعقوب (١) كما صرح به في الروضة (٢). قوله: والاعتبار بالشّبه حكمًا لا حقيقة، خلافًا لابن علية، وقيل: بما يُظن أنه مناطًا للحكم (٣). إذا صح التمسك بقياس الشبه؛ فالاعتبار فيه بالشبه حكمًا (٤) بإلحاق العبد بالبهيمة في عدم الملك بجامع كونهما مملوكين، والملك حكم (٥). وقال ابن علية (٦): يعتبر الشبه الحقيقي الحكمي كشبه الأمة

стр. 1540

بالعبد في كونهما آدميين، إذ هو وصف حقيقي (١). وقيل: الاعتبار بما يظن كل مجتهد أنه مناط للحكم عنده (٢)، وذلك كالبنت المخلوقة من الزنا من ألحقها بالبنت من النكاح في تحريم نكاحها، كما هو مذهبنا نظر إلى المعنى الحقيقي وهو كونها من مائه، ومن ألحقها بالأجنبية فأباح للواطئ نكاحها كالشافعي، نظر إلى المعنى الحكمي، وهو انتفاء آثار الولد بينهما شرعًا يجب على كل مجتهد اتباع ظنه، لأن الظن واجب الاتباع، وهو غير لازم أبدًا للشبهة حكمًا ولا للشبه حقيقة بل يختلف باختلاف نظر المجتهد (٣). قوله: المسلك السادس: الدوران (٤): وهو وجود الحكم

стр. 1541

بوجود الوصف وعدمه بعدمه، يفيد العلية عند أكثر أصحابنا (١)، قيل: ظنًّا، وقيل: قطعًا (٢). مثال كونه في العصير بوجود الإسكار فإنها توجد بوجوده وتعدم بعدمه فإنه إذا انقلب خلًّا زالت الحرمة وفيه مذاهب: أحدها: لا يفيد بمجرده ظنّ العلة ولا القطع بها (٣)، لجواز أن يكون الوصف الدائر ملازمًا للعلة لا نفسها؛ إلا أن يدل دليل على أن هذا الوصف معتبر في إثبات الحكم فحينئذٍ يكون حجة، وهو قول القاضي أبي الطيب الطبري (٤) واختاره ابن السمعاني (٥) والغزالي (٦) والآمدي (٧) وابن الحاجب (٨).

стр. 1542

الثاني: يفيد القطع بها ونقل عن بعض المعتزلة (١). الثالث: يفيد الظن وعليه الأكثر (٢)، منهم ابن الباقلاني (٣) والفخر الرازي (٤) لأنه دليل على صحة العلة العقلية، وهي موجبة فأولى أن تكون دليلًا على الشرعية، وهي أمارة، ولأنه يغلب على الظن ثبوت الحكم مستندًا إلى ذلك الوصف كما لو تكرر قيام رجل لدخول غيره، وعدمه عن من غلب على الظن تعليله به.

стр. 1543

قوله: وصحح القاضي وبعض الشافعية التمسك بشهادة الأصول المفيدة للطرد والعكس نحو: من صح طلاقه صح ظهاره، ومنع من ذلك آخرون (١). قال في التمهيد (٢) والروضة بعد ذكر الدوران: ويشبه ذلك شهادة الأصول (٣) نحو: الخيل لا زكاة في ذكورها منفردة، فكذا في إناثها كبقية الحيوان (٤) وصححه القاضي (٥)، وللشافعية وجهان (٦). قوله: واطّراد العلة لا يفيد صحتها (٧). اطّراد العلة: هو وجود الحكم عند وجودها (٨)، لا يفيد صحتها (٩)، إذ معنى اطرادها سلامتها عن النقض، وهو أحد

стр. 1544

مفسداتها وسلامتها عن مفسد واحد لا ينفى بطلانها بمفسد آخر، ولأن صحتها إنما تكون بدليل الصحة لا بالانتفاء المفسد، فلو صوبه انتفى جميع المفسدات لم يلزم منه صحة العلة؛ إذ لا صحة إلا بمصحح وعدم الموانع ليس هو المصحح (١). [تقسيمات القياس] قوله: والقياس جلي وخفي (٢). فالجلي: ما قُطع فيه بنفي الفارق، كالأمةِ والعبدِ في العتقِ (٣). القياس الجلي: ما قطع فيه بنفي الفارق (٤)، كأمةٍ على العبد في سراية العتق (٥).

стр. 1545

والخفي (١): كالمثقل على المحدد في القود (٢). وقال التاج: "الجلي ما قطع فيه بنفي الفارق أو كان احتمالًا ضعيفًا" (٣)، يعني: احتمال الفارق ضعيف كإلحاق العمياء بالعوراء في حديث المنع من التضحية بالعوراء (٤)، ونقل ابن بَرهان: أن منهم سمى الأول: أجلَى، والثاني: ظنيًّا. والخفي بخلافه فيهما (٥).
следующие страницы →