← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 127717

شرح مختصر أصول الفقه للجراعي

الجراعي

Полный текст (1 782 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.

стр. 1576

قوله: فإن ذكر الخصم شاهد الاعتبار ما ذكره فهو معارضه (١). فإن ذكر المعترض شاهدًا لاعتبار ما ذكره من اقتضائه نقيض الحكم بأن قال: الوصف المذكور يقتضي نقيض الحكم الذي علقت أنت عليه، إذ انعقاد غير النكاح به يقتضي انعقاد النكاح به، ويشهد لذلك أصل آخر بالاعتبار، وهو لفظ البيع حيث ينعقد به غير البيع، وهو السلم والإجارة، فيصير معارضة وانتقالًا من الاعتراض بفساد الوضع إلى إيراد المعارضة وهو انقطاع. واعلم أن فساد الوضع أعم من فساد الاعتبار (٢)؛ لأن القياس قد يكون صحيح الوضع وإن اعتبر فاسدًا بالنظر إلى أمر خارج، فيلزم من فساد الوضع فساد الاعتبار (٣). ولا عكس. قوله: الرابع: المنع: وهو منع حكم الأصل (٤)، ولا ينقطع

стр. 1577

به المستدل على الأصح. وله إثباته بطرقه، ومنع وجود المدعى علة في الأصل فيثبته حسًّا، أو عقلًا، أو شرعًا بدليله، أو وجود أثرٍ أو لازم له ومنع علّيته، ومنع وجودها في الفرع فيثبتهما بطرقهما (١). المنع تكذيب دعوى المستدل (٢)، ويرجع تارة إلى الأصل وتارة إلى الفرع. فالأول (٣): ثلاثة أنواع: أحدها: منع حكم الأصل: نحو قولنا في إزالة النجاسة بالخل: الخل مائع فلا يرفع الحدث، فلا يزيل حكم النجاسة كالدهن. فيقول الحنفي: لا أسلم الحكم في الأصل، فإن الدهن عندي يزيل النجاسة (٤). ولا ينقطع (٥) المستدل على الأصح بمجرد منع حكم

стр. 1578

الأصل. لأنه منع مقدمة من مقدمات القياس فليمكن من إثباته كسائر المقدمات (١). والثاني: ينقطع, لأنه انتقال من حكم الفرع إلى حكم الأصل، فلا يتم مقصوده فينقطع (٢). وفيه مذهب ثالث: إن كان المنع جليًّا بحيث يعرفه أكثر الفقهاء صار منقطعا وإن كان خفيًّا بحيث لا يعرفه إلا الخواص فلا (٣). وفيه مذهب رابع: يتبع في ذلك عرف المكان (٤)، فإن عَدّوه منقطعًا فذاك وإلا لم ينقطع ويحنث (٥).

стр. 1579

قلنا: لا ينقطع فله إثبات حكم الأصل بطرق من نص كتاب أو سنة أو إجماع أو قياس على أصل آخر (١). فلو قال المستدل: يجب غسلُ ولوغِ الخنزير سبعًا، قياسًا على الكلبِ، فقال الحنفي المعترض: لا أُسلِّم الحكم في الكلب، وإنما يغسل ثلاثًا أو بأكثر، في قوله المستدل: الدليل على غسل نجاسة الكلب سبعًا، قوله ﵊: (إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم. .. ) (٢) الحديث. النوع الثاني: منع وجود الوصف المدعى علة في الأصل، كما لو قال المستدل في جلد الكلب: حيوان يغسل الإناء من ولوغه سبعًا فلا يطهر جلده بالدباغ كالخنزير. فمنع الخصم وجوب غسل الإناء من الخنزير سبعًا فيثبته المستدل إما حسًا، أو عقلًا، أو شرعًا، بدليله الصالح له في كل مسألة (٣). وفي هذا المثال إنما يثبت بدليل شرعي، وإثباته بالحس: كالقتل، والسرقة، والغصب ونحوه، فإنها أمور محسوسة. وكما لو قال: نكحت

стр. 1580

نفسها مع وجود الولي، فلا يصح كما لو أنكحها أجنبي بجامع الإفتيات (١) الضار بالأولياء. فيمنع وجود الإفتيات في الأصل فيقول: هو موجود بدليل الحس. وهو أن نشاهد وجهه متغيرًا، وإثباته بالعقل كوجود الشدّة المطربة في الخمر فإنه يعرف بالعقل، أو نثبته بالاستدلال على وجوده عند وجود أثر من آثاره أو للازم له (٢). فالأول: كدلالة لحوق النسب على عدم وجوب الحد لأن لحوق النسب من آثار الواطئ الذي ليس بحرام (٣). والثاني: كدلالة الثمنية على الذهب والفضة. فلو سلم المعترض وجود الوصف في الأصل ومنع عليته فهو النوع الثالث (٤) ويسمى سؤال المطالبة، ويأتي بيانه (٥)، كقوله: لا أسلم أن الإسكار علة في تحريم الخمر، وأما المنع الراجع إلى الفرع فهو أن تسلم علة الوصف في الأصل وبمنع وجودها في الفرع (٦)

стр. 1581

كقوله: لا أسلم وجود الإسكار في النبيذ. وقول المصنف: فيثبتهما، أي: العلة، ووجودها في الفرع، وقوله: بطرقهما، فطرق العلة أحد مسالكها المتقدمة، ووجودها في الفرع بأحد طرقه من تنقيح مناط ونحوه (١). المثال الجامع لأقسام المنع: النبيذ مسكرٌ فكان حرامًا كالخمر. فإن منع المعترض تحريم الخمر إما جهلًا (٢)، أو عنادًا، فهو منع حكم الأصل، وإن منع وجودَ الإسكار في الخمر، كان منع وجود الوصف المدعى علّة في الأصل، وإن منع كون الإسكار علة التحريم فهو منع علة الوصف (٣)، وإن منع وجود الإسكار في النبيذ فهو منع وجود العلة في الفرع (٤). قوله: الخامس: التقسيمُ، ومحله قبل المطالبة لأنه منع، وهو تسليم، وهو مقبولٌ بعد المنع، بخلاف العكس، وهو: حَصْرُ المعترض مدارك ما ادّعَاه المستدل علّة وإلغاء جميعها (٥). التقسيم في الاصطلاح: "تردّد اللفظ بين احتمالين متساويين، أحدُهما: مسلم يُحصِّل المقصود، والآخر ممنوع وهو يُحصل المقصود". ذكره في تشنيف المسامع (٦).

стр. 1582

وقال التاج: "هو كون اللفظ مترددًا بين أمرين أحدهما ممنوع" (١). وقال ابن مفلح: "هو احتمال لفظ المستدل لأمرين أحدهما ممنوع" (٢)، وأما ما ذكره المصنف (٣)، من أن حصر المعترض مدارك مما ادعاه المستدل علة وإلغاء جميعها فإنه تابع فيه الطوفي في مختصره (٤). وهو وهم؛ لأن الطوفي قد أقر بالوهم في شرحه (٥). فقال بعد ذكر حد الآمدي: "التقسيم: ترديد اللفظ بين احتمالين مستويين، واختصاص كل احتمال باعتراض مخالف للاعتراض على الآخر" (٦). وهذا أولى بتفسير التقسيم المراد ها هنا، والظاهر أنه الذي أراده في الروضة لكنه لم يفصح به غاية الإفصاح، فوهمت فيه عند إلاختصار وذهبت فيه إلى التقسيم المستعمل في تخريج المناط (٧). وموضعه من الأسئلة قبل سؤال المطالبة تأثير الوصف لأن التقسيم منع لوجود اللعلة رأسًا، والمطالبة تسليم لوجود العلة ومنع

стр. 1583

لتأثيرها، والتسليم بعد المنع مقبول لأن فائدة المناظرة رجوع أحد الخصمين إلى قول الآخر بعد إنكاره عند ظهور الحق، بخلاف العكس، وهو: المنع بعد التسليم؛ لأنه إذا اعترف به لا يفيد منعه بعد ذلك لما يؤدي, في انتشار الكلام (١). والمدارك: جمع مَدرك -بفتح الميم- وهو الطريق الذي يتوصل به إلى إدراك الشيء (٢). فإذا حصر المعترض الطرق التي يمكن التّوصّل بها إلى معرفة كون الوصف الذي ادعاه المستدل علّة، وألغاها جميعًا، واستقرَّ ذلك له؛ بطل التعليل، أَذَكَره المستدل وإلا فله تصحيحُ ما ادّعاه بالقدحِ في ما ذكره المعترض, هذا تفسير كلام المصنف وقد علمت ما فيه. قوله: وشرطه صحة انقسام ما ذكره المستدلّ إلى ممنوع ومسلم، وإلا كان مكابرةً. وحصره لجميع الأقسام، وإلا جاز أن ينهض الخارجُ عنها بغرض المستدلّ، ومطابقته لما ذكره، فلو زاد عليه لكان مناظرًا لنفسه لا للمستدل (٣). يشترط لصحة وروده ثلاثة أمور (٤): أحدهما: انقسام ما ذكره المستدل إلى أمرين فصاعدًا بعضها

стр. 1584

ممنوع وبعضها مسلّم، وإن لم يكن محتملًا لأمرين كان إيراده مكابرة أو لعبًا (١). كما لو قال: شراب مسكر فكان حرامًا كالخمر، فيقول (٢): مسكر شرعي، أو لغوي، أو عقلي؟ ونحو ذلك (٣)؛ لأن ما ليس له إلا احتمال واحد يجب حمل اللفظ عليه في أول الأمر، وكذا ما له احتمالان، أحدهما ظاهر يجب حمل اللفظ على ما هو الظاهر، وأما المحتمل لأمرين فكقول المستدل في الصحيح في الحضر (٤) وُجد السبب بتعذر الماء فجاز له التيمم، فيقول المعترض: السبب تعذر مطلقًا، أفي سفر أو مرض. الأول: ممنوع فهو منع بعد تقسيم. الأمر الثاني: حصر لجميع الأقسام التي يحتملها لفظ المستدل، فإن لم يكن تقسيمه حاصرًا، جاز أن يَنهَض القسمُ الباقي، الخارج عنها بفرض المستدل، فينقطع المعترض، كما لو قال المعترض: هذا العدد إما مساوٍ لهذا العدد أو أقل منه، فيقول المستدل: أو أكثر وهو مرادي. أو يقول المعترض: فعل مأمور به على وجه الفرض، أو على وجه الإباحة؟ فيقول المستدل: بل على وجه الندب وهو مرادي.

стр. 1585

ونحوه قول الحنبلي: الوتر إما فرض وإما نفل، والأول باطل، فتعين الثاني. فيقول الحنفي: لا فرض ولا نفل، بل واجب (١). الأمر الثالث: مطابقته لما ذكره المستدل، فلو ذكر المعترض احتمالين لا دلالة للفظ (٢) المستدل عليهما، وأورد الاعتراض عليهما كان مناظرًا لنفسه لا للمستدل. مثاله: قول الحنفي في مسألة إجبار البكر البالغة: عاقلة بالغة، فلا تجبر على نكاح الرجل، فيقال: عاقلة بالغة، وهي بكر أو ليست ببكر؟ فهذا تقسيم مردود؛ لأن دليلَ المستدل لم يتعرّض للبكر وجودًا ولا عدمًا، فذِكر المعترض له تقويلٌ للمستدلّ ما لم يقل، أو إعراض عن مناظرته إلى مناظرة المعترض نفسه (٣). قوله: وطريق صيانة التقسيم أن يقول المعترض للمستدل. إن عَنيْت بما ذكرت كذا وكذا، فهو محتمل مسلَّم، والمطالبة متوجهة، وإن عنيتَ غيره، فهو ممتنع ممنوع (٤). طريق صيانة التقسيم عن الفساد أن يجعل المعترض تقسيمه دائر بين قسمين: أحدهما: يَعُمّ ما سوى القسم الآخر، فلا يخرُج عنه شيءٌ

стр. 1586

من الأقسام، فيقول: إن أردتَ بقولك كذا، فمسلّم، وإن أردتَ غيره، فممنوع؛ لأن لفظ: غيره، يتناول ما عدا القسم المصرح به. مثاله: أن يقول: هذا العدد مساوٍ أو غير مساوٍ فيتناول غير المساوي [الأقل] (١) والأكثر. ومعنى قوله: فهو محتمل مسلم، أي: إن أردت كذا، فمحتمل تنزيل لفظك عليه، ومُسلم صلاحيته للعلة، والمطالبة متوجهة، أي: أنا أطالبك بالدليل على كونه علةً، إذ لا يلزم من صلاحيته للعلة كونه علة، وإن أردت غير ذلك، فممتنعٌ، أي: يمتنع، ولا يصحّ حملُ لفظك عليه، وممنوع صلاحيته للعلة. والله تعالى أعلم (٢). واعلم أن هذا السؤال رده الجمهور (٣) ومنعه بعضهم (٤).

стр. 1587

قوله: السادس: المطالبةُ: وهي طلب دليل عِليّة الوصفِ من المستدل، ويتضمن تسليم الحكم، ووجود الوصف في الأصل والفرع، وهو ثالث المنُوع المتقدمة (١). المطالبة: من أعظم الأسئلة الواردة على القياس لعموم ورودها على كل ما يدعى كونه علة وليس مجمعًا عليه (٢)، وهي: طلبُ دليل عليّة الوصفِ الجامع بين الأصل والفرع من المستدل (٣). مثاله: قول المستدل في مسألة النبيذ: مسكرٌ، فكان حرامًا كالخمر، أو مكيل، فحَرُم فيه التفاضُل كالبُرّ، فيقول المعترض: ما الدليل على أن الإسكار علّة التحريم؟ وأن الكيل علّة الرّبا؟ والمطالبة بدليل العليّةِ يتضمن تسليم الحكم، وهو تحريم الخمر، والربا في البُر؛ لأن العلة فرع الحكم في الأصل لاستنباطها منه كما سبق (٤). وتسليم الفرع يشعر بتسليم أصله ويتضمن أيضًا تسليم وجود الوصف المدعى علة في الأصل والفرع. وهو ثالث المنوع المتقدمة في السؤال الرابع، الراجعة إلى الأصل الموعود هناك

стр. 1588

ببيانه، وجوابه إن بيان عليته بما تقدم من نص كتاب أو سنة أو إجماع أو استنباط (١). قوله: السابع: النقض، وهو: إبداء العلة بدون الحكم، وفي بطلان العلة به خلاف سبق (٢). النقض نوعان: أحدهما نقض على العلة: وهو عبارة عن تخلف الحكم مع وجود ما ادعى كونه علة (٣). مثاله: إذا قال المستدل في النباش: سرَق نصابًا كامِلًا من حرز مِثله، فيقطع، كسارق مال الحي، فيقول المعترض: ينتقض بالوالد يسرِق مالَ ولدِه، فإنّ الوصف موجودٌ ولا قطع. وكذا قوله: قَتل عمد عدوان، فأوجب القصاصَ، ينتقض بقتل الأب ولدَه، والسيدِ عبدَه، والمسلمِ الذِّمّي. فإن الوصف موجود، والقصاص منتفٍ (٤)، وفي بطلان العلة به خلاف سبق؛ في قوله: واختلف في اطراد العلة، وهو استمرار حكمها. في

стр. 1589

أوائل القياس (١). قوله: ويجب احتراز المستدل في دليله عن صورة النقض [على الأصح] (٢) (٣) لأنه أقرب إلى الضبط، وأدفع لانتشار الكلام، فيزيد في الوصف الأوّل (٤): وليس أبًا، وفي الثاني: خال عن مانع الإيلاد والملك والتفاوت في الدين. والقول بالوجوب (٥) اختاره في الواضح (٦) والروضة (٧) وأبو محمد البغدادي (٨) وذكره عن معظم الجدليين. وقيل: لانتفاء (٩) المعارض ليس من الدليل لحصول العلم أو الظن بدون التعرض له، ولأن الدليل يتم بدونه.

стр. 1590

وقيل (١): يجب إلا في نقض وطرد بطريق الاستثناء. (٢) قوله: ودفعه إما بمنع وجود العلة، أو الحكم في صورته، ويكفي المستدل قوله: لا أعرف الرواية فيها، إذ دليله صحيحٌ، فلا يبطل [بمشكوك] (٣) فيه (٤). دفع النقض يحصُلُ إما: بمنع وجود العلَّةِ في صورة النقض، أو: بمنع الحكم الذي يدعيه المعترض في صورة النقض. مثاله (٥): قول الحنفي في قتل المسلم بالذمي: قتل عمد عدوان، فوجبَ القصاص، كالمسلم، فينقض الخصم بالمعاهد، [فإنه قتل عمد عدوان] (٦) ولا قصاص فيقول: لا أُسلِّم أنه عدوان، فهذا منعُ وجود العلة في صورة النقض، فيندفع النقض، إذ النقض وجود العلة ولا حكم، فإذا لم توجد العلة في صورة النقض فلا نقض.

стр. 1591

ثم له أن يقول: إنما تخلف الحكم في هذه الصورة لعدم علته، فهو يدل على صحة ما عللت به عكسًا، وهو انتفاء الحكم لانتفائه (١)، فإن قلت: سلّمت أنه عمد وعدوان، ولكن لا أسلم عدمَ القصاص في المعاهد؛ كان هذا منعًا للحكم الذي ادعاه المعترض في صورة النقض، فيندفع به النقض أيضًا، لأنه لم يثبت تخلف حكم المستدل عن علته. ومسألة قول المستدل في مسألة الثيب الصغيرة: ثيب فلا يجوز إجبارها قياسًا على الثيب البالغ، فينقض المعترض بالثيب المجنونة فإنه يجوز إجبارها، فيقول المستدل: لا أسلم جواز إجبار الثيب المجنونة. ويكفي المستدل في منع الحكم في صورة النقض قوله في الثيب المجنونة: لا أعرف الرواية فيها بصحة الإجبار، ولا يشترط التصريح بقوله: لا أسلم صحة إجبارها إذ دليله صحيح فلا يبطل لشكوك فيه، لأنه يحتمل أن الحكم لم يتخلف عن العلة في صورة النقض بل ثبت على دفعها فلا يرد النقض، ويحتمل أن يكون على خلافها، والدليل الصحيح لا يبطل بالشك (٢). قوله: وليس للمعترض أن يدُلّ على ثُبوت ذلك في صورة النقض، لأنه انتقال وغصبٌ (٣). ليس للمعترض أن يدل على ثبوت الذي ادعاه في صورة

стр. 1592

النقض من العلة أو الحكم (١)، إذا منعها المستدل، لأنه انتقال من مقام الاعتراض إلى مقام الاستدلال، وغصب لمنصب المستدل، هذا كله فيما إذا منع وجود العلة أو منع الحكم المدعى في صورة النقض. قوله: أو ببيان مانع أو انتفاء شرط تَخَلَّفَ لأجله الحكم في صورة النقض (٢). فإن سلّم وجود العلة، أو الحكم المدعى في صورة النقض، فلدفع النقض طريقان آخران: بيان مانع أو انتفاء شرط (٣). مثال المانع: إذا قتل الوالد ولده، على علّةِ القتل العمد العُدوان، قيل: تخلّف الحكم هنا لمانع الأبوّة. ومثال فوات الشرط: لو قال المستدل: سرق نصابًا كاملًا لا شبهة له فيه، فيقطع بالسرقة من غير حرز، فيقول: تخلف الحكم لانتفاء شرطه وهو الحرز (٤).

стр. 1593

قوله: ويسمع من المعترض نقض أصل خصمه، [فيلزمه] (١) العذر عنه، لا أصل نفسه، نحو: هذا الوصف لا يطّرد على أصلي فكيف يلزمُني؟ إذ دليلُ المستدل المقتضي للحكمِ حجة عليه في صورةِ النقض، كمحلّ النزاع (٢). كما لو قال الحنفي في قتل المسلم بالذمي: قتل عمد عدوان، فأوجب القصاص، قياسًا على المسلم، فيقال: ينتقض على أصلك (٣) بما إذا قتله بالمثقل، فإن الأوصاف موجودة ولا قصاص عندك أيها المستدل، فيلزمه العذر عنه بما يليق به، من كون تخلف الحكم في صورة النقض إنما هو لوجود مانع أو فوات شرط، ولا يسمع من المعترض بيان تخلف الحكم عن العلة على إبداء النقض على أصل نفسه (٤) نحو قول الحنبلي: الذمي كافر فلا يقتل به المسلم قياسً على الحربي، فيقول الحنفي: هذا الوصف لا يطرد على أصلى إذ هو منتقض بالمعاهد، فإنه كافر، ويقتل به المسلم عندي، فكيف تلزمني به

стр. 1594

فلا يقبل ذلك. إذ دليل المستدل المقتضي للحكم -وهو الكفر- في المثال، حجة عليه في صورة النقض، وهو المعاهد، كمحل النزاع وهو الذمي، فيقول المستدل: ما ذكرته من الدليل حجة عليك في الصورتين، ومذهبك في صورة النقض لا يكون حجة في دفع الاحتجاج، وإلا كان حجة في محل النزاع وهو محال، فيندفع النقض (١). قوله: أو ببيان ورود النقض المذكور على المذهبين، كالعرايا على المذاهب (٢). الطريق الثاني: إن ورود النقض المذكور على المذهبين (٣). مذهب المستدل ومذهب المعترض كالعرايا (٤) فإنها واردة على علة الربا على المذاهب كلها، لأن تخلف الحكم عنها في معرض الاستثناء، والمستثنى لا يقاس عليه ولا يعارض به، إذ ليس بطلان مذهب المستدل به أولى من بطلان مذهب المعترض. قوله: وقول المعترض: دليل عِليَّة وصفك موجودٌ في صورة

стр. 1595

النقض، غير مسموع، إذ هو نقض لدليل العلّة، لا لنفس العلة فهو انتقال (١). مثال قول -الحنفي في صوم الفرض-: إذا نوى قبل الزوال أتي بمسمى الصوم، فيصبح كما لو بيت النية، وإنما قلنا: أتى بمسمى الصوم، لأنه عبارة عن الإمساك من أول اللهار إلى آخره مع النية فينتقض المعترض بما أتى إذا نوى بعد الزوال فإنه أتى بمسمى الصوم، فيمنع المستدل وجود العلة فيما إذا نوى بعد الزوال، فيقول المعترض: هذا المنع ينقض دليل المذكور (٢) على وجود علة صحة الصوم فيما إذا نوى قبل الزوال. قوله: ويكفي المستدل في رده أدنى دليل يليق بأصله (٣). فلو قال الحنفي: في قتل المسلم بالذمي قتل عمد عدوان، فأوجب القصاص، كقتل المسلم، فمنع المعترض كون قتل الذمي عدوانًا، فيقول (٤): دليل كونه عدوانًا أنه معصوم بعهد الإسلام، فيعترض بأن دليل العدوانية في قتل الذمي موجود في قتل المعاهد فليجب بقتله القصاص على المسلم، فيقول: أنا لم أحكم بالعدوانية في قتل المعاهد لمعارض لي في مذهبي؛ وهو أن

стр. 1596

المعاهد موقت العهد، بخلاف الذمي فإنه مؤبد العهد، فصار كالمسلم (١). قوله: والكسر: وهو إبداء الحكمة دون الحكم (٢). النوع الثاني -من النقض-: الكسر، واختلفَ في تعريفه ففي المنهاج: "أنه عدم تأثير أحد جزأي العلة ونقض المؤثر" (٣)، وهو قضية كلام الرازي (٤)، وعبر الآمدي وابن الحاجب عن هذا بالنقض المكسور (٥) -وهو تعبير حسن- وجعلا الكسر: "إبداء الحكمة بدون الحكم وعليه جرى المصنف" (٦). قال الآمدي:

стр. 1597

"وهو نقض على العلة دون ضابطها" (١). وقال أكثر الأصوليين والجدليين: "الكسر عبارة عن إسقاط وصف من أوصاف العلة المركبة وإخراجه عن الاعتبار" (٢) أي: تبيين أن أحد جزأي العلة لا أثر له. قال الشيخ أبو إسحاق: "واتفق أكثر أهل العلم على صحته وإفساد العلة [به] (٣)، ويسمونه النقض من طريق المعنى (٤). مثاله: قول الحنفي في مسألة العاصي بسفره: مسافر فيترخص في سفره، كالعاصي في سفره، ثم يبين مناسبة السفر للترخص بما فيه من المشقة فيقول المعترض: ما ذكرت من الحكمة وهي المشقة منكسر، أي: منتقض بأصحاب الصنائع الشاقة كالحمالين ونحوهم (٥). قوله: غير لازم، [فَرُدَّ] (٦): إذ الحكمةُ لا تَنضبِط بالرأي، فَرُدّ ضبطها إلى تقدير الشارع (٧).

стр. 1598

اختلف الناس في هذا (١) هل هو مبطل العلة أم لا؟ والأكثرون (٢) على أنه: غير لازم للمستدل، ولا مبطل للعلة، إذ الكلام إنما هو مفروض في الحكمة التي لا تنضبط بنفسها بل بضابط، وحينئذ فلا يخفى أن مقدارها مما لا ينضبط بالرأي، لاختلافه باختلاف الأشخاص والأزمان والأحوال، فيرد ضبطها إلى تقدير الشارع، ودأْب الشارع فيما هذا شأنه، ردُّ الناس إلى المكانة الظاهرةِ الجلية، دفعًا للعسر عن الناس، فيمتنع التعليل بها دون ضابطها، وإذا كانت العلة هي السفر لا الحكمة وورد نقض على الحكمة لم يؤثر ذلك في عِليَّة الوصف فيجب العمل به (٣).

стр. 1599

قوله: وفي اندفاع النقض بالاحتراز عنه بذكر وصفٍ في العلّة لا يؤثر في الحكم ولا يعدم في الأصل لعدمه نحو: قولهم في الاستجمار: حكم يتعلق بالأحْجار، يستوى فيه الثيب والأبكار، فاشترِط [له] (١) العدد، كرمي الجمار، خلافُ الظاهر: لا، لأن الطردي لا يؤثر مفردًا، فكذا مع غيره، كالفاسقِ في الشهادة (٢). هذه الجملة مركّبة من مبتدأ وخبر، فالمبتدأ قوله: "خلاف"، والخبر قوله: "وفي اندفاع النقض إلى آخره" وهو مقدّم كقولهم: في المسألة خلاف، ومعنى هذه الجملة؛ أن المعلل إذا احترز عن النقض، بذكر وصفٍ في العلة غير مؤثر في الحكم وجودًا وعدمًا، بحيث لا يتوقف وجودُه على وجودِه، ولا يُعدَم بعدمِه، فهل يندفع النقض عن علته بذلك؟ فيه خلاف (٣). ومثاله: ما ذكره في الأصل (٤) فإن قوله: الاستجمار حكم يتعلّق بالأحجار وصف شبهي صحيح. وقوله: يستوي فيه الثيّب والأبكار، لا تأثير له في اشتراط العددِ ولا عدمه، وإنما أُتِيَ به دفعًا لنقض القياس المذكور بحدّ الرّجم، فإنه حكمٌ يتعلّق بالأحجار، فلو اقتصر على هذا الوصف في الاستجمار لوَرَد عليه

стр. 1600

حدّ الرجم، فلما قال: يستوى فيه الثيب والأبكار، خرج حد الرجم، وزال النقض به. فمن قال: يندفع النقض عن العلة بذلك، قال: لأن العلة يشترط إطرادها، فإذا لم يكن الوصف المؤثّر في الحكم مطردًا، ضممْنا إليه وصفًا غير مؤثر ليتحقق اطرادها، وتكون فائدة المؤثّر دفع النقض. ومن قال: لا يندفع النقض بذلك -هو الصحيح (١) - قال: إنّ الوصف الطردي غير المؤثر والمناسب لا يعتبر إذا كان مفردًا، فكذلك لا يعتبر مع غيره من الأوصاف المعتبرة، كالفاسق في الشهادة، لا تقبل شهادته وحده، فيما تقبل فيه شهادة الواحد، كذلك لا تقبل شهادته مع غيره فيما يعتبر فيه شهادة أكثر من واحد. وحاصل الجملة المذكورة أنّ النقض هل يندفع بذكر وصف طردي في العلة؟ فيه خلاف، الأصح: لا، لأن الطرديّ لا يصلُحُ للاستقلال في العلة المفردة، فلا يصلح للإعانة في العلة المركبة (٢). قوله: ويندفع بالاحتراز عنه بذكر شرط في الحكم عند أبي الخطاب، نحو: حرّان مكلّفان محقونا الدم، فجرى بينهما القصاص في العمد، كالمسلمين؛ إذ العمد أحد أوصاف العلة

стр. 1601

حكمًا، وإن تأخر لفظًا، والعبرة بالأحكام لا الألفاظ، وقيل: لا؛ إذ قوله: في العمد، اعترافٌ بتخلف حكم علّته عنها في الخطأ، وهو نقضٌ. والأول: أصح (١). يعني إذا احترز عن نقض العلة بذكر شرط في الحكم بأن قيّده بشرط أو وصفٍ؛ هل يندفع النقض بذلك أم لا؟ فيه خلاف بين أبي الخطاب (٢) وغيره. مثاله: أن يقول المعلل: حران مكلفان محقونا الدم، فجرى بينهما القصاص في العمد كالمسلمين، فمن زعم أن النقض لا يندفع بذلك، قال: لأن العلة هي الأوصاف المذكورة قبل الحكم، فيجب [ثبوت] (٣) الحكم حيث ثبتت، فتقييد الحكم بعد ذلك بشرطٍ أو وصفٍ يدل على فسادها، إذ لو صحت، لما احتاج إلى الاحتراز بتقييد الحكم، فإن العلة تقتضي أنه حيث وجد حران مكلفان محقونا الدم يجري بينهما القصاص حتى في قتل الخطأ وشبه العمد لكن ذلك باطل بإجماع، فلما انتقضت

стр. 1602

[العلة] (١) بذلك، كان احترازه في الحكم بذكر العمد لاحقًا لها بعد فسادها، فلم يؤثر في تصحيحها، كما إذا ولغ كلب في قُلّتَيْ ماءٍ إلا رطلين (٢)، ثم وضع فيه رطل ماء لم يكن ذلك مؤثرًا في زوال نجاسته بالولوغ السابق (٣). ومن زعم اندفاع النقض (٤) لذلك، قال: الشرط الذي قيد به الحكم هو أحد أوصاف العلة حكمًا، وإن تأخر في اللفظ، حتى كأنه قال في هذا المثال: حران مكلفان محقونا الدم قتل أحدهما الآخر عمدًا، فجرى بينهما القصاص كالمسلمين، وإذا كان هذا التقدير في المعنى (٥) وجب اعتبارُه، لأن العبرة في الأصل إنما هى بالأحكام لا بالألفاظ، وهذا أصح (٦). وقد حصل بما ذكرناه الجواب عما احتج به الخصم إلا عن مسألة القلتين، والفرق بينها وبين مسألة النزاع: أن الماء اللاحق للماء بعد التنجيس في هذه الصورة (٧) لا يرفع عنه حكم

стр. 1603

التنجيس، بخلاف مسألتنا، فإن أجزاء الجملة الواحدة يرتبط بعضها ببعض، فلا يستقر لبعضها حكم حتى تكمل، فظهر الفرق وصار هذا كسائر التوابع اللفظية (١). قوله: الثامن: القلب: وهو تعليق نقيض حكم المستدل على علّته بعينها (٢). معنى القلب: أن المعترض يقلب دليل المستدل، ويبين أنه يدل عليه لا له (٣). وسيأتي أمثلته وتفاصيله. قوله: ثم المعترضُ تارة يُصحّح مذهبه، كقول الحنفي: الاعتكاف لبثٌ محضٌ فلا يكون بمجرده قربة كالوقوف بعرفة، فيقول المعترض: لبثٌ محضٌ فلا يعتبر الصوم في كونه قربة كالوقوف بعرفة (٤).

стр. 1604

هذا مثال لتصحيح مذهبه من غير تعرض لمذهب غيره (١)، ومعنى قول الحنفي: إن الوقوف بعرفة لا يكون لمجرده قربة بل لا بد له من اقتران الإحرام والنية به، كذلك الاعتكاف، لا يكون قربة حتى يقترن به غيره من العبادات، وليس ذلك غير الصوم بالإجماع. إذ لم يشترط أحد مقارنة غير الصوم للاعتكاف، ومعنى قول المعترض: إن الوقوف بعرفة لا يشترط لصحته الصوم، فكذا لا يشترط للاعتكاف عملًا بالوصف الجامع وهو كون كل منهما لبثًا محضًا، فالمستدل أشار بعلته إلى اشتراط الصوم بطريق الالتزام، والمعترض أشار إلى نفي اشتراطه (٢). قول: وتارةً يبطل مذهب خصمه كقول الحنفي: الرأس ممسوح؛ فلا يجب استيعابه بالمسح، كالخف، فيقول المعترض: ممسوح؛ فلا يُقدَّر بالربع، كالخف. وكقوله في بيع الغائب: عقد معاوضة فينعقد مع جهل العوض، كالنكاح، فيقول خصمُه: فلا يُعتبر فيه خيار الرؤية كالنكاح، فيُبطل مذهب المستدل لعدم أولويّة أحد الحكمين بتعليقه على العلة المذكورة (٣). هذا مثال لإبطال مذهب خصمه من غير تعرض لتصحيح مذهب نفسه. فإن أحمد ومالكًا: يوجبان استيعاب الرأس بالمسح وقد أبطله الحنفي في قياسه، فيقلب المعترض بقوله: فلا يقدّر بالربع

стр. 1605

-لأن أبا حنيفة يقصر على مسح ربع الرأس- ولا يلزم من ذلك صحة مذهب المعترض لجواز أن يكون الصواب في مذهب الشافعي وهو أجزاء ما يسمى مسحًا، ولو على شعرة أو ثلاث شعرات. والقالب إذا قصد إبطال مذهب المستدل تارة يبطله صريحًا، كما قيل: في مسح الرأس (١). وتارة يبطله بطريق الالتزام كالمثال الثاني، فإن النكاح يصح مع جهل الزوج بصورة الزوجة، وكونه لم يرها، فكذلك في البيع بجامع كونهما عقد معاوضة. فيقول الخصم: هذا الدليل ينقلب، بأن يقال: عقد معاوضة فلا يُعتبر [فيه] (٢) خيار الرؤية كالنكاح، فإن الزوج إذا رأى الزوجة ولم تعجبه لم يجز له فسخ النكاح، فكذلك المشتري: لا يكون له خيارٌ إذا رأى المبيع في بيع الغائب بمقتضى الجامع المذكور، والخصم لم يصرح هاهنا ببطلان مذهب المستدل، لكنه دل على بطلانه ببطلان لازمه عند الخصم، وهو هذا الشرط بموجب قياسه على النكاح بطل مشروطه فهو إبطال له بالملازمة لا بالتصريح. فيبطل مذهب المستدل بتوجيهه لعدم أولوية أحد الحكمين، وهو الحكم الذي ادعاه المستدل، والحكم الذي ادعاه المعترض القالب (٣).

стр. 1606

قوله: والقلب معارضة خاصة، فجوابه جوابها، لا بمنع وجود الوصف؛ لأنه التزمه في استدلاله، فكيف يمنعه؟ (١). يعني أن قلب الدليل نوع من المعارضة، فهو معارضةٌ خاصة، لأن النوع أخص من جنسه (٢). والفرق بين المعارضة والقلب: أن المستدل في المعارضة لم يعلل بوصف المعترض، ولا التزمه، واعتمد عليه، فجاز له منعه، بخلاف القلب، فإنّ المستدل التزم في قياسه صحة ما علل به المعترض وهو اللبثُ والمسح وعقد المعاوضة، فليس له في جواب القلب منعه، لأنه هدم لما بناه، ورجوع عما التزمه واعتراف بصحته، فلا يقبل منه (٣)، فكلّ قلب معارضةٌ وليس كل معارضة قلبًا، وإذا ثبت أنّه نوع معارضة فجوابه جوابها إلّا في منع وجود الوصف، مثل أن يقول في مسألة مسح الرأس: لا نسلّم أنّ الخفّ لا يتقدّر بالربع، فيمنع حكم الأصل في قلب المعترض، وأما منع الوصف فإنه يجوز في المعاوضة، ولا يجوز في القلب، مثل أن يقول: لا نُسلّم أن الاعتكافَ والوقوفَ لبثٌ محض، أو لا نسلم أن مسح الرأس والخف مسح، أو لا نُسلّم

стр. 1607

أنّ البيعَ والنكاح عقْد معَاوضة (١). لأنه قد التزمه، واعترف بصحته كما تقدم (٢). قوله: التاسع: المعارَضَة. وهي: إمّا في الأصل ببيان وجود مقتضٍ للحكم فيه، فلا يتعين ما ذكره المستدلّ مقتضيًا، بل يحتمل ثبوته له، أو (٣) لما ذكره المعترضُ، أو لهما، وهو أظهر الاحتمالات، إذ المألوف من تَصرّف الشرع مراعاة المصالح كلها، كمن أعطى فقيرًا قريبًا غلب على الظن إعطاؤه لسببين (٤). المعارضةُ مفاعلةٌ من عَرَصْ له يَعْرِضُ: إذا وَقَف بين يديه، أو عارضه في طريقه ليمنعه النفوذ فيه (٥)، فكأنّ المعترضَ يقِف بين يدي المستدل أو يوقف حجّته بين يدي دليله، ليمنعه من النفوذ في إثبات الدعوى. وهي قسمان: معارض في الأصل، ومعارض في الفرع (٦). أما المعارضة في الأصل، ففي قبولها قولان: من ردّها بنى

стр. 1608

ذلك على أنه لا يمتنع تعليل الحكم الواحد بعلتين (١). والمختار قبولها وتحصل المعارضة، ببيان وجود معنى آخر مقتض للحكم المذكور في الأصل غير المعنى الذي أبداه المستدل فيه، فلا يتعين حينئذ ما ذكره المستدل من العلة بل يحتمل أن يكون ثبوت الحكم لما ذكره المستدل (٢)، ويحتمل أن يكون لما ذكره المعترض (٣) ويحتمل أن يكون لهما (٤) ويكون كل واحد منهما جزء علة، وهذا أظهر الاحتمالات، إذ المألوف من تصرف الشرع باستقراء موارد تصرفه ومصادرها مراعاة المصالح كلها إذا كان الوصفان مناسبين، فالظاهر تعليق الحكم عليهما تحصيلًا لمصلحتهما، كمن أعطى فقيرًا قريبًا له، يحتمل أنه أعطاه لفَقرِه، ويحتمل أنه أعطاه لقرابَتِه، ويحتمل أعطاه لهما (٥). قوله: ويلزمُ المستدل حذفَ ما ذكره المعترض، بالاحتراز عنه في دليله على الأصحّ، فإن أهملَه، وَرَدَ معارضةً (٦). يعني أن الوصفَ الذي أبداهُ المعترض في الأصل؛ هل يلزم المستدلّ الاحترازَ عنه في دليله بحذفه أم لا؟ فيه قولان للجدليين سبق توجيههما (٧) في نظير هذه المسألة في سؤال

стр. 1609

النقض، فإن أهمل المستدلّ ذلك -ولم يحترز عما ذكره المعترض- ورد عليه معارضةً، أي: كان للمعترض أن يعارضه به، فيرد على المستدل ويلزمه جوابه. مثل أن يقول الحنفي -في رفع اليدين في الركوع-: ركن غير الإحرام، فلا يُشرَع فيه رفع اليدين، كالسجود، فإن لم يحترز عن الإحرام، وإلا عارضه به الخصمُ، بأن يقول: ركن، فشُرعَ فيه الرفع كالإحرام (١). قوله: فيكفي المعترض في تقريرها، بيان تعارض الاحتمالات المذكورة، ولا يكفي المستدلّ في دفعها إلا بيان استقلالِ ما ذكره بثبوتِ الحكمِ (٢). يعني أن المعترضَ يكفيه في تقرير المعارضة بيانُ مطلقِ تعارض الاحتمالات المذكورة، وهي ثبوت الحكم لما علّل به المستدل، أو لما أبداه هو، أو لمجموع الوصفين (٣)، سواء كانت الاحتمالاتُ متساويةً، أو بعضها راجحًا، وبعضها مرجوحًا. وأما المستدلّ فلا يكفيه في دفع المعارضة إلا أن يُبيِّن أن

стр. 1610

الوصفَ الذي علّل به مستقلّ بثبوت الحكمِ بحيث لا يتوقف ثبوت الحكم على وصف المعترض ولا غيره (١). قوله: إما بثبوت علّيّة ما ذكره بنصّ، أو إيماءٍ ونحوه، من الطرق المتقدمة، أو ببيان إلغاء ما ذكره المعترضُ في جنس الحكم المختلف فيه، كإلغاء الذكوريّة في جنس أحكام العتق، أو بأنّ مِثل الحكمِ ثبتَ بدون ما ذكره فيدلّ على استقلالِ علّة المستدل (٢). هذا بيان الطّرق التي يُبيّن بها المستدلّ استقلال ما علّل به الحكم (٣). أحدها: إثبات عليّة ما ذكره، بالنص، أو إيماء النص، أو غير ذلك، من طرق إثبات العلة المتقدم ذكرها (٤). مثال النص: أن يعلِّل المستدلّ قتل المرتدةِ بتبديل الدين فيعارضُه المعترض بزيادة وصف الرجولية؛ لكونها مظنة الإقدام على القتال في معاونة أهل الحرب، فيدعي المستدل استقلال بديل الدين بالعلية ويثبته، بما روى البخاري عن النبي ﷺ أنه قال: (من بدل دينه فاقتلوه). ومثال الإيماء: كما لو علَّل المستدلّ في الربا بالطعم،

стр. 1611

فاعترض بالكيل، فتبين استقلال الطعم بقوله ﵇: (لا تبيعوا الطعام بالطعام إلا سواء بسواء) فإنه إيماء إلى كون الطعم علة لامتناع التفاضل إذ الحكم المرتب على الوصف يشعر بالعلة. الطريق الثاني: بيان إلغاء ما ذكره المعترض من الوصف في جنس الحكم المختلف فيه، وإن كان مناسبًا لغيره، فإن الذكورية ملغاة في جنس أحكام العتق كما مر (١). الطريق الثالث: أن يبين المستدل أنّ مثل الحكم المتنازع فيه ثبت بدون ما ذكره (٢) المعترض. مثاله: لو قال المستدلّ في العبد: مسلم مكلفٌ فصحّ أمانه كالحرّ، فيقول المعترض: لا أسلّم أن الإسلامَ والتكليفَ كافيان في التعليل، بل لا بد من الحرية معهما، فالحرية جزء علة، فيبين المستدل ثبوت الأمان بدون الحرية في أمان العبد المأذون له، إذ هو صحيح عند الحنفية مع انتفاء الحرية فيه، فدل على عدم اعتبارها. قوله: فإن بيّن المعترض في أصل ذلك الحكم المدّعَى ثبوته بدون ما ذكره مناسبًا آخر، لزم المستدل حذفَه (٣). هذا من توابع الجواب الأخير، فإن المستدل إذا استدل على أمان العبد، واعترضه الخصم بالحر، وألغاه المستدلّ بالمأذون له (٤)، كأصل بأن قاس عليه المستدلّ، فإذا بيّن

стр. 1612

المعترض أن في المأذون له، وذلك المناسب هو الإذن، لأن السيد بإذنه له قد أقامه مقامه في القتال والنظر في مصالح الحرب، وذلك يدل على أنه علم منه الكفاية في ذلك، وحينئذٍ يكون الإذن دليلًا على صلاحية هذا المأذونِ له لإعطاء الأمان، فالحريّة وإن انتفت حقيقتها فقَد خلفها صفة تُحَصِّل مقصودها، وتَدلّ عليها، فحينئذٍ يلزم المستدل إبطال هذا المناسب، وإلا كان معارضًا بوصف الإذن كما عُورض بوصف الحرية. وسبيله في إلغائه: أن يبيّن مثلًا صحة الأمان من العبد في صورة بدون الإذن، وللمعترض إبداء وصف مناسب في تلك الصورة، وعلى المستدل إلغاؤه، وهلُمّ جرًّا في إبداء المناسب من المعترض، وإلغائه من المستدلّ، حتى ينقطع الإلغاء من المستدلّ، أو إبداءُ الوصف من المعارِض (١). قوله: ولا يكفيه إلغاءُ كلٍّ من المناسبين بأصل الآخر، لجواز ثُبوت حكم كل أصل بعلةٍ تخصه، إذ العكس غير لازمٍ في الشرعيات (٢). زعم بعض الجدليّين أن المعترضَ إذا أبدى في صورة الإلغاءِ مناسبًا آخر غير ما عرض به في أصل القياس، كَفى في جوابه إلغاء كلٍّ من المناسبين اللذَيْن (٣) أبداهما المعترض بالأصل

стр. 1613

الآخر، مثل أن يُلغي الحرية في مسألة الأمان بمسألة المأذون، حيثما اكتفى المعترض فيه بالإذن، ولم يعتبر حقيقة الحرية، ويلغي الإذن بأمانِ الحرّ حيثما صحّ ولم يتصور فيه وجود الإذن، وإذا ألغى كل واحد من المناسبين، سقطت المعارضة من الأصلين وبقي قياس المستدل سالمًا عن معارض، فتبيّن ها هنا أن هذا الجواب لا يصحّ بناء على جواز تعدد العلل في الأصول، فيثبتُ حكم كل أصل بعلة غير علة الأصل الآخر، كأمان الحر بعلة الحرية، وأمان المأذون بعلة الإذن، لأن عكس العلة الشرعية غيرُ لازم كما سبق، ولا يجب انتفاءُ الحكم في أحد الأصلين، لانتفاء علته في الأصل الآخر (١). قوله: وإن (٢) ادعى المعترض استقلال ما ذكره مناسبًا، كفى المستدلَّ في جوابه بيانُ رجحان ما ذكره هو بدليلٍ، أو تسليمٍ (٣). يعني: أَنّ المعترضَ إذا عارض المستدلّ بوصفٍ في الأصل، فإن لم يدّع استقلاله بالحكم بانضمامه إلى ما ذكره المستدل، كالحرية مع الإسلام، والتكليف في مسألة الأمان، فقد مَرَّ الكلام عليه (٤)، وإن ادعى استقلاله بالحكم كوصف الرُّجوليّة

стр. 1614

في المرتد كفى المستدل في جواب المعترض بيان رجحان ما ذكره المستدل، بدليل يدل على رجحانه، أو بتسليم المعترض، ولا يلزمه بيانُ عدم مناسبة ما ذكره المعترض، لأن المقصود بيان رجحان ما ذكره هو وأولويته، مثل: أن يبين أن تعليل قتل المرتد بتبديل الدين، أرجح من تعليله بوصف الرجولية، وبيان ذلك بطريق سهل يسير.- والله تعالى أعلم (١). قوله: وأما في الفرع، بذكر ما يمتنعُ معه ثبوتُ الحكم فيه، إما بالمعارضةِ بدليل آكد من نصٍّ أو إجماعٍ، فيكون ما ذكره المستدلّ فاسد الاعتبارِ، كما سبق (٢). هذا القسم الثاني من المعارض، فإن الأول في الأصل، وهذا في الفرع وهو يكون بأمرين: أحدهما: ذِكرُ دليل آكد من قيالس المستدلّ من نص أو إجماع يدلّ على خلاف ما دلّ عليه قياسه، فيتبيّن أن ما ذكره المستدل فاسد الاعتبار لمخالفته النّص أو الإجماع، وهذا فسادُ الاعتبار، كما سبق (٣) في موضعه. مثاله لو قال: الحنفي -في رفع اليدين في الركوع والرفع منه-: ركن من أركانِ الصلاةِ، فلا يُشرع فيه رفع اليدين، كالسجود، فيقول له الخصم: هذا على خلاف الحديثِ الصحيح من رواية ابن عمر وغيره أن النبي ﷺ : (كان يرفع يديه في

стр. 1615

[ثلاثة] (١) مواطن: عند الإحرام، والركوع، والرفع منه) (٢) فيكون قياسك على خلافه؛ فاسد الاعتبار لمخالفة النّصّ، أو يقول: نقل عن ابن عمر في جماعة من الصحابة أنهم كانوا يرفعون أيديَهم ولم يُنكره منكِر، فيكون إجماعًا سكوتيًا، وقياسُك على خلافه، فيكون فاسد الاعتبار (٣). قوله: وأما بإبداء وصفٍ في الفرعِ مانعٍ للحكم فيه، أو للسببية (٤). هذا الأمر الثاني؛ الذي تكون به المعارضة، وهو أن يُبدي المعترض في فرع قياس المستدل، وصفًا يمنع ثبوتَ الحكم فيه، أو يمنع سببية وصف المستدل، أي: يمنعُ كون وصفه سببًا لثبوت الحكم (٥). مثال منع الحكم: أن يقول المستدلّ في المثال المذكورة ركن، فلا يشرع فيه رفع اليدين، كالإحرام، فقد منع الحكم وهو
следующие страницы →