← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 127717

شرح مختصر أصول الفقه للجراعي

الجراعي

Полный текст (1 782 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.

стр. 1611

فاعترض بالكيل، فتبين استقلال الطعم بقوله ﵇: (لا تبيعوا الطعام بالطعام إلا سواء بسواء) فإنه إيماء إلى كون الطعم علة لامتناع التفاضل إذ الحكم المرتب على الوصف يشعر بالعلة. الطريق الثاني: بيان إلغاء ما ذكره المعترض من الوصف في جنس الحكم المختلف فيه، وإن كان مناسبًا لغيره، فإن الذكورية ملغاة في جنس أحكام العتق كما مر (١). الطريق الثالث: أن يبين المستدل أنّ مثل الحكم المتنازع فيه ثبت بدون ما ذكره (٢) المعترض. مثاله: لو قال المستدلّ في العبد: مسلم مكلفٌ فصحّ أمانه كالحرّ، فيقول المعترض: لا أسلّم أن الإسلامَ والتكليفَ كافيان في التعليل، بل لا بد من الحرية معهما، فالحرية جزء علة، فيبين المستدل ثبوت الأمان بدون الحرية في أمان العبد المأذون له، إذ هو صحيح عند الحنفية مع انتفاء الحرية فيه، فدل على عدم اعتبارها. قوله: فإن بيّن المعترض في أصل ذلك الحكم المدّعَى ثبوته بدون ما ذكره مناسبًا آخر، لزم المستدل حذفَه (٣). هذا من توابع الجواب الأخير، فإن المستدل إذا استدل على أمان العبد، واعترضه الخصم بالحر، وألغاه المستدلّ بالمأذون له (٤)، كأصل بأن قاس عليه المستدلّ، فإذا بيّن

стр. 1612

المعترض أن في المأذون له، وذلك المناسب هو الإذن، لأن السيد بإذنه له قد أقامه مقامه في القتال والنظر في مصالح الحرب، وذلك يدل على أنه علم منه الكفاية في ذلك، وحينئذٍ يكون الإذن دليلًا على صلاحية هذا المأذونِ له لإعطاء الأمان، فالحريّة وإن انتفت حقيقتها فقَد خلفها صفة تُحَصِّل مقصودها، وتَدلّ عليها، فحينئذٍ يلزم المستدل إبطال هذا المناسب، وإلا كان معارضًا بوصف الإذن كما عُورض بوصف الحرية. وسبيله في إلغائه: أن يبيّن مثلًا صحة الأمان من العبد في صورة بدون الإذن، وللمعترض إبداء وصف مناسب في تلك الصورة، وعلى المستدل إلغاؤه، وهلُمّ جرًّا في إبداء المناسب من المعترض، وإلغائه من المستدلّ، حتى ينقطع الإلغاء من المستدلّ، أو إبداءُ الوصف من المعارِض (١). قوله: ولا يكفيه إلغاءُ كلٍّ من المناسبين بأصل الآخر، لجواز ثُبوت حكم كل أصل بعلةٍ تخصه، إذ العكس غير لازمٍ في الشرعيات (٢). زعم بعض الجدليّين أن المعترضَ إذا أبدى في صورة الإلغاءِ مناسبًا آخر غير ما عرض به في أصل القياس، كَفى في جوابه إلغاء كلٍّ من المناسبين اللذَيْن (٣) أبداهما المعترض بالأصل

стр. 1613

الآخر، مثل أن يُلغي الحرية في مسألة الأمان بمسألة المأذون، حيثما اكتفى المعترض فيه بالإذن، ولم يعتبر حقيقة الحرية، ويلغي الإذن بأمانِ الحرّ حيثما صحّ ولم يتصور فيه وجود الإذن، وإذا ألغى كل واحد من المناسبين، سقطت المعارضة من الأصلين وبقي قياس المستدل سالمًا عن معارض، فتبيّن ها هنا أن هذا الجواب لا يصحّ بناء على جواز تعدد العلل في الأصول، فيثبتُ حكم كل أصل بعلة غير علة الأصل الآخر، كأمان الحر بعلة الحرية، وأمان المأذون بعلة الإذن، لأن عكس العلة الشرعية غيرُ لازم كما سبق، ولا يجب انتفاءُ الحكم في أحد الأصلين، لانتفاء علته في الأصل الآخر (١). قوله: وإن (٢) ادعى المعترض استقلال ما ذكره مناسبًا، كفى المستدلَّ في جوابه بيانُ رجحان ما ذكره هو بدليلٍ، أو تسليمٍ (٣). يعني: أَنّ المعترضَ إذا عارض المستدلّ بوصفٍ في الأصل، فإن لم يدّع استقلاله بالحكم بانضمامه إلى ما ذكره المستدل، كالحرية مع الإسلام، والتكليف في مسألة الأمان، فقد مَرَّ الكلام عليه (٤)، وإن ادعى استقلاله بالحكم كوصف الرُّجوليّة

стр. 1614

في المرتد كفى المستدل في جواب المعترض بيان رجحان ما ذكره المستدل، بدليل يدل على رجحانه، أو بتسليم المعترض، ولا يلزمه بيانُ عدم مناسبة ما ذكره المعترض، لأن المقصود بيان رجحان ما ذكره هو وأولويته، مثل: أن يبين أن تعليل قتل المرتد بتبديل الدين، أرجح من تعليله بوصف الرجولية، وبيان ذلك بطريق سهل يسير.- والله تعالى أعلم (١). قوله: وأما في الفرع، بذكر ما يمتنعُ معه ثبوتُ الحكم فيه، إما بالمعارضةِ بدليل آكد من نصٍّ أو إجماعٍ، فيكون ما ذكره المستدلّ فاسد الاعتبارِ، كما سبق (٢). هذا القسم الثاني من المعارض، فإن الأول في الأصل، وهذا في الفرع وهو يكون بأمرين: أحدهما: ذِكرُ دليل آكد من قيالس المستدلّ من نص أو إجماع يدلّ على خلاف ما دلّ عليه قياسه، فيتبيّن أن ما ذكره المستدل فاسد الاعتبار لمخالفته النّص أو الإجماع، وهذا فسادُ الاعتبار، كما سبق (٣) في موضعه. مثاله لو قال: الحنفي -في رفع اليدين في الركوع والرفع منه-: ركن من أركانِ الصلاةِ، فلا يُشرع فيه رفع اليدين، كالسجود، فيقول له الخصم: هذا على خلاف الحديثِ الصحيح من رواية ابن عمر وغيره أن النبي ﷺ : (كان يرفع يديه في

стр. 1615

[ثلاثة] (١) مواطن: عند الإحرام، والركوع، والرفع منه) (٢) فيكون قياسك على خلافه؛ فاسد الاعتبار لمخالفة النّصّ، أو يقول: نقل عن ابن عمر في جماعة من الصحابة أنهم كانوا يرفعون أيديَهم ولم يُنكره منكِر، فيكون إجماعًا سكوتيًا، وقياسُك على خلافه، فيكون فاسد الاعتبار (٣). قوله: وأما بإبداء وصفٍ في الفرعِ مانعٍ للحكم فيه، أو للسببية (٤). هذا الأمر الثاني؛ الذي تكون به المعارضة، وهو أن يُبدي المعترض في فرع قياس المستدل، وصفًا يمنع ثبوتَ الحكم فيه، أو يمنع سببية وصف المستدل، أي: يمنعُ كون وصفه سببًا لثبوت الحكم (٥). مثال منع الحكم: أن يقول المستدلّ في المثال المذكورة ركن، فلا يشرع فيه رفع اليدين، كالإحرام، فقد منع الحكم وهو

стр. 1616

مشروعية رفع اليدين، وقاسه على أصل آخر وهو حقيقة القلب، وهو نوع معارضة كما تقدم (١). ومثال منع السببية أن يقول الحنبلي -في المرتدة-: بدّلت دينها فتُقتلُ كالرجل، ويقول الحنفي: أنثى فلا تقتل بكفرها (٢)، كالكافرة الأصلية. قوله: فإن منع الحكم، احتاج في إثبات كونه مانعًا إلى مثل طريق المستدل في إثبات حكمه من العلة والأصل وإلى مثل علته في القوة (٣). فإذا قال المستدل -في المثال المتقدم-: ركنُ، فلا يرفع يديه فيه، كالسجود، فالسّجود الذي هو الأصل ركن، والعلة وصف شبهي، وهو كون الركوع ركنًا كالسجود، فيقول المعترض: ركنٌ فيرفع فيه اليدين كالإحرام، فالإحرام الذي هو الأصل ركنٌ، والعلة أيضًا وصف شبهي، وذلك لأن المعارض يجب أن يكون مقاومًا للمعارَض -بفتح الراء- ولا يُقاومه إلا إذا ساواه في أوصافه الخاصة (٤). قوله. وإن منع السببيّة، فإن بقي منه احتمال الحكمة ولو على بعدٍ، لم يضر المستدلّ لإلفنا من الشرع اكتفَاءهُ بالمظنّة، ومجرد احتمال الحكمة فيحتاج المعترض إلى أصلٍ يشهد

стр. 1617

لما ذكره بالاعتبار، وإن لم يبق لم يَحتج إلى أصلٍ، إذ ثبوت الحكم تابعٌ للحكمة وقد علم انتفاؤها (١). يعني أن المعترض إذا منع سببية الوصف الذي علل به المستدل، فإما أن يبقى احتمال وصف المستدل مع ما أبداه المعترض، أو لا يبقى، فإن بقيَ احتمال الحكمة ولو على بعد أي: ولو كان احتمالًا بعيدًا، لم يضر ذلك المستدلّ لأن احتمال حكمة وصفه باقٍ، والوصف مَظِنّةٌ له. وقد ألفنا من الشارع أنه يكتفي في ثبوت الحكم بوجود مَظِنّته، ومجرد الذي أبداه بالاعتبار حتى يقوى على إبطال وصف المستدل، فإذا قال المستدلّ - في النبيذ -: مسكرٌ، فكان حرامًا كالخمر، فيقول الحنفي: غير مقطوع بتحريمه، أو غير مجمع على تحريمِه، فلا يَحرم كالخلّ واللّحن، فيقال: الحكمة في الإسكارِ باقية على ما لا يخفى، والمسكر مظنّة لها، وذلك كافٍ في ثبوت التحريم، عملًا بوجود المظِنة حتى تأتي أيها المعترض بشاهدٍ على اعتبار وصفك، وهو أن ما ليس مقطوعًا بتحريمه أو مجمعًا على تحريمه لا يكون حرامًا، وإن لم تبق حكمةُ وصف المستدلّ مع ما أبداه المعترض لم يحتج المعترض إلى أصل يشهد لما ذكره بالاعتبار، لأن ثبوت الحكمِ تابع لبقاء الحكمة، لأنها المقصود به، وهو وسيلة إليها، وقد علم انتفاؤها، ومع انتفاء المقصودِ لا فائدة في بقاء الوسيلة (٢).

стр. 1618

فإذا قال المستدلّ في -ضمان العبد- (١): مال لمعصوم فيضمن بكمال قيمتِه كالبهيمة، فالحكمة فيه ظاهرة، وهي تحصيل العدل بجبر ما فات من مال المالك بقيمة الفائت. فيقول المعترض: إنسانٌ معصومٌ، فلا يزيد بَدَلُه على الألف كالحرّ، فتكون هذه حكمة مقاوِمةٌ، أو مقارِبةٌ للأولى؛ من جهة أن الشرع قدّر بدل الإنسان المعصومِ ألفًا، فالزيادة عليه افتئات عليه وطعن في حكمته، وهذا إنسان معصومٌ، فلا يحتاج المعترض هاهنا إلى أصل يَشهَد لما ذكره بالاعتبار لمقاومته وصف المستدلّ بنفسه، لكن للمستدلّ أن يرجح وصفه (٢)، بأن شبه الماليةِ في العبد أمكن من شبه الحرية، فتكون في باب الضمان، أشبه بالبهيمة منه بالحرّ (٣). قوله: وفي المعارضة في الفرع ينقلبُ المعترضُ مستدلًا على إثبات المعارضة، والمستدلّ معترضًا عليها بما أمكن من الأسئلة (٤). لا شك أن كل واحد من الخصمين مانع لمقصود خصمه، مثبتٌ لمقصوده هو. فإذًا للمعارضة جهتان: إحداهما: جهة منع مقصودِ المستدلّ فيحتاجُ المعترض فيها

стр. 1619

إلى تقدير ذلك المنع بالدليل، مثل أن يستدلّ الحنبلي على عدم كراهة سؤر الهرة: وهو قوله ﵇: (الهرة سبع) (١) فعمله (بحديث الإصغاء) (٢) في الطهارة، وبهذا الحديث في الكراهة جمعًا بين الحديثين، إذ هو أولى من إلغاء أحدهما وإعمال الآخر. الجهة الثانية للمعارضة: إثبات مطلوب المعترض، كما ذكر من إثبات كراهية سؤر الهرة فهو من جهة الأولى مانعٌ، ومن هذه

стр. 1620

الجهة مستدلٌّ، فبالضرورة يحتاج المستدلّ إلى أن ينقلب معترضًا على استدلال المعترض، ليسلم له دليله، فيعترض عليه بما أمكن مِن الأسئلة الواردةِ على النصّ، أو القياس مما سبق. فيقول هاهنا: لا نُسَلِّم صحة الحديث المذكور، سلمناه؛ لكن السَّبُعِيَّةُ فيه ليست حقيقة، بل مجازًا شبهًا صوريًا. كما يقال للطويل: نخلةٌ لاشتباههما في الطول. سلمناه؛ لكن حديثنا أصح وأثبتُ فيرجح، والمرجوحُ مع الراجحِ عدمٌ في الحكم، وأشباه ذلك من الأسئلة على النّصّ. وإن كانت المعارضة قياسًا، اعترض المستدلّ عليه بأسئلة القياس المذكورة: الاستفسارُ، وفسادُ الوضع، والاعتبارُ، والمنع ونحوه من الأسئلة (١). قوله: العاشر: عدم التأثير (٢). التأثير: إفادة الوصف أَثَره، فإذا لم يُفِده، فهو عدم التأثير (٣). قوله: وهو ذكر ما يَستغْنِي عنه الدليلُ في ثبوت حكم الأصل، إمّا لطرديته نحو: صلاة لا تقصر فلا يُقدم

стр. 1621

[أذانها] (١) على الوقت، كالمغرب إذ باقي الصلوات تُقصر، فلا تُقدّم على الوقت، أو لثبوت الحكم بدون شرطه، كالبيع بدون الرؤية، لا يصح بيعُه كالطير في الهواء، فإن الطير في الهواء ممنوعٌ وإن رُئِيَ (٢). عدم التأثير: ذكر وصف، أو أكتْر تَستَغنِي عنه العلّة في ثبوت حكم أصل القياس، إمّا لكون الوصف طرديًّا لا يناسب ترتّب الحكم علي كما سبق (٣)، أو لكون الحكم ثبت بدونه. مثال الأول (٤): قول القائل: الفجر صلاةٌ لا تُقصر، فلا يُقدَّم أذانها على وقتها، كالمغرب، وذلك لأن باقي الصلوات تُقصَر ولا يُقدَّم أذانها على وقتها، فبقى قوله: لا تُقصَر؛ وصفًا طرديًّا، لأنه غير مناسب لتقديم الأذان على الوقت، ولا عدمه. ومثال الثاني (٥): قوله: في بيع الغائب، مبيع لم يَره العاقد، فلم يصحّ كالطير في الهواء، وذلك لأنّ عَدَمَ الرؤية هاهنا لا يؤثَر في الأصل، وهو بيع الطَّيْر، لأن بيع الطير في الهواء ممنوع، أي: لا يصحّ، وإن كان مرئيًا. وعدمُ التّأثِير هاهنا من جهة العكس كما تقدم (٦)، لأن تَعْلِيل

стр. 1622

عدم صحّة بيعِ الغائبِ بكونِه غير مرئي، يقْتَضِي أنّ كلّ مرئي يجوز بيعه، وقد بَطُلَ بيْع الطّير في الهواءِ (١). قوله: نعم [إن] (٢) أشار (٣) بذكر الوصف إلى خلو الفرع مِن المانع، أو اشتماله على شرط الحكم دفعًا للنقض، جاز، ولم يكن من هذا الباب (٤). يعني هذا الكلام أنّ الوصفَ المذكورَ في الدليل، إنّما يكون عديمَ التأثير إذا لم يُفد فائدة أصلًا، أمّا إذا كان فيه فائدةٌ، دفع النقض؛ بأن يشير إلى أن الفرع خالٍ مما يَمنَع ثبوت الحكم فيه، أو إلى اشتمال الفرعِ على شرط الحكم، فلا يكون عديمَ التأثير. مثاله: أن يقولَ المستدلّ في مسألة تبييت النِّية: صومٌ مفروض، فافتقر إلى التبييت قياسًا على القضاء، فإنّ كونه مفروضًا يتحقّق به شرط النية في الفرع، وهو صوم رمضان، وأنه خالٍ مما يَمنَع ثبوتَ التبييت فيه، ويندفع به النقض بالنّفل إذ لو قال: صوم، فافتُقر إلى التّبييت لانْتَقَض بالنّفل، لأنه صومٌ، ولا يفتقِر إلى التّبْييت مع أن فرضية الصوم بالنسبة إلى تبييت النية طرديّ لا مناسبَةَ فيه له (٥).

стр. 1623

قوله: وإن أشار الوصف إلى اختصاص الدليل ببعض صور الحكم جاز، إن لم تكن الفتيا عامة، وإن عمت لم يجز لعدم وفاء الدليل الخاص بثبوت الحكم العام (١). يعني أن وصف المستدلّ إذا أشار إلى اختصاص الحكم ببعض صوره، فلا يخلو: إما أن تكون فتياه -يعني جوابه- عامًّا أو لا، فإن كان عامًا: لم يَجُز، لأن الدليل الخاص لا يفي بثبوت الحكم العام. مثاله: إذا قيل للمالكي: هل يجوز أن تُزوِّج المرأة نفسَها؟ فيقول: نعم. فإذا قيل: لِمَ؟ قال: لأن عامة الناس أكفاءٌ لها، فلا يُفضِي ذلك إلى لحوق النقصِ والعارِ بها غالبًا، كما لو زوَّجها وليُّها، فإن العلّة ها هنا تُشِير إلى اختصاصِ جواز ذلك بالدَّنيّة من النساء، فلا يجوز ذلك، لأن جوابه بجوازِ تزويجها نفسها خرج عامًا، لم يفرق بين الدَّنيّة والشّريفة، وتعليله خاص. والجواب العام لا يحصل بالتعليل الخاص. وإن لم تكن الفُتيا عامة، كما لو قال: يجوز ذلك في بعض النساء، ويجوزُ في الجملة، وعلّل بالتعليل المذكور، جاز ذلك وأفاد جوازَ فرض الكلام في بعض صُوَر السؤال، وهو جواز تزويج الدَّنيّة نفسَها دون الشريفة فرقًا بينهما، كما هو مذهب مالك. قوله: الحادي عشر: تركيب القياس من المذهبين نحو قوله

стр. 1624

في البالغة: أُنثى، فلا تُزوِّجُ نفسَها، كابنة خمسة عشر (١). المراد بالمذهبين، مذهبُ المستدلّ أو مذهب المعترض، والقياس المركب قد تقدم الكلام عليه في الكلام على حكم الأصل (٢)، وتقدم له مثال ومثاله هنا: أن يقول الحنبلي في المرأة البالغة: أُنثى، فلا تُزوّج نفسها بغيرِ ولي كابنة خمسة عشر سنة (٣). قوله: إذ الخصمُ يَمنع تزويجَها نفسَها لصغرِها، لا لأنوثَتِها، ففي صحة التمسك به خلافٌ (٤). الخصم ها هنا هو الحنفي، لأنه يمنع تزويج بنت خمس عشْرة سنة لصغرها، لا لكونها أنثى، فاختلفت العلّة في الأصل (٥)، لأن الإمام أحمد والإمام الشافعي يعتقدان [أنّ] (٦) ابنة خمس عشرة سنة لا تزوج نفسها لأنوثتها (٧)، والإمام أبو حنيفة يعتقد أنها لا تزوج نفسها لصغرها، إذ الجارية عنده إنما تَبلُغ لتسع عشرة سنة، وفي رواية عنه لثمان عشرة سنة كالغلام فعلى كلا الروايتين (٨) العِلَّتان موجودتان فيها، والحكم متفق عليه، وإنما الخلاف في العلّة ثم في صحة التمسك به خلاف.

стр. 1625

وجه الإثبات: أن حاصِل سؤالِ التركيبِ يَرجِع إلى النِّزاع في الأصل، لأن النزاع في علتِه، كالنزاع في حكمه، وقد سبق أن القياس يجوز على أصل مختلف فيه، فإذا منعه المعترض، أتبته المستدلّ بطريقهِ، وصح قياسُه، فكذلك هاهنا. ووجه النفي: أنه فرار عن فقهِ المسألة المتنازَع فيها إلى النزاعِ في مقدارِ سنّ البلوغ وهي مسألةٌ أخرى، فهو انتقال من الخصمين جميعًا، فلا يصح التمسك به والأول أولى (١). الثاني عشر: القول بالموجَب (٢). هو بفتح الجيم، أي: القول بما أوجَبه دليلُ المستدلّ. وأما الموجِب -بكسر الجيم- فهو الدّليل المقتضي للحكم (٣). قوله: وهو: تسليم الدّليل مع منع المدلول، أو تسليم مقتضى الدليلِ مع دعوى بقاء الخلاف (٤). يعني القول بالموجب له تعريفان بأيهما عُرِّف حصل المقصودُ لكن التعريف الثاني أحق، لأن تسليم الخصم إنما هو لمُقتَضى الدليل وموجَبه، لا لنفسِ الدليل، إذ الدليلُ ليس مرادًا لذاته، بل لكونِه وسيلةً إلى معرفة المدلول. مثاله إذا قال الشافعيّ: فِيمن أتى حدًا خارجَ الحرمِ، ثم لجأ إلى الحرم: يُستوفَى منه الحدّ، لأنه وُجِد سبب جواز

стр. 1626

الاستيفاءِ منه، فكان جائزًا، فيقول الحنبلي والحنفي: أنا قائلٌ بموجب دليلك. واستيفاء الحد جائز، وإنما أُنازع في جواز هتك حرمة الحرم، وليس في دليلك ما يقتضي جوازَه، فهذا قد سلّم للمستدِلّ مقتضى دليله. وهو جواز استيفاءِ الحدّ، وادّعى بقاء الخلافِ في شيءٍ آخر، وهو هتك حُرمة الحرَم (١). قوله: وهو آخر الأسئلة، وينقطع المعترض بفساده، والمستدلّ بتوجيهه (٢). القول بالموجَب آخرُ الأسئلة الواردة على القياس [على] (٣) ما يقتضيه ترتيبها، وينقطع المعترض بفساده، لسلامة الدليل حينئذٍ عن معارض، وينقطع المستدلّ بتوجيهه، لأنه إذا صح، تَبَيَّن أن دليل المستدلّ لم يتناول محل النزاع (٤). قوله: إذ بَعْد تسليم العِلّة والحكم لا يجوزُ النزاع فيهما (٥). القول بالموجب في تسليم العلّة والحكم، وبعد تسليمها من المناظر لا يجوز له النزاع فيهما فيكون آخر الأسئلة لذلك (٦). قوله: ومورده، إما النفي، نحو: قوله في القتل بالمثقل: إنّ

стр. 1627

التّفاوت في الآلة لا يمنع القصاص، كالتفاوت في القتل، فيقول الحنفيّ: سلّمت، لكن لا يَلزَم من عدم المَانع ثبوتُ القصاص، بل من وجود مقتضيه أيضًا، فأنا أنازع فيه (١). يعني: المحل الذي يرِدُ فيه القول بالموجب من الأحكام، أو من الدعاوى، إما النفي أو الإثبات هكذا ذكره المصنف تبعًا للطوفى في مختصره (٢) لكنه قال في شرحه: وأجودُ من هذا أن يقال: القول بالموجب، إما أن يردَ من المعترض دفعًا عن مذهبه، أو إبطالًا لِمذهب المستدلّ باستيفاء الخلاف مع تسليم مقتضى دليله، وذلك لأن الحكم المرتَّب على دليل المستدلّ، إما أن يكون إبطالَ مدرك الخصم، أو إثبات مذهبه هو، فإن كان الأوّل (٣): فالقول بالموجَب يكون من المعترض دفعا عن مأخذه، لئلا يَفسُد. وإن كان الثاني (٤): فالقول بالموجَب من المعترض إبطالًا لمذهب المستدل، وذلك لأنّ المستدلّ والمعترض كالمتحاربين كلّ واحد منهما يَقصِد الدفع عن نفسهِ، وتعطيل صاحبهِ، وهذا التقسيم لمورد القول بالموجَب هو الصحيح (٥)

стр. 1628

المذكور في كتب الأصول (١)، ثم قال (٢): أما تقسيمي أنا له إلى نفيٍ وإثباتٍ فلأنّي ظننت أنّ ذلك هو مقصود التقسيم، ورأيت المثال على وفقه في أصل المختصر (٣)، فقوى الظن بذلك، ولم أكن عند الاختصار تأملته في كتب الأصول. انتهى (٤). مثال الأول وهو القول بالموجَب إذا وردَ من المعترض دفعًا عن مذهبه (٥): أن يقول الحنبلي في وجوب القصاص بالقتل بالمثقل: التّفاوت في الآلة لا يمنع القصاص، كالتفاوت في القتل؛ فإنه لو ذبحهُ، أو ضرب عُنُقه، أو طَعَنَه برمح، أو رماهُ بسهم، لم يمتنع القِصاص بذلك، لا يمنع القصاص بالتفاوت في الآلة محددة كانت أو مثقلة، وهذا تَعرّضٌ من المستدلّ بإبطال مأخذِ الخصم، إذ الحنفيّ يرى أن التفاوت في الآلة يمنع القصاص، لأن المثقل لما تَقاصَر تأثيره عن المحدد أوْرث شُبهةً، والقِصاص يدرأ بالشبهة، فيقول الحنفيّ دافعًا عن مذهبهِ: سلّمتُ أنّ التّفاوت في الآلة لا يَمنع القِصاص، لكن لا يلزمُ من عدمِ المانعِ للقِصاصِ ثبوتُه، بل إنما يلزمُ ثبوته من وجودِ مقتضيه، وهو

стр. 1629

السبب الصالِح لإثباته والنزاع فيه، ولهذا يجبُ القصاصُ عندي بالقتل بالسيف، والسكين ونحوها، من الآلات مع تفاوتها، لكن لما كانت صالحة للإزهاق بالسريانِ في البدنِ بخلافِ المثقلِ (١). قوله: وجوابه ببيان لزوم الحكم في محل النزاع مما أذكره، (٢) إن أمكن، أو بأن النزاع مقصورٌ على ما يَعْرِض له بإقرارٍ، أو اشتهارٍ، ونحوه (٣). جواب القول بالموجب بطرق، أحدها: أن يُبين المستدلّ لزومَ حكم محل النزاع [بوجود] (٤) مقتضيه ممّا ذكره في دليله إن أمكن بيانه، فيقول: يَلزَم من كون التفاوت في الآلة لا يمنع القِصاص، ووجود مُقتضَى القِصاص: إمّا بناءً على أنّ وجودَ المانع وعدمَه قيامُ المقتضي، إذ لا يكون الوصف مانعًا بالفعل إلا لمعارضة المُقتضِي، وذلك يستدعي وجودَه، أو بأن يقول المستدل: إذا سلمت أن تفاوتَ الآلة لا يمنعُ القصاص فالقتلُ المُزهِق هو المقتضي، والتقدير أنه موجود (٥). الثاني: أن يبيّن المستدلّ أن النزاعَ إنما هو فيما يعرض له، إما بإقرارٍ أو اعترافٍ من المعترض بذلك. مثل أن يقول: إنما الكلام في صحةِ بيعِ الغائب، لا في

стр. 1630

ثبوت خيارِ الرؤية فيه، ووقع الاستدلال على ذلك، أو باشتهار بين أهل العُرف أنّ مثل هذه المسألة إنما جَرَت العادة أن يقعَ النّزاع فيها في كذا لصحة البيع هاهنا، فلا يُسمَع من المعترض العدول عنه؛ لأنه في الأوّل إنكار لما اعترف به، وفي الثاني نوع مراوغة ومغالطةٌ ودعوى جهل بالمشهوراتَ. ومن أمثلة هذا أن يقول المستدلّ: الدَّين لا يمنعُ الزكاةَ، ووطء الثَّيّب لا يمنع الرد بالعيب، فيقول المعترض: أُسلّم أنه لا يمنع، لكن لِمَ قلت: إنّ الزكاةَ والرّد يَثبُتان؟ فيقال: هذا القول بالموجَب لا يسمع، لأن محلّ النزاع في هذه المسائل ونحوها مشهورٌ، وهو أنّ النّزاع في الزكاة هل تجب مع الدين؟ ووطء الثيب هل يجوز معه الرّد؟ مع الشهرة لا يقبل العدول عن المشهورِ، ولا دعوى خفائه (١). قوله: وأما الإثبات، نحو: الخيل حيوان يُسابَق عليه، فتجبُ فيه الزكاةُ كالإبل، فيقول: نعم زكاة القيمة (٢). هذا التقسيم الثاني من القول بالموجب وهو أن يرد من المعترض إبطالًا لمذهب المستدل، فماذا قال الحنفي في وجوب الزكاة في الخيل: حيوان يُسابَق عليه، فتجب فيه الزكاة كالإبل، فيقول المعترض: أقول بموجَب ذلك، وهو أن تَجِبَ فيها زكاةُ القيمةِ إذا كانت للتجارة (٣).

стр. 1631

قوله: وجوابه بأن النزاع في زكاة العين، وقد عرّفنا الزكاة باللام، فَيُصرَف إلى محل النزاع (١). وجواب هذا القسم أن يقول المستدل: النزاعُ إنما كان في زكاة العين خصوصًا، وقد عرفنا الزكاةَ باللام، فيعود إلى المعهود، فينصرف إلى محل النزاع (٢)، وأيضًا فلفظ الزكاة يعم زكاة العين والتجارة، فالقول به في زكاة التجارة قول بالموجب في صورة واحدة فهو غير متحد، لأن موجب الدليل التعميم. فالقول ببعض الموجب لا يكون قولًا بالموجب بل ببعضه. قوله: وفي لزومِ المعترض إبداءُ مستندِ القول بالموجَب خلاف (٣). يعني أن المعترض إذا قال بموجب دليل المستدل، هل يجب عليه أن يذكر مستند القول بموجبه؟ مثل أن يقول: التفاوتُ في الآلة لا يمنعُ القِصَاص، ولكن لا يجب لانتفاء السبب، فيه قولان (٤). أحدهما: يجب؛ إذ لو لم يجب عليه ذكر مستند القول بالموجب، لأتى به نكدًا أو عنادًا على المستدلّ ليُفحِمَه. والقول الثاني: لا يجب، لأن المعترض عَدلٌ، وهو أعرفُ بمذهبه ومأخذه، فوجب تقليده في ذلك، وإلا كان مطالبته بالمستند تكذيبًا له.

стр. 1632

قوله: ويرد على القياس منع كونه حجة أو في الحدود والكفارات والمظان كالحنفية (١). يعني يرد على القياس أسئلة أُخَر، مثل: أن القياس في نفسه ليس حُجّةً شرعيّةً كمذهب الظاهريّة، أو ليس حجّة في الحدودِ، والكفاراتِ، والمظانّ، يعنى الأسباب كما هو مذهب الحنفية، وقد سبق (٢). وسبق جوابه في أقسام العلّة (٣). قوله: والأسئلة راجعةٌ إلى منع، أو معارضة، وإلا لم تسمع (٤). جميع الأسئلة المذكورة على تعددها راجعةٌ عند التحقيق إلى منعٍ أو معارضةٍ، وإلا لم تسمعْ (٥)، وذلك لأن عرض المستدلّ الإلزام بإثبات مدعاه لبدليل، وعرض المعترض عدم الالتزام يمنعه عن إثباته به، والإثبات به يكون بصحة مقدماته ليصلح للدلالة، والمعترض يمنع مقدمات الدليل ليسلم مذهبه -أعنى المعترض- من إفساده له أو تعارض في الحكم، وفي الدليل بما يقاومه أو يترجح عليه ليضعف قوته عن إفساد مذهب المعترض. قوله: وذكر بعضهم أنها خمسة وعشرون (٦).

стр. 1633

ممن ذكروا ذلك الآمدي في المنتهى (١) فقال: الاستفسارُ، فسادُ الاعتبار، فسادُ الوضع، منعُ حكم الأصل، التقسيمُ، منعُ وجود العلّة في الأصل، المطالبةُ بتأثير الوصف، عدمُ التأثير، القدحُ في مناسبة الوصف، منعُ صلاحيةِ إفضاء الوصف إلى الحكمة المطلوبة، منعُ ظهور الوصف مع انضباطه، النّقضُ، الكسرُ، المعارضةُ في الأصل، التركيبُ، التعديةُ، منع وجود العلّة في الفرع، المعارضةُ في الفرع بما يقتضي حكم المستدل، الفرقُ، اختلافُ الضابطِ بين الأصل والفرع مع اتحاد الحكمة، اتحادُ الضابط مع اختلاف الحكمة، عكس الذي قبله، اختلاف الفرع والأصل، قلبُ الدليل، القول بالموجَب (٢). قوله: وترتيبها أولى اتفاقًا، وفي وجوبه خلاف (٣). ترتيب الأسئلة: هو جعل كل سؤال في رتبته على وجه لا يفضي بالمعترض إلى المنع بعد التسليم، واتفقوا على أن ترتيبها على هذا الوجه أولى (٤)، وهو صحيح، لأن المنع بعد التسليم

стр. 1634

قبيح، فأقل أحواله أن يكون التحرّز منه أولى. أما وجوبه فاختلفوا فيه على قولين (١): منهم من أوجبه نفيًا للقبح المذكور، ونَفي القبحِ واجبٌ. ومنهم من لم يُوجبه، نظرًا إلى أنّ كلّ سؤالٍ مستقلّ بنفسه له حكم نفسه، وجوابه مرتبط به، فلا فرق إذن بين تقدمهُ وتأخرهُ، والمقصود إفحام الخصم، وهو حاصل مع الترتيب وعدمه (٢). تنبيه: ليس المرادُ بالوجوبِ هنا الوجوب الشرعي الذي يأثم بتركهِ، بل المراد الوجوب الاصطلاحي، الذي يكونُ تاركه مذمومًا في اصطلاح النُّظّارِ، فهو قادحٌ في الفضيلةِ (٣) والله تعالى أعلم. قوله: وفي كيفيته أقوال كثيرة، والله تعالى أعلم (٤). أي في كيفية الترتيب، وقد تقدم أن ترتيب الآمدي (٥)

стр. 1635

خلاف ترتيب المصنف، وذكر النيلي (١) في شرح جدل الشريف (٢) أربعة عشر: الاستفسارُ، فسادُ الاعتبار، فسادُ الوضع، المنعُ، التقسيمُ، المطالبةُ، النقضُ، القولُ بالموجَب، عدمُ التأثير، الفرقُ، المعارضةُ، التعديةُ، التركيبُ، هكذا ذكر أنها أربعة عشر، وإنما أورد هذه الثلاثة عشر (٣). وذكر ابن المنِّي من هذا الخلاف جملة في جدله المسمى: جَنّة المُنَاظِر وجُنّة النّاظِر (٤) واختار منها فساد الوضع ثم فساد الاعتبار، ثم الاستفسار، ثم المنع، ثم المطالبة، ثم الفرق، ثم النقض، ثم القول بالموجَب، ثم القلب. وأبو محمد البغدادي اختار فساد الوضع، ثم الاعتبار، ثم الاستفسار، ثم المنع، ثم المطالبة. وهو منع العلّة في الأصل، ثم الفرق، ثم النقض، ثم القول بالموجب، ثم القلب، ورد التقسيم إلى الاستفسار أو الفرق فإن عدم التأثير مناقشة لفظية (٥).

стр. 1636

تنبيه: هذه الواردةُ على القياسِ، ليسَ المرادُ من ورودِها على القياس أنها تَرِد على كل قياس، لأن من الأقيسةِ ما لا يَرِد عليه بعضُ الأسئلةِ المذكورِةِ، كالقياس مع عَدَم النص، والإجماع، لا يَتّجِه عليه فسادُ الاعتبارِ، إلّا من ظاهريٍّ ونحوه من منكري القياس، واللفظ البيّن لا يردُ عليه سؤالُ الاستفسار، والوصفُ المناسبُ من وجهٍ واحدٍ لا يرد عليه فسادُ الوضع، وإنما المرادُ أنّ الأسئلةَ الواردةَ على القياسِ؛ لا تخرجُ عن هذه (١). والله تعالى أعلم. قوله: الاستصحاب، دليل ذكره المحققون إجماعًا (٢) الاستصحابُ (٣): دليلٌ عند علمائنا (٤)، والشافعية (٥) (٦)، وذكرهُ

стр. 1637

القاضي إجماعًا (١) -وكذا أبو الطيّب الشافعي (٢) - قال: وقد ذكره الحنفية (٣). وذكر الآمدي بطلانه عن أكثر الحنفية (٤) وجماعة من المتكلمين كأبي الحسين (٥). وكذا ذكره أبو الخطاب في مسألة القياس أنه ليس دليلًا (٦)، واختاره بعض علمائنا (٧). واستصحاب أمر وجودي أو عدمي، عقلي أو شرعي

стр. 1638

سواء (١)، نحو: لا يَجب الوتر لأنهُ الأصل (٢)، وكذا صلاةُ سادسَة، لأن السمع لما دل على خمس صلوات بقيت السادسة غير واجبة، لا لتصريح السمع بنفيها، لأن لفظه قاصر على إيجاب الخمسة، لكن كان وجوبها منفيًا، ولا مثبت للوجوب فيبقى على النفي الأصلي، وإذا أوجب عبادةً على قادر، بقيَ العاجزُ على ما كان عليه، ولو أوجبها في وقت بقيت في غيره على البراءة الأصلية (٣). قوله: وإنما الخلاف في استصحاب حكم الإجماع (٤) في محلّ الخلافِ، والأكثرُ ليس بحجة (٥)،

стр. 1639

خلافًا للشافعي (١)، وابن شاقلا، وابن حامد (٢) (٣). مثاله: أن يقول في المتيمم إذا رأَى الماء في أثناء الصلاةِ: الإجماعُ منعقدٌ على صحةِ صلاتِه ودوامها، فنحن نَستَصْحب ذلك حتى يأتي دليل يزيلنا عنه، ، وهذا فاسدٌ، لأن الإجماع إنما دلّ على دوامها حال العدم (٤). وأما في حالِ الوجود: فهو مختلفٌ فيه، ولا إجماع مع الخلاف، واستصحاب الإجماع عند انتفاء الإجماع محال، وهذا كما أن العقل دلّ على البراءةِ الأصلية، بشرط: عدم دليل السمع، فلا يبقى له دلالة مع وجود دليل السمع، وهذا؛ لأنّ كل دليل يضاده نفس الخلاف لا يمكن استصحابه معه، والإجماع يضاده نفس الاختلاف فلذلك صحّ استصحابه معه (٥). قوله: ونافي الحكم يَلزَمُه الدليل (٦)

стр. 1640

خلافًا لقوم (١)، وقيلَ: في الشرعيات (٢) فقط (٣). قال قوم: لا دليل عليه مطلقًا لأمرين: أحدهما: أن المدّعَى عليه الدَّليل، لا دليل عليه (٤). والثاني: أنّ الدّليل على النفي متعذّر، فكيف يُكلف ما لا يمكن؟ كإقامة الدليل على براءةِ الذمةِ. ولنا قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١١١)﴾ (٥).

стр. 1641

والمعنى؛ أن يقال للنافي: ما ادّعَيت نفيهُ علمته، أم أنت شاك فيه؟ فإن أقرّ بالشكّ: فهو مدعي بالجهل، وإن ادّعى العلم فإما أن يكون بنظر أو بتقليد، فإن كان بتقليد فهو -أيضًا- معترفٌ بِعمَى نفسهِ، وإنّما يدّعي البصيرة لغيره، وإن كان عن نظرٍ: فيحتاج إلى بيانه. ولأنه لو سقط الدليل عن النافي؛ لم يعجز المثبت عن التّعبير عن مقصود إثباتهِ بالنفي فيقول: بَدلَ قولهِ: "مُحدَثٌ" "ليْس بقديم" وبَدل قوله: "قادر" "ليس بعاجز". وقولُهم: إن المدّعَى عليه لا دليل عليه: عنه أجوبةٌ. أحدها: المنع، فإن اليمين دليل، لكنها قصُرت عن الشهادة، فَشُرِعَت عند عدمِها. الثاني: أن المدّعَى عليه، إنما لم يحتجْ إلى دليل؛ لوجودِ اليد التي هي دليل بالملك. الثالث: أنه إنما لم يجب عليه، للعجز عنه، إذ لا سبيلَ إلى إقامةِ دليلٍ على النفي، فإن ذلك إنما يعرف بأن يلازمه الشاهد من أول وجودِه إلى وقت الدعوى، فيعلم انتفاء سبب اللزوم قولًا وفعلًا، بمراقبة [اللحظات] (١) وهو محال (٢)، ومن قال بلزومه في الشرعيات استدلّ بما تقدم، وأما العقليات:

стр. 1642

فيمكن نفيها: فإن إثباتها يُفضي إلى محال، وما أفضى إلى المحال محال، ويمكن الدليل عليه بدليل التلازم: فإن انتفاء أحد المتلازمين، دليل على انتفاء الآخر. كقوله تعالى ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ (١) فانتفاء الفساد دليل على انتفاء إله ثان (٢). والله تعالى أعلم (٣). قوله: مسألة: شرعُ مَن قبلِنا، هل كان نَبيُّنا ﷺ متعبّدًا بشرع مَنْ قبلهِ قبل بعثته مطلقًا؟ أو آدمَ أو نوح أو إبراهيمَ أو موسَى أو عيسَى ﵈، أو لم يكن متعبّدًا بشرع من قبله؟ أقوال (٤): الأول (٥): قال به الحلواني (٦)

стр. 1643

والقاضي (١) وذكره (٢) عن الشافعية (٣) وأن أحمد أومأ إليه (٤) واختار ابن عقيل الرابع (٥)، وذكره عن الشافعية (٦). وجه الأول: ما ثبت في الصحيح (٧)، عن عائشة ﵂:

стр. 1644

(أن النبي ﷺ كان يتحنث -وهو التعبد (١) - في غار حراء) (٢). رد: معناهُ التفكر والاعتبار، ولم يثبت عنه عبادة صوم ونحوه. ثم: من قَبِل نفسه تَشَبّهًا بالأنبياء. وأيضًا: لو تعبَّدَ بشرعٍ لَخَالط أهله عادة. رد: باحتمال مانع. وأيضًا: يعمل بما تواتر فقط، فلا يحتاج إلى مخالطة (٣). ولم يكن ﷺ على ما كان عليه قومه عند أئمة الإسلام كما تواتر عنه. قال الإمام أحمد (٤) -رحمهُ اللهُ تعالى-: "من زعمه فهو قول سوء" (٥). تنبيهات: أحدها: قوله: مُتَعبّد هل هو بفتح الباء؟ على أنه اسم

стр. 1645

مفعول، بمعنى أن الله تعالى تعبّدَه (١)، أو بكسر الباء؟ على أنه اسم فاعل .. في المسألة قولان: أحدهما: أنهُ بفتحِها قال في تشنيف المسامع: "هكذا ضبطَه التاج السبكي بخطة -يعني بالفتح (٢) - وكذا قال جلال الدين المحلي (٣) في شرحه: وفسّره أي: مُكلّفًا"، وكلام سيف الدين في هذه المسألة يدل على ذلك فإنه قال: "غير مستبعد في العقل أن يعلم الله تعالى مصلحة شخص معين في تكليفه شريعة من قبله" (٤). القول الثاني: إنه بكسْر الباء، قال القرافي (٥): "وهو الصواب على أنّه اسمُ فاعِل، أمّا بفتحِها فيقتضي أن يكون الله تعالى تَعبّده بشريعةٍ سابقةٍ، وذلك يأباه ما يحكُونَه من الخلافِ،

стр. 1646

هل كان مُتعبَّدًا بشريعةِ موسى أو عيسى؟ فإن شرائع بني إسرائيل، لم تتعداهم إلى بني إسماعيل بل كلّ نبي [من] (١) موسى وعيسى [﵇] (٢) وغيرهما، إنّما كان يُبعَث إلى قومهِ فلا تتعدى رسالته قومه، حتى نقل المفسرون (٣): أن موسى ﵇ لم يبعث إلى أهل مصر بل لبني إسرائيل، ليأخذهم من القبط (٤) من يد فرعون، ولذلك لما عدَّى البحر لم يرجع إلى مصر ليقيم فيها شريعتهُ، بل أعرض عنهم إعراضًا كليًّا لما أخذ بني إسرائيل، وحينئذٍ لا يكونُ الله تعالى تعبَّد محمدًا ﷺ بشرعِهما ألبتة، فيبطل قولنا: إنه كان مُتعبَّدًا -بفتح الباء- بل -بكسرها- كما تقدم، وهذا بخلاف ما بعدَ نُبوّته" ﵇ (٥). الثاني: قال القرافي: "حكاية الخلاف في أنه ﵊ كان مُتعبَّدًا قبل نُبوَّته بشرع من قبله، يجب أن يكون مخصوصًا بالفروع دون الأصول، فإن قواعد العقائد، كان الناسُ في الجاهليةِ مكلَّفِين بها إجماعًا، ولذلك انعقد الإجماع على أن:

стр. 1647

موتاهم في النار يعذبون على كفرهم (١)؛ ولولا التكليفُ لما عُذِّبوا فهو ﵊ مُتعبَّد بشرع من قبله -بفتح الباء- بمعنى مكلف، هذا لا مرية فيه، إنما الخلاف في الفروع خاصَّة؛ فعموم إطلاق العلماء مخصوص بالإجماع" (٢). التنبيه الثالث: قال المازري (٣) والأبياري (٤) في شرح

стр. 1648

البرهان (١)، وإمام الحرمين (٢) والتبريزي (٣): "هذه المسألة لا يظهر لها ثمرة في الأصول، ولا في الفروع ألبتة، بل يجرى مجرى

стр. 1649

التواريخ المنقولة، ولا يترتب عليها حكم في الشريعة ألبتة" (١). قوله: وتعبَّد بعد بعثهِ بشرع من قبله فيكونُ شرعًا لنا، نقله الجماعةُ واختاره الأكثر، ثم اعتبر القاضي وابن عقيل وغيرهما، ثبوته قطعًا، ولنا قولٌ آخر: آحادًا، وعن أحمدَ لم يتعبَّد وليس بشرع لنا (٢). فمن اختار الأول: أبو الحسن التميمي (٣) والقاضي (٤) وابن عقيل (٥) والحلواني (٦) وصاحب الروضة (٧)، وقاله الحنفية (٨) والمالكية (٩) والشافعي (١٠) وأكثر أصحابه (١١)، ثم منهم من خصه

стр. 1650

بشرع كما سبق (١)، وعند علمائنا لا يختص (٢)، وقاله المالكية (٣) فعلى هذا هو شرع لنا ما لم ينسخ، قال القاضي: من حيث صار شرعًا لنبينا لأمر حيث كان شرعًا لمن قبله (٤)، ثم اعتبر القاضي (٥) وابن عقيل (٦) وغيرهما ثبوته قطعًا، وقال بعض علمائنا وغيرهم: أو آحادًا (٧). والقول الثاني: اختاره أبو الخطاب (٨)، والآمدي (٩)، وقاله المعتزلة (١٠) والأشعرية (١١). وجه الأول: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ (١٢). رد: أراد الهدى المشترك، وهو التوحيد لاختلاف
следующие страницы →