← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 127717

شرح مختصر أصول الفقه للجراعي

الجراعي

Полный текст (1 782 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.

стр. 1646

هل كان مُتعبَّدًا بشريعةِ موسى أو عيسى؟ فإن شرائع بني إسرائيل، لم تتعداهم إلى بني إسماعيل بل كلّ نبي [من] (١) موسى وعيسى [﵇] (٢) وغيرهما، إنّما كان يُبعَث إلى قومهِ فلا تتعدى رسالته قومه، حتى نقل المفسرون (٣): أن موسى ﵇ لم يبعث إلى أهل مصر بل لبني إسرائيل، ليأخذهم من القبط (٤) من يد فرعون، ولذلك لما عدَّى البحر لم يرجع إلى مصر ليقيم فيها شريعتهُ، بل أعرض عنهم إعراضًا كليًّا لما أخذ بني إسرائيل، وحينئذٍ لا يكونُ الله تعالى تعبَّد محمدًا ﷺ بشرعِهما ألبتة، فيبطل قولنا: إنه كان مُتعبَّدًا -بفتح الباء- بل -بكسرها- كما تقدم، وهذا بخلاف ما بعدَ نُبوّته" ﵇ (٥). الثاني: قال القرافي: "حكاية الخلاف في أنه ﵊ كان مُتعبَّدًا قبل نُبوَّته بشرع من قبله، يجب أن يكون مخصوصًا بالفروع دون الأصول، فإن قواعد العقائد، كان الناسُ في الجاهليةِ مكلَّفِين بها إجماعًا، ولذلك انعقد الإجماع على أن:

стр. 1647

موتاهم في النار يعذبون على كفرهم (١)؛ ولولا التكليفُ لما عُذِّبوا فهو ﵊ مُتعبَّد بشرع من قبله -بفتح الباء- بمعنى مكلف، هذا لا مرية فيه، إنما الخلاف في الفروع خاصَّة؛ فعموم إطلاق العلماء مخصوص بالإجماع" (٢). التنبيه الثالث: قال المازري (٣) والأبياري (٤) في شرح

стр. 1648

البرهان (١)، وإمام الحرمين (٢) والتبريزي (٣): "هذه المسألة لا يظهر لها ثمرة في الأصول، ولا في الفروع ألبتة، بل يجرى مجرى

стр. 1649

التواريخ المنقولة، ولا يترتب عليها حكم في الشريعة ألبتة" (١). قوله: وتعبَّد بعد بعثهِ بشرع من قبله فيكونُ شرعًا لنا، نقله الجماعةُ واختاره الأكثر، ثم اعتبر القاضي وابن عقيل وغيرهما، ثبوته قطعًا، ولنا قولٌ آخر: آحادًا، وعن أحمدَ لم يتعبَّد وليس بشرع لنا (٢). فمن اختار الأول: أبو الحسن التميمي (٣) والقاضي (٤) وابن عقيل (٥) والحلواني (٦) وصاحب الروضة (٧)، وقاله الحنفية (٨) والمالكية (٩) والشافعي (١٠) وأكثر أصحابه (١١)، ثم منهم من خصه

стр. 1650

بشرع كما سبق (١)، وعند علمائنا لا يختص (٢)، وقاله المالكية (٣) فعلى هذا هو شرع لنا ما لم ينسخ، قال القاضي: من حيث صار شرعًا لنبينا لأمر حيث كان شرعًا لمن قبله (٤)، ثم اعتبر القاضي (٥) وابن عقيل (٦) وغيرهما ثبوته قطعًا، وقال بعض علمائنا وغيرهم: أو آحادًا (٧). والقول الثاني: اختاره أبو الخطاب (٨)، والآمدي (٩)، وقاله المعتزلة (١٠) والأشعرية (١١). وجه الأول: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ (١٢). رد: أراد الهدى المشترك، وهو التوحيد لاختلاف

стр. 1651

شرائعهم، والعقل هادٍ إليه، ثم: أمر باتباعه لأمر محدد لا بالاقتداء. أجيب: الشريعةُ من الهدى، وقد أمر بالاقتداء، وأيضًا ﴿أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ (١)، رد: أراد التوحيد، لأن الفروع ليست ملّة، ولهذا لم يَبحَث عنها، وقال: ﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (١)، وقال: ﴿إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ (٢). ثم: أمر باتباعهما بما أُوحِي إليه. أُجِيبَ: الفروع من الملة، كملةِ نَبيّنا ﷺ لأنها دينه [عند] (٣) عامة المفسرين (٤)، قال ابن الجوزي (٥): هو الظاهر وقد أمر باتباعها مطلقًا. وكذا ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾ (٦)، وأيضًا في الصحيحين (٧) أن النبي ﷺ : قضى بالقصاص في السن، وقال:

стр. 1652

(كتاب الله القصاص) (١)، وإنما هذا في التوراة، وقد قيل: إنه دخل في عموم قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ (٢). واستدل برجوعه ﷺ إلى التوراة في الرجم (٣). رد: لإظهار كذبهم، ولهذا لم يرجع في غيره (٤). قالوا: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ (٥). رد: اختلف في شيء، فباعتياره: هي شرائع مختلفة (٦).

стр. 1653

قالو: لم يذكر في خبر معاذ السابق (١). رد: إن صح فَلذِكرِه في القرآن، أو عمّه الكتاب، أو لقلتهِ، أو لعلمهِ بعدم من يثق به. قالوا أتاه عمر ﵁ بكتاب فغضب وقال: (أمُتهوِّكُون (٢) فيها يا ابن الخطاب؟ والذي نفسي بيده لقد جئتكم بها بيضاء نقية)، رواه أبو بكر بن أبي عاصم (٣) والبزار (٤)، والإمام أحمد وزاد: (ولو كان موسى ﵇ حيًّا ما وسعه إلا اتباعي) (٥) ورواه أيضًا وفيه: (والذي نفس محمد بيده لو أصبح فيكم موسى ثم اتبعتموه وتركتموني لضللتم) (٦).

стр. 1654

رد: في الأول مجالد (١)، وفي الثاني جابر الجعفي (٢)، وهما ضعيفان، ثم: لم يثق به.

стр. 1655

قوله: الاستقراءُ (١) دليل؛ لإفادته الظّن، ذكره بعض أصحابنا وغيرهم (٢). نحو الوتر يُفعل راكبًا، فليس بواجب، لاستقراءِ الواجبات، فإنا استقرأناها -أي: تَتَبعناها- فما وجدنا يُفعَل على الراحلة كما يُفعَل الوتر، مع القدرة على فعلها على الأرض (٣). قوله: مسألة: مذهب الصحابي (٤) إن لم يُخالفه صحابيٌّ، فإن انتشر ولم ينكر فَسَبَق في الإجماع، وإن لم ينتشر فحجةٌ مقدَّم على القياس في أظهر الروايتين، واختاره أكثر أصحابنا، وقاله مالك والشافعي في القديم وفي الجديد أيضًا، خلافًا لأبي الخطاب وابن عقيل وأكثر الشافعية (٥).

стр. 1656

مذهب الصحابي إن لم يخالفه صحابي: ينقسم إلى قسمين إما أن ينتشر أو لا، فإن انتشر ولم ينكر فسبق الكلام عليه في الإجماع (١). وإن لم ينتشر فعن أحمد روايتان: إحداهما: حجةٌ مقدمةٌ على القياس، اختارها أبو بكر (٢) والقاضي (٣) وابن شهاب (٤) وصاحب الروضة (٥) وغيرهم (٦)، وقاله إسحاق (٧) أيضًا والحنفية (٨) غير الكرخي، ونقله أبو يوسف وغيره

стр. 1657

عن أبي حنيفة (١). [والثانية] (٢): ليس بحجة ويقدم القياس عليه، اختارها الفخر إسماعيل (٣) أيضًا، وقاله الشافعي في الجديد (٤) أيضًا، وأكثر أصحابه (٥) والكرخي (٦) وعامة المعتزلة (٧)،

стр. 1658

والأشعرية (١)، والآمدي (٢)، وذكره ابن بَرهان (٣) عن أبي حنيفة نفسه، لأنه لا دليل عليه والأصل عدمه. والصحابي يجوز عليه الغلط، والخطأ، والسهو، ولم تثبت عصمته، وكيف يتصور عصمة من يجوز عليهم الاختلاف (٤)، ووجه الرواية الأولى قول النبي ﷺ : (أصحابي كالنجوم، بأيهم اقتديتم اهتديتم (٥)

стр. 1659

رواه عثمان الدارمي (١) وابن عدى (٢)، ولا شك أن الصحابة أقرب إلى الصواب، وأبعد من الخطأ لأنهم شاهدوا التنزيل [وسمعوا] (٣) كلام الرسول ﷺ فهم أعلم بالتأويل، وأعرف بالمقاصد فيكون قولهم أولى كالعلماء مع العامة، وما ذكروه من عدم العصمة، لا يلزم فإن المجتهد غير معصوم ويلزم العامي تقليده (٤). قوله: مسألة: مذهب الصحابي فيما يخالف القياس توقيف [ظاهر الوجوب] (٥) عند أحمد، وأكثر أصحابه، خلافًا لابن عقيل والشافعية (٦).

стр. 1660

مذهب الصحابي إذا خالف القياس فيه قولان: أحدهما: المنع؛ لارتفاع البقية بمذهبه، لكونه لم يدون بخلاف مذهب كل من الأئمة الأربعة، لا لنقض اجتهاده عن اجتهادهم، لا سيما مع مخالفته القياس (١). والثاني: حجة وبه قال أحمد (٢)، وأكثر أصحابه (٣) لأنه لا يخالف القياس إلا بدليل غيره، بخلاف ما إذا وافقه لاحتمال أن يكون عنه، فيكون القياس الحجة لا مذهبه. وقول المصنف: توقيف، معناه مرفوع إلى النبي ﷺ ، وقوله: ظاهر الوجوب عند أحمد، هذا الكلام سقط منه شيء، وصوابه فيما ظهر لى، ظاهرًا بالتنوين، لوجوب حسن الظن به، وهكذا هو في أصول ابن مفلح (٤). وقل في المسودة: إذا قال الصحابي قولًا، لا يهتدي إليه قِياسٌ، فإنه يجب العمل به، وإن خالفه قول صحابي آخر نص عليه في مواضع، وبه قالت الحنفية (٥)، وقالت الشافعية (٦):

стр. 1661

[لا] (١) يحمل على التوقيف بل حكمه حكم مجتهد فيه، واختاره أبو الخطاب (٢) مع حكايته فيه وجهين، وابن عقيل (٣)، وحكى الأول عن شيخه فقط، ومثّله بقول عمر ﵁ في عين الدابة (٤)، وفي حمل العاقلة دية قاتل نفسه (٥)، وقول ابن عباس فيمن نذر ذبح ولده (٦)، وادعى ابن عقيل أن الظاهر عدم التوقيف معه، قال أبو العباس: "وقد يقال: الأمر محتمل" (٧) انتهى. فيبقى معنى كلام المصنف على ما ظهر أن مذهب الصحابي فيما يخالف القياس يحمل على التوقيف في الظاهر لا أننا نقطع بأنه توقيف، إذ لو قطعنا لم يأت فيه خلاف، لنا: وحسن الظن

стр. 1662

بالصحابي واجب لأنه لا يقول ما يخالف القياس إلا لدليل اعتمد عليه، والله تعالى أعلم. قوله: مسألة: مذهب التابعي ليس بحجةٍ عند الأكثر وكذا لو خالف القياس، في ظاهر كلام أحمد (١) وأصحابنا خلافًا لأبي البركات (٢). مذهب التابعي ليس بحجة للتسلسل (٣)، وقيل: بلى؛ كالصحابي، وأما إن خالف القياس فذكر ابن عقيل: أنه ليس بحجة محل وفاق (٤)، وذكر أبو البركات (٥) عن قول الحسن (٦)

стр. 1663

(يَنجُس ماءٌ غَمِسَ فيه يدُ قائمٍ من نوم الليل) (١)، الظاهر أنه توقيف عن صحابي، أو نص (٢)، وقاله عن قول أسد بن وداعة (٣) في التخفيف: بقراءة ﴿يس (١)﴾ (٤) عند المحتضر. وقد احتج أحمد في أقل الحيض بقول عطاء (٥): أقله يوم (٦). قوله: مسألة: الاستحسانُ: هو العدول بحكمِ المسألةِ عن نظائرِها، لدليل شرعي [خاص] (٧). قال في الروضة (٨) عن الاستحسان (٩) له ثلاثة معان:

стр. 1664

أحدها: ما ذكره المصنف (١). والثاني: أنه ما يستحسنه المجتهد بعقله (٢). الثالث: دليلٌ ينقدحُ في نفس المجتهدِ لا يقدر على التعبير عنه (٣)، قال: وهذا هوسٌ؛ فإنه ما لا يُعبِّر عنه، لا يُدرى أهو وهمٌ أم تحقيق؟ فلا لد من إظهاره ليعتبر بادلة الشريعة فلتصححه أو تزيفه انتهى كما في الروضة (٤). وقيل: ترك القياس لقياس أقوى منه (٥)، وأبطله في

стр. 1665

التمهيد (١) وغيره (٢)، بأنه لو تركه لنص [كان] (٣) استحسانًا. وفي مقدمه المجرد: تَرْك قياس لما هو أولى منه، أومأ إليه أحمد (٤)، وذكر الحلواني أنه: القول بأَقوى الدليلين (٥). قالهُ القاضي أيضًا (٦). وقيل: "العدول عن حكمِ الدليلِ إلى العادة لمصلحة الناس، كشرب الماء من السِّقاء ودخول الحمام" (٧). قوله: وقد أطلق أحمدُ والشافعي القول به في مواضع، وقال به الحنفية، وأنكره غيرهم، وهو الأشهر عن الشافعي حتى قال: "من استحسن فقد شرع" (٨).

стр. 1666

قال القاضي يعقوب: "القول بالاستحسان مذهب أحمد، وهو: أن تَتْرُك حكمًا إلى حكمٍ هو أولى منه، وهذا إنما لا ينكر" (١). قلت: وهذا الحد ذكره القاضي في العدة (٢)، وأبطله في التمهيد: بأن القوة للأدلة لا للأحكام (٣)، فمما أطلق الإمام أحمد القول فيه بالاستحسان قوله في رواية الميموني: "أستحسنُ أن يتيمم لكل صلاة، والقياس أنه بمنزلةِ الماءِ حتى يُحدِث أو يَجِدَ الماء" (٤). وقال في رواية بكر بن محمد (٥) -فيمن غصب أرضًا فزرعها-: "الزرع لرب الأرض، وعليه النفقة، وليس هذا بشيء يوافق القياس، ولكن أستحسنُ أن يدفع إليه نفقته" (٦). وقال في رواية صالح (٧) في المضارب إذا خالف

стр. 1667

فاشترى غير ما أمر به صاحب المال: "فالربح لصاحب المال، ولهذا أجرةُ مثله، إلا أن يكون الربح يحيط بأجرة مثله فيذهب، وكنت أذهب إلى أن الربح لصاحب المال ثم استحسنت" (١). وقال الشافعي: "أستحسنُ في المتعة (٢) ثلاثين درهمًا". وثبوت الشفعة إلى ثلاثة أيام (٣)، وترك شيء من الكتابة (٤) له، وأن لا تقطع يُمنى سارق أخرج يَده اليسرى (٥)، فقطعت (٦)، والأشهر عن الشافعي: الإنكار (٧).

стр. 1668

وقال أحمد: الحنفية تقول. "نستحسن هذا، وندعُ القياس فتدع ما نزعمه الحق بالاستحسان، وأنا أذهب إلى كل حديث جاء ولا أقيسُ عليه" (١). قال القاضي: "هذا يدل على إبطاله" (٢)، وقال أبو الخطاب: [إنما] (٣) أنكر استحسانًا بلا دليل، قال: ومعنى: "أذهب إلى ما جاء ولا أقيس" أي: أترك القياس بالخبر وهو الاستحسان بالدليل (٤). قوله: ولا يتحقق استحسان مختلف فيه (٥). لأن الذي عدلنا إليه، إن كان دليلًا شرعيًّا العمل به، وإن عدلنا إلى قياس أقوى من قياس، فلا خلاف أن أقوى القياسين يجب العمل به عند التعارض. وإن قلنا: بأنه ما ينقدح في نفس المجتهد، فإن لم يتحقق كونه دليلا فمردود اتفاقًا، وإن تحقق فمعتبر اتفاقًا (٦)، وإن قلنا:

стр. 1669

أن تعدل عن حكم الدليل إلى العادة، فإن ثبتت العادة في زمن النبي ﷺ فهو ثابت بالسنة أو في زمانهم من غير إنكار فهو إجماع، والا فهو مردود، فظهر بهذا أنه لا يتحقق استحسان مختلف فيه، وإن ثبت فلا دليل عليه (١)، والأصل عدمه، وقوله تعالى: ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ﴾ (٢) ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ (٣) لا نسلم أن هذا مما أنزل فضلًا عن كونه أحسن، ولم يفسر به أحد. وقوله ﷺ : (ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن) (٤) المراد به: الإجماع قطعًا (٥). قوله: مسألة: المصلحة (٦) إنْ شهِد الشرعُ باعتبارها كاقتباس الحكم من معقولِ دليلٍ شرعي فقياس، أو ببطلانها، كتعيين الصوم في كفارة رمضان على الموسر، كالملك ونحوه فلغو (٧).

стр. 1670

المصلحة: جلب مصلحةٍ، أو دفعُ مضرةٍ (١). وهي ثلاثة أقسام: أحدها: ما شهد الشرع باعتبارها، فهذا هو القياس وهو: اقتبَاسُ الحكمِ من معقول دليل شرعي (٢)، كاستفادتنا تحريم شحم الخنزير، من تحريم لحمه المنصوص عليه، وتحريم النبيذ للشدّة من تحريم الخمر. الثاني: ما شهد ببطلانها، ومثاله ما تقدم (٣) نظرًا إلى أن الكفارة وضعت للزجر، ولو أمر بالعتق لسهل عليه ولم يحصل الزجر، فهذا لا خلاف في بطلانه لمخالفة النص، وفتح هذا يؤدي إلى تغيير حدود الشرع (٤). قوله: أو لم يشهد لها ببطلان، ولا اعتبارٍ معينٍ، فهي: إما تحسيني كصيانة المرأة عن مباشرة عقد نكاحها المشعر بما لا يليق بالمروءة بتولي الولي ذلك، أو حاجيٌّ، أي: في رتبة الحاجة، كتسليط الولي على تزويج الصغيرة لحاجةِ تقييد الكفؤ خيفة فواته، ولا يصح التمسك بمجرد هذين من غير أصل (٥).

стр. 1671

القسم الثالث: من أقسام المصلحة: ما لم يشهد لها الشرع ببطلان ولا اعتبار. وهو على ثلاثة أضرب: أحدهما: تحسيني يعني يقع موقع التحسين والتزيين، ورعاية حسن المناهج، ومثاله: ما تقدم، فإن مباشرة المرأة نكاح نفسها مشعر بتوقان نفسها إلى الرجال، ولا يليق ذلك بالمروءة، فَفَوّض ذلك إلى الوليّ، حملًا للخلق على أحسن المناهج (١). الضرب الثاني: حاجى ومثاله ما تقدم (٢)، وهذان الضربان لا يجوز التمسك بهما من غير أصل. قال في الروضة: لا نعلم فيه خلافًا لأنه لو جاز ذلك كان وضعًا للشرع بالرأي، ولما احتجنا إلى بعثة الرسل، ولكان العامي يساوى العالم في ذلك، فإن كل أحد يعرف مصلحته (٣). قوله: أو ضروري: وهو ما عُرف التفاتُ الشارع إليه كحفظ الدّين بقتل المرتد والداعيةِ، والعقل بحد المسكرِ، والنفسِ بالقصاصِ، والنسب والعرض بحد الزنا، والقذف، والمال بقطع السارق، فليس بحجة، خلافًا لمالك وبعض الشافعية (٤). الضرب الثالث: الضروري (٥)، وهو: ما عرف التفات

стр. 1672

الشرع إليه والضروريات خمسة: أن يحفظ عليهم دينهم، وأنفسهم، وعقلهم، ونسبهم، ومالهم، فقضى الشرع بقتل المرتدّ، وعقوبة المبتدع الداعي إلى البدع، صيانة لدينهم، وقضاؤه بالقصاص حفظًا للنفوس، وبحدّ الشربِ، حفظًا للعقول، وبحدّ الزنا، حفظًا للنسل والنسب، وبقَطْع السارق حِفظًا للأموال، فتفويتُ هذهِ الأصول الخمسة، والزجر عنها مستحيل (١). فذهب مالك (٢) وبعض الشافعية (٣) إلى أن هذه المصالح حجة (٤)، لأنا قد علمنا أن ذلك من مقاصد الشرع، وكون هذه المعاني مقصودة عرف بأدلةٍ كثيرة لا حصر لها من الكتاب والسنة، وقرائن الأحوال، فَيسمّى ذلك مصلحة مرسلة ولا نسميه قياسًا؛ لأن القياس يرجع إلى أصل معيَّن. والصحيح أن ذلك ليس بحجة (٥) لأنه ما عرف من الشارع

стр. 1673

المحافظة على الدماء بكل طريق، ولذلك لم يشرع المثلة (١) -وإن كانت أبلغ في الردع والزجر- ولم يشرع القتل في السرقة، وشرب الخمر. فإذا أثبتنا حكمًا لمصلحة من هذه المصالح لم يعلم أن الشرعَ حافظَ على تلك المصلحة، لإثبات ذلك الحكم، كان وضعًا للشرع بالرأي، وحكمًا بالعقل المجرد، كما حكي أن مالكًا قال: "يجوز قتل الثلث من الخلق لاستصلاح الثلثين" (٢)، ولا نعلم أن الشرع حافظ على مصلحتهم، فهذا الطريق قد يستوي مثله (٣). [تقسيمات الاجتهاد] قوله: الاجتهادُ لغة: بذل الجُهد في فعل شاق، واصطلاحًا: بذل الجهد في تعرف الحكم الشرعي (٤).

стр. 1674

الاجتهاد: افتعال من الجهد -وهو بضم الجيم وفتحها- الطاقة، وبفتحها فقط المشقة، فهو في اللّغة (١): بذل الجهد -يعني الطاقة- في فعل شاقٍّ كما يقال: اجتهد الرجل في حمل الرَّحى، ونحوها من الأشياء الثقيلة، ولا يقال: اجتهدَ في حمل خردلةً (٢)، ونحوها من الأشياء الخفيفة. واصطلاحًا: بذل الجهد في تعرف الحكم الشرعي، وهو معنى قوله في الروضة: بذل المجهود في العلم بأحكام الشرع (٣). وقال الآمدي: "هو استفراغُ الوسع في طلبِ الظّنّ بشيء من الأحكام الشرعية على وجه يُحَسُّ من النفس العجز عن المزيد عليه" (٤). وقال القرافي: "هو استفراغُ الوسع في المطلوب لغة، واستفراغُ الوسعِ في النظرِ فيما يلحق فيه لوم شرعي اصطلاحًا" (٥). وكل ذلك متقارب (٦).

стр. 1675

[شروط المجتهد] قوله: وشرط المجتهد إحاطته بمدارك الأحكام، وهي الأصول المتقدمة وما يعتبر للحكم في الجملة كميَّةً وكيفيّة (١). مدارك الأحكام: طرقها التي تُدرك منها، ويتوصّل بها إليها والأصول المتقدمة هي الكتابُ، والسنةُ، والإجماعُ، والقياسُ، والاستصحابُ، وشرع من قبلنا، والاستقراءُ، ومذهب الصحابِيّ، والاستحسانُ، والمصلحةُ، على ما مر من ذكر الخلاف في بعضها، وما يعتبر للحكم في الجملةِ، كميَّة، أي: من حيث كميّتَه، ومقداره كعدد الآي من القرآن، وكيفيّة، أي: من حيث الكيفية، كتقديم ما يجب تقديمه، وتأخير ما يجبُ تأخيره، لأن علم ذلك آلةُ المجتهد في استخراج الحكم (٢)، فاشترط كالإلغاء للإثبات. تنبيه: الكميَّة بتشديد الميم، والله تعالى أعلم. قوله: فالواجبُ عليه من الكتاب معرفة ما يتعلق بالأحكام منه، وهي قدر خمسمائة (٣) آية، بحيث يمكنه استحضارها

стр. 1676

للاحتجاج بها لا حفظها (١). لأن المقصود إثبات الحكم بدليله، واستحضار آيات الأحكام حال الاحتجاج كاف وإن لم يحفظها. وكذلك من السنة (٢). كذلك يجب عليه من السنة معرفة الأحاديث المتعلقة بالأحكام، بحيث يمكنه استحضارها للاحتجاج، ولا يجب عليه حفظها كما مر في الكتاب (٣). قوله: هكذا ذكره غير واحد لكن نقل القيرواني (٤) في

стр. 1677

المستوعب (١) عن الشافعي: أنه يشترط في المجتهد حفظ جميع القرآن ومال إليه أبو العباس (٢) (٣). الأول: قاله الغزالي (٤) وغيره (٥). والثاني: نقله ابن عقيل في الواضح عن كثير من العلماء (٦). فمن قال بالأول: نظر إلى ما قصد منه ببيان الأحكام دون ما استفيدت منه ولم يقصد ببيانها. ومن قال بالثاني: نظر إلى أن أحكام الشرع كما تستنبط من الأوامر والنواهي كذلك تستنبط من الأقاصيص والمواعظ ونحوها، فقلَّ أن يوجد في القرآن آية إلا ويستنبط منها شيء من الأحكام (٧)، ومن أراد تحقيق ذلك فلينظر في كتاب أدلة الأحكام

стр. 1678

للشيخ عز الدين بن عبد السلام (١)، والسنة كالقرآن في ذلك، فإنه قلَّ حديث يخلو عن الدلالة على حكم شرعي (٢). قوله: ومعرفة صحة الحديث؛ اجتهاد كعلمِهِ بصحةِ مخرجهِ، وعدالة رواته، أو تقليدًا كنقله من كتاب صحيح، ارتضى الأئمة رواته (٣). ويشترط معرفة صحة الحديث، إما اجتهادًا إذا كان له من الأهليةِ والقوةِ في علم الحديث ما يقتضي ذلك، كعلمه بصحة مخرجه، أي: طريقه بالذي يثبت به وعدالةَ رواتهِ، وضبطهم، وغير ذلك من شروط قبوله، وموجبات رده. أو تقليد الغير إِنْ لم يكن له أهلية، كذلك كنقله من كتاب صحيح ارتضى الأئمة رواته، كصحيح البخاري ومسلم ونحوهما، لأن ظن الصِّحة يحصلُ بذلك وهو المقصود (٤). والناسخ والمنسوخ (٥). أي: ويشترط معرفة الناسخ والمنسوخ من الكتاب والسنة، لأنه إذا لم يعرف ذلك ربما عمل بالمنسوخ وقد بطل حكمهُ (٦).

стр. 1679

قوله: ومن الإجماع ما تقدم فيه (١). وفي باب الإجماع من كونه حجة، وكون المعتبر فيه اتفاق المجتهدين، ونحو ذلك، من مسائله (٢). قوله: ومن النحو واللغة ما يكفيه؛ فيما يتعلق بالكتاب والسنة، من نص، وظاهر، ومجمل، وحقيقة، ومجاز، عام، وخاص، ومطلق، ومقيد (٣). ويشترط للمجتهد أيضًا أن يَعرف من النحو واللغة ما يكفيه فيما يتعلق بالكتاب والسنة مما تقدم ذكره، لأن بعض الأحكام تتعلق بذلك (٤)، ويتوقف عليه توقفًا ضروريًّا كقوله : ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ (٥) يختلفُ الحكم برفع الجروح ونصبها كما سبق في أن شرع من قبلنا هل هو شرع لنا (٦)؟ ولا يشترط أن يكون في اللغة

стр. 1680

كالأصمعي (١) ولا في النحو والتصريف كسيبويه (٢) بل يكفي بما ذكر. قوله: لا تفاريع الفقه وعلم الكلام (٣). أي: لا يشترط معرفة تفاريع (٤) الفقه، لأنها من فروع الاجتهاد التي ولَّدها المجتهدون بعد حيازة منصبه، فلو اشترطت معرفتها في الاجتهاد، لزم الدور؛ لتوقف الأصل الذي هو الاجتهاد على الفرع الذي هو تفاريع الفقه.

стр. 1681

ولا يشترط له أيضًا معرفة علم الكلام (١) لأنه قد صح عن العلماء ذمه والتنفير عنه كما قد ورد ذلك عن الشافعى (٢) وغيره، ولو كان شرطًا للاجتهاد لما ذم (٣). قوله: ولا يشترط عدالته في اجتهاده بل في قبول فتياه وخبره (٤). لا يشترط في صحة الاجتهاد، أن يكون عدلًا (٥)، بل من حصل الشروط المتقدمة كان مجتهدًا، وإن لم يكن عدلًا (٦) نحو: لو أفتى فتيا أو أخبر خبرًا لا نقبله منه، إن لم يكن عدلًا لأنه غير مأمون حينئذٍ، فلا يلزمُ العمل بفتياهُ ولا خبرُه، بل هو يلزمه العمل بما أداه إليه اجتهاده.

стр. 1682

[تجزؤ الاجتهاد] قوله: مسألة: يتجزأ الاجتهاد عند الأكثر (١)، وقيل: في باب لا مسألة (٢). لنا: من اطلع على أدلة مسألةٍ كغيره فيها ظاهرًا، واحتمالُ تعلّق ما لم يعلمه بها بعيد، كمسائل الطهارة والزكاة بالنسبة إلى الفرائض، فلا يضرّ كخفاءِ بعضها عن مجتهد مطلق (٣). يقول المانع (٤): يحتمل أن يكون فيما لم يعلمه من الأدلة معارض لما علمه بخلاف من اطلعه وقول من أجازه

стр. 1683

في باب لا مسألة، لأن الباب كله مرتبط بمسائله، بخلاف من حصل مسألة فقط، فإنه يحتمل أن يكون في باقي مسائل الباب ما هو متعلق بتلك المسألة، ومعارض لها من جهة الدليل فلا يجوز (١). فالمُرجَّح الأول. قوله: يجوز التعبد بالاجتهاد في زمن النبي ﷺ عقلًا عند الأكثر خلافًا لأبي الخطاب (٢)، وفي جوازه شرعًا أقوال ثالثها: يجوز بإذنه، ورابعها: لمن بَعُد (٣). أما جوازه عقلًا: فلأنا لو فرضنا أن الله تعالى [تَعبَّده] (٤) بذلك وقال له: حُكمِي عليكَ أن تجتهد وتقيس لم يلزمْ عن ذلك لذاته محالٌ، ولا معنى للجواز العقلي سوى ذلك (٥). وأما جوازه شرعًا (٦) فلا شك أنّ وقوعه بحضرة النبي ﷺ وإقراره له، دليل على جوازه، لا سيما وقد أمرَ به كما يأتي: فَمِن ذلك أنّ أبا قتادة (٧) قال للنبي ﷺ : (إنّه قتلَ رجلًا)،

стр. 1684

فقال رجل: صدَقَ، وَسَلَبه عندي فأرضِه من حقه، فقال أبو بكر (١) ﵁: لا ها الله إذًا؛ لا يعمد إلى أَسَد من أُسْدِ الله يقاتل عنِ الله ورسوله فيعطيك سلبه. فقال: (صدق) متفق عليه (٢). والمعروف لغة: لا ها الله ذا، أي: يميني (٣). ونزل بنو قريظة (٤) على حكم سعد بن معاذ. فأرسل النبي ﷺ إليه فجاء، فقال: (نَزَل هؤلاء على حكمك). قال: فإني أحكم بقتل مقاتلتهم وسبى ذراريهم، فقال: (قضيتَ بحكم الله) متفق عليه (٥).

стр. 1685

وجاء ﷺ رجلان، فقال لعمرو بن العاص (١): (اقض بينهما)، قال: وأنت هنا يا رسول الله؟ ! ، قال: (نعم). رواه الدارقطني من رواية فرح بن فضالة (٢) ضعّفه الأكثر (٣) ورواه أحمد أيضًا (٤). وله أنه ﷺ : أمر معقل بن يسار (٥) أن يقضي بين قوم.
следующие страницы →