← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 127717

شرح مختصر أصول الفقه للجراعي

الجراعي

Полный текст (1 782 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.

стр. 1681

ولا يشترط له أيضًا معرفة علم الكلام (١) لأنه قد صح عن العلماء ذمه والتنفير عنه كما قد ورد ذلك عن الشافعى (٢) وغيره، ولو كان شرطًا للاجتهاد لما ذم (٣). قوله: ولا يشترط عدالته في اجتهاده بل في قبول فتياه وخبره (٤). لا يشترط في صحة الاجتهاد، أن يكون عدلًا (٥)، بل من حصل الشروط المتقدمة كان مجتهدًا، وإن لم يكن عدلًا (٦) نحو: لو أفتى فتيا أو أخبر خبرًا لا نقبله منه، إن لم يكن عدلًا لأنه غير مأمون حينئذٍ، فلا يلزمُ العمل بفتياهُ ولا خبرُه، بل هو يلزمه العمل بما أداه إليه اجتهاده.

стр. 1682

[تجزؤ الاجتهاد] قوله: مسألة: يتجزأ الاجتهاد عند الأكثر (١)، وقيل: في باب لا مسألة (٢). لنا: من اطلع على أدلة مسألةٍ كغيره فيها ظاهرًا، واحتمالُ تعلّق ما لم يعلمه بها بعيد، كمسائل الطهارة والزكاة بالنسبة إلى الفرائض، فلا يضرّ كخفاءِ بعضها عن مجتهد مطلق (٣). يقول المانع (٤): يحتمل أن يكون فيما لم يعلمه من الأدلة معارض لما علمه بخلاف من اطلعه وقول من أجازه

стр. 1683

في باب لا مسألة، لأن الباب كله مرتبط بمسائله، بخلاف من حصل مسألة فقط، فإنه يحتمل أن يكون في باقي مسائل الباب ما هو متعلق بتلك المسألة، ومعارض لها من جهة الدليل فلا يجوز (١). فالمُرجَّح الأول. قوله: يجوز التعبد بالاجتهاد في زمن النبي ﷺ عقلًا عند الأكثر خلافًا لأبي الخطاب (٢)، وفي جوازه شرعًا أقوال ثالثها: يجوز بإذنه، ورابعها: لمن بَعُد (٣). أما جوازه عقلًا: فلأنا لو فرضنا أن الله تعالى [تَعبَّده] (٤) بذلك وقال له: حُكمِي عليكَ أن تجتهد وتقيس لم يلزمْ عن ذلك لذاته محالٌ، ولا معنى للجواز العقلي سوى ذلك (٥). وأما جوازه شرعًا (٦) فلا شك أنّ وقوعه بحضرة النبي ﷺ وإقراره له، دليل على جوازه، لا سيما وقد أمرَ به كما يأتي: فَمِن ذلك أنّ أبا قتادة (٧) قال للنبي ﷺ : (إنّه قتلَ رجلًا)،

стр. 1684

فقال رجل: صدَقَ، وَسَلَبه عندي فأرضِه من حقه، فقال أبو بكر (١) ﵁: لا ها الله إذًا؛ لا يعمد إلى أَسَد من أُسْدِ الله يقاتل عنِ الله ورسوله فيعطيك سلبه. فقال: (صدق) متفق عليه (٢). والمعروف لغة: لا ها الله ذا، أي: يميني (٣). ونزل بنو قريظة (٤) على حكم سعد بن معاذ. فأرسل النبي ﷺ إليه فجاء، فقال: (نَزَل هؤلاء على حكمك). قال: فإني أحكم بقتل مقاتلتهم وسبى ذراريهم، فقال: (قضيتَ بحكم الله) متفق عليه (٥).

стр. 1685

وجاء ﷺ رجلان، فقال لعمرو بن العاص (١): (اقض بينهما)، قال: وأنت هنا يا رسول الله؟ ! ، قال: (نعم). رواه الدارقطني من رواية فرح بن فضالة (٢) ضعّفه الأكثر (٣) ورواه أحمد أيضًا (٤). وله أنه ﷺ : أمر معقل بن يسار (٥) أن يقضي بين قوم.

стр. 1686

ولأبي داود (١) وابن ماجة (٢) والترمذي وحسنه (٣): أنه بعث إلى اليمن (٤) قاضيًا (٥). وسبق خَبَر معاذ (٦). ووجه الثاني: وهو المنع مطلقًا (٧). أنَّ المجتهد قادر على

стр. 1687

اليقين، بمراجعة النبي ﷺ ، بخلاف ما إذا عمل باجتهاده فإنه عمل بالظن، والعدول عن اليقين إلى الظن غير جائز لأنه تهاون بالأحكام. ووجه الثالث: أنه إذا أذن له في ذلك فقد زال الحرج عنه (١). ووجه الرابع: أن البعيد لو أخّر الحادثة إلى لقائِه لفاتت المصلحة بخلاف القريب (٢). قوله: مسأله: يجوز اجتهاد النبي ﷺ في أمر الشرع عقلًا عند الأكثر (٣). لأنه إذا جاز الاجتهاد لغير النبي ﷺ عقلًا فالنبي ﷺ من باب أولى (٤).

стр. 1688

قوله: وأما شرعًا فأكثر أصحابنا على جوازه ووقوعه (١). خلافًا: لأبي حفص العكبرى (٢)، وابن حامد (٣) وجوزَه القاضي في أمر الشرع فقط (٤). ووجه الأول: [لا] (٥) يلزم منه مُحال، والأصل مشاركته لأمته، وظاهر قوله: ﴿فَاعْتَبِرُوا﴾ (٦) ﴿وَشَاوِرْهُمْ﴾ (٧) وطريقُ المشاورةِ الاجتهاد.

стр. 1689

وفي مسلم: أنه استشار في أسرى بدر فأشار أبو بكر ﵁: بالفداء فأعجبه، وعمرُ ﵁ بالقتل. فجاءَ عمر من الغد وهما يَبكيان، وقال النبي ﷺ : (أبكى للذي عرض عليَّ أصحابك من أخذهم الفداء) (١)، فأنزل الله ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى﴾ (٢) الآية. وأيضًا: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ (٣). قال في الفنون: "وهو من أعظم دليل لرسالته؛ إذ لو كان من عنده سَتَر على نفسِه أو صوّبه لمصلحةٍ يدَّعِيها، فصار رتبة

стр. 1690

لهذا المعنى، كَسَلْبِه الخط" (١). وفي الصحيحين: (لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي) (٢). وإنما يكون ذلك فيما لم يوح (٣). ووجه الثاني (٤): قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣)﴾ (٥). أجيب: ردّ على منكري القرآن. ولأنه: لو كان مأمورًا به لأجاب عن كل واقعة (٦)، ولما انتظر الوحي، ولنقل ذلك واستفاض.

стр. 1691

رد: لجواز وحي، واستفراغ وسعه فيه أو تعذره، وأما الاستفاضة فلعله لم يطلع عليه الناس (١). ووجه قول القاضي: أن الذي تقدم غالبه في أمر الحرب (٢). وأيضًا: فإنه لما نزل ببدر للحرب قال له الحباب (٣) "إن كان بوحي فسمعًا وطاعة، وإن كان باجتهاد فليس هذا هو الرأي قال: بل باجتهاد؛ ورحل" (٤). ولما أراد صلح الأحزاب على شطر نخل المدينة وكتب

стр. 1692

بعض الكتاب بذلك جاء سعد بن معاذ وسعد بن عبادة (١) فقالا له مثل ما قاله الحباب، قال: "بل هو رأي رأيته لكم". فقالا: ليس ذلك برأي، فرجع إلى قولهما (٢). قولى: والحق أن اجتهاده ﵇ لا يخطئ (٣). تنزيه لمنصب النبوة عن الخطأ في الاجتهاد (٤)، وقيل: قد يخطئ؛ ولكنه ينبه عليه سريعًا (٥) كما تقدم، ولشناعة هذا القول

стр. 1693

عبَّر عنه المصنف بالحق، وعبَّر التاج السبكي (١) بالصواب وكذلك البيضاوي (٢)، وهو خير من قول ابن الحاجب: لا يقر على خطأ (٣). قوله: مسألة: الإجماعُ على أن المصيبَ في العقليات [واحد] (٤)، وأنّ النافي ملةَ الإسلام مخطئ، آثم كافرٌ، اجتهد أو لم يجتهد، وقال الجاحظ: لا إثم على المجتهد بخلاف المعاند، وزاد العنبري: كل مجتهد في العقليات مُصيب (٥). المسائل قسمان: عقليةٌ، وغير عقلية. أما العقلية (٦): فالمصيب فيها واحد (٧)، ومن لم يُصادِف الواقع فهو آثم، وإن بالغ في النظر، سواء كان مدركه عقليًّا،

стр. 1694

كحدوث العالم وخلق الأفعال، أو شرعيًّا كعذاب القبر، أما نافي الإسلام كاليهود والنّصارى فهم مخطئون آثمون كافرون، سواء اجتهدوا أو لا (١). وقال الجاحظ (٢) "لا إثم على المجتهد مع أنه مخطئ وتجري عليه في الدنيا أحكام بخلاف المعاند فإنه آثم" (٣)، وإليه ذهب عبيد الله بن الحسين العنبري (٤) الإمام المشهور. وقاله بعض علمائنا (٥): وذكر الآمدي. أنه معتزلي، وزاد العنبري أن كل

стр. 1695

مجتهد في العقليات مصيب، فإن أراد مطابقة الاعتقاد للمعتقد (١)، فجمع بين النقيضين؛ كحدوث العالم وقدمه، ولا يريده عاقل، وإن أراد عدم الإثم فمحتمل (٢). ثم اختلف النقل عن الجاحظ والعنبري منهم من أطلق ذلك فيشمل سائر الكفار والضُّلَّال ومنهم من شرط الإسلام وهذا هو اللائق بهما (٣). لنا: إجماع المسلمين قبل ظهور المخالف على قتل الكفار وقتالهم، وعلى أنهم من أهل النار يدعونهم بذلك إلى النجاة (٤)، ولا يفرقون بين معاند ومجتهد، وليس تكليفهم نقيض اجتهادهم بحال، بل ممكن، غايته منافٍ لما تعوَّدوه (٥). [المسألة الظنية] قوله: مسألة: المسألة الظنية الحق فيها -عند الله- واحد، وعليه دليل فمن أصابه فمصيب وإلا فمخطئ مثاب عليه على اجتهاده عند الأكثر (٦)، لنا (٧): ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ (٨) فتخصيصه دليل اتحاد الحق

стр. 1696

وإصابته. ولا نص وإلا لما اختلفا، أو ذكر فنقل، ولأنه ورث النبوة بعده (١). وأيضًا قوله ﷺ : (إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإن أخطأ فله أجر) (٢)، وقال الأشعري (٣)

стр. 1697

والقاضي أبو بكر (١) وأبو يوسف (٢) ومحمد بن الحسن (٣) وابن سريج (٤) "كل مجتهد مصيب" (٥).

стр. 1698

اختلفوا؛ فقال الأوّلان (١): حكم الله تعالى تابع لظنّ المجتهد، فما ظنّه كان حكم الله في حقه (٢).

стр. 1699

وقال الباقون (١): مقالة تسمى بالأشبه (٢)، ثم القائلون بالأشبه (٣)؛ يعبرون عنه بأن المجتهد: مُصيبٌ في اجتهاده؛ مخطئ في الحكم. أي: إذا صادف خلاف ما لو حكم لم يحكم إلا به، وربما قالوا: مخطئ انتهاءً لا ابتداءً. والجمهور على الأول وهو: أن المصيب واحد (٤). ثم اختلفوا (٥): هل عليه أمارة أم هو كدفين (٦) يصيبه من شاء الله ويخطئه من شاء؟ والصحيح: أنَّ عليه أمارة (٧)، وإذا

стр. 1700

قلنا: بأن عليه أمارة، فهل المجتهد مكلف بإصالة الحق أو لا؟ لأنَّ الإصابة ليست في وسعه، والصحيح الأول، فإذا قلنا: إنه مكلَّفٌ بالإصابة فهل يأثم إذا أخطأ أم له أجر؟ والصحيح: عدم الإثم كما تقدم (١). قوله: مسألة: تعادل دليلين قطعيين محال اتفاقًا. (٢) التعادل بين القطعيين ممتنع عقليَّين [كانا أم نقليَّين] (٣) لاستلزام كل منهما نقيض الآخر (٤). قوله: وكذا [ظنيَّين] (٥) فيجتهد ويقف إلى أن يتبيَّنه، عند أصحابنا، وأكثر الشافعية. وقال قوم، وحُكي روايةً عن أحمد: يجوز تعادُلهما، فعليه يُخيَّر في الأخذِ بأيهما شاء (٦). أمَّا تقابل الإمارات الظنيَّة وتعادلهما (٧) فمحال عند أحمد (٨)،

стр. 1701

والكرخي (١)، وجماعة من الشافعية (٢)، لأنه يقتضي التخيير بين الحكمين، والإجماع على بطلانه فعلى هذا لا تعارض في أدلَّة الشرع مرَّ عند الشيخ (٣)، وإنما هذا لعجز المجتهد فيلزمه التوقف إلى أن يتبيَّن له الترجيح (٤). لأنه لا يمكنه العمل بهما جميعًا، لأنه (٥) يقتضي الجمع بين النقيضين النفي والإثبات، والتحليل والتحريم، وهو باطل، وإن عمل بأحدهما دون الآخر فهو ترجيح بدون مرجح فتعيَّن الوقف إلى ظهور جواز التعادل يُخير في الأخذ بأيهما شاء (٦). لأن (٧) التوقف إمَّا أن يكون لا إلى غاية أو إلى غاية،

стр. 1702

والأوَّل: باطل؛ لأنه تعطيل للواقعة عن حكم، وربما لم يكن الحكم قابلًا للتأخير. والثاني: أيضًا باطل؛ لأنَّ غاية التوقف إما مجهولةٌ أو معلومة، والأوَّل: ممتنع، لأنه يوقع الجهالة في أحكام الشرع، وليس شأنها ذلك، والثاني باطل أيضًا، لأن ظهور المرجح ليس إلى المجتهد، فلا يصح أن تكون غاية التوقف معلومة، وإذا انتفى التوقف إلى غاية وإلى غير غاية تعيَّن التخيير، وهو: أن يعمل بأيِّ الدليلين شاء. وأيضًا: فإن الشرع قد ورد بالتخيير فينبغي أن لا يكون ممتنعًا ها هنا. أَما ورود الشرع به ففي صور: منها: المزكِّي إذا كان عنده مئتان من الإبل، فإنه يُخيَّر بين أن يُخرج عنها أربع حِقاق، أو خمس بنات لبون (١)، ومنها: خصال الكفارة، فإنه يُخيَّر بين العتق والإطعام والكسوة (٢). وقد يجاب عن الأول: بأن التوقف إنما هو لِيتبيَّن له المرجِّح ولا يلزم منه جواز التخيير، وعن الباقي بأن التخيير في الصورة المذكورة قام دليله شرعًا بخلاف التخيير في محل النزاع

стр. 1703

فإنه لم يقم دليله شرعًا (١). قوله: مسألة: ليس للمجتهد أن يقول في شيء واحد، في وقت واحد قولين متضادَّيْن عند عامة العلماء (٢). ونُقل عن الشافعي أنه ذكر في سبع عشرة مسألة فيها قولان. واعتُذِر عنه بأعذار فيها نظر (٣). أما كونه ليس ذلك فلأن اعتقادهما محال (٤)، وأما الذي نقل عن الشافعي فمنه قوله في المسترسل من اللحية قولان: وجوب الغسل وعدمه (٥)، واعتذر عنه بأشياء، منها أنه قيل: المراد للعلماء. ورُدَّ: حكاهما على أنه قوله، ولهذا ذكرها أصحابه له، واختلفوا في المختار. وقيل: معنى القولين التخيير بين الحكمين أو الشك. رد: التخيير قوله واحد، والشك ليس قولًا.

стр. 1704

وقيل: تعارض عنده الدليلان فقال بمقتضاهما على شريطة الترجيح (١). أمَّا لو أطلق وبيَّن قوله منها -كما فعله الإمام أحمد- جاز (٢)، لأنه قال في رواية أبي الحارث: "إذا أخَّرَت المرأة الصلاة إلى آخر وقتها، فحاضت قَبْل خروج الوقت، ففيه قولان: أحد القولين: لا قضاءَ عليها، لأنَّ لها أن تُؤخِّر إلى آخر الوقت. والقول الآخر: أنَّ الصلاة قد وجبت عليها بدخول الوقت فعليها القضاء. وهو أعجب القولين إليَّ" (٣)؛ ذكره أبو بكر (٤) في: "زاد المسافر" (٥) قال عبد العزيز: وبهذا أقول (٦)، يعني وجوب القضاء عليها. قوله: وإذا نصَّ المجتهد على حُكمَين مُختلفين في مسألة في

стр. 1705

وقتين، فمذهَبه آخرُهما -إِنْ عُلِم التاريخ- وإلا فأشبههما بأصوله وقواعِدِ مذهبه، وأقربُهما إلى الدليل الشرعي، وقيل: كلاهما مذهب له، وفيه نظر (١). إذا نصّ المجتهد على حكمين مختلفين في مسألة في وقتين -كالقولين للشافعي والروايتين لأحمد- فإن عُلِم التاريخ، فالثاني مذهبه، وهو ناسخ للأول، اختاره في التمهيد (٢)، والروضة (٣)، والعدة (٤)، وذكره ظاهر كلام أحمد: الخلَّال (٥) وصاحبه (٦) كَنَصَّيْن، ولأنه الظاهر. قال أحمد: "إذا رأيت ما هو أقوى أخذت به وتركت القول الأول" (٧)، فمن ذلك قوله -في المتيمم يجد الماء في الصلاة-: "كنت أقول: يمضي في صلاته ثم تدبرت فإذا أكثر الأحاديث على أن يخرج" (٨). وقوله: "كنت أقول: من قال بخلق القرآن لا يكفر، ثم نظرت فإذا القرآن من علم الله، ومن زعم أن علم الله مخلوق

стр. 1706

فهو كافر" (١) وجزم بهذا القول الآمدي (٢) وغيره (٣). وقيل: الأول مذهبه أيضًا (٤)، اختاره ابن حامد (٥) وغيره (٦)، لأن الاجتهاد لا يُنْقَض بالاجتهاد (٧)، وفيه نظر. لأنه إن أراد أنه تجوز الفتيا والعمل بكل واحد منهما فممنوع، لاستلزامه كون الشيء الواحد حرامًا لا حرامًا في حال واحد، وذلك محالٌ لأنه جمع بين النقيضين. وإن أراد أن ما حصل بالأول من حكم وعبادة لا يبطل فليس بمحل النزاع، إذ الخلاف إنما هو فيما إذا تغير اجتهاده. هل يبقى الأول مذهبًا له أم لا؟ وقد بيّنا أنه لا يبقى مذهبًا له (٨)، والله تعالى أعلم. وإنْ جَهِل التاريخ فمذهبه أقربهما إلى كتابٍ، أو سنةٍ،

стр. 1707

أو إجماعٍ، أو أثرٍ، أو قواعدَ الإمام، أو عوائده، ومقاصده، وأصوله، وتصرفاته لمذهبه، لأنه إذًا يكون بأحد الحكمين معنى من هذه المعاني اقتضى رجحانه، والأخذ بالراجح متعين، كما إذا ترجَّح أحد النصين الشرعيين بأحد مرجحاته (١). قوله: مسألة: مذهب الإنسان ما قاله أو ما جرى مجراه من تنبيه أو غيره، وإلا لم تجز نسبته إليه، ولنا. وجهان في جواز نسبته إليه من جهة القياس، أو فعله، أو المفهوم (٢). إذا قال الإنسان شيئًا فهو مذهبٌ له، وكذلك ما جرى مجرى قوله مما دل سياق كلامه عليه [وقوّته] (٣) وإيمائه وتنبيهه (٤)، كقول أحمد -في العراة-: فيهم اختلاف إلا أن إمامهم يقوم وسطهم (٥)، وعاب على من قال: يقعد الإمام، فدلَّ على أن مذهبه أن الإمام العريان يصلي قائمًا، وإن لم يقله ولا جرى مجرى قوله، لم يجز نسبته إليه. ثم إن قِيس على كلامه فهل هو مذهب له؟ كما اختاره

стр. 1708

الأثرم (١)، والحربي (٢)، وابن حامد (٣)، أم لا كما اختاره الخلّال وصاحبه (٤) وجهان (٥). وكذا إن فعل شيئًا فهل هو مذهبه؟ كما اختاره ابن حامد (٦) وأكثر الأصحاب (٧)، لأن العلماء ورثة الأنبياء في العلم والتبليغ والهداية والاتباع، فلا يجوز أن يأتي بما لا دليل له عنده حذرًا

стр. 1709

من الضلال والإضلال، سِيَّما مع الدِّين والورع، وترك الشبهة، أو: لا يجوز ذلك عليه سهوًا أو نسيانًا أو جهلًا أو تهاونًا، فإن ذلك جائز عليه لعدم الوحي بعد النبي ﷺ في المسألة (١) - وجهان. وكذا إذا فهم من كلامه شيء فهل هو مذهب له؟ كما اختاره الخرقي (٢) وابن حامد (٣) وإبراهيم الحربي (٤)، لأن التخصيص من الأئمة لا يكون إلا لفائدة، وليس هنا سوى اختصاص محل النطق بالحكم المنطوق [به، وإلا كان تخصيصه به عبثًا ولغوًا. والثاني لا] (٥) اختاره أبو بكر بن جعفر (٦)، لأنَّ كلامه قد يكون خاص بسؤال سائل أو حالة خرج الكلام له مخرج الغالب فلا يكون مفهومه بخلافه في المسألة (٧) - وجهان. قوله: مسألة: لا يُنْقَض الحكم في الاجتهاديَّات منه ولا من غيره اتفاقًا، للتسلسل (٨).

стр. 1710

إذا اجتهد في مسألة من مسائل الاجتهاد، فأدَّاه اجتهاده إلى شيء، ثم بعد ذلك اجتهد فأدَّاه اجتهاده إلى غير الأول، فإن الأول لا ينقض بالثاني (١) -سواء كان الأول منه أو من غيره- لأن الاجتهاد لا يُنْقض بالاجتهاد (٢)، ولأننا إذا نقضنا الأول بالثاني، قد يَنْتقض الثاني بالثالث، والثالث بالرابع وهلم جرَّا فيتسلسل الأمر ولا يوثق باجتهاد، وتفوت مصلحة نصب الحاكم، وهو فصل الخصومات (٣). هذا ما لم يكن مخالفًا لقاطع، فإن خالف قاطعًا فإنه ينقض اتفاقًا (٤).

стр. 1711

قوله: مسألة: وحكمه بخلاف اجتهاده باطل ولو قلد غيره، وذكره الآمدي (١) اتفاقًا. وفي إرشاد ابن أبي موسى: لا (٢). لأن المجتهد إذا أدَّاه اجتهاده إلى شيء لزمه العمل به، فإذا حكم بخلافه فقدحكم بشيء يعتقد بطلانه فكان باطلًا سواء قلد غيره أو لا (٣). وقال ابن أبي موسى في الإرشاد: "والمدلول على ضربين ... إلى أن قال: وما كان منها مختلفًا في تأويله لزم العمل فيه بما دلَّت الدلالة على صحته وأدَّان لله تعالى بأنَّ الحقَّ فيه، ولا يَسعه العدول عنه إلى غيره، ولا أن يحكم [بخلافه] (٤)، وإن كان مذهبًا لغيره؛ لأنه يرى أنّه غيرُ صحيح، ويعتقد أن الحق [في سواه] (٤)، ومتى فعل ذلك [كان عاصيًا] (٤) عادلًا عن الحق، آثمًا مستحقًا للوعيد، وإن [كنّا] (٤) لا ننقض [حكمه] (٤) كما ننقضه إذا خالف المنصوصات، لوجود الخلاف في المدلولات، غير أن الله أتعالى يعلم فيه، (٤) أنه اتبع الهوى، وحكم بما يرى أن الحق في غيره (٥). قوله: مسألة: إذا نكح مقلِّدٌ بفتوى مجتهد، ثم تغير اجتهاد مقلِّدِه لم تحرم عند أبي الخطاب (٦) والمقدسي (٧) خلافًا لقوم (٨).

стр. 1712

أمَّا عدم التحريم فلأن عمله بفتواه كالحكم (١) وعند الشافعية (٢)، وبعض علمائنا (٣) يَحرُم كالتقليد في القبلة في أثناء صلاته احتمال وجهين (٤). قوله: مسألة: إذا حدثت مسألة لا قول فيها، فَلِلْمجتهد الاجتهاد فيها والفتوى والحكم، وهل هذا أفضل أم التوقف؟ أم توقفه في الأصول؟ فيه أوجه لنا، وبعضهم ذكر الخلاف في الجواز. يؤيد المنع ما ذكره إمامنا: "إيَّاك أن تتكلم في مسألة ليمس لك فيها إمام" (٥) (٦). الطريقة الأول: ذكرها بعضهم (٧) عن ابن حامد (٨). والثانية: ذكرها ابن حمدان. وجه الجواز قوله ﵇: (إذا اجتهد الحاكم دأصاب فله أجران وإن أخطأ فله أجر). وهو عام وعلى هذا درج السلف والخلف. ولأن الحاجة داعية إلى ذلك، لكثرة الوقائع والحاجة إلى معرفة أحكامها شرعًا، مع قلة النصوص بالنسبة إليها.

стр. 1713

ووجه المنع: أنَّ السلف من الصحابة وغيرهم، كانوا يتدافعون المسائل والفتوى وكل واحد [ودَّ أن أخاه كفاه] (١) هي، ونعلم أنهم لو اجتهدوالظهر لهم الحق في المسألة لأهليتهم (٢). ووجه الثالث: وهو جوازه في الفروع دون الأصول، أن الخطر في الأصول أعظم وترك الخوض فيها أسلم، والمخطئ في أكثرها كافر أو فاسق، بخلاف الفروع. قوله: التقليد في اللغة: جعل الشيء في الحنث، وشرعًا: قبول قول الغير من غير حجّة (٣). التقليد في اللغة: وضع الشيء في العنق مع الإحاطة به (٤)، ويسمى ذلك قلادة، والجمع قلائد (٥)، قال تعالى: ﴿وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ﴾ (٦)، ومنه قول النبي ﷺ في الخيل: (لا تُقَلِّدوها الأوتار) (٧) (٨).

стр. 1714

ثم يُستعمل في تفويض الأمر إلى الشخص استعارة؛ كأنه ربط الأمر بعنقه، كما قال لقيط الإيادي (١): وقلدوا أمركم لله دركم ... رحب الذراع بأمر الحرب مضطلعًا (٢) وهو في عرف الفقهاء: قَبُول قول الغير من غير حجة (٣) أخْذًا من هذا المعنى، فلا يسمى الأخذ بقول النبي ﷺ والإجماع تقليدًا؛ لأن ذلك هو الحجة في نفسه (٤). قوله: مسألة: يجوز التقليد في الفروع عند الأكثر، خلافًا

стр. 1715

لبعض القدرية (١). قال أبو الخطاب إجماعًا (٢). فالحجة فيه الإجماع، ولأن المجتهد في الفروع: إِمَّا مصيب، وإِمَّا مخطئ متاب غير مأثوم، فلهذا أجاز التقليد فيها، بل وجب على العامي ذلك. وذهب بعض القدرية (٣) إلى أن العامة يلزمهم النظر في الدليل في الفروع، وهو باطل بإجماع الصحابة، فإنهم كانوا يفتون العامة، ولا يأمرونهم بنيل درجة الاجتهاد، وذلك معلوم بالضرورة. وتكليفهم (٤) رتبة الاجتهاد يؤدي إلى انقطاع الحرث والنسل، وتعطيل الحِرَف والصنائع، فلم يبق إلا سؤال العلماء (٥)، وقد قال الله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (٦). قوله: مسألة: لا تقليد فيما علم كونه من الدين ضرورة، كالأركان الخمسة لاشتراك الكل فيها (٧).

стр. 1716

والأركان الخمسة: الشهادتان، الصلاة، والزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت، ولا شك أَنَّ هذه ونحوها قد اشتهرت ونُقِلت نقلًا متواترًا، وشارك العامة العلماء في ذلك فلا وجه للتقليد (١). قوله: ولا في الأحكام الأصولية الكلية، كمعرفة الله تعالى ووحدانيته وصحة الرسالة ونحوها (٢). لا يجوز التقليد في معرفة الله تعالى والتوحيد والرسالة. ذكره القاضي (٣). وابن عقيل (٤) وأبو الخطاب، وذكره عن عامة العلماء (٥)، وأجازه العنبري (٦) وغيره، وبعض الشافعية (٧). لنا: أمره - تعالى - بالتفكر والتدبر والنظر (٨). وفي "صحيح ابن حبان" لما نزل في "آل عمران": ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ

стр. 1717

وَالْأَرْضِ﴾ .... الآيات (١). قال: (ويل لمن قرأهن ولم يتدبرهن، ويل له، ويل له) (٢). والإجماع على وجوب معرفة الله تعالى، ولا تحصل بتقليد، لجواز كذب المخبر واستحالة حصوله لمن قَلَّد في حدث العالم، ولمن قَلَّد في قدمه، ولأن التقليد لو أفاد علمًا: فإمَّا بالضرورة - وهو باطل - أو النظر، فيستلزم الدليل، والأصل عدمه. والعلم يحصل بالنظر، واحتمال الخطأ لعدم تمام مراعاة القانون الصحيح. ولأنه ذمَّ التقليد بقوله: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ (٣) وهي فيما يطلب العلم، فلا يلزم الفروع، ولأنه يلزم الشارع لقوله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (٤) فيلزمنا لقوله: ﴿فَاتَّبِعُوهُ﴾ (٥). قوله: قال القرافي: ولا في أصول الفقه (٦) (٧). قوله: مسألة: إذا أدى اجتهاد المجتهد إلى حكم لم يجز له التقليد إجماعًا (٨).

стр. 1718

إذا اجتهد فأدَّاه اجتهاده إلى شيء، لم يجز له التقليد (١)، لأن فرضه الاجتهاد وقد وجد، فلا يعدل عنه بعد وجوده. واعلم أن هذه المسألة في جواز [الإقدام هي للمستدل] (٢) والتي تقدمت في قوله: "وحكمه، بخلاف اجتهاده باطل في العمل". فالحاصل أن [الإقدام] لا يجوز قولًا واحدًا، وأنه لو أقدم وعَمِل: هل هو باطل أو لا؟ في المسألة قولان تقدما (٣). قوله: وإن لم يجتهد فلا يجوز له أيضًا مطلقًا خلافًا لقوم، وقيل: يجوز مع ضيق الوقت. وقيل: ليعمل لا ليفتي، وقيل: لمن هو أعلم منه، وقيل: من الصحابة (٤). وأما إذا لم يجتهد فمذهب أحمد لا اجتهاد، ولا يجوز له التقليد أيضًا (٥)؛ لأنه تمكن من الاجتهاد فهو بمنزلة ما لو اجتهد.

стр. 1719

وقيل: جوَّزه [ ... ] (١) الاجتهاد ما وجد فهو بمنزلة من ليس من أهل الاجتهاد. وقيل: يجوز مع ضيق الوقت (٢)؛ لأنه إذا أخّر حتى يجتهد خرج الوقت فجاز له التقليد؛ محافظةً على الوقت. وقيل: يجوز ليعمل لا ليفتى، لأن العمل قاصرٌ في حق نفسه بخلاف الفتيا (٣). وقيل: يجوز لمن هو أعلم منه لأنه أقرب إلى إصابة الحق (٤)، وقيل: يجوز لمن هو أعلم إذا كان من الصحابة (٥)، لأن الصحابة لهم مزيَّة، برؤية النبي ﷺ ليست لغيرهم. قوله: مسألة: للعامي أن يقلَّد من عَلِم أو ظنَّ أهليته للاجتهاد بطريق ما، دون من عَرَفَه بالجهل اتفاقًا فيهما، أما من

стр. 1720

جهل حاله فلا يقلده أيضًا خلافًا لقوم (١). يجوز للعامي أن يقلد من علمه أهلًا للاجتهاد، وكذا من ظنه أهلًا لذلك (٢) بأي طريق يوصل إليه (٣) بخلاف من عَرَفه بالجهل (٤)، فإنه لا يجوز له تقليده. إما من جهل (٥) فالجمهور: أنه يقلده لأن التقليد إنما يكون للمجتهد، والاجتهاد لم يتحقق في هذا فلم يجز تقليده (٦)، وقيل: يجوز، لأن عدم الاجتهاد لم يتحقق.
следующие страницы →