← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 127717

شرح مختصر أصول الفقه للجراعي

الجراعي

Полный текст (1 782 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

ولما قال الأشعري وأصحابه كالمعتزلة الخلق. بمعنى المخلوق، وقاله أبن عقيل وابن الزاغوني، وقال ابن قاضي الجبل: هو أول قولي القاضي أبي يعلى والأشعري وأكثر المعتزلة (١)، أجابوا: بأنه ليس فعلًا قائمًا بغيره بل ذاته أو لأنه للتعلق الذي بين المخلوق والقدرة حال الإيجاد، فلما نسب إلى الله تعالى صح الاشتقاق لقيامه بالقدرة القائمة به. وقال الحنفية وأكثر علمائنا والشافعية وأهل الحديث وحكوه عن السلف الخلق غير المخلوق (٢). وقال ابن قاضي الجبل: "وذهب الأكثرون إلى أنه زائد مع قدمه مغاير لصفة القدرة، وهو قول جمهور الحنبلية، والقاضي أخيرًا والزاغوني وكثير من المعتزلة وأئمة الشافعية وحكاه البغوي (٣)

стр. 247

عن أهل السنة ونقله البخاري (١) من العلماء مطلقًا (٢) وهو قول الكرامية". قوله (٣): (مسألة: الأبيض ونحوه من المشتق يدل على ذات متصفة بالبياض لا على خصوص من جسم وغيره بدليل صحة الأبيض جسم). المشتق كأبيض وضارب يدل على ذات ما متصفة بتلك الصفة، من غير دلالة على خصوص تلك الذات من جسمية وغيرها، وإن دلت على خصوصية كونها جسمًا أو حيوانًا أو غيره فإنما تدل عليه بطريق الالتزام. قاله الصفي الهندي وابن قاضي الجبل (٤) وقوله: (بدليل صحة الأبيض جسم) فلو قلنا إنها تدل على جسم للزم التكرار. * * *

стр. 248

(تثبت اللغة قياسًا) (١) قوله: (مسألة: تثبت اللغة قياسًا عند أكثر أصحابنا، ونفاه أبو الخطاب وأكثر الحنفية، وللشافعي قولان، واختلفوا في الراجح، وللنحاة قولان اجتهادًا. والإجماع على منعه في الأعلام والألقاب قاله ابن عقيل وغيره وكذا مثل إنسان ورجل، ورفع الفاعل. ومحل الخلاف: الاسم الموضوع المسمى مستلزم لمعنى في محله وجودًا وعدمًا، كالخمر للنبيذ لتخمير العقل، والسارق للنباش للأخذ خفية، والزاني للائط (٢) للوطء المحرم). اتفقوا كلهم على امتناع جريان القياس في الأسماء الأعلام، لأنها غير معقولة المعنى، والقياس فرع المعنى فهو كحكم تعبدي لا يعقل معناه؛ وكذلك على امتناعه في الصفات

стр. 249

كاسم الفاعل والمفعول ونحوهما لأن القياس لابد فيه من أصل، وهو غير متحقق فيها، إذ ليس جعل البعض أصلًا والبعض الآخر فرعًا أولى من العكس، واطرادهما في محالهما مستفاد من الوضع لا لقياس. فإنهم وضعوا القائم والقاعد بإزاء كل من قام وقعد. وعلى امتناعه فيما يثبت بالاستقراء إرادة للمعنى الكلي كقولنا الفاعل مرفوع والمفعول منصوب (١). وإنما محل الخلاف ما إذا أطلقوا اسمًا مشتملًا على وصف واعتقدنا أن التسمية لذلك الوصف فأردنا تعدية الاسم إلى محل آخر مسكوت عنه، كما إذا اعتقدنا أن إطلاق اسم الخبر باعتبار التخمير. فعديناه إلى النبيذ (٢). وفيه مذاهب: أحدها: الجواز، وبه قال أكثر علمائنا. قاله ابن قاضي الجبل، وجمهور الشافعية كابن سريج (٣) وغيره، وكثير

стр. 250

من أهل العربية قاله (١) ابن برهان ونصره ابن عقيل، والشيخ، ونسبه التاج السبكي إلى ابن سريج وابن أبي هريرة (٢)، وأبي إسحاق (٣) الشيرازي، والرازي، لأن الاشتقاق في الاسم بمنزلة التعليل، فكأنهم جعلوا المشتق بمنزلة الفرع والمشتق منه بمنزلة الأصل والمعنى الذي اشتق لأجله بمنزلة العلة (٤). والثاني: المنع وبه قال أبو الخطاب، وأكثر الحنفية، وأكثر والمتكلمين ومن الشافعية القاضي أبو بكر الباقلاني، وإمام

стр. 251

الحرمين، والآمدي ونسبة ابن قاضي الجبل إلى الحنفية (١) وما نقل عن القاضي أثبته التاج السبكي والماوردي (٢) وهو موجود في "التقريب" عكس ما حكاه ابن الحاجب (٣) عنه. ومن أدلتهم: أنه ما شيء إلا وله اسم في اللغة توقيفًا فلا يجوز أن يثبت له اسم آخر بالقياس، كما إذا ثبت لشيء حكم بالنص لم يجزأن يثبت له حكم آخر بالقياس، ولأن الخلاف إنما هو في الأسماء المشتقة، والعرف لا يلزم طرد القياس في الاشتقاق، فإنهم سموا الدابة لدبيبها ولم يسموا كل ما دب دابة، ولأن الخمر ليس في معنى اسمها الإطراب، وإنما هي من المخامرة أو التخمير فلو ساغ الاستمساك بالاشتقاق لكان كل مخامر للعقل وإن لم يطرب يكون خمرًا (٤).

стр. 252

المذهب الثالث: جواز إثبات الأسامي (١) شرعًا، ولايجوز إثباتها لغة. قال بعضهم: وهذا اختيار ابن سريج والأول ليس باختياره والدليل على جوازه أنا نعلم أن الشريعة إنما سميت الصلاة صلاة لصفة متى انتفت عنها لم تسم صلاة، فيعلم أنما شاركها في تلك الصفة يكون صلاة، فبان بهذا ثبوت الأسماء الشرعية بالعلل، وإذا ثبت هذا الاسم لمعان جاز قياس كل (شيء) (٢) وجد فيه ذلك المعنى وتسميته بذلك الاسم، وعلى هذا خرجت الأسماء اللغوية وعليه يثبت اسم الخمر للنبيذ شرعًا، ثم يجب القطع بالآية للنباش، ويثبت للواط اسم الزنا شرعًا ثم يجب الحد بالآية. المذهب الرابع: إثباته باللغة فقط، أثبته في تشنيف المسامع فقال: ويتحصل أربعة مذاهب: المنع، الجواز، إثبات الاسم بالشرع، إثباته باللغة (٣) وسيجئ كلامه أن ذكر مذهبا رابعًا خلاف هذا. وفائدة (٤) الخلاف في هذه المسألة: أن من أثبت عموم

стр. 253

الاسم بطريق القياس اللغوي اندرجت المسميات تحت العموم ولم يحتج إلى القياس الشرعي وشرائطه فيدخل (١) تحت قوله: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ (٢) ومن لم يثبته بالقياس اللغوي يحتاج إلى ذلك، وعلى الأول يقطع النباش بالنص، وعلى الثاني بالقياس الشرعي على السرقة. قال في تشنيف المسامع: والمذهب الرابع: يجري في الحقيقة لا في المجاز وهو مخرج من كلام القاضي (٣) عبد الوهاب (٤) لأن المجاز أخفض رتبة من الحقيقة فيجب تمييز الحقيقة عليه (٥). * * *

стр. 254

(الحروف) (١) قوله: (مسائل الحروف) الحروف: جمع حرف، وهو واقع على الطرف والشفير كطرف الوادي وحرف الإجَّانة (٢) والرغيف، وطرف كل شيء حرفه، ويقع على الحرف المكتوب من حروف المعجم، ويقع في اللغة على الكلمة التامة، وعلى الكلمة غير التامة، تقول: ما فهمت هذا الحرف من كلامكم، وما أخطأ فلان أو ما أصاب في حرف من كلامه يريدون في كلمة منه، قال في الواضح (٣) قال: وعندي أن هذا تجوز في الكلام أو تنبيه

стр. 255

(على العلة) (١) بالحرف في الخطأ والصواب. وقد يعبر بالحرف عن قراءة وطريقة في القراءة كقولهم: يقرأ بحرف أبي عمرو (٢). فأما الحرف اللغوي الذي يتكلم أهل العربية على معانيه وأحكامه فهو اللفظ المتصل بالأسماء والأفعال وكل جملة من القول والداخل عليها لتغير معانيها وفوائدها مثل "من" و "إلى". * * *

стр. 256

(الواو) (١) قوله: (الواو لمطلق الجمع لا لترتيب ولا معيه عند الأكثر، وكلام أصحابنا يدل على أن الجمع المعية. وذكر في التمهيد وغيره ما يدل على أنه إجماع أهل اللغة، لإجماعهم أنها في الأسماء المختلفة، كواو الجمع وياء التثنية في (المتماثلة) (٢). واحتج به ابن عقيل وغيره، وفيه نظر. وقال الحلواني وثعلب من أصحابنا وغيرهما من النحاة والشافعية: إنها للترتيب، وقال أبو بكر: إن كان كل واحد من المعطوف والمعطوف عليه شرطًا في صحة الآخر كآية الوضوء فاللترتيب وإلا فلا). في الواو العاطفة مذاهب: أصحها: لمطلق الجمع، أي القدر المشترك بين التريب والمعية، وبهذا قال أكثر طوائف الفقهاء، منهم

стр. 257

الأئمة الأربعة وأكثر النحاة والمتكلمين (١)، وذكره الفارسي إجماع نحاة البصرة والكوفة، ونص عليه سيبويه في سبعة عشر موضعًا من كتابه، فلا تدل على ترتيب ولا معية، فإذا قلت "قام زيد وعمرو" احتمل ثلاثة معان في قيامهما، أن يكون في وقت واحد وأن يكون المقدم قام أولًا، وأن يكون المتأخر قام أولًا. قال ابن مالك (٢): لكن احتمال تأخير المعطوف كثير، وتقديمه قليل، والمعية احتمال راجح، وهذا مخالف لكلام سيبويه فإنه قال: وكذلك قولك مررت برجل وحمار كإنك مررت بهما وليس في هذا دليل أنه بدأ بشيء قبل شيء ولا شيء بعد شيء. انتهى (٣). واستدل ابن مالك بقوله تعالى عن منكري البعث ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا﴾ (٤) (٥) فالموت بعد الحياة مع أنهم قدموه لما كان الغرض نفي الجمع لا الترتيب.

стр. 258

وإنما عبر المصنف بـ (مطلق الجمع) دون "الجمع المطلق" كما عبر ابن الحاجب (١). تنبيهًا على صواب العبارة، وهكذا عبر التاج السبكي والعلامة ابن مفلح (٢)، فإن الجمع المطلق هو الجمع الموصوف بالإطلاق لأنا نفرق بالضرورة بين الماهية بلا قيد والماهية المقيدة ولو بقيد "لا"، والجمع الموصوف بالإطلاق لا يتناول غير صورة وهي قولنا مثلًا "قام زيد وعمرو" ولا يدخل فيه المقيد بالمعية ولا بالتقديم ولا بالتأخير لخروجهما بالتقييد عن الإطلاق، وأما مطلق الجمع فعام في أي جمع كان سواء مرتبًا أو غير مرتب فيدخل فيه الصور الثلاث، ونظيرة قولهم "مطلق الماء" و"الماء المطلق" (٣). والمذهب الثاني: إنها تفيد الترتيب، ونسب إلى الشافعي ولم يثبت ونصره أبو إسحاق (٤). ونقل عن الفراء (٥)

стр. 259

وأنكره السيرافي (١) وقال: لم أره في كتاب الفراء، وعزاه الماودري في "باب الوضوء" للجمهور من أصحاب الشافعي (٢) واختاره الحلواني وثعلب من الحنابلة وغلامه أبو عمر (٣) وقطرب (٤) وعلي بن عيسى (٥) الربعي.

стр. 260

ونقل عن الفراء، أنها للترتيب حيث يستحيل الجمع كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ (١). قال في "البرهان": اشتهر من مذهب أصحابنا أنها للترتيب وعند بعض الحنفية (٢): للجمع المطلق. قال: وقد زل الفريقان، لأن الواو لو كانت للجمع لكان القائل رأيت زيدًا وعمرًا يقتضي أنه رآهما معًا، وهذا لا يفهم من اللسان بل الواو لا تفيد الجمع ولا الترتيب بل التشريك (٣). وعلم بذلك أن ما ذكره السيرافي والفارسي والسهيلي من إجماع النحاة بصريهم وكوفيهم على أن الواو لا ترتب غير صحيح. وقال ابن عصفور (٤) في "شرح الإيضاح" الخلاف في أن

стр. 261

الواو للترتيب محله إذا كان الفعل يمكن صدوره من واحد، فأما نحو "اختصم زيد وعمرو" فلا خلاف أنها لا تقتضي الترتيب. وذكر في "شرح الجمل" محتجًا على القائل بالترتيب بأن هذه الأفعال لا تفيد الترتيب فكذلك غيرها (١). واختار أبو بكر عبد العزيز إن كان كل واحد من المعطوف والمعطوف عليه شرطًا (٢) في صحة الآخر كآية (٣). الوضوء فللترتيب وإلا فلا. احتجوا للأول بالإجماع السابق، وبعطفه تعالى السابق على اللاحق كأيوب ويونس وعكسه (٤)، وحكايته عن قول منكري البعث ﴿نَمُوتُ وَنَحْيَا﴾ (٥) ولو كانت للترتيب للزم التناقض في آية البقرة والأعراف ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ (٦) وهي قصة واحدة.

стр. 262

ولكان "جاء زيد وعمرو"بعد تكرارًا، وقبله تناقضًا، وعند رؤيتهما معًا كذبًا. واحتج من قال بالترتيب بما روى مسلم عن جابر (١): أن النبي ﷺ قرأ "إن الصفا والمروة" (٢) فقال: أبدأ بما بدأ به الله (٣). وللنسائي (٤)

стр. 263

وغيره بإسناد جيد: "فابدؤا بما بدأ به الله" (١). ولمسلم عن عدي بن (٢) حاتم أنه ﷺ قال: "بئس الخطيب أنت" للقائل ومن يعصهما قل "ومن يعص الله ورسوله" (٣). والجواب: أن الترتيب مستفاد من غيره.

стр. 264

والبداءة بالصفا من الأمر وإلا لما أمر. ونهى الخطيب لتركه إفراد اسم الله تعالى بالتعظيم لأن معصيتها لا ترتيب فيها، وليس الترتيب في اللفظ من "الواو" بل لأن العرب تبدأ بالأهم. وأما قول المصنف (لإجماعهم أنها في الأسماء المختلفة كواو الجمع وياء التثنية في المتماثلة) فمعناه أنه لا فرق بين أن تقول "رأيت زيدا وبكرًا وخالدًا" وتقول "هؤلاء الزيدون" و "رأيت الزيدين" فإن الواوين عندهم على حد سواء، ثم قد ثبت أن واو الجمع في الأسماء المتفقة لا تكون للترتيب فكذلك واو العطف. وقول المصنف (فيه نظر) هكذا نظر العلامة ابن مفلح في أصوله وزاد لجواز ذلك. وقال ابن قاضي الجبل لما ذكر قول ابن (١) الخطيب إنهم اتفقوا على أن ما تفيده واو الجمع غير ما تفيده واو العطف قلنا: يريدون في أصل الجمع للعامل لا من جميع الوجوه. والذي يدل على ما قلناه وجوه: أحدها: صحة الاستثناء في صيغة الجمع، فتقول "قام الزيدون إلا أخاك" وفي صيغة العطف يمتنع ذلك. وثانيها: دلالة اللفظ في الأسماء المتماثلة في الجمع على كل واحد من الأشخاص بالتضمن ودلالة العطف بالمطابقة.

стр. 265

(الفاء) (١) قوله: (والفاء للترتيب وللتعقيب في كل شيء بحسبه) ذكر التاج السبكي أنها للترتيب المعنوي والذكرى (٢). مثال المعنوي "قام زيد فعمرو" والذكرى: هو عطف مفصل على مجمل هو هو في المعنى، نحو ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ﴾ (٣) ونحو "توضأ فغسل وجهه ويديه ومسح برأسه ورجليه". وقال الفراء: لا تفيد الترتيب، واستُنْكِر هذا منه مع قوله بأن الواو تفيد الترتيب.

стр. 266

واحتج بقوله: ﴿أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا﴾ (١)، وأجيب بأنها للترتيب الذكرى، أو على تقدير حذف، أي أردنا إهلاكها. وذكر جماعة أن "الفاء" تشارك "ثم" في التريب الإخباري كما تشاركها في الترتيب الوجودي، نحو "مطرنا بمكان كذا فمكان كذا" وربما يذكر كيف نزل بها، وربما ذكر الذي كان أولًا آخرا (٢). وأما ﴿ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ﴾ (٣) و ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (٤) فقيل: لترتيب الأخبار بعضها على بعض نحو "زيد عالم ثم كريم" وقيل: بمعنى الواو. وأما التعقيب فمعناه المشهور كون الثانى بعد الأول من غير مهلة بخلاف "ثم" وصار المحققون إلى أن التعقيب في كل شيء بحسبه ولهذا يقال "تزوج فلان فولد له" إذا لم يكن بينهما إلا مدة الحمل وإن كانت متطاولة، و"دخلت البصرة فالكوفة" إذا لم تقم في البصرة ولا بين البلدين. وفي هذا انفصال عما أورده السيرافي على قول البصريين

стр. 267

أن الفاء للتعقيب في هذه الأمثلة وأنا نقول: هي للتعقيب على الوجه الذي يمكن. قال ابن الحاجب: المراد بالتعقيب ما يعد في العادة تعقيبًا لا على سبيل المضايفة، فَربَّ فعلين يُعد الثاني عقب الأول عادة وإن كان بينهما أزمان كثيرة، كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا﴾ (١) (٢). ونص الفارسي في الإيضاح "على أن" "ثم" أشد تراخيًا من الفاء (٣) فدل على أن في "الفاء" تراخيا، ووجهه بعضهم بأن الاتصال يكون حقيقة ومجازا، فالحقيقة من غير تراخي، والمجاز فيه تراخ نحو "دخلت البصرة فالكوفة". وتوسع ابن مالك فذهب إلى أنها تكون للمهملة كـ "ثم" نحو قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً﴾ (٤) والأحسن أنها للتعقيب كما سبق (٥). تنبيه: خصص التاج السبكي التعقيب بـ "الفاء" "العاطفة" (٦).

стр. 268

قال بعض الشراح (١): فتخرج الرابطة للجواب، وبه صرح القاضي أبو بكر في "التقريب" وقال إنها لا تقتضي التعقيب في الأجوبة. وكذا ذكر ابن عقيل في "الواضح" وقال: أنه قد يكون جواب جملة من الكلام نحو قوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ (٢) و "إذا دخلت مكة فطف بالبيت"، وقد يكون جواب الأمر نحو قوله تعالى: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ (٣) قال: وليس هو في هذه المواقع للتعقيب (٤). وذكر التاج السبكي أنها تكون للسببية (٥)، نحو ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ (٦) وقوله ﴿لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ (٥٢) فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ﴾ (٧). * * *

стр. 269

(من) (١) قوله: (ومن لابتداء الغاية حقيقة عند أصحابنا وأكثر النحاة. وقيل: حقيقة في التبعيض، وقاله ابن عقيل، وقيل في التبيين). مثال: ابتداء الغاية "سرت من بغداد" والتبعيض: "أكلت من الخبز" وبيان الجنس: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ (٢) ومنه (خاتم من فضة) خلافًا لابن (٣) الخطيب.

стр. 270

قال بعضهم: حيث وجدت كانت لابتداء الغاية وسائر معانيها ترجع إليه، يقول "أخذت من الدراهم" فقد جعل ماله ابتداء غايه ما أخذ، وإنما دل على البعض من حيث صار ما بقى انتهاءً له. قال ابن السمعاني (١): هذا قول النحويين، وأما الذي تعرفه الفقهاء فهي لابتداء الغاية والتبعيض جميعًا، وكل واحد في موضعه حقيقة. ثم هي لابتداء الغاية في المكان اتفاقًا نحو ﴿مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ (٢) وفي الزمان عند الكوفيين نحو ﴿مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾ (٣) ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ﴾ (٤) و ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ (٥) وصححه ابن مالك لكثرة شواهده. وذكر ابن أبي الربيع (٦) أن محل الخلاف بين الفريقين في

стр. 271

أن "من" هل يجوز أن تقع موقع "مذ" فإنها لابتداء غاية الزمان بلا خلاف، فالبصريون يمنعون ذلك والكوفيون يجيزونه. وما ورد في القرآن لا يحتج به على البصريين (١) لأنه لم يرد "مذ قبل ومذ بعد" (٢). وأما ما نسبه المصنف إلى ابن عقيل فإن المصنف تابع شمس الدين بن مفلح في ذلك لكنه زاد قاله في "مسالة الواو" وقد رأيت كلام ابن عقيل في مسألة "من" ومسألة "الواو" في الواضح فلم أر ما نسب إليه، اللهم إلا أن يكون ذكره في موضع آخر (٣). ومن أقسامها: أنها تأتي للتعليل ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ﴾ (٤) وبمعنى البدل ﴿وَلَوْ نَشَاءُ (٥) لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً فِي

стр. 272

الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ﴾ (١). وتأتي لابتداء الغاية وانتهائها، وهذا الذي قدمه ابن قاضي الجبل من أقسامها، ومثاله "رأيت الهلال من داري من خلال السحاب" فابتداء الرؤية وقع من الدار وانتهاؤها في خلال السحاب. وذكر ابن مالك أن سيبويه أشار إلى هذا المكان. وأنكره جماعة وقالوا: لم تخرج عن ابتداء الغاية لكن الأولى ابتداؤها في حق القائل والثانية في حق المفعول. وتأتي لتخصيص العموم وهي الداخلة على نكرة لا تختص بالنفي، نحو "ما جاءني من رجل" فإنها قبل دخولها (تحتمل) (٢) نفي الجنس ونفي الواحد، ولهذا يصح أن تقول "بل رجلان" ويمتنع ذلك بعد دخول "من" (٣). وبمعنى "عند" (لا ينفع ذا الجد منك الجد) (٤) أي عندك.

стр. 273

وبمعنى "الباء (ينظرون من طرف خفي) (١) قال يونس (٢): بطرف وبمعنى "في" ﴿مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ﴾ (٣) قاله جماعة. وقال بعضهم: هي علي بابها، وإنما المثال ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ﴾ (٤).

стр. 274

وبمعنى على ﴿وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ﴾ (١). وتأتي فعل أمر من "مان يمين من". قوله: (وإلى لانتهاء الغاية، وابتداء الغاية داخل، لا ما بعدها في الأصح وفاقًا لمالك والشافعي). وقال أبو بكر: إن كانت الغاية من جنس المحدود كالمرافق دخلت، وإلا فلا. وحكاه القاضي عن أهل اللغة). تقول (٢) "سرت من البصرة إلى الكوفة" فابتداء الغاية البصرة وانتهاؤها الكوفة. ومن فروع المسألة (٣): ما لو قال له علي من في درهم إلى عشرة فإن قلنا تدخلهما (٤) لزمه عشرة، أو بعدمه فثمانية،

стр. 275

أو بدخول الابتداء دون الانتهاء فتسعة وهي أوجه في المذهب (١). وعلى قول أبي بكر إن كانت الغاية من جنس المحدود دخلت كـ "المرافق" (٢) وإلا فلا كالليل في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ (٣). قال جماعة: وتكون بمعنى "مع" كقول الكوفيين ومنه ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ (٤). * * *

стр. 276

(على) (١) قوله: (وعلى للاستعلاء، وهي للإيجاب، قاله أصحابنا وغيرهم) الاستعلاء، كقوله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦)﴾ (٢) أو معنوي نحو "عليه دين" كأنه بلزومه له علا عليه، ولهذا يقال "ركبه الدين". وهي للإيجاب فإذا قال "لفلان عليَّ كذا وكذا " حكم بوجوبه عليه، ولم يثبت لها أكثر البصريين غير هذا المعنى وأولوا ما أوهم خلافه فلهذا اقتصر عليه المصنف. وأما نحو "توكلت على الله" و "اعتمدت عليه" وقوله تعالى ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ﴾ (٣) فهي بمعنى الإضافة والإسناد، أي أضفت

стр. 277

توكلي وأسندته إلى الله، لا للاستعلاء لا تفيده هنا حقيقة ولا مجازا. وذكر جماعة من أقسامها المصاحبة ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ (١) والمجاوزة بمعنى "عن" ومنه قوله الشاعر (٢): إذا رضيت عليَّ بنو قشير ... لعمرو الله أعجبني رضاها وخرج عليه قول النبي ﷺ : "من صام الدهر ضيقت عليه جهنم" (٣). أي عنه (٤) فلا يدخلها.

стр. 278

والتعليل ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ (١). والظرفية ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ (٢). والاستدراك "فلان لا يدخل الجنة لسوء صنيعه على أنه لا ييأس من رحمة الله تعالى. والزيادة كقول النبي ﷺ "من حلف علي يمين" (٣) أي يمينا. هذا كله إذا كانت حرفًا، وقد تأتي اسمًا وفعلًا. * * *

стр. 279

(في) (١) قوله: (وفي للظرفية، قال بعض أصحابنا: حتى في ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ (٢) كقول البصريين. وأكثر أصحابنا بمعنى "على" كقول الكوفيين. قال بعض أصحابنا: وللتعليل نحو: ﴿لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (٣) وللسببية نحو: (دخلت امرأة النار في هرة حبستها) (٤) وضعفه بعضهم لعدم ذكره لغة).

стр. 280

الظرف شمل المكاني والزماني، واجتمعا في قوله تعالى: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ (١). والمراد بالظرفية: أن تكون محلا لوقوع الشيء إما حقيقة كما سبق لأن الأجسام هي القابلة للحلول، أو مجازا نحو "نظر في الكتاب" و "سعى في الحاجة" لأن العلم قد صار وعاء النظرة، ومنه قوله تعالى: ﴿يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ﴾ (٢) لأن الرحمة كأنها صارت محيطة بالمؤمنين إحاطة الجسم بالجسم. والضابط: أن الظرف والمظروف إن كانا جسمين كـ "زيد في الدار" أو الظرف جسمًا والمظروف عرضًا كـ "الصبغ في الثوب" فالظرفية حقيقة، وإن كانا عرضين كـ "النجاة في الصدق"، أو الظرف عرضًا والمظروف جسمًا نحو ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ (٥٥)﴾ (٣) كانت الظرفية مجازا (٤).

стр. 281

وأما قول تعالى: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ (١) فقد ذكره المصنف بما يغني عن إعادته، لكن إذا قلنا أنها بمعنى على فتكون للاستعلاء (٢). وأما التعليل فذكره جماعة أيضًا وذكروا منه ﴿فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ (٣). وأما السببية فذكرها المصنف عن بعض الأصحاب تبعًا للعلاقة ابن مفلح وجزم به ابن قاضي الجبل في أصوله. وأما ابن هشام (٤) في "المغني" فإنه ذكر الحديث من أمثلة التعليل (٥). لكن قال القرافي: الصحيح ثبوت السببية لقوله ﷺ "في النفس المؤمنة مائة من الإبل" (٦) فإن النفس ليست ظرفًا وذكر الحديث الآخر.

стр. 282

ومن أقسامها المصاحبة نحو قوله تعالى: ﴿قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ﴾ (١) أي معهم وبمعنى "إلى" ﴿فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ﴾ (٢). وبمعنى "الباء". ويركب يوم الروع منا فوارس ... بصيرون في طعن الأباهر والكلى (٣) * * *

стр. 283

(اللام) (١) قوله: (وذكر أصحابنا والنحاة للام أقسامًا، وفي "التمهيد" هي حقيقة في الملك لا يعدل عنه إلا بدليل) (٢) من أقسامه (٣) الملك "المال لزيد" والاختصاص "ابن لزيد" والاستحقاق "السرج للدابة" والتعليل "العقوبة للتأديب"، والتأكيد "إن زيدًا لقائم" والقسم ﴿لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ﴾ (٤) والتعجب ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (١)﴾ (٥) على قول، والتشريف (إلا الصوم فإنه لي) (٦) والحجود "ما كنت لأسافر" ولام العاقبة ﴿لِيَكُونَ لَهُمْ

стр. 284

عَدُوًّا﴾ (١) ولام الأمر ليقم زيد "والاستغاثة" "يا لزيد لعمرو" فتكسر لام المستغاث له ولتعدية الفعل "كلت لزيد الطعام". * * *

стр. 285

(ليس بين اللفظ ومدلوله مناسبة) (١) قوله: مسألة ليس بين اللفظ ومدلوله مناسبة طبيعية عند الأكثر، خلافًا لعباد بن سليمان المعتزلي) ذهب عباد (٢) إلى أن دلالة اللفظ لمناسبة طبيعية، وإلا لما كان اختصاص ذلك اللفظ بذلك المعنى أولى من غيره. وخالفه الجمهور محتجين بصحة الوضع للشيء ونقيضه وضده (٣) ولو كانت المناسبة شرطًا لما جاز، لأن الشيء الواحد لا يناسب الضدين مناسبة طبيعية.
следующие страницы →