(فرض العين أفضل) (١)
قوله: (وفرض العين أفضل منه في الأظهر فيهما) الضمير في قوله "فيهما" عائد إلى هذه المسألة ومسألة اللزوم بالشروع، أما كون فرض العين أفضل فلأنه يتعلق بكل فرد فرد ولا يسقط عن واحد بفعل غيره فدل على تأكد طلبه، وتأكد طلبه دليل على أفضليته.
وأما كون فرض الكفاية أفضل ونسب إلى الأستاذ وإمام الحرمين وولده من الشافعية (٢) فلأن فاعله ساع في صيانة الأمة كلها من المأثم ولا شك في رجحان من حل محل المسلمين أجمعين في القيام بمهمات الدين.
* * *
стр. 352
(مطلب الأمر بواحد من أشياء) (١)
قوله: (مسألة: الأمر بواحد من أشياء كخصال الكفارة مستقيم، والواجب واحد لا بعينه، قاله الأكثر، واختار القاضي وابن عقيل الواجب واحد يتعين بالفعل، واختار أبو الخطاب الواجب واحد معين عند الله تعالى.
وعن المعتزلة كالقاضي وبعضهم: معين يسقط به وبغيره.
وعن الجبائي وابنه جميعها واجب على التخيير، بمعنى أن كل واحد منهما مراد فلهذا قيل: الخلاف لفظي وقيل: معنوي).
هذه مسألة الواجب المخير، وحكى فيها خمسة مذاهب:
أحدها: وهو الذي قاله الأكثر الواجب واحد لا بعينه، وهو
стр. 353
الكلي المشترك بين الخصال المأمور بها. وقوله مستقيم (١).
قال بعضهم: جائز عقلًا خلافًا للمعتزلة حيثما ذهبوا إلى امتناع ذلك عقلًا (٢) زاعمين لزوم اجتماع النقيضين لتناقض الوجوب والتخيير، جهلًا منهم بالفرق بين ما هو واجب وبين ما هو مخير؛ لأن متعلق الوجوب هو القدر المشترك بين الخصال ولا تخيير فيه؛ لأنه لا يجوز تركه، ومتعلق التخيير خصوصيات الخصال ولا وجوب فيها.
واستدلوا بقوله تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ (٣) فإنه لا يريد به الكل ولا واحدًا بعينه معينًا لوجود التخيير بين الواجب وغيره، فتعين أن يريد به واحدًا لا بعينه.
الثاني: الواجب واحد متعين بالفعل، وهذا هو اختيار القاضي وقاله ابن عقيل.
وذكره عن الفقهاء والأشعرية (٤)، فيكون على هذا مبهمًا قبل الفعل متعينًا بعد الفعل لفعله.
стр. 354
قال بعضهم: فلو فعله الجميع كان الكل واجبًا على هذا القول (١).
وجه أنه يتعين بالفعل سقوط الواجب بأي شيء فعله منها، إذ لا معنى للوجوب إلا الاقتضاء به على وجه لا يخرج عن عهدته إلا بفعله، فحيث خرج عن عهدته بفعله دل على أف الواجب.
الثالث: اختيار أبي الخطاب وهو: أن الواجب واحد مبهم عندنا معين عند الله تعالى، قال في التمهيد، لأنا نقول: الواجب واحد معين عند الله تعالى غير معين عندنا، إلا أن الله تعالى قد علم أن المكلف لا يختار إلا ما هو واجب عليه منها (٢).
قال القطب الشيرازي في "شرح المختصر" وذهب بعض المعتزلة إلى أن الواجب واحد معين عند الله غير معين عندنا، والمكلف لا يفعل إلا ذلك، فيكون الواجب عندهم: ما يُفعل وإليه أشار بقوله: وبعضهم الواجب: ما يفعل) وهذا المذهب ترويه المعتزلة عن أصحابنا، وأصحابنا عنهم، وهو باطل باتفاق الطائفين.
وذهب بعضهم إلى أن الواجب واحد معين عند الله غير معين عندنا ولكن المكلف قد لا يفعله بل يفعل غيره ويقع فعلًا يسقط به الفرض، وإليه أشار بقوله: (وبعضهم الواجب واحد معين ويسقط به الفرض) وبالآخر أي يسقط الوجوب بالواجب إن فعله، وبالآخر إن فعل الآخر. انتهى كلام القطب.
стр. 355
وهذا الآخر نص المذهب الرابع الذي ذكره المصنف (١).
وقال في تشنيف المسامع: والثالث -يعني من المذاهب- (٢) أن الواجب مبهم عندنا معين عند الله تعالى، ويسقط الوجوب به ويفعل غيره من الأشياء المذكورة.
ويسمى "قول التراجم" لأن الأشاعرة تنسبه إلى المعتزلة والمعتزلة تنسبه إلى الأشاعرة، واتفق الفريقان على فساده.
وقال والد المصنف -يعني تقي الدين السبكي- (٣) وعندي أنه لم يقل أحد به (٤) وإنما المعتزلة تضمن ردهم علينا ومبالغتهم في تقرير تعلق الوجوب بالجميع ذلك فصار معنى يرد عليه وأما رواية أصحابنا له عن المعتزلة فلا وجه له لمنافاته قواعدهم (٥)(٦)
стр. 356
قلت: لكن (أبا) (١) الحسين القطان (٢) من أئمة أصحابنا حكاه في (٣) أصول الفقه عن بعض الأصوليين. انتهى كلام تشنيف المسامع (٤).
فقد اختلف كلام القطب والتشنيف في حكاية مذهب التراجم.
فجعله القطب كونه معينًا عند الله غير معين عندنا والمكلف لا يفعل إلا ذلك.
وجعله في التشنيف كونه معينًا عند الله مبهمًا عندنا يسقط الوجوب به وبفعل غيره كما تقدم.
المذهب الخامس: مذهب أبي علي الجبائي وابنه أبي هاشم والقاضي عبد الجبار وجماعة من المعتزلة وهو القول بأن الكل واجب على التخيير، ومعنى ذلك كما قاله في "التمهيد" وغيره: أنه لا يجوز الإخلال بأجمعها, ولا يجب الجمع بين اثنين منها وكل واحد منها مراد (٥).
стр. 357
ونحن نوافق قوله أنه لا يجوز الإخلال بأجمعها ولا يجب الجمع بين اثنين منها، فأما كون كل واحد منها مرادا فالخلاف يقع فيه لأنا نقول أن الواجب واحد معين عند الله تعالى "وذكر كلامه المتقدم" (١).
قال القطب: وتكلف أبو الحسين (٢) البصري رد الخلاف بين الفقهاء والمعتزلة إلى اللفظ دون المعنى قائلًا: إنهم يعنون بوجوب الجميع على التخيير أنه لا يجوز الإخلال بجميعها, ولا يجب الإتيان (٣) به وللمكلف اختيار أي واحد كان. وهو بعينه مذهب الفقهاء فلا خلاف في المعنى (٤).
وأما في اللفظ فالخلاف أن المعتزلة يقولون بوجوب الجميع على التخيير، والفقهاء بوجوب واحد من حيث هو أحدها، وأيضًا المعتزلة يطلقون الواجب على كل فرد بالحقيقة وعلى المشترك بالمجاز والفقهاء يعكسون فيهما.
وفي كون هذا رافعًا للخلاف المعنوي نظر وحكم عليه من جهة الثواب والعقاب، قال في تشنيف المسامع: قال المحققون منا كإمام الحرمين والشيخ أبي إسحاق وغيرهما ومنهم كأبي (الحسين) (٥) البصري: إنه لا خلاف بين الفريقين في
стр. 358
المعنى (١) لاتفاقهما على أنه لا يجب الإتيان بالكل، ولا ترك كل واحد وعليه أن يأتي بواحد منها (٢).
قال القاضي في العدة: ومنهم من قال خلاف في المعنى، لأن من قال: الواجب منها واحد بغير عينه، فإنه يجعل من حلف أنه لم يجب عليه بالحنث جميع الأشياء الثلاثة بارا في يمينه. ومن أوجبها جعله حانثًا في يمينه.
ولأن من قال: الواجب واحد من الجملة غير معين فإنه يقول: المراد من المكلف واحد من الجملة في معلوم الباري أنه لا يعدل عنه إلى غيره.
ومن زعم أن الجميع واجب فإنه يقول: إنه قد أراد كل واحد من الثلاث كما أراد الآخر وكره ترك كل واحد كما (لو) (٣) كره ترك الآخر وهذا خلاف في المعنى (٤).
تنبيهات:
أحدها: ذكر صاحب التذكرة في الأصول من أصحابنا وهو الحسن بن أحمد بن الحسن بن الحافظ عبد الغني (٥) في شرحها له
стр. 359
ومن خطبة نقلت بعد أن ذكر كلام الأصل، ونص الأصل: الأمر بواحد من أشياء مستقيم، والواجب واحد منها، والمعتزلة: الجميع واجب، وبعضهم: الواجب ما يفعل، وبعضهم: الواجب واحد معين ويسقط به الآخر (١).
قال في الشرح: قولنا الأمر بواحد من أشياء أي على سبيل التخيير كالكفارة في اليمين وهي مسألة مفردة عما بعدها، وإنما ذكرتهما معًا اقتداء بالمصنفين من أهل الأصول مع العلم بأنهما مسألتان.
ومعنى هذه المسألة أن نقول: يجوز الأمر بواحد من أشياء لا بعينه، فالجمهور على جواز ذلك.
والمسألة الثانية: أن الأمر بفعل هو من أفعال لا بعينه هل يناقض التخيير في تلك الأشياء أم لا؟
فذهب جمهور العلماء إلى أنه لا يناقض الوجوب وأن الواجب واحد منها لا بعينه.
وقالت المعتزلة: جميعها واجب على التخيير، بمعنى أنه لا يجوز الإخلال بجميعها ولا يجب الجمع بين اثنين منها، فأما
стр. 360
كون كل واحد منها مرادًا فلازم قولهم "أنه لو كفر الحانث بها جميعها كان جميعها واجبًا وليس بعضها أولى بذلك من بعض.
فقد ذكر أن هذه مسألتان وغيره ممن وقفت على قوله لم يذكرها إلا مسألة واحدة.
التنبيه الثاني: قد يقال أن المذهب الثاني هو الأول لأنه على القول الثاني الواجب واحد غير معين ولكنه يتعين بالفعل.
قال بعض الشافعية: لا يقال هو الأول لأن مذهب أصحابنا أنه مبهم لم يزل فإذا فعل فمتعلق الوجوب مسمى أحدها لا ذلك المفعول بخصوصه.
تتميم: لو كفر بها مرتبة فالواجب الأول (١) إجماعًا، ومعًا إن أمكن بأن يوكل فيها أو في بعضها ويباشر في البعض الآخر وتتفق أفعالهم في وقت واحد فإنه لا يثاب ثواب على كل واحد إجماعًا بل على أعلاها ليكثر الثواب وإن ترك الجميع لم يأثم على كل واحدًا إجماعًا بل قال ابن برهان: يأثم إثم تارك أدناها، لأن الوجوب يسقط بفعل الأدنى وقيل: يعاقب بمقدار عقاب أدناها لا أنه نفس عقاب أدناها (٢).
وفي التمهيد وغيره "يثاب على واحد ويأثم بواحد".
стр. 361
(إذا علق وجوب العبادة) (١)
قوله: (مسألة: إذا علق وجوب العبادة بوقت موسع كالصلاة تعلق بجميعه أداء عند الجمهور، ولنا في وجوب العزم إذا أخر وجهان. وقال بعض المتكلمين: يتعلق الوجوب بجزء غير معين، كخصال الكفارة، واختاره ابن عقيل في موضع، وحمل أبو البركات مراد أصحابنا عليه، قلت: صرح القاضي وغيره بالفرق).
هذه مسألة الواجب الموسع والذي عليه أصحابنا والمالكية والشافعية والبلخي (٢) وأبو علي وأبو هاشم. قال أبو الطيب:
стр. 362
هو مذهب الشافعي وأصحابنا أن جميع الوقت وقت للأداء (١).
زاد التاج السبكي قيدا فقال: جميع وقت الظهر جوازا (٢) قال شارحه (٣): واحترز بقوله: (جوازا) عن وقت الضرورة فإنه أوسع من ذلك، وهذا قيد (زاده) (٤) على المصنفين لابد منه. انتهى.
لكن هل يشترط لجواز التأخير عن أول الوقت العزم؟ فيه وجهان للحنابلة والشافعية.
أحدهما: هو شرط اختاره الجمهور من الحنابلة وأبو نصر (٥) المالكي على أصول أصحابه، وأبو الطيب وابن الباقلاني وصححه النووي (٦)
стр. 363
في "شرح المهذب" (١) وبه جزم في المستصفى (٢).
والثاني: عدم وجوبه. واختاره أبو الخطاب، ومال إليه القاضي أبو يعلى في "الكفاية" (٣) واختاره المجد، وهو قول أبي علي وأبي هاشم والجويني وأنكره الرازي وأبو الحسين البصري (٤).
стр. 364
الحنفية: يتعلق بآخره فلو قدمه ففعل يسقطه (١).
وبعضهم مراعًا إلى آخر الوقت بصفة التكليف يقول الكرخي (٢) وهو خرق للإجماع. وعن الكرخي أيضًا: بالدخول في الفعل في أي آخر الوقت كان.
وقيل: الوجوب يتعلق بأول الوقت وبعده قضاء.
وقال الرازي وأبو الحسن الكرخي: يتعلق بجزء من الوقت غير معين كالتعلق في الكفارة ويتأدى الوجوب بالمعين.
قال ابن حمدان في "مقنعه": وهو أقيس، وقال الشيخ مجد الدين: هذا أصح (عندي) (٣) وأشبه بأصولنا في الكفارات فيجب أن يُحمل مراد أصحابنا عليه ويكون الخلل في العبارة (٤).
دليل الأول: قوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ (٥) وقول النبي ﷺ لما صلى أول الوقت وآخره "الوقت ما
стр. 365
بين هذين" (١) والتخصيص بأولى الوقت دون آخره وبالعكس تحكم لا دليل عليه.
الحنفية: لو وجب أولًا لعصى بتأخيره، قيل: التعجيل والتأخير مخير كخصال الكفارة.
والكرخي والرازي قالا: لما كان المكلف مخيرًا في الأوقات كلها صارت الأوقات كالأعيان المخيَّر بينها في كفارات التخيير (٢).
وصرح القاضي وابن عقيل وغيرهما بالفرق لظاهر النص المتقدم.
وقال ابن عقيل: التعميم يزيل معنى توسعة التخيير في التكفير، وتوسعة قيام شخص مقام آخر في الكفاية بالبعض، وهنا لم تزل الرخصة (٣).
стр. 366
وفيه فائدة وهي: تعلق المأثم بالترك في كل الوقت لا يختصر بالأخير (١).
قال القاضي في العدة: وأما من شبه ذلك بالكفارة فهو الدليل، عليه لأن الكفارة واجبة عليه من حيث الحنث في يمينه، وبأي نوع من أنواع الكفارة كفر كان وجوب الكفارة سابقًا لفعله، وكان مؤديًا لما سبق وجوبه، كذلك يجب أن يكون في أول وقت من أوقاته فعل أن يكون فاعلًا لما سبق وجوبه (٢).
واحتج من قال باشتراط العزم بأنه بدل عن الفعل في أول الوقت، وهو المانع من حصول المأثم بالتأخير.
فقيل لهم: لو كان بدلًا لسد مسد المبدل منه، كسائر أبدال الشرع كالماء عن التراب، والإطعام عن الصوم، والصيام عن العتق، والصوم عن الدم في الإحرام، فلما لم يسد مسد المبدل منه بل كان في الذمة بحاله بطل كونه بدلًا.
قالوا: إنما هو بدل عن تقديم الفعل وتعجيله لا عن أصله، فإذا عزم كان عزمه بدلًا عن تقديم الفعل في كل وقت كان فيه عازمًا على الفعل في الوقت الذي يليه، فصار كأن الشرع يقول للمكلف: لك تأخير الفعل عن أول الوقت بشرط أن يكون عازمًا لا مهلًا قال لهم المعترض: فأين لنا بدل عن وصف فعل لا عن أصله؛ لأن التقديم وصف للصلاة، قالوا: لنا مثل ذلك في الفدية الواجبة على الحامل والمرضع إذا خافتا على الجنين والرضيع
стр. 367
ويجب إطعام مسكين عن كل يوم، والصوم واجب في الذمة فلم تكن الفدية بدلًا عن أصل الصوم لكن عن تأخيره فكما لم يخل الوقت الأول في باب الصلاة عن عزم لم يخل زمان رمضان عن إطعام وهو بدل عن الصوم فيه لا عن أصل الصوم.
تنبيه: قول المصنف: "اختاره ابن عقيل في موضع" أخذها من كلامه في الفصول حيث جعل مسألة الواجب الموسع كالواجب المخير وقاسها عليه.
قال المصنف "فهو موافق لما اختاره أبو البركات" مع ابن عقيل صرح بالفرق.
* * *
стр. 368
(من أخّر الواجب) (١)
قوله (مسألة: من أخر الواجب الموسع مع ظن مانع موت أو غيره أثم إجماعًا، ثم إذا بَقِيَ على حاله ففعله فالجمهور أداء.
وقال (٢) أبو بكر والحسين قضاء).
ما سبق فيما إذا كان يغلب على ظنه السلامة إلى آخر الوقت، فإن كان يتوقع الهلاك ويغلب على ظنه عدم البقاء فإن الوقت يتضيق عليه بالظن، وإن أخر عصى بالاتفاق لجرأته على التأخير، فلو عاش وفعله في الوقت فذهب الجمهور إلى أنه أداء، إذ لا عبرة بالظن الذي بَانَ خطؤه، وبه يعرف أن التضييق ليس معتبرًا في نفس الأمر.
وذهب القاضي أبو بكر الباقلاني والقاضي حسين إلى أنه
стр. 369
قضاء نظرا إلى الظاهر فإنه حكم بالتضييق أولًا فيكون الوقت قد خرج (١).
والصحيح الأول: فإن النظر في الأداء أو القضاء إلى أمر الشارع لا إلى غيره، وألزمهما بعضهم أن يوجبا نية القضاء وأن يؤثما بالتأخير من اعتقد قبل الوقت انقضاؤه، وأما من له التأخير فمات لم يأثم, حكاه بعض أصحابنا إجماعًا.
ولنا وجه يأثم كبعض الشافعية.
ويأثم من له تأخير الحج فمات قبل فعله وفاقًا لتأخيره عن وقته وهو العمر.
وقيل: لعدم ظن البقاء سنة.
وحكى بعضهم عن الشافعي في الحج يأثم الشيخ لا الشاب الصحيح (٢).
وفي الواضح في مسألة الأمر للفور (٣) عن بعض من قال للتراخي لا يأثم بموته لئلا تبطل رخصة التأخير ثم ألزم بالموسع.
* * *
стр. 370
(مطلب ما لا يتم الوجوب به) (١)
قوله: (مسألة: ما لا يتم الوجوب إلا به ليس بواجب إجماعًا، قدر عليه المكلف كاكتساب المال للزكاة أوْ لا، كاليد في الكتابة وحضور الإِمام والعدد في الجمعة).
هذا تحقيق جيد في هذا المقام، وهو الفرق بين ما لا يتم الوجوب إلا به وبين ما لا يتم الواجب إلا به.
فالأول: ليس بواجب إجماعًا سواء كان سببًا كالنصاب يتوقف عليه وجوب الزكاة فلا يجب تحصيله على المكلف لتجب عليه الزكاة، أو شرطًا كالإقامة هي شرط لوجوب أداء الصوم، ولا يجب تحصيلها إذا عرض مقتضي السفر ليجب عليه فعل اقوم، أو مانعًا كالدين لا يجب نفيه لتجب الزكاة، وهذا القسم داخل تحت قدرة المكلف، وكذا إذا لم يدخل تحت قدرته كاليد في الكتابة فإنها شرط فيها وهي مخلوقة لله تعالى، والمكلف لا
стр. 371
قدرة له على إيجادها، وحضور الإِمام والعدد المشترط للجمعة في الجمعة فإنهما شرط لها وليس إلى آحاد المكلفين بالجمعة إحضار الخطيب ليصلي الجمعة، ولا إحضار الناس ليتم بهم العدد.
ذكر الطوفي شرح مختصره أن هذا الضرب غير واجب إلا على القول بتكليف المحال؛ لأنه فرد من أفراده (١).
ونبه على ضعفه العلامة ابن مفلح في أصوله بقوله "كذا قالوا".
* * *
стр. 372
(مطلب ما لا يتم الواجب إلا به أعنى واجب) (١)
قوله: (وأما ما لا يتم الواجب إلا به كالطهارة وقطع المسافة إلى العبادة وغسل بعض الرأس فواجب عند الأكثر خلافًا لبعض المعتزلة وأوجب بعض أصحابنا وغيرهم ما كان شرطًا شرعيًّا، وإذا قلنا بوجوبه عوقب تاركه، قاله القاضي وغيره.
وفي الروضة: لا يعاقب تاركه، وذكره أبو العباس، وقال أيضًا وجوبه عقلًا وعادة، لا ينكر، والوجوب العقابي لا يقوله فقيه، والوجوب الطلبي محل النزاع وفيه نظر).
стр. 373
الوجوب ذكره أصحابنا والشافعية وأكثر الفقهاء وحكاه الآمدي عن المعتزلة (١).
وحكى بعض أصحابنا عن أكثر المعتزلة ليس بواجب (٢).
وحكى ابن الجوزي لا يجب إمساك جزء من الليل في الصوم في أصح الوجهين (٣).
وأوجب بعض أصحابنا ما كان شرطًا شرعيًّا كالطهارة لا غيره، قاله ابن برهان وأبو المعالي وغيرهما (٤).
وجه الأول: أن الأصل وجب بالإيجاب قصدًا، والوسيلة وجبت بإيجاب المقصود فهو واجب كيفما كان. وإن اختلفت علة إيجابهما، وسواء كانت شرطًا لوقوع الفعل كالطهارة وسائر شروط الصلاة، أو غير شرط كمسح جزء من الرأس في غسل الوجه في الوضوء وإمساك جزء من الليل مع النهار في الصوم.
ووجه الثاني: أنه ليس هو الأصل وإنما هو وسيلة إلى الأصل، والواجب إنما هو الأصل لا وسيلته.
стр. 374
وجه ما قاله بعض أصحابنا وهو وجوب ما كان شرطًا شرعيًّا دون غيره لأن الشرط الشرعي تعتبر له النية بخلاف غيره، ألا تر أنَّ الطهارة للصلاة يشترط لها النية كما شرطت للصلاة بخلاف غسل جزء من الرأس وإمساك جزء من الليل فإنه لا تشترط له النية.
وإذا قلنا بوجوبه فهل يعاقب تاركه أم لا؟ الذي ذكره القاضي في الحج عن ميت من ميقات أنه يعاقب كما يثاب (١)، وقاله الآمدي وغيره لما مرّ حد الواجب وهو ما عوقب تاركه، أو توعد على تركه أو ذم على الخلاف المتقدم (٢).
وقال الشيخ موفق الدين وغيره: لا يعاقب عليه؛ لأن العقاب إنما يكون على الأصل لا على الوسيلة (٣).
قال أبو العباس: الذي يجب أن يقال في هذه المسألة: إن الواجب له معنيان:
أحدهما: الطلب الجازم، والثاني: المعاقبة والذم على الترك والوجوب عند الجمهور من أصحابنا وغيرهم يتصور بمجرد القسم الأول، فيكون وجوب هذه اللوازم من باب الأول لا الثاني، إذ لا يعاقب المكلف على ترك هذه اللوازم، بدليل أن من بعدت داره عن المسجد أو مكة لا تزيد عقوبته على عقوبة من
стр. 375
قربت داره، وإن كان ثوابه على الفعل أكثر، إلا أن يقال: قد تكون عقوبة من كثرت واجباته (أكثر) (١) من عقوبة من قلت واجباته، وعلى هذا فقول من قال "يجب التوصل إلى الواجب بما ليس بواجب صحيح ليس كما أنكره أبو محمد متابعة للغزالي وغيره".
وكذلك مسألة ما لا يتم اجتناب المحرم إلا باجتنابه سواء، وقد يقال أيضًا: هذه اللوازم تجب وجوبًا عقليًّا لا وجوبًا طلبيًّا ولا عقابيًّا، فإن هذا النوع ثالث كما يجب لمن أراد الأكل تحريك فيه ولمن (٢) أراد الكلام تحريك آلاته، فهذا وجوب عادي لا شرعي، وهذا الوجوب لا ينكره عاقل كما أن الوجوب العقابيَّ لا يقوله فقيه، يبقى الوجوب الطلبي محل النزاع وفيه نظر، ويشبه أن يقول هو مطلوب بالقصد الثاني لا الأول (٣).
* * *
стр. 376
(مطلب إذ كنى الشارع عن العبادة) (١)(٢)
قوله: (مسألة: إذ كنى الشارع عن العبادة ببعض ما فيها نحو ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ (٣) و ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ (٤) دل على فرضه جزم به القاضي وابن عقيل) لأن العرب لا تكني إلا بالأخص بالشيء.
* * *
стр. 377
(مطلب: يجوز أن يحرم واحد لا بعينه) (١)
قوله: (مسألة: يجوز أن يحرم واحد لا بعينه عند الأكثر خلافًا للمعتزلة) يجوز النهي عن واحد من أشياء كقوله: "إلا تكلم زيدًا أو عمرًا" فقد حرمت عليك (٢) كلام أحدهما لا بعينه فصح ما ذكرناه.
وقد قال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا (٢٤)﴾ [الإنسان: ٢٤] (٣)
стр. 378
وبه قال الشافعية (١) وقاسوه على الأمر بواحد من أشياء، فإنه لا يقتضي وجوب الجميع، وكذلك الأمر بالترك في أحد شيئين لا يقتضي وجوب تركهما وإلحاقهما بالمخير ذكره الآمدي وابن الحاجب (٢).
لكن المعتزلة لم يوجبوا فعل الجميع هناك (٣) وهاهنا أوجبوا اجتناب الجميع (٤) فلا يجوز له فعل واحد منها، وبنوا هذا على أصلهم الفاسد أن النهي لا يرد إلا عن قبيح فإذا نهى عنهما - ثبت قبحهما فكانا منهيين، وإن ورد النهي بلفظ التخيير، اللهم إلا أن يدل الدليل على أن كل واحد منهما منهي عنه بشرط وجود فيكون الآخر فيكون للتخيير.
هناك فائدة بأن يقال "لا تأكل ولا تشرب" ويدل الدليل على أنه إنما نهى عن الأكل بعد وجود الشرب، وكذا إنما نهى
стр. 379
عن الشرب بعد وجود الأكل، فيكونان منهيين على طريقة التخيير على هذا الوجه (١). هذا تحرير مذهب المعتزلة على ما قاله ابن السمعاني وغيره، وحينئذ فلا يصح إطلاق إلحاقها بالمخير.
* * *
стр. 380
(مبحث لطيف) (١)
واستشكل القرافي القول بأن النهي يرد مع التخيير بين أمرين فصاعدًا، وفرق بينه وبين الأمر بواحد من أشياء، بأن الأمر هناك يتعلق بمفهوم أحدها الذي هو قدر مشترك بينها بصدق على كل واحد منها ومتعلق التخيير الخصوصيات، ولا يلزم من إيجاب المشترك إيجاب الخصوصيات كما في إيجاب رقبة مطلقة في العتق لا يلزم منه إيجاب رقبة معينة، وأما النهي فإنه يتعلق بمشترك حرمت أفراده كلها ويلزم منه في تحريم المشتركات تحريم الخصوصيات (٢).
ثم أجاب عن الجمع بين الأختين ونحوها بأن التحريم إنما يتعلق بالمجموع عينًا لا بالمشترك بين الأفراد، والمطلوب أن لا تدخل ماهيته في الوجود هو المجموع والماهية تنعدم بانعدام جزء منها (٣).
قال بعضهم: والظاهر أن هذا مرادهم بتحريم واحد من
стр. 381
أشياء لا ذلك الذي اسشكله وهو الكلي المشترك؛ لأن من المحال عقلًا أن يفعل الإنسان فردًا من جنس أو نوع أو كلي مشترك من حيث الجملة ولا يفعل ذلك المشترك المنهي عنه فإن الكلى مندرج في الجزء بالضرورة.
* * *
стр. 382
(مطلب: يجتمع في الشخص الواحد ثواب وعقاب) (١)
قوله: (مسألة يجتمع في الشخص الواحد ثواب وعقاب خلافًا للمعتزلة، ويستحيل كون الشيء واجبًا حرامًا من جهة إلا عند بعض من يجوز تكليف الحال) في الشخص الواحد ثواب وعقاب كنوع الآدمي قال الله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا﴾ (٢)، خلافًا للمعتزلة لأنهم خلدوا أهل الكبائر في النار لوجود العقاب، فلما وجد منعوا الثواب.
والفعل الواحد بالشخص له جهة واحدة يستحيل كونه واجبًا حرامًا لتنافيهما إلا عند من قال بتكليف المحال عقلًا وشرعًا.
وأما الواحد بالجنس أو (٣) النوع كالسجود واجب الله تعالى
стр. 383
محرم للصنم لتغايرهما بالشخصية فلا استلزام بينهما خلافًا لبعض المعتزلة؛ لأن السجود مأمور به لله تعالى. فلو حرم للصنم لاجتمع أمر ونهي في نوع واحد والمنهي قصدُ تعظيمه.
رد بأن المأمور به السجود المقيد بقصد تعظيم الله تعالى، والسجود المنهى عنه المقيد بقصد تعظيم الصنم، ولهذا قال الله : ﴿لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ﴾ (١).
* * *
стр. 384
(الصلاة في الدار المغصوبة) (١)
قوله: (وأما الصلاة في الدار المغصوبة فمذهب إمامنا والظاهرية وغيرهم عدم الصحة خلافًا للأكثرين. قيل: يسقط الفرض عندها لا بها).
أما الصلاة في الدار المغصوبة (٢) فمذهب الإِمام وأكثر
стр. 385
أصحابه لا تصح وقاله الظاهرية والزيدية (١) والجبائي وابنه وهو رواية عن مالك، وحكاه بعضهم عن أكثر المتكلمين (٢)، ووهمه العلامة ابن مفلح، وحكاه ابن قاضي الجبل عن المتكلمين والرازي (٣)، فعلى هذا لا يسقط الطلب بها وكذا عندها خلافًا لابن الباقلاني (٤) وادعاه إجماعًا، وهي دعوى لا دليل عليها ولا إجماع، ثم لا وجه لسقوط العبادة عند فعل باطل، وأيضًا: فإن مسقطات الفرض محصورة من نسخ أو عجز أو فعل غير كالكفاية وليس هذا منها، مع أنه لا يعرف عن أحد قبله.
وعن أحمد تصح مع التحريم، اختارها الخلال (٥) وابن
стр. 386
عقيل في "فنونه" وغيرهما، وفاقًا لمالك في الأشهر عنه وعن الشافعي (١)
وعنه: إن علم التحريم لم يصح وإلا صحت.
وحكى بعض أصحابنا قولًا تصح مع الكراهية، وفاقًا لأبي حنيفة (٢).
لنا: تعلق الوجوب والحرمة بفعل المكلف وهما متلازمان في هذه الصلاة، فالواجب متوقف على الحرام، وما لا يتم الواجب إلا به واجب فالحرام واجبا وهو تكليف بالمحال، ولأن شغل الحيز حرام. وهو داخل في مفهومي الحركة والسكون الداخلين في مفهومها يدخل في مفهومها لأنه جزؤها، فالصلاة التي جزؤها حرام غير واجبة لوجوب الجزء الحرام، إذ استلزم وجوبها وجوب أجزائها، وإلا كان الواجب بعض أجزاء الصلاة لا نفسها لتغاير الكل والجزء.
قالوا: لو لم تصح لما سقط التكليف. قال الباقلاني: وقد سقط بالإجماع؛ لأنهم لم يؤمروا بقضاء الصلاة.
стр. 387
قيل: لا إجماع في ذلك لعدم ذكره ونقله، كيف وقد خالف الإِمام أحمد ومن معه وهو إمام النقل وأعلم بأحوال السلف.
قال الجويني: الجميع قالوا بوجوب القضاء (١).
واعترض الآمدي وغيره: بأن العبد إذا أمر بخياطة ثوب ونُهي عن مكان مخصوص فجمع بينهما كان طائعًا عاصيًا للجهتين إجماعًا (٢).
وما سبق جار فيه. فالجواب واحد، وأيضًا: متى أخل مرتكب النهي بشرط العبادة أفسدها، ونية التقرب بالصلاة شرط، والتقرب بالمعصية محال، وهذا معنى قول أبي الخطاب: من شرط الصلاة الطاعة ونيته بها أداء الواجب وحركته معصية، ونية أداء الواجب بما يعلم غير واجب بل معصية محال (٣).
* * *
стр. 388
(مطلب ما يلزم سيدنا الإِمام أحمد عند الغزالي والرد على الغزالي) (١)
تنبيه: قال الغزالي: يلزم الإِمام أحمد القائل بأن الصلاة باطلة وجميع العقود في البيع وقت النداء أن لا تحل امرأة تزوجها وفي ذمته دانق (٢) ظلم ولا صلاته ولا جميع تصرفاته ولا يحصل التحليل بوطئ من هذا شأنه لأنه عاص بترك رد المظلمة ولم يتركه (٣) إلا بتزويجه فيلزمه تحريم أكثر النساء وبطلان أكثر الأملاك وهو خرق للإجماع (٤).
قال ابن قاضي الجبل: لا يلزمه شيء من ذلك، أما البيع وقت النداء وسائر العقود المحرمة التي لا يمكن جبرها بالرضى فالإمام أحمد يبطلها, لأن الشارع عزل أربابها عن التصرف بالنهي، وأما عدم حل من تزوجها مع تلبسه بالدانق فإنه أمر
стр. 389
برده، ومن لوازم الأمر النهي عما سواه، وما سواه أضداد لم ينه عنها بخصوصها، ومن جملة الأضداد التلبس بالعقد العاري عن النهي بطريق الخصوص وإنما هو فرد من تلك الأفراد، والمنهي عنه القدر المشترك وما امتاز كل فرد من الأضداد فلا نهي فيه. وأما الصلاة في المحل المغصوب فمنهي عنها لذاتها لا لكونها ضدًا ولا النهي استلزامًا فظهر إنفكاك محل النزاع عما أورده مع أن بعض الأصحاب صار إلى بطلان صلاة من تلبس بها مع مطالبته بالوديعة.
قال الغزالي: إن قيل هذه المسألة قطعية أو اجتهادية قلنا قطعية والمصيب بها واحد, لأن من صحح أخذ من الإجماع وهو قطعي ومن أبطل أخذ من التضاد الذي بين القربة والمعصية، ويدعى كون ذلك محالًا بدليل العقل (١).
قال ابن قاضي الجبل: قلت المسألة اجتهادية ونقل الإجماع باطل. والتضاد ظني لا قطعي في خصوص المسألة.
* * *
стр. 390
(من خرج من أرض الغصب تائبًا) (١)
قوله: (وأما من خرج من أرض الغصب تائبًا فتصح توبته فيها. ولم يعص بحركة خروجه عند ابن عقيل وغيره خلافًا لأبي الخطاب) الخارج من الغَصب تائبًا تصح توبته قبل خروجه، ولم يعص بحركة الخروج، قاله ابن عقيل واختاره، وهو قول الأشعرية وإحدى الروايتين عن الشافعي (٢).
قال ابن برهان: قاله الفقهاء والمتكلمون كافة (٣).
قال ابن عقيل: لم يختلفوا ألّا يُعدَّ واطئًا بنزعه في الإثم بل في التكفير، وكإزالة محرم طيبًا بيده، ولعدم غصبه بعدم نيته، والمالك في الحقيقة الله والآدمي مستخلف وغرضه الضمان وهو باق بصورة الفعل.