← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 127717

شرح مختصر أصول الفقه للجراعي

الجراعي

Полный текст (1 782 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

عقيل في "فنونه" وغيرهما، وفاقًا لمالك في الأشهر عنه وعن الشافعي (١) وعنه: إن علم التحريم لم يصح وإلا صحت. وحكى بعض أصحابنا قولًا تصح مع الكراهية، وفاقًا لأبي حنيفة (٢). لنا: تعلق الوجوب والحرمة بفعل المكلف وهما متلازمان في هذه الصلاة، فالواجب متوقف على الحرام، وما لا يتم الواجب إلا به واجب فالحرام واجبا وهو تكليف بالمحال، ولأن شغل الحيز حرام. وهو داخل في مفهومي الحركة والسكون الداخلين في مفهومها يدخل في مفهومها لأنه جزؤها، فالصلاة التي جزؤها حرام غير واجبة لوجوب الجزء الحرام، إذ استلزم وجوبها وجوب أجزائها، وإلا كان الواجب بعض أجزاء الصلاة لا نفسها لتغاير الكل والجزء. قالوا: لو لم تصح لما سقط التكليف. قال الباقلاني: وقد سقط بالإجماع؛ لأنهم لم يؤمروا بقضاء الصلاة.

стр. 387

قيل: لا إجماع في ذلك لعدم ذكره ونقله، كيف وقد خالف الإِمام أحمد ومن معه وهو إمام النقل وأعلم بأحوال السلف. قال الجويني: الجميع قالوا بوجوب القضاء (١). واعترض الآمدي وغيره: بأن العبد إذا أمر بخياطة ثوب ونُهي عن مكان مخصوص فجمع بينهما كان طائعًا عاصيًا للجهتين إجماعًا (٢). وما سبق جار فيه. فالجواب واحد، وأيضًا: متى أخل مرتكب النهي بشرط العبادة أفسدها، ونية التقرب بالصلاة شرط، والتقرب بالمعصية محال، وهذا معنى قول أبي الخطاب: من شرط الصلاة الطاعة ونيته بها أداء الواجب وحركته معصية، ونية أداء الواجب بما يعلم غير واجب بل معصية محال (٣). * * *

стр. 388

(مطلب ما يلزم سيدنا الإِمام أحمد عند الغزالي والرد على الغزالي) (١) تنبيه: قال الغزالي: يلزم الإِمام أحمد القائل بأن الصلاة باطلة وجميع العقود في البيع وقت النداء أن لا تحل امرأة تزوجها وفي ذمته دانق (٢) ظلم ولا صلاته ولا جميع تصرفاته ولا يحصل التحليل بوطئ من هذا شأنه لأنه عاص بترك رد المظلمة ولم يتركه (٣) إلا بتزويجه فيلزمه تحريم أكثر النساء وبطلان أكثر الأملاك وهو خرق للإجماع (٤). قال ابن قاضي الجبل: لا يلزمه شيء من ذلك، أما البيع وقت النداء وسائر العقود المحرمة التي لا يمكن جبرها بالرضى فالإمام أحمد يبطلها, لأن الشارع عزل أربابها عن التصرف بالنهي، وأما عدم حل من تزوجها مع تلبسه بالدانق فإنه أمر

стр. 389

برده، ومن لوازم الأمر النهي عما سواه، وما سواه أضداد لم ينه عنها بخصوصها، ومن جملة الأضداد التلبس بالعقد العاري عن النهي بطريق الخصوص وإنما هو فرد من تلك الأفراد، والمنهي عنه القدر المشترك وما امتاز كل فرد من الأضداد فلا نهي فيه. وأما الصلاة في المحل المغصوب فمنهي عنها لذاتها لا لكونها ضدًا ولا النهي استلزامًا فظهر إنفكاك محل النزاع عما أورده مع أن بعض الأصحاب صار إلى بطلان صلاة من تلبس بها مع مطالبته بالوديعة. قال الغزالي: إن قيل هذه المسألة قطعية أو اجتهادية قلنا قطعية والمصيب بها واحد, لأن من صحح أخذ من الإجماع وهو قطعي ومن أبطل أخذ من التضاد الذي بين القربة والمعصية، ويدعى كون ذلك محالًا بدليل العقل (١). قال ابن قاضي الجبل: قلت المسألة اجتهادية ونقل الإجماع باطل. والتضاد ظني لا قطعي في خصوص المسألة. * * *

стр. 390

(من خرج من أرض الغصب تائبًا) (١) قوله: (وأما من خرج من أرض الغصب تائبًا فتصح توبته فيها. ولم يعص بحركة خروجه عند ابن عقيل وغيره خلافًا لأبي الخطاب) الخارج من الغَصب تائبًا تصح توبته قبل خروجه، ولم يعص بحركة الخروج، قاله ابن عقيل واختاره، وهو قول الأشعرية وإحدى الروايتين عن الشافعي (٢). قال ابن برهان: قاله الفقهاء والمتكلمون كافة (٣). قال ابن عقيل: لم يختلفوا ألّا يُعدَّ واطئًا بنزعه في الإثم بل في التكفير، وكإزالة محرم طيبًا بيده، ولعدم غصبه بعدم نيته، والمالك في الحقيقة الله والآدمي مستخلف وغرضه الضمان وهو باق بصورة الفعل.

стр. 391

وخالف أبو الخطاب في الانتصار قال: لكن يفعله لدفع أكبر المعصيتين بأقلهما, ولهذا الكذب معصية يجوز فعله لدفع قتل مؤمن ظلمًا كذلك هاهنا، وقاله أبو شمر المرجئ (١) وأبو هاشم المعتزلي، وضعف بأنه تكليف بالمحال لتعلق الأمر والنهي بالخروج. واستصحب أبو المعالي حكم المعصية مع الخروج مع أنه غير منهي عنه كذا قيل عنه (٢). وقيل عنه: أنه طاعة لأخذه في ترك الغصب معصية لأنه في ملك غيره مستند إلى فعل متعدي كالصلاة (٣). وضعف بأنه لا جهتين لخروجه لتعذر امتثاله به لو كان منهيًا عنه ولو كان له جهتان لم يتعذر. وقال في المسودة: نظير المسألة توبة المبتدع الداعي إلى بدعته وهما روايتان أصحهما الجواز والأخرى اختيار ابن شاقلا لإضلال غيره (٤).

стр. 392

قال أبو العباس: عن أحمد روايتان منصوصتان فيمن قال لزوجته: إن وطئتك فأنت طالق ثلاثًا. هل يحل له الوطء أم لا. فإن قلنا يحل له فيجب على قياسها أن يكون الخارج في مسألة الغصب ممتثلًا من كل وجه، وإن قلنا لا يحل له توجه لنا يقول أبي هاشم وأبي المعالي (١). قال ابن مفلح: كذا قال وهذا تكليف بممكن بخلاف ذاك. * * *

стр. 393

(مطلب لو توسط جمعًا من الجرحى) (١) (فائدة: لو توسط جمعا من الجرحى متعمدًا وجثم على صدر واحد منهم وعلم أنه (إن) (٢) بقي مكانه أهلك من تحته وإن انتقل عنه لم يجد موضع قدم إلا بدن آخر يهلك بانتقاله إليه فقول أبي هاشم كما سبق في التي قبلها. وقال الجويني: المقطوع عندي سقوط التكليف عن هذا مع استمرار سخط الله تعالى عليه وغضبه، أما سقوط التكليف فلأنه يستحيل تكليفه ما لا يطيقه، ووجه دوام الغضب عليه تسببه إلى ما لا مخلص له منه، حتى لو فرضنا حصوله في وسطهم بغير تعد منه بأن ألقاه غيره فلا تكليف ولا عصيان (٣). وذكر ابن عقيل نحو هذا في مسألة ما إذا وطئ فطلع عليه

стр. 394

الفجر فقال: إن وقع على الجرحى بغير اختياره لزمه المكث ولا يضمن ما تلف بسقوطه، وإن تلف شيء باستمرار مكثه أو انتقاله لزمه ضمانه. واختار ابن عقيل في مسألة التائب العاجز عن مفارقة المعصية في الحال أو العاجز عن إزالة أثرها مثل متوسط المكان المغصوب ومتوسط الجرحى أنه تصح توبته، ولا تقف صحتها على مفارقة المكان ولا مشيه ولا سعيه في عرصة الدار الغصب خارجًا عصيان بل هو مع العزم والندم تارك مقلع) (١). قال أبو العباس: "والتحقيق أن هذه الأفعال يتعلق بها حق الله تعالى وحق الآدمي، فأما حق الله تعالى فيزول بمجرد الندم وأما حقوق العباد فلا تسقط إلا بعد أدائها إليهم، وعجزه عن إيفائها حين التوبة لا يسقطها، بل له أن يأخذ من حسنات هذا الظالم في الآخرة إلى حين زوال الظلم وأثره، كما له أن يضمنه ذلك في الدنيا" (٢). * * *

стр. 395

(الندب لغة) (١) قوله: (مسألة: الندب لغة: الدعاء إلى الفعل. وشرعًا: ما أثيب فاعله ولم يعاقب تاركه. وقيل: مأمور به يجوز تركه لا إلى بدل، وهو مرادف السنة والمستحب، وهو مأمور به حقيقة عند الأكثر، وقال الحلواني وأبو الخطاب مجازا. وذكر أبو العباس أن المرغب فيه من غير أمر هل يسمى طاعة وأمرًا حقيقة فيه أقوال ثالثها يسمى طاعة لا مأمورًا به). الندب في اللغة الدعاء إلى الفعل (٢). قال الشاعر (٣): لا يسألون أخاهم حين يندبهم ... في النائبات على ما قال برهانا. وقال الآمدي: الندب في اللغة هو الدعاء إلى أمر مهم (٤).

стр. 396

قال بعضهم (١): وهو أخص من الأول (٢) وأنسب وأمهر في كلام العرب وأغلب، وعليه يحمل عموم كلام غيره. والندب في الأصل مصدر ندبه يندبه ندبًا والمفعول مندوب وهو المراد هاهنا لأنه المقابل للواجب، ويقال له ندب إطلاقًا للمصدر على المفعول مجازًا (٣). والندب في الشرع: ما أُثيب فاعلة ولم يعاقب تاركه. فالأول جنس يشمل الواجب والندب. والثاني فصل يخرج الواجب. وقيل في حده: "مأمور به يجوز تركه لا إلى بدل" (٤). فـ "مأمور" جنس يتناوله والواجب و"يجوز تركه" يتناول الواجب الموسع والمخير وفروض الكفاية, لأنها مأمورات يجوز تركها لكن إلى بدل، وقولنا "لا إلى بدل" خرجت هذه الثلاثة ونحوها. وقال الآمدي: المندوب: هو المطلوب فعله شرعًا ولا ذم على تركه مطلقًا (٥).

стр. 397

وقال القرافي: هو ما رجح فعله على تركه شرعًا من غير ذم (١). والأقوال متقاربة. وقوله: (وهو مرادف السنة والمستحب) يعني المندوب مساويها في الحد والحقيقة وإنما اختلفت الألفاظ الأن المترادف هو اللفظ المتعدد لمسمى واحد. وقوله: (مأمور به حقيقة عند الأكثر وقال الحلواني وأبو الخطاب مجازا). عند أحمد وأكثر أصحابه أنه مأمور به حقيقة، وجزم به التميمي عن أحمد. وفي الروضة (٢). وحكاه ابن عقيل عن أكثر العلماء الأصوليين والفقهاء (٣). وعند الحلواني مجاز وفاقًا لأبي حنيفة واختاره أبو الخطاب في التمهيد في مسألة "الأمر بالشيء نهي عن ضده" (٤).

стр. 398

وللمالكية والشافعية قولان (١): وجه الأول: دخوله في حد الأمر، وانقسام الأمر إليهما (٢) وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ (٣) وإطلاق الأمر عليه في الكتاب والسنة، والأصل الحقيقة، ولأنه طاعة (٤) الامتثال الأمر. ووجه الثاني: قوله ﷺ : "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك" متفق عليه (٥) ولو كان أمرًا لعُصيَ بتركه. رد: المراد به أمر الإيجاب، ولهذا قيده بالمشقة ثم يسمى عاصيًا. قال ابن عقيل: هذا قياس المذهب لقول أحمد ﵁ في تارك الوتر "رجل سوء" وهو مقتضى اللغة؛ لأن كل ما أطاع بفعله عصى بتركه.

стр. 399

وقال: يقال خالف أمر الله إذا لم يعمله أو داوم عليه ولأنه يصح نفي الأمر عنه. رد: بالمنع. وقال ابن عقيل: ولابد من تقييد في نفيه فيقال خالف أمر الله في النفل كإثباته فيقال أمر ندب. قوله: (وذكر أبو العباس أن المرغب فيه من غير أمر هل يسمى طاعة وأمرًا حقيقة؟ فيه أقوال، ثالثها (١) يسمى طاعة لا مأمورًا به) (٢). مثاله قول النبي ﷺ : "رحم الله من صلى قبل العصر أربعًا" (٣) وجه أنه ليس بأمر ولا طاعة: أما كونه ليس بأمر فلان الأمر هو الطلب المقتضي للفعل سواء كان مع الجزم أوْ لا، وهذا منتف هنا وأما كونه ليس بطاعة فلأن الطاعة موافقة الأمر عندنا، وبه قال الفقهاء والأشعرية (٤).

стр. 400

وقالت المعتزلة: هو موافقة الإرادة، ذكره أبو العباس في أواخر المسودة (١)، ووجه أنه طاعة وأمر: أما الطاعة فلأنه مثاب عليه، وكل مثاب عليه طاعة، وأما الأمر فلأن كل طاعة مأمور بها. قال القاضي أبو يعلى في أول "العدة" الطاعة: موافقة الأمر، والمعصية مخالفة الأمر (٢). ووجه القول الثالث وهو كونه طاعة لا مأمورًا به: لأنه مثاب عليه والمثاب عليه طاعة، حتى قال بعض أصحابنا: هو طاعة وقربة إجماعًا، والطلب منتف فليس بأمر. قال القاضي أبو يعلى على ظهر جزء حَدُّ الأمر ما كان المأمور بفعله ممتثلًا وليس حده ما كان طاعة؛ لأن الفعل يكون طاعة بالترغيب في الفعل وإن لم يؤمر به كقوله "من صلى غفرت له ومن صام فقد أطاعني" ولا يكون ذلك أمرًا (٣). * * *

стр. 401

(مطلب الندب تكليف) (١) قوله: (مسألة: الندب تكليف، ذكره ابن عقيل وصاحب الروضة وغيرهما، ومنعه الأكثر) قد تقدم أن المراد بالندب المندوب، وكذا قال هنا ابن مفلح، وابن قاضي الجبل. زاد ابن قاضي الجبل: والأصح أنه من التكليف خلافًا للجويني (٢)، إذ معناه طلب ما فيه كلفة، وقد يكون أشق من الواجب وليست المشقة منحصرة في الواجب.

стр. 402

قال جماعة: وهي لفظية (١). فائدة: من المندوب ما يلزم بالشروع كحج التطوع، ومنه ما لا يلزم كالاعتكاف، ومنه ما فيه خلاف كالصوم والصلاة، والمقدم عدم اللزوم خلافًا لأبي حنيفة وإحدى الروايات عن أحمد، والثالثة: الفرق بين الصوم والصلاة فتلزم دونه (٢). * * *

стр. 403

(مسألة: إذا طال الواجب الموسع) (١) قوله: (مسألة: إذا طال واجب لا حَدَّ له كطمأنينة وقيام: فما زاد على قدر الإجزاء نفل عند أحمد وأكثر أصحابه، خلافًا لبعض الشافعية) ما زاد على قدر الإجزاء نفل وفاقًا للأئمة الثلاثة، لجواز تركه مطلقًا (٢) وعند الكرخي الحنفي واجب لتناول الأمر لهما. واختلف كلام (٣) القاضي، وعزى الثاني إلى بعض الشافعية

стр. 404

وذكر أبو محمد التميمي (١) الأول قول أحمد. واختلف أصحابه. ومن أدرك الركعة بعد الطمأنينة أدركها وفاقًا لأبي حنيفة والشافعي؛ لأن الاتباع يسقط الواجب كمسبوق وصلاة امرأة جمعة، ويوجب غير واجب كمسافر ائتمّ بمقيم. ولنا وجه لا يدركها وفاقًا لمالك واحد القاضي من أدركه كالكرخي (٢) ورده ابن عقيل وأبو الخطاب (٣). * * *

стр. 405

(المكروه) (١) قوله: (مسألة: المكروه ضد المندوب، وهو: ما مدح تاركه ولم يذم فاعله، وهو في كونه منهيًا عنه حقيقة ومكلفًا به كالمندوب، ويطلق أيضًا على الحرام، وعلى ترك الأولى، وذكر بعض أصحابنا وجهًا لنا: أن المكروه حرام، وقاله محمد بن الحسن. وعن أبي حنيفة وأبي يوسف: هو إلى الحرام أقرب. وإطلاقه في عرف المتأخرين ينصرف إلى التنزيه). المكروه لغة من الكريهة والشدة في الكرب (٢). وشرعًا: ما مدح تاركه ولم يُذَمَّ فاعله (٣).

стр. 406

فقوله: "ما مدح تاركه" جنس شمل الحرام، وقوله "لم يذم فاعله" فصل خرج به الحرام". وقيل: ما ترجح تركه على فعله من غير وعيد فيه. وبهذا القيد الأخير خرج الحرام. وقيل: ما تركه خير من فعله، وهو الذي ذكره الشيخ موفق الدين ﵀ (١) وهو بظاهرة يتناول الحرام. وقال القرافي وغيره: هو ما ترجح (٢) تركه على فعله شرعًا من غير ذم (٣). ومعانيها متقاربة. وهو في كونه منهيًا عنه حقيقة ومكلفًا به كالمندوب لأنه مقابله وفي (وزانه) (٤). وهو داخل في تقسيم الأحكام كما تقدم، ويطلق أيضًا على الحرام كما قال الخرقي (٥) "ويكره أن يتوضأ في آنية الذهب

стр. 407

والفضة" (١) أي يحرم (٢)، وعلى ترك الأولى كقوله "من صلى صلاة بلا أذان ولا إقامة كرهنا له ذلك ولا يعيد" (٣) أي الأولى أن يصلي بأذان وإقامة أوْ أحدهما فإن أحل أحد بهما فقد ترك الأولى. وذكر ابن حمدان في مقنعه وجهًا لنا: أن المكروه حرام لما تقدم من قول الخرقي. وأبو حنيفة وأبو يوسف قالا: إذا وجدنا شيئًا مكروهًا فهو إلى الحرام أقرب، لم يحكما عليه بتنزيه ولا تحريم ولكن جعلاه إلى التحريم أقرب منه إلى التنزيه، وأما في عرف المتأخرين فقد صار إطلاقه ينصرف إلى التنزيه. * * *

стр. 408

(الأمر المطلق) (١) قوله: (مسألة: الأمر المطلق لا يتناول المكروه عند الأكثر خلافًا للرازي الحنفي) كونه لا يتناول المكروه قال به الأئمة الأربعة (٢)، خلافًا للرازي الحنفي (٣)، قاله ابن مفلح وقال المجد وابن قاضي الجبل: لا يتناول المكروه في قول أصحابنا والشافعية والجرجاني الحنفي (٤).

стр. 409

وقال الرازي (١): يتناوله. وقال التاج السبكي: لا يتناوله خلافًا للحنفية (٢). وقال ابن السمعاني في "القواطع": وذهب أصحاب أبي حنيفة إلى أنه يتناوله، إذا عرف هذا فلا يستدل لصحة طواف المحدث بقوله تعالى ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا﴾ (٣) ولعدم ترتيب وموالاة في الوضوء بالآية (٤). وذكر أبو محمد التميمي الأول قول أحمد وأن أصحابه اختلفوا (٥)، وقال ابن عقيل: وكذا وطء الزوج في الحيض لا يحللها للأول (٦). تنبيهات: أحدها: قال التاج السبكي في التفريع على هذه المسألة: ولا تصح الصلاة في الأوقات المكروهة، وإن كانت كراهة تنزيه (٧) وهو الصحيح وقرره شارحه (٨) وعضده.

стр. 410

الثاني: قول المصنف "الأمر المطلق" وكذا قال الشيخ موفق الدين، وابن السمعاني في "القواطع" (١)، وقال المجد وابن مفلح وابن قاضي الجبل "الأمر لا يتناول المكروه" (٢). وقال التاج السبكي: "مطلق الأمر لا يتناول المكروه" (٣) والذي يظهر أن ما قاله السبكي موافق لما قاله المجد ومن تابعه، لأن مطلق الأمر هو: الأمر من غير قيد وهم لم يقيدوه والذي قاله ابن السمعاني والشيخ والمصنف هو الأمر بقيد الإطلاق. والظاهر أن ما قاله المجد هو المقصود لأن قوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا﴾ (٤) هو الأمر بلا قيد، فيقال فيه (مطلق) (٥) الأمر ولا يصح أن يقال فيه الأمر المطلق, لأنه مقيد بقيد الإطلاق، لكن قد يقال أن قول (من قال) (٦) الأمر المطلق إنما مراده أن يحترز من الأمر المقيد فحينئذ يتحد المقصود والله تعالى أعلم. الثالث: قولهم "لا يتناول المكروه" مثالهم لا يساعده، لأنهم مثلوا بالباطل لا بالمكروه وهو الطواف على غير طهارة. والجواب: أنه إنما هو مكروه عند المخالف لا عندنا، وكلام ابن السمعاني صريح في ذلك، وهو كان حنفيًّا وتشفع فقال: الفعل بوصف الكراهة لا يتناوله الأمر المطلق.

стр. 411

وذهب أصحاب أبي حنيفة إلى أنه يتناوله، والخلاف تظهر فائدته في قوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ (١) فعندنا هذا لا يتناول الطواف بغير طهارة ولا الطواف منكوسًا، وعلى مذهبهم يتناوله فإنهم وإن اعتقدوا كراهة هذا الطواف ذهبوا إلى أنه دخل في الأمر حتى يتصل به الأمر الشرعي. وعندنا لا مدخل ولا جواز لمثل ذلك الطواف، قال: وهذا المثال على أصلهم يتصور، وأما عندنا لا نقول أن ذلك مكروه بل لا طواف أصلًا لقيام الدليل على أن الطهارة شرط فيه كالصلاة، وعلى أن الطواف على هيئة مخصوصة لا يوجد إذا طاف منكوسًا (٢). قال: وحجتنا أن الأمر يفيد الوجوب حقيقة والندب والإباحة مجازًا فما ليس بواجب ولا مندوب ولا مباح لا يتصور أن يتناوله الأمر. * * *

стр. 412

(مطلب المباح) (١) قوله: (مسألة: المباح غير مأمور به خلافًا للكعبي (٢)، وعلى الأول إذا أريد بالأمر الإباحة فمجاز عند الأكثر، وقال أبو الفرج الشيرازي وبعض الشافعية حقيقة). المباح لغة: المعلن والمأذون أخذا من الإباحة، وهي الإظهار والإعلان، ومنه "باح بسره" (٣). وشرعًا: ما ورد فيه دليل الشرع بالتخيير فعلا وتركًا من غير ترجيح كما سبق.

стр. 413

ومن أسمائه: الحلال والمطلق. وقد يقال: الحلال: ما لا ضرر في فعله وإن منع تركه كدم المرتدين، وهو غير مأمور به وفاقًا (١) خلافًا للكعبي البلخي المعتزلي وأصحابه. وعلى الأول إذا أريد بالأمر الإباحة فمجاز وفاقًا، وقال أبو الفرج الشيرازي وبعض الشافعية حقيقة. واختلف كلام القاضي (٢). لنا: الأمر (٣) يستلزم ترجيح الفعل، ولا ترجيح فيه، ولأنه قسم من الأحكام إجماعًا، قال: كل مباح ترك حرام وترك الحرام واجب، وما لا يتم الواجب إلا به واجب. وتأول الإجماع بالنظر إلى ذات الفعل دون تعلق الأمر به بسبب توقف الحرام عليه جمعًا بين الأدلة، ورد بأن المباح ليس ترك الحرام، بل شيء يترك به الحرام مع إمكان تركه بغيره فلا يجب، ورد بأن فيه تسليم وجوب أحد ما يترك به الحرام غايته أنه غير معين، ويتعين بفعله وأُلزِمَ الكعبي (٤) أيض أبو جوب المحرم إذا ترك به محرم، وتحريم الواجب إذا ترك به واجب.

стр. 414

فأجاب: لا مانع من اتصاف الفعل بهما كالصلاة في الغصب. ولنا: منعه على أصلنا. وذكر ابن عقيل المسألة في "النسخ" وأجاب بأن العمل الشاغل لا ذوات المكلف وأبعاضه يمتنع معه فعل آخر للتضاد والتنافي، فلا يسمى متروكًا ولا تاركًا حقيقة ولا قادرًا عليه فمن هنا (١) الكعبي لم يفصل بين الترك وتعدد الفعل للتنافي. وذكر الآمدي أن قوله في غاية الغوص والإشكال وأنه لا مخلص إلا بمنع وجوب ما لا يتم الواجب إلا به (٢). تنبيهان: أحدهما (٣): اختلفوا هل خلاف الكعبي لفظي أو معنوي على قولين. قال التاج السبكي: لفظي (٤) لأن المباح له اعتباران (٥). أحدهما بالنظر إلى ذاته ولا شك أنه مأمور به والكعبي لا يخالف فيه. الثاني: باعتبار أمر عارض له. وهو ترك الحرام ولا شك أنه مأمور به في هذه الحيثية، والجمهور لا يخالفونه، وأشار

стр. 415

الهندي إلى أنه معنوي من جهة أخرى فإنه بناه على الخلاف في أن الأمر حقيقة في ماذا؟ فإن قلنا في رفع الحرج عن الفعل أو في الإباحة فهو مأمور به. وإن قلنا حقيقة في الوجوب أو في الندب أو في القدر المشترك فليس بمأمور به (١). الثاني: الأحكام الشرعية الخمسة لها نظائر من الأحكام العقلية فنظير الواجب الشرعي ضروري الوجود، وهو الواجب عقلًا، ونظير المحرم الممتنع. ونظير المندوب الممكن الأكثري ونظير المكروه الممكن الأقلي، ونظير المباح الممكن المتساوي الطرفين (٢). * * *

стр. 416

(خطاب الوضع) (١) قوله: (خطاب الوضع: ما استفيد بواسطة نصب الشارع علمًا معرفًا لحكمه لتعذر معرفة خطابه في كل حال) قد تقدم بيان معنى الخطاب والوضع، ومعنى هذه الجملة المذكورة (٢) أن التكليف بالشريعة لما كان دائمًا إلى انقضاء الوجود كما أجمع عليه المسلمون، وكان خطاب الشارع مما يتعذر على المكلفين سماعه ومعرفته في كل حال على تعاقب الأعصار وتعدد الأمم؛ لأن الشارع إما الله ، وخطابه لا يعرفه المكلفون إلا بواسطة الرسل ﵈ أو الرسول ﵊ وهو غير مخلد في الدنيا اقتضت حكمة الشرع نصب أشياء تكون أعلامًا على حكمة ومعرفات له، فكان ذلك كالقاعدة الكلية في الشريعة تحصيلًا لدوام حكمها مدة بقاء المكلفين في دار التكليف، وتلك الأشياء التي نصبت معرفات الحاكم الشرع هي الأسباب والشروط والموانع كما سيأتي القول فيها إن شاء الله تعالى.

стр. 417

(مطلب وللعلم المنصوب أصناف أحدها العلة) (١) قوله: (وللعلم المنصوب أصناف، أحدها: العلة، وهي في الأصل العرض الموجب لخروج البدن الحيواني عن الاعتدال الطبيعي)، العلم في اللغة العلامة، ومنه "علم الطريق". وهو أنصاب من حجارة أو غيرها شاخصة يستدل بها (٢). وأحد الأصناف العلة. والعلة في أصل الوضع اللغوي أو الاصطلاحي: العرض، والعرض في اللغة الظاهر بعد أن لم يكن، قال الجوهري: عرض له كذا يعرض أي ظهر (٣). وفي اصطلاح المتكلمين: هو ما لا يقوم بنفسه كالألوان والطعوم والحركات والأصوات (٤)، وهو كذلك عند الأطباء لأنه عندهم عبارة عن حادث ما إذا قام بالبدن أخرجه عن الاعتدال. وقوله "الموجب للبدن" هو إيجاب حسي كإيجاب الكسر

стр. 418

للإنكسار والتسويد للاسوداد، وكذلك الأمراض البدنية موجبة لاضطراب الأبدان إيجابًا محسوسًا، وقوله: (البدن الحيواني) احتراز من النباتي والجمادي، فإن الأعراض المخرجة لها عن حال اعتدال ما شأنه الاعتدال منها لا تسمى في الاصطلاح عللًا، وقوله: (عن الاعتدال الطبيعي) هو إشارة إلى حقيقة المزاج وهي الحال المتوسطة الحاصلة عن تفاعل كيفيات العناصر بعضها في بعض (١) على ما هو مقرر في كتب الطب، فتلك الحال هي الاعتدال الطبيعي فإذا انحرفت عن التوسط بغلبة الحرارة أو البرودة أو الرطوبة أو اليبوسة كان ذلك هو انحراف المزاج وهو العلة والمرض والسقم. * * *

стр. 419

(مطلب استعيرت العلة عقلًا) (١) قوله: (ثم استعيرت عقلًا لما أوجب الحكم العقلي لذاته كالكسر للإنكسار) استعيرت العلة من الوضع اللغوي فجعلت في التصرفات العقلية لما أوجب الحكم العقلي لذاته، كالكسر للإنكسار أي لكونه كسرًا لا لأمر خارج من وضع أو اصطلاح، وهكذا العلل العقلية هي مؤثرة لذاتها بهذا المعنى كالتحرك الموجب للحركة (٢). قوله (٣): (ثم استعيرت شرعًا لمعان). أحدها: ما أوجب الحكم الشرعي لا محالة، وهو المجموع المركب من مقتضي الحكم وشرطه ومحله وأهله. الثاني: مقتضي الحكم وإن تخلف لفوات شرط أو وجود مانع.

стр. 420

الثالث: (الحكمة، كمشقة السفر للقصر والفطر، والدين لمنع الزكاة، والأبوة لمنع القصاص). استعيرت العلة من التصرف العقلي إلى التصرف الشرعي فجعلت فيه لمعان ثلاثة. أحدها: ما أوجب الحكم الشرعي، أي وجد عنده قطعًا (١). وهو المجموع المركب من مقتضي الحكم وشرطه وأهله، تشبيهًا بأجزاء العلة العقلية، وذلك لأن الفلاسفة والمتكلمين وغيرهم قالوا: كل حادث لا بد له من علة، لكن العلة إما مادية كالفضة للخاتم والخشب للسرير، أو صورته كاستدارة الخاتم وتربيع السرير، أو فاعلية كالصائغ والنجار، أو غائية كالتحلي بالخاتم والنوم على السرير، فهذه أجزاء العلة العاقلية ومجموعها المركب من أجزائها هو العلة التامة. فكذلك استعمل الفقهاء لفظ العلة بإزاء الموجب للحكم الشرعي، فالموجب له لا محالة هو مقتضيه وشرطه ومحله وأهله، ومثاله (٢) وجوب الصلاة حكم شرعي ومقتضيه أمر الشارع بالصلاة، وشرطه أهلية المصلى لتوجيه الخطاب إليه بأن يكون عاقلًا بالغًا عاريًا (٣) عن موانع من حيض ونفاس، ومحله الصلاة وأهله المصلى، وكذلك حصول الملك في البيع والنكاح حكم

стр. 421

شرعي، ومقتضيه حكمة الحاجة إليهما، والإيجاب والقبول فيهما، وشرطه ما ذكره الفقهاء من شروط صحة البيع والنكاح. ومحله هو العين المبيعة والمرأة المعقود عليها، وأهله كون العاقد صحيح العبارة والتصرف. المعنى الثاني (١): مقتضي الحكم وإن تخلف لفوات شرط أو وجود مانع، مثاله: اليمين هي المقتضية لوجوب الكفارة فتسمى علة له وإن كان وجوب الكفارة إنما يتحقق بمجموع أمرين: الحلف الذي هو اليمين، والحنث فيها, لكن الحنث شرط في الوجوب والحلف هو السبب المقتضي له فقالوا: هو علة، فإذا حلف الإنسان على فعل شيء أو تركه قيل قد وجدت منه علة وجوب الكفارة، وإن كان الوجوب لا يوجد حتى يحنث وإنما بمجرد الحلف انعقد سببه، وكذلك الجرح علة لوجوب القصاص أو الدية وزهوق نفس المجروح شرط، وقد يتخلف الحكم لفوات شرط أو وجود مانع، كالقتل العمد العداون، ويسمى علة لوجوب القود وإن تخلف وجوبه لفوات المكافأة وهي شرط له بأن يكون المقتول عبدًا أو كافرًا، أو لوجود مانع مثل إن كان القاتل والدًا فإن كان (٢) الإيلاد مانع من وجوب القصاص. المعنى الثالث: الحكمة (٣) كمشقة السفر للقصر

стр. 422

و (الفطر) (١)، والدين لمنع الزكاة، والأبوة لمنع القصاص، فنقول مشقة السفر هي علة استباحة القصر والفطر للمسافر، والدين في ذمة مالك النصاب علة لمنع وجوب الزكاة، والأبوة -أي كون القاتل أبا- علة (لمنع) (٢) وجوب القصاص (٣) والمراد بحكمة الحكم: المعنى المناسب لتخفيف الصلاة عنه وترك الصوم والله تعالى أعلم. * * *

стр. 423

(مطلب الصنف الثاني السبب) (١) قوله: (الصنف الثاني السبب وهو لغة ما توصل به إلى الغرض) حده جماعة بهذا المعنى في اللغة وقال الشيخ موفق الدين متابعة للغزالي السبب في اللغة عبارة عما يحصل عنده الحكم لا به (٢). قال الطوفي: هذا حكم السبب (٣). وحده شرعًا: وصف ظاهر منضبط دل الدليل الشرعي على كونه معرفًا الحاكم شرعي (٤)، فمنه وقتي كالزوال للظهر، ومعنوي

стр. 424

يستلزم حكمة باعثة كالإسكار للتحريم والملك لإباحة الانتفاع. قال بعضهم: احتزر بالوصف من الذوات فإنها لا تكون أسبابا وبـ "الظاهر" من الخفي وبـ "المنضبط" مما لا ينضبط. قوله: (واستعير شرعًا لمعان: أحدها: ما يقابل المباشرة كحفر البئر مع التردية فالأول، سبب والثاني علة، الثاني علة (١) العلة (كالرمي هو سبب القتل، وهو علة الإصابة التي هي علة) (٢) الزهوق، الثالث: العلة بدون شرطها كالنصاب بدون الحول. الرابع: العلة الشرعية كاملة). استعير شرعًا من الوضع اللغوي لأربعة معان، أحدها (٣): ما يقابل المباشرة، فإذا حفر شخص بئرًا ودفع آخر إنسانًا فتردى فيها فهلك فالأول وهو الحافر متسبب إلى أهلاكه، والثاني هو الدافع مباشر له، فأطلق الفقهاء السبب على ما يقابل المباشرة فقالوا إذا اجتمع السبب والمباشرة وغلبت المباشرة وجب الضمان على المباشر، هذا إن أمكن وإلا فعلى السبب، فإنه لو ألقاه في ماء فغرق فتلقاه حوت فابتلعه فالضمان على الملقي لعدم قبول الحوت للضمان.

стр. 425

وقوله: (فالأول سبب والثاني علة) إشارة إلى الحفر والتردية لأنهما مصدران والمتسبب والمباشر فاعلان. الثاني من المعاني: علة (١) العلة، كالرمي سببًا للقتل، والرمي علة الإصابة والإصابة علة لزهوق النفس الذي هو القتل، فالرمي هو علة علة القتل وقد سموه سببًا. الثالث من المعاني: العلة بدون شرطها (٢)، كالنصاب بدون حولان الحول يسمى سببًا لوجوب الزكاة. الرابع من المعاني: (٣) العلة الشرعية كاملة وهو المجموع المركب من المقتضي والشرط وانتفاء المانع ووجود الأول والمحل، سميت سببًا لأن عليتها ليست لذاتها بل لنصب الشارع فأشبهت السبب وهو ما يحصل الحكم عنده لا به. * * *
следующие страницы →