← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 127717

شرح مختصر أصول الفقه للجراعي

الجراعي

Полный текст (1 782 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

(مطلب: الأكثر على أن حصول الشرط الشرعي ليس شرطًا) (١) قوله: (مسألة: الأكثر على أن حصول الشرط الشرعي ليس شرطًا في التكليف، وهي مفروضة في تكليف الكفار بالفروع، والصحيح عند أحمد وأكثر أصحابه الوقوع كالإيمان إجماعًا، خلافًا لأبي حامد الاستفرائيني (٢)، وأكثر الحنفية مطلقًا، ولطائفة في الأوامر فقط ولأخرى فيما عدا المرتد وأخرى فيما عدا الجهاد) المراد بالشرط الشرعي ما يتوقف عليه صحة الشيء شرعًا كالوضوء للصلاة، لكن المراد بالشرط الشرعي ها هنا هو الإيمان، فإنه ليس شرطًا في صحة التكليف عندنا، فلا يتوقف التكليف

стр. 457

عليه إذ ليس شرطًا فيكلفون بالفروع بشرط تقديم الإيمان وإن لم يكن الإيمان موجودًا حال تكليفهم، وإنما الإيمان شرط في صحة أداء الفروع منهم لا في صحة التكليف، كما أن المسلم المكلف إذا دخل عليه وقت صلاة كلف بأدائها وإن لم تكن شروطها موجودة فيه، ولا يتوقف تكليفه بها على تحصيل شروطها، وإنما تتوقف صحتها على تحصيل شروطها، فكذلك نقول في الكافر حيث كلفناه بالفروع. أما الإيمان فإنهم مخاطبون به إجماعًا (١)، وأما الفروع فهل هم مخاطبون بها أم لا على مذاهب: أحدها: أنهم مخاطبون بها وهو ظاهر مذهب أحمد رضوان الله عليه، وعليه أكثر أصحابه منهم ابن عقيل وأبو الخطاب والقاضي في العدة والشيخ، وبه قال الشافعي وأكثر أصحابه ونقله عبد الوهاب في "الملخص" موافقة لأكثر المالكية واختاره الرازي والكرخي وجماعة من الحنفية وقال به المتكلمون من المعتزلة والأشعرية (٢).

стр. 458

والثاني: أنهم غير مخاطبين بالفروع على الإطلاق، ونسبه المصنف لأبي حامد الاسفرائيني وأكثر الحنفية (١)، وكذا نسبه الزركشي الشافعي وزاد وحكاه الأستاذ أبو إسحاق في "أصوله" قولا للشافعي وحُكِيَ رواية عن أحمد وعن المعتزلة (٢). الثالث: أن النواهي متعلقة بهم دون الأوامر، لإمكان الانتهاء عن الكفر بخلاف المأمور فإن شرطه القربة، ونقله صاحب "اللباب" (٣) من الحنفية عن

стр. 459

أصحابهم (١) وهو رواية عن أحمد، وذكره أبو يعلى في مقدمة "المجرد" واختاره ابن حامد، وقاله الجرجاني الحنفي وبعض المالكية وبعض الشافعية، قال في المسودة: واختاره الشيخ أبو حامد من الشافعية (٢) وتابعه ابن مفلح وقد تقدم نسبة المذهب الثاني إلى اختياره. والرابع: المرتد المكلف دون غيره (٣) لالتزامه بأحكام الإسلام حكاه القاضي عبد الوهاب. الخامس: مخاطبون بما عدا الجهاد. قال القرافي: مربي في بعض الكتب التي لا استحضرها الآن أنهم مكلفون بما عدا الجهاد، أما الجهاد فلا لامتناع قتالهم أنفسهم (٤). وجه الأول قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ (٥) ولهذا يحد على الزنا ومن أحكامنا لا يحد على المباح.

стр. 460

وقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ (١) الآية وقوله تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ (١) رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً (٢) فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ (٣) وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ (٤) وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ﴾ (٢) وقوله : ﴿قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (٤٥) وَكُنَّا نُكَذِّبُ﴾ (٣). واستدل: لو اشترط في التكليف بشروط وجود شرطه لم تجب صلاة على محدث، ورد بأن الشرط تابع يجب بوجوب مشروطه. واحتج في العدة والتمهيد بأنه مخاطب بالإيمان وهو شرط العبادة، ومن خوطب بالشرط كالطهارة كان مخاطبًا بالصلاة (٤). وقد احتج بن عقيل بخطابه بصدق الرسل وهي مشروطة بمعرفة الله تعالى وهي على النظر وإن هذا لقوته مفسد لكل شبهة للخصم (٥). قالوا: (٦) لو كلف بالعبادة لصحت ولأمكنه الامتثال وفي الكفر لا يمكنه، وبإسلامه تسقط رد: معنى التكليف

стр. 461

استحقاق العذاب، ويصح بشرطه ويسلم ويفعله كالمحدث، ولا ملازمة بين التكليف والقضاء بدليل الجمعة مع أنه بأمر جديد وفيه تنفير عن الإيمان. تنبيهات: أحدهما: قول المصنف (وأخرى فيما عدا الجهاد) الذي يظهر أن صوابه وأخرى في الجهاد؛ لأنه قال: الصحيح الوقوع خلافًا لأبي حامد الاستفرائيني وأكثر الحنفية مطلقًا، (ولطائفة في الأوامر فقط) يعني أنهم قالوا لا يكلفون في الأوامر فقط. (والأخرى فيما عدا المرتد) يعني أنهم قالوا لا يكلف من عدا المرتد (١) وأخرى فيما عدا الجهاد فيبقى على نسق المتقدم معنى الكلام أنه لا يكلف فيما عدا الجهاد وليس كذلك بل يكلف فيما عدا الجهاد بعطفه على الأول ليس بمستقيم إلا إذا قلنا وأخرى في الجهاد والله تعالى أعلم. التنبيه الثاني: فائدة الخلاف في هذه المسألة زيادة العقاب في الآخرة عند الأصحاب قاله ابن مفلح (٢). قال في التمهيد حسب (٣). وقال ابن الصيرفي (٤) الحراني من الحنابلة: يتفرع عنه

стр. 462

مسائل منها ظهار الذمي يصح عندنا لا عندهم يعني الحنفية لتعقبه كفارة ليس من أهلها (١). ومنها: أن الكفار لا يملكون أموالنا بالاستيلاء في صحيح المذهب لحرمة التناول وعندهم يملكونها لأن حرمة التناول من فروع الإسلام (٢). ومنها: وجوب الصلاة على المرتد يعني القضاء (٣). التنبيه الثالث: ذكر المازري (٤) عن قوم من المبتدعة أن الكفار غير مخاطبين بالعقائد إما لأنها ضرورية والتكليف بغير الضروري أو اختيارية وهم غير مخاطبين، وأئمة الإسلام على خلاف قولهم (٥). التنبيه الرابع: قال التاج السبكي: والخلاف في خطاب

стр. 463

التكليف وما يرجع إليه من الوضع لا الإتلاف والجنايات وترتب آثار العقود (١). وقال والده: كون إتلافهم (٢) وجنايتهم سببًا في الضمان ثابت في حقهم إجماعًا (٣)، قال الزركشي الشافعي: بل كلام الأصحاب على إطلاقه ولا وجه لهذا التفصيل ولا يصح دعوى الإجماع في الإتلاف والجنايات بل الخلاف جار في الكل، وقد حكى الرافعي عن الأستاذ أبي إسحاق أن الحربي إذا قتل مسلمًا أو أتلف عليه ما لا ثم أسلم أنه يجب ضمانها إذا قلنا أن الكفار مكلفون بالفروع (٤)، وحكاه العبادي (٥) عنه في (الطبقات) (٦) فيما إذا صار ذميما (٧). * * *

стр. 464

(مطلب الجن مكلفون في الجملة) (١) حادثة وقع النزاع فيها بين بعض الفقهاء في سنة ثمان وسبعمائة واستفتي فيها شيخ الإسلام أحمد بن تيمية بالقاهرة وهي أن الجن مكلفون بفروع الدين أم لا؟ فأجاب فيها بما ملخصه أنهم مكلفون بها في الجملة، لكن لا على حد تكليف الإنس, لأنهم مخالفون للإنس في الحد والحقيقة فبالضرورة يخالفون في بعض التكاليف. انتهى (٢). وما قاله في مخالفتهم في بعض التكاليف ظاهر، فإن بعض الجن قد أُعطي قوة الطيران في (الهواء) (٣) فهذا قد يخاطب بقصد البيت للحج طائرًا بخلاف الآدمي، فإنه ليست فيه تلك القوة فلا يكلف بها. وذكر ابن حامد في كتابه أن الجن كالإنس في التكليف والعبادات.

стр. 465

فائدة: قال الشيخ عز الدين في "القواعد": إن قيل لم وجه الله الخطاب إلى العاصين مع علمه بأنهم لا يطيعونه. قلنا: أحسن ما قيل في ذلك أن توجه الخطاب إلى الأشقياء الذين لا يتمثلون ليس طلبًا على الحقيقة، وإنما هو علامة وضعت على شقاوتهم وأمارة نصبت على تعذيبهم (١). * * *

стр. 466

(مطلب لا تكليف إلا بفعل) (١) قوله: (مسألة: لا تكليف إلا بفعل، ومتعلقه في النهي كف النفس، وقيل: ضد المنهي عنه، وعن أبي هاشم: العدم الأصلي) أن يكون المكلف به فعلًا أما في الأمر فظاهر، وأما في النهي فهو كف النفس عن الفعل عند الأكثر (٢). وعند أبي هاشم المعتزلي نفي الفعل مع قطع النظر عن التلبس بضده (٣). وفي الروضة: المقتضى بالتكليف فعل كالصلاة وكف كترك الزنا، وقيل: لا يقتضي الكف أن يتلبس بضده، فيثاب عليه لا على الترك (٤).

стр. 467

وذكر بعضهم (١) في هذه المسألة أربعة مذاهب. الأول: ومذهب أبي هاشم، والثالث وذكر أنه نسب إلى الجمهور أنه فعل الضد المنهي عنه، فإذا قال "لا تتحرك" فمعناه افعل ما يضاد الحركة، والرابع: التفصيل بين الترك المجرد المقصود لنفسه من غير أن يقصد معه ضده فالتكليف فيه بالفعل، كالصوم. فالكف فيه مقصود ولهذا وجبت فيه النية، وبين الترك المقصود من جهة إيقاع ضده كالزنا والشرب فالمكلف فيه بالضد. وهذا التفصيل ظاهر كلام الغزالي في المستصفى (٢) وكلامه في الروضة قريب من هذا، فإنه قال: والصحيح أن الأمر فيه منقسم (٣)، فإن الكف في الصوم مقصود، ولذلك تشترط النية فيه، والزنا والشرب نهي عن فعلهما فيعاقب على الفعل، ومن لم يصدر منه ذلك لا يثاب ولا يعاقب إلا إذا قصد كف الشهوة عنه مع التمكن، فهو مثاب على فعله، ولا يبعد أن يقصد أن لا يتلبس بالفواحش وإن لم يقصد أن يتلبس بضدها (٤). وجه الأول: أن مقصود الكف الانتهاء، فإذا قلت: لا تسافر فقد نهيته عن السفر، والنهي يقتضي الانتهاء, لأنه مطاوعة، يقال: نهيته فانتهى، والانتهاء هو الانصراف عن المنهي عنه وهو الترك.

стр. 468

هكذا حرره التاج السبكي قال: واللغة والمعقول يشهدان له (١). وفرق بين قولنا لا تسافر وبين قولنا "أقم" أمر، فإن قولنا "أقم" أمر بالإقامة (٢) من حيث هي فقد لا يستحضر معها السفر، وأن "لا تسافر" نهى عن السفر، والانتهاء أمر معقول وهو فعل ويصح التكليف به وكذلك في جميع النواهي (٣) الشرعية كالزنا والسرقة والشرب ونحوها، المقصود في جميعها الانتهاء عن تلك الرذائل (٤). فائدة: أبو هاشم اسمه عبد السلام بن محمد بن عبد الوهاب من الطبقة التاسعة من طبقات المعتزلة (٥) وأبوه أبو علي الجبائي من الطبقة الثامنة من طبقاتهم (٦)، والجبائي: نسبة إلى جبى بالضم

стр. 469

والقصر كورة (١) بخوزستان ذكره في القاموس (٢). * * *

стр. 470

(مطلب ينقطع التكليف حال حدوث الفعل) (١) قوله: (مسألة: الأكثر ينقطع التكليف حال حدوث الفعل، خلافًا للأشعري) هذه المسألة واسطة بين طرفين فلذلك جاء فيها الخلاف (٢). وبيان ذلك: أن الفعل ينقسم بانقسام الزمان إلى ماض وحال ومستقبل، وله باعتبار الزمان قبل وبعد وحال، وهو الواسطة، فالتكليف إما أن يتعلق به قبل وجوده، كالحركة قبل التحرك فلا خلاف في جوازه إلا عند شذوذ من الأشعرية (٣). وإما أن يتعلق به بعد حدوثه كالحركة بعد انقضائها بانقضاء التحرك وهو ممتنع اتفاقًا، لما سيأتي من أنه تكليف بإيجاد الموجود، وإما أن يتعلق به حال حدوثه وهو محل النزاع.

стр. 471

فمن قال ينقطع (١) قال: لأن التكليف به حينئذ تكليف بإيجاد الموجود، وهو محال، كما بعد حدوثه، وهذا مقتضى قول ابن عقيل في مسألة الأمر بالموجود، فإنه التزم أن المؤمن ليس مأمورًا بالإيمان عند وجوده وأنه لا يصح منه فعل ما هو موجود كالقيام، لا يصح أن يفعله القائم لاستغنائه بوجوده عن موجد، والمؤمن لا يفعل الإيمان إلا في مستقبل الحال (٢). قال الشيخ تقي الدين: وهذا خلاف المذهب (٣). وقال الأشعري: لا ينقطع (٤). قال ابن برهان: هذا مذهبنا خلافًا للمعتزلة (٥). قال: والخلاف لفظي (٦).

стр. 472

قال الأشعري: الفعل في هذه الحالة مقدور، وكل مقدور يجوز التكليف به (١). قال بعضهم (٢): والتحقيق في ذلك أننا إذا فسرنا حال حدوث الفعل بأنه أول زمان وجوده صح التكليف به وكان في الحقيقة تكليفًا بإتمامه وإيجاد ما لم يوجد منه، وإن أريد بحال حدوثه زمن وجوده من أوله إلى آخره لم يصح مطلقًا، بل يصح في أول زمن وجوده أن يكلف بإتمامه كما سبق وعند آخر جزء من وجوده يكون قد وجد وانقضى، فيصير من باب إيجاد الموجود، وكأن الخلاف بين الطائفتين في هذه المسألة لفظي، لأن من أجاز التكليف علقه بأول زمن حدوثه ومن منعه علقه بآخره. والله تعالى أعلم (٣). لكن قال ابن حمدان في "مقنعه" وفي أول زمان حدوثه خلاف والأظهر جوازه، وقيل عدمه. فقد أثبت الخلاف في أول زمان حدوثه وهذا يخالف ما تقدم. * * *

стр. 473

(مطلب شرط المكلف (١) به أن يكون معلوم الحقيقة) (٢) قوله: (مسألة: شرط المكلف به أن يكون معلوم الحقيقة للمكلف، معلومًا كونه مأمورًا به، معدومًا عند الأكثر). المكلف به، هو الأفعال التي تتعلق بها الأحكام، من شرطها أن تكون معلومة للمكلف، وإلا لم يتوجه قصده إليها لعدم تصور قصد ما لا تعلم حقيقته، وإذا لم يتوجه قصده إليه لم يصح وجوده منه, لأن توجه القصد إلى الفعل من لوازم إيجاده، فإذا انتفى اللازم وهو القصد انتفى الملزوم وهو الإيجاد. ومن شروط المكلف به أن يكون معلومًا كونه مأمورًا به (٣)

стр. 474

وإلا لم يتصور منه قصد الطاعة والامتثال بفعله، ومن ثم لا يكفي مجرد الفعل لقوله: "إنما الأعمال بالنيات" إذ الطاعة موافقة الأمر، والامتثال هو جعل الأمر مثالًا يتبع مقتضاه، فإن لم يعلم الأمر لم يتصور موافقته له ولا نصبه مثالًا يعتمده فيكون من تكليف ما لا يطاق. ومن شروطه: أن يكون معدومًا عند الأكثر (١) كالأمر بصلاة الظهر قبل الزوال، إذ إيجاد الموجود محال (٢) كما يقال لمن بنى حائطًا أو كتب كتابًا ابنه أو اكتبه بعينه مع بقائه مبنيًا مكتوبًا مرة أخرى. ووجه كون إيجاد الموجود محالا أن الإيجاد هو تأثير القدرة في إخراج المعدوم عن العدم إلى الوجود، فلو أوجده مرة ثانية لزم أن يكون معدومًا لاحتياجه إلى الإخراج من العدم موجودًا بالإيجاد الأول، فيلزم أن يكون موجودًا معدومًا معًا وهو جمع بين النقيضين وهو محال. وحكي عن طائفة من المتكلمين أن الأمر بالموجود جائز (٣).

стр. 475

واحتجوا لو لم يصح الأمر بالموجود لم يصح ذم الكافر على كفره الذي هو فيه في الحال, لأنه لا يصح أمره بتركه لكون الأمر موجودًا ولوجب أن لا يكون المؤمن مأمورًا بالإيمان, لأن ما قد وجد منه لا يصح الأمر به على هذه الصفة. والجواب: أن الكافر إنما يستحق الذم على ما فعله من اعتقاد الكفر والبقاء عليه، فلا يكون في ذلك دلالة على كونه مأمورًا بما قد وجد منه ذكره في "العدة" (١). * * *

стр. 476

(مطلب المحكوم عليه) (١) قوله: (المحكوم عليه) المحكوم عليه هو المكلف ويأتي الكلام عليه. * * *

стр. 477

(مطلب: شرط التكليف) (١) قوله: (مسألة: شرط التكليف العقل وفهم الخطاب، ذكره الآمدي اتفاق العقلاء (٢) وذكر غيره أن بعض من جوز المستحيل قال به لعدم الابتلاء. ولا تكليف على مجنون وطفل عند الأكثر، وقيل: بلى، كسكران على نص إمامنا والشافعي خلافًا لابن عقيل وأكثر المتكلمين، وكمغمى عليه نصًا. ولا تكليف على مميز عند الأكثر كنائم وناسي. وعن إمامنا تكليفه لفهمه. وعنه يكلف المراهق واختارها ابن عقيل). شرط التكليف العقل وفهم الخطاب (٣).

стр. 478

قال بعضهم (١): لا بد منهما جميعًا إذ لا يلزم من العقل فهم الخطاب، لجواز أن يكوم عاقلًا لا يفهم كالصبي والناسي والسكران والمغمى عليه فإنهما في حكم العقلاء مطلقًا أو من الوجوه وهما لا يفهمان. وقال ابن الحاجب: الفهم لشرط التكليف (٢). قال العضد: فهم المكلف للتكليف شرط لصحة التكليف عند المحققين وقد قال به كل من منع تكليف المحال, لأن الامتثال بدون الفهم محال، وقد قال به بعض من جوز تكليف المحال أيضًا, لأن تكليف المحال قد يكون للابتلاء وهو معدوم ها هنا (٣). ولا تكليف على مجنون وطفل عند الأكثر, لأن المجنون لا يعقل والصبي لا يفهم، فانتفى المصحح للامتثال منهما وهو قصد الطاعة بفعل المأمور وترك المنهي (٤). قالوا: وجوب الزكاة وغرامة ما أتلفاه في مالهما دليل على تكليفهما لأنهما إنما ثبتا بخطاب الشرع. قلنا: ليسا من باب التكليف الخطابي لهما، إنما هو من قبيل ربط الأحكام بأسبابها (٥) كما أن البهيمة إذا أتلفت زرعًا

стр. 479

بالليل أو غير ذلك مما يجب ضمانه فإن صاحبها يضمن مع أن البهيمة ليست مخاطبة ولا مكلفة بالإجماع (١). وعن أحمد رواية ضعيفة يقضي مجنون الصلاة خلافًا للأئمة وعنه يقضي الصوم وفاقًا لمالك (٢). وعنه إن أفاق فيه وفاقًا لأبي حنيفة (٣). وأما السكران فيقضي العبادة إذا عقل (٤) وفاقًا، خلافًا لبعض متأخري أصحابنا وأبي ثور (٥). وتعتبر أقواله وأفعاله في الأشهر عن أحمد وأكثر أصحابه وفاقًا إلا ردته في رواية وفاقًا لأبي حنيفة (٦).

стр. 480

وقلم الإثم غير مرفوع عند أحمد (١). وحكاه عن الشافعي، وقاله القاضي وجماعة وفاقًا لأبي حنيفة (٢)، لقوله تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ (٣) وتأويله بأن المراد مثل (لا تمت وأنت ظالم) أو مبدأ النشاط والطرب خلاف الظاهر (٤). ولأن النص لم يذكره مع من رفع عنه القلم. وقال علي: "إذا سكر هذى وإذا هذى افترى وعلى المفترى ثمانون جلدة" إسناده جيد رواه مالك والدارقطني (٥).

стр. 481

وجمع عمر الصحابة ﵃ فاستشارهم قال علي: "إذا سكر افترى" رواه أحمد من رواية أسامة بن زيد (١) وفيه ضعف. ورواه سعيد (٢) بإسناد جيد من حديث أبي سلمة (٣) فذكره وفيه انقطاع. وذكر ابن عقيل أنه غير مكلف كقول أكثر المتكلمين لعدم تحرزه من المضار وقصده للفعل بلطف ومداراة بخلاف طفل ومجنون وبهيمة فهو أولى (٤).

стр. 482

وقال: تحصل الغرامة والقضاء بالعقل بأمر مبتدأ فيلزمه لا غرم لو لم يعقل (١). وفي الروضة: غير مكلف، واختلف كلامه في "المغنى" (٢). وخرج بعض أصحابنا في إثمه روايتين. وجزم الآمدي وغيره بعدم تكليفه (٣). تنبيهان: أحدهما: حيث أثمنا السكران إنما المراد به إذ كان سكره محرمًا، أما ما يعذر فيه مثل ما لو وضعفي طعامه أو شرابه شيء يسكر ولم يعلم به حتى استعمله وسكر فإنه لا إثم عليه (٤). الثاني: قسم الجويني (٥) المالكي وغيرهما شارب الخمر

стр. 483

ثلاثة أقسام (١): الأول: الثمل، فحكموا بتوجه الخطاب إليه. الثاني: الغارق (٢) جملة فمنعوا من تكليفه. الثالث: ما بين ذلك ففيه تردد، والمنصوص عن أحمد والشافعي تكليفه مطلقًا. وأما المغمى عليه (٣) فالمنصوص عن أحمد تكليفه، بمعنى إنه إذا أفاق يقضي ما فاته في حال إغمائه لا بمعنى يأثم في حال إغمائه إذا فاتته العبادة فيقضي الصلاة عندنا كالصوم في الأصح. وفاقًا. ولنا قول لا وفاقًا لمالك والشافعي (٤). وعند أبي حنيفة يقضي خمس صلوات (٥).

стр. 484

وأما المميز فغير مكلف وفاقًا، وقطع به ابن الباقلاني وذكره إجماعًا (١). قال أبو المعالي: لا قطع والإجماع لم يتحقق (٢). وعن أحمد تكليفه لفهمه (٣). وعنه المراهق، واختارها ابن عقيل في مناظراته، لأن التكليف الخطاب بما يثقل، وقد أمر الشارع بأمره بالصلاة، فهو تكليف لكن بلا وعيد كندب في حق المكلف. ولنا: حديث عائشة ﵂ "رفع القلم عن ثلاثة عن النائم حتى يستيقظ وعن المبتلى حتى يبرأ وعن الصبي حتى يكبر" رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه (٤).

стр. 485

ولأحمد وغيره أيضًا "وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يعقل" (١) وهو حديث جيد الإسناد. ولأنه لم يكمل فهمه فيما يتعلق بالمقصود فنصب الشرع البلوغ له علامة ظاهرة جعلها أمارة ظهور العقل وكماله. وإنما وجبت الزكاة ونفقة القريب والضمان بالإتلاف لأنه من ربط الحكم بالسبب لتعلقها بماله أو بذمته بالإنسانية التي بها يستعد لقوة الفهم في باقي الحال بخلاف البهيمة. وأما النائم والناسي فغير مكلفين في حال النوم والنسيان، وذكره ابن عقيل قول أكثر المتكلمين (٢). وقال عن قول من قال بالتكليف إنه نزاع في عبارة والمعنى متفق. أما النائم فللحديث المتقدم، وأما الناسي لقوله ﷺ : "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" (٣).

стр. 486

وأما بعد الذكر والاستيقاظ فيفعلان ما فاتهما من العبادة في تلك الحالة. قال ابن حمدان في حق النائم والمغمى عليه: والقضاء إن وجب فبخطاب وضع وأخبار لوجود سببه في حقهما وهو الأهلية القريبة حصولًا حقيقة لا بأمر أول أو ثان. * * *

стр. 487

(مطلب المكره) (١) قوله: (مسألة: المكره المحمول كالآلة غير مكلف عند الأكثر خلافًا للحنفية، وهو مما لا يطاق. وذكر بعض أصحابنا عنا كالحنفية. وبالتهديد والضرب مكلف عند أصحابنا والشافعية خلافًا للمعتزلة) المكره ينقسم إلى قسمين: أحدهما: المحمول كالآلة فهذا ذكر المصنف فيه قولين تبعًا لابن مفلح. لكن ابن مفلح قال: وذكر بعض أصحابنا قولا وبعضهم رواية في اليمين يحنث، وبعضهم كالحنفية (٢) وهو سهو. قلت: لعله أراد به الطوفي (٣).

стр. 488

وأما ابن قاضي الجبل فقال: إذا انتهى الإكراه إلى سلب القدرة والاختيار فهذا غير مكلف إجماعًا. قال الآمدي: "والحق إنه إذا خرج بالإكراه إلى حد الاضطرار وصار نسبة ما يصدر عنه من الفعل إليه نسبة حركة المرتعش إليه أن تكليفه به إيجادًا وعدمًا ما غير جائز إلا على القول بتكليف ما لا يطاق، وإن كان ذلك جائز عقلًا لكنه ممتنع الوقوع سمعًا، لقوله ﵇: "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه" والمراد منه رفع المؤاخذة، وهو مستلزم لرفع التكليف وأما ما يلزمه من الغرامات فقد سبق جوابه غير مرة" انتهى كلام الآمدي (١) يعني أنه من باب ربط الحكم بالسبب. القسم الثاني: المكره بالتهديد والضرب، فهذا مكلف عند أصحابنا والشافعية (٢) لصحة الفعل منه وتركه، ونسبة الفعل إليه حقيقة، ولهذا يأثم المكره بالقتل بلا خلاف. وقال في المغني مع أنه علل أحد القولين لنا وللشافعية فيما

стр. 489

إذا علق طلاقًا بقدوم زيد مكرهًا لا يحنث لزوال اختياره بالإكراه (١). وقال ابن مفلح: وهذه المسألة مختلفة الحكم في الفروع في المذهب بالنسبة إلى الأقوال والأفعال في حق الله تعالى وحق العبد على ما لا يخفى (٢). والأشهر عندنا نفيه في حق الله تعالى وثبوته في حق العبد. وعن المعتزلة لا يجوز تكليفه بعبادة، لأن من أصلهم وجوب إثابة المكلف والمحمول على الشيء لا يثاب عليه. وأطلق جماعة عنهم لا يكلف. وألزمهم ابن الباقلاني الإكراه على القتل. قال أبو المعالي: وهو هفوة عظيمة، لأنهم لم يمنعوا النهي عن الشيء مع الإكراه بل الاضطرار إلى فعل شيء مع الأمر به (٣). وذكر الأسنوي (٤) في شرح المنهاج عن ابن التلمساني أنه

стр. 490

قال وفيما قاله أبو المعالي نظر، لأن القاضي إنما أورده عليهم من جهة أخرى وذلك لأنهم (١) منعوا أن المكره قادر على عين الفعل المكره عليه، فبين القاضي أنه قادر وذلك لأنهم كلفوه بالضد، وعندهم أن الله تعالى لا يكلف العبد إلا بعد خلق القدرة له. والقدرة عندهم على الشيء قدرة على ضده، فإذا كان قادرًا على القتل كان قادرًا على ترك القتل (٢). وذكر ابن عقيل وغيره أنه لا يجب على الله شيء عقلًا ولا شرعًا (٣). ومعنى كلام جماعة من أصحابنا يجب شرعًا بفضله وكرمه، ولهذا أوجبوا إخراج الموحدين من النار بوعده. وقال ابن الجوزي في قوله تعالى: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٤). أي واجبًا أوجبه هو (٥). وذكره بعض الشافعية عن أهل السنة.

стр. 491

(مطلب يتعلق الأمر بالمعدوم) (١) قوله: (مسألة: تعلق الأمر بالمعدوم بمعنى طلب إيقاع الفعل منه حال عدمه محال باطل بالإجماع، أما بمعنى تقدير وجوده فجائز عندنا خلافًا للمعتزلة). تعلق الأمر بالمعدوم ينقسم إلى قسمين: أحدهما: بمعنى طلب إيقاع الفعل منه حال عدمه فهذا باطل، لأنه إذا لم يكن موجودًا فكيف يطلب منه إيجاد شيء هذا خلف (٢). والثاني: بمعنى تقدير وجوده فهذا محل النزاع (٣).

стр. 492

قال الشيخ مجد الدين: الأمر يتناول والمعدوم بشرط أن يوجد وبه قالت الشافعية والأشعرية (١) خلافًا للحنفية والمعتزلة (٢) لا يتناوله وإنما يثبت الحكم فيه إذا وجد بالقياس. وقالت طائفة: إن كان هناك موجود يتناوله الخطاب دخل فيه المعدوم تبعًا وإلا فلا "حكاه أبو الخطاب" (٣). وقال بعضهم يتناول المعدوم ويكون إعلامًا لا إلزامًا (٤). وزيف ابن برهان قول من قال من أصحابه وغيرهم بشرط الوجود، وترجم المسألة بأن المعدوم مأمور ومنهي (٥). وزيف الجويني ذلك، وقال: بل حقيقة المسألة هل يتصور آمر ولا مأمور (٦).

стр. 493

قال الإمام أحمد: لم يزل الله تعالى يأمر بما يشاء ويحكم. وقال أيضًا: لم يزل متكلمًا إذا شاء (١). لنا (٢): قوله تعالى: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ (٣) قال السلف: من بلغه القرآن فقد أنذر بإنذار النبي ﷺ . قال ابن الباقلاني: دليلنا إجماع الأمة على أن الله سبحانه أمر أمة محمد ﷺ بهذه العبادات ودخل فيها من كان موجودًا ومن كان غير موجود في تلك الحال، فإن من وجد بعدهم ما أمروا بأمر آخر بل هم مأمورون بالأمر الذي أمر به النبي ﷺ أصحابه (٤). ولأن التابعين والأئمة لم يزالوا يحتجون بالأدلة وهو دليل التعميم، والأصل عدم اعتباره غيره ولو كان لنقل. قالوا: لا يقال للمعدوم ناس ولا مؤمنون. رد: يقال بشرط وجوده أهلًا. قالوا: تكليف ولا مكلف محال. رد: مبني على التصحيح العقلي (٥)، ثم بالمنع في المستقبل، كالكاتب يخاطب من يكاتبه بشرط وصوله، وأمر الموصى والواقف، وليس مجازًا، لأنه لا يحسن نفيه.

стр. 494

قالوا: العاجز غير مكلف فهذا آولى. رد: بالمنع، بل مكلف بشرط قدرته وبلوغه وعقله، وإنما رفع عنه القلم في الحال، أو قلم الإثم بدليل النائم. تنبيه: يجب تحقق الفرق بين قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ (١) وبين قوله : ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ (٢) وبين قوله: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ (٣) وبين قوله: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ (٤) (٥) لأن الأول يشترط فيه الوجود والاتصاف بتلك الصفة عند المانعين حتى يكون حقيقة. والثاني لا يشترط فيه الوجود ولا تلك الصفة، بل هو كقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ (٦) ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ (٧). وسبب الفرقو أن المشتق تارة يكون محكومًا به وتاره يكون متعلق الحكم فإن كان متعلق الحكم فلا يشترط وجوده. * * *

стр. 495

(الأمر بما علم الآمر انتفاء شرط وقوعه صحيح) (١) قوله: (مسألة: الأمر بما علم الآمر انتفاء شرط وقوعه صحيح عندنا خلافًا للمعتزلة والإمام). قال في المسودة: صورتها أن يقول له "إذا جاء الزوال فصل" وهو يعلم أنه يموت قبل الزوال، فعندنا هذا أمر صحيح، لأن من أصلنا أن فائدة الأمر قد تنشأ من نفس الأمر لا الفعل المأمور به، فيحصل اعتقاد الوجوب والعزم على الطاعة، ويكون سببه الامتحان والابتلاء (٢). وهو أحد ركني الشرائع، والركن الآخر تضمن الأفعال المصالح. قال: وينبغي على مساق هذا أن نجوزه وأن علم المأمور أنه يموت قبل الوقت، كما تجوز (٣) توبة المحبوب من الزنا
следующие страницы →