(مطلب يتعلق الأمر بالمعدوم) (١)
قوله: (مسألة: تعلق الأمر بالمعدوم بمعنى طلب إيقاع الفعل منه حال عدمه محال باطل بالإجماع، أما بمعنى تقدير وجوده فجائز عندنا خلافًا للمعتزلة).
تعلق الأمر بالمعدوم ينقسم إلى قسمين:
أحدهما: بمعنى طلب إيقاع الفعل منه حال عدمه فهذا باطل، لأنه إذا لم يكن موجودًا فكيف يطلب منه إيجاد شيء هذا خلف (٢).
والثاني: بمعنى تقدير وجوده فهذا محل النزاع (٣).
стр. 492
قال الشيخ مجد الدين: الأمر يتناول والمعدوم بشرط أن يوجد وبه قالت الشافعية والأشعرية (١) خلافًا للحنفية والمعتزلة (٢) لا يتناوله وإنما يثبت الحكم فيه إذا وجد بالقياس.
وقالت طائفة: إن كان هناك موجود يتناوله الخطاب دخل فيه المعدوم تبعًا وإلا فلا "حكاه أبو الخطاب" (٣).
وقال بعضهم يتناول المعدوم ويكون إعلامًا لا إلزامًا (٤).
وزيف ابن برهان قول من قال من أصحابه وغيرهم بشرط الوجود، وترجم المسألة بأن المعدوم مأمور ومنهي (٥).
وزيف الجويني ذلك، وقال: بل حقيقة المسألة هل يتصور آمر ولا مأمور (٦).
стр. 493
قال الإمام أحمد: لم يزل الله تعالى يأمر بما يشاء ويحكم.
وقال أيضًا: لم يزل متكلمًا إذا شاء (١).
لنا (٢): قوله تعالى: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ (٣) قال السلف: من بلغه القرآن فقد أنذر بإنذار النبي ﷺ .
قال ابن الباقلاني: دليلنا إجماع الأمة على أن الله سبحانه أمر أمة محمد ﷺ بهذه العبادات ودخل فيها من كان موجودًا ومن كان غير موجود في تلك الحال، فإن من وجد بعدهم ما أمروا بأمر آخر بل هم مأمورون بالأمر الذي أمر به النبي ﷺ أصحابه (٤).
ولأن التابعين والأئمة لم يزالوا يحتجون بالأدلة وهو دليل التعميم، والأصل عدم اعتباره غيره ولو كان لنقل.
قالوا: لا يقال للمعدوم ناس ولا مؤمنون.
رد: يقال بشرط وجوده أهلًا.
قالوا: تكليف ولا مكلف محال.
رد: مبني على التصحيح العقلي (٥)، ثم بالمنع في المستقبل، كالكاتب يخاطب من يكاتبه بشرط وصوله، وأمر الموصى والواقف، وليس مجازًا، لأنه لا يحسن نفيه.
стр. 494
قالوا: العاجز غير مكلف فهذا آولى.
رد: بالمنع، بل مكلف بشرط قدرته وبلوغه وعقله، وإنما رفع عنه القلم في الحال، أو قلم الإثم بدليل النائم.
تنبيه: يجب تحقق الفرق بين قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ (١) وبين قوله : ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ (٢) وبين قوله: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ (٣) وبين قوله: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ (٤)(٥) لأن الأول يشترط فيه الوجود والاتصاف بتلك الصفة عند المانعين حتى يكون حقيقة.
والثاني لا يشترط فيه الوجود ولا تلك الصفة، بل هو كقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ (٦) ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ (٧).
وسبب الفرقو أن المشتق تارة يكون محكومًا به وتاره يكون متعلق الحكم فإن كان متعلق الحكم فلا يشترط وجوده.
* * *
стр. 495
(الأمر بما علم الآمر انتفاء شرط وقوعه صحيح) (١)
قوله: (مسألة: الأمر بما علم الآمر انتفاء شرط وقوعه صحيح عندنا خلافًا للمعتزلة والإمام).
قال في المسودة: صورتها أن يقول له "إذا جاء الزوال فصل" وهو يعلم أنه يموت قبل الزوال، فعندنا هذا أمر صحيح، لأن من أصلنا أن فائدة الأمر قد تنشأ من نفس الأمر لا الفعل المأمور به، فيحصل اعتقاد الوجوب والعزم على الطاعة، ويكون سببه الامتحان والابتلاء (٢).
وهو أحد ركني الشرائع، والركن الآخر تضمن الأفعال المصالح.
قال: وينبغي على مساق هذا أن نجوزه وأن علم المأمور أنه يموت قبل الوقت، كما تجوز (٣) توبة المحبوب من الزنا
стр. 496
والأقطع من السرقة، ويكون فائدته العزم على الطاعة بتقدير القدرة، والخلاف في الجميع مع البهشمية، وليست هذه المسألة مبنية على تكليف خلاف المعلوم، ولا على تكليف المعجوز عنه، وإن كان لها به ضرب من التعلق، لكن تشبه النسخ قبل التمكن (١) لأن ذاك (٢) رفع للحكم بخطاب وهذا رفع بتعجيز.
وقد نبه ابن عقيل على ذلك، وتنبي على أنه قد يأمر بما لا يريد، وكذلك القاضي في الكفاية نبه على الفرق بين هذا وتكليف ما يعجز عنه العبد مثل الطيران والمشي على الماء وقلب العصا حية (٣).
ويصح (٤) مع جهل الأمر اتفاقًا، فلو جامع صحيحًا (٥) ثم مرض أو جن أو حاضت أو نفست لم تسقط الكفارة عند الإمام أحمد خلافًا لأبي حنيفة وأحد قولي الشافعي (٦) لأمره ﷺ
стр. 497
الأعرابي بالكفارة (١) ولم يسأله، وكما لو سافر وفاقًا.
قال أصحابنا يقال تبينا أن الصوم غير مستحق لأن الصادق لو أخبره أنه سيمرض أو يموت لم يجز الفطر، والصوم لا تتجزأ صحته بل لزومه.
وفي الانتصار وجه يسقط بحيض ونفاس لمنعمها الصحة ومثلهما موت وكذا جنون إن منع طريانه الصحة.
ومن علق طلاقًا بشروعه في صوم أو صلاة واجبين فشرع ومات فيه طلقت إجماعًا.
* * *
стр. 498
(مطلب الأدلة الشرعية) (١)
قوله: (الأدلة الشرعية: الكتاب والسنة والإجماع والقياس، وسيأتي بيان غيرها إن شاء الله تعالى) شرع في ذكر الأدلة الشرعية التي يبحث عنها في أصول الفقه، وذكر منها هنا أربعة، الكتاب والسنة لأنهما واردان من جهة الرسول ﷺ والإجماع لأنه معصوم عن الخطأ، والقياس لأنه تحصيل حكم في صورة لوجوده في صورة أخرى لاستوائها في العلة، وسيأتي بيان غيرها إن شاء الله تعالى كالاستصحاب وشرع من قبلنا، والاستقراء ومذهب الصحابي والاستحسان والمصلحة (٢).
* * *
стр. 499
(مطلب الأصل الكتاب) (١)
قوله: (الأصل الكتاب، والسنة مخبرة عن حكم الله تعالى والإجماع مستند إليهما والقياس مستنبط منهما).
أصل الأحكام كلها من الله تعالى، وقول النبي ﷺ إخبار عن الله تعالى بما يريده من عباده، فإن العباد لم يسمعوه من الله ولا من جبريل ﵇، إنما سمعوه من النبي ﷺ والإجماع مستند إلى الكتاب والسنة، والقياس مستنبط منهما.
* * *
стр. 500
(مطلب: الكتاب كلام الله) (١)
(قوله الكتاب: كلام الله المنزل للإعجاز بسورة منه المتعبد بتلاوته وهو القرآن، وتعريفه بما نقل بين دفتي المصحف نقلًا متواترًا، دوري.
وقال قوم: الكتاب غير القرآن. وهو سهو).
لما كان الكتاب هو الأصل شرع في تعريفه (٢) فقال: (كلام الله) وهو جنس يتناول كل كلام تكلم الله تعالى به، عربيًّا كالقرآن، أو أعجميًّا كالتوراة والإنجيل والزبور وغيرها من صحف الأنبياء ﵈ وما نزل للإعجاز ولغيره كما دل عليه قوله ﵇ "أوتيت القرآن ومثله معه، فإن جبريل ﵇ يأتيني بالسنة كما يأتيني بالقرآن" (٣).
стр. 501
وقوله: (المنزل) فصل يخرج الكلام غير المنزل عند من يثبت كلام النفس (١) لأنه لا يصح فيه التنزيل عنده، ونحن لا نثبت ذلك كما ستراه إن شاء الله تعالى.
وقوله: (للإعجاز) (٢) يخرج المنزل لا للإعجاز كالأحاديث كذا قالوا، ويساعدهم قول الحليمي (٣) في "المنهاج" علوم القرآن توجد في السنة إلا الإعجار، فإنه من خصائص الكتاب.
وينبغي أن يكون مرادهم أن الأحاديث لم تنزل للإعجاز، أي بقصده فإنها لا تخلو عنه كيف وهو القائل "أوتيت جوامع الكلم" (٤) وبذلك يؤول كلام الحليمي.
стр. 502
وقال الطوفي (للإعجاز) واحتراز عما نزل لغير الإعجاز كما ذكر قبل من الكتب القديمة وغيرها فإنها لم تنزل للإعجاز، بل لبيان الأحكام وإنما كانت معجزات أولئك الأنبياء ﵈ فعلا لا صفات، وقوله "بسورة منه" من تتمة فصل الإعجاز، والمعنى أن الإعجاز واقع بسورة منه، فلو أطلق المنزل للإعجاز لأوهم أن الإعجاز بكله وليس كذلك، وقوله (بسورة) يقتضي أول
стр. 503
ما وقع التحدي به قوله تعالى: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ (١) لكن قوله تعالى: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ﴾ (٢) يقتضي الإعجاز بآية (٣).
وقوله "المتعبد بتلاوته" يخرج منسوخ التلاوة مثلًا.
زاد بعضهم في هذا الحد عنه قوله "المنزل" على محمد ﷺ "ليخرج المنزل على غيره من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وهو القرآن، وقال قوم: الكتاب غير القرآن (٤).
وهو باطل (٥)، قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا﴾ إلى قوله تعالى: ﴿قَالُوا
стр. 504
يَاقَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى﴾ (١) ﴿فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ (٢).
فأخبر الله عنهم أنهم استمعوا القرآن وسموه قرآنًا وكتابًا.
وقال تعالى: ﴿حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ (٣) فسماه قرآنا وكتابًا.
قال الشيخ موفق الدين: "وهذا مما لا خلاف فيه بين المسلمين" (٤).
وقيل في تعريفه هو ما نقل بين دفتي المصحف نقلًا متواترًا.
وهذا ذكره في الروضة وغيرها (٥) متابعة لغيرهم (٦)، وضعف بأن عدم نقله لا يخرجه عن حقيقته، وبأن النقل والتواتر فرع تصوره دور.
* * *
стр. 505
(مطلب الكلام عند الأشاعرة) (١)
قوله: (الكلام عند الأشعرية مشترك بين الحروف المسموعة والمعنى النفسي، وهو نسبة بين مفردين قائمة بالمتكلم وعندنا لا اشتراك).
ذكر ابن برهان عن الأشعري في المسألة ثلاثة أقوال (٢):
أحدها: الاشتراك (٣) كما ذكره المصنف.
والثاني: أنه حقيقة في اللفظ (مجاز) (٤) في مدلوله.
والثالث: عكسه، مجاز في اللفظ حقيقة في مدلوله.
قالوا: والدليل على الاشتراك الاستعمال، لأنه قد استعمل لغة وعرفا فيهما، والأصل في الاطلاق الحقيقة، فيكون مشتركا.
стр. 506
أما استعماله في العبارات فكثير ظاهر، كقوله تعالى: ﴿يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ﴾ (١) وقوله تعالى: ﴿فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ (٢).
وأما استعماله في المعنى النفسي وهو مدلول العبارة فكقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ﴾ (٣) وقوله تعالى: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ﴾ (٤) وقول عمر ﵁ يوم السقية: زورت (٥) في نفس كلاما (٦).
وقول الشاعر وهو الأخطل (٧):
أن الكلام من (٨) الفؤاد وإنما ... جعل اللسان على الفوائد دليلًا
стр. 507
قوله: "وهو نسبة بين مفردين" أي الكلام النفسي نسبة بين مفردين -المحكوم عليه والمحكوم به- يصح السكوت عليها قائمة بذات المتكلم.
قال بعضهم: ويعنون بـ "النسبة بين المفردين" تعلق أحدهما بالآخر وإضافته إليه لا على جهة الإسناد (الإفادي) (١) أي يجب إذا عبر عن تلك النسبة بلفظ يطابقها ويؤدي معناها أن يكون ذلك اللفظ إسناديًا (٢) إفاديًا كما تقدم في الكلام اللفظي أنه ما تضمن كلمتين بالإسناد.
ومعنى قيام هذه النسبة بالمتكلم على ما كشف عنه الفخر في "الأربعين" (٣) هو أن الشخص إذا قال لغيره: اسقنى ماءً فقبل أن يتلفظ بهذه الصيغة قام بنفسه تصور حقيقة السقي وحقيقة الماء والنسبة الطلبية بينهما، فهذا هو الكلام النفسي والمعنى القائم بالنفس، وصيغة "اسقني ماءً" عبارة عنه ودليل عليه.
وقوله "وعندنا لا اشتراك " أي عند أحمد وأصحابه ﵁، وكذا عند الجمهور لا اشتراك، بل الكلام إنما هو الأصوات والحروف (٤) والمعنى النفسي لا يسمى كلامًا أو يسمى مجازًا.
стр. 508
والدليل على ذلك الكتاب والسنة وإجماع أهل اللغة والعرف.
أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا (١٠) فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ (١) فلم يسم الإشارة كلامًا. وقال لمريم: ﴿فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ (٢).
وأما السنة: ففي الصحيحين أن النبي ﷺ قال: "إن الله عفا لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم" (٣).
стр. 509
وقال ﷺ لمعاذ: (١) أمسك عليك لسانك، قال يا رسول الله وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به بألسنتنا؟ فقال: ثكلتك أمك وهل يكب (٢) الناس في النار على وجوههم أو على مناخرهم (٣) إلا حصائد ألسنتهم (٤).
وقال ﷺ : "إذا قال الإمام (ولا الضالين) فقولوا (آمين) (٥) ولم يرد بذلك ما في النفس.
стр. 510
وقسم أهل اللسان الكلام إلى اسم وفعل وحرف (١).
وأيضًا: فإن الكلام مشتق من الكلم لتأثيره في نفس السامع، والمؤثر في نفس السامع إنما هو العبارات لا المعاني النفسية، نعم المعاني النفسية مؤثرة للفائدة بالقوة، والعبارة مؤثرة بالفعل فكانت أولى بأن تكون حقيقة وما يؤثر بالقوة مجازًا.
وقولهم (٢) "استعمل لغة وعرفًا فيهما" قلنا: نعم لكن بالاشتراك أو بالحقيقة فيما ذكرناه والمجاز فيما ذكرتموه الأول ممنوع لأنه إذا دار الأمر بين الاشتراك والمجاز فالمجاز أولى.
قولهم الأصل في الإطلاق الحقيقة، قلنا: والأصل عدم الاشتراك.
وأيضًا: فلفظ الكلام أكثر ما استعمل في العبارات، وكثرة موارد الاستعمال تدل على الحقيقة.
وأما قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ (٣) فمعناه يقول بعضهم لبعض (٤)، أو هو مجاز لأنه إنما دل على المعنى النفسي
стр. 511
بالقرينة، ولو أطلق لما فهم منه إلا العبارة وكذلك كل ما جاء من هذا الباب، إنما يفيد مع القرينة، وهذا شأن المجاز، ومنه قول عمر ﵁ "زوت (١) في نفسي كلاما" إنما أفاد ذلك بقرينة قوله "في نفسي" (٢) وسياقا القصة.
وأما قوله تعالى: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ﴾ فلا حجة فيه لهم، لأن الإسرار نقيض الجهر، وكلاهما عبارة أرفع صوت من الأخرى (٣).
وأما الشعر الذي نسب إلى الأخطل فليس هو في نسخ ديوانه (٤) وإنما هو لابن ضمضم (٥) ولفظه:
إن البيان من الفؤاد وإنما ... جعل اللسان على الفؤاد دليلًا
стр. 512
فغيروه وقالوا:
إن الكلام من الفؤاد وإنما ... جعل اللسان على الكلام دليلا
وإن صح أن الأخطل قاله كما قالوه فالأخطل نصراني إسلامي، وهو من تقدمه من شعراء الجاهلية إنما يحتج بقولهم في موضوعات لغة العرب ومعرفة الكلام، وأما ما يشترك فيه العرب وسائر الناس فلا يحتج فيه ببيت نادر مع ظهور فساده (١).
وبتقدير صحته على ما قالوا لم يجز أن يوصف الله تعالى بالكلام (٢) أصلًا فإنه تعالى ليس بذي فؤاد تعالى الله عن ذلك علوا كبيرًا (٣).
وأيضًا: فأهل العرف متفقون على أن من لم ينطق ليس بمتكلم، ولو حلف لم يتكلم فلم ينطق لم يحنث إجماعًا (٤).
قوله: (قال إمامنا: لم يزل الله متكلمًا إذا شاء) (٥) أهل العلم من أهل السنة والآثار على أن الله تعالى لم يزل متكلمًا إذا
стр. 513
شاء بكلام مسموع مفهوم، لأن الكلام من صفات الحي القادر، وضده من النقائص، والله تعالى منزه عنها (١).
* * *
стр. 514
(مطلب: القرآن معجز بنفسه) (١)
قوله: (وقال: القرآن معجز بنفسه، قال جماعة من أصحابنا: كلام أحمد ﵀ يقتضي أنه معجز في لفظه ونظمه ومعناه وفاقًا للحنفية (٢) وغيرهم وخالف القاضي في المعنى.
قال ابن حامد: الأظهر من جواب أحمد أن الإعجاز في الحروف المقطعة باق خلافًا للمعتزلة) لما قال الإمام أحمد ﵀: أن القرآن معجز بنفسه، قال جماعة: مقتضى قوله أنه معجز في لفظه ونظمه ومعناه، لأن كلام أحمد ﵀ شامل للكل (٣).
وخالف القاضي في المعنى، واحتج بأن الله تعالى تحدى بمثله في اللفظ والنظم (٤).
стр. 515
قال ابن حامد: وهل سقط الإعجاز في الحروف المقطعة أم هو باق؟
الأظهر من جواب أحمد باق، لأن اسم القرآن يشملها فهي داخلة في كلام الإمام أحمد (١).
قوله: (وفي بعض آية إعجاز ذكره القاضي وغيره، وفي التمهيد لا، وقاله الحنفية (٢)، وفي واضح ابن عقيل: لا يحصل التحدي بآية أو اثنتين) في بعض آية إعجاز، لظاهر قوله تعالى: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ﴾ (٣).
وفي التمهيد لأبي الخطاب في "النسخ" لا، قال: ولهذا يكون الناسخ بعض آية مثل قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ (٤) ولا إعجاز فيها (٥).
وفي واضح ابن عقيل في مسألة "المجاز" قاله بعضهم: لا يحصل التحدي بآية أو آيتين.
وأما أنا فلم أره في مسألة المجاز في الواضح (٦) ولعل ابن
(مطلب: ما لم يتواتر فليس بقرآن) (١)
قوله: (مسألة: ما لم يتواتر فليس بقرآن، لقضاء العادة بالتواتر في تفاصيل مثله وقوة الشبهة في (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) منعت من التكفير في الجانبين، وهي بعض آية في النمل (٢) إجماعًا، وآية في القرآن عند الأكثر) ما نقل آحادا (٣) فليس بقرآن، لأن القرآن مما تتوفر الدواعي على نقله، لما تضمنه من التحدي والإعجاز، ولأنه أصل سائر الأحكام، والعادة تقضي بالتواتر في تفاصيل ما هو كذلك، فما لم ينقل متواترًا علم أنه ليس قرآنًا قطعًا (٤).
فإن قيل: لو وجب تواتره وقطع بنفي ما لم يتواتر لكفرت
стр. 518
إحدى الطائفتين الأخرى في (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) واللازم منتف، أما الأول فلأنه إن تواتر فإنكاره نفي للضروري بكونه من القرآن، وإلا فإثبات للضروري عدم كونه من القرآن، وكلاهما مظنة للتكفير فكان يقع تكفير من جانب عادة كمنكر أحد الأركان أو مثبت ركن آخر.
أما انتفاء اللازم فلأنه لو وقع لنقل، والإجماع على عدم التكفير من الجانبين؟
فالجواب: أنا لا نسلم (الملازمة) (١) وإنما تصح لو كان (كل) (٢) من الطرفين لا تقوم فيه شبهة قوية تخرجه من حد الوضوح إلى حد الإشكال وأما إذا قوى عند فرقة الشبهة من الطرف الآخر فلا يلزم التكفير (٣).
وهي بعض آية في النمل إجماعًا.
وهي آية من القرآن عند أحمد وأبي حنيفة والشافعي وأكثر القراء السبعة (٤).
стр. 519
وعن أحمد: لا وفاقًا لمالك وأبي عمرو بن العلاء وحمزة (١).
وبعض الحنفية (٢) لعدم التواتر.
وجه الأول: (٣) كتابتها في المصحف بخطه بإجماع الصحابة ومن بعدهم مع شدة اعتنائهم بتجريده عن غيره، حتى كرهوا التعاشير والنقط لكيلا يختلط بغيره، فعلمنا بذلك أن المكتوب في المصحف هو القرآن، وما خرج عنه فليس منه، فإن القرآن من أعظم الأمور الدينية وأقوى الحجج الشرعية وأوضح المعجزات النبوية، وهو قاعدة الإسلام وقطب الشريعة وإليه مرجع الأصول
стр. 520
جميعها، ولا أمر في الدين أعظم منه، وما هذا سبيله فالدواعي متوفرة على نقله وتجريده عن غيره، والهمم متفقة على حفظه، وإذا كان كذلك فيستحيل في العادة أن يختلط به ما ليس منه.
رد: لا يفيد (١)، للقطع بعدم تواترها أول السور. وقد قال الآمدي: كونها قرآنًا حاصل في الجملة قطعًا والخلاف في وضعها أوائل السور، ولا يشترط فيه تواتر (٢).
ورد بضعفه لما سبق من قضاء العادة (٣) وباستلزامه سقوط كثير من القرآن المكرر لجواز عدم وصوله إلينا وإثبات ما ليس بقرآن من المكرر نحو ﴿فَبِأَيِّ﴾ (٤) الآية قرآنًا لجواز إثباته بالآحاد.
قالوا: يجوز، لكنه اتفق تواتر المكرر.
رد: وجب العلم بانتفاء السقوط لكونه قرآنًا لما سبق (٥).
стр. 521
وليست آية من الفاتحة على الأصح عن أحمد، خلافًا للشافعي (١) للحديث الذي في صحيح مسلم أن الله يقول: "قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فإذا قال العبد: (الحمد لله رب العالمين) قال الله : حمدني عبدي" إلى آخره فعلم أنه قسم الفاتحة ولم يذكر فيها (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ).
* * *
стр. 522
(القراءات السبع) (١)
قوله: (مسألة: القراءات السبع متواترة فيما ليس من قبيل الأداء).
القراءات السبع منها ما هو من قبيل الهيئة كالمد واللين وتخفيف الهمزة والإمالة ونحوها، وذلك لا يجب تواتره، ومنها ما هو من جوهر اللفظ نحو (ملك) و (مالك) وهذا متواتر، وإلا كان غير متواتر وهو من القرآن فبعض القرآن غير متواتر وقد بطل كما مر، ولا يمكن أن يصار (٢) إلى أحدهما بعينه فيقال: إنه هو المتواتر دون الآخر، وذلك الواحد هو القرآن، لأنه تحكم باطل لاستوائها بالضرورة (٣).
وكون السبع متواترة قال في تشنيف المسامع مما أجمع عليه
стр. 523
من يعتد به بشرط صحة إسنادها إليهم، لأنها لو لم تكن متواترة لكان بعض القرآن غير متواتر واللازم باطل.
وشغب بعض المتأخرين وقال: لا شك أن تواترها عن الأئمة السبعة وأما بأسانيدهم عن النبي ﷺ فهي أخبار آحاد (١) كما يعرف من طريقهم (٢).
وجوابه: لعلها كانت متواترة فيما بينهم واقتصروا على بعض الطرق، ولا يلزم من عدم النقل أن لا يكون كذلك. انتهى (٣).
وقال بعض الأصوليين: "مشهورة" ولم يقل "متواترة" (٤).
стр. 524
وأما كونها ليست متواترة فيما هو من قبيل الأداء فهكذا ذكره ابن الحاجب وشراحه، وتابعهم ابن مفلح والمصنف (١).
وأما التاج السبكي فإنه قال: والسبع متواترة، قيل: فيما ليس من قبيل الأداء كالمد والإمالة وتخفيف الهمزة.
قال أبو شامة (٢) والألفاظ المختلف فيها بين القراء (٣).
قال شارحه (٤): وإنما أورده بصيغة التمريض لأنه وإن وافقهم في استثناء ما ليس من قبيل الأداء لكن لا يوافق (٥) على التمثيل، فإن أصل المد والإمالة متواتر بلا شك، وإنما اختلف القراء في تقدير المد في اختياراتهم، فمنهم من رآه طويلًا، ومنهم من رآه قصيرًا ومنهم من بالغ في القصر، فمنهم من يرى مد
стр. 525
حمزة وورش (١) بمقدار ست ألفات، وقيل: خمس. وقيل: أربع، وصححوه عن عاصم (٢) بثلاث، وعن الكسائي بألفين ونصف، وعن قالون (٣) بألفين، وعن السوسي (٤) بألف ونصف. وقال
стр. 526
الداني (١) في "التيسير": أطولهم مدا في الضربين جميعًا -يعني المتصل والمنفصل- ورش وحمزة ودونهما عاصم، ودونه ابن عامر (٢) والكسائي ودونهما أبو عمرو وهو من طريق أهل العراق (٣).
فهذه الأمارات والطرق في كيفية اللفظ بالمد ليست متواترة (٤) ولهذا كره الإمام أحمد ﵀ قراءة حمزة لما فيها من طول المد وغيره، ولو كان متواتر لما كرهه (٥).
стр. 527
وأما الإمالة فقسمان (١):
١ - محضة: وهي أن ينحني بالألف إلى الياء وبالفتحة إلى الكسرة.
٢ - وبين بين فهي كذلك إلا أن الألف إلى (٢) الفتحة أقرب، وهي أصعب الإمالتين وهي المختارة عند الأئمة.
ولا شك في تواتر الإمالة وإنما اختلفوا في كيفيتها مبالغة وقصورًا فهذا هو الذي لا تواتر فيه.
وكذلك تخفيف الهمزة أصله متواتر، وإنما الخلاف في كيفيته (٣).
وأما الألفاظ المختلف فيها بين القراء فهي ألفاظ قراءة واحد، والمراد تنوع (٤) القراء في أدائها ولذلك قال: "وألفاظ القراء" ولم يقل "القرآن".
ومثاله: أن منهم من يرى المبالغة في تشديد الحرف المشدد فكأنه زاد حرفًا، ومنهم من لا يرى ذلك، ومن يرى الحالة الوسطى (٥).
стр. 528
فهذا هو الذي ادعى أبو شامة عدم تواتره وتوقف فيه المصنف -يعني السبكي- وقال: الظاهر تواترها، فإن اختلافهم ليس إلا في الاختيار ولا يمنع قوم قومًا (١).
* * *
стр. 529
(ما صلح من الشاذ ولم يتواتر) (١)
قوله: (مسألة: ما صح من الشاذ ولم يتوتر وهو ما خالف مصحف عثمان نحو (فصيام ثلاثة أيام متتابعات) (٢) ففي صحة الصلاة بها روايتان، وقال البغوي من الشافعية: هو ما وراء العشرة).
اختلفت الرواية عن الإمام أحمد في صحة الصلاة بما صح من الشاذ ولم يتواتر.
فعنه: لا تصح الصلاة به وفاقًا (٣) لأنه ليس بقرآن.
стр. 530
وعنه: تصح، ورواه ابن وهب (١) عن أبي حنيفة (٢)، وقاله بعض الشافعية (٣) لصلاة الصحابة بعضهم خلف بعض.
إذا علم ذلك فهل الشاذ ما خالف مصحف عثمان ﵁ كما قدمه المصنف تبعًا لابن مفلح، أو ما وراء العشرة كما قاله البغوي والسبكي، أو ما وراء السبعة أقوال (٤).