← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 127717

شرح مختصر أصول الفقه للجراعي

الجراعي

Полный текст (1 782 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

وقد سرت في إخراج هذا الكتاب كالآتي .. ° القسم الأول: وهو القسم الدراسي ويشتمل على فصلين: الفصل الأول: عصر المؤلف وحياته وفيه مبحثان: المبحث الأول: عصر المؤلف، ويشتمل على ثلاثة مطالب: المطلب الأول: الناحية السياسية، وأثرها في شخصية الجراعي. المطلب الثاني: الناحية الاجتماعية، وأثرها في شخصية الجراعي. المطلب الثالث: الناحية العلمية، وأثرها في شخصية الجراعي. المبحث الثاني: حياة المؤلف وفيه عشرة مطالب: المطلب الأول: اسمه ونسبه ولقبه. المطلب الثاني: تاريخ ومحل ولادته. المطلب الثالث: نشأته وطلبه للعلم. المطلب الرابع: عقيدته ومذهبه الفقهي. المطلب الخامس: شيوخه وتلاميذه. المطلب السادس: المناصب التي تولاها. المطلب السابع: أخلاقه وثناء العلماء عليه. المطلب الثامن: مصنفاته. المطلب التاسع: وفاته. المطلب العاشر: ترجمة مؤلف المختصر (علاء الدين بن اللحام البعلي).

стр. 667

الفصل الثاني: دراسة كتابه وفيه ثمانية مباحث: المبحث الأول: عنوان الكتاب ونسبته إلى مؤلفه، وسبب تأليفه. المبحث الثاني: موضوعات الكتاب. المبحث الثالث: منهج المؤلف في الكتاب. المبحث الرابع: مصادر المؤلف في الكتاب. المبحث الخامس: أهمية الكتاب وقيمته العلمية. المبحث السادس: نقد الكتاب. المبحث السابع: وصف المخطوط. المبحث الثامن: منهجي في التحقيق. ثم شرعت في القسم الثاني -وهو القسم التحقيقي- وبعد ذلك قمت بفضل الله بإعداد فهارس علمية في آخر الكتاب، للآيات والأحاديث الشريفة والآثار، والأبيات الشعرية والأعلام والفرق والطوائف الواردة في النص المحقق، إضافة إلى فهارس للمصطلحات العلمية والأماكن والبلدان، ومحتويات الرسالة. بعض الصعوبات التي واجهتني خلال البحث: ١ - كون الكتاب يحقق على نسخة واحدة، وقد أصابها رطوبة وطموس في بعض الأوراق. ٢ - كثرة الأقوال والآثار المدرجة في النص. ٣ - عدم التفرغ الكامل أثناء البحث.

стр. 668

هذا وقد بذلت جهدي لإخراج هذا الكتاب في أقرب صورة إلى وضعه الأصلي، فما كان فيه من صواب فمن الله وحده، وله المنة والفضل، والثناء الحسن، وما كان فيه من خطأ أو زلل فمني ومن الشيطان، وأبرأ إلى الله من حولي وقوتي، فلا حول ولا قوة إلا به، وأسأله تعالى أن يتقبله مني يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، وصلى الله وسلم على نبينا ورسولنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. * * *

стр. 669

القسم الأول قسم دراسي يشتمل على فصلين: ° الفصل الأول: عصر المؤلف وحياته ° الفصل الثاني: دراسة كتاب المؤلف * * *

стр. 670

الفصل الأول عصر المؤلف وحياته وفيه مبحثان: المبحث الأول: عصر المؤلف. المبحث الثاني: حياة المؤلف.

стр. 671

المبحث الأول عصر المؤلف ويشتمل على ثلاثة مطالب: المطلب الأول: الناحية السياسية وأثرها في شخصية الجراعي المطلب الثاني: الناحية الاجتماعية وأثرها في شخصية الجراعي المطلب الثالث: الناحية العلمية وأثرها في شخصية الجراعي المطلب الأول: الناحية السياسية وأثرها في شخصية الجراعي كانت مصر والشام في عصر الجراعي ﵀ تحت سلطة المماليك الجراكسة، وكان الحاكم في القاهرة، وله نائب في الشام، وقد كانت دولة المماليك من أقوى الدول التي حكمت العالم الإسلامي في تلك الفترة، ولقد مر على السلطة في دولة المماليك في عهد تقي الدين الجراعي عشرة سلاطين من عام (٨٢٥ هـ) حتى عام (٩٠١ هـ) وهم: ١ - السلطان الأشرف برسباي الدقماقي: (٨٢٥ هـ- ٨٤١ هـ) وقد امتاز عهده بالاستقرار وقلة الاضطرابات الداخلية،

стр. 672

وكانت أيامه في غاية الحسن، وقد مكن ذلك الاستقرار بمشروع حربي كبير وهو غزو جزيرة قبرص، وإدخالها في نطاق التبعية لسلطنة المماليك، خاصة بعد أن اتخذ القبارصة من جزيرتهم مركزًا للوثوب على الموانئ الإسلامية في شرق البحر المتوسط وتهديدهم لحركة التجارة الإسلامية التي تمر بالقرب من تلك الجزيرة. وقد طالت مدة الأشرف برسباي في السلطنة، وأحسن في إدارة الدولة، ونالته السعادة بعد أن دانت له الديار المصرية والبلاد الشامية وأهلها، واستمرت مدة سلطنته ست عشرة سنة وثمانية شهور، وهو الذي أنشأ المدرسة الأشرفية في القاهرة والكائنة بين القصرين، كما بنى غيرها مما هو الآن من الآثار الجميلة (١). ٢ - السلطان العزيز يوسف بن الأشرف برسباي: (٨٤١ هـ- ٨٤٢ هـ) تولى الحكم بعد أبيه سنة: (٨٤١ هـ)، وعمره أربع عشرة سنة، ثم خلع بعد ثلاثة أشهر وخمسة أيام (٢). ٣ - السلطان الظاهر جقمق العلائي الظاهري: (٨٤٢ هـ- ٨٥٧ هـ) حدث في زمنه عدة اضطرابات، انتهت بالقبض على الأمير

стр. 673

قرقماش الشعباني الذي كان ينازعه منصب السلطنة، وبقتل نائب حلب ونائب الشام لما خرجا عن طاعته، وبعدها تفرغ لإصلاح الديار المصرية والبلاد الشامية، وكان معروفًا بالتدين والورع متواضعًا محبًا للعلماء والفقهاء والصالحين، يقوم لمن يدخل عليه منهم، وقد قام بعدة إصلاحات مثل: بناء المساجد والجوامع والقناطر والجسور .. إلخ. ثم مرض سنة: (٨٥٧ هـ) فتنازل لابنه عثمان، ثم مات في نفس العام (١). ويعتبر من أهم حوادث عهد جقمق تخفيف حدة التوتر بين المغول ومغولة المماليك، ومحاولة فتح رودس للقضاء على بقايا الصليبيين. ٤ - السلطان المنصور عثمان بن الظاهر جقمق: (٨٥٧ هـ- ٨٥٧ هـ) تولى الحكم سنة: (٨٥٧ هـ)، وعمره تسع عشرة سنة، ثم خلع بعد ثلاثة وأربعين يومًا؛ بسبب ثورة الجيش ضده إثر توزيعه النفقة عليهم من نقوده المعروفة بالمناصرة، نسبة إلى اسمه، وهي دنانير ذهبية ناقصة القيمة. وتولى بعده إينال العلائي (٢). ٥ - السلطان الأشرف إينال العلائي (٨٥٧ هـ- ٨٦٥ هـ) وقد عصفت حركات العصيان التي قام بها مماليك الأشرف إينال بملكه، حيث انعدم الأمن والاستقرار، وشاع الخوف

стр. 674

والذعر من جراء اعتداءات أولئك المماليك على الخاصة والعامة بعاصمة الخلافة العباسية، ومقر السلطنة بالديار المصرية القاهرة. ومما يؤكد على الأثر السيئ الذي تركته تلك الحركات من اضطرابات وفساد، أنه في سلطنة الأشرف إينال التي استمرت قرابة ثماني سنوات أعلن المماليك اللأجلال العصيان عليه والخروج من الطاعة سبع مرات. وقد استمر الأشرف إينال في السلطنة حتى وفاته بعد اشتداد مرضه سنة: (٨٦٥ هـ) وقيل: إنه خلع نفسه (١). ٦ - السلطان المؤيد أحمد بن الأشرف إينال: (٨٦٥ هـ- ٨٦٥ هـ) بويع بالسلطنة في حياة والده عندما اشتد عليه مرضه، وذلك بإشارة أحد كبار الأمراء المماليك، فوافق الأشرف إينال على ذلك الاقتراح وعهد بالسلطنة لابنه أحمد بحضور الخليفة العباسي والقضاة الأربعة، ويقال: كان كفؤًا للسلطنة وزيادة، وكان عليه مهابة ووقار. وقد قامت عليه ثورة، فانهزم المؤيد، واختفى في رمضان سنة: (٨٦٥ هـ). وقيك خلعه أتابكه خشقدم بعد خمسة أيام، وولي السلطنة الملك الظاهر خشقدم (٢).

стр. 675

٧ - السلطان الظاهر خشقدم الناصري: (٨٦٥ هـ- ٨٧٢ هـ) وقد اجتمعت عليه كلمة الأمراء المماليك، وامتازت مدة سلطنته بالهدوء، ولم يعكر صفو ذلك الهدوء سوى محاولة الأمير جانم بك نائب الشام لانتزاع منصب السلطنة بناء على دعوة سابقة من المماليك الذين خلعوا أحمد بن إينال، ولكن السلطان خشقدم استطاع بسهولة أن يقضي على تلك المحاولة (١). ٨ - السلطان الظاهر يلباي المؤيدي: (٨٧٢ هـ- ٨٧٢ هـ) اجتمع رأي المماليك الأمراء عليه فبايعوه وهو غير راضٍ وقد كان شخصية ضعيفة إمّعة، ليس له من الأمر شيء، ولعل هذا هو الذي رشحه لمنصب السلطنة، وفي بداية سلطنته حاول التخلص من شر المماليك الأجلاب بحيلة دبرها، ولكنها انقلبت عليه، فاجتمعوا عليه وخلعوه، وكانت سلطنته شهرين ساد فيها الفوضى والفتن (٢). ٩ - السلطان الظاهر تمربغا الظاهري: (٨٧٢ هـ- ٨٧٣ هـ) بويع بالسلطنة بعد اتفاق كلمة الأمراء المماليك من سائر الطوائف عليه؛ وبعد تولية السلطنة سلك مع الناس مسالك استجلب بها قلوب الخاص والعام، غير أن المماليك الأجلاب

стр. 676

الذين تزعمهم الأمير خاير بك أعلنوا خلع السلطان تمربغا بعد أن عجز في كسب رضاهم، وأعلنوا نصب خايربك في السلطنة، إلا أن ذلك التصرف لم يكتب له النجاح بعد أن وقف الأمير قايتباي المحمودي في وجه المماليك الأجلاب وتولى السلطنة، وكانت مدة الظاهر تمربغا في السلطنة قرابة شهرين (١). ١٠ - السلطان الأشرف قايتباي المحمودي: (٨٧٢ هـ- ٩٠١ هـ) طالت مدة الأشرف قايتباي في السلطنة حيث قاربت تسعة وعشرين عامًا، لقي فيها الكثير من الصعوبات، خاصة على نطاق الحدود الشمالية للدولة، فقد غلب عدم الاستقرار على تلك المنطقة بسبب كثرة عصيان القبائل التركمانية، يضاف إلى ذلك الخطر الجديد الذي أصبح يهدد الدولة وهو تعاظم قوة الدولة العثمانية وتزايد نفوذ السلطان العثماني في تلك المنطقة بصفة خاصة وفي أراضي الخلافة العباسية بصفة عامة. وكذا ثورات الجلبان المتكررة التي لم يكن لها هدف سوى الحصول على النفقة دون نظر إلى حالة الدولة المالية أو التزاماتها الحيوية (٢). أثرها على الجراعي .. من المعلوم أن للحياة السياسية أثرًا على نتاج أبنائها، وكلما كان الوضع السياسي مستقرًا، كانت الحياة العلمية في نمو واتساع،

стр. 677

وكلما كان العصر مليئًا بالفتن والاضطرابات، كان نتاج أبنائه أقل، فلصفاء الذهن بالأمن على النفس والأهل والولد والحياة المعيشية وغيرها أثر على طالب العلم، وعلى عطاء العلماء، وقد كانت دولة المماليك من أفضل وأقوى الدول التي تحكم الدول الإسلامية، فكان لها أثر على الجراعي ومن عاش في عصره. فالجراعي نشأ بين عام: (٨٢٥ هـ) وعام: (٨٨٣ هـ) أي من نهاية سلطنة السلطان الصالح محمد بن الظاهر ططر: (٩٢٥ هـ) وبداية سلطنة الأشرف برسباي الدقماقي: (٨٢٥ هـ) إلى السنة الحادية عشرة من حكم السلطان الأشرف قايتباي المحمودي. وكان أغلب هذه الفترة يسودها الأمن والهدوء، وتقلُّ الاضطرابات الداخلية كما نشطت فيها الحركة العلمية نشاطًا ملحوظًا، فرغم بعض الاضطرابات الداخلية فقد ازداد فيها عدد العلماء، وبنيت فيها المدارس، وألفت فيها المؤلفات، وكثر الإقبال على العلم. بل كان السلاطين والوزراء أنفسهم يحرصون على وجود حياة علمية، بل ويتفاخرون في إنشاء المدارس ودور العلم، وكانوا يكنون للعلماء كل تقدير واحترام. وشارك العلماء مشاركة فعلية في إدارة البلاد وشؤون الحكم وولي كثير منهم مناصب هامة في الدولة إلى جانب المناصب المخصصة له كالقضاء والتدريس والإفتاء التي كانت خاصة بالعلماء، وقد تولى تلك المناصب إمامنا الإمام تقي الدين الجراعي وشارك مع من شارك.

стр. 678

المطلب الثاني: الناحية الاجتماعية وأثرها في شخصية الجراعي كان المجتمع الإسلامي في ذلك العصر في بلاد الشام ومصر يتكون من أجناس شتى وطوائف مختلفة وأديان متباينة، فكان فيه العربي والتركي والمغولي والفارسي، ممن جمعت بينهم أخوة الإسلام، وكان فيه الأحرار والأرقاء، وكان يعيش فيه أيضًا في كنف المسلمين اليهود والنصارى من أهل الذمة والمستأمنين، وكان كل هذا الخليط المتباين في اللون والنسب والعادات والطباع والدين أحيانًا، يستظل براية الإسلام وينعم في ظل شرعه بالأمن والطمأنينة، وكان المجتمع كله يعيش متكاملًا متضامنًا إلا ما يبدر من بعض اليهود والنصارى من شماتة وإيذاء للمسلمين عند غزوات التتار أو الصليبيين (١). ويمكننا أن نقسم المجتمع في تلك الفترة إلى طبقات عدة وهي: أولًا: الطبقة الحاكمة: وهم السلطان وأعوانه من وزراء وقادة وجباة للأموال وكتَّاب للديون وجند، وقد كانوا كلهم من المماليك الذي جُلبوا من أواسط آسيا ثم أصبحوا طبقة متميزة لها سلطانها ونفوذها، وكان منهم العادلون الأتقياء الصالحون، ومنهم الظلمة الجائرون الذي كانوا يثقلون كواهل الناس بالضرائب والجبايات والمصادرات، مع أن الغالب عليهم احترام العلماء، وبناء المدارس، وحماية البيضة والجهاد في سبيل الله رفعة للدين (٢).

стр. 679

ثانيًا: طبقة العلماء: كانت تحظى باحترام المجتمع حاكمًا ومحكومين، وكان منهم القضاة ورجال الحسبة والمدرسون والوعاظ، وكانوا قادة الشعب الحقيقيين، وأكثرهم ممن اتصف بالورع والزهد والتقوى، والقليل منهم من جانبَ طريق الاستقامة. ولا يزال التاريخ يذكر بالإجلال والإكبار مواقف العز بن عبد السلام، وشرف الدين النووي، وشيخ الإسلام ابن تيمية في الصدع بالحق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة والجهاد بالقلم والسنان، وهم وإن كانوا من أبناء هذا العصر الذي نتحدث عنه ولكنهم ليسوا عنه ببعيد. فما زالت آثارهم وتلاميذ تلاميذهم يعيشون بين ظهراني الناس ويؤثرون فيهم، وكان جمهور العلماء قد اشتغل بالعلم، وأقبل عليه تعلمًا وتعليمًا وتأليفًا وأعرض عن الدنيا وأهلها كأمثال الجراعي والمرداوي (١). ثالثًا: طبقة التجار: وكانوا يؤلفون طبقة مقربة من السلاطين؛ لأنهم أدركوا أن التجار دون غيرهم هم الذين يستطيعون أن يمدوهم في ساعة العسرة، ورغم ذلك فقد تعرض التجار في كثير من الأوقات لمصادرة أموالهم، وللرسوم الباهظة التي كانت تفرض عليهم، حتى أصبح بعض التجار يدعون على أنفسهم بسبب تلك الأموال التي جعلتهم تحت مراقبة السلاطين المماليك، وكان التجار يعمدون إلى إخفاء أموالهم وأرزاقهم

стр. 680

عند أي بادرة للفتنة بين السلاطين والأمراء والعساكر السلطانية (١). رابعًا: طبقة عامة الناس: وهؤلاء يشكلون السواد الأعظم من سكان البلاد الواقعة تحت حكم الخلافة العباسية التي غلب عليها السلاطين المماليك، وتضم هذه الفئة أعدادًا من العمال والباعة والفلاحين والمعدومين، وكانت هذه الطبقة مغلوبة على أمرها، لتوالي الظلم والجور عليها وتسلط الحكام عليها بمصادرة أملاكهم، واضطهاد رجال الدولة الذين لم يَعْنِهم إلا مصلحتهم. ويؤكد ما أصاب هذه الطائفة من حاجة وفقر كثرة من يستجدي الناس ويطلب الصدقة في ذلك العصر، وقد وجدوا العناية والاهتمام في فترات من حكم بعض المماليك، ولكن كثرة أعدادهم دفعت بعضهم لاحتراف السلب والنهب والاعتداء على أموال الغير (٢). وأغلب هذه الفئة من الفلاحين الذي لم يكن نصيبهم في عصر المماليك سوى الإهمال والاحتقار، حتى أصبح لفظ "فلاح" في ذلك العصر مرادفًا للشخص الضعيف المغلوب على أمره، وزاد من سوء حالهم كثرة المغارم والمظالم التي حلت بهم من

стр. 681

الحكام والولاة والمماليك، فكانوا يأخذون منهم أضعاف ما يستحق عليهم (١). خامسًا: طبقة أهل الذمة: وهم كما ذكرنا من اليهود والنصارى الذين كانوا ينعمون في المجتمع الإسلامي بالأمن على دينهم وأنفسهم وأموالهم، إلا أنهم ظاهروا التتار والصليبيين في غزواتهم على بلاد الشام مما أثار عوام المسلمين عليهم بعد النصر على الأعداء، فقتلوا بعضهم، وخربوا كنائسهم ونهبوا أموالهم (٢). أما معاملة السلاطين لهم فقد كانت تختلف؛ فمنهم من يعاملهم بشدة وحزم، ومنهم من يتساهل معهم، ومن أمثلة ذلك: ما فعله السلطان الأشرف برسباي حيث نودي في سنة: (٨٢٥ هـ) بأن لا يُستخدم أحد من اليهود والنصارى في ديوان من دواوين السلطان أو الأمراء المماليك، مما جعل عظماء الأقباط والنصارى من مباشري الدولة يقفون ضدَّ ذلك النداء، فلم يتمَّ العمل به (٣). وسعى السلطان الظاهر جقمق للضغط على النصارى في بلاده لما بلغه معاناة المسلمين في بلاد الحبشة تحت حكم النصارى - حتى يكون ذلك دافعًا لنصارى الحبشة لرفع أذاهم

стр. 682

عن المسلمين ببلادهم، فأمر بسجن بطرك (١) النصارى وعزله من منصبه، وأمر بأن لا يُولَّى أحد منهم إلا بإذن السلطان، وأن من خالف ذلك انتقض عهده، وحلَّ دمه، وأصدر أيضًا أمرًا بمنع النصارى واليهود من مباشرة طب المسلمين، وذلك في سنة (٨٥٢ هـ) (٢). وفي سنة (٨٥٦ هـ) رسم السلطان الظاهر جقمق لوكيل بيت المال بأن يحصر ما عند النصارى من الرقيق، حيث بلغه أن النصارى يشترون الإماء المسلمات ويستخدمونهم في دورهم، فشق ذلك على السلطان (٣). ويلاحظ أنه مع كثرة هذه الأوامر الصادرة بالتضييق على اليهود والنصارى، إلا أنَّ كثيرًا منها لم يُعمل به، وذلك بسبب سعي أهل الذمة بأموالهم لدى الأمراء المماليك وبعض المباشرين في وظائف الدولة ليشفعوا عند السلطان، وبذلك تعود الأمور إلى ما كانت عليه قبل صدور تلك الأوامر السلطانية (٤). الآداب الشرعية .. مصداقًا لما جاء في الأثر بأن صلاح الراعي صلاح لرعيته، فقد كان بعض الولاة أتقياء صالحين، فانتشر الخير، وقضي على

стр. 683

المنكرات، وفرضت العقوبات، فارتدع الناس (١)، وكان منهم الظالمون الجائرون الفسقة، المتساهلون عن بعض المنكرات الراضون بانتشارها (٢). الطواعين والأوبئة والكوارث: في سنة: (٨٢٦ هـ) أصاب طاعون مفرط الشام، حتى قيل: إن جملة من مات في أيام يسيرة زاد على خمسين ألفًا (٣). وفي سنة: (٨٣٥ هـ) ضرب الشرقَ من بغداد إلى تحريز غلاء شديد، حتى أكل الناس الكلاب والميتة (٤). وفي سنة: (٨٣٨ هـ) وقع وباء في بلاد المسلمين والكفار، مات به من لا يحصى كثره (٥). وفي سنة: (٨٤١ هـ) وقع الطاعون في نصف الشتاء في البلاد الشامية، فكثر بحماة وحمص وحلب، ثم تحول إلى دمشق في أواخر الشتاء، ثم اتصل بالبلاد المصرية (٦).

стр. 684

وفي سنة: (٨٤٨ هـ) وقع بالقاهرة الطاعون العظيم، بحيث كان يخرج في اليوم الواحد ما يزيد على الألف (١). وفي سنة: (٨٥١ هـ) وقعت صاعقة ببيت المقدس أثناء شوّالها (٢). أثرها في شخصية الإمام الجراعي: لا بد للإنسان أن يختلط بغيره من البشر، ويعايش قضاياهم، ويتألم لآلامهم ويصيبه ما يصيبهم من الفرح والسرور أو الحزن والألم. فكيف بالعلماء الذين يفزع إليهم العامة بعد الله، في حل قضاياهم، أو الشفاعة لهم عند من يستطيع ذلك، والذين يحملون هموم الأمة والدعوة ومشاكلها. هذا بالنسبة للجانب الفكري والجسدي، أما بالنسبة للجانب المالي فلم يتأثر العلماء كثيرًا لما لهم من مكانة في الدولة، ولما يتقاضونه غالبًا من أجور ومِنَح مقابل تدريسهم في المدارس، خاصة تلك المدارس التي يبنيها الولاة ويتفاخرون بها. والله أعلم. المطلب الثالث: الناحية العلمية وأثرها في شخصية الجراعي أحسَّ المماليك أنهم غرباء عن البلاد الشامية والمصرية وعن أهلها، وفي حاجة إلى دعامة يستندون إليها في حكمهم، ويستعينون بها على إرضاء رعيتهم، فلم يجدوا سوى طائفة العلماء، وذلك لما

стр. 685

للدين وأهله من مكانة وقوة في نفوس المسلمين، فاحترم المماليك العلماء، فكانوا يقومون لهم إذا دخلوا عليهم ويجلسونهم بجوارهم، ويغدقون المنح والمرتبات السخية على أرباب الوظائف من هؤلاء العلماء، لما يعلمون ما لهم من قوة في كسب الرأي العام في البلاد، ومما يؤكد المكانة الرفيعة التي وصل إليها العلماء في هذا العصر أن بعض الأمراء والمماليك السلطانية خافوا من مشاركة العلماء لهم في الوجاهة والرفعة (١). وكان المماليك أنفسهم يحرصون على وجود حياة علمية، ويتفاخرون في بناء المدارس (٢) ودور العلم (٣)، وكانت الأوقاف الواسعة توقف للمدارس، ويجلب لها الكتب الكثيرة النافعة، ويمكن من التدريس فيها أهل العلم والفضل، وكانت توفر لطلابها وأساتذتها السكن والعيش والحياة الكريمة، مما سهل على طلاب العلم التفرغ له، وعلى علمائه صرف الأوقات في نشره ومدارسته وتعليمه (٤). بل قد شارك بعضهم في هذه النهصة العلمية بالتدريس والتأليف (٥).

стр. 686

لهذا كله ولغيره (١) وجدنا حركة علمية مزدهرة في هذه الفترة، يدل عليها كثرة العلماء كالمرداوي، والسخاوي، والسيوطي وابن الهمام وغيرهم، وكذلك كثرة التراث الذي خلفوه لنا. أثرها في شخصية الإمام الجراعي: لا شك أن الإنسان وليد عصره، فالجراعي ممن تأثر بهذه الحركة العلمية الواسعة، فطلب العلم على علمائها، وناله ما نال العلماء من مكانة ومنزلة، وشارك في هذه النهضة بالتدريس والتأليف والقضاء كما سيأتي. * * *

стр. 687

المبحث الثاني: حياة المؤلف ويشمل عشرة مطالب: المطلب الأول: اسمه ونسبه ولقبه. المطلب الثاني: تاريخ ومحل ولادته. المطلب الثالث: نشأته وطلبه للعلم. المطلب الرابع: عقيدته ومذهبه الفقهي. المطلب الخامس: شيوخه وتلاميذه. المطلب السادس: المناصب التي تولاها. المطلب السابع: أخلاقه وثناء العلماء عليه. المطلب الثامن: مصنفاته. المطلب التاسع: وفاته. المطلب العاشر: ترجمة مؤلف المختصر علاء الدين بن اللحام البعلي.

стр. 688

المطلب الأول: اسمه ونسبه ولقبه (١) هو أبو بكر بن زيد بن أبي بكر بن زيد بن عمر بن محمود الحسني الجراعي، المقدسي، الدمشقي، الحنبلي. وزاد ابن طولون (٢) في ترجمته: النويري قبيلة (٣). ويعرف بـ "الجراعي". ويلقب بـ "تقي الدين". والجراعي (٤): نسبة إلى جُراع، وقيل: جَرّاعة، وهي البلد

стр. 689

الذي ولد فيه من أعمال نابلس، وهي خربة تقع شمال جمّاعيل في فلسطين. الحسني: قيل إنه من ذرية الحسن بن علي بن أبي طالب ﵁. المقدسي: بفتح الميم وسكون القاف والدال الدال والسين المهملتين، نسبة إلى بيت المقدس. الدمشقي: نسبة إلى مدينة دمشق المدينة المعروفة. الصالحي: نسبة إلى الصالحية (١). المطلب الثاني: تاريخ ومحل ولادته (٢) ولد الشيخ تقي الدين الجراعي في سنة خمس وعشرين وثمانمائة هجريًا، وكان ذلك في جراع، أو جراعة. وفي الضوء اللامع (٣) قال: ولد تقريبًا سنة: (٨٢٥ هـ)، بجراع، من أعمال نابلس.

стр. 690

المطلب الثالث: نشأته وطلبه للعلم (١) أولًا: نشأته: نشأ أبو بكر الجراعي في شريح في بيت علم من بيوت الحنابلة، وتعرف أسرته بـ (الجرارعة) وببني العسكري، وهي إحدى الأسر العلمية التي قطنت الصالحية، وإليها ينسب أحد مساجد الصالحية وهو مسجد الجرارعة. واشتهر كثير من أفراد هذه الأسرة بالإقراء والتدريس بالمدرسة العمرية (٢) - إحدى مدارس الصالحية - فمنهم: ١) أبوه الشيخ زيد الجراعي (٣): (ت ٨٦٧ هـ)، وهو أحد مشائخ الإقراء بالمدرسة العمرية، بل كان أحد أعيان الحنابلة.

стр. 691

٢) عمه الشيخ علي الجراعي (١) (ت ٨٥٩ هـ)، أحد أعيان الحنابلة (٢). ٣) أخوه الشيخ علي بن زيد الجراعي (٣) (ت ٨٨٢ هـ)، وهو من مشائخ المدرسة الأخيار، بل كان أحد أعيان الحنابلة. ٤) أخوه ورفيقه في الطلب والرحلة، الشيخ شهاب الدين أحمد بن زيد الجراعي (٤). قال عنه تلميذه ابن طولون في كتابه سكردان الأخبار (٥): أحد شيوخ الإقراء بمدرسة الشيخ أبي عمر، ثم صار شيخ الشيوخ بها. ٥) أخوه الشيخ جمال الدين عبد الله بن زيد الجراعي (٦)، تتلمذ على يد أخيه الشيخ شهاب الدين أحمد. قال عنه ابن طولون في سكردانه (٧): الشيخ الإمام العالم، المفيد البارع، الفصيح .. حفظ القرآن واشتغل، وحصّل، وبرع، وتصدر

стр. 692

للإقراء بمدرسة الشيخ أبي عمر، وأجاز له خلق منهم صالح بن عمر البلقيني، ولازم المحلي الشافعي .. إلخ. ففي هذا البيت المبارك نشأ إمامنا نشأة علمية قوية ويدل على ذلك أمور: أ - حرص هذه الأسرة على طلب العلم، حيث ارتحلت لطلب العلم، واستوطنت الصالحية الزاخرة بالعلم والعلماء آنذاك. وذكرت لنا التراجم أنه ارتحل - أي الجراعي - ومعه أخوه شهاب الدين أحمد وابنه عمر بن أحمد إلى مكة وقرؤا على ابن فهد، وسافر مع أخيه جمال الدين إلى مصر وقرؤا على الملحي والبلقيني (١). ب - رحل إمامنا ﵀ أول رحلة له في طلب العلم وعمره آنذاك سبعة عشر عامًا، كما سيأتي، وقبلها قد قرأ بعض المطولات كبعض "ألفية ابن مالك" (٢) ونحو ثلث "جمع الجوامع" (٣) للتاج السبكي (٤) و"ألفية شعبان

стр. 693

الآثاري" (١) بتمامها، مما يدل على تقدمه في الطلب والله أعلم. ثانيًا: طلبه للعلم ورحلاته (٢): بدأ الجراعي ﵀ حياته العلمية كعادة العلماء بتلاوة القرآن، فقرأه عند الشيخ يحيى العبدوسي (٣)، ثم قرأ "العمدة" و"العزيزي" (٤) في التفسير، و"مختصر الخرقي" (٥) و"النظام" (٦) وهما في الفقه. و"الملحة في الإعراب" (٧)، وبعض "ألفية ابن

стр. 694

مالك"، ونحو ثلث "جمع الجوامع" للتاج السبكي، و"ألفية شعبان الآثاري" بتمامها. وتفيد التراجم (١) أن أبا بكر الجراعي لم يبق طويلًا في جراع، حيث تنقَّل في طلب العلم إلى مناطق عدة، فقدم الشام سنة: (٨٤٢ هـ)، وكان عمره آنذاك سبع عشرة سنة تقريبًا، وفي دمشق طلب العلم على مجموعة من أهل العلم، ولازم بعض شيوخهم، كتقي الدين ابن قندس (٢)، وأبي الفرج، وعبد الرحمن بن سليمان الحنبلي وغيرهم. ثم انتقل إلى بعلبك حيث سمع بها صحيح البخاري. وبعد أن تردد الجراعي على علماء الشام في عصره، ونهل من مواردهم العذبة، وأصبح من فضلاء الحنابلة في دمشق، عقد النية على السفر لطلب العلم. فسافر إلى القاهرة سنة: (٨٦١ هـ)، وما إن وصلها إلا وبدأ يطوف على من بقي من العلماء المبرزين فيها، كالمحلي وابن الهمام وغيرهم. ولم يقتصر جهد الجراعي خلال إقامته في القاهرة على الطلب، بل كان له حظ من التعليم والإقراء، حيث أخذ عنه جماعة من المصريين، وربما أفتى. كما أنه لم يقتصر فقط على السماع من شيوخه، بل كانت

стр. 695

له قراءاته الخاصة، لتقوية شخصيته العلمية وزيادة علمه (١). وحج الجراعي ﵀ مرارًا وجاور في إحدى حجاته سنة: (٨٧٥ هـ)، وتتلمذ فيها على النجم ابن فهد، وختم عليه المسند وغيره كما سيأتي. وبعد هذا التطور في تحصيل العلم استقر الجراعي ﵀ في مدينة دمشق وتصدى للتدريس والتعليم والإفادة، مع استمراره في الطلب والتحصيل، فقد قرأ في آخر حياته على ابن رزيق، وكذا سنن ابن ماجه على أبي إسحاق إبراهيم بن محمد الراميني ثم الدمشقي وألف قبل وفاته بأربعة أشهر كتابه الأوائل (٢). المطلب الرابع: عقيدته ومذهبه الفقهي (٣) أولًا: عقيدته: كان تقي الدين الجراعي ﵀ سلفي العقيدة، كما نص على ذلك تلميذه ابن طولون (٤) حيث قال: " .. الحنبلي مذهبًا، السلفي معتقدًا".

стр. 696

ومما يدل على ذلك أيضًا نصوصه المبثوثة في كتبه، ومن تلك النصوص .. ١) ما قاله في شرح المختصر (١)، حيث قال: "قال إمامنا: لم يزل الله متكلمًا إذا شاء، وأهل العلم من أهل السنة والجماعة والآثار، على أن الله تعالى لم يزل متكلمًا إذا شاء، بكلام مسموع مفهوم، لأن الكلام من صفات الحي القادر، وضده من النقائص، والله تعالى منزه عنه". ٢) وقال في شرح المختصر (٢) أيضًا، في مسألة: من جحد ما ثبت بخبر الآحاد، هل يكفر أم لا؟ : قال ابن حامد: غالب أصحابنا على كفره فيما يتعلق بالصفات، وذكر في مكان آخر أن جحد أخبار الآحاد كفر كالتواتر عندنا، فإنه يوجب العلم والعمل، فأما من جحد العلم بها، فالأشبه لا يكفر، ويكفر من جحد ما ورد في الإستواء والنزول ونحوهما من الصفات. ٣) وقال في مسألة عدالة الصحابي (٣): "الذي عليه سلف الأمة وجمهور الخلف أن الصحابة ﵃ معلومة عدالتهم بتعديل الله ثنائه عليهم، قال سبحانه: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ﴾ (٤) وقال تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٥) ... إلخ".

стр. 697

٤) وقال في تحفة الراكع والساجد (١) في الباب الرابع من الكتاب الرابع في ذكر أحكام تتعلق بسائر المساجد: الثاني والخمسون: يكره إخراج حصاه، وترابه - أي المسجد - للتبرك وغيره، وقال في "الآداب" ويتوجه أن يقال: أما مرادهم بالكراهة التحريم. ٥) وفي تحفة الراكع (٢) أيضًا: "الثاني والسبعين: قال أبو الوفاء بن عقيل: أنا أبرأ إلى الله تعالى من جموع أهل وقتنا في المساجد، ليالي يسمونها "إحياء" ولعمري إنها لإحياء أهوائهم وإيقاظ شهواتهم .... الخ". وأخيرًا .. مما يدل على سلفيته، إكثاره من قوله عندنا خلافًا للمعتزلة، أو عندنا كذا وعند المعتزلة كذا، وكذا الأشعرية، والقدرية، والمرجئة، والشيعة، وغيرهم ممن خرج عن نهج سلف الأمة في الصفات أو غيرها (٣). ثانيًا: مذهبه الفقهي: كان ﵀ حنبلي المذهب، بلا خلاف، فكل من ترجم له أثبت ذلك، ومنهم ابن طولون (٤) في عبارته السابقة حيث قال: " ... الحنبلي مذهبًا، السلفي معتقدًا".

стр. 698

بل قد نص على ذلك بنفسه حيث قال في آخر كتابه الأوائل (١) والذي كتبه قبل وفاته بأربعة أشهر ما نصه: "كان الفراغ منه في ثاني عشر شهر ربيع الأول عام: (٨٨٣ هـ) بصالحية دمشق الشام على يد أبي بكر بن زيد الجراعي الحنبلي، وهو مؤلفه وجامعه غفر الله له ولوالديه ولجميع المسلمين ... إلخ". ويدل على ذلك أيضًا قوله: قال إمامنا (٢)، ويقصد به الإمام أحمد ﵀ وإكثاره من قوله: علماؤنا (٣) أو قوله: أصحابنا ويريد بهم الحنابل كأبي يعلى وابن عقيل وأبي الخطاب وغيرهم. ومما يدل على ذلك أيضًا، نشأته في بيت حنبلي، وقرائته في أول طلبه "مختصر الخرقي" و"النظام" وهما في الفقه الحنبلي كما سبق، بل وتأليفه قبل وفاته بستة أشهر كتابه "غاية المطلب في معرفة المذهب"، ويريد به مذهب الحنابلة، حيث كان عبارة عن زوائد على مختصر الخرقي، أخذها من كتاب فروع ابن مفلح وكلاهما للحنابلة. بل والكتاب الذي بين أيدينا من أصرح الأدلة على ذلك، فهو شرح لمختصر حنبلي وهو ينقل فيه أقوال إمامه، ويذكر فيه خلاف المذاهب الأخرى حيث يقول فيه: عندنا خلافًا للحنفية أو للمالكية أو للشافعية أو للظاهرية (٤).

стр. 699

المطلب الخامس: شيوخه وتلاميذه أولًا: شيوخه: أ) في جرّاعة حيث المولد أو شريح حيث المنشأ: درس على يحيى العبدوسي (١)، وقد قرأ عليه القرآن (٢). ب) في دمشق: ١ - الشيخ أبو بكر بن إبراهيم بن قندس البعلي (٣) شيخ الحنابلة في عصره. أخذ عنه الجراعي الفقه وأصوله والفرائض وعلوم اللغة والمعاني والبديع (٤). ٢ - أبو الفرج عبد الرحمن بن سليمان الحنبلي الصالحي (٥).

стр. 700

لازمه الشيخ تقي الدين كما في الضوء اللامع (١). ٣ - شمس الدين محمد بن محمد السيلي ثم الدمشقي الحنبلي (٢)، خازن المدرسة الضيائية (٣)، أخذ عنه الفرائض (٤). ٤ - شهاب الدين أحمد بن عبد الرحمن بن أحمد الذهبي المعروف بابن ناظر الصاحبة الحنبلي (٥). قرأ عليه بعض المسند (٦). ٥ - الشيخ أبو عبد الله محمد بن أحمد بن معتوق الكركي، ثم الدمشقي الحنبلي (٧). سمع منه الحديث (٨).

стр. 701

جـ) في مصر: ١ - حسين بن محمد بن أيوب الحسني الشافعي المعروف بـ (السيد النسابة) (١). ٢ - علم الدين صالح بن عمر البلقيني الشافعي (٢). ٣ - جلال الدين محمد بن أحمد بن محمد المحلي الشافعي (٣)، ٤ - أم هانئ مريم بنت علي بن عبد الرحمن بن عبد المؤمن الهورينية الأصل المصرية الشافعية (٤). ٥ - أبو بكر بن محمد بن شادي التقي الحصني الشافعي (٥).

стр. 702

٦ - عز الدين أحمد بن إبراهيم بن نصر الله الكناني العسقلاني الأصل، ثم المصري الحنبلي (١). أخذ عنه تقي الدين الجراعي يسيرًا من المنطق وغيره (٢). ٧ - كمال الدين محمد بن عبد الواحد بن عبد الحميد السيواسي ثم الإسكندري الحنفي المعروف بـ (ابن الهمام) (٣). وقد حضر الجراعي دروسه كما في بعض التراجم (٤). ٨ - شمس الدين محمد بن عبد الرحمن السخاوي الأصل، القاهري المولد، الشافعي (٥) قرأ عليه الجراعي قطعة من القول البديع (٦)،

стр. 703

وتناول جميع الكتاب منه إجازة (١). ٩ - أبو البقاء ناصر الدين محمد بن أبي بكر بن عبد الرحمن الصالحي الحنبلي المعروف بـ (ابن رزيق) (٢). ١٠ - أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن عبد الله بن مفلح الراميني ثم الدمشقي الصالحي (٣). قرأ عليه كتاب سنن ابن ماجه (٤). د) في مكة: قرأ على نجم الدين عمر بن محمد بن محمد الهاشمي المكي الحنبلي، المعروف بالنجم ابن فهد (٥). قرأ عليه الجراعي (٦) مسند الإمام أحمد ﵀ كاملًا، ونظم سند "المسمع" في قصيدة وامتدحه فيها، وأنشده يوم ختم المسند، وكان ذلك يوم السبت ثاني وعشرين شهر جمادى الأولى من سنة: (٨٧٥ هـ) أولها .. الحمد لله الذي هدانا ... فكم له من نعمة حبانا

стр. 704

ثم قرأ عليه "المصعد الأحمد في ختم مسند أحمد" (١) تأليف الشمس الجزري (٢). ثم قرأ عليه "خصائص المسند" (٣) لأبي موسى محمد بن عمر المديني. ثم قرأ عليه "النشر" (٤) لابن الجزري، و"الثبات على الممات" (٥) لابن الجوزي، و"الأدب المفرد" (٦) للبخاري في مجلسين متوالين، ثانيهما يوم الثلاثاء، ثالث عشر ذي القعدة من السنة.

стр. 705

ثانيًا: تلاميذه: تصدَّر الجراعي ﵀ للتدريس، استقلالًا أو نيابة (١)، وأكبَّ على دروسه طلبة العلم ليستفيدوا منه ويتعلموا، وقد برز من تلاميذه نخبة طيبة، أخذوا عنه، ونهلوا من معينه العذب، ومن هؤلاء .. ١) يوسف بن محمد الكفري، ثم الصالحي الحنبلي (٢). قال ابن عبد الهادي (٣): "وتفقه بشيخنا الشيخ تقي الدين (٤)، والقاضي علاء الدين المرداوي (٥)، والشيخ تقي الدين الجراعي وغيرهم". ٢) يوسف بن الحسن بن أحمد بن عبد الهادي، الشهير بابن المبرد، الصالحي الحنبلي (٦). وقد قرأ ابن عبد الهادي كتاب
следующие страницы →