← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 127717

شرح مختصر أصول الفقه للجراعي

الجراعي

Полный текст (1 782 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

إحداهما: أن هؤلاء مع اختلاف أحوالهم، وكثرتهم، لا يجمعهم على الكذب جامع، ولا يتفقون عليه. الثانية: أنهم قد اتفقوا على الإخبار عن الواقعة، فيبنى العلم بالصدق على المقدمتين، هكذا مثله الغزالي (١)، وتبعه الشيخ في الروضة (٢). وقال بعضهم (٣): ولا يحصل إلا بعد علم أن المخبر عنه محس من جماعة، لا داعي لهم في الكذب، وما كان كذلك ليس بكذب، فيلزم كونه صدقًا. رد: بمنع افتقاره إلى سبق علم ذلك، بل يعلم ذلك عند حصول العلم بالخبر. ثم: حاصل بقوة قرينة الفعل، فالنظر لا يحتاجه. تنبيه: تقدم ذكر البراهمة، والسمنية، والسوفسطائية، أما البراهمة (٤): فهم فرق، لا يجوِّزون على الله تعالى بعث الرسل. وأما السمنية (٥) -بضم السين، وفتح الميم مخففة، كعرنية-

стр. 807

نسبة السمنان، ببلاد الهند، يحجون إليها. وقيل: نسبة إلى سومنان (١)، ببلدة من الهند، على غير قياس، فهم فرقة من عبدة الأصنام، يقولون بالتناسخ. وأما السوفسطائية (٢): فسموا بذلك لتجاهلهم، لأن سفسط معناه: تجاهل. وقيل: لهذيانهم، يقال سفسط في الكلام، إذا هذا في كلامه، وهم أصحاب سوفسطا. قال (٣) الشيخ سعد الدين التفتازاني (٤): سوفسطا اسم

стр. 808

للحكمة المموهة، والعلم المزخرف؛ لأن "سوفا" معناه، العلم والحكمة، و "اسطا" معناه، المزخرف، والغلط، ومنه اشتقت السفسطة، كما اشتقت الفلسفة من فيلاسوفا، أي محب الحكمة، وهم ثلاث فرق: إحداهن: [اللا أدرية] (١)، نسبة إلى لا أدري، وهؤلاء يقولون: لا يعرف ثبوت شيء من الموجودات، ولا انتفاؤه، بل نحن متوقفون في ذلك، ومن شُبَهِهم أنهم قالوا: رأينا المذاهب فوجدنا أهل كل مذهب يدعون العلم الضروري، لصحة مذهبهم، وخصمهم يكذبهم في ذلك، وربما ادعى العلم الضروري ببطلان مذهبهم، فأوجب ذلك التوقف. الفرقة الثانية: تسمى العنادية، نسبة إلى العناد؛ لأنهم عاندوا فقالوا: نحن نجزم بأنه لا موجود أصلًا، وعمدتهم ضرب بعض المذاهب ببعض، والقدح في كل مذهب بالإشكالات المتجهة عليه من غير أهله، وقالوا: لو كان في الوجود وجود، لكان إما ممكنًا، أو واجبًا، والقسمان باطلان، للإشكالات القادحة في الإمكان والوجوب. الفرقه الثالثة: تسمى العندية، نسبة إلى لفظ "عند"؛ لأنهم يقولون: أحكام الأشياء تابعة لاعتقادات الناس، فكل من اعتقد شيئًا فهو في الحقيقة كما هو عنده، وفي اعتقاده، فالعالم مثلًا قديم عند من اعتقد قدمه، محدث عند من اعتقد حدوثه،

стр. 809

فالصفراوي يجد السكر في فمه مرًا، وغيره حلوًا، فدلّ على أن الحقائق تابعة للإدراكات. قوله (١): مسألة: شرط (٢) التواتر المتفق عليه: أن يبلغوا عددًا يمتنع معه التواطؤ على الكذب؛ لكثرتهم، أو لدينهم وصلاحهم، مستندين إلى الحس، [مستوين] (٣) في طرفي الخبر ووسطه .. وفي اعتبار كونهم عالمين بما أخبروا به لا ظانين، قولان. ويعتبر في التواتر عدد معين، واختلفوا في قدره، والصحيح عند المحققين: لا ينحصر في عدد. وضابطه: ما حصل العلم عنده. فيعلم إذًا حصول العدد، ولا دور، ولا يشترط غير ذلك. وشرط بعض الشافعية: الإسلام والعدالة، وقوم: أن لا يحويهم بلد. وقوم: اختلاف الدين والنسب والوطن. والشيعة: المعصوم فيهم، دفعًا للكذب. واليهود: أهل [الذلة] (٤) والمسكنة فيهم ..

стр. 810

للمتواتر شروط (١) متفق عليها (٢). أحدهما: أن يبلغ المخبرون عددًا يمتنع معه التواطؤ على الكذب، لكثرتهم، وفي بعض كلام القاضي (٣)، وذكره ابن عقيل (٤) عن علمائنا، لكثرتهم، أو لدينهم وصلاحهم. الثاني: استنادهم إلى الحس، إذ لو أخبرنا الجم الغفير عن حدوث العالم، أو عن صدق الأنبياء، لم يحصل لنا العلم بخبرهم. الثالث: استواؤهم في طرفي الخبر والواسطة، إن كان له طرفان وواسطة، وإلا إن كان المخبر هو المباشر، اعتبر طرف واحد، وإن كان مخبرًا عن المباشر، فطرفان بغير واسطة، وإن نقص درجة اعتبرت الواسطة مع الطرفين. وذكر الآمدي (٥) في المتفق عليه كونهم بما أخبروا به عالمين، لا ظانين، واعتبره في الروضة (٦)، واعتبره في التمهيد (٧) إن قلنا هو نظري، لأنه لا يقع به العلم، ولأن علم السامع فرع على علم المُخْبِر كذا قال.

стр. 811

ولم يعتبره القاضي (١)، وغيره من علمائنا (٢)، وغيرهم (٣)، لأنه إن أريد كلهم فباطل لجواز ظن بعضهم، وإن أريد بعضهم فلازم من استنادهم إلى الحس. ويعتبر في المستمع أن يكون متأهلًا لقبول العلم بما أخبر به غيره غير عالم به قبل ذلك، وإلا كان فيه تحصيل الحاصل. واختلف هل يعتبر في التواتر عدد أم لا؟ على قولين. والقائلون باعتباره اختلفوا (٤). فقيل: يعتبر اثنان، لأنهما بينة مالية. وقيل: أربعة، لأنهم بينة في الزنا. وجزم (٥) القاضي (٦) أبو بكر بأن خبرهم لا يفيد العلم، لأنه

стр. 812

لو أفاد العلم، لما احتاجوا إلى التزكية في الشهادة بالزنا، لكنهم يحتاجون إليها إجماعًا، فلا يفيد خبرهم العلم. وقيل: خمسة، ذكره (١) أبو الطيب (٢)، ونصره الجبائي (٣)، لأنه عدد أولي العزم من الرسل، وهم على الأشهر، نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين. وقيل: عشرة، ونسب (٤) إلى الأصطخري (٥)، لأن ما دونها الآحاد، فاختص بأخبار الآحاد، والعشرة فما زاد جمع الكثرة.

стр. 813

وقيل: اثنا عشر، بعدد النقباء (١) المبعوثين (٢). وقيل: عشرون لقوله تعالى: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ﴾ (٣) وقيل: أربعون، كعدد الجمعة. وقيل: سبعون، بعدد الذين اختارهم موسى ﵇ (٤). وقيل: ثلاثمائة ونيف، بيعدد أهل بدر (٥). وقيل: ألفًا وسبعمائة، كأهل بيعة الرضوان (٦).

стр. 814

هكذا ذكر الأصوليون (١) هذا القول، وقاسوه على أهل بيعة الرضوان، أعني: أنهم كانوا ألفًا وسبعمائة، وهذا نقله (٢) ابن أبي شيبة (٣) من حديث سلمة بن الأكوع (٤)، فيما نقله (٥) عنه ابن حجر (٦)، والذي في الصحيح (٧): أن أهل بيعة الرضوان كانوا ألفًا وخمسمائة.

стр. 815

وفي رواية في الصحيح (١) أيضًا: أنهم كانوا ألفًا وأربعمائة، كلاهما من رواية جابر. وفي رواية في الصحيح (٢) أيضًا: أنهم كانوا ألفًا وثلاثمائة من رواية عبد الله بن أبي أوفى (٣)، والذي قدمه (٤)

стр. 816

ابن هشام (١) في السيرة (٢): أنهم كانوا سبعمائة رجل. والقول الثاني: لا ينحصر في عدد، وعليه علماؤنا (٣)، والمحققون (٤)، لأنا نجد من أنفسنا علمًا من غير تخصيص عدد، كحصول الشبع، والري من غير عدد، وما صير إليه من الأقاويل تحكم، لا مناسبة فيه، مع اضطرابه، فقد يحصل العلم لقوم بعدد، ولا يحصل بمثله لغيرهم، وذلك بسبب قرائن محتفة في بعض دون بعض. وضابطه: ما حصل العلم عنده، فيعلم إذًا حصول العدد، ولا دور، لأنا إنما نعتبر حصول العلم، لا حصول العدد، ولا يشترط غير ذلك. واشترط (٥) ابن عبدان (٦) من الشافعية: الإسلام. وقيل (٧): مع

стр. 817

تباعد الزمن. وقيل (١): بشرط العدالة، كالإجماع، لأن الكفر عرضة للكذب والتحريف، والإسلام والعدالة ضابط الصدق، والتحقيق في القول، ولهذه العلة اختص المسلمون بدلالة إجماعهم على القطع، ولأنه لو وقع العلم بتواتر خبر الكفار، لوقع العلم بما أخبر به النصارى، مع كثرة عددهم عن قتل المسيح وصلبه. وردَّ: بعدم استواء طرفي الخبر ووسطه (٢). وشرط بعضهم (٣): أن لا يحويهم بلد، ولا يحصرهم عدد، وهو باطل بإخبار أهل الجامع بواقعة صدرت فيه مع انحصارهم. وقيل (٤): شرطه اختلاف أنسابهم، وأديانهم، وأوطانهم، وهو خلاف الواقع (٥).

стр. 818

وشرطت الشيعة (١): المعصوم فيهم، دفعًا للكذب (٢). واليهود (٣): أهل الذلة والمسكنة منهم، لاحتمال تواطي غيرهم على الكذب، لعدم خوفهم. وهو باطل بحصول العلم بأخبار غيرهم، وهو أولى لترفعهم عن الكذب. وشرط قوم (٤): إخبارهم طوعًا (٥). وهو باطل؛ فإن الصدق لا يمتنع حصول العلم به، وإلا فات شرطه (٦). تنبيه: الشيعة (٧) الأتباع والأنصار، وكل قوم اجتمعوا على

стр. 819

أمر فهم شيعة، ثم صارت الشيعة نبزًا لجماعة مخصوصة، وهم الذين يحبون عليًّا ﵁ ويقدمونه على الصحابة ﵃، فمن قدمه على أبي بكر وعمر ﵄ فهو غال في تشيعه، ويطلق عليه رافضي، وإلا فشيعي، وهم المراد هنا. والجمع (١) شيع، مثل سدرة وسدر. قوله (٢): وإذا اختلف التواتر في الوقائع، كحاتم (٣) في السخاء، فما اتفقوا عليه بتضمن (٤)، أو التزام (٥)، هو المعلوم. وقول من قال: كل عدد أفاد خبرهم علمًا بواقعة لشخص،

стр. 820

فمثله يفيده في غيرها لشخص آخر صحيح، وإن تساويا من كل وجه، وهو بعيد عادة. هنا مسألتان: الأولى: التواتر المعنوي (١). قال (٢) عبد الحليم بن تيمية (٣): قد يكون التواتر من جهة المعنى، مثاله: أن يروي واحد أن حاتمًا وهب لرجل مائة من الإبل، وأخبر آخر أنه وهب خمسين من العبيد، وأخبر آخر أنه وهب عشرة دنانير، ولا يزال يروي كل واحد من الأخبار شيئًا، فهذه الأخبار تدل على سخاء حاتم. المسألة الثانية: قول من قال: كل عدد، القائل هو ابن الباقلاني (٤)، وأبو الحسين المعتزلي (٥)، فإنهما قالا: من حصل بخبره علم بواقعة لشخص، حصل بمثله لغيرها لشخص آخر، مثاله: لو أخبر عشرة زيدًا بواقعة، فحصل العلم بخبرهم، فلو

стр. 821

جاءت عشرة أخرى أخبرت عمرًا بواقعة أخرى فعلى قولهم، يحصل العلم لعمرو كما حصل لزيد. قال جماعة (١): إنما أراد مع التساوي من كل وجه، بمعنى أن العشرة الأولى، إن احتفت بها قرائن، من دين أو صلاح، أو فرط ذكاء، أو غير ذلك، فلا بد أن تحتف بالثانية كذلك، ومثل هذا بعيد عادة. قوله (٢): وخبر الواحد (٣): ما عدا التواتر، ذكره في الروضة (٤) وغيرها (٥). وقيل: ما أفاد الظن. ونقض طرده بالقياس، وعكسه بخبر لا يفيده. وذكر الآمدي (٦) ومن وافقه من أصحابنا (٧) وغيرهم (٨): إن

стр. 822

زاد نقلته على ثلاثة سمي مستفيضًا مشهورًا. وذكره الإسفرائيني، وأنه يفيد العلم نظرًا والمتواتر ضرورة. اختلفوا في تقسيم الخبر، فمنهم من قسمه إلى متواتر، وآحاد. ومنهم من زاد ثالثًا، وهو المستفيض. أما إذا قلنا بالتقسيم الأول، وحدّينا المتواتر، فقد علم أن ما عداه آحاد، وهو صحيح، ولأجل هذا اقتصر جماعة عليه. ومنهم من قال: الآحاد: ما أفاد الظن. ولا شك أنه منتقض طردًا وعكسًا، إذ طرده، أن غير الآحاد لا يفيد الظن، والحاصل؛ أن القياس يفيده، وعكسه، أن كل خبر آحاد يفيد الظن، والحاصل، أن بعض أخبار الآحاد لا تفيد الظن، وقد تقدم الكلام على الاطراد، والانعكاس، بما يغني عن إعادته، وأن المرجح أن المطرد: هو المانع، والمنعكس: هو الجامع. وأما على التقسيم الثاني: فاختلفوا في المستفيض، فمنهم من قال: ما زاد ناقلوه على ثلاثة. ومنهم من قال: ما عده الناس شائعًا. وقال (١) يوسف الجوزي (٢): المستفيض: ما ارتفع عن

стр. 823

ضعف الآحاد، ولم يلتحق بقوة التواتر (١)، وهو مفيد للظن بحسب مراتبه، كلما كثر عدده، تأكد الظن فيه. وقال (٢) أبو إسحاق الإسفرائيني (٣) من الشافعية: يفيد العلم نظرًا، والتواتر ضرورة. وأنكر الجويني (٤) ذلك عليه، وبالغ في الإنكار والرد [عليه] (٥). قوله (٦): مسألة: قيل: عن أحمد ﵀ في حصول العلم بخبر الواحد قولان (٧). والأكثر: لا يحصل. وقول ابن أبي موسى، وجماعة من المحدثين، وأهل النظر: يحصل. وحمله المحققون على ما نقله آحاد الأئمة المتفق على

стр. 824

عدالتهم (١)، وثقتهم، وإتقانهم، من طرق متساوية، وتلقته الأمة بالقبول. خبر العدل يفيد الظن، نص أحمد في رواية (٢) الأثرم (٣): أنه يحمل به، ولا نشهد أن النبي ﷺ قاله. وأطلق (٤) ابن عبد البر (٥)، وجماعة (٦): أنه قول جمهور أهل الفقه، والأثر والنظر. قال بعضهم (٧): "وظاهره، ولو مع قرينة، وذكره جماعة قول الأكثر. ونقل (٨)

стр. 825

حنبل (١) عن أحمد: "أخبار الرؤية (٢) حق نقطع على العلم بها". وقال (٣) له المروذي (٤): "هنا إنسان يقول الخبر يوجب عملًا، لا علمًا، فعابه وقال: لا أدري ما هذا؟ ". وفي كتاب الرسالة (٥) لأحمد بن جعفر الفارسي (٦) عن أحمد: "لا نشهد على أحد من أهل القبلة أنه في النار لذنب عمله، ولا لكبيرة أتاها، إلا أن يكون ذلك في حديث، كما جاء نصدقه، ونعلم أنه كما جاء". قال القاضي (٧): "ذهب إلى ظاهر هذا جماعة من

стр. 826

أصحابنا، أنه يفيد العلم"، وذكره (١) في مقدمة المجرد (٢) عن عالمائنا، وجزم (٣) به ابن أبي موسى (٤)، وقاله كثير من أهل الأثر (٥)، وبعض أهل النظر (٦)، والظاهرية (٧)، وابن خويزمنداد المالكي (٨) (٩)، وأنه يخرّج على مذهب مالك (١٠). وحمل القاضي (١١) كلام أحمد ﵀ أنه يفيد العلم من جهة الإستدلال، بأن تتلقاه الأمة بالقبول وأن هذا المذهب.

стр. 827

وفي التمهيد (١)، إذا اجتمعت الأمة على حكمه، وتلقته بالقبول، "ظاهر [كلام] (٢) أصحابنا أنه يقع به العلم" ولم يحك خلافه. قال (٣) ابن كثير (٤) في علوم الحديث (٥) له، عند اختيار ابن الصلاح (٦) (٧) في أن ما أسند في الصحيحين مقطوع لصحته، قال: قلت: وأنا مع ابن الصلاح فيما عول عليه، وأرشد

стр. 828

إليه، ثم وقفت بعد هذا على كلام شيخنا العلامة ابن تيمية (١) ﵀ ورضي عنه- مضمونه: أنه نقل القطع بالحديث الذي تلقته الأمة بالقبول عن جماعات من الأئمة منهم: القاضي عبد الوهاب المالكي (٢) (٣)، والشيخ أبو حامد الإسفرائيني (٤) (٥)، والقاضي أبو الطيب الطبري (٦)، والشيخ أبو إسحاق الشيرازي (٧) (٨) من

стр. 829

الشافعية، وابن حامد (١)، والقاضي أبو يعلى (٢)، وأبو الخطاب (٣) (٤)، وابن الزاغوني (٥) (٦)، وأمثالهم من الحنابلة، وشمس الأئمة (٧) (٨) من الحنفية. قال: "وهو قول أكثر أهل الكلام

стр. 830

من الشافعية وغيرهم، كأبي إسحاق الإسفرائيني (١)، وابن فورك (٢) (٣). قال: وهو مذهب أهل الحديث قاطبة، ومذهب السلف عامة". وهو معنى ما ذكره ابن الصلاح استنباطا. وجه الأول (٤): لو أفاد العلم لتناقض [معلومان] (٥) عند إخبار عدلين بمتناقضين، ولثبتت نبوة من يدعي النبوة بقوله، بلا معجزة. ولكان كالمتواتر فيعارض به المتواتر، وهو خلاف الإجماع. ووجه الثاني (٦): لو لم يفده، لم يعمل به، لقوله تعالى:

стр. 831

﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ (١)، ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾ (٢). رد: لم يرد بالآيتين مسألتنا؛ بدليل السياق، وإجماع المفسرين (٣). ثم: المراد ما اعتبر فيه قاطع من الأصول، أو الظن في مقابلة قاطع بلا دليل، أو مطلقًا وعمل به (٤) هنا (٥) للدليل القاطع، وللإجماع. ووجه الثالث: عصمة الإجماع عن الخطأ. رد: عملوا بالظاهر، وبما لزمهم، ولا يلزم العلم، والخطأ ترك ما لزمهم. قوله (٦): ومن جحد ما ثبت بخبر الآحاد، في كفره وجهان (٧) ذكرهما ابن حامد.

стр. 832

قال في المسودة (١): "وقد اختلف العلماء في تكفير من يجحد ما ثبت بخبر الواحد العدل، وذكر ابن حامد في أصوله عن أصحابنا في ذلك وجهين، والتكفير منقول (٢) عن إسحاق بن راهويه (٣) ". انتهى. قال ابن حامد: لكن غالب أصحابنا على كفره، فيما يتعلق بالصفات. وذكر في مكان آخر: أن جحد أخبار الآحاد كفر كالتواتر عندنا، فإنه يوجب العلم والعمل، فأما من جحد العلم بها فالأشبه لا يكفر، ويكفر في نحو ما ورد في الاستواء والنزول، ونحوهما من الصفات. قوله (٤): مسألة: إذا أخبر الواحد بحضرته ﵇، ولم ينكر، دلّ على صدقه ظنًّا، في (٥) قول أصحابنا وغيرهم. وقيل قطعًا.

стр. 833

وكذا الخلاف لو أخبر واحد بحضرة خلق كثير ولم يكذبوه. وقال ابن الحاجب: "إن عُلم أنه لو كان كاذبًا لعلموه، ولا حامل على السكوت، فهو صادق قطعًا للعادة". فيه مسألتان: إحداهما: إذا أخبر واحد بحضرة النبي ﷺ ولم ينكر دلّ على صدقه، وإلا كان النبي ﷺ مقرًا له على الكذب، وأنه محال، وهذا أحد أقسام السنة" لكن هل يدل على صدقه ظنًّا أو قطعًا؟ ظاهر كلام أصحابنا الأول، قاله ابن مفلح (١)، واختاره الآمدي (٢)، وغيره (٣)، لتطرق الإحتمال. وقيل (٤): قطعًا؛ لأن النبي ﷺ لا يقرّ على الكذب. الثانية: لو أخبر واحد بحضرة خلق كثير، ولم يكذبوه فكذلك. وقال ابن الحاجب (٥): " [إن] (٦) علم أنه لو كان كاذبًا لعلموه، ولا حامل على السكوت، فهو صادق قطعًا، للعادة".

стр. 834

ورد: يحتمل لم يعلمه إلا واحد، أو اثنان، والعادة لا تحيل سكوتهما. ثم: يحتمل مانع. وحمل القاضي (١) الرواية عن أحمد في إفادة خبر العدل، للعلم على صور منها: هاتان الصورتان. قال أبو العباس (٢): "ومنه: ما تلقاه ﷺ بالقبول، كإخباره (٣) عن تميم الداري (٤) [بما أخبر به] (٥). ومنه: إخبار شخصين عن قضية يُعلم أنهما لم يتواطآ عليها، ويتعذر في العادة، الاتفاق على الكذب فيها أو الخطأ". قوله (٦): مسألة: إذا انفرد (٧) واحد فيما تتوفر الدواعي [على] (٨) نقله، وقد شاركه خلق كثير كما لو انفرد واحد بقتل خطيب على المنبر في مدينة، فهو كاذب قطعًا، خلافًا للرافضة (٩).

стр. 835

لنا: العلم بكذب مثل هذا عادة؛ فإنها تحيل السكوت عنه، ولو جاز كتمانه، لجاز الإخبار عنه بالكذب، وكتمان مثل بغداد، وبمثله نقطع بكذب مدعي معارضة القرآن (١)، والنص على علي كما تدعيه الشيعة، ولم تنقل شرائع الأنبياء، لعدم الحاجة، ونقلت شريعة موسى، وعيسى ﵉، لتمسك قوم بهما، كلام المسيح في المهد، لأنه قبل ظهوره واتباعه. قوله (٢): مسألة: يجوز العمل بخبر الواحد عقلًا، خلافًا لقوم، لكن هل في الشرع ما يمنعه، أو ليس فيه ما يوجبه؟ قولان. ويجب العمل به سمعًا عند الأكثر. واختار طائفة من أصحابنا، وغيرهم وعقلًا. واشترط الجبائي لقبول خبر الواحد، أن يرويه اثنان في جميع طبقاته، كالشهادة، أو يعضده دليل آخر. قال في المسودة (٣): "يجوز التعبد بأخبار الآحاد [عقلًا] (٤)، في (٥) قول الجمهور (٦)، ومنع منه قوم (٧).

стр. 836

قال ابن عقيل (١): وأظنه قول الجبائي (٢). قال ابن برهان (٣): صار إليه طائفة من مبتدعة (٤) المتكلمين". وقال ابن مفلح (٥): "يجب العمل بخبر الواحد، وجوّزه قوم، وقوم التعبد به عقلًا. لنا: لا يلزم منه محال (٦)، وليس احتمال الكذب والخطأ

стр. 837

بمانع، وإلا منع في الشاهد والمفتي، ولا يلزم نقل القرآن لقضاء العادة فيه بالتواتر". قال في المسودة (١): "واختلف نفاة العمل بخبر الواحد شرعًا: هل يجوز التعبد به عقلًا؟ على مذهبين، ومن أجازه عقلًا، اختلفوا؛ هل ورد في الشرع ما (٢) يمنع العمل به، أو لم يرد فيه ما يوجب العمل به؟ على مذهبين، حكى الكل الجويني" (٣). وقال القاضي (٤)، وغيره (٥): يجب العمل عندنا به سمعًا، وقاله (٦) عامة الفقهاء، والمتكلمون، ونص في الكفاية (٧) وعقلًا، واختاره أبو الخطاب (٨)، وقاله (٩) ابن سريج (١٠)

стр. 838

والقفال (١)، الشافعيان، وأبو الحسين المعتزلي (٢). ولم يحتج أحمد (٣) ﵀ في وجوب العمل به إلا بالشرع، وأدلته كثيرة جدًّا، منها: إجماع الصحابة (٤) ﵃ على قبوله، فقد اشتهر ذلك عنهم في وقائع لا تنحصر، وإن لم يتواتر آحادها يحصل العلم بمجموعها، كقصة (٥) الصديق ﵁ لما جاءته الجدة تطلب ميراثها، فإنه سأل الناس: (من علم

стр. 839

قضاء رسول الله ﷺ فيها؟ )، فشهد له محمد بن مسلمة (١)، والمغيرة بن شعبة (٢) أن النبي ﷺ أعطاها السدس، فرجع إلى قولهما، وعمل به عمر ﵁ بعده. وعمر ﵁ في قضية الجنين (٣) لما قال: "أذكر الله امرءًا سمع من رسول الله ﷺ في الجنين" فقال: حمل بن مالك بن النابغة (٤) (قضى رسول الله ﷺ في الجنين بغرة)، فقال عمر: "لو لم نسمع هذا لقضينا بغيره". وكان (٥) لا يورث المرأة من دية زوجها، حتى أخبره الضحاك (٦):

стр. 840

(أن رسول الله ﷺ كتب إليه أن يورث امرأة أشيم الضبابي (١) من دية زوجها) (٢) ورجع إلى حديث (٣) عبد الرحمن بن عوف (٤) عن النبي ﷺ في المجوس (٥): "سنوا بهم سنة أهل الكتاب"، إلى غير ذلك.

стр. 841

ومنها: ما تواتر من إنفاذ رسول الله ﷺ أمراءه، ورسله، وقضاته، وسعاته إلى الأطراف (١) لتبليغ الأحكام، والقضاء، وأخذ الصدقات، وتبليغ الرسالة، ومن المعلوم أنه كان يجب عليهم تلقي ذلك بالقبول، ليكون مفيدًا، والنبي ﷺ مأمورٌ بتبليغ الرسالة، ولم يكن يبلغها ممن لا يكتفي به. وذهب الجبائي (٢): إلى أن خبر الواحد، إنما يقبل إذا رواه عن النبي ﷺ اثنان، ثم يرويه عن كل واحد منهما اثنان، إلى [أن يصير] (٣) في زماننا إلى حد يتعذر معه [إثبات حديث أصلًا] (٤)، وقاسه على الشهادة، هكذا ذكره عنه الشيخ (٥). ونقل غيره عن (٦) الجبائي: أنه اعتبر لقبوله موافقة خبر آخر أو ظاهرًا، أو انتشاره في الصحابة أو عمل بعضهم به. وحكي عنه (٧): أنه اعتبر في خبر الزنا أربعة.

стр. 842

وما قاله باطل بما ذكرنا من الدليل على قبول خبر الواحد، ولا يصح قياسه على الشهادة، فإن الرواية تخالف الشهادة في أشياء كثيرة. قال أبو الخطاب (١): والعقل يقتضي وجوب قبول خبر الواحد، لأمور ثلاث (٢): أحدها: أنا لو قصرنا العمل على القطع، لعطلت (٣) الأحكام، لندرة القواطع، وقلة مدارك اليقين. الثاني: أن النبي ﷺ مبعوث إلى الكافة، ولا يمكنه مشافهة جميعهم، ولا إبلاغهم بالتواتر. الثالث: أنا إذا ظننا صدق الراوي فيه، ترجح وجود أمر الله تعالى، وأمر النبي ﷺ ، والاحتياط: العمل بالراجح. وقال الأكثرون (٤): لا يجب التعبد بخبر الواحد عقلًا، ولا يستحيل ذلك، ولا يلزم من عدم التعبد به تعطيل الأحكام؛ لإمكان البقاء على البراءة الأصلية والاستصحاب (٥)، والنبي ﷺ مكلف بتبليغ من أمكنه تبليغه، دون من لا يمكنه، كمن في الجزائر ونحوها.

стр. 843

تنبيه: ما ذكر عن الجبائي من اشتراطه اثنين في جميع طبقاته، خارج عن مذهب أكثر الفقهاء، في شهادة الفرع على الأصل (١)، فإن أكثرهم لم يشترط أن يشهد على كل أصل فرعان، بل يكفي أن يشهد على شاهدي الأصل، شاهدا فرع، هذا مذهب أبي حنيفة (٢)، والشافعي (٣)، وأحمد (٤) ﵃. وفي قول للشافعي (٥) -رحمهُ اللهُ تعالى-: يشترط أن يشهد على كل أصل فرعان، وهو قولًا (٦) ابن بطة (٧)، من الحنابلة. قوله (٨): الشرائط في الراوي (٩)، منها: العقل، إجماعًا. ومنها: البلوغ عند الجمهور، وعن أحمد ﵀: تقبل شهادة المميز فهنا (١٠) أولى.

стр. 844

فإن تحمل صغيرًا، عاقلًا ضابطًا، وروى كبيرًا، قبل عند إمامنا، وغيره. ومنها: الإسلام، إجماعًا، لاتهام الكافرين في الدين .. الشرائط: جمع واحدها شرط. قال (١) ابن أبي الفتح (٢): "الشرط بسكون الراء، يجمع على شروط وعلى شرائط". وقال (٣) الجوهري (٤): "الشرط معروف، وكذلك الشريطة، وجمعها شرائط". ولما فرغ المصنف من الكلام على الخبر شرع يتكلم على شروط راويه، منها: العقل، إجماعًا (٥) إذ المجنون والطفل، لا يميزان ما يقولان، ولا يعرفان الله تعالى، ولا يخافانه، ولا تلحقهما مآثم، فلا يعتمد على قولهما، ولا يعتد به.

стр. 845

ومنها: البلوغ، عندنا (١)، وعند الجمهور، كالأئمة الثلاثة (٢) وغيرهم (٣)، لاحتمال كذبه، كالفاسق، بل أولى [لأنه غير مكلف فلا يخاف العقاب] (٤). واستدل: بعدم قدرته على الضبط. ونقض: بالمراهق، وبأنه لا يقبل إقراره على نفسه، فهنا أولى. ونقض: بمحجور عليه، وعبد. وعن أحمد (٥) ﵀: تقبل شهادة المميز. وعنه (٦): ابن عشر.
следующие страницы →