← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 127717

شرح مختصر أصول الفقه للجراعي

الجراعي

Полный текст (1 782 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

ومنها: ما تواتر من إنفاذ رسول الله ﷺ أمراءه، ورسله، وقضاته، وسعاته إلى الأطراف (١) لتبليغ الأحكام، والقضاء، وأخذ الصدقات، وتبليغ الرسالة، ومن المعلوم أنه كان يجب عليهم تلقي ذلك بالقبول، ليكون مفيدًا، والنبي ﷺ مأمورٌ بتبليغ الرسالة، ولم يكن يبلغها ممن لا يكتفي به. وذهب الجبائي (٢): إلى أن خبر الواحد، إنما يقبل إذا رواه عن النبي ﷺ اثنان، ثم يرويه عن كل واحد منهما اثنان، إلى [أن يصير] (٣) في زماننا إلى حد يتعذر معه [إثبات حديث أصلًا] (٤)، وقاسه على الشهادة، هكذا ذكره عنه الشيخ (٥). ونقل غيره عن (٦) الجبائي: أنه اعتبر لقبوله موافقة خبر آخر أو ظاهرًا، أو انتشاره في الصحابة أو عمل بعضهم به. وحكي عنه (٧): أنه اعتبر في خبر الزنا أربعة.

стр. 842

وما قاله باطل بما ذكرنا من الدليل على قبول خبر الواحد، ولا يصح قياسه على الشهادة، فإن الرواية تخالف الشهادة في أشياء كثيرة. قال أبو الخطاب (١): والعقل يقتضي وجوب قبول خبر الواحد، لأمور ثلاث (٢): أحدها: أنا لو قصرنا العمل على القطع، لعطلت (٣) الأحكام، لندرة القواطع، وقلة مدارك اليقين. الثاني: أن النبي ﷺ مبعوث إلى الكافة، ولا يمكنه مشافهة جميعهم، ولا إبلاغهم بالتواتر. الثالث: أنا إذا ظننا صدق الراوي فيه، ترجح وجود أمر الله تعالى، وأمر النبي ﷺ ، والاحتياط: العمل بالراجح. وقال الأكثرون (٤): لا يجب التعبد بخبر الواحد عقلًا، ولا يستحيل ذلك، ولا يلزم من عدم التعبد به تعطيل الأحكام؛ لإمكان البقاء على البراءة الأصلية والاستصحاب (٥)، والنبي ﷺ مكلف بتبليغ من أمكنه تبليغه، دون من لا يمكنه، كمن في الجزائر ونحوها.

стр. 843

تنبيه: ما ذكر عن الجبائي من اشتراطه اثنين في جميع طبقاته، خارج عن مذهب أكثر الفقهاء، في شهادة الفرع على الأصل (١)، فإن أكثرهم لم يشترط أن يشهد على كل أصل فرعان، بل يكفي أن يشهد على شاهدي الأصل، شاهدا فرع، هذا مذهب أبي حنيفة (٢)، والشافعي (٣)، وأحمد (٤) ﵃. وفي قول للشافعي (٥) -رحمهُ اللهُ تعالى-: يشترط أن يشهد على كل أصل فرعان، وهو قولًا (٦) ابن بطة (٧)، من الحنابلة. قوله (٨): الشرائط في الراوي (٩)، منها: العقل، إجماعًا. ومنها: البلوغ عند الجمهور، وعن أحمد ﵀: تقبل شهادة المميز فهنا (١٠) أولى.

стр. 844

فإن تحمل صغيرًا، عاقلًا ضابطًا، وروى كبيرًا، قبل عند إمامنا، وغيره. ومنها: الإسلام، إجماعًا، لاتهام الكافرين في الدين .. الشرائط: جمع واحدها شرط. قال (١) ابن أبي الفتح (٢): "الشرط بسكون الراء، يجمع على شروط وعلى شرائط". وقال (٣) الجوهري (٤): "الشرط معروف، وكذلك الشريطة، وجمعها شرائط". ولما فرغ المصنف من الكلام على الخبر شرع يتكلم على شروط راويه، منها: العقل، إجماعًا (٥) إذ المجنون والطفل، لا يميزان ما يقولان، ولا يعرفان الله تعالى، ولا يخافانه، ولا تلحقهما مآثم، فلا يعتمد على قولهما، ولا يعتد به.

стр. 845

ومنها: البلوغ، عندنا (١)، وعند الجمهور، كالأئمة الثلاثة (٢) وغيرهم (٣)، لاحتمال كذبه، كالفاسق، بل أولى [لأنه غير مكلف فلا يخاف العقاب] (٤). واستدل: بعدم قدرته على الضبط. ونقض: بالمراهق، وبأنه لا يقبل إقراره على نفسه، فهنا أولى. ونقض: بمحجور عليه، وعبد. وعن أحمد (٥) ﵀: تقبل شهادة المميز. وعنه (٦): ابن عشر.

стр. 846

واختلف الصحابة، والتابعون [في قبول شهادته] (١)، قال بعض علمائنا (٢): فههنا أولى. قال الشيخ مجد الدين (٣): "وقد يتخرج فيه روايتان، كشهادته وولايته". وإن تحمل صغيرًا، عاقلًا ضابطًا، وروى كبيرًا، قبل عند أحمد (٤) ﵀ والجمهور (٥)، لإجماع الصحابة ﵁ ومن بعدهم، على قبول مثل ابن عباس، وابن الزبير (٦)، ولإسماع الصغار، وكالشهادة، وأولى (٧). ومنها: الإسلام، إجماعًا (٨)، لتهمة عداوة الكافر للرسول ﷺ

стр. 847

وشرعه، ويأتي الكلام على المبتدع (١). قوله (٢): ومنها العدالة (٣)، وهي: "محافظة دينية، تحمل على ملازمة التقوى والمروءة، ليس معها بدعة". وتتحقق باجتناب الكبائر وترك الإصرار على الصغائر، وبعض المباح. من شروطه: العدالة، قال بعضهم (٤): إجماعًا. قال في

стр. 848

التمهيد (١): "يحتمل باطنًا، كالشهادة"، وذكره الآمدي (٢) عن الأكثر، منهم الشافعي (٣)، وأحمد (٤) رحمهما الله، ويحتمل ظاهرًا، اختاره القاضي (٥)، للمشقة، وللشافعية (٦) خلاف. ثم ذكر المصنف تفسير العدالة، وقد ذكر التاج السبكي (٧): "أنها ملكة [تمنع عن] (٨) اقتراف الكبائر وصغائر الخسة، كسرقة لقمة، والرذائل المباحة، كالبول في الطريق". فالصفة النفسانية إذا كانت راسخة يقال لها: الملكة (٩)، فهي معنى قول المصنف: "محافظة" (١٠). وقال ابن قاضي (١١) الجبل: العدالة لغة (١٢): التوسط في

стр. 849

الأمر، من غير زيادة ولا نقصان وهيئة في النفس موجبة ملازمة التقوى والمروءة (١) [تتحقق] (٢) باجتناب الكبائر، [وترك] (٢) الإصرار على الصغائر. واصطلاحًا: عبارة عن أهلية قبول الشهادة (٣). إذا تقرر هذا، فلا يقبل خبر فاسق؛ لأن الله تعالى قال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ (٤)، وهذا زجر عن الاعتماد على قول الفاسق؛ ولأن من لا يخاف الله تعالى خوفًا يردعه عن الكذب لا تحصل الثقة بقوله. قوله (٥): والمعاصي كبائر وصغائر عند الأكثر، خلافًا للأستاذ، فالكبيرة ما فيه حد في الدنيا أو وعيد في الآخرة، نص عليه إمامنا، وقال أبو العباس: أو لعنة أو غضب أو نفي إيمان. الجمهور (٦) على أن المعاصي تنقسم إلى صغائر وكبائر.

стр. 850

وقال (١) الأستاذ (٢) والقاضي أبو بكر وابن القشيري (٣) والشيخ (٤) من الشافعية: المعاصي كلها كبائر، ونقله ابن فورك (٥) عن الأشعرية، واختاره. قال القرافي (٦): وكأنهم كرهوا تسمية معصية الله تعالى صغيرة؛ إجلالًا لله ، مع أنهم وافقوا في الجرح أنه لا يكون لمطلق المعصية، وإن من الذنوب ما يكون قادحًا في العدالة وما لا يقدح، وهذا مجمع عليه، وإنما الخلاف في التسمية والإطلاق".

стр. 851

والصحيح التغاير لقوله تعالى ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ (١). ثم: الأخبار في الصحاح (٢) وغيرها مختلفة في عدد الكبائر، وكلام العلماء (٣). والكبيرة عند أحمد (٤) -رحمهُ اللهُ تعالى-: ما فيه حد في الدنيا أو وعيد خاص في الآخرة، أو وعد الله مجتنبها بتكفير الصغائر. ولأنه معنى قول ابن عباس (٥)، ذكره أحمد وأبو عبيد (٦). وفي المعتمد (٧) للقاضي: لا يعلمان (٨) إلا بتوقيف.

стр. 852

والكذب من الصغائر، في رواية عن أحمد (١) ﵀، فلا تقدح كذبة واحدة للمشقة، وعدم دليله. وذكر ابن عقيل (٢) في الشهادة من الفصول (٣)، أنه ظاهر مذهب أحمد -رحمهُ اللهُ تعالى- وعليه جمهور أصحابه. وعن أحمد (٤) ترد بكذبة واحدة. واحتج أحمد بأنه ﷺ رد شهادة رجل في كذبه، وإسناده جيد (٥)، لكنه مرسل، رواه إبراهيم الحربي (٦)

стр. 853

والخلال (١)، وجعله في التمهيد (٢) إن صح للزجر. وفيه وعيد في منامه (٣) ﷺ في الصحيح. وفي الصحيحين (٤) من حديث أبي بكرة (٥) أنه ﷺ ذكر شهادة الزور وقول الزور من الكبائر.

стр. 854

واختار ابن عقيل (١) في الواضح هذه الرواية (٢). فأما الكذبة الواحدة في الحديث، فتقدح وتقبل توبته، في ظاهر كلام جماعة من أصحابنا (٣)، وقاله بعضهم (٤)، وكثير من العلماء (٥)؛ لكن في غير ما كذب فيه، كتوبته مما أقر بتزويره (٦)، وقبلها الدامغاني (٧) (٨) الحنفي فيه، قال: لأن ردها ليس بحكم، ورد الشهادة حكم. ونص أحمد (٩) ﵀ لا تقبل مطلقًا.

стр. 855

قال القاضي (١): لأنه زنديق (٢) فتخرَّج توبته على توبته. والغيبة والنميمة من الكبائر، وذكرهما جماعة من علمائنا (٣) من الصغائر. وقال الشيخ تقي الدين (٤): الكبيرة؛ ما فيه حد في الدنيا، أو وعيد في الآخرة، أو لعنة، أو غضب أو نفي إيمان. قال الإمام أحمد (٥) ﵀: "من الكبائر أربعة في القلب؛ الشرك بالله، والإصرار على المعصية، والقنوط من رحمة الله ، والأمن من مكر الله. وأربعة في اللسان: شهادة الزور، وقذف المحصن، واليمين الكاذبة، والسحر. وثلاث في البطن: شرب الخمر، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا. واثنان في الفرج: الزنا، واللواط. واثنان في البدن: القتل، والسرقة. وواحدة في الرجلين،

стр. 856

وهي: الفرار من الزحف؛ الواحد من اثنين، والعشرة من عشرين؛ إلا متحيزًا إلى فئة، ولا يعتقد الكرة. وواحدة في الجسد، وهي: العقوق؛ والعقوق: أن يقسما عليه بحق فلا يبرهما، أو يسألانه في حاجة، فلا يطيعهما، وأن يأتمناه فيخونهما، وأن يجوعا ويشبع، وأن يشبَّاه فيضربهما. وفي الخبر (١): (من الكبائر استطالة الرجل في عرض أخيه المسلم بغير حق)، فهذه الكبائر الموبقات" انتهى. وهذا الكلام يدل على أنها أكثر من سبع، ولهذا قيل لابن عباس (٢): الكبائر سبع، فقال: "هي إلى السبعين أقرب". وعن (٣) ابن جبير (٤): "هي إلى السبعمائة أقرب". ولم يفرق علماؤنا (٥)، وغيرهم في الصغائر، بل ذكر في

стр. 857

التمهيد (١): "أنها المستقبحات من المعاصي، والمباحات، كالتطفيف، وتكرار النظر إلى النساء المستحسنات". قال الإمام أحمد (٢) ﵀ في اشتراط أخذ الأجرة على الحديث: "لا يكتب عنهم الحديث ولا كرامة". قال القاضي (٣): "هو على الورع؛ لأن هذا مما يسوغ فيه الاجتهاد". قال أبو الخطاب (٤): "وهذا غلط؛ لأن هذا أكثر دناءة من الأكل والشرب على الطريق". قوله (٥): والمبتدعة: هم أهل الأهواء، إن كانت بدعة أحدهم مغلظة، كالتجهم، ردت روايته مطلقًا، وإن كانت متوسطة، كالقدر، ردت إن كان داعية، وإن كانت خفيفة كالإرجاء، فهل تقبل معها مطلقًا، أو ترد عن الداعية؟ روايتان، هذا تحقيق مذهبنا. المبتدعة: هم أهل الأهواء المضلة، وقسمهم المصنف ثلاثة أقسام: أحدها: من بدعته مغلظة كالتجهم، فإن روايته ترد مطلقًا،

стр. 858

سواء كان داعية أو غير داعية، لأن الإمام أحمد، استعظم الرواية عن سعد العوفي (١) لجهميته، وقال (٢): "ذاك جهمي امتحن فأجاب"، وأراد بلا إكراه. الثاني: إن مَنْ بدعته متوسطة، كالقدري، فإن كان داعية، ردت روايته لذلك، وإلا فلا. الثالث: من بدعته خفيفة كالإرجاء، فهل تقبل روايتهم مطلقًا لضعف بدعتهم أو ترد عن الداعية روايتان. هذا تقسيم المصنف، وأما ابن مفلح فقال (٣): "ولا تقبل رواية مبتدع داعية، عند جمهور العلماء، منهم: الشافعية (٤)، وجزم به القاضي (٥)، وأبو الخطاب (٦) وغيرهما (٧)، وعللوا بخوف الكذب لموافقة هواه". قال أبو العباس (٨): التعليل بخوف الكذب ضعيف؛ لأن

стр. 859

ذلك قد يخاف على الدعاة إلى مسائل الخلاف الفروعية، وعلى غير الدعاة، وإنما الداعي يستحق الهجران، فلا يشيخ في العلم. وقبله بعض أصحابنا (١) وغيرهم (٢)، وحكي عن الشافعي (٣). وقال ابن عقيل (٤) في [الكفاءة] (٥) من الفصول: إن دعا كفر، قال: والصحيح لا كفر؛ لأن أحمد - رحمهُ اللهُ تعالى- أجاز الرواية عن الحرورية والخوارج. وفي مبتدع غير داعية [روايات] (٦) عن أحمد: القبول: اختاره أبو الخطاب (٧)، وقاله أبو الحسين المعتزلي (٨) وغيره (٩)، وأطلقه الحنفية (١٠)، لعدم علة المنع، ولما في الصحيحين وغيرهما من المبتدعة، كالقدرية والخوارج والرافضة

стр. 860

والمرجئة، ورواية السلف والأئمة عنهم، فدل أنه إجماع (١). واعترض بقول الله تعالى: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ﴾ (٢) الآية. وأجيب: بمنع فسقه عند بعض علمائنا (٣) وغيرهم (٤)، وقاله ابن عقيل (٥) في غير الداعية، وقاله القاضي (٦) -في شرح الخرقي- في المقلد. قال أبو العباس (٧): نهى أحمد -رحمهُ اللهُ تعالى- عن الأخذ عنهم لهجرهم، وهو يختلف بالأحوال والأشخاص، ولهذا لم يروِ الخلال عن قوم لنهي المروذي، ثم روى عنهم بعد موته (٨). الثانية: لا يقبل، اختاره القاضي (٩) وغيره (١٠)، وفاقًا

стр. 861

لمالك (١)، وقاله ابن الباقلاني (٢) والآمدي (٣) وجماعة (٤)، كما لو تدين بالكذب، كالخطابية (٥) من الروافضة. الثالث: يقبل مع بدعة مفسقة، لا مكفرة، وفاقًا للشافعي (٦) وأكثر الفقهاء (٧)، وبعض الحنفية (٨)، لعظم الكفر، فيضحف العذر، ويقوى عدم الوثوق به. قال أبو العباس (٩): كلام أحمد يفرق بين أنواع البدع، وبين الحاجة إلى الرواية عنهم وعدمها.

стр. 862

قال أحمد (١): "احتملوا من المرجئة الحديث، ويكتب عن القدري، إذا لم يكن داعية". واستعظم الرواية عن رجل وقال (٢): "ذاك جهمي امتحن فأجاب"، وأراد بلا إكراه. تنبيه: الجهمية (٣): ينتسبون إلى الجهم بن صفوان (٤)، وهم الذين يزعمون أن القرآن مخلوق، وأن الله لم يكلم موسى، وأن الله لا يتكلم، ولا يرى، وليس لله تعالى عرش، ولا كرسي، تعالى الله عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا. والقدرية (٥): هم الذين يزعمون أن إليهم الاستطاعة، والمشيئة، والقدرة، وأنهم يملكون لأنفسهم الخير والشر، والنفع والضر، وأن الأمر أنف (٦) -بمعنى أن العباد يعملون من عند

стр. 863

أنفسهم من غير أن يكون سبق لهم ذلك في علم الله تعالى. والمرجئة (١): هم الذين يزعمون أن الإيمان قول بلا عمل، وأن الإيمان هو القول، والأعمال شرائع، وأن الإيمان مجرد، وأن الناس لا يتفاضلون في الإيمان، وأن إيمانهم وإيمان الملائكة والرسل واحد، وأن الإيمان لا يزيد ولا ينقص. تتمة: ومن شروط الراوي أن يكون ضابطًا، لئلا يغير اللفظ والمعنى، فلا يوثق به. قال الإمام أحمد (٢): "لا ينبغي لمن لم يعرف الحديث، أن يحدث به، والشرط عليه ضبطه". قوله (٣): والفقهاء ليسوا من أهل الأهواء، عند ابن عقيل والأكثر، خلافًا لنقاضي وغيره، فمن شرب نبيذًا مختلفًا فيه، فالأشهر عندنا يحد ولا يفسق، وفيه نظر. أما الفقهاء فذكرهم القاضي (٤)

стр. 864

وغيره (١) في أهل الأهواء (٢)، وخالفه ابن عقيل (٣) وغيره (٤)، وهو المعروف عند العلماء (٥). فمن شرب نبيذًا مختلفًا فيه، فالأشهر عندنا (٦) يحد ولا يفسق، وفاقًا للشافعي (٧)، وفيه نظر؛ لأن الحد أضيق. ورد: الشهادة أوسع؛ ولأنه يلزم من الحد التحريم، فيفسق به، أو إن تكرر. وعن أحمد (٨) يفسق، اختاره (٩) في "الإرشاد" (١٠)،

стр. 865

و "المبهج" (١)، وفاقًا لمالك (٢)، عليه (٣)، وللسنة المستفيضة (٤). وعن أحمد -رحمهُ اللهُ تعالى- نفيهما (٥)، اختاره بعض علمائنا (٦)، للخلاف فيه كغيره. قوله (٧): والمحدود في القذف، إن كان بلفظ الشهادة قبلت روايته، دون شهادته، عند أصحابنا، وفي التفرقة نظر. قال علماؤنا (٨): إن قذف بلفظ الشهادة قبلت روايته؛ لأن نقص العدد ليس من جهته.

стр. 866

وقد اختلفوا في الحد، زاد في العدة (١): "وليس بصريح في القذف، وقد اختلفوا في الحد (٢) ويسوغ فيه الاجتهاد، ولا ترد الشهادة بما يسوغ فيه الاجتهاد"، وكذا زاد ابن عقيل، وقد قال (٣): نص على الشهادة، فالخبر أولى. قال بعضهم (٤): وهو سهو. وجزم صاحب المغني (٥): برد شهادته (٦)، وبفسقه، لقول (٧) عمر لأبي بكرة: "إن تبت قبلت شهادتك (٨)، احتج به أحمد وغيره (٩). واتفق الناس (١٠) على الرواية عن أبي بكرة، والمذهب عندهم: يحد.

стр. 867

وعن أحمد (١) والشافعي (٢): لا. [فيتوجه] (٣) منها بقاء عدالته، وقاله الشافعية (٤)، وهو معنى ما جزم به الآمدي (٥) ومن وافقه (٦)؛ لأنه لم يصرح بالقذف. وصرح (٧) الإسماعيلي (٨): بالفسق، وقد فرق بأن الرواية لا تهمة فيها، وبأنه لم يمتنع من قبوله أحد مع إجماعهم على منع الشهادة، فأجرى قبول خبره مجرى الإجماع، كذا قال. قال بعض علمائنا (٩): والأظهر العمل بالآية، وهذا رام، وإلا لم يحد، ولا وجه للتفرقة، كما قاله الحنفية (١٠) والمالكية (١١)؛

стр. 868

لكن إن حد لم يقبله الحنفية (١) ولو تاب. وقصة أبى بكرة واقعة عين، تاب منها، فلهذا روى عنه الناس، ومات بعد الخمسين، وكان من قصة أبي بكرة مع المغيرة بن شعبة، ما ذكره (٢) أبو الفرج الأصبهاني (٣) في كتاب "الأغاني" (٤) وغيره عن أنس بن مالك (٥) قال: إن المغيرة بن شعبة، كان يخرج من دار الإمارة وسط النهار، وكان أبو بكرة يلقاه، فيقول: إلى أين يذهب الأمير؟ ، فيقول: إلى حاجة. فيقول: حاجة ماذا؟ إن الأمير يزار ولا يزور! وكانت المرأة التي يأتيها جارة لأبي بكرة. قال: فبينما أبو بكرة في غرفة له مع أخويه نافع (٦)

стр. 869

وزياد (١)، ورجل آخر، يقال له: شبل بن معبد (٢)، وكانت غرفة جارته تلك بحذاء غرفة أبي بكرة، فضربت الريح باب المرأة، ففتحته، فنظر القوم، فإذا المغيرة ينكحها، فقال أبو بكرة: هذه بلية ابتليتم بها، انظروا، فنظروا حتى أُثبتوا، فنزل أبو بكرة، فجلس حتى خرج المغيرة عليه من بيت المرأة، فقال له: إنه كان من أمرك ما قد علمت فاعتزلنا قال وذهب ليصلي بالناس فمنعه أبو بكرة، وقال: والله لا تصلي بنا وقد فعلت ما فعلت. فقال الناس: دعوه فليصلّ فإنه الأمير، واكتبوا ما بدا لكم إلى عمر ﵁، فكتبوا إليه، فورد كتابه بأنه يقدموا عليه جميعًا، المغيرة والشهود، فلما قدم على عمر ﵁، قال له: إنه قد شهد عليك بأمر إن كان حقًّا، فلأن تكون متَّ قبل ذلك خير لك، ثم دعا بالشهود، فقدّم أبو بكرة، فقال له: أرأيته بين فخذيها؟ قال: نعم. فقال له المغيرة: لقد ألطفت النظر. فقال: لم أك لأثبت ما يخزيك الله به. فقال عمر: لا والله، تشهد لقد رأيته يلج فيها كما يلج المرود في المكحلة. فقال: نعم، أشهد على ذلك. فقال له:

стр. 870

اذهب عنك، يا مغيرة، ذهب رُبعُك. ثم دعا الثاني، فقال: بم تشهد؟ قال: على مثل شهادة أبي بكرة. قال: لا، حتى تشهد رأيته يلج فيها كما يلج المرود في المكحلة. فقال: نعم، حتى بلغ قُذَذَه (١). فقال: اذهب عنك، يا مغيرة ذهب نصفك. ثم دعا الثالث، فقال: علام تشهد؟ قال: على مثل شهادة صاحبيّ. فقال عمر: ذهب عنك ثلاثة أرباعك. قال ودعا زيادًا، فلما رآه عمر مقبلًا، قال: إني أرى رجلًا، لن يخزي الله على لسانه رجلًا من المهاجرين. قال (٢) أبو عثمان النهدي (٣): لما شهد عند عمر الشاهد الأول، تغير لذلك لون عمر، ثم جاء الآخر فشهد فانكسر انكسارًا شديدًا، ثم جاء الثالث، يخطِرُ بين يديه، فرفع عمر رأسه إليه، فقال: ما عندك؟ يا سلحَ العقاب فضيحة عظيمة. قال: فلما تقدم الرابع، وهو زياد، التفت إليه المغيرة، فقال: لا يجيء المعطر بعد عروس، ثم قال له: يا زياد، اذكر الله، واذكر موقف يوم القيامة، فإن الله، وكتابه، ورسوله،

стр. 871

وأمير المؤمنين، قد حظروا [دمي إلا] (١) أن تتجاوز إلى ما لم تعلم، [فلا] (٢) يحملنك سوء منظر رأيته عليّ، أن تتجاوزه إلى ما لم تره، فوالله لو كنت بين بطني وبطنها، ما رأيت أين سلك ذكري منها. قال: فدمعت عيناه، واحمرّ وجهه، وقال: يا أمير المؤمنين، أما أن أحقّ ما حقّ القوم، فليس ذلك عندي، ولكن رأيت مجلسًا قبيحًا، وسمعت نفسًا حثيثًا، ورأيته متبطنها. فقال له: أرأيته يدخله ويخرجه كالميل في المكحلة؟ فقال: لا. فقال عمر: الله أكبر، يا علي، قم إليهم فاضربهم الحد. فقام إلى أبي بكرة فضربه ثمانين سوطًا، وضرب الباقين، وأعجبه قول زياد، ودرأ الحد عن المغيرة. فقال أبو بكرة بعد أن ضُرب: فإني أشهد على المغيرة أنه فعل كذا وكذا، فهم عمر بضربه، فقال له علي ﵁: إن ضربته، رجمت صاحبك، ونهاه عن ذلك، يعني: إن ضربه جعل شهادته شهادتين، فوجب بذلك الرجم على المغيرة. قال: فاستتاب عمر ﵁ أبا بكرة، فقال: إنما تستتيبني لتقبل شهادتي. [فقال: أجل. فقال] (٣): لا أشهد ما بقيت بين اثنين أبدًا في الدنيا. وقال المغيرة لما ضربوا: الله أكبر، الحمد لله

стр. 872

الذي أخزاكم. فقال عمر: اسكت [أخزى] (١) الله مكانًا رأوك فيه. قال: وأقام أبو بكرة على قوله، وتاب الإثنان، فكان أبو بكرة بعد ذلك، إذا دعي إلى شهادة قال: اطلب غيري، فإن زيادًا قد أفسد عليّ شهادتي. وروى (٢) صالح (٣) في مسائله (٤)، بإسناده عن أبي عثمان النهدي قال: جاء رجل إلى عمر فشهد على المغيرة بن شعبة، فتغير لون عمر، ثم جاء آخر فشهد، فتغير لون عمر، ثم جاء آخر فشهد فاستكبر ذلك عمر، ثم جاء شاب يخطو ببدنه، فقال عمر: ما عندك يا سلح العقاب، وصاح به عمر صيحة، فقال أبو عثمان: والله لقد كدت يغشى عليّ. فقال: يا أمير المؤمنين، رأيت أمرًا قبحًا. فقال: الحمد لله الذي لم يشمت الشيطان بأصحاب محمد ﷺ . قال: فأمرنا وكيلًا لنا فجلدوا.

стр. 873

وفي رواية أن عمر لما شهد عنده على المغيرة شهد ثلاثة، وبقي زياد، فقال عمر: أرى شابًا حسنًا، وأرجو أن لا يفضح الله على لسانه رجلًا من أصحاب النبي ﷺ . فقال: يا أمير المؤمنين، رأيت إستًا تنبو (١)، ونفسًا يعلو، ورأيت رجليها فوق عنقه كأنهما أذنا حمار، ولا أدري ما وراء ذلك. فقال عمر: الله أكبر، وأمر بالثلاثة فضربوا. وقول عمر: "يا سلح العقاب"، معناه أنه يشبه سلح العقاب الذي يحرق كل شيء أصابه، لذلك هذا يوقع العقوبة بأحد الفريقين لا محالة، إن كملت شهادته حد المشهود عليه، وإن لم يكمل حد أصحابه. قال (٢) الشعبي (٣): وافت أم جميل بنت عمرو (٤)؛ التي رمي

стр. 874

بها المغيرة بن شعبة بالموسم، عمر ﵁ والمغيرة، فقال له: أتعرف هذه؟ قال: نعم، هذه أم كلثوم بنت علي (١). فقال له: أتتجاهل علي؟ ! والله ما أظنُّ أبا بكرة كذب عليك، وما رأيتك إلا خفتُ أن أرمى بحجارة من السماء. انتهى. ولعل خوفه لتعريضه للشاهد الرابع بأن لا يشهد (٢). وقول علي ﵁: "إن ضربته رجمت صاحبك"، لعله أقامه شبهة لدرء الحد الثاني عن أبي بكرة، وتغاضى عمر ﵁ عن مناقشته (٣) .. والله تعالى أعلم. وقال (٤) المدائني (٥): لما شَخَصَ المغيرة إلى عمر- يعني في هذه القصة - رأى في طريقه جارية أعجبته، فخطبها إلى أبيها، فقال له: أنت على هذه الحالة؟ قال: وما عليك؟ إن

стр. 875

أعفى، فهذا الذي تريد، وإن أقتل ترثني، فزوّجه، فلما قدم على عمر قال: إنك لفارغ القلب (١). قوله (٢): وإذا تحمل فاسقًا، أو كافرًا، وروى عدلًا مسلمًا، قبلت روايته .. العبرة بحال الأداء، كما لو تحمل صغيرًا عاقلًا ضابطًا، وروى كبيرًا، فإنه يقبل كذلك هاهنا، وقرنها معها في المسودة (٣)، فدل أنها مثلها. قوله (٤): لا تشترط روية الراوي، ولا ذكوريته، ولا عدم

стр. 876

العداوة والقرابة، ولا معرفة نسبه، ولا إكثاره من سماع الحديث، ولا علمه بفقه، أو عربية، أو معنى الحديث .. واعتبر مالك الفقه، ونقل عن أبي حنيفة مثله. وعنه أيضًا إن خالف القياس (١)، ولا البصر. قال أحمد ﵀ في رواية عبد الله، في سماع الضرير: إذا كان يحفظ من المحدث فلا بأس، وإذا لم يكن يحفظ فلا ..

стр. 877

لا تشترط روية (١) الراوي، ولا ذكوريته؛ لقبول الصحابة ﵃ النساء كغيرهن، ولروايتهم عن عائشة ﵂ من وراء حجاب، اعتمادًا على الصوت. ولا عدم العداوة، ولا عدم القرابة، فتجوز رواية العدو، ورواية الولد، ورواية الوالد؛ لأن حكم الرواية عام للمخبر والمخبر فلا تهمة فيه. ولا معرفة نسبه، لأن نسبه لا مدخل له في الرواية، ولا إكثاره من الراوية، لاتفاق الصحابة على خلافه. ولا يعتبر علمه بالفقه، ولا بالعربية، ولا بمعنى الحديث، فتجوز رواية غير الفقيه عند الجماهير (٢)، خلافًا لأبي حنيفة (٣) ومالك (٤). لنا قوله ﷺ : "نضر الله امرء سمع منا حديثًا فحفظه، حتى يبلغه غيره، فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ورب حامل فقه ليس بفقيه" إسناده جيد، رواه أبو داود (٥) والنسائي (٦)

стр. 878

والترمذي (١) وحسنه، رواه الأصمعي (٢) (٣) بتشديد الضاد، وأبو عبيد (٤) بتخفيفها، أي: نعمه الله. ولا يشترط البصر، لكن ما قاله الإمام أحمد (٥) ﵀ في رواية عبد الله (٦) فإنه جيد؛ لأن الضرير إذا كان يحفظ فإنه يعتمد على حفظه، فيقبل، وأما إذا لم يحفظ، فإنه إنما يعتمد على قول غيره له، فلا يقبل قوله.

стр. 879

قوله (١): مسألة، مجهولة العدالة: لا يقبل عند الأكثر (٢)، خلافًا للحنفية (٣). وعن أحمد (٤): قبوله، واختاره بعض أصحابنا (٥)؛ قال: وإن لم تقبل شهادته. وفي الكفاية (٦): تقبل في زمن لم تكثر فيه الخيانة .. اختلفت الرواية عن الإمام أحمد (٧) -رحمه الله تعالى- في قبول مجهول العدالة، والذي عليه جمهور أصحابه (٨) عدم القبول. لنا: الدلائل النافية للعمل بالظن. خولف: في ظاهر العدالة لأدلته، ولأن [مستند] (٩) قبول خبر الواحد الإجماع، والمجمع عليه رواية العدل، وليس المجهول في معناه. ولقوله ﷺ : (يحمل هذا الحديث من كل

стр. 880

خلف عدوله) (١) صححه أحمد (٢)، وهو خبر بمعنى الأمر. ولأن الفسق مانع، كالصبا والكفر، فالشك فيه، كالشك فيهما, ولأن شهادته لا تقبل، فكذا روايته. والرواية الثانية: تقبل؛ لأن الفسق سبب التثبت، إذا انتفى انتفى. قلنا: إنما ينتفي [بالخبرة] (٣)، أو التزكية. قالوا: الظاهر الصدق، كإخباره بذكاة، وطهارة ماء، ونجاسته، ورق جاريته.
следующие страницы →