← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 127717

شرح مختصر أصول الفقه للجراعي

الجراعي

Полный текст (1 782 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

وقول المصنف.: "تعم به البلوى"، أي: يكثر التكلف به. وقوله: "ونحوها"، الذي رأيته في النسخ هكذا بغير تثنية، ولعل الضمير عائد إلى الأخبار، فإن مسألة رفع اليدين، ومس الذكر، ورد فيهما أخبار، فالضمير عائد إلى الأخبار لا إلى المسألتين. والله تعالى أعلم. قوله (١): مسألة: خبر الواحد في الحد مقبول، عند الأكثر (٢) خلافًا للكرخي (٣) والبصري (٤). أي: خبر الواحد فيما يوجب الحد، قالا (٥): خبر الواحد مظنون إنما يفيد الظن فينهض شبهة بدرء الحد، لقوله ﵇: (ادرؤوا الحدود بالشبهات) (٦).

стр. 947

وما ذكراه باطل بالقياس والشهادة؛ فإنهما يفيدان الظن، ومع ذلك يقبلان في الحد. وليس كل شبهة يدرأ بها الحد، فالحديث مخصوص بصور كثيرة. ثم ما ذكروه من درء الحد بالشبهة معارض بالحكم بالظاهر، فإن خبر الواحد ظاهر، يغلب على الظن ثبوت الحد به، وقد قال النبي ﷺ : (نحن نحكم بالظاهر) (١)، ولو اعتبرت

стр. 948

القواطع لتعطلت (١)، وكثر وقوعها وطمع مواقعوها. قوله (٢): مسألة: يجب العمل، بحمل ما رواه الصحابي على أحد محمليه، عند الأكلثر، فإن حمله على غير ظاهره، فالأكثر على الظهور. وعند أحمد ﵀ رواية: يعمل بقوله (٣). وإن كان نصًّا - لا يحتمل التأويل -، وخالفه، فالأظهر عندنا، لا يرد الخبر، وفاقًا للشافعي (٤). وعن أحمد: لا يعمل به، وفاقًا للحنفية. وإن كان الظاهر عمومًا، فسيأتي في التخصيص. إذا روى الصحابي مسألة محملان، وحمله على أحدهما، وجب العمل به عندنا (٥)، وعند عامة العلماء (٦) عملًا بالظاهر.

стр. 949

وقال الآمدي (١): لا يبعد أن لا يجب، فيعمل باجتهاده، فإن لم يظهر شيء وجب. وحكى السرخسي (٢) عن أبي بكر الرازي: لا يعمل به. وإن حمله الصحابي - بتفسيره، أو عمله - على غير ظاهره عمل بالظاهر في رواية، واختارها القاضي (٣) وغيره (٤) - ولو قلنا قوله حجة (٥) - وأكثر الفقهاء، منهم الشافعي (٦) وأكثر الحنفية (٧) لاحتمال تركه لما توهمه دليلًا ليس كذلك. وفي رواية: يعمل بقوله، وقاله بعض الحنفية وغيرهم. وللمالكية (٨) خلاف؛ لأنه عدل عالم بالخبر، فلولا أنه اطلع على دليل آخر لما ترك ظاهر هذا، وإن كان الظاهر عمومًا، فسيأتي في التخصيص (٩). وإن كان الخبر نصًّا، لا يحتمل تأويلًا - وخالفه - فالخلاف

стр. 950

عندنا (١)، لا يرد به الخبر، ولا ينسخ، وفاقًا للشافعي (٢)، لاحتمال نسيانه. ثم: لو عرف ناسخه لذكره، ورواه ولو مرّة؛ لئلا يكون كاتمًا للعلم. وعن أحمد (٣): لا يعمل به وفاقًا لأبي حنيفة (٤). وقال الآمدي (٥): يتعين ظهور ناسخ عنده، وقد لا يكون ناسخًا عند غيره، فلا يترك النص باحتمال. وبعض من تبع الآمدي خالفه، وقال (٦): في العمل بالنص نظر. فائدة: في وجوب الرجوع إلى التابعي عن أحمد، ذكرها أبو الخطاب (٧) وغيره (٨)، وتأول القاضي (٩) رواية الوجوب. واختار ابن عقيل (١٠): لا تجب.

стр. 951

قوله (١): وإن عمل بخلاف خبر أكثر الأمة لم يرد إجماعًا (٢). واستثنى بعضهم: إجماع المدينة بناء على أنه إجماع. عمل الأكثر ليس إجماعًا حتى يرد الخبر لأجله، فإن كان في العاملين أهل المدينة النبوية - على ساكنها أفضل الصلاة والسلام - فعند من يقول (٣): إن اتفاقهم إجماع، فإنه يرد الخبر بعلمهم، لأن الإجماع ينسخ ولا ينسخ. وعند من يقول (٤): ليس بإجماع، فحكمهم حكم غيرهم. قوله (٥): مسألة: خبر الواحد المخالف للقياس من كل وجه، مقدم عليه عند الأكثر. وعند المالكية: القياس. وقال الحنفية: يرد خبر الواحد، إن خالف الأصول، أو معنى الأصول، لا قياس الأصول. فأما إن كان أحدهما أعم من الآخر، خص بالآخر على ما يأتي - إن شاء الله تعالى.

стр. 952

لنا على تقديم الخبر: ما سبق في خبر الواحد، من قول عمر ﵁: "لولا هذا لقضينا فيه برأينا" (١). ورجوعه إلى توريث المرأة من دية زوجها (٢)، وعمل جماعة من الصحابة به، كمعاذ (٣) لما بعثه النبي ﷺ إلى اليمن قال (٤): (بم تحكم؟ قال: بكتاب الله. قال: "فإن لم تجد"، قال: بسنة رسول الله ﷺ . قال "فإن لم تجد"، قال: أجتهد رأيي ولا آلو. فقال ﷺ : "الحمد لله الذي وفق رسولَ رسولِ الله ﷺ لما يرضاه رسول الله ﷺ ) فرتب العمل بالقياس على السنة، وهذا خبر اشتهر، وتلقته الأمة بالقبول فجرى مجرى التواتر.

стр. 953

ولأن الخبر أقوى من غلبة الظن؛ لأنه يجتهد فيه في العدالة والدلالة، ويجتهد في القيالس في ثبوت حكم الأصل، وكونه معللًا، وصلاحية الوصف للتعليل، ووجوده في الفرع، ونفي المعارض في الأصل والفرع. وقول الحنفية (١): لا يقبل خبر الواحد إذا خالف الأصول، أو معنى الأصول (٢)، لا قيالس الأصول، فإنهم قد ناقضوا مذهبهم في قياس الأصول، فإن أبا حنيفة قال (٣): القياس فيمن أكل ناسيًا في رمضان أن يفطر، ولكن تركت القياس، لحديث (٤) أبي هريرة أن النبي ﷺ قال للذي أكل ناسيًا: (الله أطعمك، وسقاك). وعمل بخبر (٥)

стр. 954

ابن مسعود (١) في النبيذ، وهو مخالف لقياس الأصول، وهي جميع المائعات، وكذلك نقض الوضوء بالقهقهة في الصلاة (٢) بخبر الواحد، وخالف القياس فيه، وكذلك في القسامة (٣) حلف المدعي عليهم خمسين يمينًا، وألزمهم الدية، وذلك مخالف لسائر الدعاوي. وأما الأصول فهي الكتاب والسنة والإجماع، وخبر الواحد

стр. 955

إذا خالف هذه لم يقبله، فإنما يردون خبر الواحد في المصرَّاة (١) والتغليس (٢)، والقرعة (٣) ولا شيء فيها من الأصول. فإن قيل: خبر المصراة يخالف الأصل المجمل عليه (٤)؛ بأن اللبن لا يضمن إلا بمثله، أو بقيمته عند التعذر، وقد ضمنتم اللبن بغير مثله ولا قيمته، وإنما ضمنتم بصاع من تمر، وذلك خلاف الإجماع. قيل: الإجماع إنما حصل في اللبن الذي أتلف وعرف قدره، وهذا لا طريق إلى معرفة قدره، فإنه اختلط بالذي حدث

стр. 956

على ملك المشتري بعد العقد، فورد الشرع بتقدير عوضه لتعذر مماثلته وتقويمه، للمصلحة وقطع الخصومة، ثم أكثر ما فيه أن يكون اللبن المأخوذ من الضرع كاللبن المأخوذ من الإناء، والخبر ورد بخلاف هذا القياس، فأما أن يكون خلاف الإجماع فلا. فأما إن كان أحدهما أعم من الآخر، فإنه يخص بالآخر على ما يأتي - إن شاء الله تعالى - في العموم والخصوص (١). قوله (٢): مسألة: مرسل غير الصحابي، قال رسول الله ﷺ ، أطلق جماعة في قبوله، قولين. واعتبر الشافعي لقبوله في الراوي، أن لا يعرف له رواية إلا عن مقبول، وأن لا يخالف الثقات إذا أسند الحديث فيما أسندوه، وأن يكون من كبار التابعين. وفي المتن، أن يسند الحفاظ المأمونون عن النبي ﷺ من وجه آخر معنى ذلك المرسل أو يرسله غيره، وشيوخهما مختلفة، أو يعضده قول صحابي، أو قول عامة الفقهاء. وكلام أحمد في المرسل، قريب من كلام الشافعي ﵄. وقال السرخسي: يقبل في القرون الثلاثة. وابن أبان: ومن أئمة النقل أيضًا. غير الصحابي يشمل التابعي، وتابع التابعي، وهلم جرا، في سائر الأعصار، هذا قول الأصوليين.

стр. 957

قال الشيخ مجد الدين (١): "ومرسل أهل عصرنا، وغيره سواء عند أصحابنا". قال ابن عقيل (٢): هو ظاهر كلام أحمد. قال أبو العباس (٣): "قلت ما ذكره القاضي (٤)، وابن عقيل، من أن مرسل أهل عصرنا، مقبول كغيره، ليس مذهب أحمد، فإنا نجزم أنه لم يكن يحتج بمراسيل محدثي وقته وعلمائهم، بل يطالبهم بالإسناد". إلى أن قال (٥): "وبحث القاضي يدل على أنه أراد بالمرسل من أهل عصرنا ما أرسله عن واحد، فهذا قريب، بخلاف ما أرسله عن النبي ﷺ فإن سقوط واحد أو اثنين ليس كسقوط عشرة، وحجته لا تتناول إلا ما سقط منه وأحدا". أما المحدثون (٦) فيخصونه بالتابعي على المشهور عندهم، كسعيد بن المسيب، فإن سقط أحد قبل الصحابي، فهو منقطع عند المحدثين (٧)، مرسل عند الأصوليين (٨)، وإن سقط أكثر سمي معضلًا [] (٩).

стр. 958

هذا ففي قبول المرسل روايتان (١) إحداهما: يقبل، وهي الأصح عن أحمد، وعليها أصحابه، وفاقًا لأبي حنيفة (٢) ومالك (٣) والمعتزلة (٤)، وحكاه بعضهم (٥) عن الأكثر. قال (٦) ابن جرير (٧) وأبو الوليد الباجي (٨): إنكار كونه حجة بدعة حدثت بعد المائتين. والأخرى: لا يقبل، قال الشيخ في الروضة (٩): "وهو قول الشافعي (١٠)، وبعض أهل الحديث (١١)، وأهل الظاهر (١٢)، ولهم دليلان.

стр. 959

أحدهما: أنه لو ذكر شيخه ولم يعدله، وبقي مجهولًا عندنا: لم نقبله، فإذا لم يسمه، فالجهل أتم، إذ من لا تعرف عينه كيف تعرف عدالته؟ الثاني: أن شهادة الفرع لا تقبل، ما لم يعين شاهد الأصل. فكذا (١): الرواية، وافتراق الشهادة والرواية في بعض التعبدات، لا توجب فرقا في هذا المعنى، كما لا توجب فرقًا في قبول رواية المجروح والمجهول. ووجه الرواية الأول: أن الظاهر من العدل الثقة، أنه لا يستجيز أن يخبر عن النبي ﷺ بقول، ويجزم به إلا بعد أن يعلم ثقة ناقله، وعدالته. ولا يحل له إلزام الناس عبادة، أو تحليل حرام، أو تحريم مباح بأمر مشكوك فيه، فيظهر أن عدالته مستقرة عنده، فهو: بمنزلة قوله: "أخبرني فلان، وهو ثقة عدل". ولو شك في الحديث: ذكر من حدثه؛ لتكون العهدة عليه دونه". وما قاله المصنف عن الشافعي، ذكره ابن مفلح (٢)، وأخذ على الشافعي بأنه إذا أسنده غيره، أن العمل إنما هو بالمسند، وإذا اقترن به مرسل آخر، أو غيره، انضم باطل إلى مثله، لا يقبل.

стр. 960

رد الأول: بأن المرسل صار حجة، والمسند قوي به، فترجح على مسند عارضه. وبأن الانضمام يحصل به الظن، أي: يقوى. وحجة الذي قيده بالقرون الثلاثة (١): أن النبي ﷺ أثنى عليهم. وقول (٢) عيسى بن أبان (٣)، اختاره ابن الحاجب (٤)، وصاحب البديع (٥)، وهو أنه إذا أرسل من أهل عصرنا أحد الأئمة الذين يحمل عنهم العلم: قبل مرسله، ومن حمل عنه الناس المسندون المرسل: وقف مرسله. وقيل: مرسل القرون الثلاثة مطلقًا. أما القرون الثلاثة فلما تقدم (٦). وأما أئمة النقل: فلأنه إذا ثبت أنه من أئمة النقل، فالاعتماد على قوله قوي، بخلاف ما إذا لم يكن من أئمة النقل.

стр. 961

وأما الذي نقل المصنف عن الإمام أحمد من أن كلامه قريب من كلام الإمام الشافعي، فإن الإمام أحمد فرق بين مرسل من يعرف أنه لا يروى إلا عن ثقة، وبين غيره، فإنه قال (١): "مرسلات سعيد بن المسيب أصحها، ومرسلات إبراهيم لا بأس بها، وأضعفها مرسلات الحسن (٢) وعطاء (٣) كانا يأخذان عن كل، ومرسلات ابن سيرين صحاح، ومرسلات عمرو بن دينار (٤) أحب إلي من مرسلات إسماعيل بن أبي خالد (٥)، إسماعيل لا يبالي عمن حدث، وعمرو لا يروي إلا عن ثقة، ولا يعجبني مرسل يحيى بن كثير (٦)؛ لأنه روى عن ضعاف".

стр. 962

وقيل (١) له: لم كرهت مرسلات الأعمش (٢)، قال: لا يبالي عمن حدث. وقيل (٣) له عن مرسلات سفيان (٤)، فقال: لا يبالي عمن روى. ونقل (٥) مهنا (٦): مرسل الحسن صحيح. قاله ابن المديني (٧).

стр. 963

قوله (١): أما مرسل الصحابي فحجة عند الجمهور (٢)، وخالف بعض الشافعية (٣)، إلا أن يعلم بنصه أو عادته أنه لا يروي إلا عن صحابي. لنا أن الصحابي عدل، والظاهر أنه لا يرسل إلا عن مثله فكان حجة، أشبه ما لو صرح بالسماع (٤). وزعم (٥) الصيمري (٦) الحنفي أن الصحابي إذا قال: "هذا كتاب رسول الله ﷺ أنه مرسل، حتى يقول: "حدثني بما فيه"؛ لأنه يحتمل: "هذا كتابه دفعه إلي، وقال: اعمل بما فيه أو اروه عني"، وهو مرسل لا يختلف أهل الأصول في ذلك. وذكر بعض علمائنا خلافه إجماعًا (٧)، وسبقت المناولة (٨).

стр. 964

قوله (١): الأمر (٢): حقيقة في القول المخصوص اتفاقًا (٣)، وعند الأكثر (٤) مجاز في الفعل، وفي الكفاية مشترك بينه وبين الشأن والطريقة ونحو ذلك واختار الآمدي متواطئ. المراد بالمخصوص هو الطالب للفعل وهو "افعل" (٥)، والجمهور منهم أحمد وأصحابه (٦)، على أن الأمر حقيقة في القول، فوجب أن لا يكون حقيقة في غيره دفعًا للاشتراك. وفي الكفاية (٧) للقاضي أبي يعلى: هو مشترك بين القول والشأن والطريقة ونحو ذلك، وقاله أبو الحسين البصري (٨).

стр. 965

قال في المسودة (١) وهذا (٢) هو الصحيح لمن اتصف، ونصره ابن برهان (٣) وأبو الطيب كقوله تعالى ﴿وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ (٤). وكقول الشاعر (٥): لأمر ما يسود من يسود .... أي لصفة من صفات الكمال. وكقولنا تحرك كذا الخصم لأمر أي: لشيء. وعلى القول بالتواطؤ، تكودن موضوعًا للقدر المشترك بين الفعل والقول دفعًا للاشتراك والمجاز. قال في تشنيف المسامع (٦) عن القول بالتواطئ (٧): "واعلم

стр. 966

أن هذا القول لا يعرف قائله، وإنما ذكره صاحب الإحكام (١) على سبيل الفرض والإلزام (٢)، أي لو قيل: فما المانع منه، ولهذا حكاه ابن الحاجب (٣)، ثم قال في آخر المسألة: وأيضًا فإنه قول [حادث هنا] (٤) انتهى. وصدق فيما ذكره عن الإحكام، فإن الآمدي في الإحكام (٥) قال بعد أن ذكر الحجج: "وفي [هذه] (٦) نظر، أما الأول: فلقائل أن يقول: لا نسلم أنه يلزم من كونه حقيقة في الفعل أن يكون مشتركًا، إذا أمكن أن يكون حقيقة فيهما، باعتبار معنى مشترك بين القول المخصوص والفعل (٧)، فيكون متواطئًا (٨) ". وفي المسألة قول آخر (٩): وهو أنه مشترك بين القول والفعل (١٠)، وهو مأخوذ من قول المصنف: "وعند الأكثر مجاز

стр. 967

في الفعل" فيكون حقيقة في الفعل عند الأقل؛ لأنه أطلق علمهما، والأصل الحقيقة وعزاه في المحصول (١) لبعض الفقهاء، وعزا ابن برهان (٢) إلى كافة العلماء. والفرق بين المشترك والمتواطئ أن المتواطئ تكون أفراده متساوية، والمشترك تكون أفراده متباينة لا يحمل على أحد أفراده إلا بدليل. قوله (٣): حد الأمر (٤) قيل هو: "القول المقتضي طاعة المأمور بفعل المأمور به" (٥). وقيل (٦) استدعاء الفعل بالقول. والمختار استدعاء إيجاد الفعل بالقول أو ما قام مقامه.

стр. 968

وهل يشترط العلو والاستعلاء أولًا. أو العلو دون الاستعلاء أو عكسه أقوال. والاستعلاء هو المطلب لا على وجه التذلل بل بغلظة ورفع الصوت، والعلو أن يكون الطالب أعلى مرتبة. قاله القرافي (١). "فالقول" جنس يتناول الأمر، والنهي، وغيرها، من أقسام الكلام. "والمقتضي طاعة المأمور" فصل، يخرج ما ليس كذلك كالخبر، والتمني، والترجي، وغيرها. وقوله" بفعل المأمور به" فصل، يخرج النهي؛ لأنه وإن كان قولًا يقتضي طاعة المأمور، ولكن لا بفعل المأمور به، بل بالكف عن المنهي عنه. لكن يلزم منه الدور؛ لأنه تعريف للأمر بالمأمور والمأمور به المتوقف معرفتهما على الأمر فصار تعريفًا للأمر بنفسه بواسطة المأمور والمأمور به (٢)، فلهذا قال المصنف (٣): "قيل وهو

стр. 969

منسوب إلى الباقلاني (١) والجويني (٢) والغزالي (٣) ". والقول الثاني: استدعاء الفعل، وهو: طلبه فـ "الاستدعاء" جنس؛ لأنه يتناول الأمر، والشفاعة، والالتماس، والنهي (٤). وقوله "الفعل" فصل، أخرج النهي، وقوله "بالقول" فصل، آخر أخرج غير القول؛ كالإشارة، والرمز، فإنه ليس بأمر، لما تقدم من أن الأمر حقيقة في القول المخصوص، وهذا هو قول أبي الخطاب (٥)، لكنه زاد بجهة الاستعلاء .. والقول الذي اختاره المصنف (٦) أنه: "استدعاء إيجاد الفعل بالقول أو ما قام مقامه"، فزاد المصنف "إيجاد"، ولا شك أن طلب الفعل في الحقيقة هو طلب إيجاده، وقد تقدم الكلام على الاستدعاء، وعلى القول. وقوله: "أو ما قام مقامه" أراد أن يدخل الإشارة والرمز، ونحوهما، وهذا تابع فيه الطوفي (٧)، فإنه قال: وكذلك لو قيل:

стр. 970

الأمر: "استدعاء الفعل بالقول، أو ما قام مقامه على جهة الاستعلاء"، لاستقام أيضًا؛ لأن ما قام مقام القول، يتناول الإشارة والرمز، ونحوهما مما يكون به الأمر. وقد تقدم الجواب عن هذا (١). ثم هل يشترط العلو والاستعلاء أم لا؟ على أربعة مذاهب. أحدها: عدم اعتبارهما، صححه في تشنيف المسامع (٢)، ونقله في المحصول (٣) عن أصحابهم؛ لإمكان أن يقوم بذات الأدنى طلب من الأعلى كقول فرعون لمن دونه: ﴿فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ (٤). والثاني: يعتبران، وبه جزم ابن القشيري (٥)، وحمل قول فرعون على الاستشارة، ولأنهم اتفقوا على تحميق العبد الآمر لسيده، وأيضًا: فيحتمل أن فرعون أخطأ لما دهمه من الأمر العظيم (٦)، وهو أمر موسى ﵊. فإنه لما ألقى العصا، ورد أنه ازدحموا فقتل منهم كذا كذا ألفًا (٧)، وأن فرعون

стр. 971

كان لا يتردد إلى الخلاء إلا في كل أربعين يومًا مرّة، فتردد ذلك اليوم أربعين مرّة. قال ابن قاضي الجبل: من الناس من شرط العلو، والاستعلاء، كقول أصحابنا (١)، وغيرهم، ومنهم من لم يشرطه، كقول الأشاعرة. والثالث؛ يعتبر العلو، وبه قال المعتزلة (٢)، وأبو إسحاق الشيرازي (٣)، وابن الصباغ (٤)، والسمعاني (٥) (٦) والقاضي في العدة (٧) لأنه قال: وهو قول القائل لمن دونه: افعل كذا وكذا. وقالوا: لا نصدق إلا به، أي بأن يكون الطالب أعلى رتبة من المطلوب منه، فإنه إن كان متساويًا سُمِّي التماسًا، وإن كان دونه فسؤالًا.

стр. 972

والرابع: يعتبر الاستعلاء دون العلو، وبه قال أبو الحسين (١) والإمام (٢) والآمدي (٣) وابن الحاجب (٤) وأبو الخطاب (٥). وأفسد البيضاوي (٦) (٧) المذهبين (٨) بقوله تعالى حكاية عن فرعون ﴿فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ (٩) ومعلوم انتفاء العلو [إذ] (١٠) كان فرعون في تلك الحال أعلى رتبة منهم، وقد جعلهم آمرين له، وانتفاء الاستعلاء [إذ] (١١) لم يكونوا مستعلين عليه، وقد تقدم الجواب عن هذا (١٢). وأفسد مذهب أبي الحسين (١٣) بأن كثيرًا من آيات الأمر في القرآن في غاية التلطف، ونهاية الاستجلاب بتذكير النعم، والوعد

стр. 973

بالنعم (١)، كما في قوله تعالى: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ (٢) (٣). وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ (٤) إلى غير ذلك من الآيات المنافية للاستعلاء. وقد فسر المصنف العلو والاستعلاء، والحاصل: أن العلو من الصفات العارضة للناطق، والاستعلاء من صفات كلامه (٥). قوله (٦): ولا يشترط في كون الأمر أمرًا إرادته (٧) (٨)، خلافًا

стр. 974

للمعتزلة، فاعتبر الجبائي، وابنه، إرادة الدلالة، وبعضهم: إرادة الفعل ولا يشترط الإرادة لغة إجماعًا. مذهب الفقهاء (١): أن الأمر أمر بصيغته، ولا يعتبر معه إرادة أخرى؛ لأن هذه الصيغة وضعت لمعنى، فلا يفتقر في إفادتها إفادة الإرادة، كسائر الألفاظ الدالة على معانيها. واختلف المعتزلة بينهم، فذهب أبو علي الجبائي، وابنه أبو هاشم، وعبد الجبار (٢)، وأبو الحسين (٣)، إلى اعتبار إرادة الدلالة بها على الأمر، وعلى هذا قالوا: لا تكون صيغة التهديد أمرًا، ولا يكون المعلوم من الله تعالى موته على الكفر مأمورًا بالإيمان؛ لانتفاء الدلالة على المطلب، فإن شرط الدلالة على المطلب، كون المدلول عليه بالصيغة مراد، فحيث لم يرد، لم تكن الصيغة دالة على المطلب، لانتفاء شرطه، واحتجوا بأن الصيغة كما ترد للطلب ترد للتهديد مع خلوه عن المطلب، فلا بد من مميز بينهما، ولا مميز سوى الإرادة. وأجيب: بأن المميز حاصل بدون الإرادة؛ لأن صيغة الأمر حقيقة فيه (٤) مجاز في غيره، كالتهديد وأخواته، وهذا كاف في التميز.

стр. 975

وأيضًا: فإن الله تعالى أمر إبراهيم ﵇ بذبح ولده (١)، ولم يرد ذلك؛ لأنه لو أراده لفعل، فإنه فعّال لما يريد، فدل على أنه لم يرده. تنيه: ذكر ابن برهان (٢) أن الإرادات ثلاث، أحدها: إرادة إيجاد الصيغة، احترازًا عن النائم قال: وهو متفق على اعتباره. وثانيها: إرادة صرف اللفظ عن غير جهة الأمر (٣)، احتراز من التهديد، واختلف فيها فاعتبرها المتكلمون من أرباب مذهبه، ولم يعتبرها الفقهاء، وقالوا: الصيغة محمولة على الأمر (٤). وثالثها: إرادة فعل المأمور به والامتثال (٥) (٦)

стр. 976

وقد تقدمت (١). وأما أهل اللغة فإنهم مجمعون على عدم اشتراط الإرادة للأمر (٢)؛ لأنهم رتبوا ذم المأمور وعقوبته على مخالفة مجرد الصيغة، ومدحه وإثابته على موافقتها، ولم يسألوا، ولم يستفصلوا، هل أراد الأمر الأمر، وامتثال المأمور أو لا؟ ولو كان ذلك مشترطًا عندهم، لما أهملوا السؤال عنه، ولما رتبوا أحكام الأمر عليه بدون تحققه، فلما أهملوا السؤال عنه، دل على أنه ليس شرطًا عندهم. قوله (٣): وللأمر عند الأكثر صيغة تدل بمجردها عليه لغة. القائلون بالنفسي: اختلفوا في كون الأمر له صيغة تخصه، والخلاف عند المحققين منهم في صيغة "افعل".

стр. 977

أي: للأمر (١) لفظ يدل بمجرده عليه حقيقة بدون قرينة، كدلالة سائر الألفاظ الحقيقية على موضوعاتها، وهذا قول الجمهور (٢). ومنع ابن عقيل (٣) أن يقال: للأمر صيغة، أو أن يقال: هي دالة عليه، كما قال في الخبر، وقد تقدم (٤). والقائلون بالنفسي - أي القائلون بالكلام النفسي -: اختلفوا هل للأمر صيغة، فمنهم من قال - وهم الأكثرون -: للأمر صيغة (٥). ومنهم من قال: لا صيغة له، بناء على إثبات الكلام النفسي، فإن الكلام النفسي معنى لا صيغة، وهذا قال به الأشعري (٦)،

стр. 978

ومن تبعه (١). وقيل: مشتركة (٢). وقيل: لا يدري (٣). وقال أبو المعالي (٤) والغزالي (٥): لا خلاف في أمرتك، وأنت مأمور، وأوجبت، وندبت (٦)، وإنما الخلاف في صيغة "افعل"، لترددها، فإنها تستعمل في أشياء كما يأتي (٧).

стр. 979

قوله (١): وترد صيغة "افعل" لستة عشر معنى. الوجوب ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ (٢) الثاني: الندب ﴿فَكَاتِبُوهُمْ﴾ (٣) الثالث: الإرشاد ﴿وَأَشْهِدُوا﴾ (٤)، الرابع: الإباحة ﴿وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ (٥) ﴿فَاصْطَادُوا﴾ (٦)، الخامس: التهديد ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ (٧) ومنه ﴿قُلْ تَمَتَّعُوا﴾ (٨)، السادس: الإمتنان ﴿وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ (٩)، السابع: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ﴾ (١٠)، الثامن: التسخير ﴿كُونُوا قِرَدَةً﴾ (١١) التاسع: التعجيز ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ﴾ (١٢)، العاشر: الإهانة ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (٤٩)﴾ (١٣) الحادي عشر: التسوية ﴿فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا﴾ (١٤)، الثاني عشر: الدعاء "اللهم اغفر لي"، الثالث عشر: التمني "ألا أيها الليل الطويل ألا

стр. 980

انجلي" (١)، الرابع عشر: الاحتقار ﴿أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ﴾ (٢)، الخامس عشر: التكوين ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ (٣)، السادس عشر: الخبر (فاصنع ما شئت) (٤) وعكسه ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾ (٥). ذكر المصنف أنها ترد لستة عشر معنى، وذكر أمثلتها. والفرق بين الندب والإرشاد (٦): أن الندب مطلوب لثواب الآخرة، والإرشاد لمنافع الدنيا، إذ ليس في الإشهاد على البيع، ولا في تركه ثواب. والعلاقة التي بين الوجوب، والندب، والإرشاد، هي المشابهة المعنوية، للإشتراك في المطلب، قال معناه في المحصول" (٧)، والمستصفى (٨)، ولهذا ذكره المصنف متبعًا فيه من غير فاصل .. وذكر المصنف للتهديد مثالين: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ و ﴿قُلْ تَمَتَّعُوا﴾، وقد فرق جماعة (٩) بينهما، فجعلوا الثاني قسمًا آخر، وسموه إنذارًا.

стр. 981

قال في تشنيف المسامع (١): "والصواب تغايرهما، فإن التهديد: هو التخويف، والإنذار: هو الإبلاغ، لكن لا يكون إلا في المخوف". والفرق بين الإباحة والإمتنان (٢): أن الإباحة مجرد إذن، وأن الإمتنان لا بد فيه من اقتران بذكر احتياج الخلق إليه، وعدم قدرتهم عليه، ونحوه، وإن الإباحة قد يتقدمها حظر، مثل: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ (٣). والفرق بين التسخير والتكوين (٤): أن التكوين: سرعة الوجود [من] (٥) العدم، وليس فيه انتقال من حالة إلى حالة، والتسخير: هو الانتقال إلى حالة ممتهنة، إذ التسخير لغة (٦): هو الذلة، والإمتهان في العمل، ومنه قوله تعالى ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا﴾ (٧)، أي: ذلله لنركبه، وقولهم فلان سخره السلطان، والباري خاطبهم بذلك في معرض التذليل (٨)، والتعبير

стр. 982

بالتسخير صرح به جماعة، منهم القفال (١)، والغزالي (٢)، والشيخ موفق (٣) الدين، وأتباعهم (٤)، وادعى القرافي (٥) أن الصواب السخرية، وهو الاستهزاء، ومنه قوله تعالى ﴿لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ﴾ (٦). قال الأسنوي (٧): "هذا عجيب، فإن فيه ذهولًا عن المدلول الأول، وتغليطًا لهؤلاء الأئمة". والشعر (٨) المذكور لامرئ القيس (٩) وتمامه:

стр. 983

بصبح وما الإصباح منك بأمثل (١) وتمنى انجلاءه عنه، لطوله عليه بدليل قوله قبله: وليل كموج البحر أرخى سدوله ... على بأنوع الهموم ليبتلي فقلت له لما تمطى بجوزه ... وأردف أعجازًا وناء بكلكل ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي ... .................... أي: لطوله علي فقلت له: أنا أتمنى انجلاءك عني، وإنما جعله المصنف متمنيًا، ولم يجعله مترجيًا، لأن الترجي يكون في الممكنات، والتمني في المستحيلات (٢)، وليل المحب لطوله، كأنه مستحيل الإنجلاء. ولهذا قال الشاعر: .................... ... وليل المحب بلا آخر (٣)

стр. 984

والفرق بين الاحتقار والإهانة (١): أن الإهانة إنما تكون لقول: أو فعل، أو ترك قول، أو ترك فعل، كترك إجابته، والقيام له عند سبق عادته، ولا تكون بمجرد الاعتقاد، والاحتقار قد يحصل بمجرد الاعتقاد، فإن من اعتقد في شيء أنه لا يعبأ به، ولا يلتفت إليه، يقال: إنه احتقره، ولا يقال: أهانه. والحاصل: أن الإهانة هو الإنكار، كقوله تعالى ﴿ذُقْ﴾ (٢)، والاحتقار عدم المبالاة كقوله ﴿بَلْ أَلْقُواْ﴾ (٣) وقول النبي ﷺ : (إذا لم تستحِ فاصنع ما شئت) (٤) ومعناه إذا لم تستحِ، صنعت ما شئت على حد الأقوال (٥)، ومعناه الخبر. وقوله: "وعكسه: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ﴾ (٦) " وجه العكس: أن ﴿يُرْضِعْنَ﴾، ورد بصيغة الخبر، ومعناه الأمر.

стр. 985

وتأتي صيغة افعل لمعان أخر غير ما ذكره المصنف منها الإيذاء وقد تقدم (١)، ومنها التأديب (كل مما يليك) (٢) لإصلاح الأخلاق، النفسية [وهي] (٣) أخص من الندب (٤)، ومنها: الإذن، كقولك لمن طرق الباب: "ادخل" وكأنه من قسم الإباحة (٥). ومنها: التفويض نحو: ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾ (٦)، ومنها التعجب، نحو: ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ﴾ (٧)، ومنها التكذيب ﴿فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (٨)، ومنها المشورة: ﴿فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ (٩)، ومنها الاعتبار: ﴿انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ﴾ (١٠). أ. هـ.
следующие страницы →