← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 12796

بيان العلم الأصيل والمزاحم الدخيل

عبد الكريم بن صالح الحميد

Полный текст (165 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

عصاني من يعرفني سلطت عليه من لا يعرفني)، وقد قال تعالى: ﴿إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم﴾. ثانياً: لو عادت الأمة اليوم إلى طريق نبيهم ﷺ لرأوا من تغيير الله لهم الأحوال ما لا يوصف فالأمر كله له سبحانه هو المدبر لأمر الخلائق وبهذا الجواب يَنْحلّ الإشكال لكن إنما ينتفع بهذا أهل الإيمان الذين يؤمنون بقوله تعالى: ﴿الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيماناً وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل﴾. يعني يؤمنون بذلك على الحقيقة ومثل قوله تعالى: ﴿يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين﴾. أي: هو كافيك وكافي أتباعك من المؤمنين وهذا مستمر إلى يوم القيامة لكن الشأن بالإيمان الموجب لمعية الله ونصره وكفايته، فالمصيبة أننا نهرب عن الدين ونلّوح له ونناديه: اتبعنا وانصرنا.

стр. 107

علم المنطق قال شيخ الإسلام ﵀ في الرد على من قال: إنه فرض كفاية، قال: فمن قال: إنه فرض كفاية وأن من ليس له به خبرة فليس له ثقة بشيء من علومه، فهذا القول في غاية الفساد من وجوه كثيرة التعداد مشتمل على أمور فاسدة ودعاوٍ باطلة كثيرة لا يتسع هذا الموضع لاستقصائها. ثم قال: مما يبيّن حرص العلماء على عدم إدخال شيء من علوم غير المسلمين على المسلمين، قال: ولهذا مازال علماء المسلمين وأئمة الدين يذمونه ويذمون أهله وينهون عنه وعن أهله حتى رأيت للمتأخرين فُتيا فيها خطوط جماعة من أعيان زمانهم من أئمة الشافعية والحنفية وغيرهم فيها كلام عظيم في تحريمه وعقوبة أهله حتى أن من الحكايات المشهورة التي بلغتنا أن الشيخ أبا عمرو بن الصلاح أمر بانتزاع مدرسة معروفة من أبي الحسن الآمدي.

стр. 108

وقال: (أخذها منه أفضل من أخذ عكا، مع أن الآمدي لم يكن أحد في وقته أكثر تبحراً في العلوم الكلامية والفلسفية منه، وكان أحسنهم إسلاماً وأمثلهم اعتقاداً ... ). (١) وكلام شيخ الإسلام وابن القيم والذهبي والمقريزي وغيرهم من العلماء في ذم العلوم التي أدخل المأمون على المسلمين مشهور وقد تقدم.

стр. 109

قوله تعالى: ﴿تشابهت قلوبهم﴾ كثير من أهل الوقت يستجهلون من لم يشركهم في علومهم ولو كان إيمانه أحسن من إيمانهم. قال ابن تيمية: ومن المعلوم أن الأمور الدقيقة سواء كانت حقاً أو باطلاً إيماناً أو كفراً لا تُعلم إلا بذكاء وفطنة، فكذلك أهله [يعني المنطق] قد يستجهلون من لم يشركهم في علمهم وإن كان إيمانه أحسن من إيمانهم إذا كان فيه قصور في الذكاء والبيان وهم كما قال الله تعالى: ﴿إن الذين أجرموا كانوا من الذين ءامنوا يضحكون. وإذا مروا بهم يتغامزون. وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين. وإذا رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون. وما أرسلوا عليهم حافظين. فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون. على الآرائك ينظرون. هل ثُوّب الكفار ما كانوا يفعلون﴾. (١) ما أكثر وقوع هذا في زماننا حيث صار التقييم بكثرة العلوم مهماً كانت وهذا خلاف ما كان عليه السلف وقد ذكر ابن القيم على قوله تعالى: ﴿ألهاكم التكاثر﴾ أن من ذلك التكاثر في العلم الذي لا يُبتغى به

стр. 110

وجه الله، وقد أخبر ﷺ أن أمته تتبع سنن من كان قبلها حذو القذة بالقذة وشبراً بشبر وذراعاً بذراع وهي أخبار خرجت مخرج الذم لفاعل ذلك. وقد وقع من ذلك في زماننا ما يطول الكلام فيه ولست بصدده عموماً لكن وجدت في مذكرة اسمها [مناهج البحث] كلاماً أنقله هنا، قال المؤلف: (ومن الجدير بالذكر أن لقب دكتور لاتيني في أصله يهودي في نشأته، أطلقه اليهود على حاخام الشريعة اليهودية وأخذه عنهم المسيحيون وأطلقوه على قسيس علم اللاهوت [الشريعة المسيحية]. فصلى الله على نبينا محمد الذي بلغ البلاغ المبين، فتأمل (حذو القذة بالقذة) ويلي هذا الكتاب: كتاب (دعوى الإصلاح).

стр. 111

الانغماس في منهاج أهل الباطل وسلوك سبيلهم بدعوى الإصلاح الحمد لله رب العالمين. إذا قال لك: أنا أصلح، فقل له: وهل أصلحت نفسك حتى تصلح غيرك أنت بحاجة شديدة إلى من يصلحك لكنك مغرور، فإذا قال لك: ليس أحد كاملاً، فقل: لست أبحث معك عن الكمال فمعلوم أنه لو منع من الإصلاح إلا الكمّل ما أصلح بعد الأنبياء أحد حيث أن الله اختصهم بالعصمة والكمال، لكن مرادي أنك منغمس في الضلالة، فهذا الطريق الذي أنت سالكه لا نراك تعيبه ولا تحذر عنه مع مافيه من الباطل، ومع مشاركتك فيه فأي إصلاح هذا الذي تدعيه، أتظن أنه بلغ التغفيل والبلادة بالخلق إلى حد أن لا يشعر بك أحد وأن يروج زيفك على كل أحد.؟ وقل له: أراك أحدثت بعد سلف هذه الأمة الأخيار حدثاً ماكانوا عليه وكانوا ينكرونه ويذمون فاعله، فإذا قال لك: ما هو؟ قل له: الانغماس في منهاج أهل الباطل وسلوك سبيلهم بدعوى الإصلاح،

стр. 112

والسلف لم يكونوا كذلك بل كانوا مزايلين لهم مع قيامهم بالإصلاح على أحسن الوجوه اتباعاً لا ابتداعاً وسنة لا رأياً. وسر المسئلة أنك لا ترى ماهم عليه باطلاً أو أنه غلبك هواك وإيثارك لدنياك فصرت تجادل بالباطل عقوبة لك كما لبست على نفسك تلبس على الناس، وتحسب أن الأمر يندفع بهذا، ولا تفكر في سخط الله، وعذابه، وعاجل عقوبته وآجلها، ولا ما تسببه من الفساد.

стр. 113

كل عمل لابد فيه من شرطين لقبوله وقل له: كل عمل لابد فيه من شرطين لقبوله: وهما الإخلاص، والمتابعة، وأنت مفلس من هذا وهذا. أما الإخلاص فيفسده عليك طلب الدنيا والرياسة وقد قال النبي ﷺ : (ماذئبان جائعان أرسلا في غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه). (١) فما الذي يخرجك من معنى الحديث ونحن لم نسمع ولا بواحد أصلح مجاناً، فالمنافسة على تحصيل المال الذي هو عوض متعجل ظاهرةٌ لا تخفى، ولو قُطِعَتْ هذه الأموال لتغيرت الأحوال كذلك الرياسة والتشييخ مما يتنافس عليه المتنافسون. أما المتابعة فأمرها أظهر من الإخلاص لأنك تسير في طريق محدث، وما كان فيه من الأمور السلفية فلم يرد به وجه الله فهل تقول: إن هذا طريق النبي ﷺ وأصحابه؟ يكذبك العلم المدوَّن والسِّيَر المشرقة النيرة، ولا يبقى معك إلا المكابرة والجدال بالباطل وهذه بضاعتك ومن ملئوا الأرض اليوم من أمثالك.

стр. 114

وقل له: هل يمتنع عليك الإصلاح المزعوم إلا بهذه الكيفية إذاً تاهت العقول وضلت الأمة إذ لا طريق إلى الإصلاح إلا بالانغماس في الفساد. وقل له: أتظن أن الله يسألك يوم القيامة، لماذا لم تسلك هذا الطريق بإفساد نفسك أولاً لتصلح غيرك. لا والله ما يسألك الله عن هذا، لكن يسألك عن إخلاصك له في كل قول وعمل وعن متابعتك لنبيك ﷺ .

стр. 115

لو انقطع هدفك لطلبته من وجوه أخرى وزالت الدعوى وقل له: نحن نعلم هدفك وغايتك وأنه ماذمه وحذر عنه الحديث السابق وهو المال والرئاسة، لأن ذلك لو انقطع لطلبته من وجوه أخرى وزالت الدعوى، فأنت متكسب والدين هو الثمن، فإذا قال لك: هل تعلم مافي قلبي؟ فقل له: البعرة تدل على البعير والأثر يدل على المسير، إن سيرتك وحالك وسلوكك وسيماك وهَدْيك كل ذلك ينادي عليك لكنك لا تشعر لأنك في المدبغة فاخرج إن شئت أن تعلم حقيقة ما أقول لك. واذكر له بعض الباطل الذي هو متلطخ به لعله يستفيق، ثم قل له: أنت تعلم أنه لا أحد يستطيع منكم تغيير شيء فما هذا التلاعب؟.

стр. 116

مرض تقليد المعظمين سيقول بعد أن ضاق عليه الخناق: العلماء والمشايخ كلهم على هذا، أو لا ينكرونه، فقل له: أنت حصرت العلماء فيمن هم في نفس طريقك، والذين تعلم أنهم يوافقونك عليه لكن لماذا تحيل للتحاكم في هذه المسألة إلى هؤلاء ولا تقبل غيرهم؟. تظن أن تعظيمك لهم يوجب سقوط أقوال غيرهم في هذه المسألة وتفنيد عقولهم. ثم إن هؤلاء الذين تُعَظِّمهم لا على بصيرة ولكن لموافقتهم هواك لو تغير رأيهم عن الذي تريده وتهواه لتغيرت ثقتك بهم واستبدلت بالمدح قدحاً وبالتعظيم ازدراءاً كما تفعل الآن مع مخالفيك ومخالفيهم فأنت تدور مع هواك حيث دار.

стр. 117

إذا تخلينا خلفنا أهل الفساد وإذا قال لك: إذا تَخَلَّيْنا خَلَفَنا أهل الفساد، فقل له: بقاؤكم هو الذي سبب اللبس ولو تخليتم لظهر الفرقان ولتبعكم من يريد الصلاح والخير واسترحتم من الأشرار، وكفى شراً ببقائكم أنكم أسوة سوء حيث يُقْتدى بكم في البقاء على هذه الأحوال الخطيرة ومعلوم أن قصدكم الأول هو نفوسكم لكن استروحتم لهذه الشبهة المخالفة لما كان عليه نبيكم ﷺ والسلف الصالح حيث أخبر الله نبيه ﷺ بقوله: ﴿ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم. قل إن هدى الله هو الهدى ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم مالك من الله من ولي ولا نصير﴾. (١) فأخبر سبحانه أنهم لا يرضون إلا باتباع ملتهم جملة ثم حذّره من اتباع شيء من أهوائهم فهذا فيه بيان طريق الدعوة إلى الله حيث لا يدخل الداعي على بصيرة في شيء من مداخل أهل الباطل.

стр. 118

جملة القول ١ - الإصلاح ليس بمشاركة أهل الباطل وسلوك طريقهم كما هو حاصل. ٢ - السلف يصلحون ولا يدخلون بشيء من باطل من يصلحونهم. ٣ - الإصلاح الحقيقي هو ما يراد به وجه الله على هدي نبيه ﷺ ، أما إرادة الدنيا والرئاسة كما هو حاصل والاستمرار على سلوك غير هدي النبي ﷺ كيف يسمى إصلاحاً؟. ٤ - هل تعذر الإصلاح إلا بهذه الطريقة المحدثة؟. ٥ - هل يظن مدعي الإصلاح أن الله يسأله يوم القيامة عن الإصلاح بهذه الطريقة. ٦ - أليس يسأل عن صلاحه بنفسه أولاً، فما يقول وهو منغمس في الباطل؟ أيقول: بدأت بإصلاح الناس قبل نفسي؟ وفاقد الشيء لا يعطيه.

стр. 119

لن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها وقل له: أنتم أشفق على الأمة من الإمام أحمد وكانت الفتنة حاصلة وقد هجر أولاده وعمه على أمر لا يقاس بما أنتم عليه ولا يقاربه بل ترك الصلاة خلف عمه إسحاق فهل أنتم أرأف بالأمة منه أو أنه حصل لكم علم بطريقة الدعوة خفي عليه؟، لماذا لم يقل لأولاده وعمه: أدخلوا المداخل وأصلحوا مع أنهم علماء أجلاء وعلى بصيرة من ضلال قومهم وليس هذا خاصاً به ﵁ فكذلك الأئمة المقتدى بهم على هذا السبيل وتراجمهم شاهدة بذلك ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها.

стр. 120

منهج السلف عدم التلطخ بالباطل مع القيام بالدعوة على الكمال والفرقة الناجية هي ما كان عليه النبي ﷺ وصحابته الأخيار ومعلوم ما كانوا عليه من المباعدة عما يدنس والنفرة والوحشة من المبطلين مع القيام بالدعوة على الكمال، وقل نقل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ قصة جرت في ولاية أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز ﵁ حيث أُتيَ إليه بقوم شربوا الخمر ومعهم رجل صائم لم يشرب معهم فأمر بإقامة الحد عليهم مستدلاً بقوله تعالى: ﴿وقدنزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذاً مثلهم﴾. (١) فالصائم لم ينج من شؤم المنكر حيث أمر عمر بالبدء به بالجلد (٢) فإذا قال لك: الصائم لم ينكر ونحن ننكر، قل له: يشترط زوال المنكر أو المفارقة وهل ضرب الله قلوب بني إسرائيل بعضهم ببعض إلا بمثل هذا، ومعلوم أن منكرات طريقكم ثابتة لا تزول بل تزيد، لا ينكر هذا إلا

стр. 121

مكابر لكن مما يغركم أشياء قليلة من الإصلاح ظاهرة إما إعفاء لحية أو تقصير ثياب ونحو ذلك فيعميكم ذلك عن الدواهي، وأهل البصائر يقارنون بين المصالح والمفاسد ولا نسبة لهذه المصالح بجانب المفاسد العظيمة في طريقكم والمسألة كما يقال: يُعَمَّرُ واحد فَيغُرُّ الفاً ... ويُنْسَى من يموت من الصغار حيث تشيعون مثل هذه الأمور الصغيرة التي تحصل وتتعامون عن الطامات ومثلكم في ذلك مثل من يداوي شخصاً فيه علتين واحدة بسيطة مثل الزكام ونحوه والثانية سرطان أو ما يشبهه فجعل همته في معالجة الزكام وقد يبرأ المصاب من ذلك ولكن ترك الداء العضال على حاله بل زاده حيث لا هو أخبره أن به داءٌ خطيرٌ ولا هو يدعه لو أراد الشفاء والعافية بالتخلص من دائه، إنهم كمن يُطبُّ زكاماً فيُورث جذاماً فتأمل هذا فهو مطابق للحال الواقعة، وقل له: هل تقول لله يوم القيامة: لا أقدر على العلم الذي أعبدك به إلا هكذا؟ هذا كذب. وهل تقول: ما استطيع أطلب الرزق إلا هكذا؟ هذا كذب، فأنت محجوج بحال الآخرين حيث يَسّر الله لهم علماً ورزقاً وكثير منهم أحسن حالاً منك وممن على نحلتك.

стр. 122

عوْدٌ لمسألة (الاحتجاج بالوالدين) سبق الكلام على هذه المسألة وهاهنا زيادة وجيزة ومهمة فقد يحتج عليك بالوالدين: فقل له: لا طاعة لمخلوق بمعصية الخالق، وهذا لا يستثنى منه أحد فهو عام يشمل الوالدين وغيرهم. وقد قال سفيان الثوري ﵀: لا طاعة للوالدين بالشبهات فإذا كان هذا في الشبهة البسيطة، فكيف بما أنتم فيه وهذه بعض كلمات تبين ماكان عليه سلف الأمة المقتدى بهم مما يخالف الخلوف.

стр. 123

أقبح الرغبة طلب الدنيا بعمل الآخرة قال سفيان الثوري ﵀: إن أقبح الرغبة أن تطلب الدنيا بعمل الآخرة، وكان سري السقطي يذم من يأكل بدينه ويقول: من النذالة أن يأكل العبد بدينه. وقال الإمام أحمد: لا تكتبوا العلم عمن يأخذ عليه عرضاً من الدنيا. وقال بشر بن الحارث: مثل الذي يأكل من الدنيا بالعلم والدين مثل الذي يغسل يديه من الزهومة بماء تنظيف السمك أو مثل الذي يطفيء النار بالحلفاء. يعني أن الذي يغسل يديه من الدسم ونحوه بماء تنظيف السمك يزيد اتساخاً ورائحة كريهة. والمثل الأخر معناه أن الذي يأكل من الدنيا بالعلم مثل الذي يريد إطفاء النار المشتعلة بالمتاع ونحوه بشجر يزيدها اشتعالاً.

стр. 124

وذكر ابن المبارك في (كتاب الزهد) أن عيسى ﵇ أقبل على أصحابه ليلة رُفِعَ فقال لهم: لا تأكلوا بكتاب الله فإنكم إن لم تفعلوا أقعدكم الله على منابر الحجر منها خير من الدنيا وما فيها. قال عبد الجبار: وهي المقاعد التي ذكر الله في القرآن ﴿في مقعد صدقٍ عند مليك مقتدر﴾. (١) وكان رجل ضرير يجالس سفيان الثوري فإذا كان شهر رمضان خرج إلى السواد فيصلي بالناس فيكسى ويعطى، فقال سفيان: إذا كان يوم القيامة أُثيب أهل القرآن من قراءتهم ويقال لمثل هذا: قد تعجلت ثوابك في الدنيا، فقال: يا أبا عبد الله تقول لي هذا وأنا جليسك، قال: أخاف أن يقال لي يوم القيامة كان هذا جليسك أفلا نصحته. قال سرى السقطى: كيف يستنير قلب الفقير وهو يأكل من مال من يغش في معاملته. يريد بالفقير: السالك إلى الله، لا يقصد الذي ليس عنده مال. قال بكر العابد: سمعت سفيان الثوري يقول: لا خير في القاريء يعظم أهل الدنيا.

стр. 125

لقي سفيان شريكاً بعدما ولي قضاء الكوفة فقال: يا عبد الله بعد الإسلام والفقه والخير تلي القضاء وصرت قاضياً، فقال له شريك: يا أبا عبد الله لابد للناس من قاض. فقال له سفيان: يا أبا عبد الله لابد للناس من شرطي. قال بعض العلماء: وضعوا مفاتيح الدنيا على الدنيا فلم تنفتح فوضعوا عليها مفاتيح الآخرة فانفتحت. فيه بيان أن العلم والدين مفاتيح الآخرة ليست كما وقع مفاتيح للدنيا. سئل ابن المبارك: من سفلة الناس؟ قال: الذين يتعيشون بدينهم. هذا قليل من كلام السلف في هذا الشأن فقارن بينه وبين أهل الوقت يتبين لك الفرق.

стр. 126

الاحتجاب بالعلم عن المعلوم وقل له: أنت محجوب بالعلم عن المعلوم. قال شيخ الإسلام ﵀: فالسعادة هو أن يكون العلم المطلوب هو العلم بالله وما يقرب إليه ويعلم أن السعادة في أن يكون الله هو المحبوب المراد المقصود ولا يحتجب بالعلم عن المعلوم، كما قال ذلك الشيخ العارف للغزالي لما قال له: أخلصت أربعين صباحاً فلم يتفجر لي شيء، فقال له: يابني أنت أخلصت للحكمة لم يكن الله هو مرادك. والإخلاص لله هو أن يكون الله هو مقصود المرء ومراده فحينئذٍ تتفجر ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه كما في حديث مكحول عن النبي ﷺ : (من أخلص لله أربعين صباحاً تفجرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه). (١) [انتهى ص١٤٧ النبوات]. فيه من الفوائد: ١ - أن السعادة هي العلم بالله وما يقرب إليه. ٢ - أن السعادة هي أن يكون الله هو المحبوب المراد المقصود.

стр. 127

٣ - أن العلم إذا لم تخلص فيه النية ـ وذلك بأن يكون الله هو المحبوب والمراد المقصود ـ فإنه يكون حجاباً عن المعلوم وهو الحق سبحانه. تأمل كيف يكون العلم إذا أريد به الدنيا والرئاسة ونحو ذلك كيف يكون حجاباً عن الله لأن العلم وسيلة فهو كالطريق الموصلة إلى بلد معين، فالمخلص السائر إلى الله مثل من سلك هذا الطريق وَجَدّ في سيره فهو يصل وإن صادفته بعض العوائق والعثرات نهض وأسرع ومثل المحتجب بالعلم عن المعلوم مثل من هو على طريق البلد المقصود لكنه يدور في الطريق وإذا تقدم خطوة رجع خطوتين وجلس فكيف يصل هذا ومتى يصل لأنه استخدم الوسيلة لغير غايتها فاحذر من الاغترار بأن تظن أن العلم مقصود لذاته فتطمئن إليه وتركن إليه فتحجبك الوسيلة عن الغاية وتذكر حديث: (ماذئبان جائعان أرسلا في غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه). (١) معنى الحديث أنك إذا طلبت العلم للدنيا والرئاسة كنت كمثل من أدخل غنماً في زريبة ثم أدخل عليها ذئبين جائعين. تأمل كيف يكون إفسادهما للغنم، فالغنم هي علمك النافع وأعمالك الصالحة، والذئبان هما القصود والنيات التي تفسد ذلك وما يتفرع منها من الأعمال.

стр. 128

ولما عُرِّبت كتب اليونان صار ما مُدِح من الكتاب والسنة من مسمى الحكمة حتى ظنَّ كثير من الناس أنه حكمة هذه الأمة [يعني اليونان] أونحوها من الأمم كالهند. (١) تأمل المطابقة لما نحن فيه حيث أنه لما عُرِّبَتْ علوم الغربيين صار ما مُدح من الكتاب والسنة من مسمى العلم يظن كثير من الناس أنه علمهم.

стр. 129

إطلاق اسم العلم والعلماء هذا مثل إطلاق اسم العلم والعلماء في هذا الزمان على الملاحدة وعلومهم حيث يظن كثير من الناس أن العلم الممدوح بالكتاب والسنة يدخل فيه هذا. قال الأوزاعي ﵀: العلم ماجاء عن أصحاب محمد، ومالم يجيء عنهم فليس بعلم. (١) قال النبي ﷺ : (يتقارب الزمان، وينقص العلم، وتظهر الفتن، ويكثر الهرج، قيل يارسول الله: أيم هو؟ قال: القتل القتل). (٢) قال أبو حاتم: في هذا الخبر كالدليل على أن مالم ينقص من العلم ليس بعلم الدين في الحقيقة إذ أخبر المصطفى ﷺ أن العلم ينقص عند تقارب الزمان وفيه دليل على أن ضد العلم يزيد وكل شيء زاد مما لم يكن مرجعه إلى الكتاب والسنة فهو ضد العلم. (٣) تأمل قوله وكل شيء زاد مما لم يكن مرجعه إلى الكتاب والسنة فهو ضد العلم وتفقد مازاد وما نقص في هذا الزمان.

стр. 130

علماء السلف وأهل الوقت الحمد لله رب العالمين، هذه رسالة مجملة لبيان الفرقان بين حال السلف في شأن العلم والتعليم والعمل وحال أهل الوقت، وليس كلّ الفروق ذكرت لئلا يُفهم حصرها في ذلك، كما أن كلّ واحد من هذه الفروق يحتمل في شرحه كلام كثير. فهذه رؤوس أقلام تكشف ما ورائها، والله الموفق. ١ - (علماء السلف): لا يتعلمون إلاَّ علوم الدين ويذمّون من يتعلم غيره. (أهل الوقت): يتعلمون علوماً مخلوطة من علوم الدين وعلوم صحيحة غير نافعة لا يضر الجهل بها تُزاحم علم الدين وتُضْعفه وعلوم باطلة في نفسها تُفسد الاعتقاد، ويمدحون من يتصف بذلك ويُعَدِّلونه ويُشرّفونه. ٢ - (علماء السلف): لو كان الرسول حيّ لما امْتَنَعوا ولا خافوا مِنْ عَرْض كتبهم وعلومهم عليه. (أهل الوقت): لايُمْكنهم ذلك لعلمهم بما حصل منهم بعده من التغيير والتبديل.

стр. 131

٣ - (علماء السلف): يتعبّدون الله بطلب العلم وتعليمه. (أهل الوقت): يطلبون به المال والرياسة فهو مصدر رزق وشهرة، ويُنكرون على من يذمّ ذلك. ٤ - (علماء السلف): يذمون من يريد بعلمه المال والرياسة ويبغضونه، كما دل على ذلك الكتاب والسنة. (أهل الوقت): يمدحون من يتعلم لنيل المناصب والشرف. ٥ - (علماء السلف): لا يطلبون العلم إلاَّ مَمن يَرْضَوْنه ويختارونه. (أهل الوقت): تُفرض عليهم المشايخ والمعلمين ولا اختيار لهم بذلك مهما تكن حالهم. ٦ - (علماء السلف): لا يُفرض ويُوَجَّب عليهم علم لا يُريدونه. (أهل الوقت): يُفرض ويوَجّب عليهم علم الدين والضلال معاً ولا يُوجِّب غير الله ورسوله. ٧ - (علماء السلف): يعتقدون الكمال في تحصيل علوم الدين مع العمل بها كما دلّ على ذلك الكتاب والسنة. (أهل الوقت): الكمال عندهم في الإكثار من هذه العلوم المخلوطة مهما تكن.

стр. 132

٨ - (علماء السلف): يتعلمون ويُعلّمون في المساجد ولَوْ تعلّموا وعلّموا في مواضع أخرى فعلى كيفية التعليم في المساجد. (أهل الوقت): لا يكفيهم التعليم في المساجد لعدم حصول الشهادات فيها التي هي مفاتيح المال والرياسة. ٩ - (السلف): يُؤثِّر فيهم العلم التجافي عن الدنيا والرغبة في الآخرة. (أهل الوقت): يؤثّر فيهم العلم شدّة الحرص على المال والرياسة ويتسابقون إلى ذلك كما هو ظاهر جلي. ١٠ - (السلف): لا يرضون بل يُنكرون أن يُخلط لهم العلم بالصور لأنَّ الصورة محرمة والمواضع التي توجد فيها تحلّها الشياطين وتبتعد عنها الملائكة. (أهل الوقت): علومهم مخلوطة بالصور، فتجد آيات القرآن والحديث بين الصور وهم يصوّرون ولا يبالون. ﴿وتحسبونه هيِّناً وهو عند الله عظيم﴾. ١١ - (السلف): لا يطلبون العلم في مواضع يرون فيها المنكرات إلاَّ بالإنكار وأن يتغيّر المنكر أو يُفارقون. (أهل الوقت): لا تخلو مواضع طَلَبهم من المنكرات وهي غير قابلة للتغيير.

стр. 133

١٢ - (السلف): لا يُقَيِّمون الشخص ويشهدون له بالعلم بمجموع حصيلته من الحق والباطل. (أهل الوقت): يقيّمون الشخص ويشهدون له بالعلم بمجموع حصيلته من الحق والباطل وبذلك يحْصُل على الشارات والرُّتب. ١٣ - (السلف): لا تُصرف هممهم وإرادتهم لمجرد تحصيل علوم مخلوطة وشهادات يعلمون أنَّها وسائل للمال والرياسة. (أهل الوقت): تُصرف هممهم وإرادتهم لتحصيل الشهادات وهي مفاتيح المال والرياسة ويسمونه المستقبل. ١٤ - (السلف): لا يطلبون بالعلم أموال السلاطين ولا أعمالهم، بل يَحذرون ذلك ويُحذرون عنه. (أهل الوقت): يتسابقون على أموال السلاطين وأعمالهم ويحضّون على ذلك ويدعون إليه. ١٥ - (السلف): لا يدخلون بشيء من الباطل للدعوة. (أهل الوقت): يدخلون مداخل أهل الباطل بدعوى الدعوة. ١٦ - (السلف): يعظمون الحق فقط عِلماً وعملاً ويعظمون أهله. (أهل الوقت): يُعظمون الحق والباطل وأربابهما ويُهينون مَن عارضهم مُقتصراً على الحق المجرد والسنة المحضة في العلم والتعليم وكيفية ذلك الإخلاص فيه والمتابعة.

стр. 134

١٧ - (السلف): لا يسمون الحق والباطل جميعاً علماً، ولا أرباب ذلك علماء مطلقاً. (أهل الوقت): يسمون الحق والباطل جميعاً علماً وأرباب ذلك علماء، ويستدلون بالآيات والأحاديث التي فيها مدح علم الوحي على علومهم. ١٨ - (السلف): لا يأمنون على الأحداث من هبّ ودبّ لا في التعليم ولا الزمالة. (أهل الوقت): المطلوب في التربية من يحمل شهادة مهما تكن حاله. ١٩ - (السلف): ليس عندهم مستقبل في علمهم وعملهم إلاَّ طلب الجنة والهرب من النار. (أهل الوقت): الذي يُسمونه المستقبل من أعظم القواطع لهم عن الجنة وطلبها وتذكر النار والهرب منها حيث يشغل ذلك قلوبهم. ٢٠ - (السلف): لا يتشبهون بأهل الكتاب والأعاجم. (أهل الوقت): مناهجهم في جميع مراحل علمهم وعملهم مغمور بالتشبه بأهل الكتاب والأعاجم.

стр. 135

٢١ - (السلف):لا يتعلمون غير لغة القرآن الكريم لغة محمد ﷺ . (أهل الوقت): لغات الأعاجم ملازمة لهم ويبالغون في أهميتها. ٢٢ - (السلف): يأمرون بمطالعة كتب العلوم الدينية الصحيحة واقتنائها وينهون عن غيرها واقتنائها. (أهل الوقت): يحضون على القراءة والمطالعة واقتناء الكتب مطلقاً، وهذا عندهم صفة كمال. ٢٣ - (السلف): لا يُقيمون الشخص ويمدحونه بمجرد كثرة علومه، بل بقدر عمله بهذا العلم. (أهل الوقت): يُقيّمون الشخص ويُزكّونه ويمدحونه بمجرد العلم النظري بأن يجيب على أسئلة توجه إليه من غير نظر للعمل. ٢٤ - (السلف): من أعرض عن الباطل وذمّه يمدحونه ويثنون عليه. (أهل الوقت): من لم يمهر بالعلوم الباطلة يلقبونه بألقاب سوء مثل: ساقط غبي جاهل ونحو ذلك. ٢٥ - (السلف): أعظم ما يستدلون به في منازعاتهم الكتاب والسنة.

стр. 136

(أهل الوقت): أعظم ما يستدلون به على ما هم عليه بمتبوعيهم لأنَّها لا تقوم لهم حجة من الكتاب والسنة تؤيد ما هم عليه بل تكشف حالهم، وهذا من المشابهة بأهل الكتاب. ٢٦ - (السلف): يستجهلون فقط من لا يعلم علم الدين. (أهل الوقت): يستجهلون من لم يشاركهم في علومهم وأعمالهم وهذا شبه من الفلاسفة ولو كان إيمانه أحسن منهم. ٢٧ - (السلف): الذي يتعلم منهم شيئاً من الباطل فإنما يتعلمه ليردّ على أهله وليس يُوجّب عليه ولا يساوى له بالحق ولا يختبر به كما تعلّم ابن تيمية المنطق ليردّ على أهله وشتّان بين مشرِّق ومغرّب. (أهل الوقت): يتعلمون الباطل موجَّب عليهم ويختبرون به وينالون به ما يسمونه (درجات) كما ينالون ما يسمونه درجات بالحق ويوزنون بالمجموع، ويُقَيَّم بالمجموع ويزكى بالمجموع. ٢٨ - (السلف): يعظمون الحق ويحبونه ولم يحصل لهم ذلك إلاَّ بإهانة الباطل وبغضه وهكذا ملة إبراهيم. (أهل الوقت): يبقى الحق عندهم فنّ من جملة الفنون فيسقط تعظيمه من القلوب بتأثير المزاحم وفساد النية وغير ذلك من الموانع والقواطع.

стр. 137

٢٩ - (السلف): الحق في قلوبهم أجَلّ من أن يشوبوه بما لا يصلح له ممَّا يدنسه. (أهل الوقت): يخلطون الحق بالهزليات والمضحكات واللعب والصور، وهذا ظاهر جلي في مناهجهم وصحفهم ومجتمعاتهم يتخللها ذلك. ٣٠ - (السلف): لا يُعلمون من يتصف بهذه الأوصاف فيكونون عوناً له على هواه ورئاسته ودنياه لأنَّ من جهّز غازياً فد غزى ولا يوادّونهم. (أهل الوقت): الذين يعلمون هؤلاء ولو لم ينتظموا في سلكهم فهم يعينونهم على مطالبهم بالعلوم الدينية مع مايحصل من الصحبة والمودة وهذا سببه زوال الفرقان وحب الرياسة ولو لم يكن من أضرار ذلك إلاّ قدوة السوء وتحسين أحوال هؤلاء.

стр. 138

ميزان الإرادة في طلب العلم الشرعي إذاُ عُلم ما تقدم فإنَّه قد ورد النهي والتحذير من طلب العلم الديني لغير وجه الله كإرادة المال والجاه والرئاسة وصرف وجوه الناس ونحو ذلك ممَّا يخالف حال النبي ﷺ وأصحابه ﵃ وهديْهم ممَّا أصبح في وقتنا لا يعاب بل فيه يتنافس المتنافسون، حيث صار علم الدين كسلعة وبضاعة تُطلب للمعاوضات المالية والمقاصد السفليّة الدّنيّة. قال تعالى: ﴿من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منه وما له في الآخرة من نصيب﴾. (١) وقال تعالى: ﴿من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهم يصلاها مذموماً مدحوراً. ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكوراً﴾. (٢) وفي حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من تعلم علماً ممَّا يبتغى به وجه الله تعالى لا يتعلمه إلاَّ ليصيب به عرضاً من الدنيا لم يجد عَرْفَ الجنة يوم القيامة) يعني ريحها. (٣)

стр. 139

وعن أبي هريرة ﵁ قال في حديث طويل عن النبي ﷺ فيه (ورجل تعلم العلم وعلّمه وقرأ القرآن فأتى به فعرّفه نعمه فعرفها فقال: ما عملت فيها؟ قال: تعلمتُ العلم وعلّمته وقرأت فيك القرآن، قال: كذبت ولكنك تعلمت ليُقال: عالم، وقرأت القرآن ليقال: هو قاريء فقد قيل ثم أُمر به فسُحب على وجهه حتى أُلقي في النار ... ) الحديث. (١) وعن كعب بن مالك ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من طلب العلم ليجاري به العلماء أو ليماري به السفهاء ويصرف به وجوه الناس إليه أدخله الله النار). (٢) والمماراة هي الجدال. وأثر علي ﵁ لما ذكر الفتن التي تكون في آخر الزمان، فذكر أمارات وقتها فقال: (إذا تُفقّه لغير الدين، وتُعلّم العلم لغير العمل، والتمست الدنيا بعمل الآخرة). (٣) وعن ابن مسعود ﵁ قال: (كيف بكم إذا لبستكم فتنة يربو فيها الصغير ويَهْرم فيها الكبير وتُتخذ سنة فإن غُيَّرت يوماً قيل: هذا منكر. قيل: ومتى ذلك؟ قال: إذا قلّت أمناؤكم وكثرت أمراؤكم وقلّت فقهاؤكم وكثرت قراؤكم وتُفُقّه لغير الدين والتمست الدنيا بعمل الآخرة). (٤)

стр. 140

بعض الآثار قال بشر بن الحارث: طلب العلم إنَّما يدل على الهرب من الدنيا ليس على حبها. (١) قال الأوزاعي: العلم ما جاء عن أصحاب محمد وما لم يجيء عنهم فليس بعلم. وحيث أن العلم هو كما قال الأوزاعي ﵀ هو ما جاء عن أصحاب محمد ولذلك فإنَّه لم يأت عنهم سوى ميراث نبيهم ﷺ ، وقد حرّق عمر ﵁ الكتب العجمية، ذكر ذلك شيخ الإسلام في اقتضاء الصراط المستقيم. (٢) والعلم يطلب لوجه الله ويبذل لوجهه لا بالمعاوضات المالية، وكم ذكر الله في القرآن قول الأنبياء ﵈ لأقوامهم: ﴿ما نسألكم عليه من أجر﴾. وهكذا أتباعهم على الحقيقة، قال أبو العالية: علّم مجّاناً كما عُلِّمت مجاناً.

стр. 141

وسُئل إسحاق بن راهويه ﵀ عمّن يحدّث بالأجر؟ قال: لا تكتب عنه. (١) كذلك يقول الإمام أحمد بن حنبل: لا تكتبوا العلم عمن يأخذ عليه عرضاً من الدنيا. (٢) وقال أبو زكريا العنبري: العالم المختار أن يرجع إلى حسن حال، فيأكل الطيب الحلال ولا يكسب بعلمه المال ويكون علمه له جمال وماله من الله منّ عليه وإفضال. (٣) كان بعض المشايخ عند الشيخ عبد الباقي بن يوسف المراغي حين دخل عليه عبد الصمد ومعه المنشور بقضاء همذان فقام الشيخ المراغي وصلى ركعتين ثم أقبل عليهم وقال: أنا في انتظار المنشور من الله على يد عبده ملك الموت، أنا بذلك أليق من منشور القضاء، ثم قال: قعودي في هذا المسجد ساعة على فراغ القلب أحب إليًّ من مُلك العراقين ومسألة في العلم يستفيدها مني طالب علم أحب إليَّ من عمل الثقلين، والله لا أفلح قلب تعلّق بالدنيا وأهلها لم يحصل على طائل من العلم ولو علم ما علم فإنَّما ذلك ظاهر من العلم والعلم النافع وراء ذلك.

стр. 142

والله لو قطعت يدي ورجلي وقلعت عيني أحبّ إليَّ من ولاية فيها انقطاع عن الله والدار الآخرة وما هو سبب فوز المتقين وسعادة المؤمنين. (١) وقال سُحنون: أكلٌ بالمسكنة ولا أكلٌ بالعلم محب الدنيا أعمى لم ينوّره العلم. (٢) قال حبيب بن عبيد الرحبي: تعلموا العلم واعقلوه وتفقهوا به ولا تعلموه لتتجملوا به فإنَّه يوشك إن طال بكم عمر أن يُتجمل بالعلم كما يتجمل ذو البزّ ببزّه. (٣) وقال كعب الأحبار: يوشك أن تروْا جهال الناس يتباهون بالعلم ويتغايرون على التقدم به عند الأمراء كما يتغاير النساء على الرجال، وذلك حظهم من علمهم. ذكر العاصمي أن أول مدرسة نظامية بنيت ببغداد وطلب لها العلماء وأُجري لهم ولطلاب العلم مرتبات، والتحق بها كثير. ولما عَلِمَ علماء بخارى بكوْا بكاءً شديداً متأسفين على العلوم الإسلامية، فقيل لهم: ما هذا البكاء وما هذا الجزع؟ ما هي إلاَّ مدرسة دينية للعلم كالتفسير والحديث والفقه وغيرها، فقال العلماء: إن العلم

стр. 143

شريف في نفسه سامٍ لا يحمله إلاَّ النفوس السامية الزكية الشريفة ويشرفون بشرف العلم. أمَّا إذا أُجريت المرتبات لطلابه أقبل إليه من لا خير فيه من السقطة والأراذل الذين يريدون بتعلمهم العلم لنيل المناصب والوظائف وأخذ المرتبات فيزول العلم ويسقط بسقوط وإزالة حملته فيصبح العلم الشريف لا قيمة له. ثم قال العاصمي: أمَّا اليوم فلا طالب ولا مطلوب ولا راغب فيه ولا مرغوب لفساد الزمان. انتهى. (١)

стр. 144

بعض ما قيل عن علوم الوقت يقول بعض الغربيين عن علومهم: إن ما نسميه اليوم علماً ويجدر بنا أن نتواضع أكثر ونطلق عليه اسم العلم الغربي هو من نتاج عقل مشوَّه. ويقول بعضهم: إن التعليم هو الحامض الذي يُذيب شخصية الكائن الحي ثم يكوّنها كيف يشاء، إن هذا الحامض هو أشد قوة وتأثيراً من أي مادة كيميائية هو الذي يستطيع أن يحوّل جبلاً شامخاً إلى تراب، وقال: إياك أن تكون آمناً من العلم الذي تدرسه فإنَّه يستطيع أن يقتل روح أمة بأسرها. قال: (كرومر البريطاني): إن الحقيقة أن الشباب المصري الذي قد دخل في طاحونة التعليم الغربي ومرّ بعملية الطحن يفقد إسلاميته وعلى الأقل أقوى عناصرها وأفضل أجزائها إنه يتجرد عن عقيدة دينه الأساسية. ويقول هوكر الأمريكي: إنه لا تزال تحدث في المدارس والكليات حوادث تسافح الولدان من الجنس الواحد فيما بينهما، وقد تلاشى أوكاد ميلهم إلى الجنس المخالف.

стр. 145

ويقول الغربي (شاتلي): إذا أردتم أن تغزوا الإسلام وتكسروا شوكته وتقضوا على هذه العقيدة التي قضت على كلّ العقائد السابقة واللاحقة لها والتي كانت السبب الأول والرئيسي لاعتزاز المسلمين وشموخهم وسبب سيادتهم وغزوهم للعالم، إذا أردتم غزو هذا الإسلام فعليكم أن توجهوا جهود هدمكم إلى نفوس الشباب المسلم والأمة الإسلامية بإماتة روح الاعتزاز بماضيهم وتاريخهم وكتابهم القرآن وتحويلهم عن كلّ ذلك بواسطة نشر ثقافتكم وتاريخكم ونشر روح الإباحية.
следующие страницы →