ترقيتها إلى مقامات في طريق القوم , فرقاها لها وناشدها أشعاراً وناشدته فراجعه وحاشاً أولياء الله أن يخبروا خلاف الواقع " (١).
وتجاوزوا في إهانتها جميع الحدود وبلغوا أقصاها حيث نقلوا عن الشبلي أنه رأى الناس شعلة من نار في يده فسألوه السبب؟
فأجاب: أريد أن أحرق بها الكعبة ليتوجه الناس إلى ربها (٢).
وأخيراً ننقل من الصوفي المصري عبد الرحمن الصفوري حكاية تدل على السخرية بالكعبة المشرفة والمدينة المنورة وبيت المقدس فيذكر عن الخواص أنه قال:
" زرت ولية من أولياء الله فقلت لها:
هل لك في بلادنا؟
فقالت: وما أصنع في بلادك؟
فقلت لها: فيها مكة والمدينة وبيت المقدس. فقالت: أرفع رأسك , فرفعت رأسي , فإذا بالكعبة والمدينة وبيت المقدس يحومون على رأسي في الهواء " (٣).
فهذه هي حقيقة الحج والكعبة والطواف حولها لدى المتصوفة , وتلك هي مخالفتهم للشريعة الإسلامية وإهانتهم لأركانها - أعاذنا الله من ذلك.
ومن أعمالهم المخالفة للشريعة الإسلامية عدم اعتنائهم بالنظافة والطهارة التي جعلها رسول الله ﷺ نصف الإيمان (٤).
وروي عنه ﵊ في فضل الطيب والنظافة أنه قال:
" إن الله طيب يحب الطيب , نظيف يحب النظافة , كريم يحب الكرم , جواد يحب الجود , فنظفوا ولا تشبّهوا باليهود " (٥).
ولكن الصوفية ينصحون مريديهم عكس ذلك , فيكتب عبد الغني الرافعي:
стр. 107
" كل مريد غسل ثوبه بغير نجاسة , أو أكتحل , أو رجّل شعره , أو حسن شيئاً من زينة ظاهرة لغير ضرورة أو أمر شيخ فهو عامل لنفسه , وقالوا لبعضهم: لم لا تمشّط لحيتك؟
فقال: إني إذن فارغ (١).
مع أنه روى عن أنس ﵁ أنه قال:
" كان رسول الله ﷺ يكثر دهن رأسه وتسريح لحيته " (٢).
وروى عن عطاء بن يسار قال:
" كان رسول الله ﷺ في المسجد فدخل رجل ثائر الرأس واللحية , فأشار إليه رسول الله ﷺ بيده , كأنه يأمر بإصلاح شعره ولحيته ففعل ثم رجع , فقال رسول الله ﷺ :
(أليس هذا خيراً من أن يأتي أحدكم وهو ثائر الرأس كأنه شيطان) (٣).
وأما الشعراني فيروي عن الصوفي الشيخ محمد السروي أنه " جاءه الشيخ علي الحديدي يطلب منه الطريق فرآه ملتفتاً لنظافة ثيابه فقال:
إن كنت تطلب الطريق فأجعل ثيابك ممسحة لأيدي الفقراء , فكان كلّ من أكل سمكاً أو زفراً يمسح في ثوبه يده مدة سنة وسبعة شهور حتى صارت ثيابه كثياب الزياتين أو المساكين , فلما رأى ثيابه لقنه الذكر (٤).
وذكر أيضاً صوفياً آخر أنجس وأقذر بكثير , فقال:
" كان سيدي بركات الخياط ﵁ يخيط المضربات المثمنة , وكان ﵁ يقول لمن يخيط له: هات معك فوطة وإلا يتسخ قماشك من ثيابي.
وكان دكانه منتنا قذرا لأن كل كلب وجد ميتاً أو قطاً أو خروفاً يأتي به فيضعه
стр. 108
داخل الدكان , فكان لا يستطيع أحد أن يجلس عنده " (١).
وقد ذكر صاحب " الأنوار القدسية " عدم الاعتناء بالنظافة كقاعدة عامة لجميع المتصوفة حيث قال:
" يجب على المريد الصبر على وسخ الثياب وتخريقها حتى يزول وسخ قلبه " (٢).
وروى الشيخ نور الدين السمهودي أنه كان له فروة كبش مغشاة بثوب طرح يلبسها صيفا وشتاء , وكانت عمامته من غليظ المحلاوي , يغسلها مرة في السنة (٣).
وذكر ابن الملقن أن امرأة كانت تخدم الجنيد قالت:
" جئت يوماً إلى النوري , كان يوماً شديد البرد والريح , فوجدته في المسجد وحده جالساً , فأمرني بإحضار خبز ولبن , فأحضرته. وكان بين يديه قصعة فيها فحم , فقلّبه بيده وهو مشتعل , ثم أخذ الخبز واللبن , فجعل اللبن يسيل على يديه , وفيها سواد الفحم , فقلت: يا ربّ , ما أقذر أولياء , ما فيهم أحد نظيف.
قالت: ثم خرجت من عنده , فتعلقت بي امرأة وقالت: سرقت رزمة ثياب , وجرّوني إلى الشرطي , فأخبرني النوري بذلك , فخرج وقال: لا تتعرض لها , فإنها ولية , فقال الشرطي: كيف أصنع المرأة تدّعي ذلك؟
قالت: فجاءت جارية ومعها الرزمة المطلوبة. وأنطلق النوري بزيتونة , وقال لها: تقولين بعد هذا: يا رب ما أقذر أولياءك؟ فقالت: تبت (٤).
فالمعنى أنه لا يحق لأحد أن يتعرض على قذارة الصوفية ونجاستهم , ولا يجوز أن ينصح أحد هؤلاء المنتنين المتشبهين باليهود الأقذار المهتمين بوضع الكلاب والقطط الميتة في مساكنهم , لا ينصحهم أحد باعتناء النظافة والطهارة , وإلاّ فيصيبهم عقاب من عند الله وعذاب أليم.
стр. 109
هذا وأن هناك مخالفة أخرى لنص الشريعة الإسلامية , يرتكبها الصوفية , وهي: إضاعة المال وإتلافه , وقد نهى رسول الله ﷺ عن ذلك حيث قال:
(إن الله كره لكم قيل وقال , وكثرة السؤال , وإضاعة المال) (١).
وأما الصوفية فيروون عن الشبلي أنه ألقى بأربعة آلاف دينار جملة في دجلة , فقالوا له: ما تفعل؟
قال: الحجر أولى بالماء , قالوا: لم لا تعطيها للخلق؟
قال: سبحان الله , بم أحتجّ إلى الله في أني رفعت الحجاب عن قلبي , وجعلته على قلوب أخوتي المسلمين (٢).
وروى الطوسي عن الحسين النوري أنه حمل إليه ثلثمائة دينار , قد باعوا عقاراً له , فجلس على قنطرة الصراط وهو يحذف بواحد منها إلى الماء , ويقول:
سيدي تريد أن تخدعني بهذا؟ (٣).
ومن الحكايات في هذا المعنى ما ذكرها النفزي الرندي عن أبي عبد الله الرازي أنه قال:
كساني ابن الأنباري صوفاً , ورأيت على رأس الشبلي قلنسوة ظريفة تليق بذلك الصوف , فتمنيت في نفسي أن يكونا جميعاً لي , فلما قام الشبلي من مجلسه التفت إليّ , فتبعته وكان من عاداته إذا أراد أن أتبعه أن يلتفت إليّ.
فلما دخل داره دخلت , فقال: أنزع الصوف , فنزعه , فلفّه , وطرح عليه القلنسوة , ودعا بنار فأحرقهما (٤).
وعلى ذلك ذكر عنه الشعراني أنه كان إذا أعجبه شيء من ثيابه يذهب إلى التنور فيحرقه , فيقال له: هلاّ تصدقت به؟
فيقول: ما أشغل قلبي كذلك يشغل قلب غيري (٥).
стр. 110
وقال الطوسي:
" دخل بعضهم عليه فرأى بين يديه اللوز والسكر وهو يحرقهما بالنار " (١).
هذا ومثل هذا كثير.
ومن مخالفتهم رسول الله ﷺ حلق اللحية حيث أمر بإعفائها , وعدّها من الفطرة حيث قال: (عشر من الفطرة: قص الشارب , وإعفاء اللحية والسواك واستنشاق الماء وقص الأظفار وغسل البراجم (٢) ونتف الإبط وحلق العانة وانتقاص الماء وقال الراوي: ونسيت العاشرة إلا أن تكون المضمضة) (٣).
وأما الصوفية فثبت منهم خلاف ذلك , فيقول الشعراني:
" وبعضهم (الصوفية) يحلّق رأسه وحواجبه ولحيته " (٤).
وبهذا صرح أبو نعيم الأصفهاني والعطار عن أبي بكر الشبلي نقلاً عن أحمد بن محمد النهاوندي أنه قال:
" مات للشبلي ابن كان أسمه غالبا , فجزّت أمه شعرها عليه , وكان للشبلي لحية كبيرة فأمر بحلق الجميع , فقيل له: يا أستاذ , ما حملك على هذا؟
فقال: جزّت هذه شعرها على مفقود , فكيف لا أحلق لحيتي أنا على موجود؟ " (٥).
وإلى ذلك أشار ابن زروق في كتابه (٦).
وورد عن أبي يزيد البسطامي أيضاً أنه أمر مريده بحلق اللحية , والحكاية بكاملها ذكرها السهلجي , وأبن عجيبة , وعبد الغني الرافعي , فينقلون عن الحسن بن علي الدامغاني أنه قال:
" كان رجل من أهل يسطام لا ينقطع عن مجلس أبي يزيد ولا يفارقه. فقال له ذات
стр. 111
يوم: أستاذ! أنا منذ ثلاثين سنة أصوم الدهر وأقوم الليل , وقد تركت الشهوات وليس أجد في قلبي من هذا الذي تذكره شيئاً بتة. وأنا أؤمن بكل شيء , تقول وأصدّق به , فقال له أبو يزيد: لو صُمْتَ ثلثمائة سنة وأنت على ما أراك لا تجد من هذا العلم ذرة. قال: ولم يا أستاذ؟ قال: لأنك محجوب بنفسك. قال له: فلهذا دواء حتى ينكشف هذا الحجاب؟ قال: نعم! ولكنك لا تقبل ولا تعمل. قال: بلى! أنا أقبل وأعمل ما تقول. فقال له أبو يزيد: إذهب الساعة إلى الحجام وأحلق رأسك ولحيتك وانزع منك هذا اللباس وأتزر بعباء وعلق في عنقك مخلاة وأملأها جوزاً واجمع حولك صبياناً وقل بأعلى صوتك: يا صبيان! من صفعني صفعة أعطيته جوزة. وأدخل إلى سوقك التي تعظم فيه وينظر إليك كلُّ من عرفك على هذه الحالة. فقال: يا أبا يزيد! سبحان الله! تقول لي مثل هذا ويحسن أن أفعل هذا؟ فقال أبو يزيد: قولك: " سبحان الله " شرك. قال: وكيف؟ قال أبو يزيد: لأنك عظمت نفسك فسبّحتها. فقال: يا أبا يزيد! هذا ليس أقدر عليه ولا أفعله , ولكن دُلّني على غير هذا حتى أفعله. فقال له أبو يزيد: ابتدأ بهذا قبل كل شيء حتى تّسقط جاهك وتّذل نفسك , ثم بعد ذلك أعرّفك ما يصلح لك. فقال: لا أطيق هذا. قال: قلت إنك لا تقبل وأنا لا أعلم " (١).
فإذن لا يصلح أمر التصوف إلا لمن بادر إلى مخالفة الشرع بأمر شيخه ولم ينكر عليه , ولذلك كتب الشعراني:
" لا ينبغي لأحد أن يبادر إلى الإنكار على أمر شيخه بحلق لحيته , فربما كان ذلك من شيخه ليدفع به عنه الكبر والفخر " (٢).
فهل يندفع الكبر والفخر , وتتأتى اللذة في الصوم والصلاة والتلاوة بالخروج على الكتاب والسنة؟
وبالمناسبة ننقل هنا ما قاله الأفلاكي نقلاً عن بعض مشايخه أنه قال:
стр. 112
" من سعادة المرء خفة لحيته , لأن اللحية حلية المرء , وفي كثرتها إعجاب المرء بنفسه , وهو من المهلكات " (١).
وهذا كله رغم إدعائهم " من لم يتقيد بالكتاب والسنة فلا يمشي في ركابنا " (٢).
وقال الدسوقي: " كل من خالف السنة فهو عدوي " (٣).
ويقول الأسمر الفيتوري:
" من لم يتبع السنة فليس منّا ولا نأخذ بيده " (٤).
على كل فإن الصوفية مع ادعائهم بأن طريقتهم مبنية على الكتاب والسنة ومتقيدة بهما لا يبالون بمخالفة أوامر الشرع ونواهيه , وبل وأنهم يحكمون بما يخالف الشريعة التي جاء بها محمد صلوات الله وسلامه عليه , وستأتي أمثلة ذلك في الباب التالي , ادعاء بأنهم لا يفعلون شيئا إلاّ إذا أمروا كما قال ظهير الدين القادري:
" أنا لا أفعل شيئا إلا إذا أمرت " (٥).
والأمر من الله يكون أحياناً بالمخاطبة على لسان الهاتف كما يصرّح بذلك ابن عجيبة الحسني حيث يقول:
" وتكون أيضاً مخاطبات على ألسنة الهواتف الكونية , فيسمع العارف منها كل ما يحتاج إليه , وهذا أمر مجرب لمن ذاق الفهم عن الله وفي ذلك يقول القشيري:
أنا بالله أنطق
ومن الله أسمع (٦)
وأحيانا يكون الأمر والنهي بنزول الملك كما يبين ذلك عبد العزيز الدباغ بقوله:
" إن الولي ينزل عليه الملك بالأمر والنهي " (٧).
стр. 113
وقد بسطنا القول في مسألة نزول الوحي وإتيان الملائكة في كتابنا " التصوف: المنشأ والمصادر " فليراجع إلى ذلك (١).
وعلى ذلك أدعى الصوفية أخذ العلم عن الله بلا واسطة , أي بلا واسطة الرسول ﷺ , وسيأتي بيان ذلك أيضا في الباب التالي إن شاء الله.
وإن القوم ليخالفون شرع الله , كتاب الرب وسنة النبي لأنهم لا يبالون بأوامرهما ومنهياتهما , وإن بعضاً منهم ليستخفّ بالله وبرسوله ﷺ مثلما نقل السهلجي عن أبي يزيد البسطامي أنه قال:
" أراد موسى ﵇ أن يرى الله تعالى , وأنا ما أردت أن أرى الله , هو أراد أن يراني " (٢).
وحكى العطار وأبو طالب المكي وسبط ابن الجوزي عن بعض أصحاب أبي يزيد أنه قال:
" كان عندي شاب صغير ملازم للخلوة فقلت له: هل رأيت أبا يزيد؟ قال: لا. فتركته أياماً وأعدت عليه القول. قال: لا. فلما أكثرت عليه قال: رأيت الله فأغناني عن أبي يزيد. قال: فكررت عليه القول وهو لا يزيد على هذا. فغاظني. فقلت: لو رأيت أبا يزيد مرة كان أنفع لك من رؤية الله سبعين مرة. فقال: قم بنا إليه. فخرجنا نطلب أبا يزيد. وإذا به قد خرج من النهر وفروته مقلوبة على كتفه. فلما رآه الشاب صاح ومات. فقلت لأبي يزيد: ما هذا؟ فإنه ذكر أنه يرى الله وما مات. يراك فيموت؟ فقال: نعم! كان يرى الله على قدر حاله. فلما نظر إليّ. رأى الله على قدر حالي فلم يثبت فمات. قال: ثم داريناه فغسلناه وكفّنّاه وصلى عليه ودفنه وبكى " (٣).
وحكى السهلجي والعطار عنه أيضاً أنه جاءه رجل فقرأ عنده:
" إن بطش ربك لشديد " قال أبو يزيد:
وحياته إن بطشي أشد من بطشه (٤).
стр. 114
ونقل روزبهان بقلي شيرازي عن أبي موسى أنه قال:
" سمع أبو يزيد مؤذناً يقول: الله أكبر , فقال:
" وأنا أكبر من الله " - عياذاً بالله - (١).
ويروون في كتبهم حديثاً موضوعاً حيث يكذبون على رسول الله ﷺ أنه قال:
" رأيت ربي في سكك المدينة على صورة شابّ أمرد " (٢).
ونقل العراقي المتوفى ٦٨٨هـ عن الوراق أنه قال:
" ليس بيني وبين ربي فرق إلاّ أني تقدّمت بالعبودية " (٣).
ومن إهانتهم لله سبحانه أنهم نقلوا عن البسطامي أنه قال له الحق أخرج إلى خلقي بصفتي (وفي رواية بصورتي) فمن رآك رآني , ومن عظمك عظمني , فلم يسعني إلا امتثال أمر ربي , فخطوت خطوة إلى نفسي من ربي فغشي عليه , فإذا النداء " ردّوا عليّ حبيبي فلا صبر له عني " (٤).
ونقلوا عن بعض المشايخ أنه قال لتلميذه:
" هل رأيت أبا يزيد "؟
فقال التلميذ: رأيت الله فأغناني عن أب يزيد , فقال له العارف:
لأن ترى أبا يزيد مرة كان خيراً لك من أن ترى الله ألف مرة.
فلما سمع ذلك منه رحل إليه فقعد مع العارف على طريقة , فعبر أبو يزيد وفروته على كتفه وفقال العارف للتلميذ:
هذا أبو يزيد , فنظر إليه فمات من ساعته (٥).
стр. 115
وتجاوز أبو الحسن الخرقاني جميع الحدود وقال:
" صارعت الله وصارعني , فغلب عليّ " (١).
" لأني أقلّ من ربي سنتين " (٢).
والعجب كل العجب على الصوفية الذين يسمون هذه الإهانات والهفوات شطحيات المشايخ ويتأولونها بتأويلات لا يقرّها العقل ولا النقل , ويخترعون لهم أعذارا لا تؤيدها الشريعة الإسلامية , ويقولون: لا إنكار عليهم في أقوالهم وأفعالهم لأنهم محفوظون عن الخطأ والزلل (٣).
فدين الصوفية دين السخرية والاستهزاء , لا يخافون في ذلك لومة لائم , فنقلوا عن البسطامي أنه قال:
" غبت في الجبروت , وخضت بحار الملكوت وحجب اللاهوت حتى وصلت إلى العرش فإذا هو خال , فألقيت نفسي عليه وقلت:
سيدي , أين طلبك؟
فكشفت , فرأيت أني أنا , فأنا أنا (٤).
وحكوا عنه أيضاً أنه قال:
" ضربت خيمتي بإزاء العرش " (٥).
وحكوا عن الشبلي أنه سئل: متى تستريح؟
فقال: إذا لم أر الله ذاكراً (٦).
كما نقلوا عن الخرقاني حكاية قالوا فيها:
" نزل صوفي من الهواء يوماً وقال لأبي الحسن الخرقاني:
стр. 116
أنا جنيد الوقت وشبلي العصر , فقام الخرقاني وضرب بقدمه الأرض وقال:
أنا أيضاً إله الوقت ورسول العصر " (١).
وأما إهانتهم واستخفافهم بخاتم الرسل والأنبياء محمد رسول الله ﷺ فيحكي الكمشخانوي عن الشبلي أنه:
" أذن مرة , فلما أنتهى إلى شهادة النبي ﵇ قال:
إلهي , لولا أنك أمرتني ما ذكرت معك غيرك " (٢).
وذكروا عن أبي يزيد أنه قيل له:
" أن الخلق كلهم لواء محمد ﷺ يوم القيامة , فقال أبو يزيد:
تالله , إن لوائي أعظم من لواء محمد ﵇ , لوائي من نور تحته الجان والأنس كلهم من النبيين " (٣).
ويكتب الفيتوري:
" قال الشيخ أحمد بن عروس لأهل تونس: لولا ما سبق عن رسول الله ﷺ بالشفاعة لشفعت في الأمم يوم القيامة , وكلّ إصبع من أصابعي يشفع في سبعين ألفاً " (٤).
فهؤلاء الصوفية ومشايخهم , جعلوا الله ونبيه ﷺ هدف استخفافهم وموضع استهزائهم - حسب ما روى عنهم في كتب القوم أنفسهم - كأنهم لا يؤمنون بتوحيد الله وعظمته , وجلاله وكماله , وبرسالة النبي وعلو شأنه ﷺ .
وما دام الأمر كذلك فكيف يستبعد عنهم مخالفة أوامر الله ورسوله ونواهيهما واستهزاء الشريعة والنيل من شأنها. أعاذ الله جميع المسلمين من الزيغ بعد الهدى ﴿رَبَّنَا
стр. 117
لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ (١).
وأخيراً نذكر أن القرآن الكريم أيضاً لم يبق محفوظا عن أيدي المتصوفة , فلقد حاولوا أن يصرفوا الناس عن تلاوته والتذكير بآياته , فأنظر إلى النفري كيف يستخف بالقرآن الكريم ويستهين بآياته التي ذكر فيها الجنة والنار والثواب والعقاب والقيامة وأهوالها , فيكذب على الله حيث يقول:
" قال الله تعالى " الليل لي لا للقرآن يتلى , الليل لي لا للمحمدة والثناء " يقول تعالى " إن لك في النهار سبحاً طويلا " فاجعل الليل لي كما هو لي ... وما طلبتك لتتلو القرآن فتقف مع معانيه فإن معانيه تفرقك عني فآية تمشي بك في جنتي وما أعددت لأوليائي فيها فأين أنا إذا كنت أنت في جنتي مع الحور المقصورات في الخيام كأنهن الياقوت والمرجان متكئاً على فرش بطائنها من إستبرق وجنى الجنتين دان , تسقى من رحيق مختوم مزاجه من تسنيم , وآية توقفك مع ملائكتي وهم يدخلون عليك من كل باب سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار , وآية تستشرف بك على جهنم فتعاين ما أعددت فيها لمن عصاني وأشرك بي من سموم وحميم وظل من يحموم لا بارد ولا كريم , وترى الحطمة وما أدراك ما الحطمة نار الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة إنها عليهم مؤصدة في عمد ممددة , أين أنا يا عبدي إذا تلوت هذه الآية وأنت بخاطرك وهمتك في الجنة تارة وفي جهنم تارة , ثم تتلو آية فتمشي بك في القارعة يوم يكون الناس كالفراش المبثوث وتكون الجبال كالعهن المنفوش يوم تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد , وترى في ذلك اليوم من هذه الآية يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه لكل أمرئ منهم يومئذ شأن يغنيه , وترى العرش في ذلك اليوم تحمله ثمانية أملاك وفي ذلك اليوم تعرضون , فها أنت يا عبدي في النهار في معاشك وفي الليل فيما تعطيه تلاوتك من جنة ونار وعرض , فأنت بين آخرة ودنيا وبرزخ , فما تركت لي وقتاً تخلو بي فيه إلا جعلته لنفسك , والليل لي يا عبدي لا
стр. 118
للمحمدة والثناء " (١).
هذا ما قاله كبير القوم , وأما ما روي عن رسول الله ﷺ فيروي ابن عمر ﵁ أنه قال:
(لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار , ورجل آتاه الله مالاً فهو ينفق منه آناء الليل وآناء النهار) (٢).
وعن أبي سعيد الخدري ﵁ أن سيد بن حضير قال: (بينما هو يقرا من الليل سورة البقرة وفرسه مربوطة عنده إذ جالت الفرس فسكت فسكنت , فقرأ فجالت فسكت فسكنت , ثم قرأ فجالت الفرس فأنصرف , وكان أبنه يحيى قريباً منها فأشفق أن تصيبه , ولما أخره رفع رأسه إلى السماء فإذا مثل الظلة فيها أمثال المصابيح , فلما أصبح حدث النبي ﷺ فقال:
وتدري وما ذاك؟ قال: لا , قال: (تلك الملائكة ونت لصوتك , ولو قرأت لأصبحت ينظر الناس إليها لا تتوارى منهم) (٣).
هذا وقد حكى الشعراني عن أبي عبد الله عمرو بن عثمان المكي أنه رأى الحسين بن منصور يوماً وهو يكتب شيئاً فقال: ما هذا؟
فقال: هو ذا أعارض القرآن (٤).
стр. 119
الباب الثالث
التصوف مؤامرة ضد الإسلام
إن التصوف ليس عبارة عن الغلو والمغالاة والتطرف في الدين فحسب , بل هو مؤامرة حيكت وأحكم نسيجها ضد الإسلام والمسلمين , وشارك في تخطيطها وتشكيلها وبث سمومها ونشر أنفاثها خليط من الناس وعديد من الفئات لأغراضهم وأهدافهم , وقد ذكرنا هؤلاء الناس وأولئك الفئات في كتابنا ((التصوف .. المنشأ والمصادر)) عند ذكر مراجع التصوف ومصادره , منشئه ومنشئيه (١).
أما الأغراض والأهداف فنذكرها هنا في هذا الباب وما بعده من الأبواب.
فكان من أهم تلك الأهداف لأولئك الناس والجماعات إبعاد المسلمين عن الإسلام الحقيقي وتعاليمه الصافية النقية المعتدلة وباسم الإسلام , وترويج العقائد اليهودية والمسيحية , والمذاهب الهندية والفارسية , كالبوذية والهندوكية والزرادشتية والمانوية الأفلاطونية الحديثة , وغيرها من التيارات التي ليس لها أية صلة بالإسلام وبتعاليم الشريعة الحنيفية السمحاء الغراء لقتل روح الجهاد وفكرة إعلاء كلمة الله وأن يكون الدين كله لله , وتبليغ رسالات الله وأدائها إلى الأمم والملل كافة في أنحاء المعمورة كلها.
وأيضا تمكين الذل والاستكانة والهوان وإفشاء الجهل والكسل والخمول بينهم , وإزاحتهم عن الحكم والسلطة والاختيار , ولم يتمكنوا من هذا كله , ولم ينجحوا في مهمتهم إلا بوضع الأسس والقواعد المختلفة عن قواعد الإسلام وأسسه وأصوله لأنه بدون ذلك لم يكن يرجى فصلهم وقطعهم عن إرشاداته وتوجيهاته كلية , بل كان يتوقع الجوع إلى حظيرته بالرجوع إلى منابعه الأصلية ومصادره الحقيقية , ففرقوهم عن الجمع , وأبعدوهم عن الجماعات بوضع الأصول المنافية لأصول الجماعة وأسسها , فجماعة المسلمين كان مذهبهم ومسلكهم مبنيّا على الإسلام المعبر عنه بالقرآن والسنة , ومذهب القوم ومشربهم مبني على التصوف المعبر عنه بالكشف والإلهام , ليس
стр. 120
لشخص مخصوص ولا لرجل معين , بل لكلِّ كشفه وإلهامه , والكل منهم نبي صغير , وله شرعته ومنهاجه , وارتقى البعض إلى الإلوهية والربوبية كما سنبين كل ذلك بالدليل والبرهان , وبوضع النقاط على الحروف , فسوغوا شرائع جديدة ومذاهب بديعة , ومسالك طريفة , ومشارب غريبة , ثم دونت هذه الشرائع وهذه المذاهب والمسالك والمشارب , وسكبت في قوالب مختلفة , وسميت بسلاسل وطرق في عرف التصوف.
فاخترع أهل كل سلسة قرآنًا لها بصورة مواجيد وترانيم , وقصائد وأناشيد وأوراد عجيبة , وأذكار مختلفة غريبة , وجعلوا السنة أحاديث المشايخ وقصصهم والأساطير المضحكة والحكايات المبكية , كما جعلوا صلواتهم الرقص والوجد وتحريك الرأس وتدويره آليًّا , وحجهم زيارة المشاهد والقبور والطواف حولها , وأكل ترابها والتمسح بجدرانها , وجعلوا صومهم ترك الطيبات , وتحريم ما أحل الله , والتجوع المحض طيلة شهور وأعوام , واعتكافهم الأنزواء في الخانقاهات والتكايا والربط والزوايا , والدخول في سراديب الأرض وكهوف الجبال وغيرانها , والسياحة التيه في الصحاري والبراري والقفار والمقابر , كما عكسوا مفهوم الزكاة وقلبوه , فجعلوها التسول والاستجداء والاسترزاق والاستعطاف , وجعلوا اليد السفلى خيرًا من اليد العليا , فأعرضوا عن العلم والعلماء , ولقنوا مريديهم ومن وقع في فخهم وحبائلهم بالاجتناب والإعراض عنه وعنهم كيلا يهرب صيدهم وينجو فريستهم من مخالب هؤلاء وأشواكهم بنور العلم وبصحبة العلماء , ولا يوجد في كتب الأولين منهم والآخرين , القديمين منهم والحديثين مخالفة أكثر من مخالفة العلم وأهله , وهذه وحدها كافية لمعرفة حقيقة التصوف والمتصوفة , فقالوا:
" العلم حجاب الله الأكبر " (١).
وفسره كبير مشايخ الصوفية في الهند نظام الدين الدهلوي المتوفى ٧٢٥هـ بقوله:
" إن العلم دون الحق , وكل ما هو دونه فهو يحجب عنه " (٢).
стр. 121
ومن تخريفات النفري أنه قال: " أوقفني الله في مقام الوقفة , وقال لي ":
العلم حجابي. وقال: العالم يخبر عن الأمر والنهي , وفيها علمه , والواقف يخبر عن حقي وفيه معرفته.
وقال: العلم في الرقّ , والواقف حرّ (١).
وكذبوا على سفيان الثوري أنه قال:
" لولا أن للشيطان فيه حظًّا ما ازدحمتم عليه يعني العلم " (٢).
وأيضًا " طلب هذا ليس من زاد الآخرة " (٣).
ونقل الطوسي عن بعضهم أنه قال:
" إذا رأيت الفقير قد انحطّ من الحقيقة إلى العلم , فاعلم أنه قد فسخ عزمه , وحل عقده " (٤).
ويحكي الشعراني حكاية عن أحد الفقهاء , يستدل منها على أفضلية المتصوفة على العلماء بالشريعة , فيقول:
" جاء مرة قاض من المالكية يريد امتحان الشيخ محمد الحنفي , فأعلموا الشيخ أنه جاء ممتحنًا فقال الشيخ ﵁: إن استطاع يسألني ماعدت أقعد على سجادة الفقراء , فلما جاء القاضي يسأل , قال: ما تقول في ... وتوقف. فقال له الشيخ ﵁: نعم , فقال: ما تقول في , وتوقف , له الشيخ ﵁: نعم , حتى قال ذلك مرارًا عديدة , فلم يفتح بشيء " (٥).
ويفرق كذلك بين المعرفة الصوفية وفقه الشريعة حيث يقول:
стр. 122
" كان الشيخ زكريا من العارفين , ولكنه تستر بالفقه " (١).
ويفضّل الصقلي والدمياطي الصوفية على علماء الشريعة حيث يكتب:
فلركعة من عارف هي أفضل ... من ألفها من عالم فتقبلا
هذا دليل على أن العارف أفضل من غيره لأن ركعة من عارف أفضل من ألف ركعة من عالم غير عارف (أي غير صوفي).
قال الشيخ أبو القاسم الصقلي في كتاب ((الأنوار)): ركعة من عارف أفضل من ألف ركعة من عالم (٢).
ونقلوا عن الجنيد أنه كان يقول:
" المريد الصادق غني عن علم العلماء , وإذا أراد الله بالمريد خيرًا أوقعه إلى الصوفية ومنعه صحبة القراء " (٣).
ومن الوقائع التي تترشح منها مخالفة طلب العلم , ويتدفق البغض والحقد على العلماء والطلاب ما ذكر ابن عجيبة الحسني حيث قال:
" وقد عقد بعض الشيوخ حلقة الذكر في بيت مظلم , فلم يجدوا قلوبهم , فقال لهم: ائتوني بالمصباح , فلما أتوا به وجدوا معهم طالبًا من طلبة المدرسة , فأخرجوه فحينئذ , وجدوا قلوبهم " (٤).
ولذلك منعوه من الفكر والنظر في الأدلة واستعمال العقل , كما ذكر كل ذلك الشيخ الأكبر للصوفية في رسالته: " إن المريد لا ينبغي له الكلام إلا بما شاهده وعاينه , والصمت عليه واجب , والفكر عليه حرام , والنظر عليه في الأدلة محظور .... والأَوْلى بالشيخ إذا رأى المريد يجنح
стр. 123
إلى استعمال عقله في النظريات ولا يرجع إلى رأيه فيما يدله عليه فليطرده إلى منزله " (١).
ومثل ذلك بل أصرح وأوضح ما ١كره عبد الغني الرافعي حيث قال:
" إذا طلب المريد من شيخه دليلا شرعيًّا أو عقليًّا على ما ذكره من المعارف الإلهية والإشارات الربانية فليزجره ويهجره , وإن لم يفعل فقد خانه في التربية ... وذلك لأن الواجب في هذا الطريق التصديق للمرشد والتسليم لغيره , ويحرم على المريد الفكر والنظر في الأدلة , ويجب عليه الصمت وعدم التكلّم.
وإذا أصر المريد على الفكر والنظر في الأدلة , فليطرده , لئلا يفسد عليه بقية أصحابه , كما يجب عليه طرده إذا علم أن حرمته سقطت من قلبه (٢).
وسبب ذلك أن " طريق القوم أمر خاص زائد على علوم الظاهر " (٣).
والعلم الظاهر المقصود منه علم القرآن والسنة , فإن المتصوفة يريدون أن يترك المسلون تعلم كتاب الله ودراسة سنة رسول الله ﷺ ويتبعون خرافاتهم وخزعبلاتهم وأوهامهم التي يسمونها إلهامًا , وتخيلاتهم التي يسمونها كشفًا كما ذكر ذلك ابن عجيبة الحسني:
" كان طريق التصوف مؤسسة على الكتاب والسنة , وإلهامات العارفين الذين تنورت عقولهم, وانصقلت مرآة قلوبهم فيها فتجلى فيها ما كان حقًّا , وزهق منها ما كان باطلا , فكانت طريقتهم مبنية على التحقيق " (٤).
فأضاف القوم إلى الكتاب والسنة أوهامهم وخرافاتهم أيضًا باسم الإلهامات , وهي الأصل والمحك عندهم , وعلى هذا الأساس خالفوا نصوص الكتاب والسنة ولم يسمحوا مجال الاعتراض لمريديهم التجاء إلى هذه القاعدة الصوفية كما سنبِّين ذلك في هذا الباب إن شاء الله.
стр. 124
هذا , ولم يكتم بعض منهم , حيث صرحوا بمخالفة طلب ذلك العلم الشريف, علم سنة رسول الله ﷺ والتفقه في الدين, حتى إنهم نقلوا عن أبي سليمان الداراني أنه قال:
" من طلب الحديث فقد ركن إلى الدنيا " (١).
وروي عن رابعة البصرية أنها كانت تجعل إيثار كتب الحديث والإقبال على الناس من أبواب الدنيا (٢).
ورووا عن بشر بن الحارث الحافي أن سبب تركه طلب الحديث أنه سمع أبا داود الطيالسي يحدث عن شعبة أنه كان يقول:
" الإكثار من طلب الحديث يصدّكم عن ذكر الله وعن الصلاة , فهل أنتم منتهون؟!
فلما سمعه منه قال: انتهينا انتهينا.
ثم ترك الرحلة في طلب الحديث , وأقبل على العبادة (٣).
ونقلوا عن الجنيد أنه كان يقول:
" أحب للصوفي أن لا يقرأ ولا يكتب , لأنه أجمع لهمّه وأحبّ للمريد المبتدي أن لا يَشغل قلبه بهذه الثلاث وإلا تغيّر حاله: التكسب , وطلب الحديث , والتزوّج " (٤).
ومثل ذلك نقلوا عن أبي بكر نصر بن أحمد الدقاق - وكان من أقران الجنيد - أنه قال:
" آفة المريد ثلاثة أشياء: التزويج , وكتابة الحديث , ومعاشرة الضد " (٥).
وروى الصوفية عن سفيان الثوري أنه كان يقول:
" ليس طلب الحديث من عدة الموت , لكنه علة يتشاغل بها الرجل " (٦).
كما رووا عن بشر بن الحارث أنه سأله رجل أن يحدثه فأبى عليه , فجعل يرغبه
стр. 125
ويكلمه وهو يأبى عليه , قال فلما أيس منه قال له: يا أبا نصر ما تقول لله غدًا إذا لقيته وسألك لِمَ لا تحدث؟
قال: فقال له بشر , أقول: يا رب كانت نفسي تشتهي أن تحدث , فامتنعت من أن أحدث ولم أعطها شهوتها (١).
وزاد الخطيب: قال بشر:
" إني وإن أذنت للرجل وهو يحدث. فإنه عندي قبل أن يحدث أفضل كثيرًا من كائن من الناس , وإنما الحديث اليوم طرق من طلب الدنيا , ولذة , وما أدري كيف يسلم صاحبه؟! وكيف يسلم من يحفظه , لأي شيء يحفظه , قال بشر: وإني لأدعو الله أن يذهب به من قلبي , ويذهب بحفظه من قلبي , وإن لي كتبًا كثيرة قد ذهبت , وأراها توطأ ويرمى بها فما آخذها , وإني لأهم بدفنها وأنا حي صحيح , وما أكره ترك ذاك خير عندي. وما هو من سلاح الآخرة , ولا من عدد الموت " (٢).
ويروي العطار في تذكرته أن بشرًا الحافي درس الحديث , ثم دفن جميع كتبه في الأرض , ولم يحدث قط (٣).
ويذكر الشعراني عن أبي المواهب الشاذلي أنه انقطعت عنه رؤية رسول الله ﷺ لاشتغاله بفقه الكتاب والسنة , فيقول:
" كان سيدي أبو المواهب الشاذلي ﵁ يقول: انقطعت عني رؤية رسول الله ﷺ مدة , فحصل لي غمّ بذلك , فتوجهت بقلبي إلى شيخي يشفع فيَّ عند رسول الله ﷺ فحضر عنده رسول الله ﷺ فقال:
ها أنا - أنظر التعبير- فنظرت فلم أره. فقلت: ما رأيته , فقال ﵊: سبحان الله! غلبت عليه الظلمة , وكنت قد أشتغلت بقراءة جماعة في الفقه .... فتركت الاشتغال بالفقه فرأيته " (٤).
стр. 126
وبلغت بهم الجرأة والكراهة للحديث وأهلة إلى أن قالوا: إن رجلا استشار معروفًا الكرخي في صحبة إمام أهل السنة أحمد بن حنبل فقال له جوابه:
" لا تصحبه , فإن أحمد صاحب حديث , وفي الحديث اشتغال بالناس , فإن صحبته ذهب ما تجد في قلبك من حلاوة الذكر وحب الخلوة (١).
وابن عجيبة الحسني يحذر من مجالسة العلماء والاستماع إليهم بقوله:
" الجلوس معهم اليوم أقبح من سبعين عاميًّا غافلا وفقيرًا جاهلا , لأنهم لا يعرفون إلا ظاهر الشريعة , ويرون أن من خالفهم في هذا الظاهر مخطئ أو ضال , فيجهدون في رد من خالفهم , يعتقدون أنهم ينصحون وهم يغشون. فليحذر المريد من صحبهم والقرب منهم ما استطاع. فإن توقف في مسألة ولم يجد من يسأل عنها من أهل الباطن فليسأله على حذر , ويكون معه كالجالس مع العقرب والحية. والله ما رأيت أحدًا من الفقراء قرب منهم وصحبهم فأفلح أبدًا في طريق الخصوص " (٢).
وهذا مع إدعائهم " علمنا هذا مؤيد بالكتاب والسنة " (٣).
والجدير بالذكر أن المتصوفة كما يخالفون العلم والعلماء وطلب الحديث , يخالفون كذلك إسناد الحديث الذي ليس هو إلا من قوائمه , فلا يقوم إلا به , رغبة في ترويج أباطيلهم وأضاليلهم , وزيغهم وضلالهم كذبًا على نبي الله , وزورًا على رسوله صلوات الله وسلامه عليه كيلا يعرف الحق من الباطل , والصدق من الكذب , ويميز الصحيح من السقيم , وعلى ذلك نرى أن كتب أكثرهم مليئة بالأحاديث الموضوعة والروايات المختلقة المزورة المكذوبة على رسول الله ﷺ حتى كُتُب الغزالي فيلسوف الإسلام وفقيه المسلمين , ولما سئلوا عنها وعن مواردها ورواتها قالوا: روينا عن رسول الله ﷺ في المنام أو في اليقظة , مدَّعين تصحيحها عن النبي ﷺ أو
стр. 127
عن الله رأساً دون النظر إلى إسنادها , ورواتها مثل ما ذكر الشعراني عن أبي المواهب الشاذلي أنه قال:
" رأيت رسول الله ﷺ فسألته عن الحديث المشهور , ((واذكروا حتى يقولوا مجنون)) , وفي ((صحيح ابن حبان)): ((أكثروا من ذكر الله حتى يقولوا مجنون)). فقال رسول الله ﷺ : صدق ابن حبان في روايته, وصدق راوي " اذكروا الله " فإني قلتهما معًا , مرة قلت هذا, ومرة قلت هذا (١).
ويقول نجم الدين الكبرى المقتول ٦١٨هـ:
" غيث فأبصرت النبي ﵇ ومعه علي , فبادرت إلى علي فأخذت بيده وصافحته , وألهمت كأني سمعت في الأخبار عن النبي ﷺ أنه قال: من صافح عليًّا دخل الجنة , فجعلت أسأل عليًّا عن هذا الحديث أصحيح هو؟ فكان يقول: نعم , صدق رسول الله ﷺ صدق رسول الله ﷺ من صافحني دخل الجنة " (٢).
وفي هذا المعنى ذكر الصوفي المشهور أبو طالب المكي قصة مكذوبة على الإمام احمد بن حنبل , أن داود المحبر لما صنّف كتاب ((العمل)) جاء أحمد بن حنبل فطلبه منه , فنظر فيه أحمد صفحًا , ثم رده إليه. فقال: ما لك؟ قال: أسانيد ضعفاء. فقال له داود: أنا لم أخرجه على أسانيد , فانظر فيه بعين الخبر " (٣).
وما أكثر ما يقوله المتصوفة ردّا على أهل الحديث لتمسكهم بالإسناد تصحيحًا لرواية وتضعيفًا لها:
" أخذتم علمكم ميتًا عن ميت , وأخذنا علمنا عن الحي الذي لا يموت " (٤).
стр. 128
كما نقلوا ذلك عن أبي يزيد البسطامي , وسيأتي بيان ذلك مفصلاّ - إن شاء الله - في هذا الباب.
ويعلق على قول البسطامي هذا أحد المتصوفة المعاصرين:
" أقام الله أولياءه مقام الرسول في التفقه في الدين والإنذار, وهو الذي يدعو إلى الله عل بصيرة , كما يدعو رسول الله ﷺ على بصيرة لا على غلبة ظن , كما يحكم عالم الرسوم , فشتان بين من هو فيما يفتي به ويقوله على بصيرة منه في دعائه , إلى الله وهو على بينة من ربه , وبين من يفتي في دين الله بغلبة ظنه , ثم إن من شأن عالم الرسوم عن الذب عن نفسه أنه يُجَهِل من يقول فهمني ربي , ويرى أنه أفضل منه وأنه صاحب العلم , إذ يقول من هو أهل الله إن الله ألقى في سري مراده بهذا الحكم في هذه الآية , أو يقول: رأيت رسول الله ﷺ في واقعتي فأعلمني بصحة هذا الخبر المروي عنه وبحكمه عنده , فمن ورث محمدًا في جمعيته كان له من الله تعريف بالحكم وهو من مقام أعلى من الاجتهاد, وهو أن يعطيه الله التعريف الإلهي أن حكم الله الذي جاء به رسول الله ﷺ في هذه المسالة هو كذا, فيكون في ذلك الحكم بمنزلة من سمعه من رسول الله ﷺ وإذا جاء الحديث عن رسول الله ﷺ رجع إلى الله فيه فيعرف صحة الحديث من سِقَمه سواء كان الحديث عند أهل النقل من الصحيح أو مما تُكُلِّم فيه , فإذا عرف فقد أخذ حكمه من الأصل, لذلك قال أبو يزيد البسطامي في هذا المقام, وصحته تخاطب علماء زمانه علماء الرسوم: " أخذتم علمكم ميتًا عن ميت , وأخذنا علمنا عن الحي الذي لا يموت, يقول أمثالنا: حدثني قلبي عن ربي. وأنتم تقولون: حدثنا فلان , وأين هو؟ قالوا: مات , عن فلان وأين هو؟ قالوا: مات " فلا حجاب بين الله وبين عبده أعظم من نظره إلى نفسه وأخذه العلم عن فكره ونظره , وإن وافق العلم فالأخذ عن الله أشرف " (١)؟
ويقول الشعراني:
" أخبرني الشيخ محمد الشناوي أن ثم جماعة ببلاد اليمن لهم سند بتلقين الصلاة
стр. 129
والسلام على رسول الله ﷺ فيلقنون المريد بذلك , ويشغلونه بالصلاة على رسول الله ﷺ فلا يزال يكثر منها حتى يصير يجتمع بالنبي ﷺ يقظة ومشافهة , ويسأله عن وقائعه كما يسأل المريد شيخه من الصوفية, وأن مريدهم يترقى بذلك في أيام قلائل, ويستغني عن جميع الأشياخ بتربيته ﷺ " (١).
وذكر أيضا عن سليمان الحضيري الصوفي أنه قال:
" بينما أنا جالس في الخضيرية على باب الإمام الشافعي ﵁ إذ رأيت جماعة عليهم ثياب بياض , وعلى رؤوسهم غمامة من نور , يقصدونني من ناحية الجبل , فلما قربوا مني فإذا هو النبي ﷺ وأصحابه ﵃ فقبلت يده, فقال النبي ﷺ : أمض معنا إلى الروضة , فذهبت مع النبي ﷺ إلى بيت الشيخ جلال الدين (السيوطي) فخرج إلى النبي ﷺ وقبّل يدَه وسلم على أصحابه , ثم أدخله الدار, وأجلسه وجلس بين يديه, فصار الشيخ جلال الدين (السيوطي) يسأل النبي ﷺ عن بعض الأحاديث , وهو ﷺ يقول: هات يا شيخ السنة " (٢).
ومثله في ((كتاب قلادة الجواهر في ذكر الرفاعي وأتباعه الأكابر)) (٣).
ونقل النبهاني مثل ذلك عن أبي محمد بن الخطيب (٤).
وأما فريد الدين العطار فينقل عن أبي الحسن الخرقاني أنه قال:
" وهبني الله جميع العلوم والمعارف مع كوني أميًّا , وقرأت الحديث على رسول الله ﷺ لم يصدقه مريده , فرأى في المنام رسول الله ﷺ وسمعه يقول: صدق الرجل , صدق الرجل - ثم يقول المريد: بدأت أتردد إليه وأقرأ
стр. 130
الحديث , فأحيانًا كان يقول: هذا الحديث ليس بصحيح , ولما سألته كيف عرفت ذلك؟
قال: لما تقرأ الحديث اشتغل بمشاهدة رسول الله ﷺ , فكلما قرأت الحديث الصحيح تبسم النبي ﷺ وتنورت جبهته, وإذا مررت بحديث موضوع ظهرت كآبة على وجهه ﵊ فبذلك أُمَيِّز الصحيح من الضعيف " (١).
ويصرح الدباغ قائلا:
" قد ينزل الملك على الولي , ويخبره بصحة حديث ضعفه العلماء " (٢).
فمن الغريب أن الصوفية إذا لم يجدوا السند في مسألة يدعون أنهم أخذوا عن الملك ,أو عن الخضر كما يقول الشعراني في مسألة اتصال السند بلبس الخرقة:
" فلا تستغرب يا أخي توقُّفَ بعض المحدثين في اتصال السند بلبس الخرقة , فإنه معذور في ذلك , لعسر استخراج ذلك من كتب المحدثين على غالب الصوفية , فرحم الله الحافظ بن حجر والجلال السيوطي في تبيينهما اتصال السند بذلك.
وإن الشيخ محي الدين بن عربي لم يطلع على اتصال سندهما من طريق النقل الظاهر, فأخذها من طريق الخضر ﵇ لما اجتمع به حتى اعتمد عليه في السند " (٣).
وعبد الله الأنصاري الهروي أيضًا أنكر ضرورة الإسناد للعلم الصوفي حيث كتب: " العلم اللدني إسناده وجوده , وإدراكه عيانه , ونعته حكمه , ليس بينه وبين الغيب حجاب " (٤).
فالمعنى أن العلم اللدني لا يحتاج إلى إسناد , فوجوده إسناده.
فهكذا أرادوا نشر الجهل ومحو العلم بهدم القواعد وتحطيمها , التي لم تؤسس ولم
стр. 131
تخطط إلا للمراعاة والمحافظة على العلوم والفنون , كيلا تلعب بها يد المحتالين المنتحلين والعابثين المبطلين. وما الله بغافل عما يعملون , ... وهذا مع أهمية الإسناد واهتمام المسلمين به لكونه عمدة ومعيارًا للقوي والضعيف والصحيح والسقيم, وعلى ذلك بوَّب الإمام مسلم بن حجاج القشيري بابًا في ((صحيحه)) لبيان أن الإسناد من الدين , ونقل فيه عن محمد بن سيرين أنه قال:
" إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم " (١).
وعن عبد الله بن المبارك أنه قال:
" الإسناد من الدين , ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء " (٢).
وروي عنه أيضا أنه قال: " بيننا وبين القوم القوائم يعني الإسناد " (٣).
فهذه هي منزلة الإسناد عند أهل السنة وأئمتهم , ولماذا لا يكون؟
لأن الإسناد يعرِّف أسماء الرواة , وبأسمائهم تفتش عن أحوالهم , وبأحوالهم تحكم على مروياتهم , وإذا لم يكن ذلك لم يتأت الخبر , ولم يحصل اليقين , ولكن المتصوفة جعلوا الحديث لعبة يلعبون بها لإثبات مزاعمهم ونظرياتهم , فحديث الناس جعلوه حديثًا للنبي المعصوم ﵊ معتمدين على كشفهم إلهامهم , فجعلوا الموضوع ثابتًا, والضعيف قويًا , والسقيم صحيحًا دون النظر إلى روايته ومصدره , قائلين بأنهم سمعوه عن النبي ﷺ رأسًا , أو علموا تصحيحه عن رسول الله ﷺ مشافهة , أو بواسطة الملك , أو بتعليم الخضر , وهذه إحدى وجوه مخالفة العلم وطرقها.
وقبل أن نتقدم إلى فكرة أخرى نريد أن نذكّر الباحث والقارئ أن مخالفة العلم منافية لتعاليم القرآن والسنة , لأن العلم نور وضياء تستنير به الأمم طريقهم إلى الهدى , ويستضيئون به في ظلمات الطريق , ويصلون به إلى المقصود والمرام , ولا يخالف النور
стр. 132
والضياء إلا الذين يحبون الجهل والظلام , لا يتمنون إلا الظلام الدامس , لأن النور يذهب بأبصارهم , ويقضي على رغباتهم وشهواتهم , وما أحسن ما قاله ابن الجوزي ردَّا على الصوفية في تركهم التشاغل بالعلم:
" أعلم أن أول تلبيس على الناس صدُّهم عن العلم , لأن العلم نور فإذا أطفأ مصابيحهم , خبطهم في الظلم كيف شاء ... وروي عن ضرار بن عمرو قال:
إنّ أقواما تركوا العلم ومجالسة أهل العلم , وأخذوا محاريب فصلوا وصاموا حتى يبس جلد أحدهم على عظمه , وخالفوا السنة فهلكوا , فو الله الذي لا إله غيره ما عمل عامل على جهل إلا كان ما يُفسد أكثر مما يصلح .... كما روي عن أبي الحسن بن سالم أنه قال:
جاء رجل إلى سهل بن عبد الله (التُّسْتَرِيُّ) وبيده محبرة وكتاب. فقال لسهل: جئت أن أكتب شيئًا ينفعني الله به. فقال: اكتب, إن استطعت أن تلقى الله وبيدك المحبرة والكتاب فافعل. قال: يا أبا محمد أفدني فائدة. فقال: الدنيا كلها جهل إلا ما كان علمًا , والعلم كله حجة إلا ما كان عملا , والعمل كله موقوف إلا ما كان منه على الكتاب والسنة , وتقوم السنة على التقوى. وعن سهل بن عبد الله أنه قال: احفظوا السواد على البياض, فما أحد ترك الظاهر إلا تزندق. وعن سهل بن عبد الله أنه قال:
احفظوا السواد على البياض , فما أحد ترك الظاهر إلا تزندق , وعن سهل بن عبد الله أنه قال:
ما من طريق إلى الله أفضل من العلم , فإن عدلت عن طريق العلم خطوة تهت في الظلام أربعين صباحًا ...
وروي عن إمام أهل السنة أحمد بن حنبل أنه كان يرى المحابر بأيدي طلبة العلم فيقول: هذه سرج الإسلام , وكان هو يحمل المحبرة على كبر سنة , فقال له رجل: إلى متى يا أبا عبد الله؟ فقال: المحبرة إلى المقبرة (١).
стр. 133
هذا , وقد ذكر الرب ﵎ العلم في موضع المدح والثناء , وحلّى به أنبياءه وأصفياءه , وجعله مفخرة يعتز ويفتخر به , كما جعل الجهل وعدم العلم عيبًا يعاب وينتقص عليه ويزدري به , فقال جل من قائل:
﴿يرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ (١).
ومدح أهل العلم بقوله:
﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء﴾ (٢).
كما أدرجهم ضمن من يشهد بألوهيته ووحدانيته , حيث قال:
﴿شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ﴾ (٣).
لأنهم هم المؤمنون حقيقيًا , ويؤمنون بكل ما ينزل من عنده:
﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا﴾ (٤).
ومدح طالوت , وبين سبب اختياره , واصطفائه من بين الناس , لأنه صاحب علم , فقال:
﴿إِنَّ اللهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ (٥).
هذا , وقد زين نبيه يوسف بالعلم , حيث قال:
﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً﴾ (٦).
وأباه من قبل أيضًا:
﴿وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِّمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ (٧).
وكذلك الخضر:
стр. 134
﴿آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْماً﴾ (١).
ولوطًا كذلك: ﴿آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً﴾ (٢).
وكذلك موسى:
﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً﴾ (٣).
وداود وسليمان: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْماً﴾ (٤).
وذكر مَنَّهُ وإحسانه على أفضل البشر وسيد الخلق بقوله:
﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ (٥).
وأمهر بطلب المزيد منه بقوله: ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً﴾ (٦).
وأما الجهل , فوصف به قوم موسى الذين:
﴿قَالُواْ يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ (٧).
وقوم لوط أيضًا:
﴿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَاء بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ (٨).
وقوم هود الذين قال لهم نبيهم:
﴿وَأُبَلِّغُكُم مَّا أُرْسِلْتُ بِهِ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ﴾ (٩).
стр. 135
ومشركي الجزيرة الذين حاجوا خاتم النبيين ورسول الله إلى العالمين ﷺ في دعوته , وعارضوه فأمر أن يخاطبهم:
﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ﴾ (١).
وأمر المؤمنين عامة أن يعرضوا عن الجهال بقوله:
﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاماً﴾ (٢).
والآيات في هذه المعاني لا تعد ولا تحصى.
ومثل ذلك وردت أحاديث كثيرة ثابتة عن رسول الله ﷺ في مدح العلم والتحريض على اكتسابه , والثناء على العلماء , وذم الجهل وأهله , فقال ﵊:
((من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا , سهل الله له به طريقًا إلى الجنة)) (٣).
وقال ﷺ :
((إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من العباد , ولكن يقبض العلم بقبض العلماء , حتى إذا لم يبقَ عالمًا اتخذ الناس رؤوسًا جهالا , فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلّوا وأضلّوا)) (٤).
وقال:
((من دل على خير , فله مثل أجر فاعله)) (٥).
والحديث المشهور:
((من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا , سهل الله به طريقًا من طرق الجنة. وإن الملائكة لتضع أجنحتها لرضًى لطالب العلم. وإن العالم يستغفر له من في السماوات ومن في الأرض والحيتان في جوف الماء. وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب. وإن العلماء ورثة الأنبياء. وإن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا , وإنما ورِّثوا العلم , فمن أخذه أخذ بحظ وافر)) (٦).
стр. 136
وعن أبي أمامة الباهلي قال:
ذكر لرسول الله ﷺ رجلان أحدهما عابد والآخر عالم, فقال رسول الله ﷺ : (فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم , ثم قال رسول الله ﷺ : (إن الله وملائكته وأهل السموات والأرض حتى النملة في جحرها وحتى الحوت ليصلون على معلم الناس الخير) (١).
وقال ﷺ :
(إن رجالا يأتونكم من أقطار الأرض يتفقهون في الدين, فإذا أتوكم فاستوصوا بهم خيرا) (٢).
وقال: (طلب العلم فريضة على كل مسلم) (٣).
وقال: (من خرج في طلب العلم , فهو في سبيل الله حتى يرجع) (٤).
وقال ﷺ :
(نضر الله عبدا سمع مقالتي فحفظها ووعاها وأداها, فرب حامل فقه غير فقيه , ورب حامل فقه إلا من هو أفقه منه) (٥).
و (يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله, ينفون عنه تحريف الغالين , وانتحال المبطلين , وتأويل الجاهلين) (٦).
وأيضًا: (سئل رسول الله ﷺ عن رجلين كانا في بني إسرائيل: أحدهما كان عالمًا يصلي المكتوبة, ثم يجلس فيعلم الناس الخير، والآخر يصوم النهار ويقوم الليل أيهما أفضل؟ قال رسول الله ﷺ : (فضل هذا العالم الذي يصلي المكتوبة, ثم يجلس فيعلّم الناس الخير على العابد الذي يصوم النهار ويقوم الليل كفضلي على أدناكم) (٧).
стр. 137
والأحاديث في هذا المعنى كثيرة جدًّا.
ولكن القوم أحبوا الجهل وكرهوا العلم , واشتروا الضلالة بالهدى والغي بالبصيرة, وتفننوا في مخالفة العلم وذويه, وتقريب الجهل وترويجه, فاحتالوا واخترعوا طريقًا آخر , وجاءوا وسموه كشفًا وإلهامًا, وبذلك أرادوا القضاء عليه إطفاء نور الهداية والرشد بمنع الناس عن القرآن , وصدهم عن السنة زاعمين أن السنة منقولة من ميت عن ميت, وكشفهم وإلهامهم عن الحي الذي لا يموت, فلا حجة لها عليهم, ولهم ولكلامهم حجة عليها وعلى الخلق , وهذا ضرب من ضروب الجهل, وإغراق وانغماس فيه , ولا شك في أنه مؤامرة خطيرة ضد شريعة الله التي جاء بها محمد بن عبد الله خاتم أنبياء الله وسيد رسله ﷺ وليس هناك مؤامرة أكبر وأخطر من هذه, لأنها تتضمن نسخ شريعة الله الأخيرة ونبوة محمد ﷺ , لأنها ما دام أوامر الرب تنزل , وأحكامه تتنزل, وإرشاداته تلهم, وتعليماته تعرف بالكشف, فلا معنى لانقطاع النبوة وختم لرسالة وكمال الدين وتمام النعمة.
ولو كان القرآن كافيًا لهداية الأمة وإرشاد الناس , لما احتيج إلى إنزال الأمور بعده.
ولو كانت السنة النبوية شافية, لما اضطر إلى تنزيل السنن الجديدة وتقنينها , وإن كانت تلك السنن سنن رسول الله لم يبينها هو ﵇ لتلاميذه الراشدين وأصحابه الطيبين, فكيف أدى الأمانة وبلغ الرسالة, ولماذا شهد الله عنه ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ (١)؟
أو أن رسول الله ﷺ لم يبين القرآن, فاحتيج إلى أن يبينه الله بعد وفاته بواسطة صوفي أو متصوفة , فما معنى قوله إذن:
﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (٢)
وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ (٣).
стр. 138
فدعوى الكشف والإلهام ليس إلا تعطيلا للعلم والقواعد الشرعية بدون أصول ثابتة وأسس مطردة , وكذلك نشر الفوضوية والهمجية, حيث لا يلزم أحد بشيء , ولا يطلب منه شيء لإمكان وجود الكشف والإلهام خلافه, زيادة على ذلك إمكان الإلهامات المختلفة, والمكاشفات المتناقضة المتضاربة , في وقت واحد باختلاف الأشخاص وتعدد الملهمين وأهل الكشف, لأنه لا مدخل للعقل , ولا مقام للفكر فيها كما قال الشيخ الأكبر للمتصوفة محيي الدين بن عربي في ((فتوحاته)):
" اعلم أن علومنا وعلوم أصحابنا ليست من طريق الفكر, وإنما هي من الفيض الإلهي " ... (١).
ويقول: " إن جميع ما أكتبه في تأليفي ليس هو عن رؤيَّة وفكر , وإنما هو عن نفث في رُوعي على يد ملك الإلهام " (٢).
و" جميع ما كتبته وأكتبه في هذا الكتاب إنما هو إملاء إلهي , ولقاء رباني , أو نفث رُوحاني في روح كِياني , كل ذلك بحكم الإرث للأنبياء والتبعية لهم , لا بحكم الاستقلال ... وإن ترتيب أبواب ((الفتوحات)) لم يكن عن اختيار ولا عن نظر فكري , وإنما الحق أملى علينا على لسان ملك الإلهام جميع ما نسطره , وقد نذكر كلامًا بين كلامين لا تعلق له بما قبله ولا بعده , وذلك شبيه بقوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ بين آيات طلاق ونكاح وعدة وفاة تتقدمها وتتأخرها.
وإن العارفين إنما كانوا لا يتقيدون بالكلام على ما بوبوا عليه فقط , لأن قلوبهم عاكفة على باب الحضرة الإلهية مراقبة لما يبرز منها, فمهما برز لها أمر بادرت لامتثاله, وألفته على حسب ما حد لها, فقد تلقى الشيء إلى ما ليس من جنسه امتثالا لأمر ربها " (٣).
стр. 139
وعلى ذلك يقول في بداية فصوصه: " إني رأيت رسول الله ﷺ في مبشرة أريتها في العشر الآخر من محرم سنة سبع وعشرين وستمائة بمحروسة دمشق , وبيده ﷺ كتاب, فقال لي: هذا كتاب فصوص الحكم, خذه واخرج به إلى الناس ينتفعون به. فقلت: السمع والطاعة لله ولرسوله وأولي الأمر منا كما أمرنا. فحققت الأمنية, وأخلصت النية, وجردت القصد والهمة إلى إبراز هذا الكتاب كما حده لي رسول الله ﷺ من غير زيادة (٢ - ١) ولا نقصان , وسألت الله تعلى أن يجعلني فيه وفي جميع أحوالي من عباده الذين ليس للشيطان عليهم سلطان , وان يخصني في جميع ما يرقمه بناني, وينطق به لساني , وينطوي عليه جناني بالإلقاء السبوحي والنفث الروحي في الرُّوع النفسي بالتأييد الاعتصامي, حتى أكون مترجمًا لا متحكمًا, ليتحقق من يقف عليه من أهل الله أصحاب القلوب أنه من مقام التقديس المنزه عن الأغراض النفسية التي يدخلها التلبيس. وأرجو أن يكون الحق لما سمع دعائي قد أجاب ندائي , فما ألقى إلا ما يلقى إليَّ, ولا أنزل في هذا المسطور إلا ينزل به علي. ولست بنبي ولا رسول , ولكني وارث , ولآخرتي حارث.
فمن الله فاسمعوا ... وإلى الله فارجعوا
فإذا ما سمعتم ما ... أتيت به ... فعوا (١)
وبعدئذ لا يبقى لأحد أن يعترض على صوفي , أو ينتقد فعلا من أفعاله , أو يطعن في أمر من أوامره, أو يتكلم في تعليم من تعاليمه, مهما كان مخالفًا للعقل والنقل , لأن النقل مأخوذ ميتًا عن ميت كما روى السهلجي عن أستاذه أنه قال:
" حضرت مجلس أبي يزيد البسطامي والناس يقولون: فلان لقي فلانًا.
قال أبو يزيد: مساكين أخذوا ميتًا عن ميت, وأخذنا علمنا من الحي الذي لا يموت.
стр. 140
وقال أيضًا: الناس يقولون له , وأن أقول منه (١).
وأيضًا قال ردًّا على رجل فقيه:
" علمك يا شيخ نقل عن لسان التعليم , لا للعمل , وعلمي من الله إلهامات من عنده " (٢).
ونقلوا عن أصحاب الجنيد أنه قال:
" مدارج العلوم تكون بالوسائط , وأما مدارج الحقائق , فلا تكون إلا بالمكاشفة " (٣).
ويقول ابن عربي:
" علماء الرسوم يأخذون خلفًا عن سلف إلى يوم القيامة , فيبعد النسب , والأولياء يأخذون عن الله ألقاه في صدورهم " (٤).
ونقل النفزي الرندي عن المتصوفة أنه دخل عليه إنسان وهو يبكي,
فقال: ما يبكيك؟
قال: مات أستاذي.
فقال له ذلك العارف:
ولم جعلت أستاذك من يموت؟ (٥).
ونقل الشعراني عن مشايخه أنه صرح بكل وضوح وجلاء:
" لا يكمل الرجل عندنا في مقام العلم حتى يكون علمه عن الله بلا واسطة من نقل أو شيخ , فإن من كان علمه مستفادًا من نقل أو شيخ فما برح عن الأخذ عن المحدثات , وذلك معلول عند أهل الله . ومن قطع عمره في معرفة المحدثات وتفاصيلها, فاته حظه من ربه لأن العلوم المتعلقة بالمحدثات يفنى الرجل عمره فيها ولا يبلغ حقيقتها, ولو أنك يا أخي سلكت على يد شيخ من أهل الله لأوصلك إلى حضرة شهود الحق تعالى, فتأخذ عنه العلم بالأمور من طريق
стр. 141
الإلهام الصحيح من غير تعب ولا نصب ولا سهر كما أخذه الخضر ﵇.
فلا علم إلا ما كان عن كشف وشهود لا عن نظر وفكر, وظن وتخمين (١).
فهذا النص يرشح كل ما في إناء الديانة الصوفية من مخالفة طلب العلم والسعي لاكتسابه , والرحلة في سبيله , فلا يخرج أحد لطلب علوم القرآن والحديث, وليجلس في دير من دور القوم أو خلوة من الخلوات ويشتغل فيها بالعبادة والتحنث فيفتح الله عليه جميع العلوم بالتجلي على قلبه - عياذًا الله - كما ذكر الشعراني مبينًا نزول صورة العلوم والإلهام عليه ردًا على سؤال سأله:
((ما صورة تنزل وحي الإلهام على قلوب الأولياء؟)) فأجاب:
" صورته أن الحق تعالى إذا أراد أن يوحي إلى ولي من أوليائه بأمر ما, تجلى إلى قلب ذلك الولي في صورة الأمر, فيفهم من ذلك الولي التجلي بمجرد مشاهدته ما يريد الحق تعالى أن يعلم ذلك الولي به من تفهيم معاني كلامه أو كلام نبيه ﷺ فهناك يجد الولي في نفسه علم ما لم يكن يعلم من الشريعة " (٢).
هذا بالنسبة للعقل, وأما النقل , فلقد صرح ابن عربي أنه لا علاقة له بعلمهم الذوقي والكشفي والإلهامي كما قال:
" وتختلف الطريق في تحصيل العلوم بين الفكر والوهب وهو الفيض الإلهي , وعليه طريقة أصحابنا , ليس لهم في الفكر دخول لما يتطرق إليه من الفساد, والصحة فيه مظنونة , فلا يوثق بما يعطيه ... ولهذا يقال في علوم النبوة والولاية: إنها وراء طور العقل , ليس للعقل فيها دخول بفكر, لكن له القبول , خاصة عند السليم العقل الذي لم تغلب عليه شبهة خيالية فكرية, يكون من ذلك فساد نظره " (٣).
وأيضًا: " إن علوم الأنبياء والأولياء أذواق لا عن فكر ونظر " (٤).
وقال محمد الاستنبولي: " لا يجوز لمن لا يعرف مصطلح القوم أن يتكلم في حقهم
стр. 142
بشرِّ , لأن دائرة الولاية تبدأ من وراء طور العقل , لبنائها على الكشف " (١).
ويعرف الخواجة عبد الله الأنصاري الهروي الكشف بقوله: " هو بلوغ ما وراء الحجاب وجودًا " (٢).
فإذن لا إنكار على ما يقوله مشايخهم ويتفوهون به مخالفًا للعقل والنقل , ولا رد على ما يعملون ويأتون به منافيًا للدليل الشرعي والبرهان النظري.
وأقطع النصوص في ذلك هو ما صرح به عبد الغني الرافعي حيث قال:
" ومن آداب الطريق أن يعتقد في شيخه أنه على شريعة من ربه وبينة منه , فلا يزن أحواله ميزانه , فقد يصدر من الشيخ ما صورته مذمومة وهو محمود في الباطن , ومنهم من يجسد روحانيته على صورته ويقيمها في فعل من الأفعال ويراها الحاضرون , فيقولون: رأينا فلانًا يفعل كذا. وهو بمعزل من ذلك الفعل ... وكأنما إنما يفعلون ذلك ليصرفوا الناس عنهم " (٣).
فالمعنى أن الصوفية لا إنكار عليهم , ولو رآهم أحد يزني , ويشرب الخمر, ويعمل الخبائث , ويرتكب المحرمات , لأنه من الممكن أن تتجسد روحانيته في صورة مثل صورته ويرتكب حرامًا , وهو " بمعزل من ذلك ".
فوا أسفي على مؤامرة الصوفية ضد الإسلام والشريعة الإسلامية النقية الزكية النزيهة عن مثل هذه الفلسفات الشيطانية, فإنها لا تعرف شيئًا من هذه الحيل والعلل التي اخترعها الصوفية بالشريعة وأوامرها وهتك حرمتها.
وإلا فما المراد من تحريم الفكر والنظر في الأدلة على المريد وتحريم موازنة أفعال وأحوال شيخه بميزان الشريعة , وإيجاب التسليم لمرشده وهاديه الذي لا يهديه إلا إلى الزيغ والضلال وإلى طريق الجحيم.
فهذا جزاء لمن أراد أن يحافظ على الشريعة ولا يتركها بأمر من يريدون القضاء
стр. 143
عليها من المتصوفة.
ورواية أخرى رواها الجعلي الفضلي عن صوفي سوداني أنه كان " يرد المطلقة ثلاثًا من غير زوج ينكحها , وكان الشيخ عبد القادر ابن الشيخ إدريس ينكر عليه في ذلك , ويقول له: جميع الناس تسويهم أولاد الزنا. فيقول له:
متى ما أنكر عليه: اسأل أمك. فسأل أمه طاهرة عن ذلك, فقالت: أبوك طلقني ثلاثًا , مكثت عزبة ثماني سنين , فردّني له , فحملت بك. فقال له الشيخ: يا عبد القادر , رجعنا لك " (١).
وذكر الجعلي هذا واحدًا من مشايخه ومتصوفيه محمد الحميم بن عبد الصادق أنه تزوج من تسعين امرأة , وجمع بين العشرات , كما جمع بين بنات الشيخ بان النقا , وبين بنات أبي لدودة اثنتين اثنتين , فأنكر عليه القاضي , وقال له: يا شيخ محمد , خمست , وسدست , وعشرت حتى جمعت الآن بين أختين, تخالف كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ؟! فقال له: إن الرسول ﷺ أذن لي بذلك ... فقال له القاضي: جميع هذه الأنكحة فسختها , فدعا عليه وقال له: الله يفسخ جلدك. فمرض القاضي, وانفسخ جلده ... وقال في رده أبياتًا منها:
فإن كنت يا قاضي قرأت مذاهبًا ... فلم تدرك يا قاضي رموز مذاهبنا
فمذهبكم نصلح به بعض ديننا ... ومذهبنا يعجم عليكم إذا قلنا
قطعنا البحار الزاخرات وراعنا ... فلم يدر الفقهاء أين توجهنا
حللنا بواد عندنا اسمه الفضا ... فضاق بنا الوادي ونحن ما ضقنا
حللنا بقرب القاب روحًا من الدنا ... عجنا شموسًا أخجلت شمس نورنا (٢)
ومثل ذلك رووا عن عبد الرحمن الجامي الصوفي الخراساني الفارسي المشهور انه قدم سيف الدين أحمد ومعه جملة من المدرسين , فعمل لهم الضيافة , ثم أقام لهم الغناء والرقص , فقال بعض الحاضرين للشيخ:
стр. 144
يا مولانا , كيف استماع الغناء والضرب بالدفوف والرقص , ما هو خلاف الشرع؟
فحول الشيخ وجهه إليه , وتكلم في أذنه خفية, فظهر منه صوت عجيب , وحصل له وجد بالسماع وضرب الدف, ولما أفاق اعتذر للشيخ (١).
وأشنع منها الحكاية التي ذكرها اليافعي أن بعض الأمراء " استأذنته امرأته ذات ليلة في الخروج من بيته فأذن لها ثم تبعها , ولم يزل يمشي بعدها إلى أن جاءت إلى موضع سماع الشيخ وفقرائه , فرأى النساء وقربها من الفقراء , فأنكر عليه بقلبه , وقال: هؤلاء الفاعلون التاركون يسمعون والنساء عندهم. ثم إنه أخذه حرقان بول , فتنحى إلى مكان ليبول فيه , فوجد فرج امرأة , فعرفه من أين أتى, ثم وقف حتى تفرق الناس وهو محزون متحير في أمره , فوقف على الشيخ وقال له:
هكذا يكون الفقراء إذا جلس عندهم النساء , فاستغفر الله تعالى من ذلك الخاطر, ودعا له الشيخ فعاد إلى حالة الأول " (٢).
ومن الغرائب أن الهجويري المعروف بالاعتدال يحكي عن إحدى الصوفيات فاطمة البلخية أنها ذهبت مع زوجها الصوفي المشهور أحمد بن خضرويه البلخي إلى با يزيد, فلما أقبلت على با يزيد ورفعت البرقعة عن وجهها وكانت تتحدث معه بجرأة, فتعجب أحمد من ذلك , واستولت الغيرة على قلبه , فقال: يا فاطمة , أيّ جرأة تلك التي كانت لك مع با يزيد؟
فقالت: لأنك أنت محرم طبيعتي , وهو محرم طريقتي (٣).
هذا , والوقائع مثل هذه أكثر من أن تعد وتحصى , وأن يسعها باب أو كتاب , إن دلت على شيء دلت على أنه لا استنكار ولا نكير على الصوفية فيما يأمرون ويفعلون , ويقولون ويعلمون , لأن لهم علاقة رابطة واتصالا مع الله بطريق الكشف والإلهام
стр. 145
غير مسطور في القرآن ولا مذكور في السنة , فهم يعملون حسب ما يلهمون , ويقولون حسب ما يكشف لهم مثل ما ينقل عبد القادر أحمد عطا عن الشعراني أن " الأولياء لهم علوم يتداولونها فيما بينهم لم يسطر في الكتاب , ولم يطرق سمع أحد علم منها, وهي كثيرة " (١).
وبمثل ذلك قال الأستاذ مصطفى عبد الرزاق المتعاطف على التصوف والمتصوفة:
" وأهل التصوف يؤثرون العلوم الإلهامية دون التعليمية , ويعدونها المعرفة الحقيقية والمشاهدة اليقينية التي يستحيل معها إمكان الخطأ.
ولذلك لم يحرصوا على دراسة العلم وتحصيل ما صنفه المصنفون , والبحث عن الأقاويل والأدلة , بل قالوا: إن الطريق إلى تحصيل تلك الدرجة بتقديم المجاهدة , ومحو الصفات المذمومة, وقطع العلائق كلها , والإقبال بكنه الهمة على الله تعالى. فطريق الصوفية يرجع إلى تطهيرٍ محضٍ وجلاء ومحاسبة للنفس , ثم استعداد وانتظار للتجلي " (٢).
وعلى ذلك قال الشعراني:
" لا ينبغي لأحد أن يبادر إلى الإنكار على من أمره شيخه بحلق اللحية - بعد ما ذكر حكاية غريبة عن الشيخ عبد الغفار القوصي - أن بعض الأولياء كان جالسا يعظ الناس , فنزل من الكرسي وضرب شخصًا على رأسه من السامعين , ثم رجع إلى الكرسي فقال فقيه: هذا حرام عليك , أيش عمل هذا حتى تضربه؟
فقال المضروب: أنا أستحق ذلك , لأني اغتبت في نفسي وليًا من الأولياء المدفونين فضربني تعزيرًا , فخجل ذلك الفقيه من الشيخ , ثم إنه نزل وضرب شخصًا آخر, فسألوه عن ذلك. فقال: إنه خطر في نفسه أنه أفضل من العلماء الحاضرين. وقال له: كيف تفضل نفسك؟ أما علمت أن ذلك ذنب إبليس الذي أخرج به من الجنة؟ فقال