← Акыда

Акыда · id 12798

دراسات في التصوف

إحسان إلهي ظهير

Полный текст (342 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

الإلهام الصحيح من غير تعب ولا نصب ولا سهر كما أخذه الخضر ﵇. فلا علم إلا ما كان عن كشف وشهود لا عن نظر وفكر, وظن وتخمين (١). فهذا النص يرشح كل ما في إناء الديانة الصوفية من مخالفة طلب العلم والسعي لاكتسابه , والرحلة في سبيله , فلا يخرج أحد لطلب علوم القرآن والحديث, وليجلس في دير من دور القوم أو خلوة من الخلوات ويشتغل فيها بالعبادة والتحنث فيفتح الله عليه جميع العلوم بالتجلي على قلبه - عياذًا الله - كما ذكر الشعراني مبينًا نزول صورة العلوم والإلهام عليه ردًا على سؤال سأله: ((ما صورة تنزل وحي الإلهام على قلوب الأولياء؟)) فأجاب: " صورته أن الحق تعالى إذا أراد أن يوحي إلى ولي من أوليائه بأمر ما, تجلى إلى قلب ذلك الولي في صورة الأمر, فيفهم من ذلك الولي التجلي بمجرد مشاهدته ما يريد الحق تعالى أن يعلم ذلك الولي به من تفهيم معاني كلامه أو كلام نبيه ﷺ فهناك يجد الولي في نفسه علم ما لم يكن يعلم من الشريعة " (٢). هذا بالنسبة للعقل, وأما النقل , فلقد صرح ابن عربي أنه لا علاقة له بعلمهم الذوقي والكشفي والإلهامي كما قال: " وتختلف الطريق في تحصيل العلوم بين الفكر والوهب وهو الفيض الإلهي , وعليه طريقة أصحابنا , ليس لهم في الفكر دخول لما يتطرق إليه من الفساد, والصحة فيه مظنونة , فلا يوثق بما يعطيه ... ولهذا يقال في علوم النبوة والولاية: إنها وراء طور العقل , ليس للعقل فيها دخول بفكر, لكن له القبول , خاصة عند السليم العقل الذي لم تغلب عليه شبهة خيالية فكرية, يكون من ذلك فساد نظره " (٣). وأيضًا: " إن علوم الأنبياء والأولياء أذواق لا عن فكر ونظر " (٤). وقال محمد الاستنبولي: " لا يجوز لمن لا يعرف مصطلح القوم أن يتكلم في حقهم

стр. 142

بشرِّ , لأن دائرة الولاية تبدأ من وراء طور العقل , لبنائها على الكشف " (١). ويعرف الخواجة عبد الله الأنصاري الهروي الكشف بقوله: " هو بلوغ ما وراء الحجاب وجودًا " (٢). فإذن لا إنكار على ما يقوله مشايخهم ويتفوهون به مخالفًا للعقل والنقل , ولا رد على ما يعملون ويأتون به منافيًا للدليل الشرعي والبرهان النظري. وأقطع النصوص في ذلك هو ما صرح به عبد الغني الرافعي حيث قال: " ومن آداب الطريق أن يعتقد في شيخه أنه على شريعة من ربه وبينة منه , فلا يزن أحواله ميزانه , فقد يصدر من الشيخ ما صورته مذمومة وهو محمود في الباطن , ومنهم من يجسد روحانيته على صورته ويقيمها في فعل من الأفعال ويراها الحاضرون , فيقولون: رأينا فلانًا يفعل كذا. وهو بمعزل من ذلك الفعل ... وكأنما إنما يفعلون ذلك ليصرفوا الناس عنهم " (٣). فالمعنى أن الصوفية لا إنكار عليهم , ولو رآهم أحد يزني , ويشرب الخمر, ويعمل الخبائث , ويرتكب المحرمات , لأنه من الممكن أن تتجسد روحانيته في صورة مثل صورته ويرتكب حرامًا , وهو " بمعزل من ذلك ". فوا أسفي على مؤامرة الصوفية ضد الإسلام والشريعة الإسلامية النقية الزكية النزيهة عن مثل هذه الفلسفات الشيطانية, فإنها لا تعرف شيئًا من هذه الحيل والعلل التي اخترعها الصوفية بالشريعة وأوامرها وهتك حرمتها. وإلا فما المراد من تحريم الفكر والنظر في الأدلة على المريد وتحريم موازنة أفعال وأحوال شيخه بميزان الشريعة , وإيجاب التسليم لمرشده وهاديه الذي لا يهديه إلا إلى الزيغ والضلال وإلى طريق الجحيم. فهذا جزاء لمن أراد أن يحافظ على الشريعة ولا يتركها بأمر من يريدون القضاء

стр. 143

عليها من المتصوفة. ورواية أخرى رواها الجعلي الفضلي عن صوفي سوداني أنه كان " يرد المطلقة ثلاثًا من غير زوج ينكحها , وكان الشيخ عبد القادر ابن الشيخ إدريس ينكر عليه في ذلك , ويقول له: جميع الناس تسويهم أولاد الزنا. فيقول له: متى ما أنكر عليه: اسأل أمك. فسأل أمه طاهرة عن ذلك, فقالت: أبوك طلقني ثلاثًا , مكثت عزبة ثماني سنين , فردّني له , فحملت بك. فقال له الشيخ: يا عبد القادر , رجعنا لك " (١). وذكر الجعلي هذا واحدًا من مشايخه ومتصوفيه محمد الحميم بن عبد الصادق أنه تزوج من تسعين امرأة , وجمع بين العشرات , كما جمع بين بنات الشيخ بان النقا , وبين بنات أبي لدودة اثنتين اثنتين , فأنكر عليه القاضي , وقال له: يا شيخ محمد , خمست , وسدست , وعشرت حتى جمعت الآن بين أختين, تخالف كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ؟! فقال له: إن الرسول ﷺ أذن لي بذلك ... فقال له القاضي: جميع هذه الأنكحة فسختها , فدعا عليه وقال له: الله يفسخ جلدك. فمرض القاضي, وانفسخ جلده ... وقال في رده أبياتًا منها: فإن كنت يا قاضي قرأت مذاهبًا ... فلم تدرك يا قاضي رموز مذاهبنا فمذهبكم نصلح به بعض ديننا ... ومذهبنا يعجم عليكم إذا قلنا قطعنا البحار الزاخرات وراعنا ... فلم يدر الفقهاء أين توجهنا حللنا بواد عندنا اسمه الفضا ... فضاق بنا الوادي ونحن ما ضقنا حللنا بقرب القاب روحًا من الدنا ... عجنا شموسًا أخجلت شمس نورنا (٢) ومثل ذلك رووا عن عبد الرحمن الجامي الصوفي الخراساني الفارسي المشهور انه قدم سيف الدين أحمد ومعه جملة من المدرسين , فعمل لهم الضيافة , ثم أقام لهم الغناء والرقص , فقال بعض الحاضرين للشيخ:

стр. 144

يا مولانا , كيف استماع الغناء والضرب بالدفوف والرقص , ما هو خلاف الشرع؟ فحول الشيخ وجهه إليه , وتكلم في أذنه خفية, فظهر منه صوت عجيب , وحصل له وجد بالسماع وضرب الدف, ولما أفاق اعتذر للشيخ (١). وأشنع منها الحكاية التي ذكرها اليافعي أن بعض الأمراء " استأذنته امرأته ذات ليلة في الخروج من بيته فأذن لها ثم تبعها , ولم يزل يمشي بعدها إلى أن جاءت إلى موضع سماع الشيخ وفقرائه , فرأى النساء وقربها من الفقراء , فأنكر عليه بقلبه , وقال: هؤلاء الفاعلون التاركون يسمعون والنساء عندهم. ثم إنه أخذه حرقان بول , فتنحى إلى مكان ليبول فيه , فوجد فرج امرأة , فعرفه من أين أتى, ثم وقف حتى تفرق الناس وهو محزون متحير في أمره , فوقف على الشيخ وقال له: هكذا يكون الفقراء إذا جلس عندهم النساء , فاستغفر الله تعالى من ذلك الخاطر, ودعا له الشيخ فعاد إلى حالة الأول " (٢). ومن الغرائب أن الهجويري المعروف بالاعتدال يحكي عن إحدى الصوفيات فاطمة البلخية أنها ذهبت مع زوجها الصوفي المشهور أحمد بن خضرويه البلخي إلى با يزيد, فلما أقبلت على با يزيد ورفعت البرقعة عن وجهها وكانت تتحدث معه بجرأة, فتعجب أحمد من ذلك , واستولت الغيرة على قلبه , فقال: يا فاطمة , أيّ جرأة تلك التي كانت لك مع با يزيد؟ فقالت: لأنك أنت محرم طبيعتي , وهو محرم طريقتي (٣). هذا , والوقائع مثل هذه أكثر من أن تعد وتحصى , وأن يسعها باب أو كتاب , إن دلت على شيء دلت على أنه لا استنكار ولا نكير على الصوفية فيما يأمرون ويفعلون , ويقولون ويعلمون , لأن لهم علاقة رابطة واتصالا مع الله بطريق الكشف والإلهام

стр. 145

غير مسطور في القرآن ولا مذكور في السنة , فهم يعملون حسب ما يلهمون , ويقولون حسب ما يكشف لهم مثل ما ينقل عبد القادر أحمد عطا عن الشعراني أن " الأولياء لهم علوم يتداولونها فيما بينهم لم يسطر في الكتاب , ولم يطرق سمع أحد علم منها, وهي كثيرة " (١). وبمثل ذلك قال الأستاذ مصطفى عبد الرزاق المتعاطف على التصوف والمتصوفة: " وأهل التصوف يؤثرون العلوم الإلهامية دون التعليمية , ويعدونها المعرفة الحقيقية والمشاهدة اليقينية التي يستحيل معها إمكان الخطأ. ولذلك لم يحرصوا على دراسة العلم وتحصيل ما صنفه المصنفون , والبحث عن الأقاويل والأدلة , بل قالوا: إن الطريق إلى تحصيل تلك الدرجة بتقديم المجاهدة , ومحو الصفات المذمومة, وقطع العلائق كلها , والإقبال بكنه الهمة على الله تعالى. فطريق الصوفية يرجع إلى تطهيرٍ محضٍ وجلاء ومحاسبة للنفس , ثم استعداد وانتظار للتجلي " (٢). وعلى ذلك قال الشعراني: " لا ينبغي لأحد أن يبادر إلى الإنكار على من أمره شيخه بحلق اللحية - بعد ما ذكر حكاية غريبة عن الشيخ عبد الغفار القوصي - أن بعض الأولياء كان جالسا يعظ الناس , فنزل من الكرسي وضرب شخصًا على رأسه من السامعين , ثم رجع إلى الكرسي فقال فقيه: هذا حرام عليك , أيش عمل هذا حتى تضربه؟ فقال المضروب: أنا أستحق ذلك , لأني اغتبت في نفسي وليًا من الأولياء المدفونين فضربني تعزيرًا , فخجل ذلك الفقيه من الشيخ , ثم إنه نزل وضرب شخصًا آخر, فسألوه عن ذلك. فقال: إنه خطر في نفسه أنه أفضل من العلماء الحاضرين. وقال له: كيف تفضل نفسك؟ أما علمت أن ذلك ذنب إبليس الذي أخرج به من الجنة؟ فقال

стр. 146

الشخص: أستغفر الله نعالى! وتاب من ذلك " (١). ومثل ذلك قال في أخلاقه بعد ما ذكر عن المتبولي أنه قال: " علمت من كان في ظهر آدم من السعداء حال كونهم ذرات , فلا يزيدون على ما علمت ولا شخصًا واحدا , وكذلك أطلعني الله تعالى على جميع ما يفعله كل عبد حين أرى أنفه فأعرف ما وقع فيه في الماضي , وما يقع فيه في المستقبل من خير وشر- ثم قال -: وقلت: وينبغي التسليم لكل من ادعى أن الله أطلعه على ذلك , لأنه ادعى ممكنًا " (٢). وابن عجيبة الحسني لم ير أن يتأخر عن الجماعة ترويجًا لهذا الباطل , فقال بعد ما نقل عن أبي بكر الشبلي أنه كان له تلميذ, فكساه رجل يومًا جبة , وكان على رأس الشبلي قلنسوة , فخطر على قلب التلميذ محبة القلنسوة ليجمعها مع الجبة , فكاشفه الشيخ فأزال له الجبة وجمعها مع القلنسوة , ورمى بهما في النار , وقال له: لا تبق في قلبك التفاتًا لغير الله - قال بعد ذكر هذه الحكاية -: وأنكر عليه بعض أهل الظاهر المتجمدون على ظاهر الشريعة جهلا بالمقصود , لأن أعمال الصوفية مبينة على العبادة القلبية (٣). فهكذا خالف القوم الشريعة, ونقضوها وعطّلوها, وهدموا قواعدها بدعوى الكشف والإلهام , فادعى بعض منهم بعدم التفريق بين النبي والولي من حيث الوحي والإلهام , وزاد بعضهم في غلوائه , فرجحوا الولاية على النبوة , وزعموا بعدم ختم نبوة محمد ﷺ وإتيان النبي (٤). وارتقى البعض الآخر إلى أن وصل إلى مرتبة الألوهية والربوبية , فقالوا في ذلك ما قالوا (٥). والجدير بالذكر أن جل إلهامات القوم وأكثر مكاشفاتهم ليست من الرب - عز اسمه

стр. 147

وجل مجده , - بل إنها خبالات نفسانية أو بخارات صعدت إلى مفكراتهم وأذهانهم من سوء الهضم , والتجوع , والسهر, أو تخيلات المهووسين والمجانين أو إلقاءات وإيحاءات شيطانية , لاختلافها وتناقضها وتعارضها وتبيانها باختلاف الأشخاص والبيئات. فوجود الاختلاف دليل على أن مصدرها ومنبعها ليس بواحد , وهذا واضح وجلي لمن عرف مكاشفات القوم, واطلع على إلهاماتهم, وقرأ في كتبهم , فمكاشفات ابن عربي تختلف عن مكاشفات ابن سبعين , وإلهامات أبي البسطامي عن با يزيد الأنصاري وذي النون المصري , والرفاعي عن الشاذلي والنقشبندي عن السهروردي, والجشتي عن القادري, والبكتاشي عن النوربشتي , والتيجاني عن العروسي ... ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً﴾ (١). وعلى ذلك انتبه لهم علماء الإسلام وفقهاء الأمة, وتصدوا لهم بالرد على أفكارهم وخيالاتهم , ففسّقوا البعض وكفّروا الآخرين , وافتوا بالزندقة على قسم منهم, ولم يكن ردهم عليهم إلا أن قالوا كما نطق به شيخهم الأكبر: " ويزيل رجل الطريق التفكر عن نفسه جملة واحدة , فإنه مفرّق لهمّه , ويعتكف على مراقبة قلبه عند ربه , عسى الله أن يفتح له الباب إليه , ويعلم ما لم يكن يعلم , مما علمته الرسل وأهل الله , مما لم تستقل العقول بإدراكه , وإحالته. فإذا فتح الله لصاحب هذا القلب هذا " الباب " حصل له تجلِّ إلهي , أعطاه ذلك التجلي بحسب ما يكون حكمه , فينسب إلى الله منه أمرًا لم يكن قبل ذلك يجرأ على نسبته إلى الله - سبحانه - ... غير أن أصحابنا اليوم يجدون غاية الألم , حيث لا يقدرون يرسلون ما ينبغي أن يرسل عليه سبحانه كما أرسلت الأنبياء ﵈ فما أعظم تلك التجليات! وإنما منعهم أن يطلقوا عليه ما أطلقت الكتب المنزلة والرسل ﵈ عدم إنصاف السامعين من الفقهاء وأولي الأمر, لما يسارعون إليه في تفكير من يأتي بمثل ما جاءت به الأنبياء ﵈ في جنب الله, وتركوا - أعني

стр. 148

هؤلاء الفقهاء - معنى قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ كما قال له ﷺ ربه عند ذكره الأنبياء والرسل ﵈: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾. فأغلق الفقهاء هذا الباب من أجل المدعين الكاذبين في دعواهم. ونعم ما فعلوا , وما على الصادقين في هذا من ضرر, لأن الكلام والعبارة عن مثل هذا ما هو ضربة لازب. وفيما ورد عن رسول الله ﷺ في ذلك كفاية لهم. فيوردونها, يستريحون إليها: من تعجب , وفرح , وضحك وتبشبش , ونزول , ومعية , ومحبة , وشوق , وما أشبه ذلك مما لو انفرد بالعبارة عنه الولي كفر, وربما قُتل. (٣٠٣) وأكثر علماء الرسوم عدموا علم ذلك ذوقًا وشربًا. فأنكروا مثل هذا من العارفين , حسدًا من عند أنفسهم. إذ لو استحال إطلاق مثل هذا على الله تعالى , ما أطلقه على نفسه , ولا أطلقته رسله ﵈ عليه. ومنعهم الحسد أن يعلموا أن ذلك رد على كتاب الله, وتحجير على رحمة الله أن تنال بعض عباد الله, وأكثر العامة تابعون للفقهاء في هذا الإنكار , تقليدًا لهم , بل بحمد الله أقل العامة ... فانظر ما يقاسيه في نفسه العالم بالله. فسبحان من أعمى بصائرهم علماء الرسوم , حيث أسلموا وسلموا , وآمنوا بما به كفروا, فالله يجعلنا ممن عرف الرجال بالحق , لا ممن عرف الحق بالرجال (١). " إنما كان الناس ينكرون على أهل الله تعالى علومهم لأنها جاءت أصحابها من طرق غريبة غير مألوفة, وهي طرق الكشف, وأكثر علوم الناس إنما جاءتهم من طريق الفكر, فلذلك كانوا ينكرون كل ما جاءهم من غير هذا الطريق , وما كل أحد يقدر على جلاد مرآة قلبه بالمجاهدة والرياضة حتى يصير يفهم كلام أهل الله, ويدخل دائرتهم , ولكن لله في ذلك حكم وأسرار (٢). وأيضًا " لقد وقع لنا وللعارفين أمور ومحن بواسطة إظهارنا المعارف والأسرار,

стр. 149

وشهدوا فينا بالزندقة , وآذونا الأذى, وصرنا كرسول كذبه قومه وما آمن معه إلا قليل , وأعدى عدو لنا المقلدون لأفكارهم , وأما الفلاسفة فيقولون عنا: هؤلاء قوم أهل هوس, قد فسدت خزانة خيالهم , فضعفت عقولهم , ويا ليتهم إذ لم يصدقونا جعلونا كأهل الكتاب لا يكذبونا فيما لم يخالف شرعنا , مع أنا لا يضرنا بحمد الله إنكارهم علينا لجهلهم " (١). ونقل الشعراني مثل ذلك عن الجنيد سيد الطائفة أنه قال: " لا يبلغ أحد درج الحقيقة حتى يشهد فيه ألف صديق بأنه زنديق, وذلك , لأنه إذا نطق بعلوم الأسرار لا يسع الصديقين إلا أن ينكروا عليه " (٢). وذكر الشعراني في مقدمة كتابه ((الطبقات الكبرى)) الكثيرين من المشايخ الصوفية الكبار الذين أخرجوا من بلادهم , وفُسّقوا وكُفّروا مثل أبي يزيد البسطامي , وذي النون المصري , وسمنون , وسيد الطائفة الجنيد , والحكيم الترمذي, وأبي مدين المغربي, وغيرهم الكثيرين الكثيرين (٣). وذكر ماسنيون سبب سخط الفقهاء وغضبهم على المتصوفة حيث قال: " ولكن الفقهاء والمتكلمين أسخطهم أن يروا أناسًا يتحدثون عن نشدان الضمير, ويحتكمون إلى قصائد الباطن, في حين أن شريعة القرآن تحاسب على الأعمال الظاهرة , وتعاقب الناس على آثامهم, ولا حيلة لها مع النفاق في الدين , ولذلك حاولوا أن يبينوا أن حياة الصوفية لا محالة مفضية بهم إلى الزيغ ". وعن مثل هؤلاء قال الله : ﴿فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندِ اللهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ

стр. 150

ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ﴾ (١). و ﴿وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ اللهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (٢).

стр. 151

الباب الرابع التَصُّوف .. بدعه وَخصَائِصه إن المصنف لما يتعمق في كتب المتصوفة ورسائلهم وصحفهم , في سيرهم وسلكوهم , أحوالهم وطبقاتهم , أسسهم وقواعدهم , ليرى أن أمرهم مبني إما على التطرف أو مخالفة الشريعة , أو مكوّن من البدع والزيغ والضلال. فأما تطرفهم ومخالفتهم للشريعة فلقد ذكرناها فيما سبق , ونورد ههنا ما أبتدعوه واستحدثوه باسم الدين في التصوف , ولو أن كل هذا من حيث المبدأ والمال من قسم واحد لأن التطرف أيضا بدعة في الدين , ومخالفات الشرع منهي عنها في الإسلام , ولكننا خصصنا هذا الباب لبيان أشياء أختصّ بها المتصوفة , وجعلوها من ميزاتهم وشعاراتهم , بل أنها من لوازمهم وخصائصهم , قلّما يتصور صوفي ولا يتصور هذه الأشياء معه أو يتصور هذه الأشياء ولا يحضر في الذهن التصوف والمتصوفة من قديم الزمان وحديثه باختلاف الكّم والكيف مثل الرقص والغناء , والوجد والتواجد , والأناشيد والمواجيد ووالقصائد والترانيم , والأذكار والأوراد بألفاظها المخصوصة وآدابها الخاصة , وتصور الشيخ , وصحبة المريد , والخلوات والخانقاوات وآداب المكوث فيها وغيرها من الأمور التي خصصوا لبيانها أبواباً وفصولا في كتبهم. ويلاحظ الباحث أن للقوم نظاماً خاصاً , ومميزاً عن نظام الإسلام , وآداباً ومناهج لم يرد ذكرها في كتاب الله ولا في سنة رسول الله ﷺ , ولم تعرف في القرون الأولى للشهود لها بالخير , بل أخذوها من غير المسلمين , والبعيدين عن الإسلام وعقائده , أفكاره ومعتقداته , بل هي تخالف في شكلها وصورتها , وبحروفها وألفاظها , وكلماتها ومنطوقها , ومعانيها ومدلولاتها , وأسمها ورسمها , وسيرتها وتشكيلها , وأدائها وأسلوبها من الإسلام الساذج , غير المتكلف والمصطنع , دين الفطرة ودين البساطة , فأين هو وتعاليمه من الرقص والتمايل وجداً وطرباً , والذكر وحلقاته ,

стр. 152

والحركات على التصفيق والبكاء والتصدية , وضربات الذكر , وتحريك الرأس والجسم آلياً وبهلوانياً , والجلوس بين يدي الشيخ كالجلسة بين يدي الربّ الخشوع والخضوع , وعدم التنفس أمامه والسؤال منه والاعتراض عليه وعلى كل ما يفعله ويأمر به , والمكوث في سراديب الأرض واللبث في كهوف الجبال وغيرانها , وغير ذلك من الخرافات والخزعبلات. فالإسلام دين يشمل الدنيا والآخرة , ويعامل الإنسان كما خلق في أحسن تقويم , مكرم ومعظم , وله حقوق , وعليه فرائض , وله إخوان وخلاّن وأهل وعيال , ووالد وما ولد , وأقارب وجيران , وأسرة وبيئة يعيش فيها ومجتمع يحيطه , فلا يستغني عنهم ولا يستغني عنه , وعلى ذلك يقال: إن الإنسان مدني الطبع , وهو كذلك , ولذلك بعث الله النبيين وأرسل الرسل ليهدوه ويسلكوا سبيل المؤمنين المتقين والمعتدلين يراعون الذمم , ويصلون الرحم ويوفون بالعهود , ويرحمون الصغير , ويوقرون الكبير , ويداوون المريض , ويواسون الجريح , ويجبرون المكسور , ويقرون الضيف , ويراعون اليتيم , ويعطون المسكين , ويحافظون على ما أمر الله بحفظه , ويراعون الله فيما أمرهم برعايته , ويخافونه ويتقونه حق تقاته. ولكن التصوف ليس هكذا , فهو إنزواء وحشة وتنافر من الناس وأعتزال عنهم , ثم رقص وسماع , وأكل وشرب على الإستجداء , ونوم في الروابط , لا الكسب ولا الطلب , ولا الزواج ولا المعاشرة , ومخالفة فطرة الله التي فطر الناس عليها. وقد ذكرنا أشياء منها , نذكر ههنا من بدع القوم ومحدثاتهم التي علقت بهم ولزمتهم , أو عرفت بهم وعرفوا بها. فمن بدعهم ما يسمونه سماعاً , وهو: سماع أناشيد وأبيات غزلية فيها ذكر الهجر والوصل , والقرب والبعد , والعذاب الملامة , والعذل واللوم , والقطيعة والشوق , والحب والعشق , والحبيب والمعشوق , والقدود والخدود , والحسن والجمال , والغنج والدلال , والخمر والكؤوس , والساقي والسيقان , مع الآلات وبدونها مكاء وتصدية ,

стр. 153

دون سماع القرآن وأحاديث سيد الأنام. كما يقول ابن عجيبة الحسني: " السماع هو استماع الأشعار بالنغم والموسيقى " (١). وجعلوا هذا السماع من لوازم التصوف حيث نقلوا عن علم من الأعلام المتصوفة الحسين النوري أنه سئل عن الصوفي فقال: " الصوفي الذي سمع السماع وآثر على الأسباب " (٢). وقال أبن البنا السرقسطي: وللأنام في السماع خوض ... لكن لهذا الحزب فيه روض وإن للشيوخ ... فنّا ... إذ جعلوه للطريق ركناً (٣). ونقل الشعراني عن الحارث المحاسبي أنه كان يقول: " مما يتمتع به الفقراء سماع الصوت الحسن " (٤). و" أنه من أسرار الله تعالى في الوجود " (٥). وقالوا: " السماع لصف غذاء الأرواح لأهل المعرفة لأنه وصف يدّق عن سائر الأعمال , ويدرك برقه الطبع لرقته , ويدرك بصفاء السر عند صفاء السر لأهله " (٦). ونقلوا عن الجنيد أنه قال: " الرحمة تنزل على الفقير في ثلاثة مواضع: عند الأكل فإنه لا يأكل إلا عند الحاجة , وعند الكلام فإنه لا يتكلم إلا لضرورة , وعند السماع فإنه لا يسمع إلا عند الوجد " (٧).

стр. 154

ويذكر الهجويري واحد من المشايخ أنه كان يقول: " السماع تنبيه الأسرار لما فيها من المغيبات " (١). وأما الكلاباذي فيقول: " السماع استجمام من تعب الوقت , وتنفس لأرباب الأحوال , واستحضار الأسرار لذوي الأشغال. وإنما اختير على غيره مما يستروح - هكذا - إليه الطباع , لبعد النفوس عن التشبث به والسكون إليه , فإنه من القضاء يبدو , وإلى القضاء يعود " (٢). ونقل الغزالي وأبو طالب المكي عن بعض المشائخ أنه قال: " رأيت أبا العباس الخضر ﵇ فقلت له: ما تقول في هذا السماع الذي أختلف فيه أصحابنا؟ فقال له: الصفو الزلال الذي لا يثبت عليه إلا أقدام الفقهاء " (٣). وأما ابن عجيبة فنقل هذا عن رسول الله حيث قال: " حكى عن بعض الأبدال أنه قال: رأيت النبي ﷺ , فقلت: ما تقول في السماع الذي عليه أصحابنا؟ فقال: هو الصفاء الذي لا يثبت عليه إلا أقدام العلماء " (٤). ونقل الشعراني عن سهل بن عبد الله أنه كان يقول: " معنى السماع علم أستأثر الله تعالى به لا يعلمه إلا هو , والعبارات تقصر عنه ولكن الصادقون - كذا - تشير إليهم المعاني فيستريحون بذلك من تعب الحجاب " (٥).

стр. 155

ونقل الوزير لسان الدين بن الخطيب عن أبي علي الروذباري أنه سئل عن حقيقة السماع فقال: " المنطق الذي ظهر الحق به , ونطق به في الأزل " (١). والقشيري ذكر عنه أنه سئل عن السماع فقال: " مكاشفة الأسرار إلى مشاهدة المحبوب " (٢). ونقلوا عن ذي النون المصري أنه قال: " السماع وارد حق يزعج القلوب إلى الله " (٣). ونقل القشيري عنه أنه سئل عن الصوت الحسن فقال: " مخاطبات وإشارات أودعها الله تعالى كل طيب وكل طيبة " (٤). وهو الذي روى عن بعض المتصوفة أنه سئل عن السماع فقال: " بروق تلمع ثم تخمد , وأنوار تبدو ثم تخفى , ما أحلاها لو بقيت مع صاحبها طرفة عين , ثم أنشأ يقول: خطرة في السر منه خطرت ... خطرة البرق ابتدى ثم أضمحل أيّ زور لك لو قصداً سرى ... ومسلم بك لو حقاً فعل (٥). ونقلوا عن السري السقطي أنه قال: " تطرب قلوب المحبين إلى السماع , وتخاف قلوب التائبين , وتكاب قلوب المشتاقين " (٦). ونقل الغزالي عن أبي الحسين الدراج أنه قال: " جاء بي السماع في ميادين البهاء فأوجدني وجود الحق عند العطاء , فسقاني بكأس

стр. 156

الصفاء فأدركت به منازل الرضاء , وأخرجني إلى رياض التنزه والفضاء " (١). وهناك كلام القشيري في رسائلة كاد أن يكون جامعاً وشاملاً لهذه المعاني كلها حيث يقول تحت عنوان " ما السماع ": " السماع إدراك الغيوب بسمع القلوب بفهم الفؤاد لحقائق المراد , الوقوف على إشارات الحق عند وجود عبارات الخلق , الترقي مما يقرع سمع الظاهر إلى ما يوجب جمع السرائر إصغاء القلب إلى خطاب الغيب , إشارات ترد على الأسرار عند عبارات تسمع من الأغبار إنطلاق لسان السرائر إذا سكت لسان الظواهر , جريان لسان الفؤاد والعبد ساكت بين العباد , مفاوضة الأحباب وسكوت اللسان عن الخطاب. السماع من موجبات الرأفة ومذهبات الكلفة , السماع سفير يؤدي إليكم رسائل الغيب بحسن التولي , غذاء الأرواح وشفاءها , روح القلوب وصفاءها , لطائف الغيب وزوائده , نتائج القرب وعوائده. السماع يبرز كل وجد كامن ويزعج كل قلب ساكن , السماع مبهج لقوم ومزعج لقوم لأنه يفيد قوماً وبيد قوماً من إفادة أبهجة وأصحاه ومن إبادة أزعجه - أو لأم محاه - السماع غريم لا يرضى من الفقير إلا ببذل الروح لكنه يغنيه عن نيل كل ممنوع , السماع يقضي ويقتضي , يقضي كل كاتم ويملك السمع حتى لا يدخله لوم لائم , السماع تذكير ما سلف لك يوم الميثاق فيثير منك كوامن الاشتياق السماع معنى يصادفك بغتة ثم يفارقك فلتة فلا لوروده سبب ولا لزواله موجب يحتسب , السماع غيور لا يرضى بدون قتلك لكنه يتلطف في اقتاصك بخلتك " (٢). فهذا هو السماع عند القوم , لخصناه من الكتب الموثوقة المعتمدة لديهم.

стр. 157

وقبل أن نذكر آداب السماع التي اختلقها المتصوفة وأوجدوها بياناً بأن له مقاماً وشأناً ومنزلة ومرتبة تضاهي القرآن الكريم الذي أنزله الله هدى للناس ورحمة وشفاء للمؤمنين , نريد أن نذكر بعض سماعاتهم التي كلف بها القوم وشغفوا بها , وطالما يجعلون تأثيرها أوقع في النفوس من آيات الذكر الحكيم لكي يعرف القارئ من أيّ نوع هؤلاء الناس؟ فيذكر ابن الملقن عن صوفي مشهور عمرو بن عثمان المكي المتوفى ٢٩٧هـ أنه دخل أصبهان , فصحبه حدث وكان والده يمنعه من صحبته , فمرض الصبي , فدخل عليه عمرو مع قوّال , فنظر الحدث إلى عمرو , قال: قل له يقول شيئاً , فقال: مالي مرضت فلم يعدني عائد ... منكم ويمرض عبدكم فأعود؟ فتمطى الحدث على فراشه وقعد , وقال للقوال: زدني بحبك لله. فقال: وأشدّ من مرضي على صدودكم ... وصدود عبدكم عليّ شديد أقسمت لا عَلِق الفؤاد بغيركم ... ولكم عليَ بما أقول عهود فزاد به البر حتى قام وخرج معهم (١). وذكر السلمي واحداً من أصحاب الجنيد وأحد مشائخ العراق وأئمتهم أبا محمد المرتعش النيسابوري والذي قال فيه أبو عبد الله الرازي " كان مشائخ العراق يقولون: عجائب بغداد في التصوف ثلاث: إشارات الشبلي , ونكت المرتعش , وحكايات جعفر الخلدي " يذكر عنه برواية أحمد بن علي: " كنت عند المرتعش قاعداً , فقال رجل: قد طال الليل وطاب الهواء , فنظر إليه المرتعش وسكت ساعة ثم قال: لا أدري ما تقول , غير أني أقول ما سمعت بعض القوالين في بعض هذه الليالي يغني ويقول:

стр. 158

لست أدري أطال ليلي أم لا ... وكيف يدري بذاك من يتقلى لو تفرغت لاستطالة ليلى ... ولرعي النجوم كنت محلي إن للعاشقين عن قصر الليـ ... ـل وعن طوله من الوجد شغلا قال: فبكى من حضره (١). وعنه ذكر ابن الملقن أنه قال لبعض جلسائه: " أنشدني الأبيات التي كنت تنشد بالأمس , فأنشأ يقول: وقف الهوى بي حيث أنت فليـ ... س لي متأخر عنه ولا متقدّم أجد الملامة في هواك لذيذة ... حبّا لذكرك فليملني اللوم أشبهت أعدائي فصرت أحبّهم ... إذ صار حظي منك حظي منهم وأهنتني فأهنت نفسي صاغراً ... ما من يهون عليك ممن يكرم (٢). ونقل السهروردي في عوارفه عن ذي النون أنه لما دخل بغداد دخل عليه جماعة ومعهم قوال , فاستأذنوه أن يقول شيئاً , فأذن له فأنشد القوال: صغير هواك عذبني ... فكيف به إذا ... احتنكا وأنت جمعت من قلبي ... هوى قد كان مشتركاً أما ... ترثي لمكتئب ... إذا ضحك الخلي بكى فطاب قلبه , قلبه وقام وتواجد وسقط على جبهته والدم يقطر من جبهته ولا يقع على الأرض (٣). ويذكر السراج الطوسي والهجويري عن الدراج أنه قال: " كنت أنا وابن الفوطي مارّين على الدجلة بين البصرة والأبلّة وإذا بقصر حسن , له منظر وعليه رجل بين يديه جارية تغني وتقول:

стр. 159

كل ... يوم ... تتلوّن ... غير هذا بك أجمل في سبيل الله ود ... كان مني ... لك يبذل قال: , وإذا شاب تحت المنظر , بيده ركوة وعليه مرقعة يتسمّع , فقال: يا جارية بالله وبحياة مولاك إلاّ إذا أعدت هذا البيت , قال: فأقبلت الجارية عليه وهي تقول هذا البيت: كل ... يوم ... تتلوّن ... غير هذا بك أجمل .... قال: فشهق شهقة وحمّد , شهقة وحمّد , فتأملناه فإذا هو ميت (١). ونقل الهجويري عن أحد مشائخه أنه قال: سمعت مع درويش في بغداد صوت مغنّ كان يغنّي: مني إن تكن حقاً تكن أحسن المنى ... وإلاّ فقد عشنا بها زمناً رغداً فصرخ ذلك الدرويش وفارق الدنيا. ومثل هذا , يقول أبو الرودباري ﵁: رأيت درويشاً كان قد شغل بغناء مغنّ , فأصغيت أنا أيضاً لأرى ما يقول , فكان ذلك المغنّي يقول بصوت حزين: أمد كفى بالخضوع إلى الذي جاد بالصنيع فصرخ الدرويش ووقع , فلما اقتربت منه وجدته ميّتاً (٢). وأنشد أبو طالب المكي نقلاً عن بعض الصوفية أنه كان يقول: يا حبيباً بذكره نتداوى ... وصفوة لكل داء عجيب من أراد الطبيب سرّا إذا ... اشتياقاً إلى لقاء الطبيب من أراد الحبيب سار إليه ... وجفا الأهل دونه والقريب ليس داء المحب داء يداوي ... إنما برؤه لقاء الحبيب (٣).

стр. 160

وأيضاً روى عن أبي تراب أنه كان ينشد: لا تخدعن فللمحبّ دلائل ... ولديه من تحف الحبيب وسائل منها تنعمه يمرّ بلائه ... وسروره في كل ما هو فاعل فالمنع منه عطية مقبولة ... والفقر إكرام ولطف عاجل ومن اللطائف أن يرى من عزمه ... طوع الحبيب وإن ألح العاذل ومن الدلائل أن يرى مبتسما ... والقلب من الحبيب بلابل ومن الدلائل أن يرى متفهماً ... لكلام من يحظى لذيه السائل ومن الدلائل أن يرى متقشفاً ... متحفظاً من كل ما هو قائل (١). وذكر ابن عربي في كتابه " محاضرة الأبرار " كثيراً من الأبيات الغزلية التي يتهمّ الصوفية بالاستماع إليها , فمنها ما ذكرها تحت عنوان " من السماع الصوفي " فيقول: " وسماعنا على قول كثّير عزّة ": لقد حلفت جهداً بما حلفت له ... قريش غداه المأزمين وصلّت وكانت لقطع الحبل بيني وبينها ... كناذرة نذاراً فأوفت وحلّت فقلت لها يا عز كلّ مصيبة ... إذا وطّنت يوماً لها النفس ذلت (٢). وقال أيضاً: " وسماعنا على قول ابن الدمنية: ألا يا صبا نجد متى هجت من نجد ... لقد زادني مسراك وجداّ على وجد لئن هتفت ورقاء في رونق الضحى ... على فنن غضّ النبات من الزند بكيت كما يبكي الوليد ولم تكن ... جليداً وأبديت الذي لم يكن يبدي وقد زعموا أن المحب إذا دنا ... يملّ وأن النأي يشفي من الوجد بكلّ تداوينا فلم يشف ما بنا ... على أن قرب الدار خير من البعد على أن قرب الدار ليس بنافع ... إذا كان من تهواه ليس بذي ودّ (٣).

стр. 161

ويقول: " وسماعنا على قول قيس المجنون أيضاً: ألا يا حبذا نجد وطيب ترابه ... وأرواحه إن كان نجد على العهد ألا ليت شعري من عوارضتي قبا ... بطول التنائي هل تغيرتا بعدي وعن جارتينا بالأثيل إلى الحمى ... على عهدنا أم لم يدوسا على عهد (١). وأما كتابه " ذخائر الأعلاق " فكله ممتلئ بالتشبيب والتغزل والأبيات العشقية الداعية إلى الهزل والمجون والخلاعة , ذكرنا نبذة منها في كتابنا " التصوف: المنشأ والمصادر " (٢). وقد ذكر الجامي في نفحاته أن هناك طائفة من الصوفية كثيراً ما ينشدون هذه الأبيات: " قف بالديار فهذه آثارهم ... تبكي الأحبة حسرة وتشوقاً كم قد وقفت بها أسأل مخبراً ... عن أهلها أو صادقاً أو مشفقاً فأجابني داعي الهوى في رسمها ... فارقت من تهوى تعز الملتقى " (٣). وذكر أيضاً أن مشائخ الصوفية ينشدون أشعاراً يصفون فيها راح المحبة وشوق وصل المحبوب , ومن ذلك البيت المشهور: " هنيئاً لأهل الدير كم سكروا بها ... وما شربوا منها ولكنهم همو على نفسه فلبيك من ضاع عمره ... وليس له فيها نصيب ولا سهم " (٤). ونذكر بعض الأبيات التي ذكرها الغزالي من كبار المتصوفة فينقل عن النوري أنه كان مع جماعة في دعوى , فجرى بينهم مسألة في العلم وأبو الحسين النوري ساكت , ثم رفع رأسه وأنشدهم:

стр. 162

"رب ورقاء هتوف في الضحى ... ذات شجو صلحت في فنن ذكرت ألفاً ودهراً صالحا ... وبكت حزناً فهاجت حزني فبكائي ربما أرقها ... وبكاها ربما أرقني وبقد أشكو فما أفهمها ... ولقد تشكو فما تفهمني غير أني بالجوى أعرفها ... وهي أيضاً بالجوى تعرفني " (١). وذكر: " وكأس شربت على لذة ... وأخرى تداويت منها بها " (٢). وأيضاً: رقّ الزجاج ورقت الخمر فتشابها فتشاكل الأمر فكأنما خمر ولا قدح وكأنما قدح ولا خمر (٣). ومن تلك الأبيات ما نقلها أبو المفاخر يحيى الباخرزي عن ابن الفارض أنه كان ينشد: " شربنا على ذكر الحبيب مدامة ... سكرنا بها من قبل أن يخلق الكرم لها البدر كأس وهي شمس يديرها ... هلال وكم يبدو إذا مزجت نجم " (٤). فهذه نماذج للسماع الصوفي وأناشيد المتصوفة , وهناك كثير من الأبيات الغزلية باللغة الفارسية والأردية لدى المتصوفة أراد منها وأقبح , فيها الفسوق البيّن والفجور الظاهر , نعرض عن إيرادها تجنباً عن الإطالة. ويقول أبو طالب المكي عن هذا السماع: " تعرف مواجيد أصحابنا عند السماع " (٥). ويكتب عن السماع أيضاً:

стр. 163

" وإنما ذكرنا هذا لأنه كان طريقاً لبعض المحبين , وحالاً لبعض المشتاقين , فإن أنكرناه مجملاً أنكرنا على سبعين صادقاً من خيار الأمة " (١). ويقول الأنصاري الهروي أن الأنس يتأتى من ثلاثة أشياء , منها: التغذي بالسماع (٢). وهذه الأبيات والأناشيد والترانيم والقصائد والأشعار الغزلية المليئة بذكرها ما يذكره الغاوون لا تقرأ ولا تنشد بصوت طيب , بل تغنّى على ألحان وأنغام ومع آلات الطرب واللهو والغناء , كما أنه ليس من الضروري أن يكون القوال والمنشد رجلاً مسناً , بل ومن النبات والجواري تسمع ويصغي إليهن كما ذكر الجعلي الفضلي عن سيده إسماعيل الصوفي أنه: " أول ما تقوم عليه الحالة يمشي في حوشه , ويحضر البنات والعرايس والعرسان للرقص , ويضرب الربابة , كل ضربة لها نغمة يفيق منها المجنون , وتذهل منها العقول , وتطرب لها الحيوانات والجمادات حتى إن الربابة يضعونها في الشمس أول ما تسمع صوته تضرب على نغمته من غير أن يضربها أحد , وفرسة بنت بكر يشدونها له ويلبسونها الحرحر والجرس وقوادها ماسكها أول ما تسمع ترنمه في كلام الحرب وهو يقول: بنت بكر المراد ويوا ويوا ... سلطية العرضة ويوا ويوا فإن الفرس تقوم وتومئ برأسها وتتأتى بيديها والعقد فيها شلو شلو (حكاية لصوت العقد) (٣). وذكر عن سليمان الطوالي الزغرات أنه " كانت له جارية تضرب له الدلوكة إسمها

стр. 164

منانة , كانت ضرابة لها بجميع أنواع الضرب يقول لها: يا منانة دقّ الدلوكة ... خادم الله الماك مملوكة " (١). وقد ذكر الشعراني أيضاً صوفية كانوا يضربون آلآت (٢). والدباغ أيضاً ذكر صوفياً طبّالاً كن يضرب بالطبل ففتح الله عليه فبقي على حالته ولم يرجع عنها (٣). وكتب الشعراني عن عمر بن الفارض أنه " كانت له جواري يغّنين له , فيقوم ويتواجد , وكان يتغالى في شرائهن لأجل حسن أصواتهن (٤). وأتهموا عطاء أنه " كانت له جاريتان يلحنان , فكان إخوانه يستمعون إليهما " (٥). وعلى ذلك قال الفيتوري: " يجوز ضرب البندير (من آلات الغناء) والرقص كذلك إذا كان من تواجد " (٦). وقال عماد الدين الأموي: " لا بأس إذا كان في السماع آلة من دف أو شبابة , ولا بأس بالرقص في السماع " (٧). ثم ذكروا آداباً لهذا السماع أو الغناء لا تقّل عن آداب سماع القرآن , بل وتفوقها كما يكتب القشيري في رسالته تحت عنوان " ما آداب السماع "؟ فيقول: القعود بالهيبة عند صحوك إلى أن تصل إلى الخمود والغيبة لمحوك ثم الأناخة بحقوة الخضوع بقلبك ناسياً أو متناسياً لخطاب من ربك ثم استشعار الخجل فيما يرقيك إليه الحق أو يلقيك به من وجود حال أو شهود مقام أو رويّة وصال أو توهم

стр. 165

إكرام ثم ملاحظة ما يناغيك به من التقريب بعين السكر والنسيب ثم ترك المساكنة إلى ما يثني به الحق سبحانه عليك في سرك باستصغار حالك بل باستقذار قلك وكثرك ثم إخفاء حالك عن سقوط أحكام البشرية من تغيرك وتكدرك فيما تسامر فيه من غير إظهار فضل لك بكل وجه تدعيه أو حق من أحد تقتضيه ثم مراعاة حقوق الأكابر إذا حضروا موضع السماع بدوام السكون إلا عن غلبة الاختيار مسقطة ونازلة في الإزعاج مفرطة ثم كتمان ما تكاشف به من الأشراف على أحوال من هو دونك في الشرف والحال " (١). ويقول: " وللسماع شروط أخر , فمنها أن لا يتخير فيما يسمع على القوال , ولا يصح عليه خطأه في الأقوال لأن ذلك سوء أدب في أحكام الحضرة " (٢). وأما الباخرزي فيقول: " من آداب الصوفية في السماعأن يصلّوا قبل الحضور في مجلس السماع , ويسألوا البركة من الربّ , وأن يقعدوا فيه بالهيبة والوقار , ويلازموا السكينة والإخلاص " (٣). وينقل كذلك عن روزبهان بقلي أنه قال في كتابه " الأنوار في كشف الأسرار ": " من آداب السماع كذلك أن يكون القوال حسن الوجه لأن العارفين يحتاجون لاستجمام قلوبهم إلى ثلاثة أشياء: روائح طيبة , ووجه صبيح , وصوت حسن مليح كما قال ﵇: حبب إليّ من دنياكم ثلاث: الطيب والنساء , وقرة عيني في الصلاة " (٤).

стр. 166

ومن تلك الآداب ما ذكرها عبد السلام الأسمر في وصيته فيقول: " أخواني: تأدبوا معها أي حضرة السماع وأحسنوها واخشعوا فيها كما تخشعون في الصلاة اللهم إلا إذا نزل بكم أمر غالب من وجد أو شوق أو ذوق أو حال أو جدب. فإذا أغمي على أحد منكم في الحضرة فقد سقط عليه التكليف فسقطوا له , وإذا شق بكم من ضرب أو مزاحمة أو صراخ يفسد عليكم ذكركم أو صوت قوي يخلط عليكم أو يشتتكم أو يضرّبكم ضرراً فأخرجوه من الحلقة برفق ولين ولا تضروه ولا تنازعوه ولا تهددوه ولا تفتحوا عليه , ولو غير الاسم الأعظم ولو كان يقول خا خاخا أو حاحاحا أو لالالا أو هاهاها أو كاكاكا أو فافافا أو أي حرف من الحروف الهجائية. فإذا لم يشق بكم ولا يضرّ بكم فلا تخرجوه من الحضرة إلى أن يشبع واجعلوه في وسطها وأحسنوا له الذكر وصوتوا فيه بالقوة إلى أن يلقي على الأرض أو يطيب. فإذا سقط على وجه الأرض فانقلوه بظرافة وتلقوه حين سقوطه على الأرض لئلا يتضرّر جسده. إخواني: فاخرجوه بينكم بأدب وظرافة وألقوه على الأرض النظيفة واطرحوه عليها وغطوه بالإزار إلى أن يفيق ويرجع على ما كان عليه. إخواني: وغمضوا أعينكم في الحضرة ولا يلتفت منكم أحد , وأحفظوا الحلقة لئلا يدخلكم الجان , وحفظ الحلقة هو الفاهق الذي هو في دائرة الحضرة ما بين الرجل والرجل ولا يدخل في وسط الحضرة منكم أحد إلا من غلب عليه , ما ذكرناه من جذب ونحوه. إخواني: ومن أصابه الضراط فليخرج منها ويقضيه ويرجع إلى الحضرة " (١). ولم يكتف بهذا بل صرح بأشياء أخرى , فيها إهانات وخرافات , فيقول: " وعند إنشاد كلامي إياكم والعبث والسخرية وكذلك حين الذكر والإنشاد وحين تنشدون كلامي فإن روحي تحضر بين أيديكم سواء حياً أو ميتاً. إخواني: وحين ينشد أحدكم كلامي فأنصتوا له واستمعوا وحضروا قلوبكم معه وتأملوه.

стр. 167

إخواني: وعند قولكم لكلامي فلا تتحدثوا ولا تعيشوا وأخشوا فيه فإن روحي بين أيديكم ومعها ملكان صالحان. إخواني: ولا تقطعوا كلامي وأتقنوه وأحسنوه واحفظوه حفظاً فائقاً. إخواني: وإذا قلتم من كلامي قصيدة فلا تبطلوا في أثنائها إلى أن تتموها ولا نظروا , ولا تبتروها ولا تقطعوها ولو سمعتم الأذان المهم إلا إذا كنتم تشوشون على المؤذن أو تخلطوا عليه الآذان فأتموا سراً. إخواني: من لا يهزه إنشادي ودفي فقد تغلظ طبعه وفسد مزاجه وفيه نزعة يهودية " (١). وحكى القشيري عن الجنيد أنه قال: " السماع يحتاج إلى ثلاثة أشياء: الزمان والمكان والأخوان " (٢). وقال الكمشخانوي: " آداب الحضرة ثلاثة: دوام النظر , وإلقاء السمع , والتوطين لما يرد من الحكم " (٣). وقد أطال الغزالي في ذكر آداب السماع: " الأول: مراعاة الزمان والمكان والإخوان: قال الجنيد: السماع يحتاج إلى ثلاثة أشياء وإلا فلا تسمع: الزمان والمكان والإخوان. ومعناه أن الإشتغال به في وقت حضور طعام أو حصام أو صلاة أو صارف من الصوارف مع اضطراب القلب لا فائدة فيه فهذا معنى مراعاة الزمان فيراعي حالة فراغ القلب له. وإما المكان: فقد يكون شارعاً مطروقاً أو موضعاً كريه الصورة أو فيه سبب يشغل القلب فيجتنب ذلك. وإما الإخوان: فسببه أنه إذا حضر غير الجنس من منكر السماع متزهد الظاهر مفلس من لطائف القلوب كان مستقلا في المجلس واشتغل القلب به ... الأدب الثاني: هو نظر الحاضرين أن الشيخ إذا كان حوله مريدون يضرهم السماع

стр. 168

فلا ينبغي أن يسمع في حضورهم فإن سمع فليشغلهم بشغل آخر ... الأدب الثالث: إن يكون مصغياً إلى ما يقول القائل , حاضر القلب , قليل الالتفات إلى الجوانب , متحرزاً عن النظر إلى وجوه المستمعين وما يظهر عليهم من أحوال الوجد. مشتغلاً بنفسه ومراعاة قلبه ومراقبة ما يفتح الله تعالى له من رحمته في سره , متحفظاً عن التنحنح والتثاؤب , ويجلس مطرقاً رأسه , كجلوسه في فكر مستغرق لقلبه , متماسكاً عن التصفيق والرقص وسائر الحركات على وجه التصنع والتكلف والمراءاة , ساكتاً عن النطق في أثناء القول بكل ما عنه بدّ فإن غلبه الوجد وحركة بغير اختيار فهو معذور غير ملوم ... الأدب الرابع: أن لا يقوم ولا يرفع صوته بالبكاء وهو يقدر على ضبط نفسه ولكن إن رقص أو تباكى فهو مباح إذا لم يقصد به المراءاة لأن التباكي إستجلاب للحزن , والرقص سبب في تحريك السرور والنشاط , فكل مسرور مباح فيجوز تحريكه ... الأدب الخامس: موافقة القوم في القيام إذا قام واحد منهم في وجد صادق من غير رياء وتكلف , أو قام باختيار من غير إظهار وجد وقامت له الجماعة فلا بد من الموافقة , فذلك من آداب الصحبة. وكذلك إن جرت عادة طائفة تنحية العمامة على موافقة صاحب الوجد إذا سقطت عمامته أو خلع الثياب إذا سقط عنه ثوب بالتمزيق فالموافقة في هذه الأمور من حسن الصحبة والعشرة , إذا المخالفة موحشة ولكل قوم رسم , ولا بد من مخالفة الناس بأخلاقهم كما ورد في الخبر , لا سيما إذا كانت أخلاقاً فيها حسن العشرة والمجاملة وتطيب القلب بالمساعدة " (١). فيا لهفتي ووا أسفي على فقيه مثل الغزالي الذي ذهب به التصوف إلى هذه المذاهب والمقالات التي لا تتصور عن عاقل ذي شعور أن يقولها أو يتلفظ بها دون أن تصدر من شخص فقيه متكلّم أصولي مناظر , ولله في خلقه شأن يهدي من يشاء ويضل من يريد , وبهذا يعرف قدرته واختياره , وعظمته وجلالته.

стр. 169

والهجويري أيضا بوب باباً في ذكر آداب السماع , وعد آداباً كثيرة , منها: " إذا استولى السماع على جماعة ولم يكن له منه نصيب فينظر إلى سكرهم بصحوة فيجب أن يكون محتاجاً إلى الوقت ويمكن لسلطان الوقت لتصل إليه بركاته " (١). والسرقسطي أيضاً ذكر آداب السماع , ومن جملتها: " ولا يجوز عنده التكلم ... ولا التلاهي لا ولا التبسم " (٢). ثم يشرح ابن عجيبة الحسني هذا البيت بقوله: " إنما لا يجوز التكلم عنده (أي عند السماع) لأنه عند العارفين محل الوجد والخمرة , والكلام يشوش القلب ويبعده من الحضرة , ويتلف عن الحقيقة , فالواجب تركه لمن أراد جبر قلبه ... وأما التبسم فإن فيه إساءة الأدب , فإن غلبه خرج , وإلاّ أُخرج وزُجر. قال السلمي ﵀: ولا يحضر مجلس السماع من يبتسم أو يتلاهى " (٣). والشعراني نقل عن ابن عربي أن من آداب القوم في السماع أن لا يكون هناك من ليس من أهل طريقة أو من أهل طريقهم لكنه ينكر السماع ولا يقول به " (٤). ويقول: " وإذا سقطت عمامة الشيخ عن رأسه أو وضعها هو اختياراً لثقلها أو لشدة حر ونحو ذلك , فمن الأدب موافقة الفقراء له في ذلك , فيضعون كلهم عمائمهم كذلك , وإن رمى الشيخ عمامته إلى القوال أو رداءه فلهم أن يوافقوه بصدق , وليحذر أحدهم أن يرمي خرفته للقوال من غير إشارة الشيخ فإنه ترك الأدب , وإذا وقع من أحد من الفقراء خرفة أو عمامة في غير وجد , فيستحب للنقيب رفعها عن مواقع الأقدام إكراماً لها , وإن كانت عمامة الشيخ رفعها كذلك وصار قائماً بها إلى أن يطلبها الشيخ بالقرينة أو الإشارة , فهناك يتقدم النقيب ويضعها على رأس الشيخ قائلاً بسم الله الرحمن الرحيم

стр. 170

مع اسشعار الحياء والأدب " (١). فهذه هي آداب السماع عند الصوفية. ومن أشنع ما استحدثوه وابتدعوه في السماع هو الوجد والتواجد والرقص , وقد بوّبوا لبيانها أبواباً مستقلة , وفصّلوا الفصول , وما هي إلا خرافات وخرافات , وسخافات وسخافات , واستخفاف العقل والاستهزاء بالفكر ولكن أنّى للقوم أن يتعقلوا ويتفكروا , فقال السراج الطوسي مبيناً للوجد في باب مستقل من لمعه تحت عنوان " في ذكر اختلافهم في ماهية الوجد " قال: " اختلف أهل التصوف في الوجد ما هو؟ فقال عمرو بن عثمان المكي ﵀: لا يقع على كيفية الوجد عبارة لأنها سر الله تعالى عند المؤمنين الموقنين " (٢). ونقل عن أحد المتصوفة أنه قال: " إن الوجد مكاشفات من الحق , ألا ترى أن أحدهم يكون ساكناً فيتحرك ويظهر منه الزفير والشهيق ... وقال أبو سعيد أحمد بن بشر بن زياد الأعرابي ﵀: " أول الوجد رفع الحجاب , ومشاهدة الرقيب الفهم , وملاحظة السبب , ومحادثة السر , وإيناس المفقود , وهو فناؤك أنت من حيث أنت. قال أبو سعيد ﵀: الوجد أول درجات الخصوص وهو ميراث التصديق بالغيب , فلما ذاقوها وسطع في قلوبهم نورها , زال عنهم كل شك وريب. وقال أيضاً: الذي يحجب عن الوجد رؤية آثار النفس والتعلق بالعلائق والأسباب , لأن النفس محجوبة بأسبابها , فإذا انقطعت الأسباب , وخلص الذكر وصحا القلب ورق وصفاً , وتجعت فيه الموعظة والذكر وحل من المناجاة في محل غريب وخوطب وسمع الخطاب بأذنه واعية وقلب شاهد وسر طاهر , فشاهد ما كان منه خالياً , فذلك هو الوجد , لأنه وجد ما كان عنده عدماً معدوماً " (٣).

стр. 171

وقال الهجويري: " أعلم أن الوجد والوجود مصدران: أحدهما بمعنى الحزن , والثاني بمعنى الوجد , وفعل كلاهما كأنه واحد , ولا يمكن التفرقة بينهما إلا بالمصدر , كما يقال: وجد يجد وجوداً ووجداناً: إذا صار محزوناً , وأيضاً: وجد يجد جدة: إذا صار غنياً , ووجد يجد موجدة: إذا غضب , والفرق بين هذه كلها يكون بالمصادر لا بالأفعال. ومراد هذه الطائفة من الوجد والوجود إثبات حالين يظهران لهما في السماع , أحدهما مقرون بالحزن , والآخر موصول بالوجد والمراد. وحقيقة الحزن: فقد المحبوب , ومنع المراد , وحقيقة الوجد: حصول المراد. والفرق بين الحزن والوجد هو أن الحزن اسم الغم الذي يكون في نصيب النفس , والوجد اسم الغم الذي يكون في نصيب الغير على وجه المحبة. وتغير هذا جملة صفة الطالب " والحق لا يغير ". ولا تدخل كيفية الوجد تحت العبارة لأنها ألم في المغايبة , ولا يمكن بيان الألم بالقلم , فالوجد سر بين الطالب والمطلوب يكون بيانه في كشف تلك الغيبة , ولا تصح العلامة والإشارة إلى كيفية الوجود , لأنه طرب في المشاهدة , ولا يمكن إدراك الطرب بالطلب , فالوجود فضل من المحبوب إلى المحب , والإشارة معزولة عن حقيقته. وعندي أن الوجد ألم للقلب , أما من الفرح أو الترح أو الطرب أو التعب. والوجود إزالة غم عن القلب ومصادقته لمراده. وصفة الواجد: أما حركة في غليان الشوق في حال الحجاب , وأما سكون في حال المشاهدة في حال الكشف: " أما زفير وإما نفير , أما أنبن وأما حنين , أما عيش وأما طيش , أما كرب وإما طرب " (١). وقال الكلاباذي: " الوجد هو ما صادف القلب من فزع أو غم أو رؤية معنى من أحوال الآخرة أو كشف حالة بين العبد وبين الله ... وقال النوري: الوجد لهيب ينشأ في

стр. 172

الأشرار , ويسنح عن الشوق فتضطرب الجوارح طرباً أو حزناً عند ذلك الوارد ... وقال بعضهم: الوجد بشارات الحق بالترقي إلى مقامات مشاهداته " (١). وأما الغزالي فقد أطال فيه الكلام فيه بعد ذكر الأقاويل الكثيرة عن المتصوفة والحكماء: " أنه عبارة عن حالة يثمرها السماع وذلك جزء من ستة وأربعين جزء من النبوة " (٢). وأما القشيري فنقل عن محمد بن الحسيني أنه قال: " سمعت عبد الواحد بن بكر يقول: " سمعت عبد الله بن عبد المجيد الصوفي يقول: سئل رويم عن وجود الصوفية (أي عما يجدونه) عند السماع , فقال: يشهدون المعاني التي تعزب عن غيرهم فتشير إليهم: إليّ إليّ , فيتنعمون بذلك من الفرح ثم يقطع الحجاب فيعود ذلك الفرح بكاء , فمنهم من يخرق ثيابه , ومنهم من يصيح , ومنهم من يبكي , كلّ إنسان على قدره " (٣). وشرح عبد الله الأنصاري الهروي الوجد بقوله: " الوجد لهب يتأجج من شهود عارض مقلق - ثم ذكر له درجات - فقال: الدرجة الأولى وجد عارض. والدرجة الثانية: يستفيق له الروح بلمع نور أزليّ أو سماع نداء أوّلي أو جذب حقيقي. والدرجة الثالثة وجد يخطف العبد من يد الكونين , ويمحص معناه من درن الحظ , ويسلبه من رقّ الماء والطين (٤). وأما النداء الأولي الذي أشار إليه الهروي في هذا النص قد ذكره كثير من المتصوفة

стр. 173

في كتبهم , فيروي القشيري والسيد محمد ماضي أبو العزائم وغيرهما عن الجنيد أنه سئل: " ما بال الإنسان يكون هادئاً , فإذا سمع السماع اضطرب؟ فقال: إن الله تعالى لما خاطب الذّر في الميثاق الأول بقوله: ألست بربكم قالوا بلى , استفرغت عذوبة سماع الكلام والأرواح , فلما سمعوا السماع حرّكهم ذكر ذلك " (١). فهكذا حاول الصوفية ربط سماعهم للأناشيد والأبيات الغزلية مع سماع نداء أولى. وهناك أمثلة لتواجد المتصوفة وكيفيته , نذكر نبذة منها , فيذكر الطوسي: " حكى عن الشبلي أنه تواجد يوماً في مجلسه فقال: آه ليس يدري ما بقلبي سواه , فقيل له: آه من أي شيء؟ فقال: من كل شيء وذكر عنه أيضاً تواجد يوماً فضرب يده على الحائط حتى علمت عليه يده قال: فعمدوا إلى بعض الأطباء , فلما أتاه قال للطبيب: ويلك! بأي شاهد جئني؟ قال: ألطف منه فلما أتاه قال له: ويلك , بأي شاهد جئتني؟ قال: بشاهده قال: فأعطاه يده فبسطها وهو ساكت , فلما أخرج الدواء يجعله عليها , صاح وتواجد وترك إصبعه على موضع الداء وهو يقول: أنْبَتَتْ ... صَبَابتْكُم ... فَرْحَةٍ عَلَى كَبِدِي بتُّ مِن تَفجُعِكُمْ ... كالأسيِر في الصفدِ " (٢). ونقلوا عن أبي سعيد الخراز أنه قال: رأيت علي بن الموقف في السماع يقول: أقيموني , فأقاموه , فقام وتواجد , ثم قال: أنا الشيخ الزفان " (٣).

стр. 174

وحكى السهروردي عن الشبلي أنه سمع قائلاً يقول: أسائل عن سلمي فهل من مخبر يكون له علم بها أين تنزل فزعق الشبلي وقال: لا والله , ما في الدارين عنه مخبر " (١). وذكروا عن عبد الله بن علي أنه قال: " اجتمعت ليلة مع الشبلي ﵀ , فقال القوال: شيئاً , فصاح الشبلي وتواجد قاعداً , فقيل له: يا أبا بكر , مالك من بين الجماعة قاعداً؟ فقام وتواجد وقال: لي سكرتان وللندمان واحدة شيء خصصت به من بينهم وحدي (٢). ويذكر الطوسي والغزالي: " وكان الشبلي رحمة الله يتواجد كثيراً إذا سمع هذا البيت ": ودادكم هجر , وحبكم قلي ووصلكم صرم , وسلمكم حرب. وقام الدقي ليلة إلى شطر الليل وهو يتخبط ويسقط على رأسه ويقوم , والخلق يبكون , والقوالون يقولون هذا البيت: بالله فاردد فؤاد مكتئب ليس له من حبيبه خلف (٣) ونقلوا عن أبي علي الرودباري أنه قال: " جزت بقصر يوماً , فرأيت شاباً حسن الوجه مطروحاً وحوله ناس مجتمعون , فسألت عنه فقالوا: أنه جاز بهذا القصر فسمع جارية تغني:

стр. 175

كبرت همة عبد ... طمعت في أن تراكاً أو ما حسب لعين ... أن ترى من قد رآك فشهق شهقة ومات " (١). ويقول اليافعي: " وقد مات بالسماع من الفقراء خلق كثير من ذلك موت بعضهم بسماع هذا البيت: تقول نساء الحي تطمع أن ترى محاسن ليلى مت بداء المطامع وموت آخر بسماع هذا البيت: ما كنت أعرف ما مقدار وصلكم حتى هجرت وبعض الهجر تأديب " (٢). وذكر ابن الملقن وصاحب " الكواكب الدرية " والغزالي عن أبي الحسين النوري أنه: " اجتمع الجُنيد والنوري ورويم وابن وهب وغيرهم في سماع , فمضى بعض الليل وأكثره , فلم يتحرك أحد منهم , ولا أثر فيه القول , فقال النوري للجنيد: يا ابا القاسم! هذا السماع يمر مراً , ولا أرى وجداً يظهر! , فقال الجنيد: يا أبا الحسين! وترى الجبال وتحسبها جامدة وهي تمرّ مرّ السحاب) فأنت يا أبا الحسين , ما أثر عليك؟! ". فقال النوري: " ما بلغت مقامي في السماع ". فقال الجنيد: " وما مقامك فيه؟ " فقال: " الرمز بالإشارة دون الإفصاح , والكتابة دون الإيضاح ". ثم وثب وصفق بيديه , فقام جميع من حضر بقيامه ساعة. ١٥ - وكان سبب وفاته أنه سمع هذا البيت: لا زلت أنزل من ودادك منزلاً ... تتحير الألباب دون نزوله فتواجد وهام في الصحراء , فوقع في أجمة قصب قد قطع , وبقيت أصوله مثل السيوف , وكان يمشي عليها ويعيد البيت إلى الغداة , والدم يسيل من رجليه , ثم وقع

стр. 176

مثل السكران , فورمت قدماه ومات " (١). وذكر الهجويري وقائع عديدة في وجد المتصوفة وتواجدهم , وقوة سلطانه وهيجانه وغليانه , فقال: " ويقول واحد من كبار المشايخ: سمعت مع درويش في بغداد صوت مغن كان يغني. (شعر عربي) مني أن تكن حقاً تكن أحسن المنى ... وإلا فقد عشنا بها زمناً رغداً فصرخ ذلك الدرويش وفارق الدنيا. ومثل هذا , يقول أبو علي الرودباري ﵁: رأيت درويشاً كان قد شغل بغناء مغن , فأصغيت أنا أيضاً لأرى ما يقول , فكان ذلك المغني يقول بصوت حزين: " أمد كفى بالخضوع إلى الذي جاد بالصنيع " فصرخ الدرويش ووقع , فلما اقتربت منه وجدته ميتاً. ويقول قائل كنت أسير مع إبراهيم الخواص ﵀ في طريق , فظهر طرب في قلبي , فغنيت هذا الشعر: (شعر عربي) صح عند الناس إني عاشق ... غير أن لم يعلموا عشقي لمن ليس في الإنسان شيء حسن ... إلا وأحسن منه صوت حسن فقال لي: أعد هذا الشعر , فأعدته , فضرب الأرض عدة ضربات من الوجد , فلما نظرت كانت أقدامه تغوص في الحجر كما لو كانت تغوص في شمع , ثم وقع مغشياً عليه. فلما أفاق قال لي: كنت في روضة الجنة وأنت لم تر. ومن هذا الجنس حكايات أكثر من أن يحتملها هذا الكتاب. وقد رأيت معاينة درويشاً كان يسير في جبال أذربيجان , ويقول هذه الأبيات

стр. 177

متعجلا: (شعر عربي) والله ما طلعت شمس ولا غربت ... إلا وأنت منى قلبي ووسواسي ولا تنفست محزوناً ولا فرحاً ... إلا وذكرك مقرون بأنفاس ولا جلست إلى قوم أحدثهم ... إلا وأنت حديثي بين جلاسي ولا هممت بشرب الماء من عطش ... إلا رأيت خيالا منك في الكاس وتغيّر من السماع وأسند ظهره إلى حجر وأسلم الروح " (١). وقد ذكر الطوسي أيضاً فيه بعض وقائع , فيقول: " إن سهل بن عبد الله كان يقوى عليه الوجد حتى يبقى خمسة وعشرين يوماً أو أربعة وعشرين يوماً لا يأكل فيه طعاماً , كان يعرق عند البرد الشديد وعليه قميص واحد , وكانوا إذا سألوه عن شيء من العلم يقول: لا تسألوني فإنكم لا تنتفعون في هذا الوقت بكلامي " (٢). كما نقلوا عن السري السقطي أنه ذكر يوماً عنده المواجيد الحادة في الأذكار القوية وما جانس هذا مما يقوي على العبد , فقال سري ﵀: وقد سألته فيه فقال: نعم يضرب وجهه بالسيف وهو لا يحسه (٣). وعلى ذلك قالوا عن الوجد عند السماع حكاية عن رويم أنه قال في جواب سائل سأله عن وجد المشائخ عند السماع , فقال: " مثل قطيع الغنم إذا وقع في وسطه الذئاب " (٤). وذكر بعض كيفيات الوجد والتواجد السهروردي في عوارفه , فقال: " وحكى بعض المشائخ قال: رأينا جماعة ممن يمشي على الماء والهواء يسمعون

стр. 178

السماع ويجدون به وتولهون عنده. وقال بعضهم كنّا على الساحل فسمع بعض إخواننا فجعل يتقلب على الماء يمر ويجيء , حتى رجع إلى مكانه. ونقل أن بعضهم كان يتقلب على النار عند السماع , ولا يحس بها. ونقل أن بعض الصوفية ظهر منه وجد عند السماع فأخذ شمعة فجعلها في عينه , قال الناقل: قربت من عينه , أنظر , فرأيت ناراً أو نوراً يخرج من عينه يردّ نار الشمعة وحكى عن بعضهم أنه كان إذا وجد عند السماع ارتفع من الأرض في الهواء أذرعاً يمر ويجيء فيه " (١). وذكر مثل هذه الشعبذات اليافعي أيضاً حيث يقول: " ومن حكايات أرباب الأحوال في السماع وأصحاب المواجيد فيه (ما حكى) عن بعضهم أنه سمع على ساحل البحر فجعل يتقلب على الماء ويمر ويجيء حتى رجع إلى مكانه (وحكى) عن بعضهم أنه كان إذا وجد عند السماع أرتفع من الأرض في الهواء أذرعاً ويجيء فيه (وقلت) ومثل هذا رويناه عن الشيخ الكبير العارف بالله تعالى الشهير أبي عبد الله القرشي ﵁ (قلت) وقد تقدمت حكاية عن بعض المشائخ أنه قطعت رجله حال السماع من أجل أكلة فيها ولم يشعر ومن المشهور (ما حكي) عن بعضهم إنه كان مقعداً وكان إذا ظهر به السماع يقوم (وحكى) عن بعضهم أنه كان يتقلب على النار عند السماع ولا يحس بها (قلت) وقد دخل كثير منهم في النار في حال السماع وقد تقدم في الفصل الثالث أن امتحن بعض الملوك بعض المشائخ بذلك بعد ما أمر بإيقاد نار عظيمة فأمر الشيخ أصحابها السماع فلما عمل فيهم الوجود دخل بهم فيها ثم اختطف إبناً للملك ودار به فيها ثم غابا ففزع الملك على ولده فزعاً شديداً ثم ظهرا وإذا في إحدى يدي ابن الملك تفاحة وفي الأخرى رمانة فقال أبوه أين كنت قال كنت في بستان فأخذت منه هاتين الحبتين فأحضر الملك كأساً مملوءة سما تقتل القطرة منه في الحال وقال للشيخ اشربه إن كنت صادقاً وكان مذهبكم حقاً فشربه الشيخ في حال السماع فتمزقت ثيابه فألقى عليه ثياب أخرى فتمزقت أيضاً ثم أخرى كذلك مراراً ثم ثبتت عليه الثياب بعد ذلك صحيحة ولم يمسه سوء " (٢).

стр. 179

وأما النبهاني فيكتب: " كان عبد الله بن محمد المعروف بالعفيف من كبار الصالحين أهل الكرامات والأحوال , وكان إذا حضر السماع يأخذه وجد غالب وجد حتى أنه ألقى نفسه مرة من سطح عال عند غلبة الوجد عليه ولم يضره شيء. ومنها أنه أخرج مرة عين بعض القوال في حال غلبة الوجد عليه , ثم ردها بعد أن سالت على خدّه فرجعت كأن لم يكن بها شيء " (١). هذا وقد كذبوا على رسول الله ﷺ إثباتاً للوجد فقالوا: عن أنس كنا عند النبي إذا نزل عليه جبريل فقال: يا رسول الله وفقراء أمتك يدخلون الجنة قبل الأغنياء بخمسمائة عام , وهو نصف يوم , ففرح , فقال: أفيكم من ينشدنا؟ فقال بدري: نعم يا رسول الله , فقال: هات , فأنشد البدري يقول: قد لسعت حبّ الهوى كبدي ... فلا طبيب لها ولا راق إلا الحبيب الذي قد شغفت به ... فعنده رقيتي وترياقي فتواجد ﵇ , وتواجد أصحابه معه , حتى سقط رداؤه عن منكبه , فلما فرغوا أوى كل أحد مكانه فقال معاوية: ما أحسن لعبكم يا رسول الله؟ (عياذاً بالله). فقال: مه مه يا معاوية ليس بكريم من لم يهتزّ عند ذكر الحبيب , ثم اقتسم رداءه من حضرهم بأربعمائة قطعة " (٢).

стр. 180

والغزالي كذلك استدلّ على السماع والوجد من رؤيا ممشاد الدينوري أنه قال: " رأيت النبي ﷺ في النوم فقلت: يا رسول الله هل تنكر من هذا السماع شيئاً فقال: ما أنكر منه شيئاً ولكن قل لهم يفتتحون قبله بالقرآن ويختمون بعده بالقرآن. وحكى عن طاهر بن بلال الهمداني الوراق - وكان من أهل العلم - أنه قال: كنت معتكفا في جامع جدّة على البحر فرأيت يوماً طائفة يقولون في جانب منه قولاً ويستمعون , فأنكرت ذلك بقلبي وقلت: في بيت من بيوت الله يقولون الشعر؟ قال: فرأيت النبي تلك الليلة وهو جالس في تلك الناحية وإلى جنبه أبو بكر الصديق ﵁ وإذا أبو بكر يقول شيئاً من القول والنبي يستمع إليه ويضع يده على صدره كالواجد بذلك , فقلت في نفسي: ما أن ينبغي لي أن أنكر على أولئك الذين كانوا يستمعون وهذا رسول الله يستمع وأبو بكر يقول؟ فالتفت إلى رسول الله وقال: هذا حق بحق - أو قال حق من حق - أنا أشك فيه " (١). ويقولون: إن هذه الأبيات الغزلية والأشعار العشقية أكثر تأثيراً ووقعاً في النفوس , وأثارة للوجد والتواجد من القرآن الكريم كما ذكروا عن يوسف بن الحسين الرازي الذي قال فيه الأصبهاني: " المتخلّي من رؤية الناس , المتحلي بالإخلاص خيفة رب الناس , تارك للتزين والتصنع , مفارق للتلّون والتمتع , أبو يعقوب يوسف بن الحسين الرازي. كان وحيداً فريداً , وعلى المتنطعين شديداً , صحب ذا النون المصري وأبا تراب النخشبي , وأبا سعيد الخراز " (٢). يذكرون عنه نقلاً عن أبي الحسين الدراج أنه قال: " قصدت زيادة يوسف بن الحسين الرازي , من بغداد , دخلت الري سألت الناس عن منزله , فكل من أسأله عنه يقول: " أيش تعمل بذلك الزنديق؟! " , فضيقوا صدري ,
следующие страницы →