Полный текст (342 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 151
الباب الرابع
التَصُّوف .. بدعه وَخصَائِصه
إن المصنف لما يتعمق في كتب المتصوفة ورسائلهم وصحفهم , في سيرهم وسلكوهم , أحوالهم وطبقاتهم , أسسهم وقواعدهم , ليرى أن أمرهم مبني إما على التطرف أو مخالفة الشريعة , أو مكوّن من البدع والزيغ والضلال.
فأما تطرفهم ومخالفتهم للشريعة فلقد ذكرناها فيما سبق , ونورد ههنا ما أبتدعوه واستحدثوه باسم الدين في التصوف , ولو أن كل هذا من حيث المبدأ والمال من قسم واحد لأن التطرف أيضا بدعة في الدين , ومخالفات الشرع منهي عنها في الإسلام , ولكننا خصصنا هذا الباب لبيان أشياء أختصّ بها المتصوفة , وجعلوها من ميزاتهم وشعاراتهم , بل أنها من لوازمهم وخصائصهم , قلّما يتصور صوفي ولا يتصور هذه الأشياء معه أو يتصور هذه الأشياء ولا يحضر في الذهن التصوف والمتصوفة من قديم الزمان وحديثه باختلاف الكّم والكيف مثل الرقص والغناء , والوجد والتواجد , والأناشيد والمواجيد ووالقصائد والترانيم , والأذكار والأوراد بألفاظها المخصوصة وآدابها الخاصة , وتصور الشيخ , وصحبة المريد , والخلوات والخانقاوات وآداب المكوث فيها وغيرها من الأمور التي خصصوا لبيانها أبواباً وفصولا في كتبهم.
ويلاحظ الباحث أن للقوم نظاماً خاصاً , ومميزاً عن نظام الإسلام , وآداباً ومناهج لم يرد ذكرها في كتاب الله ولا في سنة رسول الله ﷺ , ولم تعرف في القرون الأولى للشهود لها بالخير , بل أخذوها من غير المسلمين , والبعيدين عن الإسلام وعقائده , أفكاره ومعتقداته , بل هي تخالف في شكلها وصورتها , وبحروفها وألفاظها , وكلماتها ومنطوقها , ومعانيها ومدلولاتها , وأسمها ورسمها , وسيرتها وتشكيلها , وأدائها وأسلوبها من الإسلام الساذج , غير المتكلف والمصطنع , دين الفطرة ودين البساطة , فأين هو وتعاليمه من الرقص والتمايل وجداً وطرباً , والذكر وحلقاته ,
стр. 152
والحركات على التصفيق والبكاء والتصدية , وضربات الذكر , وتحريك الرأس والجسم آلياً وبهلوانياً , والجلوس بين يدي الشيخ كالجلسة بين يدي الربّ الخشوع والخضوع , وعدم التنفس أمامه والسؤال منه والاعتراض عليه وعلى كل ما يفعله ويأمر به , والمكوث في سراديب الأرض واللبث في كهوف الجبال وغيرانها , وغير ذلك من الخرافات والخزعبلات.
فالإسلام دين يشمل الدنيا والآخرة , ويعامل الإنسان كما خلق في أحسن تقويم , مكرم ومعظم , وله حقوق , وعليه فرائض , وله إخوان وخلاّن وأهل وعيال , ووالد وما ولد , وأقارب وجيران , وأسرة وبيئة يعيش فيها ومجتمع يحيطه , فلا يستغني عنهم ولا يستغني عنه , وعلى ذلك يقال: إن الإنسان مدني الطبع , وهو كذلك , ولذلك بعث الله النبيين وأرسل الرسل ليهدوه ويسلكوا سبيل المؤمنين المتقين والمعتدلين يراعون الذمم , ويصلون الرحم ويوفون بالعهود , ويرحمون الصغير , ويوقرون الكبير , ويداوون المريض , ويواسون الجريح , ويجبرون المكسور , ويقرون الضيف , ويراعون اليتيم , ويعطون المسكين , ويحافظون على ما أمر الله بحفظه , ويراعون الله فيما أمرهم برعايته , ويخافونه ويتقونه حق تقاته.
ولكن التصوف ليس هكذا , فهو إنزواء وحشة وتنافر من الناس وأعتزال عنهم , ثم رقص وسماع , وأكل وشرب على الإستجداء , ونوم في الروابط , لا الكسب ولا الطلب , ولا الزواج ولا المعاشرة , ومخالفة فطرة الله التي فطر الناس عليها.
وقد ذكرنا أشياء منها , نذكر ههنا من بدع القوم ومحدثاتهم التي علقت بهم ولزمتهم , أو عرفت بهم وعرفوا بها.
فمن بدعهم ما يسمونه سماعاً , وهو: سماع أناشيد وأبيات غزلية فيها ذكر الهجر والوصل , والقرب والبعد , والعذاب الملامة , والعذل واللوم , والقطيعة والشوق , والحب والعشق , والحبيب والمعشوق , والقدود والخدود , والحسن والجمال , والغنج والدلال , والخمر والكؤوس , والساقي والسيقان , مع الآلات وبدونها مكاء وتصدية ,