ولا الطمع , ولا الجنة ولا النار , بل كثيراً ما يستهزؤن بها ويسخرون بذكرها , فنقلوا عن رابعة العدوية البصرية أنها كانت تنشد:
" يعبدون الله خوفاً من لظى ... فلظى قد عبدوا لا ربنا
ولدار الخلد صلّوا , لا له ... شبه قوم يعبدون الوثنا " (١).
وذكرها العطار فقال:
" جاء إليها رجال من أهل الله فسألت أحدهم: لماذا تعبد الله؟
فقال: خوفاً من عقابه والجحيم التي برزت للغاوين.
فسألت الآخر فقال: طمعاً في جنته التي أعدت للمتقين.
فقالت: أما أنا فما عبدته خوفاً من ناره ولا طمعا في جنته فأكون كالأجير السوء بل عبدته حباً له وشوقاً إليه " (٢).
وورد مثل هذا في روضة التعريف بالحب الشريف أيضاً (٣).
وروى الجلمي عنها أنها قالت:
" وعزتك ما عبدتك خوفاً من نارك ولا رغبة في جنتك , بل كرامة لوجهك الكريم ومحبة فيك " (٤).
وعلى ذلك قال المنوفي الحسيني بعد ذكر رابعة العدوية , وجويرية , ورابعة الدمشقية وغيرهن: " أولئك اللواتي طمعن في رحمة الله وأحببته لا رهبة من عقابه , ولا طمعاً في ثوابه " (٥).
وأنشدت أيضاً:
أحبك حبين حب الهوى ... وحباً لأنك أهل لذاكا
فأما الذي هو حبّ الهوى ... فشغلي بذكرك عمّن سواكا (٦)
стр. 72
وذكر ابن عجيبة الحسني أنها قالت:
كلهم يعبدونه من خوف نار ... ويرون النجاة حظاً جزيلا
أو بأن يسكنوا الجنان فيضحوا ... في رياض ويشربوا السلسلبيلا
ليس لي في في الجنان والنار رأي ... أنا لا أبتغي بحبي بديلا (١)
وأكثر من ذلك ما نقله كل من القشيري والعطار والكلاباذي والكمشخانوي وغيرهم:
" مرضت رابعة العدوية فقيل لها:
ما سبب علّتك؟
فقالت: نظرت إلى الجنة بقلبي فغار عليّ قلبي , فأدبني وقد آليت وحلفت أن لا أعود " (٢).
وليس هذا الإستغناء عن الجنة والخوف والرهبة , فحسب بل أكثر من ذلك نقل الشعراني استهزاءها بالجنة ونعيمها , والقرآن الكريم , فيقول:
" سمعت رابعة العدوية ﵂ شخصا يتلو قوله ﴿وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ ﴿٢٠﴾ وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ قالت: نحن إذن صغار حتى نفرح بالفاكهة والطير " (٣).
وليست رابعة العدوية وحدها من ينقلون عنها استغناءها عن الجنة واستحقار ذكرها , وعدم اهتمامها بالخوف والرجاء , والرهبة والرغبة , بل هذا هو موقفهم ومشربهم , فينقلون ذلك عن الآخرين أيضاّ , فيقول السلمي والهجويري والسهلجي والمنوفي الحسيني:
" إن أبا يزيد البسطامي الذي قال فيه الجنيد البغدادي كما يروون: أبو يزيد منا بمنزلة
стр. 73
جبريل من الملائكة (١).
فكان يقول: " الجنة لا خطر لها عند أهل المحبة , وأهل المحبة محجوبون بمحبتهم " (٢).
ونقل ابن العريف عنه أيضاً أنه كان يسخر بالثواب ولم يكن يبالي بالعقاب , وكان يقول مخاطبا للرب تعالى:
" أريدك لا أريدك للثواب ... ولكني أريدك للعقاب " (٣).
وكان يستهزئ بالجنة بقوله:
" لله عباد لو بدت لهم الجنة بزينتها لضجوا منها كما يضجّ أهل النار من النار " (٤).
وقال أيضاً في هذا المعنى:
" من عرف الله صار للجنة ثواباً , وصارت الجنة عليه وبالا " (٥).
كما كان يستهزئ بالنار , فينقل عنه أنه كان يقول:
" وددت أن قامت القيامة حتى أنصب خيمتي على باب جهنم. فسأله رجل: ولم ذاك يا أبا يزيد؟
فقال: إني أعلم أن جهنم إذا رأتني تخمد (٦).
وأخيراً ما ذكر عنه السهلجي في ازدرائه واستصغاره الجنة حيث يروي عن ابن أخي أبي يزيد أنه قال:
" حدّثني أبي عن أبيه عن أبي يزيد أنه جاء حاتم الأصمّ زائراً له فقال حاتم: قد
стр. 74
قلت لتلامذتي: من لم يكن منكم يوم القيامة شفيعاً في أهل النار فيدخلهم الجنة لم يكن لي تلميذاً. فقال له أبو يزيد: ولكن قد قلت أنا لهم:
ليس من تلاميذي إلا من وقف يوم القيامة , فكل من أمر من الموحدين إلى النار أخذ بيده وأدخله الجنة " (١).
ومثل ذلك نقلوا عن إبراهيم بن أدهم أنه كان يستهزئ بنعيم الجنة بدعائه:
" اللهم إنك تعلم أن الجنة لا تزن عندي جناح بعوضة " (٢).
والشبلي الذي قال عنه الجنيد: " لكل قوم تاج , وتاج هذا القوم الشبلي " (٣).
ينقلون عن تاج قومهم هذا أنه كان يدعو: " اللهم أخبأ الجنة والنار خبايا غيبك حتى تعبد بغير واسطة " (٤).
ومن استهزائهم بالجحيم ونيرانها أنه قال في مجلسه:
" إن لله عباداً لو بزقوا على جهنم لأطفوها " (٥).
وكذلك كان يقول: " لو خطر على بالي أن الجحيم بنيرانها وسعيرها تحرق مني شعرة لكنت مشركاً " (٦).
ومن استخفافه بوعيد أهل النار أنه سمع قارئاً يقرأ هذه الآية ﴿قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ فقال الشبلي:
" ليتني كنت واحداً منهم " (٧).
وأما معروف الكرخي فيروون عنه " أنه عبد الله لا خوفاً من ناره , ولا شوقاً إلى جنته , فلذلك رؤى في النوم في حظيرة القدس جالساً في سرادق العرش شاخصاً ببصره
стр. 75
ينظر إلى الله " (١).
ونقل ذلك عبد الغني الرافعي أيضاً فقال:
" قال بعض إخوان معروف الكرخي ﵁: أخبرني يا أبا محفوظ , أيّ شيء هاجك إلى العبادة والانقطاع عن الخلق؟ فسكت , فقال له: ذكر الموت؟ فقال: أيّ شيء الموت؟
فقال: ذكر القبر والبرزخ؟ فقال: وأي شيء القبر؟
فقال: خوف النار ورجاء الجنة؟ فقال: وأيّ شيء هذا؟
ثم قال: إن كانت بينك وبينه معرفة كفاك جميع هذا " (٢).
ونقل النفزي الرندي وأبو طالب المكي عن أبي حازم المدني أنه كان يقول:
" إني لأستحي من ربي أن أعبده خوفاً من العذاب فأكون مثل عبد السوء إن لم يخف لم يعمل , وأستحي أن أعبده لأجل الثواب فأكون كالأجير السوء إن لم يُعط لم يعمل , ولكن أعبده محبة له " (٣).
وكتب الجامي في نفحاته أن محمد بن سعيد الزنجي سئل عن الرذيل من هو؟
قال: الذي يعبد الله خوفاً ورجاء.
قالوا: وأنت لم تعبد؟
قال: خدمة وطاعة (٤).
ويقول الأنصاري الهروي المتوفى ٤٨١هـ:
" الحرمة هي التحرج عن المخالفات والمجاسرات , وهي على ثلاث درجات:
الدرجة الأولى تعظيم الأمر والنهي.
لا خوفاً من العقوبة ... فيكون خصومه للنفس
ولا ... طلبا ... للجدّ ... فيكون مسترقّا للأجرة
стр. 76
ولا شاهداً للجدّ ... فيكون متديناً ... بالمراياة
فإن هذه الأوصاف كلها شعب من عبادة النفس (١).
وقال أيضا تحت عنوان الرجاء:
" الرجاء أضعف منازل المريد لأنه معارضة من وجه , واعتراض من وجه , وهو وقوع في الرعونة في مذهب هذه الطائفة " (٢).
وحكى عماد الدين الأموي وغيره أن داود ﵇ أوحى إليه الرب ﵎ أن أودّ الأولاد إليّ عبدني بغير نوال ... ومن أظلم ممن عبدني لجنة أو نار , لو لم أخلق جنة ولا ناراً ألم أكن أهلاً لأن أطاع " (٣).
ومن احتقارهم وأزدرائهم بالجنة ما ذكروا عن الصوفي عثمان بن عاشوراء أنه قال:
" خرجت من بغداد أريد الموصل فأنا أسير , وإذا أنا بالدنيا قد عرضت لي بعزّها وجاهها ورفعتها ومراكبها وملابسها ومزيّناتها ومشتهياتها فأعرضت عنها , فعرضت عليّ الجنة بحورها وقصورها وأنهارها وثمارها فلم أشتغل بها , فقيل لي: ياعثمان , لو وقفت مع الأولى لجبناك عن الثانية , ولو وقفت مع الثانية لحجبناك عنا " (٤).
ومثل نقل عن البسطامي أنه قال:
" الجنة هي الحجاب الأكبر لأن أهل الجنة سكنوا إلى الجنة , وكل من سكن إلى سواه فهو محجوب " (٥).
وقال الأموي:
" الخواص من الأولياء زهدوا في الحور العين وغيرهم من النعيم للنظر إلى وجه الله تعالى , ثم أعرضوا عن الحور العين والقصور والإتكاء على الفرش والأرائك واللحوم والفواكه إلى مشاهدة كمال إله الكل " (٦).
وفي هذا المعنى نقل الشعراني عن محمد الحنفي أنه دخل الحمام يوماً مع الفقراء ,
стр. 77
فأخذ ماء من الحوض ورشّه على أصحابه , وقال: النار التي يعذب بها العصاة من أمة محمد ﷺ مثل هذا الماء في سخونته , ففرح الفقراء بذلك (١).
فليشاهد القراء إلى الاستهزاء والاستخفاف وما أسوأه وأشنعه بالإضافة إلى النيل من شأن حديث رسول الله ﷺ الذي قال فيه:
(ناركم جزء من سبعين جزء من نار جهنم , قيل: يا رسول الله , إن كانت لكافية (٢) , قال: فضلت عليهن بتسعة وستين جزء كلّهن مثل حرّها) (٣).
هذا ويقول الإسكندري:
" من عبده لشيء يرجوه منه أو ليدفع بطاعته ورود العقوبة عنه فما قام بحق أوصافة " (٤).
ومن أهم ما روي في ذلك ما رواه ابن الملقن في طبقاته عن أبي الحسن بن الموفق المتوفى ٢٦٥ هـ أنه قال:
" اللهم إن كنت تعلم أني أعبدك خوفاً من نارك فعذّبني بها.
وأن كنت تعلم أني أعبدك حبا مني لجنتك وشوقاً إليها فأحرمنيها " (٥).
ورووا عن شاب كان قلبه على قلب إبراهيم الخليل كما يقولون , فينقلون عنه أنه كان يقول:
" يا سماء ويا أرض أشهدا عني ما خطر على قلبي ذكر الجنة والنار قط مثل إبراهيم الخليل " (٦).
فأنظر ما أجرأهم على الكذب , قطع النظر عن استحقار الجنة ونعيمها , التي لم يكن
стр. 78
نبي من الأنبياء إلا وقد سألها وطلبها من ربه مع ما فيهم سيد الأنبياء وأشرف المرسلين محمدنا خاتم النبيين ﷺ , وجدّ نبينا إبراهيم الذي أتخذه الله خليلاً وأشتياقه إلى الجنة وطلبها من ربه مذكور محفوظ في كتاب ربه وربنا , الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه , حيث حكى عنه الرب ﵎ إذ يقول:
﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ ﴿٨٣﴾ وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآَخِرِينَ ﴿٨٤﴾ وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ ﴿٨٥﴾ (١).
هذا وقد ذكر السهلجي حكاية عن أبي موسى تدل على استخفاف الصوفية بالجنة ونيلهم من شأنها وعظمتها فيقول:
" يؤتى يوم القيامة برجل من طريق النار على حالة أحسن ما يكون , فيراد أن يزداد الذي يؤتي من طريق النار ألما ووجعا فيقال له: ترى ذاك الذي يحمل إلى الجنة بتلك الزينة؟ وهو فلان. فيقول نعم , كنت سمعت أسمه في دار الدنيا. قال فيبلغ الله صوته ذلك الولي فيقف مكانه فيقال له: لم لا تذهب؟ فيقول: لا أبرح من مكاني حتى يكون معي من سمع باسمي , قال: فينادى: وهبناه منك , خذ بيده وأذهب به إلى الجنة - وكان الشيخ أبو عبد الله يقول إذا حكى هذه الحكاية: فيقول: هذا لمن سمع الإسم , فكيف لمن رأى وصحب " (٢).
فالمعنى أنهم استصغروا شأن الجنة ومقامها , وجعلوا دخولها من الأمور الهينة لا تحتاج إلى كثير عناء ومشقة , بل يكفي أن يسمع الإنسان أسم وليّ من أولياء الصوفية , وحسبه ذلك من دخول الجنة والبعد عن النار.
وأكثر من ذلك أنهم نقلوا عنه أنه قال:
" ما النار؟
لأستندن إليها , وأقول: اجعلني لأهلها فداء أو لأبلعنها.
ما الجنة؟
стр. 79
لعبة صبيان " (١).
ومن احتقارهم الجنة ما رووه عن مطرف بن عبد الله بن الشخير أنه كان يقول:
" لو أتاني آت من ربي فقال: أنت مخيّر بين الجنة والنار أو تصير تراباً لاخترت أن أصير تراباً " (٢).
وذكروا عن سليمان الداراني أنه قال:
" إن لله عباداً ليس يشغلهم عن الله خوف النار ولا رجاء الجنة " (٣).
ومما يدّل على إظهار الرغبة عن الجنة وعدم الاهتمام بنعيمها أن الشعراني روى عن سيده أبي الفضل الأحمدي أنه كان يقول:
" أرباب الأحوال تشتاق إليهم الجنة وهم لا يشتاقونها " (٤).
أفليس ترجيح كون التراب على دخول الجنة , وإظهار الرغبة عن نعيمها , عيشها وترفها , والزهد في حورها وقصورها وأنهارها وأثمارها , أليس كفرا بنعمة الله وجحوداً بها , وقد قال عز من قائل:
﴿وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (٥).
وقال: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (٦).
و ﴿أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾ (٧).
فهذه هي الجنة والنار , والثواب والعقاب , والرجاء والخوف عند الصوفية , وهذا هو ازدراؤهم واستحقارهم بها وبذكرها وبنعيمها خلافاً لسيرة المصطفين الأخيار وأحوال أصحاب خاتم النبيين الأبرار , ومنافيا لنصوص القرآن الصريحة , وأحاديث
стр. 80
رسول الله الواضحة الجلية.
وإن المتصوفة لا يأبهون بالدنيا والآخرة كما لا يأبهون بالجنة والنار والثواب والعقاب , فينقلون عن إبراهيم بن أدهم أنه قال:
" إن كنت تحب أن تكون لله وليا وهو لك محباً فدع الدنيا والآخرة ولا ترغبن فيهما , وفرغ نفسك عنهما " (١).
ومثل ذلك ذكر القشيري والشعراني عن الحسين بن منصور أنه قال:
" علامة العارف أن يكون فارغاً من الدنيا والآخرة " (٢).
ونقلوا كذلك عن محمد المغربي الشاذلي أنه كان يقول: لا يصح لمريد قدم في طريق أهل الله إلا بعد أن يزهد في الدنيا ونعيم الآخرة (٣)
ومثل ذلك ذكروا عن الجيلي أنه سئل عن الهمة فقال:
" هي أن يتعرى العبد بنفسه عن حب الدنيا , وبروحه عن التعلق بالعقبى " (٤).
وروى عن الشبلي أنه سمع قوله تعالى:
﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ فصاح صيحة عظيمة وقال: فأين الذين يريدون الله تعالى (٥).
مع أن الله ولم يفرّق بين إرادة الآخرة وإرادته هو سبحانه تعالى حيث قال: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (٦).
فإرادة الآخرة نفس إرادة الله لا فرق بينهما.
ومدح الله تعالى عباده الذين يريدون الآخرة ويسعون لها بقوله:
﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾ (٧).
стр. 81
وجمع الله بين إرادته ورسوله والدار الآخرة في قوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآَخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (١).
فهذه هي بعض قواعد المتصوفة في الخوف والرجاء والثواب والعقاب والجنة والنار والدنيا والآخرة , وضعت لمخالفة منطوق القرآن وصريح السنة.
وهناك مخالفات أخرى للقرآن والسنة في مختلف المجالات نورد بعضا منها مع ذكر الآيات والأحاديث التي يخالفونها.
فمن المعروف أن الإسلام قلّما أكدّ وشدد في أكل الحلال وترك الحرام , وطلبه من المؤمنين كما قبل العبادات والطاعات لأنه من لم يكن طعامه ولحمه ودمه من حلال أنى تتأتى منه الحسنات , ويقبل عنه العبادات , ويستجاب له الدعوات. فأمر الله به المؤمنين كما أمر به الأنبياء والمرسلين , وقدمه على العمل الصالح والعبادة المقبولة فقال لأنبيائه وأصفيائه:
﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ (٢).
وقال مخاطبا للمؤمنين: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ (٣).
وقال رسول الله ﷺ : (لا يكسب عبد مال حرام فيتصدق به فيقبل منه , ولا ينفق منه فيبارك له فيه , ولا يتركه خلف ظهره إلا كان زاده إلى النار , إن الله لا يمحو السيء بالسيء , ولكن يمحو السيء بالحسن , إن الخبيث لا يمحو الخبيث) (٤).
وقال ﷺ : (لا يدخل الجنة لحم نبت من السحت , وكل لحم نبت السحت كانت النار أولى به) (٥).
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ :
(إن الله طيّب لا يقبل إلا
стр. 82
طيباً , وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين , فقال: ﴿يا أيها الرسل كلوا من الطيبات وأعملوا صالحا﴾ , وقال: ﴿يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم﴾ , ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر , يمد يديه إلى السماء: يا رب , يا رب , ومطمعه حرام , ومشربه حرام , وملبسه حرام , وغذي بالحرام فأنى يستجاب لذلك) (١).
ولكن الصوفية يرون عكس ذلك فإنهم يرون الكسب من الركون إلى الدنيا , ويبقون متعطلين عالة على الناس لا يعلمون , ويعيشون على عطيات الناس من هبّ منهم ودب , وقد مرّ بيان ذلك مفصلاَ (٢).
وليس هذا فحسب , بل ذكروا أن عديدا منهم كانوا يتعاطون الحرام فيشربون الخمر ويأكلون الأفيون والبنج والحشيش , ويتناولون المخدرات والمسكرات فواحداً منهم ذكرناه في كتابنا " التصوف: المنشأ والمصادر " الذي يقولون عنه: أنه كان مستجابا الدعوات , ومحللاً المشكلات , وما دعا شيئا قط إلا وقد أعطي , وكان يشرب الخمر ويتعاطى المخدرات المسكرات , وصار مزاره مهبط الأنوار ومحطّ البركات مثل ما كان هو في حياته (٣).
ومثله الصوفي المشهور عين الدين المتوفي ٨٢٢ هـ " كان يشرب الخمر ليلاً ونهاراً " (٤).
ومنهم الشيخ الشرياني القصوري المتوفى ١٠٤٣ هـ " كان قبله الحاجات وكعبة السائلين والطالبين , ولم يكن يقضي لحظة بدون الخمر " (٥).
وليس هذا فحسب , بل أجتراء القوم وقالوا:
" وحكي عن إبراهيم بن أدهم ﵀ أنه قال: كان بصحبتي رجل كثير الصوم والصلاة فعجبت من ذلك , ثم نظرت في مأكوله من موضع غير طيب , قال: فأمرته
стр. 83
بالخروج من ملكه وأخرجته معي في سفر , فكنت أطعمه الحلال من موضع أعرفه وأرضاه , قال: فلما صحبني مدة كنت أحتاج أن أضربه بالدرة حتى يقوم فيؤدي الفرض " (١).
وأما الملبس فنقل عنهم أنهم كانوا لا يراعون فيه الشرع , فأحياناً كانوا يتجردون منه ولا يلبسون شيئاً ولا يراعون ما أوجبه الشرع من الستر , وقد ذكرنا عديداً من الروايات في هذا الكتاب والكتاب الآخر , وأحياناً كانوا يلبسون لباس الشهرة الممنوع عنه في السنة , وأحياناً كانوا يستحلون الحرير كما ذكر الشعراني وأصحاب الطبقات متصوفة مشهورين وصوفية معروفين ما كانوا يلبسون إلا الحرير , فمنهم: " الشيخ أحمد المشهور بحب رمانتي , كان ﵁ لا يلبس إلا الحرير ... وكانت له كرامات كثيرة " (٢).
ومنهم عون بن عبد الله بن عتبة فرووا عنه أنه كان يلبس الخز (٣).
وحثّ أبو العباس أحمد بن علي البوني المتوفى ٦٢٢هـ على التختم بالذهب حيث قال:
" ومن الأسرار العجيبة أن يوضع أسمه تعالى العلي العظيم في خاتم من ذهب , من تختم به كان مهابا عند الناس معظّماً مكّرماً عالي القدر مرفوع الذكر , ولا يزال كذلك طول حياته , وإذا بعث يوم القيامة أمن تزلزل قدمه على الصراط , وثقلت موازينه بالحسنات " (٤).
مع التحريم الوارد فيه عن النبي ﷺ : حيث قال:
(أحل الذهب والحرير للإناث من أمتي , حرّم على ذكورها) (٥).
وروى عن عليّ ﵁ قال: " إن النبي ﷺ أخذ حريراً فجعله في
стр. 84
يمينه , وأخذ ذهباً فجعله في شماله , ثم قال: (إن هذين حرام على ذكور أمتي) " (١).
ومن العجائب أن المتصوفة المدعين التقرب إلى الله وأبتغاء مرضاته وطلب رضوانه لا يسلكون في ذلك مسلك رسول الله ﷺ , ولا يبتغون خطاه , فإن المسلم يعلم أن أحسن شيء ما يتكرم به العبد إلى الله وهي الصلوات الخمس بأوقاتها والتنفلات والتطوعات. ولكن الصوفية لا يرون ذلك مع ما أشتهر عنهم بكثرة الصلوات والنوافل فالأمر عكس ذلك , نعم , هناك بعض المتصوفة هم قد عرفوا بكثرة التنفل ولكن البعض منهم أيضاً خالفوا أسوة رسول الله ﷺ لإفراطهم في ذلك , الإفراط المنهي عنه مثل قيام الليل كله من أوله إلى آخره , وقد ذكرنا أمثلة لذلك في باب " التطرف من لوازم التصوف ".
ولكن الباحث والقارئ يتفحص أحوالهم وسيرهم في كتب الطبقات والسير ليرى العجب العجاب بأن القوم معظمهم لا يحضرون المساجد لأداء الصلوات الخمس ولا يحافظون عليها بل نقلوا عن كثير منهم بأنهم ما كانوا يخرجون من الروابط والزوايا , والصوامع والتكايا , والغيران والكهوف , والسراديب والخلوات أسابيع وشهوراً بل وسنوات أيضاً , لا للجمعة ولا للجماعة , مع ورود التشديد في الحضور لأداء الصلوات في المساجد ومع الجماعة بأوقاتها. فإن الله ﵎ حينما أمر المؤمنين بإقامة الصلوات , أمرهم بأدائها مع الجماعة , فقال: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ (٢).
وقد قال رسول الله ﷺ حينما سئل عن أفضل الأعمال , قال:
(أفضلها الصلاة لأول وقتها) (٣).
وعن أبي هريرة رضي الله قال: أتى النبي ﷺ رجل أعمى , فقال: يا رسول الله , إنه ليس لي قائد يقودني إلى المسجد , فسأل رسول الله ﷺ أن يرخص له فيصلي في بيته , فرخصّ له , فلما ولّى دعاه , فقال: (هل تسمع النداء
стр. 85
بالصلاة؟)
قال: نعم , قال: (فأجب) (١).
وقال ﵊: (والذي نفسه بيده , لقد هممت أن آمر بحطب فيحطب , ثم آمر بالصلاة فيؤذن لها , ثم آمر رجلاً فيؤمّ الناس , ثم أخالف إلى رجال لا يشهدون الصلاة فيؤذن لها , ثم آمر رجلاً فيؤم الناس , ثم أخالف إلى رجال لا يشهدون الصلاة فأحرّق عليهم بيوتهم , والذي نفسي بيده , لو يعلم أحدهم أنه يجد عرقاً سميناً أو مرماتين حسنتين لشهد العشاء) (٢).
وحث المؤمنين على الحضور في المساجد لأداء الصلاة مع الجماعة حيث قال:
(صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذّ بسبع وعشرين درجة) (٣).
وإن أصحاب رسول الله ﷺ كانوا يعرفون المنافق لعدم حضورهم للصلاة في المساجد مع الجماعة كما يروى عن عبد الله بن مسعود ﵁ , قال:
" لقد رأيتنا وما يتخلّف عن الصلاة إلا منافق قد علم نفاقه , أو مريض , إن كان المريض ليمشي بين رجلين حتى يأتي الصلاة.
وقال: إن رسول الله ﷺ علمنا الهدى , وإن من سرّه سنن الهدى الصلاة في المسجد الذي يؤذن فيه. وفي رواية قال: من سرّه أن يلقى الله تعالى غداً مسلماً فليحافظ على هذه الصلوات الخمس , حيث ينادى بهن , فإن الله شرع لنبيكم سنن الهدى , وإنهن من سنن الهدى , ولو أنكم صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلّف في بيته لتركتم سنة نبيكم , ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم , وما من رجل يتطهر فيحسن الطهور , ثم يعمد إلى مسجد من هذه المساجد إلا كتب الله له بكلّ خطوة يخطوها حسنة , ورفعه بها درجة , وحطّ عنه بها سيئة , ولقد رأيتنا وما يتخلّف عنها إلاّ منافق معلوم النفاق , ولقد كان الرجل يؤتى به يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف " (٤).
стр. 86
فهذه نبذة يسيرة عن رسول الله ﷺ في ذلك , وإن الله أوجب الجمعة على المسلمين بقوله:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (١).
كما فرض رسول الله ﷺ استماع الخطبة والحضور في العيدين.
ولكن القوم الذين يعدّون التصوف من دين الله بل أصل الدين وأساسه وسبباً لقربه وولايته ولا يرون شيئاً من ذلك. فأولا لا يحضرون الصلوات إطلاقاً ولا يرون للمسجد قيمة وشأناً كما نقل الشعراني في طبقاته:
" كان الإمام الحسن بن سمعون ﵁ أماماً زاهداً ورعاً قلما يخرج من بيته إلا في أيام الجمع لأجل الصلاة , وطول نهاره في قعر بيته ﵁ " (٢).
وذكر ظهير الدين القادري أيضاً صوفياً ما كان يخرج من منزله إلا للجمعات فيقول:
" كان ورعاً متديناً كثير العبادة منقطعاً في منزله من الناس لا يخرج إلا في الجمعات " (٣).
وليس ترك الجماعة فقط , بل الجمعة أيضاً كما ذكر المنوفي الحسيني عن الصوفي المصري الذي قال فيه " هو الولي المجذوب العالم القطب الشريف الشاذلي " فيذكر عنه أنه " ما كان يخرج من بيته إلا كل أسبوع لزيارة المشهد الحسيني وكان يخرج في موكب يذكر الله هو وإخوانه حتى إذا وصل إلى المسجد الحسيني كثر أنضمام الناس إليه وتزاحموا فيدخل بهم إلى صحن المسجد فيذكرون الله جميعاً " (٤).
فلم يكن غرض خروج هذا الصوفي من بيته إلا زيارة المشهد الحسيني , فأين
стр. 87
الجماعة وأين الجمعة؟
ثم ما الفائدة من هذا الذكر المقرون بالبدعات والخرافات مع ترك الجمعة والجماعة؟
وهناك صوفي آخر ذكره صاحب " تنبيه المغتربين " أنه كان يخلّي ولده على الخلوة أربعين يوماً فلا يفتح عليه " (١).
ويروي الجعلي الفضلي عن شيخه بأن النقا أنه مكث في خلوته أربعين يوماً (٢).
وهذه الأربعينية التي يتعاهدها الصوفية ويعتزلون خلالها عن الناس ويرتاحون في الأربطة والغارات فيفوتهم ثواب السعي إلى المساجد وأجر الصلاة بالجماعة والجمعة قد ذكر فتوحها وفوائدها السهروردي والباخرزي أيضاً فيقولان:
" فإذا تمت الأربعون زالت الحجب , وأنصبت إليه العلوم والمعارف انصباباً ... فالعبد بنقطاعه إلى الله تعالى وأعتزال الناس يقطع مسافات وجوده , ويستنبط من معدن نفسه جواهر العلوم " (٣).
فيظنّ الصوفية بأن الله يفتح عليهم جواهر العلوم والمعارف , ويكشف لهم الغرائب والعجائب " تعويضاً عما تركوا لأجله " (٤).
ولا يدرون أن ترك الجمعة والجماعة لا ينتج المعارف والكرامات , وإنما ينتج سخط الله ومقته , وقد سمى رسول الله ﷺ هذه الخلوة باليهودية والنصرانية في حديث رواه أبو أمامة حيث قال:
(خرجنا مع رسول الله ﷺ في سرية من سراياه وقال: فمر رجل بغار فيه شيء من ماء قال:
فحدّث نفسه بأن يقيم في ذلك الغار فيقوته ما كان فيه , وفيه شيء من ماء ويصيب
стр. 88
ما حوله من البقل ويتخلى عن الدنيا ثم قال: لو أتيت نبي الله ﷺ فذكرت ذلك له فإن أذن لي فعلت وإلا لم أفعل , فأتاه فقال: يا نبي الله إني مررت بغار فيه ما يقوتني من الماء والبقل فحدثتني نفسي بأن أقيم وأخلّي من الدنيا.
فقال نبي الله ﷺ : (إني لم أبعث باليهودية ولا بالنصرانية ولكني بعثت بالحنيفية السمحة والذي نفسي بيده لغدوة أو روحة في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها) (١).
وأما الأشياء التي تحصل لهم في خلواتهم فليست كرامات رحمانية كما يظنون , وإنها أحوال شيطانية كما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في فتاواه:
" وهذه الخلوات قد يقصد أصحابها الأماكن التي ليس فيها أذان ولا إقامة ولا مسجد يصلي فيه الصلوات الخمس , مهجورة إما مساجد وإما غير مساجد , مثل الكهوف والغيران التي في الجبال , ومثل المقابر لاسيما قبر من يحسن به الظن ومثل المواضع التي يقال أن بها أثر نبي أو رجل صالح , ولهذا يحصل لهم في هذه المواضع أحوال شيطانية يظنون أنها كرامات رحمانية " (٢).
هذا وقد ذكر الجامي عن الصوفي المشهور شمس الدين التبريزي أنه كان يمكث في خلوته ثلاثة شهور لا يخرج منها أصلا , كما أنه لم يكن يسمح أحداً بالدخول فيها (٣).
والشعراني يذكر صوفياً آخر مكث تسعة شهور في خلوته منقطعاً عن الخلق تاركاً للجمعة والجماعة فيقول:
" أنقطع الشيخ عبد الحليم المنزلاوي في الخلوة تسعة شهور يقرأ في الليل ختماً وفي النهار ختماً , ثم خرج ينفق من الغيب إلى أن مات , وأقمت عنده في زاويته نحو سبعة وخمسين يوماً فما رأيت الفقراء احتاجوا إلى شيء إلا ويخرج لهم من كيس صغير كعقدة الإبهام جميع ما يطلبونه " (٤).
стр. 89
ومما يدل على بعض الصوفية وكرههم للحضور في المساجد للجمعة والجماعة ما حكوه عن بركات الخياط نقلاً عن أبي السعود الجارحي أنه قال:
" مدحت الشيخ بركات الخياط للشيخ جمال الدين الصائغ مفتي الجامع الأزهر وجماعة , فقالوا: أمضوا بنا نزوره , وكان يوم جمعة , فسلّم المؤذّن على المنار فقالوا له: نصلّي الجمعة , فقال: مالي عادة بذلك (يعني أن الجمعة عادة وليست فرضاً) , فأنكروا عليه , فقال: نصلي اليوم لأجلكم (وليس لله) , فخرج إلى جامع المارداني فوجد في الطريق مسقاة الكلاب فتطهر منها (أنظر الإستهزاء بالفرائض الإسلامية) , ثم وقع في مشحنة حمير , ففارقوه وصاروا يوبخون الشيخ عبد الواحد الذي جاء بهم إليه , وصار الشيخ بركات يوبخ عبد الواحد ويقول: أيش هؤلاء الحجارة الذين أتيت بهم لا يعود لك بالعادة أبداً , والله يا ولدي , مسقاة الكلاب إنما هي مطعمهم ومشربهم , وكذلك مشنحة الحمير إنما هي صورة اعتقادهم النجس " (١).
وهناك آخر كان يمكث في خلوته ستة شهور كل سنة , لا يطعم شيئاً ولا يشرب , وإذا أراد الخروج من خلوته بعد ستة أشهر صاح بصوت عال ليختفي الناس عنه ولا يقع نظره على أحد لو وقع على أحد لكان أعمى عليه ليومين (٢).
فهكذا أدّى بهم التصوف إلى الإستهزاء بفرائض الشريعة وشعائرها والجهر بهتكها ومخالفتها.
وليس ترك الجمعة والجماعة فحسب , بل صلاة العيد أيضاً كما نقلوا عن أبي السعود الجارحي أنه كان كثير المجاهدات ... كان ينول في سرب تحت الأرض من أول ليلة من رمضان فلا يخرج إلا بعد العيد بستة أيام , وذلك بوضوء واحد من غير أكل (٣).
فهل هذه هي المجاهدات التي قالوا عنها " لو أن النبوة تنال بالمجاهدة لنالها عبد الكريم (٤).
стр. 90
وقال الشعراني: " لو أن النبوة تنال بالمجاهدة لنالها سيدي أبو السعود " (١).
هذا والصوفي الهندي القديم علاء الدين صابر الكليري المتوفى ٦٩٠ هـ لم يخرج من خلوته سنتين (٢).
وأما الجعلي الفضلي فقد ذكر عن حمد النحلان الذي يقول فيه: " اجتمع بالخضر ﵇ وأخذ عليه " يقول: " أنه مكث في الخلوة إثنين وثلاثين شهراً , وأخذ معه ثلاث سلق قرظاً وسبع تمرات , والخلوة فيها طاقة يناولونه بها الماء , وكل ليلة مطالة قدر عين الجمل لفطوره , فلما خرج من الخلوة وجدوا القرظ والتمرات والمطاطيل على حالها , والركوة ملآنة ماء , فجميع من شرب منها وقع مغشياً عليه وصار ولياً من أولياء الله تعالى " (٣).
فهذا التارك للجمعة والجماعة والعيدين يرى فيه الصوفية أنه كان من كبار أولياء الله تعالى ومن أصحاب الفيوض والبركات.
فهل تأتي الولاية بمخالفة الشريعة الإسلامية؟ وهل تحصل بشرب ماء من ركوة الفساق العصاة التاركين للجماعة والجمعات؟.
ونقلوا عن الصوفي المشهور محمد الحنقي أنه أعتزل عن الناس وجلس في خلوة تحت الأرض سبع سنين , فيقول الشعراني نقلاً عن أبي العباس المرسي أنه قال:
" لما خرج الشيخ محمد الحنقي من الكتاب جلس يبيع الكتب في سوقها , فمّر عليه بعض الرجال فقال: يا محمد , ما للدنيا خلقت , فنزل من الدكان وترك جميع ما فيه من الغلة والكتب ولم يسأل عن ذلك بعد , ثم حبّب إليه الخلوة فأختلى سبع سنين لم يخرج في خلوة تحت الأرض دخلها وهو ابن أربع عشرة سنة " (٤).
ونقل ابن الملقن عن فتح بن شخرف الكسي أنه قال:
стр. 91
" تهت في الجبال سبع سنين " (١).
وليس سبع سنين فحسب , بل ذكروا عن أبن عثمان الحيري من الصوفية القدامى المتوفي سنة ٢٩٨ هـ أنه أختلى عشرين سنة لم ير أثناء هذه المدة الطويلة شبحاً من الناس , وبعد العشرين أمر بمخالطة الناس فخرج إليهم (٢).
ولم يكتفوا بالعشرين , فيذكر الطوسي عن أبي عبد الله الصبيحي أنه لم يخرج ثلاثين سنة من بيت من تحت الأرض من كثرة إجتهاد وتعبّده , وكان إذا تكلّم بعلوم المعارف يدهش العالم (٣).
ولو أقتصر الأمر على هذا إلا أنه قد تجاوز عن ثلاثين سنة أيضاً فذكروا عن حسين أبي علي الذي يعتقدون فيه أنه " كان من كمّل العارفين وأصحاب الدوائر الكبرى , يناول الناس والفضة " يذكرون عن وليهم وعارفهم هذا أنه " مكث نحو أربعين سنة في خلوة مسدود بابها ليس لها غير طاقة يدخل منها الهواء " (٤).
فالحاصل أن الصوفية قد زيّن لهم الشيطان العبادات البدعية , وبغض إليهم السبل الشرعية , وحبب إليهم الخلوة والاعتزال ليحرموا ثواب الجماعة والجمعة ولم يعرف الصوفية أنه لم يبق طريق إلى الله إلا بإتباع محمد ﷺ وأصحابه , وأن هذه العزلة والوحدة والاستغناء عن الأهل والولد وذوي الرحم وأصحاب القربى والأصدقاء والإخلاء , لمن الأعمال المخالفة للشريعة الإسلامية والموجبة للحرمان عن أجر السعي إلى ذكر الله وأداء الجمعة والاستماع إلى تلاوة القرآن الكريم والإصغاء ومعاشرة المسلمين بالبّر والصلة وحسن الخلق وتشييع الجنائز وعيادة المرضى وزيارة القبور وخدمة الوالدين وغيرها من الخلق الحسن , وفي الحديث أن رسول الله
стр. 92
صلى الله عليه وسلم قال:
(ما من مسلمين يلتقيان فيتصافحان إلا غفر الله لهما قبل أن يفترقا) (١).
وقال ﷺ :
(من أحب أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره فليصل رحمه) (٢).
وقال: (ما من شيء في الميزان أثقل من حسن الخلق) (٣).
وقال ﵊:
(لا تحقرن من المعروف شيئا ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق) (٤).
وقال ﵇:
(ومن لم يهتم للمسلمين فليس منهم) (٥).
ولكن الصوفية المعتزلين المحبين للخلوة , المستمرين في الوحدة والعزلة شهوراً وسنين , يعتقدون عكس ما في السنن والأحاديث , فيروي كل من السلمي والسهروردي والباخرزي وابن عجيبة الحسني والشعراني قاعدة عامة للصوفية فيقولون:
" لا يزال الصوفية بخير , ما تنافروا , فإن اصطلحوا هلكوا " (٦).
وينصح ابن عربي المريد لبركات التصوف بقوله:
" لا يزار , ولا يتكلم أحداً في خير ولا في شر " (٧).
ويقول في كتاب آخر:
" الصحبة أشرّ شيء على المريد , فإن الطريق مبني على قطع المألوفات وترك المستحسنات , ولما كانت الصحبة تؤدي إلى الألفة والأنس وتغيير المحلّ بوجود الألم
стр. 93
عند وقوع المفارقة , لهذا كرهناها " (١).
حتى أنه قال: " لا يقل المريد لأحد: كيف حالك؟ " (٢).
ورووا عن أويس القرني كذباً أنه قال:
" لا ينال الناس هذا الأمر حتى يكون الرجل كأنه قتل الناس أجمعين " (٣).
ونقلوا كذلك عن الرفاعي أنه كان يقول:
" مالي خير إلا في الوحدة , فيا ليتني لم أعرف أحداً " (٤).
وقد أوصى داود الطائي مريدة بترك صحبة الناس ومعاشرهم فقال:
" فر من الناس كفرارك من السبع " (٥).
وأما الشاذلي فيروون عنه أنه دعا ربه " يا ربّ , أقلني من الناس فلا طاقة لي بمخالطتهم " (٦).
وقال الغزالي: " الخلوة أصل , والخلط عارض , فيلزم الأصل ولا يخالط " (٧).
ويقول أحمد الكمشخانوي:
" وأعلم أن التوفيق للعزلة دليل سعادة الأبد , لأن من خالط الناس داراهم , ومن داراهم راآهم , ومن راآهم نافقهم , ومن نافقهم استحق الدرك الأسفل من النار " (٨).
ويكتب ابن عربي: " إن الحق سبحانه ولا يتجلى لقلب له أنس بغيره " (٩).
ورووا عن الشبلي أنه قال:
стр. 94
" علامة الإفلاس الاستئناس بالناس " (١)
وهذا كلّه رغم حديث رسول الله ﷺ ذكره السهروردي أيضاً في عوارفه عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال:
" المؤمن بألف ويؤلف , ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف " (٢).
وهل تأتي الألفة بالتنافر والوحدة والعزلة والفرار من الناس أم بالمعاشرة والمخالطة والالتقاء والمصاحبة؟.
هذا وذكر الأموي عن الجنيد أنه قال:
" من أراد أن يسلم له دينه ويستريح بدنه وقلبه فليعتزل الناس , فإن هذا زمان وحشة " (٣).
ولم يأمر الصوفية معتقديهم بالتنافر والفرار عن عامة الناس فحسب , بل عن الأقرباء وذوي الرحم أيضاً كما أنشد عجيبة الحسني:
أستغن عن كل ذي قرب وذي رحم ... الغنيّ من استغنى عن الناس
وأين يذهب بعد الاعتزال عن الناس والاستغناء عنهم , يبين ذلك صاحب " الأنوار القدسية " حيث يقول:
" من شأن المريد الصادق محبة العزلة عن الناس , واستغناؤه الجلوس في البراري والمواضع الخربة حتى يتقوى ويصبر ولا يتدّنس بالأعيار " (٤).
ويقول: " المريد الصادق يحب الخلوة البعيدة عن مرور الناس كخلاوي السطوح ويجب أن تكون ضيقة حتى لا يصلح له مدّ رجله فيها , ويجب أن تكون مظلمة لا يدخلها نور الشمس " (٥).
ولماذا يعتزل؟ يصرح بذلك الدمياطي حيث يقول:
стр. 95
" من الوصايا: العزلة , وهي التفرد عن الخلق ... وليذهب المريد إلى موضع كالبرية والجبال لا تلزمه فيه الجمعة والجماعة " (١).
فترك الجمعة والجماعة هو المقصود من الاعتزال والخلوة عندهم.
وقد ذكر هذه الخلوة وآدابها وطرق الدخول فيها بحرق الحضرمي (٢) أيضاً.
وأيضاً عبد العزيز الدريني (٣).
وقد ذكر الشعراني عن بعض مشائخه أنه ما شهد جنازة قطّ (٤).
وينقل الفيتوري عبد السلام عن نصير الدين الأودهي العروس أنه لم يخرج قطّ إلى زيارة المريض إلى أن مات (٥).
مع أن رسول الله ﷺ قال:
(من شيع جنازة فله قيراط من الأجر , فإن وقف حتى فله قيراطان , وفي الخبر القيراط مثل جبل أحد) (٦).
وقال النبي ﷺ : (من عاد مريضاً لم يزل في خرفة الجنة) (٧).
وقال ﵊: (من أتى أخاه المسلم المسلم عائداً مشى في خرفة الجنة حتى يجلس , فإذا جلس غمرته الرحمة , فإن كان غدوة صلّى عليه سبعون ألف ملك حتى يمسي , وإن كان مساء صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يصبح) (٨).
فالحاصل أن الصوفية قد وضعوا بدعات الخلوة والعزلة فراراَ عن الصلاة بالجماعة , وهروباً عن أداء الجمعات , كما أنهم حرموا أنفسهم من أجور أخرى أيضاً.
стр. 96
ولم يتركوا الجمعة والجماعة فحسب , بل أن بعضاً منهم قد تركوا الصلاة أصلاً كما نقل النبهاني عن عبد القادر الدشطوطي أنه كان يسمع الأذن ولكنه ما رؤي يصلي قط , فأعترض عليه الناس , فقال:
" الناس معذورون , يقولون: عبد القادر ما يصلي ... ولكن لنا أماكن نصلي فيها " (١).
وهذه خرافة لا أصل لها نقلاً ولا عقلاً , إنما أخترعت لتعطيل الشريعة وتركها , وعلى ذلك يقول النبهاني محجراً عقله ومسفهاً إياه: إياكم.
إياكم أن تنكروا على أحد من الأولياء كونه لم يصل معكم في جماعة فإن لله تعالى رجالاً يصلون كل صلاة من الخمس في مكان غير بلدهم فبعضهم لا يصلي الجمعة دائماً إلا بمكة أو عند رسول الله ﷺ وبعضهم لا يصلي الظهر كل يوم إلا في الجامع الأبيض برملة لد ومنهم من لا يصلي المغرب كل يوم إلا على سد أسكندر ذي القرنين أو جبل قاف ومنهم من لا يصلي العصر كل يوم إلا ببيت المقدس ومنهم من لا يصلي الصبح كل يوم إلا بالجبل المقطم قال وكان سيدي إبراهيم المتبولي وجماعة يصلون الظهر كل يوم بالجامع الأبيض برملة لد ... قال الشعراني وممن كان بمثل هؤلاء أيضاً سيدي علي اخواص وسيدي عبد القادر الدشطوطي وسيدي يوسف الكردي وأخبرني الشيخ يوسف الكردي أنه صلى مع سيدي إبراهيم المتبولي الظهر مرات بالجامع الأبيض برملة لد وكان أمامه نحيف الجسم فأمرني الشيخ فسلمت عليه ومشينا خطوات فإذا نحن داخل الغيط ببركة الحاج وكان سيدي إبراهيم وقت الظهر يدخل الغيط دائماً فلا يراه أحد يصلي الظهر في مصر أبداً " (٢).
وذكر محمد غوثي الشطاري المتوفى في القرن العاشر من الهجرة شيخه شرف الباني بتّي أنه لم يكن يصلي , فأعترض عليه فقال:
" إن الله أعفاني عن الفرض وقال لي: عينك عيني , أي ذاتك ذاتي " (٣).
стр. 97
وهناك آخر أحمد المعشوق المتوفى ٧٧٣هـ ذكروا عنه أنه كان تاركاً للصلاة فسأله الناس عن السبب فأجاب قائلاً:
" إني امرأة حائضة , لا تجب الصلاة عليّ " (١).
وكذلك ذكر العطار عن ذي النون المصري أنه قال له أحد مريديه: حججت أربعين حجة وقمت الليل أربعين سنة ولكني ما حظيت بمحادثة الله تعالى ومكاشفاته , فقال له ذو النون: كل شبعاً ولاتصلّ العشاء.
ثم يعلق عليه العطار: لو سأل سائل ما الحكمة في الأمر بترك الصلاة؟ فالجواب أن الطريق أحياناً تخالف ظاهر الشريعة كقتل الخضر الولد بدون سبب ظاهري , فإذن لا إنكار في الطريقة على مثل هذه الأمور " (٢).
وحكى عنه العطار أيضاً أنه كان تاركاً للصلاة وكان يقول: " أن الله رفع عني فريضة الصلاة " (٣).
وهناك صوفي كان يبغض المؤذن للصلاة , فيقول الشعراني:
" كان سيدي إبراهيم بن عصيفير ﵁ يتشوّش من قول المؤذن: " الله أكبر " فيرجمه ويقول: عليك يا كلب , نحن كفرنا يا مسلمين حتى تكّبروا علينا " (٤).
وينقل ابن عجيبة الحسني عن أحد الصوفية أنه كان ينشد:
تذلل له تحظى برؤيا جماله ... ففي وجه من تهوى الفرائض والنفل (٥).
وحكي عن الواسطي أنه لما دخل نيسابور سأل أصحاب أبي عثمان: بماذا كان يأمركم شيخكم؟
فقالوا: كان يأمرنا بالتزام الطاعة ورؤية التقصير فيها:
стр. 98
فقال: أمركم بالمجوسية المحضة.
هلاّ أمركم بالغيبة عنها (أي عن الطاعة) بشهود مجريها ومنشيها (١).
فإذا كان التزام الطاعة كالصلاة والصيام والحج من الفروض والسنن مجوسية محضة فما هو الإسلام؟
ومن أين استقى الصوفية فكرة الغيبة عن الطاعة بشهود منشيها ومجريها؟
وكذلك يخالفون رسول الله ﷺ في تركهم للصف الأول قصداً وعمداً مع أن رسول ﷺ قال:
(لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا) (٢).
وقال ﵊:
(خير صفوف الرجال أولها , وشرها آخرها) (٣).
وقال: (إن الله وملائكته يصلون على الصف الأول) (٤).
وأما الصوفية فهم يكرهون ذلك كما قال الطوسي:
" ومن آداب الصوفية أنهم يكرهون الصلاة في الصف الأول " (٥).
ويقول الشعراني:
" وقد كان سيدي أحمد الزاهد , وسيدي محمد المغربي , وسيدي مدين , وسيدي أبو العباس الغمري يصلّون دائماً في آخر صف مساجدهم " (٦).
ثم يبين الشعراني علّة صنيعهم هذا , والعلّة أقبح من الصنيع , فيقول:
" إن فعلهم هذا كان حياء من الله كما قال سيدي علي الخواص ﵀: حكم كمل
стр. 99
العارفين إذا وقف أحدهم بين يدي ربه في الصلاة حكم من كان فسق في حريم الوالي أتوا به إليه فهو يخاف من القرب من حضرته حتى يحصل رضى الوالي والعفو والمسامحة " (١).
إن هذا تهاون بالسنة , وإلا فما هذا الخجل والحياء والخوف؟
وهل هؤلاء الصوفية كانوا أشدّ خوفاً من صحابة النبي ﷺ ﵃ , وبالتالي هم الذين يقولون: لا نعبد ربنا خوفاً وطمعاً ورهبة ورغبة كما بينا ذلك بالتفصيل.
ومن مخالفتهم في الصلاة أيضاً ما ذكره الطوسي من آداب الصوفية أنهم إذا دخلوا البادية يتمون الفرائض ولا يقصرون الصلاة , ولا يتركون شيئاً مما كانوا يعملون في أوطانهم وإن أباح لهم العلم ترك ذلك , لأن السفر والحضر عندهم سواء (٢).
هذا وقد روى عن يعلى بن أمية قال: قلت لعمر بن الخطاب: إنما قال الله تعالى ﴿أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا﴾ , فقد أمن الناس. قال عمر: " عجبت مما عجبت منه , فسألت رسول الله ﷺ فقال:
(صدقة تصدق الله بها عليكم فأقبلوا صدقته) (٣).
وعن ابن عباس قال: فرض الله الصلاة على لسان نبيكم ﷺ في الحضر أربعاً , وفي السفر ركعتين , وفي الخوف ركعة (٤).
وأما الصوفية فيقولون: إن طريقهم طريق الشدة ويرون العمل بالرخص انحطاطاً عن الحقيقة كما يقول ابن عربي:
" إن التصوف طريق الشدة ليس للرخاء فيه مدخل , لأن الرخص إنما هي للعامة " (٥).
стр. 100
وقال النفزي الرندي:
" إذا رأيت المريد انحطّ عن رتبة الحقيقة إلى رخص الشريعة فأعلم أنه قد نقض عهده من الله " (١).
مع أن رسول الله ﷺ قال: (إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه) (٢)
فهذه بعض مخالفات الصوفية في أهم فرائض الإسلام الصلاة.
وأما الصوم فهم خالفوا في ذلك أيضاً تعاليم الرسول ﷺ سالكين في ذلك مسلك أهل الرياضيات الهندية ومجاهدات الرهبان النصارى , الذين يلتمسون الخوارق والبركات والتجليات والثمرات في التجوع ظنّا منهم بأن الجوع يورث الحكمة والمعرفة والأنوار الإلهية , فالصوفية أيضاً انتهجوا منهجهم واقتفوا سنتهم , فروى عن كثير منهم أنهم كانوا يصومون الدهر كما يقول السهروردي.
" جمع من المشايخ الصوفية كانوا يديمون الصوم في السفر والحضر على الدوام حتى لحقوا بالله.
وكان عبد الله بن جابار قد صام نيفاً وخمسين سنة لا يفطر في السفر والحضر " (٣).
وحكوا عن أبي رويم بن أحمد أنه قال:
" اجتزيت ببغداد وقت الهاجرة ببعض السكك , وأنا عطشان , فاستقيت من دار , ففتحت صبية بابها , ومعها كوز , فلما رأتني قالت:
صوفيّ يشرب بالنهار.
فما أفطرت بعد ذلك اليوم قط (٤).
ويقول الطوسي:
стр. 101
" حكي عن الجنيد أنه كان يصوم على الدوام ... وحكى عن بعض المشايخ الأجلة أنه قال:
صمت كذا وكذا سنة لغير الله , وذلك أن شابا كان يصحبه , فكان يصوم حتى ينظر إليه ذلك الشاب فيتأدب به ويصوم بصيامه.
ورأيت أبا الحسن المكي بالبصرة ﵀ , فكان يصوم الدهر ولا يأكل الخبز إلا كل ليلة جمعة (١).
ونقل المنوفي الحسيني عن إبراهيم بن أدهم أيضاً أنه كان يصوم في السفر والحضر (٢).
ورووا عن أحد أصحاب البسطامي أنه قام الليل وصام الدهر ثلاثين سنة (٣).
وذكر الدريني المتوفى ٦٩٧ هـ عن داود بن أبي هند أنه صام أربعين سنة لم يعلم الناس ولا أهل بيته , وكان يأخذ الخبز ويخرج فيتصدق به فيظن الناس أنه يأكل غي البيت , ويظن أهل بيته أنه يأكل مع الناس (٤).
وأما الشعراني فيذكر عن أحمد السطحية أنه:
" كان ﵁ يعرف سريان القلوب , وكان ﵁ صائم الدهر " (٥).
وصوم الدهر هذا مخالف تماماً لحديث رسول الله ﷺ حيث قال:
(أفضل الصيام صيام أخي داود ﵇ , كان يصوم يوماً ويفطر يوماً) (٦).
وروي عن عبد الله بن عمرو ﵁ أنه قال: لقيني رسول الله ﷺ فقال:
(ألم أحدّث عنك أنك تقوم الليل وأنت الذي تقول لأقومن الليل وأصومن النهار) ,
стр. 102
قال: أحسبه قال: نعم يا رسول الله قد قلت ذلك , فقال: (فقم ونم , وصم وأفطر , وصم من كل شهر ثلاثة أيام , ولك مثل صيام الدهر) , قال: قلت: يا رسول الله إني أطيق أكثر من ذلك , قال: (فصم يوما وأفطر يومين) , قلت: إني أطيق أفضل من ذلك , قال: (فصم يوماً وأفطر يوماً وهو أعدل الصيام , وهو صيام داود ﵇.
قلت: إني أطيق أفضل من ذلك.
فقال رسول الله ﷺ : (لا أفضل من ذلك) (١).
وخالفوا الشريعة في الزكاة أيضاً كما روى ابن زروق والجامي وابن عجيبة والمنوفي أن واحداً من علماء الفقه سأل الشبلي:
كم في خمس من الإبل؟ فسكت الشبلي , فأكثر ابن بشار. فقال له الشبلي: في واجب الشرع شاة , وفيما يجب على أمثالنا كلها لله (٢).
وأما الهجويري فيروي عنه أيضاً مثل ذلك فيقول:
" ووجدت في الحكايات أن واحداً من علماء الظاهر سأل الشبلي على سبيل التجربة عن الزكاة قائلاً: ما الذي يجب أن يعطي من الزكاة؟
قال: حين يكون البخل موجوداً ويحصل المال فيجب أن يعطي خمسة دراهم عن كل مائتي درهم , ونصف دينار عن كل عشرين ديناراً , هذا في مذهبك , أما في مذهبي فيجب أن لا تملك شيئاً حتى تتخلص من مشغلة الزكاة (٣).
وعلى ذلك نقل الطوسي والقشيري والسهرودي وغيرهم عن السري السقطي أنه قال:
" لا تسأل من أحد شيئاً , ولا تأخذ من أحد شيئاً , ولا يكن معك شيء تعطي منه أحداً " (٤).
стр. 103
ويقول سمنون المحب: الفقير الصادق هو الذي يأنس بالعدم كما يأنس الجاهل بالغنى (١).
ومن إحدى خرافات النفري في مواقفه أنه قال:
" قال لي الله: إن كنت ذا مال فما أنا منك , ولا أنت مني " (٢).
وحكى ابن الملقن في هذا المعنى عن الجنيد أنه قال:
" جاء إبراهيم الصياد يوماً إلى سرى وهو متزر بقطعة حصير , فأمر السري فجيء بجبّة فأمتنع من لبسها , فقال له سرى: ألبسها , فإنه كان معي مقدار عشرة دراهم من موضع حلال فأشتريها به ,فنظر إليه شزرا , وقال: أنت تقعد مع الفقراء ومعك عشرة دراهم , وأمتنع من أخذها " (٣).
ولذلك لا يشتغلون بالكسب وطلب المعاش , بل يظنونه ركوناً إلى الدنيا (٤).
وأما الحج فأحياناً يستهزؤن به , وأحياناً كانوا يخرجون له بدون زاد وراحلة يتكففون الناس ويستجدون منهم , ويمدون الأيدي إليهم , وقد مر بيان هذا فيما سبق عند ذكر تطرفهم في التوكل.
وأما تركه والإستهزاء به فيذكر العطار عن أبي يزيد البسطامي أنه خرج مرة للحج , فرجع من الطريق فسألوه عن السبب , فقال: لقيني في الطريق رجل حبشي وقال لي: لماذا تركت الله ببسطام فرجعت (٥).
ونقل السهلجي والعطار عن البسطامي أيضاً أنه قال:
" خرجت إلى الحج , فاستقبلني رجل في بعض المتاهات فقال: أبا يزيد إلى أين؟ فقلت: إلى الحج , فقال: كم معك من الدراهم؟
стр. 104
قلت: معي مائتا درهم: فقال: طف حولي سبع مرات , وناولني المائتي درهم فإن لي عيالاً , فطفت حوله وناولته المائتي درهم (١).
ونقل عنه الهجويري أنه قال:
" صرت إلى مكة , فرأيت البيت مفرداً , فقلت: حجي غير مقبول , لأني رأيت أحجاراً كثيرة من هذا الجنس. وذهبت مرة أخرى فرأيت البيت ورب البيت , قلت: لا حقيقة التوحيد بعد. وذهبت مرة ثالثة فرأيت الكل رب البيت , ولا بيت " (٢).
ومذل ذلك حكى سبط ابن الجوزي نقلاً عن ابن خميس أنه قال:
قال أبو يزيد: حججت أول حجة فرأيت البيت ولم أر صاحب البيت , وحججت ثالثاً فلم أر البيت ولا صاحب البيت ولا الناس (٣).
ومما يدلّ كذلك على استهزاء القوم بالكعبة وإهانتهم لها وللطواف حولها ما ذكر النبهاني نقلاً عن إبراهيم الخواص أنه قال:
" إن الكعبة طافت بالشيخ إبراهيم المتبولي حجراً حجراً , ثم رجع كل حجر إلى مكانه. قال اليافعي رحمه الله تعالى:
وقد سمعنا سماعاً محققاً أن جماعة من القوم شوهدت الكعبة وهي تطوف بهم طوافاً محققاً (٤).
وذكروا مثل ذلك عن رابعة البصرية أيضاً فقالوا:
" سافرت رابعة إلى مكة فرأت أثناء الطريق كعبة الله تمشي إليها - عياذاً بالله - فقالت: لا أريد الكعبة , بل أريد ربها " (٥).
وذكر السهلجي مثل ذلك عن البسطامي حيث روى عنه أنه قال:
стр. 105
" كنت أطوف حول بيت الله الحرام , فلما أن وصلت إليه رأيت البيت يطوف حولي " (١) وليس هذا فحسب , بل قال الحسن بن علوية:
" ذهب أبو يزيد إلى مكة مع واحد من تلامذته , فلما دخل المدينة جاءت مكة إلى المدينة فطافت حوالي أبي يزيد , فغشي على تلميذه وقع على الأرض. فلما أفاق مسح رأسه وقال: تعجبت؟
فقال: نعم , قال: والله إن جاءت إليّ بسطام لكانت مقصرة في حقي - عياذاً بالله - (٢).
هل هناك استهزاء واستخفاف بالكعبة والطواف حولها أكبر وأشدّ من هذا؟
أليس هذه الهذيانات إهانة ونيلا من شأن ركن من أركان الإسلام الخمسة؟
ومن إهانتهم كذلك للكعبة المشرفة - زادها الله شرفاً وتعظيماً وتكريماً رغم أنوف الصوفية - أن أحد الصوفية بالهند الشيخ محمد يعقوب سئل:
ما الفرق بين معبد السيخ (طائفة من كفار الهند) وبين بيت الله الحرام؟
فأجاب بقوله: ليس بينهما أيّ فرق (٣).
وأما الشعراني فقال:
" لا ينبغي للمريد أن يستدبر شيخه أبداً إلا بإذن , ويكون ذلك مع استشعار المريد الخجل والحياء حتى كأنه يمشي على الجمر , فإن شيخه أعظم حرمة من الكعبة " (٤).
ويجعل شأن زاوية محمد الغمري مثل شأن بيت الله الحرام , فيقول:
" إن جماعة تراهنوا على أنهم يجدون زاوية سيدي محمد الغمري في المحلّة الكبرى ساكتة عن الذكر في ليل أو نهار فلم يجدوها فكانت كالكعبة بالنسبة للطائفين " (٥).
ولم يستخفوا بالكعبة فقط بل الحجر الأسود أيضاً كما ذكر النبهاني عن ابن عربي أن:
" الكعبة كلّمته , وكذلك الحجر الأسود , وأنها طافت به , ثم تلمذت له وطلبت منه
стр. 106
ترقيتها إلى مقامات في طريق القوم , فرقاها لها وناشدها أشعاراً وناشدته فراجعه وحاشاً أولياء الله أن يخبروا خلاف الواقع " (١).
وتجاوزوا في إهانتها جميع الحدود وبلغوا أقصاها حيث نقلوا عن الشبلي أنه رأى الناس شعلة من نار في يده فسألوه السبب؟
فأجاب: أريد أن أحرق بها الكعبة ليتوجه الناس إلى ربها (٢).
وأخيراً ننقل من الصوفي المصري عبد الرحمن الصفوري حكاية تدل على السخرية بالكعبة المشرفة والمدينة المنورة وبيت المقدس فيذكر عن الخواص أنه قال:
" زرت ولية من أولياء الله فقلت لها:
هل لك في بلادنا؟
فقالت: وما أصنع في بلادك؟
فقلت لها: فيها مكة والمدينة وبيت المقدس. فقالت: أرفع رأسك , فرفعت رأسي , فإذا بالكعبة والمدينة وبيت المقدس يحومون على رأسي في الهواء " (٣).
فهذه هي حقيقة الحج والكعبة والطواف حولها لدى المتصوفة , وتلك هي مخالفتهم للشريعة الإسلامية وإهانتهم لأركانها - أعاذنا الله من ذلك.
ومن أعمالهم المخالفة للشريعة الإسلامية عدم اعتنائهم بالنظافة والطهارة التي جعلها رسول الله ﷺ نصف الإيمان (٤).
وروي عنه ﵊ في فضل الطيب والنظافة أنه قال:
" إن الله طيب يحب الطيب , نظيف يحب النظافة , كريم يحب الكرم , جواد يحب الجود , فنظفوا ولا تشبّهوا باليهود " (٥).
ولكن الصوفية ينصحون مريديهم عكس ذلك , فيكتب عبد الغني الرافعي:
стр. 107
" كل مريد غسل ثوبه بغير نجاسة , أو أكتحل , أو رجّل شعره , أو حسن شيئاً من زينة ظاهرة لغير ضرورة أو أمر شيخ فهو عامل لنفسه , وقالوا لبعضهم: لم لا تمشّط لحيتك؟
فقال: إني إذن فارغ (١).
مع أنه روى عن أنس ﵁ أنه قال:
" كان رسول الله ﷺ يكثر دهن رأسه وتسريح لحيته " (٢).
وروى عن عطاء بن يسار قال:
" كان رسول الله ﷺ في المسجد فدخل رجل ثائر الرأس واللحية , فأشار إليه رسول الله ﷺ بيده , كأنه يأمر بإصلاح شعره ولحيته ففعل ثم رجع , فقال رسول الله ﷺ :
(أليس هذا خيراً من أن يأتي أحدكم وهو ثائر الرأس كأنه شيطان) (٣).
وأما الشعراني فيروي عن الصوفي الشيخ محمد السروي أنه " جاءه الشيخ علي الحديدي يطلب منه الطريق فرآه ملتفتاً لنظافة ثيابه فقال:
إن كنت تطلب الطريق فأجعل ثيابك ممسحة لأيدي الفقراء , فكان كلّ من أكل سمكاً أو زفراً يمسح في ثوبه يده مدة سنة وسبعة شهور حتى صارت ثيابه كثياب الزياتين أو المساكين , فلما رأى ثيابه لقنه الذكر (٤).
وذكر أيضاً صوفياً آخر أنجس وأقذر بكثير , فقال:
" كان سيدي بركات الخياط ﵁ يخيط المضربات المثمنة , وكان ﵁ يقول لمن يخيط له: هات معك فوطة وإلا يتسخ قماشك من ثيابي.
وكان دكانه منتنا قذرا لأن كل كلب وجد ميتاً أو قطاً أو خروفاً يأتي به فيضعه
стр. 108
داخل الدكان , فكان لا يستطيع أحد أن يجلس عنده " (١).
وقد ذكر صاحب " الأنوار القدسية " عدم الاعتناء بالنظافة كقاعدة عامة لجميع المتصوفة حيث قال:
" يجب على المريد الصبر على وسخ الثياب وتخريقها حتى يزول وسخ قلبه " (٢).
وروى الشيخ نور الدين السمهودي أنه كان له فروة كبش مغشاة بثوب طرح يلبسها صيفا وشتاء , وكانت عمامته من غليظ المحلاوي , يغسلها مرة في السنة (٣).
وذكر ابن الملقن أن امرأة كانت تخدم الجنيد قالت:
" جئت يوماً إلى النوري , كان يوماً شديد البرد والريح , فوجدته في المسجد وحده جالساً , فأمرني بإحضار خبز ولبن , فأحضرته. وكان بين يديه قصعة فيها فحم , فقلّبه بيده وهو مشتعل , ثم أخذ الخبز واللبن , فجعل اللبن يسيل على يديه , وفيها سواد الفحم , فقلت: يا ربّ , ما أقذر أولياء , ما فيهم أحد نظيف.
قالت: ثم خرجت من عنده , فتعلقت بي امرأة وقالت: سرقت رزمة ثياب , وجرّوني إلى الشرطي , فأخبرني النوري بذلك , فخرج وقال: لا تتعرض لها , فإنها ولية , فقال الشرطي: كيف أصنع المرأة تدّعي ذلك؟
قالت: فجاءت جارية ومعها الرزمة المطلوبة. وأنطلق النوري بزيتونة , وقال لها: تقولين بعد هذا: يا رب ما أقذر أولياءك؟ فقالت: تبت (٤).
فالمعنى أنه لا يحق لأحد أن يتعرض على قذارة الصوفية ونجاستهم , ولا يجوز أن ينصح أحد هؤلاء المنتنين المتشبهين باليهود الأقذار المهتمين بوضع الكلاب والقطط الميتة في مساكنهم , لا ينصحهم أحد باعتناء النظافة والطهارة , وإلاّ فيصيبهم عقاب من عند الله وعذاب أليم.
стр. 109
هذا وأن هناك مخالفة أخرى لنص الشريعة الإسلامية , يرتكبها الصوفية , وهي: إضاعة المال وإتلافه , وقد نهى رسول الله ﷺ عن ذلك حيث قال:
(إن الله كره لكم قيل وقال , وكثرة السؤال , وإضاعة المال) (١).
وأما الصوفية فيروون عن الشبلي أنه ألقى بأربعة آلاف دينار جملة في دجلة , فقالوا له: ما تفعل؟
قال: الحجر أولى بالماء , قالوا: لم لا تعطيها للخلق؟
قال: سبحان الله , بم أحتجّ إلى الله في أني رفعت الحجاب عن قلبي , وجعلته على قلوب أخوتي المسلمين (٢).
وروى الطوسي عن الحسين النوري أنه حمل إليه ثلثمائة دينار , قد باعوا عقاراً له , فجلس على قنطرة الصراط وهو يحذف بواحد منها إلى الماء , ويقول:
سيدي تريد أن تخدعني بهذا؟ (٣).
ومن الحكايات في هذا المعنى ما ذكرها النفزي الرندي عن أبي عبد الله الرازي أنه قال:
كساني ابن الأنباري صوفاً , ورأيت على رأس الشبلي قلنسوة ظريفة تليق بذلك الصوف , فتمنيت في نفسي أن يكونا جميعاً لي , فلما قام الشبلي من مجلسه التفت إليّ , فتبعته وكان من عاداته إذا أراد أن أتبعه أن يلتفت إليّ.
فلما دخل داره دخلت , فقال: أنزع الصوف , فنزعه , فلفّه , وطرح عليه القلنسوة , ودعا بنار فأحرقهما (٤).
وعلى ذلك ذكر عنه الشعراني أنه كان إذا أعجبه شيء من ثيابه يذهب إلى التنور فيحرقه , فيقال له: هلاّ تصدقت به؟
فيقول: ما أشغل قلبي كذلك يشغل قلب غيري (٥).
стр. 110
وقال الطوسي:
" دخل بعضهم عليه فرأى بين يديه اللوز والسكر وهو يحرقهما بالنار " (١).
هذا ومثل هذا كثير.
ومن مخالفتهم رسول الله ﷺ حلق اللحية حيث أمر بإعفائها , وعدّها من الفطرة حيث قال: (عشر من الفطرة: قص الشارب , وإعفاء اللحية والسواك واستنشاق الماء وقص الأظفار وغسل البراجم (٢) ونتف الإبط وحلق العانة وانتقاص الماء وقال الراوي: ونسيت العاشرة إلا أن تكون المضمضة) (٣).
وأما الصوفية فثبت منهم خلاف ذلك , فيقول الشعراني:
" وبعضهم (الصوفية) يحلّق رأسه وحواجبه ولحيته " (٤).
وبهذا صرح أبو نعيم الأصفهاني والعطار عن أبي بكر الشبلي نقلاً عن أحمد بن محمد النهاوندي أنه قال:
" مات للشبلي ابن كان أسمه غالبا , فجزّت أمه شعرها عليه , وكان للشبلي لحية كبيرة فأمر بحلق الجميع , فقيل له: يا أستاذ , ما حملك على هذا؟
فقال: جزّت هذه شعرها على مفقود , فكيف لا أحلق لحيتي أنا على موجود؟ " (٥).
وإلى ذلك أشار ابن زروق في كتابه (٦).
وورد عن أبي يزيد البسطامي أيضاً أنه أمر مريده بحلق اللحية , والحكاية بكاملها ذكرها السهلجي , وأبن عجيبة , وعبد الغني الرافعي , فينقلون عن الحسن بن علي الدامغاني أنه قال:
" كان رجل من أهل يسطام لا ينقطع عن مجلس أبي يزيد ولا يفارقه. فقال له ذات