مثل السكران , فورمت قدماه ومات " (١).
وذكر الهجويري وقائع عديدة في وجد المتصوفة وتواجدهم , وقوة سلطانه وهيجانه وغليانه , فقال:
" ويقول واحد من كبار المشايخ: سمعت مع درويش في بغداد صوت مغن كان يغني.
(شعر عربي)
مني أن تكن حقاً تكن أحسن المنى ... وإلا فقد عشنا بها زمناً رغداً
فصرخ ذلك الدرويش وفارق الدنيا.
ومثل هذا , يقول أبو علي الرودباري ﵁: رأيت درويشاً كان قد شغل بغناء مغن , فأصغيت أنا أيضاً لأرى ما يقول , فكان ذلك المغني يقول بصوت حزين:
" أمد كفى بالخضوع إلى الذي جاد بالصنيع "
فصرخ الدرويش ووقع , فلما اقتربت منه وجدته ميتاً.
ويقول قائل كنت أسير مع إبراهيم الخواص ﵀ في طريق , فظهر طرب في قلبي , فغنيت هذا الشعر:
(شعر عربي)
صح عند الناس إني عاشق ... غير أن لم يعلموا عشقي لمن
ليس في الإنسان شيء حسن ... إلا وأحسن منه صوت حسن
فقال لي: أعد هذا الشعر , فأعدته , فضرب الأرض عدة ضربات من الوجد , فلما نظرت كانت أقدامه تغوص في الحجر كما لو كانت تغوص في شمع , ثم وقع مغشياً عليه. فلما أفاق قال لي: كنت في روضة الجنة وأنت لم تر.
ومن هذا الجنس حكايات أكثر من أن يحتملها هذا الكتاب.
وقد رأيت معاينة درويشاً كان يسير في جبال أذربيجان , ويقول هذه الأبيات
стр. 177
متعجلا:
(شعر عربي)
والله ما طلعت شمس ولا غربت ... إلا وأنت منى قلبي ووسواسي
ولا تنفست محزوناً ولا فرحاً ... إلا وذكرك مقرون بأنفاس
ولا جلست إلى قوم أحدثهم ... إلا وأنت حديثي بين جلاسي
ولا هممت بشرب الماء من عطش ... إلا رأيت خيالا منك في الكاس
وتغيّر من السماع وأسند ظهره إلى حجر وأسلم الروح " (١).
وقد ذكر الطوسي أيضاً فيه بعض وقائع , فيقول:
" إن سهل بن عبد الله كان يقوى عليه الوجد حتى يبقى خمسة وعشرين يوماً أو أربعة وعشرين يوماً لا يأكل فيه طعاماً , كان يعرق عند البرد الشديد وعليه قميص واحد , وكانوا إذا سألوه عن شيء من العلم يقول: لا تسألوني فإنكم لا تنتفعون في هذا الوقت بكلامي " (٢).
كما نقلوا عن السري السقطي أنه ذكر يوماً عنده المواجيد الحادة في الأذكار القوية وما جانس هذا مما يقوي على العبد , فقال سري ﵀: وقد سألته فيه فقال:
نعم يضرب وجهه بالسيف وهو لا يحسه (٣).
وعلى ذلك قالوا عن الوجد عند السماع حكاية عن رويم أنه قال في جواب سائل سأله عن وجد المشائخ عند السماع , فقال:
" مثل قطيع الغنم إذا وقع في وسطه الذئاب " (٤).
وذكر بعض كيفيات الوجد والتواجد السهروردي في عوارفه , فقال:
" وحكى بعض المشائخ قال: رأينا جماعة ممن يمشي على الماء والهواء يسمعون
стр. 178
السماع ويجدون به وتولهون عنده. وقال بعضهم كنّا على الساحل فسمع بعض إخواننا فجعل يتقلب على الماء يمر ويجيء , حتى رجع إلى مكانه. ونقل أن بعضهم كان يتقلب على النار عند السماع , ولا يحس بها. ونقل أن بعض الصوفية ظهر منه وجد عند السماع فأخذ شمعة فجعلها في عينه , قال الناقل: قربت من عينه , أنظر , فرأيت ناراً أو نوراً يخرج من عينه يردّ نار الشمعة وحكى عن بعضهم أنه كان إذا وجد عند السماع ارتفع من الأرض في الهواء أذرعاً يمر ويجيء فيه " (١).
وذكر مثل هذه الشعبذات اليافعي أيضاً حيث يقول:
" ومن حكايات أرباب الأحوال في السماع وأصحاب المواجيد فيه (ما حكى) عن بعضهم أنه سمع على ساحل البحر فجعل يتقلب على الماء ويمر ويجيء حتى رجع إلى مكانه (وحكى) عن بعضهم أنه كان إذا وجد عند السماع أرتفع من الأرض في الهواء أذرعاً ويجيء فيه (وقلت) ومثل هذا رويناه عن الشيخ الكبير العارف بالله تعالى الشهير أبي عبد الله القرشي ﵁ (قلت) وقد تقدمت حكاية عن بعض المشائخ أنه قطعت رجله حال السماع من أجل أكلة فيها ولم يشعر ومن المشهور (ما حكي) عن بعضهم إنه كان مقعداً وكان إذا ظهر به السماع يقوم (وحكى) عن بعضهم أنه كان يتقلب على النار عند السماع ولا يحس بها (قلت) وقد دخل كثير منهم في النار في حال السماع وقد تقدم في الفصل الثالث أن امتحن بعض الملوك بعض المشائخ بذلك بعد ما أمر بإيقاد نار عظيمة فأمر الشيخ أصحابها السماع فلما عمل فيهم الوجود دخل بهم فيها ثم اختطف إبناً للملك ودار به فيها ثم غابا ففزع الملك على ولده فزعاً شديداً ثم ظهرا وإذا في إحدى يدي ابن الملك تفاحة وفي الأخرى رمانة فقال أبوه أين كنت قال كنت في بستان فأخذت منه هاتين الحبتين فأحضر الملك كأساً مملوءة سما تقتل القطرة منه في الحال وقال للشيخ اشربه إن كنت صادقاً وكان مذهبكم حقاً فشربه الشيخ في حال السماع فتمزقت ثيابه فألقى عليه ثياب أخرى فتمزقت أيضاً ثم أخرى كذلك مراراً ثم ثبتت عليه الثياب بعد ذلك صحيحة ولم يمسه سوء " (٢).
стр. 179
وأما النبهاني فيكتب:
" كان عبد الله بن محمد المعروف بالعفيف من كبار الصالحين أهل الكرامات والأحوال , وكان إذا حضر السماع يأخذه وجد غالب وجد حتى أنه ألقى نفسه مرة من سطح عال عند غلبة الوجد عليه ولم يضره شيء.
ومنها أنه أخرج مرة عين بعض القوال في حال غلبة الوجد عليه , ثم ردها بعد أن سالت على خدّه فرجعت كأن لم يكن بها شيء " (١).
هذا وقد كذبوا على رسول الله ﷺ إثباتاً للوجد فقالوا:
عن أنس كنا عند النبي إذا نزل عليه جبريل فقال: يا رسول الله وفقراء أمتك يدخلون الجنة قبل الأغنياء بخمسمائة عام , وهو نصف يوم , ففرح , فقال:
أفيكم من ينشدنا؟
فقال بدري: نعم يا رسول الله , فقال:
هات , فأنشد البدري يقول:
قد لسعت حبّ الهوى كبدي ... فلا طبيب لها ولا راق
إلا الحبيب الذي قد شغفت به ... فعنده رقيتي وترياقي
فتواجد ﵇ , وتواجد أصحابه معه , حتى سقط رداؤه عن منكبه , فلما فرغوا أوى كل أحد مكانه فقال معاوية: ما أحسن لعبكم يا رسول الله؟ (عياذاً بالله).
فقال: مه مه يا معاوية ليس بكريم من لم يهتزّ عند ذكر الحبيب , ثم اقتسم رداءه من حضرهم بأربعمائة قطعة " (٢).
стр. 180
والغزالي كذلك استدلّ على السماع والوجد من رؤيا ممشاد الدينوري أنه قال:
" رأيت النبي ﷺ في النوم فقلت: يا رسول الله هل تنكر من هذا السماع شيئاً فقال: ما أنكر منه شيئاً ولكن قل لهم يفتتحون قبله بالقرآن ويختمون بعده بالقرآن. وحكى عن طاهر بن بلال الهمداني الوراق - وكان من أهل العلم - أنه قال: كنت معتكفا في جامع جدّة على البحر فرأيت يوماً طائفة يقولون في جانب منه قولاً ويستمعون , فأنكرت ذلك بقلبي وقلت: في بيت من بيوت الله يقولون الشعر؟ قال: فرأيت النبي تلك الليلة وهو جالس في تلك الناحية وإلى جنبه أبو بكر الصديق ﵁ وإذا أبو بكر يقول شيئاً من القول والنبي يستمع إليه ويضع يده على صدره كالواجد بذلك , فقلت في نفسي: ما أن ينبغي لي أن أنكر على أولئك الذين كانوا يستمعون وهذا رسول الله يستمع وأبو بكر يقول؟ فالتفت إلى رسول الله وقال: هذا حق بحق - أو قال حق من حق - أنا أشك فيه " (١).
ويقولون: إن هذه الأبيات الغزلية والأشعار العشقية أكثر تأثيراً ووقعاً في النفوس , وأثارة للوجد والتواجد من القرآن الكريم كما ذكروا عن يوسف بن الحسين الرازي الذي قال فيه الأصبهاني: " المتخلّي من رؤية الناس , المتحلي بالإخلاص خيفة رب الناس , تارك للتزين والتصنع , مفارق للتلّون والتمتع , أبو يعقوب يوسف بن الحسين الرازي.
كان وحيداً فريداً , وعلى المتنطعين شديداً , صحب ذا النون المصري وأبا تراب النخشبي , وأبا سعيد الخراز " (٢).
يذكرون عنه نقلاً عن أبي الحسين الدراج أنه قال:
" قصدت زيادة يوسف بن الحسين الرازي , من بغداد , دخلت الري سألت الناس عن منزله , فكل من أسأله عنه يقول: " أيش تعمل بذلك الزنديق؟! " , فضيقوا صدري ,
стр. 181
حتى عزمت على الانصراف. فبتُّ تلك الليلة في مسجد , ثم قلت في نفسي: جئت هذا البلد , فلا أقل من زيارته!. فلم أزل أسأل عنه , حتى دفعت إلى مسجد , فوجدته جالساً في المحراب , وبين يديه , مصحف يقرأ فيه , إذا هو شيخ بهي , حسن الوجه واللحية. فدنوت منه , وسلمت عليه , فرد علي السلام , وقال: من أين أنت؟ قلت من بغداد , قال: لأي شيء جئت؟ , قلت زائر لك! , قال: أرأيت لو أن إنساناً - في بعض البلدان التي جزت بها قال لك: أقم عندي , وسأشتري لك داراً أو جارية! , أكان ذلك يمنعك من زيارتي! , قلت: يا سيدي! , ما امتحنني الله بشيء من ذلك! , ولو كان , فلا أدري كيف كنت أكون , فقال: أتحسن تقول شيئاً؟ , قلت: نعم!. وأنشدت:
رأيتك تبني دائباً في قطيعتي ... ولو كنت ذا رحم لهدمت ما تبني
كأني بكم , والليث أفضل قولكم ... ألا ليتنا كنا إذ الليثُ لا تغني
فأطبق المصحف , " ولم يزل يبكي , حتى بل لحيته وثوبه , ورحمته من كثرة بكائه.
ثم ألتفت إليً , وقال: يا بني أتلوم أهل الريً على قولهم: يوسف بن الحسين الزنديق , وهو ذا من وقت صلاة الصبح أتلو القرآن , لم تقطر من عيني قطرة , وقد قامت عليً القيامة بهذا البيت " (١).
ومثل هذه الحكاية روى ابن الجوزي في كتابه نقلاً عن أبي عبد الرحمن السلمي أنه قال:
" أخرجت إلى مرو في حياة الأستاذ أبي سهل الصعلوكي وكان له قبل خروجي أيام الجمع بالغدوات مجلس درس القرآن والختمات , فوجدته عند خروجي قد رفع ذلك المجلس وعقد لابن الفرغاني في ذلك الوقت مجلس القوال يعني المغني , فتداخلني من ذلك شيء فكنت أقول:
قد استبدل مجلس الختمات بمجلس القوّال , فقال لي يوماً: أي شيء تقول الناس؟
стр. 182
فقلت: يقولون: رفع مجلس القرآن ووضع مجلس القوال , فقال: من قال لأستاذه: لِمَ؟ لايفلح؟ (١).
وبذلك صرح القوم أن " السباع أدعى للوجد من التلاوة , وأظهر تأثيراً , والحجة على ذلك أن جلال القرآن لا تحتمله القوة البشرية المحدثة , ولا تحمله صفاتها المخلوقة , ولو كشف للقلوب ذرة من معناه لدهشت وتصدعت وتحيرت , والألحان مناسبة للطباع بنسبة الحظوظ , وإذا علقت الألحان بالشعر كانت خفيفة على الطباع , لمشاكلة المخلوق بالمخلوق , ما دامت البشرية باقية " (٢).
ويصرح الصفوري:
" فإن قيل: يتواجد المتواجد عند سماع الشعر دون سماع القرآن حتى انفتح لبعض المتفقهة باب الإنكار بهذا؟
فالجواب: أن القرآن كلام ثقيل لا يليق مع وجوده إلى السكون والإنصات , ولأنه يتكرر في الأسماع , ولأن الشعر كلام البشر فبينهما مناسبة , وأما كلام الله تعالى فلا مناسبة بينه وبين البشر " (٣).
وقال الكمشخانوي:
" سئل إبراهيم الخواص: ما بال الإنسان يتحرك عند سماع الألحان ولا يجد ذلك عند سماع القرآن؟
فقال: لأن سماع القرآن صدقة لا يمكن أحداً أن يتحرك فيه لشدة غلبته عليه , وسماع الألحان ترويح فيتحرّك فيه " (٤).
وقد صرح الغزالي ذلك بكل وضوح وجلاء , وبكلّ جرأة ويسأله بقوله:
" فإن كان سماع القرآن مفيداً للوجد فما بالهم يجتمعون على سماع الغناء من القوالين
стр. 183
دون القارئين؟ فكان ينبغي أن يكون اجتماعهم وتواجدهم في حلق القراء لا حلق المغنين؟ وكان ينبغي أن يطلب عند كل اجتماع في كل دعوة قارئ لا قوال؟ فإن كلام الله تعالى أفضل من الغناء لا محالة , فأعلم أن الغناء أشد تهييجاً للوجد من القرآن من سبعة أوجه:
الوجه الأول: إن جميع آيات القرآن لا تناسب حال المستمع ولا تصلح لفهمه وتنزيله على ما هو ملابس له ... الوجه الثاني: إن القرآن محفوظ للأكثرين ومتكرر على الأسماع والقلوب , وكلّما سمع أولاً عظم أثره في القلوب , وفي الكرة الثانية يضعف أثره وفي الثالثة يكاد يسقط أثره.
الوجه الثالث: أن لوزن الكلام بذوق الشعر تأثيراً في النفس فليس الصوت الموزون الطيب كالصوت الطيب الذي ليس بموزون , وإنما يوجد الوزن في الشعر دون الآيات ...
الوجه الرابع: إن الشعر الموزون يختلف تأثيره في النفس بالألحان التي تسمى الطرق والاستانات , وإنما اختلاف تلك الطرق بمد المقصور وقصر الممدود والوقف في أثناء الكلمات والقطع والوصل في بعضها. وهذا التصرف جائز في الشعر ولا يجوز في القرآن إلا التلاوة كما أنزل , ومدّ الوقف والوصل والقطع به على خلاف ما تقتضيه التلاوة حرام ومكروه , وإذا رتل القرآن كما أنزل سقط عنه الأثر الذي سببه وزن الألحان وهو سبب مستقل بالتأثير وإن لم يكن مفهوماً , كما في الأوتار والمزمار والشاهين وسائر الأصوات التي تفهم.
الوجه الخامس: أن الألحان الموزونة تعضد وتؤكد بإيقاعات وأصوات أخر موزونة خارج الحلق كالضرب بالقضيب والدف وغيره , لأن الوجد الضعيف لا يستثار إلا بسبب قوي , وإنما يقوى بمجموع هذه الأسباب , ولكل واحد منها حظ في التأثير ...
الوجه السادس: إن المغني قد يغني ببيت لا يوافق حال السامع فيكرهه وينهاه عنه ويستدعي غيره فليس كل موافقاً لكل حال - والقرآن ليس كذلك -.
وههنا وجه سابع ذكره أبو نصر السراج الطوسي في الاعتذار عن ذلك - وسنذكر
стр. 184
ذلك عن الطوسي نفسه أيضاً - أن القرآن كلام الله وكلامه صفته , وهو حق لا يطيقه البشر إذا بدا , لأنه غير مخلوق لا تطيقه الصفات المخلوقة ولو كشف للقول ذرة من معناه وهيبته لتصدّعت ودهشت وتحيّرت ...
نفس الرواية التي حكيناها من قبل عن يوسف الرازي - ثم قال:
فإذن القلوب وإن كانت محترقة في حب الله تعالى فإن البيت الغريب يهيج منها ما لا تهيج تلاوة القرآن " (١).
وأما ما قاله السراج فهو: " إن القرآن كلام الله وكلامه صفته لا تطيقه البشرية ... والنغمات الطيبة موافقة للطبائع , ونسبته نسبة الحظوظ ولا نسبة الحقوق , والقرآن كلام الله , ونسبته نسبة الحقوق , لا نسبة الحظوظ , وهذه الأبيات والقصائد أيضاً نسبتها نسبة الحظوظ لا نسبة الحقوق , وهذا السماع وإن كان أهله متفاوتين في درجاتهم وتخصيصهم فإن موافقة للطبع , وحظاً للنفس , وتنعماً للروح , لتشاكله بتلك اللطيفة التي جُعلت في الأصوات الحسنة , والنغمات الطيبة وكذلك الأشعار فيها معادن دقيقة , ورقة وفصاحة ولطافة وإشارات , فإذا عُلقت هذه الأصوات والنغمات على هذه القصائد والأبيات يشاكل بعضها بعضاً بموافقتها ومجانستها , ويكون أقرب إلى الحظوظ , وأخف محملاً على السرائر والقلوب , وأقل خطراً لتشاكل المخلوق بالمخلوق.
فمن أختار استماع القصائد على استماع القرآن اختار لحرمة القرآن , وتعظيم ما فيه من الخطر: لأنه حقٌ , والنفوس تحسن عندها , وتموت عن حركاتها , وتغني عن حظوظها وتنعمها إذا أشرقت عيبها أنوار الحقوق بتشعشعها وأبدت بها عن معانيها , فقالوا: ما دامت البشرية باقية ونحن بصقاتنا وحظوظنا وأرواحنا متنعمة بالنغمات الشجية والأصوات الطبية فانبساطها بمشاهدة بقاء هذه الحظوظ إلى القصائد أولى من انبساطها بذلك إلى كلام الله الذي هو صفته وكلامه الذي منه بدأ وإليه
стр. 185
يعود " (١).
والبدعة تفضي إلى بدعة , بل إلى بدع ومستحدثات , وليس لها نهاية , كما أن السيئة تفضي وتؤدي إلى سيئة وسيئات أخرى.
فمن ثمار الوجد ولواحقه: الرقص , فيقول السهروردي:
" ربما صار الرقص عبادة بحسن النية إذا نوى به استجمام النفس " (٢).
ويقول عماد الدين الأموي:
" لا بأس بالرقص في السماع إذا لم يكن فيه تكسّر " (٣).
ويكتب الفيتوري:
" يجوز الرقص في السماع إذا كان من تواجد وحالة " (٤).
ويصرح ابن عجيبة الحسني:
" والأصل في الرقص هو الإباحة. . . وقد صح القيام والرقص في مجالس الذكر والسماع عن جماعة من أكابر الأئمة.
وقد تواتر النقل عن الصوفية قديماً وحديثاً , شرقاً وغرباً , أنهم كانوا يجتمعون لذكر الله ويقولون ويرقصون , ولم يبلغنا عن أحد من العلماء المعتبرين أنه أنكر عليهم.
وقد رأيت بفاس بزاوية الصقليين جماعة يذكرون ويرقصون من صلاة العصر يوم الجمعة إلى المغرب , مع توفر العلماء , فلم ينكر أحد عليهم " (٥).
وقد أحل الرقص أبو حامد الغزالي أيضاً في إحيائه (٦).
وأما أبو الحسن الخرقاني فيعرّف ويمدح الرقص بقوله:
" الرقص هو مشاهدة ما تحت الثرى بوقوع القدم على الأرض , ومشاهدة العرش
стр. 186
بتحريك الأيدي في الهواء " (١).
وأخيراً ننقل ما قاله ابن عجيبة ردّاً على الذين يعترضون على السماع والرقص , فيقول:
أعلم أن اعتراض أهل الظاهرة على الصوفية لا ينقطع أبداً , هذه سنة ماضية , وخصوصاً في السماع والرقص , وهم معذورون لأنهم لا يشاهدون إلا ذواتاً ترقص وتشطح , ولا يدرون ما في باطنها من المواجيد والأفراح , فيحملون ذلك على حفة العقل والطيش , فيقعون فيهم إلا من عصمة الله بالتسليم ولذلك كان التصديق بطريقة القوم ولاية , والاعتراض جناية. . . وقد رأيت للطرطوشي اعتراضاً كبيراً على الصوفية في الرقص حتى قال فيه: إنه ضلالة وجهالة , وذلك لما قلناه , قال تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾.
وكان الشيخ ابن عباد ﵁ يقول:
لا تجعلوا لأهل الظاهر حجة على أهل الباطن أي لأنهم لم يدركوا ما أدركه أهل الباطن , فلا تقوم الحجة عليهم بمجرد سوء الظن , ولله دّر أبي مدين حيث يقول:
إذا لم تذق ما ذاقت الناس في الهوى
فلله يا خالي الحشا لا تعنفنا
اهتزت الأرواح شوقاً إلى اللّقا
نعم ترقصت الأشباح يا جاهل المعنى " (٢).
وأما حكاياتهم في الرقص فيذكر نجم الدين الكبري عن بعض المتصوفين أنهم كانوا يوماً في سماع لبعض الأخوان وقد طاب لهم الوقت وقاموا للرقص " (٣).
وذكر النفزي الرندي عن بعضهم أنه قال:
" كنت مسافراً إلى مكة , فبينما أنا أمشي إذ رأيت شيخاً بيده مصحف وهو ينظر فيه ويرقص , فتقدمت إليه فقلت: يا شيخ , ما هذا الرقص؟.
стр. 187
قال: دعني عنك , قلت في نفسي: عبد من أنا , وكلام من أتلو , وبيت من أنا قاصد , فاستفزّني الوجد فرقصت (١).
ونقل الجعلي الفضلي عن سلمان العوضي أن أصحابه كانوا يقرشون الجمر والواحد يملأ عمامته حجراً ويضعها على رأسه ويرقص (٢).
ويضيف بعض الصوفية إلى الرقص في السماع تمزيق الثياب وخرقها أيضاً كما ينقل الوزير لسان الدين بن الخطيب عن بعض الشيوخ:
" مرّ على خانقاه بالمشرق , فخرج إليه فقراء استدعوه إلى شيخها , فوجد جمعاً , فقال الشيخ: يا مغربي , حسن الظن بسمتك. وحكمناك في هذه الأحدوثة التي اجتمع لها الفقراء. وهي: أن هذا الفقير رقص وغلبه الوجد , وخطر له تمزيق ثيابه , فعدل عن عن جديد قريب عن ظاهره , إلى خلق كان باشر جسده فمزقه , فطالبه لمكان هذه البقية , قال: فقلت: يا مولانا. هذا الفقير لما طلب قلبه ولم يجده ليمزقه مزق أقرب الأشياء إليه وأشبهها به في الأخلاق والرقة , وفي مثل ذلك يقول الشاعر:
يفل غداّ جيش النوى عسكر اللقا ... فرأيك في سمح الدموع موفقاً
وخد جرى عن كون جسمي سالماً ... وذرعي , ومن حقيهما أن يشققا
يدي لم تطق تمزيق جسمي لضعفها ... ولم يك قلبي حاضراً فيمزقا
فصاح الشيخ , وعاد الوجد , وقاموا إلى رقصهم (٣).
وحكى الشعراني عن أبي حفص الحداد النيسابوري أنه قيل له:
" إن فلاناً من أصحابك يدور حول السماع فإذا سمع بكى وصاح ومزّق ثيابه فقال:
أيش يعمل الغريق؟
يتعلق بكل شيء يظن فيه نجاته (٤).
стр. 188
وذكر الشعراني أيضاً جمعاً من الصوفية مزقوا ثيابهم وخرجوا عرايا إلى الصحراء , فينقل عن الجيلي أنه رفع له شخص أدعى أنه يرى الله بعيني رأسه , فقال: أحق ما يقولون عنك؟
فقال: نعم , فانتهره ونهاه عن هذا القول وأخذ عليه أن لا يعود إليه , فقيل للشيخ: أمحقّ هذا أم مبطل؟
فقال: هذا محق ملبس عليه , وذلك شهد ببصيرته نور الجمال ثم خرق من بصيرته إلى بصره لمعة فرأى بصره ببصيرته , وبصيرته يتصل شعاعها بنور شهوده فيظن أن بصره رأى ما شهده ببصيرته , وإنما رأى بصره ببصيرته فقط وهو لا يدري.
وكان جمع من المشايخ وأكابر العلماء حاضرين هذه الوقعة فأطربهم سماع هذا الكلام ودهشوا من حسن إفصاحه عن حال الرجل , ومزّق جماعة ثيابهم وخرجوا عرايا إلى الصحراء (١).
وعلى ذلك كتب الهجويري:
" أعلم أن تخريق الثياب بين هذه الطائفة أمر معتاد , وقد فعلوا هذا في المجامع الكبرى التي كان المشايخ الكبار ﵃ حاضرين فيها " (٢).
وقد أباح الغزالي أيضاً تمزيق الثياب وتقطيعها حيث يقول:
" فإن قلت: فما تقول في تمزيق الصوفية الثياب الجديدة بعد سكون الوجد والفراغ من السماع فإنهم يمزقونها قطعاً صغاراً ويفرقونها على القوم ويسمونها الخرقة؟ فأعلم أن ذلك مباح " (٣).
وأخيراً ننقل ما قاله الإمام ابن الجوزي في بيان الخرقة الصوفية فيقول:
" فإذا اشتد طربهم رموا ثيابهم على المغني فمنهم من يرمي بها صحاحاً ومنهم من يخرقها ثم يرمي بها وقد احتج لهم بعض الجهال فقال هؤلاء فقال هؤلاء في غيبة فلا يلامون فإن
стр. 189
موسى ﵇ لما غلب عليه الغم بعبادة قومه العجل رمى الألواح فكسرها ولم يدر ما صنع: والجواب أن نقول من يصحح عن موسى بأن رماها رمي كاسر والذي ذكر في القرآن ألقاها فحسب أين لنا أنها تكسرت , ثم ولو قيل تكسرت فمن أين لنا أنه قصد كسرها ثم لو صححنا ذلك عنه قلنا: كان في غيبة حتى لو كان بين يديه حينئذ بحر من نار لخاضه ومن يصحح لهؤلاء غيبتهم وهم يعرفون المغني من غيره ويحذرون من بئر إن كانت عندهم , ثم كيف يقاس أحوال الأنبياء على أحوال هؤلاء السفهاء ولقد رأيت شاباً من الصوفية يمشي في الأسواق ويصيح والغلمان يمشون خلفه وهو يبربر ويخرج إلى الجمعة فيصيح صيحات وهو يصلي الجمعة فسئلت عن صلاته , فقلت: إن كان وقت صياحه غائباً فقد بطل وضوءه وإن كان حاضراً فهو متصنع وكان هذا الرجل جلداً لا يعمل شيئاً. بل يدار له بزنبيل في كل يوم فيجمع له ما يأكل هو وأصحابه فهذه حالة المتأكلين لا المتوكلين. ثم لو قدرنا أن القوم يصيحون عن غيبة فإن تعرضهم لما يغطي على العقول من سماع ما يطرب منهي عنه كالتعرض لكل ما غالبه الأذى وقد سئل ابن عقيل عن تواجدهم وتخريق ثيابهم فقال خطأ وحرام وقد نهى رسول الله ﷺ عن إضاعة المال عن شق الجيوب فقال له قائل , فإنهم لا يعقلون ما يفعلون. قال إن حضروا هذه الأمكنة مع علمهم أن الطرب يغلب عليهم فيزيل عقولهم أثموا بما يدخل عليهم من التخريق وغيره مما يفسد ولا يسقط عنهم خطاب الشرع لأنهم مخاطبون قبل الحضور بتجنب هذه المواضع التي تفضي إلى ذلك كما هم منهيون عن شرب المساكر فإذا سكروا وجرى منهم إفساد الأموال لم يسقط الخطاب لسكرهم كذلك هذا الطرب الذي يسميه أهل التصوف وجداً إن صدقوا فيه فسكر طبع وإن كذبوا فتبيد ومع الصحو فلا سلامة فيه مع الحالين وتجنب مواضع الريب واجب. وأحتج لهم ابن طاهر في تخريقهم الثياب بحديث عائشة ﵂ قالت: نصبت حجلة لي فيها رقم فمدها النبي ﷺ فشقها.
فانظر إلى فقه هذا الرجل المسكين كيف يقيس حال من يمزق ثيابه فيفسدها وقد نهى رسول الله ﷺ عن إضاعة المال على مد ستر ليحط فانشق لا عن
стр. 190
قصد , أو كان عن قصد لأجل الصور التي كانت فيه: وهذا من الشديد في حق الشارع عن المنهيات كما أمر يكسر الدنان في الخمور فإن أدعى مخرق ثيابه أنه غائب قلنا الشيطان غيبك لأنك لو كنت مع الحق لحفظك فإن الحق لا يفسد " (١).
وليس تمزيق الثياب فقط , بل القرآن الكريم أيضاً - وعياذاً بالله - كما نقل الجعلي الفضلي عن الصوفي السوداني مكي الدقلاشي " كان ولياً من أولياء الله تعالى وسافر إلى بلده وسلك الناس الطريق وأرشدهم , وظهرت على يديه الكرامات وخوارق العادات , جاء لزيارة شيخه فلم يجد المركب فمشى هو وجيرانه على الماء حتى خرجوا إلى الشاطئ الشرقي أبي حراز وظلم جيرانه رجل أسمه أزرق من جماعة شيخ أليس أدلى سنار ودخل في مسجد الملك قائمة عليه الحالة فمزّق مصحفاً وجده في طاقة فدخل الخطيب والقاضي على الملك فسألهما عن ذلك , فقالا له: رجل مجذوب , وحين سأله الملك عن ذلك قال شعراً:
أما من يوم قمت سموني الهائم ... مأذوناً لي لب أب جنا قائم
يا كاشر جيب الصلطية ... نطعن بها أهل الجبرية
وأومأ إلى الملك بإصبعه فزاغ , فقال لأصحابه: إن كان ما زغت فإن إصبعه يقدّ رأسي , قال الناس: هذا مكي الدقلاشي ظلمة زول لشيخ أليس , فأرسل الملك لشيخ أليس بردّ مظلمته وأهداه " (٢).
فهذه هي بدعات المتصوفة الشنيعة ومحدثاتهم القبيحة التي لزمتهم , وبها عرفوا وميّزوا عن الآخرين , ولبسئ ما ميزوا وخصوا بها , وامتازوا عن المؤمنين الذين ﴿إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ (٣).
﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ (٤).
стр. 191
﴿إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا ﴿١٠٧﴾ وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا ﴿١٠٨﴾ وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا ﴿١٠٩﴾ (١).
والذين ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آَمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ (٢).
وعلى هذا السماع كان أصحاب رسول الله يجتمعون , ولا على ذلك كما قال شيخ الإسلام بن تيمية:
" فأما السماع الذي شرعه الله تعالى لعباده , وكان سلف الأمة من الصحابة والتابعين وتابعيهم يجتمعون عليه لصلاح قلوبهم وزكاة نفوسهم فهو سماع آيات الله , وهو سماع النبيين والمؤمنين وأهل العلم وأهل المعرفة ... وعلى هذا السماع كان أصحاب رسول الله ﷺ يجتمعون , وكانوا إذا اجتمعوا أمروا واحداً منهم أن يقرأ والباقون يستمعون وكان عمر بن الخطاب ﵁ يقول لأبي موسى:
يا أبا موسى: ذكرنا ربنا , فيقرأ وهم يستمعون. وهذا هو السماع الذي كان النبي ﷺ يشهده مع أصحابه , ويستدعيه منهم , كما في الصحيح عن عبد الله بن مسعود قال: " قال النبي ﷺ : (أقرأ عليّ القرآن) , قلت: أقرأه عليك وعليك أنزل؟ فقال: (إني أحب أن أسمعه من غيري) , فقرأت عليه سورة النساء حتى وصلت إلى هذه الآية ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ قال: (حسبك) فنظرت إليه فإذا عيناه تذرفان "
وأما سماع المكاء والتصدية وهو التصفيق بالأيدي , والمكاء مثل الصفير ونحوه , فهذا هو سماع المشركين الذي ذكره الله تعالى في قوله ﴿وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية﴾ فأخبر عن المشركين أنهم كانوا يتخذون التصفيق باليد. والتصويت بالفم قربة وديناً. ولم يكن النبي ﷺ وأصحابه يجتمعون على مثل هذا السماع ولا حضروه قط ...
стр. 192
وبالجملة قد عرف بالإضطرار من دين الإسلام: أن النبي ﷺ لم يشرع لصالحي أمته وعبادهم وزهادهم أيجتمعوا على استماع الأبيات الملحنة , مع ضرب بالكف أو ضرب بالقضيب , أو الدف. كما لم يبح لأحد أن يخرج من متابعته , وأتباع ما جاء به من الكتاب والحكمة , لا في باطن الأمر , ولا في ظاهره , ولعامي ولخاصي , ولكن رخص النبي ﷺ في أنواع من اللهو في العرس ونحوه , كما رخص للنساء أن يضربن بالدف في الأعراس والأفراح. وأما الرجال على عهده فلم يكن أحد منهم يضرب بدف , ولا يصفق بكف , بل قد ثبت عنه في الصحيح أنه قال: (التصفيق للنساء والتسبيح للرجال) , ولعن المتشبهات من النساء بالرجال , والمتشبهين من الرجال بالنساء).
ولما كان الغناء والضرب بالدف والكف من عمل النساء , كان السلف يسمون من يفعل ذلك من الرجال مخنثاً , ويسمون الرجال المغنين مخانيثاً , وهذا مشهور في كلامهم ...
وتكلم كثير من المتأخرين في السماع: هو هو محظور؟ أو مكروه؟ أو مباح؟ وليس المقصود بذلك مجرد رفع الحرج , بل مقصودهم بذلك أن يتخذ طريقاً إلى الله يجتمع عليه أهل الديانات لصلاح القلوب , والتشويق إلى المحبوب , والتخويف من المرهوب , والتخزين على فوات المطلوب , فستنزل به الرحمة. ونستجلب به النعمة , وتحرك به مواجيد أهل الإيمان , وتستجلي به مشاهد أهل العرفان , حتى يقول بعضهم: إنه أفضل لبعض الناس أو للخاصة من سماع القرآن من عدة وجوه: حتى يجعلونه قوتاً للقلوب. وغذاءاً للأرواح , وحادياً للنفوس , يحدوها إلى السير إلى الله , ويحثها على الإقبال عليه.
ولهذا يوجد من اعتاده , واغتذى به لا يحن إلى القرآن ولا يفرح به , ولا يجد في سماع الآيات كما يجد في سماع الأبيات: بل إذا سمعوا القرآن سمعوه , بقلوب لاهية , وألسن لاغية , وإذا سمعوا المكاء والتصدية خشعت الأصوات , وسكنت الحركات , وأصغت القلوب , وتعاطت المشروب " (١).
стр. 193
هذا ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية , وأما الإمام ابن الجوزي فأيضاً قد فصل القول في تحريم الغناء والمنع منه مستدلاً من الكتاب والسنة , وذكر في آخر الكلام قول أبي عبد الله بن بطة العكبري قال:
" سألني سائل عن استماع الغناء , فنهيته عن ذلك وأعلمته أنه مما أنكرته العلماء واستحسنه السفهاء , وإنما تفعله طائفة سمّوا بالصوفية , وسماهم المحققون الجبرية , أهل همم دنيئة وشرائع بدعية يظهرون الزهد وكل أسبابهم ظلمة , ويدعون الشوق والمحبة بإسقاط الخوف والرجاء , يسمعونه من الأحداث والنساء ويطربون ويصعقون ويتغاشون ويتماوتون , ويزعمون أن ذلك من شدة حبهم لربهم وشوقهم إليه , تعالى الله عما يقول الجاهلون علواً كبيراً " (١).
وقال هو نفسه: " إن الغناء يخرج الإنسان عن الإعتدال ويغيّر العقل , وبيان هذا أن الإنسان إذا طرب فعل ما يستقبحه في حال صحته من غيرة من تحريك رأسه , وتصفيق يديه , ودقّ الأرض برجليه إلى غير ذلك مما يفعله أصحاب العقول السخيفة , والغناء يوجب ذلك بل يقارب فعله فعل الخمر في تغطية العقل , فينبغي أن يقع المنع منه " (٢).
هذا وقد ذمّ الغناء الصوفي المشهور ابن زروق في كتابه (قواعد التصوف) وبيّن مساويه وجعله موجباً للزنا (٣).
والسهروردي أيضاً قد أحسن وأجاد في هذا حيث كتب:
" وروي عن رسول الله ﷺ أنه قال: (كان إبليس أول من ناح وأول من تغنى) وروى عبد الرحمن بن عوف ﵁: أن النبي ﷺ قال: (إنما نهيت عن صوتين فاجرين صوت عند نعمة , وصوت عند مصيبة) , وقد روى عن عثمان ﵁ أنه قال: ما غنيت ولا تمنيت ولا مسست ذكري بيميني منذ بايعت رسول الله ﷺ , وروى عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه قال:
стр. 194
الغناء ينبت النفاق في القلب , وروى أن ابن عمر ﵁ مر على قوم وهم محرمون وفيهم رجل يتغنى فقال: ألا لا سمع الله لكم , ألا لا سمع الله لكم , وروى أن إنساناً سأل القاسم بن محمد عن الغناء فقال: أنهاك عنه وأكرهه لك , قال: أحرام هو؟ قال: أنظر يا ابن أخي إذا ميز الله الحق والباطل في أيهما يجعل الغناء؟ وقال الفضيل بن عياض: الغناء رقية الزنا , وعن الضحاك: الغناء مفسدة للقلب ومسخطة للرب , وقال بعضهم: إياكم والغناء فإنه يزيد الشهوة ويهدم المروءة , وأنه لينوب عن الخمر ويفعل ما يفعل السكر , وهذا الذي ذكره هذا القائل صحيح لأن الطبع الموزون يفيق بالغناء والأوزان , ويستحسن صاحب الطبع عند السماع ما لم يكن يستحسنه من الفرقعة بالأصابع والتصفيق والرقص وتصدر منه أفعال تدل على سخافة العقل , وروى عن الحسن أنه قال: ليس الدف من سنة المسلمين , والذي نقل عن رسول الله ﷺ : أنه سمع الشعر , لا يدل على إباحة الغناء فإن الشعر كلام منظوم وغيره منثور فحسنه حسن وقبيحه قبيح , وإنما يصير غناء بالألحان وإن أنصف المنصف وتفكر في اجتماع أهل الزمان وقعود المغني بدفه والمشبب بشبابته وتصور في نفسه هل وقع مثل هذا الجلوس والهيئة بحضرة رسول الله ﷺ , وهل استحضروا أقوالا وقعدوا مجتمعين لاستماعه لا شك بأنه ينكر ذلك من حال رسول الله ﷺ وأصحابه؟ ولو كان في ذلك فضيلة نطلب ما أهملوها , فمن يشير بأنه فضيلة تطلب ويجتمع لها لم يحظ بذوق معرفة أحوال رسول الله ﷺ وأصحابه والتابعين , واستروح إلى استحسان بعض المتأخرين ذلك. وكثيراً ما يغلط الناس في هذا , وكلما احتج عليهم بالسلف الماضين يحتجون بالمتأخرين. وكان السلف أقرب إلى عهد رسول الله ﷺ , وهديهم أشبه بهدي رسول الله ﷺ , وكثيراً من الفقراء يتسمح عند قراء القرآن بأشياء من غير غلبة " (١).
أنشد ابن البنا السرقسطي:
وليس يحتاج إلى السماع ... إلاّ أخو الضعف القصير الباع
والزعقات فيه والتمزيق ... ضعف وهزّ الرأس والتصفيق (٢).
стр. 195
وهناك بدع أخرى اختص بها المتصوفة أو هم الذين اخترعوها وأحدثوها وأوجدوها وابتدعوها , فمنها أورادهم وأذكارهم التي لم ترد , لا في كتاب ربنا , ولا سنة نبينا صلوات الله وسلامه عليه , وكذلك حلق الذكر وآدابها والشرائط التي اشترطوها , وفضائلها المزيفة ومناقبها المزوّرة.
ومن المعلوم أن أفضل الذكر لا إله إلا الله كما قال رسول الله ﷺ (١).
وقال ﵊:
أفضل ما قلت أنا والنبيون من قبل (لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير) (٢).
وهناك أذكار أخرى وردت عن رسول الله ﷺ وذكرت عنه ورويت في كتب السنة , وتلقتها الأمة , وعلى رأسها أصحاب رسول الله ﷺ , فذكروا الله بتلك الأذكار المخصوصة في أوقات معلومة عملاً بقول الله :
﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ (٣).
وقوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ (٤).
وقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ (٥).
وقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٦).
وقال ﵊:
(أنا عند ظن عبدي وأنا معه إذا ذكرني , فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي , وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه , , وإن تقرب إليّ شبراً أقتربت منه ذراعاً وإن اقترب إليّ
стр. 196
ذراعاً أقتربت إليه باعاً , وإن أتاني مشياً أتيته هرولة) (١).
وإن الأذكار والأوراد سبب قربة الله ورضائه , ورضوانه ولا يتقرب الإنسان إلى ربه بمثل ما يتقرب إليه بتلك الطريقة التي سلكها رسول الله ﷺ , وبالألفاظ والكلمات والصيغ التي تلفظ بها ﵊ , ولقن بها تلامذته الراشدين ورفاقه المهديين لأن على تلك الألفاظ والكلمات والصيغ مسحة من مسحات الوحي , ونفحة من نفحات الرب لأن رسول الله ﷺ لم ينطق إلا بما يوحى إليه ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى ﴿٣﴾ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ﴿٤﴾ (٢).
فلا تكون الكلمات أرضى لله وأحب إليه من تلك الكلمات التي أختارها هو لإلقائها إلى نبيه وصفيه ليدعو بها , ويتقرب إليه , ويبتغي مرضاته , فعلى ذلك لم يقبل توبة آدم إلا بتلك الكلمات التي ألقاها إليه هو نفسه ﷻ وعمّ نواله كما ذكر في محكم كتابه:
﴿فَتَلَقَّى آَدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ (٣).
وأما كلمات الآخرين وكلامهم فمن يدري أنها تصل إلى جنابة وتجد القبول عنده أم لا , وفي استعمالها وصياغتها نوع من الإزدراء والاستهجان والاستسخار بتلك الكلمات التي دعا بها نبي الرب ربه أو ذكره بها , حيث ظنّ المخترع والمبتدع بأن أذكاره وأوراده التي ركّبها من عند نفسه هي أحسن وأجمل وألطف وأسرع وصولا إلى الله من تلك الكلمات الربانية التي أوحى بها إلى صفيه ونجيّه أتقى الناس وأخشاهم لله وأعلمهم به وما يرضيه , وأفصح العرب ومن نطق بالضاد , وأبلغ الخلائق وأعرفهم بمدلولات الألفاظ ومنطوقات الحروف والكلمات , فترك ألفاظه وكلماته وصيغه في الذكر والدعاء والصلوات مضاهاة به وبفصاحته وبلاغته , ومنقصة بمقامه وشأنه ورتبته ومنزلته , علاوة على تكذيبه فيما يقوله ويبينه من المزية والفضيلة لذكر دون ذكر , ومخالفته وشقاقه ومعصيته , وتشريع جديد مع إقرار ختم النبوة به , وكمال الدين وتمام النعمة عليه.
стр. 197
وأنّى لأحد من الأمة هذا الخيار في حق من قال: (لو كان موسى حياً ما وسعه إلا إتباعي) (١).
فالمتأدب والمُتّبع لا يخطو إلا على خطواته , ولا يقفوا إلاَ أثره , ولا يمشي إلا خلفه , لا يتقدم بين يديه ولا يرفع صوته فوق صوته , ولا يجهر له بالقول خوفاً من أن يحبط عمله وهو لا يشعر , فكلامه حق , وأمره مسلّم , وقضاؤه محكم , وإرشاده ملزم , فلا ذكر أفضل من ذكره , ولا دعاء أحسن من دعائه , ولا التسبيح ألطف من تسبيحه , ولا التحميد أروع من تحميده , فلا طريقة , ولا سنة دون سنته , ولا ورد غير ورده , ولا صلاة ولا سلام أفضل من صلاته الذي نطق بهما وعلّمها أصحابه.
وإن توظيف الوظائف والأوراد من حقه واختصاصه كما صرح بذلك الصوفي المشهور وشيخ الطريقة المشهورة , أبو الحسن الشاذلي كما نقل عنه المشخانوي , فقال:
" دخل رجل على أستاذي (عبد السلام بن مشيش) فقال له:
وظف لي وظائف وأوراداً , فغضب الشيخ منه وقال له: أرسول أنا أوجب الواجبات " (٢).
وبذلك قال ابن زروق في قواعده:
" تحديد ما لم يرد في الشرع تحديده ابتداع في الدين , فإن رسول الله ﷺ قد حدد كل شيء ولا يجوز التجاوز عنه " (٣).
ولكن الصوفية يخالفون رسول الله في هذا كما يخالفونه وأوامر ربه في أشياء أخرى عديدة , فاختلقوا أوراداً , وأخترعوا وظائف , وبينوا لها ثواباً من عند أنفسهم كأنهم مشرعون , والموحى إليهم , وأنشئوا لها هيئات , وأحدثوا لها آداباً , وأوجبوا لها حلقاً كأنهم علموا شيئاً لم يعلمه رسول الله ﷺ , أو علمه فكتمه ولم يخبر
стр. 198
أحداً من أصحابه فجاء هؤلاء فأخبروا الناس به , وهذه أمثلة لذلك , فيقول با يزيد الأنصاري المتوفى ٩٨٠هـ وهو يقسم الذكر إلى أقسام , فيقول:
" أما ذكر (لا إله إلا الله محمد رسول الله) فهو ذكر اللسان , وهو يجوز في الشريعة , وذكر (لا إله إلا الله) هو ذكر القلب , وهو يجوز في الطريقة , وذكر (إلا الله) هو ذكر الروح وترك الظن , وهو يجوز في الحقيقة , وذكر (الله) هو ذكر السر , وهو يجوز في المعرفة , وذكر (هو) هو ذكر المذكور وهو يجوز في الوحدة " (١).
والشيخ نور الدين البرفكاني حدد ذكر لفظ الجلالة تحديدا غير وارد في الشرع فقال:
" ليواظب المريد على ورد " لا إله إلا الله " مائة مرة مع حضور القلب باستحضار معناها وتغميض العينين , وملاحظة أنه بمرأى من الله تعالى وأنه يراه ويقول: " الله الله " مائة مرة صباحاً ومساءاً " (٢).
وحكوا عن الشبلي أنه قيل له:
" لم تقول " الله "؟ ولا تقول " لا إله إلا الله "؟
فقال: أستحي أن أوجّه إثباتاً بعد نفي. . . أخشى أن أؤخذ في كلمة الجحود ولا أصل إلى كلمة الإقرار " (٣).
وفي ذلك قال شيخ الإسلام:
" إن الشرع لم يستحب من الذكر إلا ما كان تاماً مفيداً مثل " لا إله إلا الله " ومثل " الله أكبر " ومثل " سبحان الله والحمد لله " ومثل " لا حول ولا قوة إلا بالله ".
فأما الاسم المفرد مظهراً مثل: " الله , الله " أو مضمراً مثل " هو , هو " فهذا ليس بمشروع في كتاب ولا سنة , ولا هو مأثور أيضاً عن أحد من سلف الأمة , ولا عن أعيان الأمة المقتدى بهم , وإنما نهج به قوم من ضلال المتأخرين ...
стр. 199
وربما غلا بعضهم في ذلك حتى جعلوا ذكر الاسم المفرد للخاصة وذكر الكلمة التامة للعامة , وربما قال بعضهم: " لا إله إلا الله " للمؤمنين , و" الله " للعارفين , و " هو " للمحققين , وربما اقتصر أحدهم في خلوته أو في جماعة على " الله , الله , الله " أو على " يا هو " أو " لا هو إلا هو " " (١).
ويقول في موضع آخر: " أما ذكر الاسم المفرد فبدعة لم يشرع , وليس هو بكلام يعقل ولا فيه إيمان. . . ومن العجب أن الصوفية يقولون: ذكر العامة " لا إله إلا الله " وذكر الخاصة " الله , الله " وذكر خاصة الخاصة " هو , هو " وقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال:
(أفضل الكلام بعد القرآن أربع , وهن من القرآن: سبحان الله , والحمد لله , ولا إله إلا الله والله أكبر) وفي حديث آخر (أفضل الذكر لا إله إلا الله) , والأحاديث في هذا المعنى كثيرة " (٢).
هذا ويقول الصوفي المشهور عبد الغني الرافعي:
" وأجمعوا على أنه ينبغي للمريد إذا ذكر الله تعالى أن يهتز من فوق رأسه إلى أسفل قدميه , وهذه حالة يستدل بها على أنه صاحب همة ويرجى له الفتح عن قريب , ويبتدئ بلا إله من جهة اليمين وإلا الله من جهة الشمال , ويخيط بإلاّ على القلب , وإذا ذكر بالأسماء الستة الباقية ضرب بذقنه على صدره ويخيط بالاسم على القلب ولا يميل يميناً ولا شمالاً " (٣).
ويقول الصوفي الهندي إمداد الله الجشتي:
" على المريد أن يتصور مثال محمد ﷺ في قلبه , ويوجه رأسه إلى اليمين ثم يقول: يا أحمد , ثم يتوجه لليسار ويقول: يا محمد , ثم يقول: يا رسول الله , ويضرب ذقنه على صدره " (٤).
стр. 200
وابن الحاج التلمساني المغربي المتوفى ٧٣٧هـ قد ذكر خواص بعض أسماء الله الحسني في كتابه " شموس الأنوار " , وذكر شروطاً وطرقاً , آداباً وسنناً , أنواراً وأسراراً , علوماً وتصرفات , نتائج وثمرات , وحكماً وإشارات من عند نفسه , لا يقوم لها برهان من الكتاب والسنة , فيقول:
(أسمه تعالى الله الحي القيوم) من داوم على ذكره كل يوم عدد الأعداد الواقعة عليه إلى أن يغلب عليه منه حال الأسماء بعد الطهارة الكاملة والشروط التي منها , الأول من الشروط أن يكون الإنسان في خلوة بعيدة عن العمارة , الثاني أن يكون لباسه حلالاً. الثالث أن يكون طعامه حلالاً. الرابع أن يكون صائماً. الخامس أن لا يأكل إلا قليلاً من الطعام فإن حاد عن هذا النمط فسد. السادس أن يغتسل كل يوم. السابع أن لا يأكل ما فيه روح. الثامن أن لا ينام إلا عن غلبة. التاسع أن لا يشتغل إلا بذلك. العاشر أن لا يجلس إلا على حصى أو تراب وهو مستقبل القبلة. الحادي عشر أن يكون خاضع الرأس. الثاني عشر أن ينوي العبودية لله ولا ينوي بها كشف الحجاب. الثالث عشر مهما انتقض وضوؤه أعاده. الرابع عشر إن وجد أن يبخر كل ليلة جمعة أو ليلة الإثنين أو يوم الخميس بالبخور الطيب وكذلك يوم الإثنين ويوم الجمعة عند الزوال فإن الأرواح العلوية الذين يردون عليه يحبون الرائحة الطيبة. الخامس عشر أن لا يتكلم مع أحد في تلك المدة. السادس عشر أن يباشر كل ما يحتاجه بيده. السابع عشر أن يكثر من البكاء والندامة. الثامن عشر أن لا يلبس ثياباً رفيعة في تلك المدة. التاسع عشر أن يكون لباسه أبيض لا سواد فيه , وفي عشرين أن يكون على يقين أن الله تعالى يستجيب له فأعرف قدر هذه الشروط فإنك لا تجنيها من ديوان ولا من أحد من الأعيان - وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب - ولنرجع إلى ما نحن بسيله من الأسماء أعني إسم الجلالة وهو اسمه تعالى الحيّ القيوم إذا وصل المسالك بهذه الأسماء المقامات العلية في الحال وامتزج الذكر مع عوالمه الحسية سمع الهواتف يخاطبونه من كل جهة بكل لغة عجيبة وأقوال قدسية لحينئذ يترك اسمين من هذا الذكر ويبقى ذاكراً ليلاً ونهاراً اسمه تعالى القيوم فقط ثم يذهب عنه
стр. 201
النوم وهو في سلوكه قد امتدّ بالقوة الصمدانية فإنه يسمع الهاتف الرباني يخاطبه بقوله فامنن أو أمسك بغير حساب ثم تتقدم بين يديه الأكوان قائلة له نحن بأمر الله عند أمرك فافعل بنا ما شئت وخذت ما شئت فهذا المقام مقام القطب الفرد الذي به يرزق الله ويعطي ويمنح لأهل الدنيا وقد يمتد من أنواره وعلومه الوتد الذي هو قائم بإقليم من أقاليم الدنيا فأعرف قدر هذه الأسماء فلا شك أنها أسم الله الأعظم الذي إذا دُعي به أجاب وإذا سئل به أعطى.
[فصل أسمه تعالى القدوس] من داوم عليه بالشروط المتقدمة إلى أن يغلب عليه منه حال شاهد أنواراً تخرج من فيه وسمع صرير القلم وفهم لغة العالم العلوي وهو مقام الأوتاد من أهل الدائرة الربانية فإذا شاهد هذه الحالة فليقطع ذلك الذكر وليشرع في أسم الجلالة وهو الله الله فإنه يثبت في تلك المرتبة.
[فصل أسمه تعالى السريع] من داوم عليه بالشروط المعلومة إلى أن يغلب عليه حال شاهد عالم الملكوت وكان مجاب الدعوة في كل أمر يحضر له وكشف له عن عالم الروحانية فيسألهم عن كلّ خير يريده.
[فصل في أسمه تعالى الوهاب] من داوم عليه كما رسمناه في أول الكتاب إلى أن يغلب عليه حال خدمته الروحانية وملوك الجن وتبعته الدنيا بحذافيرها وهو مقام العطاء فليعامل خلقه بهذه الصفة ولا يحتقر وضيعهم ولا رفيعهم وهذه المرتبة مقام النجباء أهل الكمال.
[فصل في اسمه تعالى الجواد] من داوم عليه إلى أن يغلب عليه من حال انفعلت له المكونات بأسرها ثم يتشكل بكل رهط أراد فإنه مقام البدلاء ولا يفتر عن ذلك الذكر إلى أن يأتيه اليقين.
[فصل اسمه تعالى الكافي المغني] من داوم عليهما بلا فتور إلى أن يغلب عليه منهما حال وامتزجت الأذكار مع عوالمه الحسية شاهد حسن الألوهية حتى إنه لو حبس السالك التراب بيده وذكر عليه تلك الأذكار صار ذهباً في أسرع وقت وهو مقام الأخيار من أهل الدائرة.
стр. 202
[فصل اسمه تعالى ذو الجلال والإكرام] من داوم عليه بالشروط المتقدّمة إلى أن يصير مغلوباً في الحال وامتزج الإسم الأعظم من عوالمه الحسية شاهد أسراراً لا يمكن التعبير عن ماهيتها حتى إن صاحبه إذا أراد أمراً من ألأمور يكون في أسرع وقت ولولا مخافة أن يقع هذا الكتاب في يد من لا يستحقه من أهل الضلالة والمعصية لتكلمت على هذا الاسم وجعلت خواصه وفوائده كلها مرسومة هنا لينتفع بها كل داخل وارد لهذا الكتاب فهو الاسم الأعظم الذي به السفينة تجري والطيور تجيبك فإن دعوتها حضرت بين يديك وكذلك كل مكوّن من المكونات.
[فصل اسمه تعالى الخبير] من داوم عليه بالشروط المذكورة إلى أن يمتزج الذكر مع عوالمه صار صاحب كشف إيماني وأخبر بما في الظاهر والباطن وكذا الذكر يليق بأهل المكاشفة من أهل الله.
[فصل اسمه تعالى العزيز] من داوم عليه بالشروط المذكورة إلى أن يغلب عليه حال منه تسخر له العالم العلوي والسفلي وجمع الله شمله بما يريد حتى إن ذاكره لو أراد أن يشير إلى جبل لانفتح أو حائط كذلك وهو الذكر النقباء من أهل الدائرة.
[فصل اسمه تعالى المقتدر القادر] إذا داوم عليهما السالك بعلو همة على الشروط المعدودة إلى أن يغلب عليه منهما حال قلّده الله بثوب الغلبة والنقمة حتى إنه لو نظر إلى طير في جو السماء بأقلّ نظرة كأنه مرمي بسهم أو قرب إليه أحد من الخلق بضر أخذ لوقته وهذا الذكر هو لأرباب القبض من أهل الدائرة فافهم.
[فصل اسمه تعالى الكبير] من داوم عليه بالشروط المذكورة إلى أن يغلب عليه منه حال ارتقى في درجة الخلافة الربانية المعلومة لأهل الحضرة الصمدانية , وقد أتيت هنا في هذا الباب بفتح رباني فعليك أيها الراغب بالإجتهاد (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين) " (١).
ومثل ذلك ذكر الوزير لسان الدين بن الخطيب في روضته طرق التقرب إلى أسماء الله الحسنى وشروط التقرب وآدابه وأسرار هذه الأسماء , فيقول:
стр. 203
" أسمه " الحق " وهو الواجب بذاته , والتقرب إليه به أن يردّ إليه الأشياء من صوت ونطق وحركة. . . وشرطة أن لا يأكل من الأسباب , ومجاهدته الصمت. . . واسمه " الودود " والتقرب إليه باستدامة الجوع والخلوة. . . واسمه " الشهيد " ومعناه راجع إلى العلم , والمتقرب إليه به يلزم التجوعات والرياضة , والخشوع والمراقبة , وملازمة اسمه الشهيد وتبدو له المحاضرة , ثم المكاشفة , ثم المشاهدة " (١).
ويقول أحمد بن علي البوني المتوفى ٦٢٢ هـ:
" وأما اسمه تعالى " الفتاح العليم " فخواصهما تقرب من الاسمين المتقدمين , وهو من أراد الوصول إلى علم الحقيقة فليأخذ بشروطها , وليداوم على هذين الاسمين الشريفين عقب أوراده التي اعتادها بعد الصلوات الخمس فلا يمضي عليه أربعون يوماً إلا فتح الله عليه بالفتح الغيبي الذي لا يطلع عليه أحد إلا الأولياء أرباب المقامات والأحوال " (٢).
هذا وقد وضع الصوفية صنيعاً وكلمات لصلاة الحاجة مخالفين فيها الصيغ والألفاظ التي وردت في الحديث حيث قال رسول الله ﷺ :
(من كانت له حاجة إلى الله أو إلى أحد من بني آدم فليتوضأ وليحسن الوضوء ثم ليصلي ركعتين ثم ليثني على الله وليصلي على النبي ﷺ ثم ليقل: (لا إله إلا الله الحليم الكريم , سبحان الله رب العرش الكريم , الحمد لله رب العالمين , أسألك موجبات رحمتك , وعزائم مغفرتك , والغنيمة من كل بر , والسلامة من كل أثم , لا تدع لي ذنب إلا غفرته , ولا هماً إلا فرجته , ولا حاجة هي لك رضا إلا قضيتها يا أرحم الرحمين).
ولكن الصوفية يقولون:
" من كانت له إلى الله حاجة فليصل أربع ركعات يقرأ في الأولى: الفاتحة وسورة الإخلاص عشر مرات , وفي الثانية: الفاتحة وسورة الإخلاص عشرين مرة , وفي الثالثة: الفاتحة وسورة الإخلاص ثلاثين , وفي الرابعة: الفاتحة وسورة الإخلاص أربعين. وبعد
стр. 204
الفراغ يقول: اللهم بنورك وجلالك وبحق هذا الإسم الأعظم وبحق نبيك محمد ﷺ أسألك أن تقضي حاجتي وتبلغني سؤلي وأملي , ويدعو بهذا الدعاء يستجاب له , وهو هذا:
بسم الله الرحمن الرحيم الله الله الله لا إله إلا الله الأحد الصمد , الله الله الله لا إله إلا الله بديع السموات والأرض ذو الجلال والإكرام , اللهم إني أسألك بحق أسمائك المطهرات المعروفات المكرومات الميمونات المقدسات التي هي: نور على نور ونرو فوق نور ونور في السموات والأرض , وأسألك بنورك العزيز العظيم , وبنور وجهك الكريم , وبقوة سلطانك المبين وجبروتك المتين , الحمد لله الذي لا إله إلا هو بديع السموات والأرض ذو الجلال والإكرام , يا الله يا الله يا الله , يا رب يا رب يا رب , يا رباه يا رباه يا رباه , اغفر لي ذنوبي , وانصرني على أعدائي , واقض حوائجي في الدنيا والآخرة ووالدي وجميع المسلمين , وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم " (١).
وكذلك ابتدعوا أحزاناً سبعة ووزعوها على أيام الأسبوع , يكررها الصوفية معرضين عن الأوراد والأذكار المأثورة الواردة في كتب السنة النبوية اخترعوها لها فضائل ومناقب , منها ما ذكروه في فضائل الحزب الخامس في يوم الجمعة , فقالوا بعد ذكر ألفاظ الذكر:
" من قرأه مرة واحدة كتب الله له ثواب حجة مقبولة وثواب من أعتق رقبة من ولد إسماعيل ﵇ فيقول الله تعالى: يا ملائكتي هذا عبد من عبادي أكثر الصلاة على حبيبي محمد , فو عزتي وجلالي ووجودي ومجدي وارتفاعي لأعطينه بكل حرف صلى قصراً في الجنة وليأتني يوم القيامة تحت لواء الحمد نور وجهه كالقمر ليلة البدر وكفه في كف حبيبي محمداً هذا لمن قالها كل يوم جمعة له هذا الفضل والله ذو الفضل العظيم " (٢).
стр. 205
وهناك اسم الله الأعظم ذكره أبو العباس أحمد بن علي البوني المتوفى ٦٢٢ هـ , وبيّن طريقة استعماله , وفيها ألفاظ وكلمات ليس لها معنى ومفهوم , لا ينطق بها أحد من الناس , فلا ندري هي لغة الجن أو لغة السحر والكهانة يستخدمها الصوفية للتقرب إلى الله وعياذاً بالله من هذا الهذيان - فيقول البوني:
" اسم الله الأعظم الذي لا يوفق لاستعماله إلا من سبقت له العناية هو الله وله من الحروف ج ب أووللجيم جينج أسم هوائي والباء بكمد أسم ترابي وللألف أهلل أسم ناري وللواو وكيل أسم مائي: وكيفية الذكر بهذه الأسماء أن تتلو في الثلث الأخير من الليل هذه الأسماء الأربعة ستة آلاف وستمائة وستاً وستين مرة ثم ركعتين وبعد السلام تقرأ (الله نور السموات والأرض) الآية سبعين مرة وتقول أستغفر الله العظيم سبعين مرة وتذكر البسملة سبعمائة وستاً وثمانين مرة ثم تقول اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آله وسلم مائة واثنين وثلاثين مرة وتقول الله الجليل القديم الأزلي أربعمائة وثمانياً وثمانين مرة ثم بعد صلاة الصبح تستغفر الله سبعين مرة وتذكر البسملة سبعين مرة وتصلي على النبي ﷺ مائة مرة ثم تقول:
اللهم أهلل بكمد جينج وكيل الله يامور شطيئاً ياطهوج يا مبططروش أجب يازهزيائيل وأنت يا أهدكيل بحق الهاء الدائرة , اللهم يا من هو أحون قاف آدم حم هاء آمين سبعين مرة ونكتب هذا الخاتم وقت شروق الشمس , وهذه صفته:
C:\Documents and Settings\welcome\My Documents\Bluetooth Exchange Folder\٥.jpg
وتحمله معك , ثم إذا عرض لك أمر وأردت قضاءه فاكتب الخاتم , وأدخل مقصودك في الخانة الخيالية منه , ثم قل عليه: يا جنيح يابكمد يا أهلل يا وكيل ٦٦٦٦
стр. 206
مرة فإنك تجاب في أسرع وقت " (١).
وأيضاً الوظيفة التي ذكرها لقضاء المهمات وتسيير الأمور , وهذه ألفاظها:
" اللهم إني أسألك بعظيم قديم كريم مكنون مخزون أسمائك وبأنواع أجناس رقوم نقوش أنوارك , وبعزيز إعزاز عز عزتك , وبحول طول جول شديد قوتك , وبقدرة مقدار اقتدار قدرتك , وبتأييد تحميد وتمجيد عظمتك , وبسمو نمو علو رفعتك , وبقيوم ديوم دوام أبديتك , وبرضوان غفران آل مغفرتك , وبرفيع بديع منبع سلطانك وبصلات سعات بساط رحمتك , وبلوامع بوارق صواعق عجيج وهيج بهيج رهيج نور ذاتك , وببهر جهر قهر ميمون ارتباط وحدانيتك , وبهدير تيار أمواج بحرك المحيط بملكوتك , وباتساع انفساح ميادين برازيخ كرسيك , وبهيكليات علويات روحانيات أملاك عرشك , وبأملاك الروحانيين المدبرين لكواكب أفلاك , وبحنين أنين تسكين المريدين لقربك وبحرقات زفرات خضعات الخائفين من سطوتك , وآمال؟ أقوال المجتهدين في مرضاتك وبتحمد تمجد تهجد تجلد العابدين على طاعتك يا أول يا آخر يا ظاهر يا باطن يا قديم يا مغيث أطمس بطلسم " (٢).
وقد ذكر الشيخ علي بن محمد الطندتائي في رسالته وظيفة محتوية على كلمات غريبة على اللغة العربية , وصّور شخصين , وكتب عليهما أحرفاً ورموزاً لا معنى لها , نثبت هنا كل ذلك فيقول:
" وإذا أردت جلب الهارب والسارق فقصّ شخصين من ورق وأكتب على شخص المطلوب هكذا:
أبارخ ٢ يورخ انوش ٢ صورخ بارخ ٣ باروخ ٢
كر
٢٥ ٢٥٥
ان وس ل ك ق د وج ب
C:\Documents and Settings\welcome\My Documents\Bluetooth Exchange Folder\٧.jpg
وعلى شخص الطلب هكذا:
C:\Documents and Settings\welcome\My Documents\Bluetooth Exchange Folder\٨.jpg
стр. 207
جالوش عبروش عراش جواش هيهوش
فهروش شلموش يعروش يعروش يعوش
د ... ف ... ر
أ ... ٨٥ ... ٢٥٥
ثم أجعل وجه الطالب على وجه المطلوب وعلقهما في سيبة وأقرأ عليهما هذه الأسماء.
أيه بقطريال جليش دميال هططوش وهيم زنقطا حداية طغيال ٤٥ مرة ثم العهد القديم ٧ مرات , فإن أحسست بثقل في عضو من أعضائك فهي علامة الإجابة وإلا فكرر سبعة ثانياً أو ثالثة وهكذا إلى تمام ٤٩ مرة فإن المقصود يتم لا محالة بإذن الله تعالى والبخور لبان ذكر وكزبرة وجماجم تمر حنا " (١).
اخترع الصوفية هذه الألفاظ الغريبة وزعموا أن للحروف أسرارا ورموزاً وإضمارات وطبائع وإشارات , متأثرين في ذلك بالعلوم السحرية الطلسمية فيها كفر وضلال , وقال تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ (٢).
والصوفية اشتغلوا بترديد الكلمات السحرية الكفرية على ألسنتهم وألفوا في ذلك كتباً ورسائل ذكروا فيها أسرار الحروف ورموزها , فنثبت هنا الجدول الذي هو أساس للأوراد الصوفية ووظائفهم:
" أول الحروف حرف الألف وخادمه الرئيس الأكبر رئيس ملائكة الحروف:
هَطْمَهْطَلْقِيائيل وإضماره هَدْهَيُون شَلْهَميدٍ طَمْخَلَلَشٍ بُهْلَميْلَخٍ.
حرف الباء وخادمه الملك جَرَمْهَيَائيل وإضماره كَشَمْشَخٍ هَيْلَخٍٍ مَهَلْشَطٍ.
حرف الجيم وخادمه الملك طلقطيائيل وإضماره هَدْمَخٍ هَلَشْلخَخٍ.
حرف الدال وخادمه الملك سكمهيائيل وإضماره هَلْطَفٍ مَهْللخٍ شَوييدٍ شئلْطَطٍ.
стр. 208
حرف الهاء وخادمه الملك عَفْرَيائيل وإضماره ذَبْحطٍ هَمَكِيكٍ هَشْطيطعٍ.
حرف الواو وخادمه الملك طُونَيائيل وإضماره مَهْدَدُوةٍ شَلْتَمُوخٍ بَرَاخٍ.
حرف الزاي وخادمه الملك عَلمَشيائيل وإضماره مَعَدرْشٍ هَطَاطِمٍ مَهَطٍ.
حرف الحاء وخادمه الملك طَفيائيل وإضماره دَهْلِيخٍ كَمشَلاطَخٍ.
حرف الطاء وخادمه الملك عَصْطيائيل وإضماره شَمْهَطٍ مَبلْشَخٍ مَلْخشٍ طمهٍ. ٍ
حرف الياء وخادمه الملك هَرْدَقيلٍ وإضماره دَمْغيغ هَلهَفٍ شُوييدخٍ.
حرف الكاف وخادمه الملك شَمْهَائيل وإضماره شَفْرُودٍ هَمِيطا خَطشٍ.
حرف اللام وخادمه الملك طَهْطَيائيل وإضماره غَغِيطٍ طَهْمَشٍ خلشَدَمٍ.
حرف الميم وخادمه الملك شَرَاخيل وإضماره حَجَمُشَطٍ كَلِتْياطٍ مَدْمَخٍ.
حرف النون وخادمه الملك صَعْرِيائيل وإضماره شَغيغٍ دَلْحمٍ بَهِيط.
حرف السين وخادمه الملك هَطْغِيل وإضماره مَسْطَعٍ عَطْلَدٍ خييمٍ عَلْطلٍ.
حرف العين وخادمه الملك شَرْهِيل وإضماره لخطَمٍ غَدِيفٍ أرْزَدٍ.
حرف الفاء وخادمه الملك شطاطيلٍ وإضماره كَبْطَمٍ رَزْطَشٍ هَخَيطٍ.
حرف الصاد وخادمه الملك هَرْدَبالٍ وإضماره شَرُوخٍ هَمْشٍ.
حرف القاف وخادمه الملك عَزْقيل وإضماره غَدْغَصٍ طَلْحِياش.
حرف الراء وخادمه الملك دَهْرَابيل وإضماره عَللْطَفٍ عَلْميخٍ دَبْعومٍ.
حرف الشين وخادمه الملك خَرْدٍيائيل وإضماره شَظيفٍ كَهْييلٍ.
حرف الخاء وخادمه الملك خَمْليل وإضماره عَمُطْيارٍ واكِشٍ راكِشٍ دَهوطٍ.
حرف الذال وخادمه الملك رَفَعَيائيل وإضماره عَلَلمَهَصٍ صَهْدعٍ شَهْلَطٍ.
حرف الضاد وخادمه الملك رَفَعَيائيل وإضماره يوخٍ روخٍ أموشٍ طَمْلَشيطٍ عَبْصوعٍ.
حرف الظاء وخادمه الملك طَرْخَبائيل وإضماره هَمْيَطُيواشٍ مَعَدٍ مَشَطٍ.
حرف الغين وخادمه الملك سَلْكفيل وإضماره أشْعطلفٍ هيوطٍ شَطَطَفٍ كَلكَففَ " (١).
стр. 209
كما أنهم وضعوا وظائف مختلفة للتأليف والتفريق وقضاء حوائج الناس وما يحتاج إليه الإنسان في كل وقت , وللتسخير , وإلقاء البغضاء والفرقة , وخراب الأمكنة والدور , وتسليط العذاب على الأعداء , وجلب الغائب , وتغييب الحاضر وغيرها من الأمور السحرية الطلسمية , فتعاهدوا الأربعينات وغيرها , واعتزلوا في الخلوات والجبال للحصول على أسرار الحروف , ولتسخير الأرواح والملائكة , فيقول الشيخ محمد الشافعي الخلوتي:
" إذا أردت ألفة بين أثنين مثلاً أو فرقة أو غير ذلك فابدأ بعون الله باسم ملك أرضي ثم المطلوب ثم الطالب أجرفاً متفرقة. . . وأعلم أن ذلك الملك يصير ملازماً لذلك الشخص مشتحوذاً عليه لا يفارقه أبداً من محبة وعقد شهوة ومرض عضو مخصوص وابطاله , ولو وكلته بنقل الجبال لنقلها , وبالبحار لنسفها فإنه عمل صحيح معمول به لا يتغير ولا يتبدل ... .
ثم يقول بعد ذكره: إني كشفت لك السر المكتوم عن كثير من الناس لا يصل إليه إلا آحاد العلماء الراسخون وأفراد الحكماء الحاذقون " (١).
وأما علي أبو حي الله المرزوقي صاحب " الجواهر اللماعة " فأيضاً أورد في كتابه أوراداً نادى فيها أسماء لم ينزل الله بها من سلطان , فطلب منها قضاء الحاجة والشفاء والنصر وغيرها , فيقول:
" تصوم لله سبعة أيام برياضة تامة. . . وتقول: اللهم إني أسألك يا لهويش ويا طهبوش ويا يوش ويا فهليوش أسألك اللهم بحق هذه الأسماء والأسرار التي ألقيتها في قلب نبيك محمد ﷺ وكسيته من جلال لطفك وهديته بطهارة قدسك أن تسخر لي روحانية خدام أسمك اللطيف المبارك العلوية والسلفية يكونون عوناً لي على ما أريد وهو كذا وكذا , أجب يا عبد اللطيف وأنت يا شعاع يا شعضوض بحق ما تعرفونه من سرّ هذا الاسم اللطيف وشريف علمه الأعظم وذكر جلاله: وأذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة إن الله كان لطيفاً خبيرا , أقضوا
стр. 210
حاجتي وامتثلوا مرضاتي وأسعفوني بالطاعة لخدمة الله والرسول وأئتوني من مال الله الذي مع خلق الله , بحقك يا الله يا لطيف إني أسألك بلام لطفك وطاء طولك وياء يقظتك وفاء فردانيتك أسألك أن تسخر لي سرّاً من سرّك ونوراً من نورك ولطفاً من لطفك وهيبة من هيبتك تسخر لي بها جميع خلقك وتخضع لي قلوبهم بالألفة والمودة وتودع في قلوبهم محبتي سراً ونوراً وبهجة , أجب يا عبد اللطيف ويا عبد الطالب ويا عبد البارئ ويا عبد الفتاح ويا شعاع ويا نور ويا صالح ويا شعضوض ويا حفيال " (١).
فهل هذه هي الأوراد والوظائف التي قالوا فيها:
" حكم أوراد السلف حكم الفرائض لأنها فرائض بالإلتزام والعهود والنذور فيجب إعادتها كالفريضة " (٢).
هذا وذكر أحمد الرفاعي في مجالسه أوراداً وأدعية فيها كلمات فلسفية مغلقة مثل:
" يا كافي المهمات , يا رب الأرض والسموات أسألك بالحقيقة المحمدية وبما انطوى في مضمونها من عظائم الأسرار الربانية بالميم المتدالي ببحبوحة مرج البحرين يلتقيان مادة المظاهر الطالعة والمشارق اللامعة ميزاب الفيوضات الهاطلة منبع العوارف المتواصلة , ماهية المعرفة المطلوبة محراب جامع البداية الإبداعية , منبر بيت النهاية الإمكانية.
وأسألك اللهم بحاء الحسن الأعم والحمد الأتم حد النهايات الصاعدة في أدراج السمو الملكوتي حيطة الغايات المتقبلة على بساط الإحسان الرحموتي.
وأسألك اللهم بميم المدد المعقود على مجمل أسرار الوجود. . . أسألك اللهم بالنور اللامع والقمر الساطع والبدر الطالع والفيض الهامع والمدد الواسع نقطة مركز الباء الدائرة الأولية وسر أسرار الألف القطبانية - إلى آخر الهذيان " (٣).
وعبد السلام الأسمر الفيتوري أيضاً قد حشد كتابه بوظائف وأحزاب موضوعة , وسماها بالحزب الكبير وحزب الخوف وحزب الفلاح ووظيفة الحضرة , ثم قال بعد
стр. 211
ذكر هذه الأحزاب:
" إخواني , فعليكم بحفظ هذه الأحزاب وتلاوتها على الدوام إن قدرتم. إخواني , والصواب أن تقرؤها جماعة في كل يوم بعد صلاة العصر استحباباً , وقد جرى الأمر والعمل بذلك على أيدي المتصوفة وصالحي الأمة كالشاذلي وتلامذته وغيرهم " (١).
ولكل طائفة أذكار وأوراد مختصة بها , ستذكر نبذة منها عند بيان الطرق الصوفية أن شاء الله في كتاب مستقل , ونكتفي بهذا القدر من نماذج الذكر الصوفي ونعرض الجانب عن الكثير الكثير الذي هو منثور في كتبهم ومؤلفاتهم.
هذا وإن الصوفية يدّعون أحياناَ أن هذه الأذكار والأوراد والوظائف والأحزاب قد تعلّموها من عليّ ﵁ كما ذكر ذلك الجعلي الفضلي عن حسن بن حسونة أنه قال:
" اختليت في باعوضة للذكر والعبادة فجاءني عليّ فلقنني الذكر " (٢).
وأحياناً فيي يدّعون تلقّنها من الخضر كما يحكي شهاب الدين الشرجي اليمني عن بعضهم أنه " حصل له عطش شديد في بعض المفاوز , قال: حتى خفت التلف , فقعدت مستعداً للموت فغلبتني عيني وأنا جالس , فقال قائل: قل يا لطيفاً بخلقه , يا عليماً بخلقه! يا خبيراً بخلقه! ألطف بي يا لطيف يا عليم! يا خبير , ثلاث مرات , وهذه تحفة الأبد , فإذا لحقتك ضائقة أو نزلت بك نازلة فقلها تكفي وتشفي , فقلت: من أنت؟ قال: أنا الخضر " (٣).
ونقل الهجويري عن إبراهيم بن آدم أنه قال:
" كان الحق تعالى يبعث إليّ بالرزق عند الحاجة دون عناء , وأنفق لي في ذلك الوقت صحبة الخضر ﵇ , وعلمني اسم الله الأعظم " (٤).
ويحكي الشعراني عن أحمد بن أبي الحواري أنه كان يقول:
" علّمني الخضر ﵇ رقية للوجع , فقال: إذا أصابك وجع فضع يدك على
стр. 212
الموضع وقل: " وبالحق أنزلنا وبالحق نزل " , فلم أزل أقولهما على الوجع فيذهب بساعته " (١).
والدباغ أيضاً نقل حكاية عن بعض الصوفية أنه قال:
" وبقيت عند قبر شيخي إلى الليل وأنا أبكي من حبّه ووحشة فراقه , ثم بتّ على قبره والحال يتزايد إلى أن طلع الفجر , فجاءني سيدنا الخضر ﵇ فلقنني الذكر " (٢).
وأحياناً يخرّفون بأنهم أخذوها من رسول الله ﷺ كحزب أبي الحسن الشاذلي , الذي سماه بحزب البحر , وكلماته " رب سهل ويسر ولا تعسر علينا يا ميسر كل عسير بحق أب ت ث ......... هـ ولا ي .... بسم الله بابنا , تبارك حيطاننا , يس سقفنا , كهيعص كفايتنا , حمعسق حمايتنا , ستر العرش مسبول علينا إلخ " (٣).
فيقولون في هذا الحزب أنه " لما اعترض الفقهاء على حزب الشاذلي المسمى بحزب البحر , قال الشيخ:
" والله لقد أخذته من رسول الله ﷺ حرفاً بحرف " (٤).
وأحياناً يهذون أنهم تعلّموها من بعض الطيور كما يحكى الصفوري عن بعضهم أنه قال: " كنت أسيراً في قسطنطينية بلاد الروم فنذرت إذا خلصني الله أن أحج ماشياً فجاءني طائر إلى حائط السجن وقال اللهم إني أسألك يا من لا تراه العيون ولا تخالطه الظنون ولا تصفه الواصفون ولا تغيره الحوادث والدهور يا من يعلم مثاقيل الجبال ومكاييل البحار وما أظلم عليه الليل وأشرق عليه النهار يا من يعلم عدد قطر الأمطار وورق الأشجار ولا تواري عنه سماء سماء ولا أرض أرضاً ولا جبال ما في وعرها ولا بحار ما في قعرها أنت الذي سجد لك سواد الليل وضوء النهار ونور القمر وشعاع الشمس ودوي الماء وحفيف الأشجار وأنت الذي نجيت نوحاً من الغرق وغفرت لداود ذنبه وكشفت الضر عن أيوب ورددت موسى إلى أمه وصرفت
стр. 213
عن يوسف السوء والفحشاء وأنت الذي فلقت البحر لموسى حي ن ضربه لبني إسرائيل بعصاه فكان كل فرق كالطود العظيم حتى مشى عليه موسى وشيعته وأنت الذي جعلت النار على إبراهيم برداً وسلاماً وأنت الذي صرفت قلوب سحرة فرعون إلى الإيمان بنبوة موسى يا شفيق يا رفيق يا جالي الضيق يا ركني الوثيق يا مولاي الحقيق خلصني من كل كرب وضيق ولا تحملني ما لا أطيق أنت منقذ الغرقى ومنجي الهلكى وجليس كل غريب وأنيس كل وحيد ومغيث كل مستغيث فرج عن الساعة الساعة فلا صبر لي على حلمك لا إله إلا أنت ليس كمثلك شيء وأنت على كل شيء قدير فلما دعا به في الليلة الثانية أرسل الله ملكاً فحمله إلى منزله فحج من سنته ما شياً فحدث به رجلاً فقال له من أين لك هذا الدعاء قال حفظته من طائر بقسطنطينية ببلاد الروم فقال حدثني أبي عن جدي عن النبي ﷺ أنه دعاء الفرج " (١).
وأما كيفية تلقين الذكر فذكرها أيضاً كثير من الصوفية في كتبهم , ننقلها عن عبد الغني الرافعي , فيقول:
" وكيفية تلقين الذكر أن يضع الشيخ يده اليمنى في يد المريد اليمني بعد طهارة كل منهما ويجعل راحة كفه على راحته ويقبض إبهامه ويقول له غمض عينيك وأستغفر الله ثلاثاً ثم يقرأ الشيخ قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحاً إلى قدير وإن الذين يبايعونك الله عظيماً وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتهم الآية ثم يطرق رأسه ويدعو سراً للمريد بنحو اللهم أعنه وأحفظه وتقبل منه وأفتح عليه باب كل خير كما فتحته على أنبيائك وأوليائك اللهم فرغنا لما خلقتنا له ولا تشغلنا بما تكفلت لنا به ولا تحرمنا ونحن نسألك ولا تعذبنا ونحن نستغفرك برحمتك يا أرحم الراحمين ثم يقول وكل منهما غاض بصره اسمع مني الذكر ثلاث مرات وقله بعدي ثلاثاً وأنا أسمع منك ثم يستأذن الشيخ بقوله دستور يا رسول الله دستور يا أهل الطريق دستور يا أستاذ الأذن لي بتلقين الذكر ويطلب بقلبه المدد من أهل السلسلة وذلك بعد أن يكون قدم قراءة الفاتحة له ﷺ وفاتحة ثانية لأهل السلسلة وفاتحة ثالثة لقطب الكون والأولياء جميعاً عندما
стр. 214
يجلس المريد بين يديه " (١).
وأما اللغة السحرية الطلسمية التي يستعملها الصوفية في وضع الأذكار والأوراد , فيدّعي الصوفية عنها أنها لغة الملائكة والأرواح ولغة أهل الجنة , وبهذه اللغة فواتح سور القرآن الكريم (٢).
وأما الشعراني فأدعى عن إبراهيم الدسوقي أنه كان له إلمام تام بهذه اللغة , فكان يتكلّم بها ويكتب فيها , نقدّم نموذجاً من هذه اللغة إلى القراء لمعرفة مدى تخريفات القوم وترهاتهم , فينقل الشعراني عنه أنه كتب إلى بعض مريديه:
" بع السلام وإنني أحب الولد وباطني خلي من الحقد والحسد ولا بباطني شظا ولا حريق لظى ولا لوى لظى ولا جوى من مضى ولا مضض غضا ولا نكص نصاً ولا سقط نطاً ولا نطب غظاً ولا عطل حظاً ولا شنب سرى ولا سلب سباً ولا عتب فجا ولا بدع رضا ولا شطف جوا ولا عنف سرا ولا خمش خبش ولا حفس عفس ولا خفض خنس ولا حولد كنس ولا عنس كنس ولا عسعس خدس ولا جيقل خندس ولا سطاريس ولا عيطافيس ولا هطامرش ولا سطامريش ولا شوش اريش ولا ركاش قوش ولا " هلا دنوس ولا كنبا " سمطلول الروي ولا بوس عكموس ولا فنفاد أفاد ولا قداد أنكاد ولا بهداد ولا شهداد ولابد من العون وما لنا فعل إلا في الخير والنوال انتهى وكتب إلى بعض مريديه أيضاً سلام على العرائس المحشورة في ظل وابل الرحمة وبعد فإن شجرة القلوب إذا هزت فاح منها شذا يغذي الروح فينتشق من لاعنده زكم وله أنوار وعلوم مختلفة مانعة محجوبة معلومة لا معلومة معروفة لا معروفة غريبة عجيبة سهلة شظة وتفة طعم ورائحة وسم ميم محل جميل جهد راب ملوب نغط نبوط هوبط سهبط حره واغميط عمن عسب غلب عرماد علمود على عروس علماص مسرود قدقد فرصم صباع صبع صبوغ نبوب جهمل جمايد حربوعسس قنبود سماع بناغ مرنوع ختلوف كداف كروب كبنوف شعدا سعندبل ختلولف ختوف رصص ما
стр. 215
من قمن قرقنبود سعي طبوطا طابرطا كما كهرحه جهدبيد نيلودات كهلودات كلوب فانهم مبرم واقرم منهم وأخبر يهدم سوس سفيوس كلافيد لا تهترعن عتبلا سعد سبح تزبد ولا تتكوكع زند حدام هدام سكهدل وقد سطرنا لك يا ولدي تحفة سنية ودرة مضية ربانية صريانية " (١).
هذا ونعود إلى موضوعنا ونقول: إن الصوفية قد أوجدوا صيغاً وألفاظاً في أورادهم ووظائفهم لم يعلّمها رسول الله ﷺ أصحابه , ولم يدع واحد من السلف الصالح بتلك الكلمات والألفاظ , وزعموا لها فضائل ومناقب , وفضّلوها على تلاوة القرآن الكريم وعلى التسبيح والتهليل والتحميد , وحملوا الناس على الإشتعال بترديد كلمات السحر والكهانة والتنجّم على ألسنتهم , ثم اختلقوا لها آداباً وتجليات وأحوالاً ودرجات لم يأت بها كتاب الله ولا سنة رسول الله ﷺ كما يقول القشيري:
" إذا قبل المريد طريق التصوف يقول له الأستاذ:
قبلتك لأوصلك إلى طريق الله بقدر ما أعرف أني لا أبخل عليك بقدرها ما عرفته ثم يعرفه ويوصيه أن لا يسمعه من الأستاذ ويرى جميع أحواله من الله ويرى التوفيق منه ويقول له: قل: الله الله الله ثم يوصيه أن يواظب على قول هذا الذكر وأن لايشهد غيره وأن لا يفكر في غيره وإن أشغله عن هذا الذكر أمر من الأمور فطرح ذلك الأمور وإن كان موت والديه ولا يفعل من الطاعات إلا الفرائض والسنن وركعتي الضحى وبعد كل وضوء ركعتين فأما سواه من النوافل وقراءة القرآن فلا يشتغل إلا بهذا الذكر إلى أن يغيب بالذكر عن جميع ألأشياء بتوفيق الله لقوة إراداته ثم يغيب بالذكر وبين حضور الذكر ثم لا يزال يرتقي في الذكر يردد مدة طويلة بين غيبة عن الذكر بالذكر وبين حضور الذكر ثم لا يزال يرتقي في كل غيبة وحضور إلى رتبة أخرى ثم يرد ورود آخر عليه أعلى من هذا فيفنى العبد عن الذكر وعن هذه الأحوال فإذا رد إلى حال البقاء بعد هذه الغيبة يسلب عنه لسانه وسمعه وبصره إلا شهادة القلب ولا يمكنه أن يقول باللسان