← Адаб

Адаб · id 12815

خريدة القصر وجريدة العصر - أقسام أخرى

العماد الأصبهاني الكاتب

Полный текст (895 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

لولا الأماني التي تُحيي النفوسَ بها ... لمُتُّ من لوعةٍ في القلب تستعِرُ ومنها في عمر المَلاّء: وأصدقُ النّاس في حفظ العهود إذا ... ميَّزْتَ بالفكر أحوالَ الورى عُمَرُ الزَّاهد العابد البَرُّ التَّقِيُّ ومَنْ ... يزوره ويُقوِّي أزرَه الخَضِرُ قال علم الدين الشاتانيّ: قال القاضي نجم الدين الشهرزوري قاضي الموصل: دخل إليَّ شابٌّ من أهل بغداد وأنشدني هذه الأبيات: في نهر عيسى والهواءُ مُعَنبَرُ ... والماءُ فِضِّيُّ القميص صَقيلُ والطَّيرُ إمّا هاتفٌ بقرينِه ... أو نادبٌ يشكو الفراقَ ثَكولُ وعرائسُ السَّرْوِ التَحَفْنَ بسُنْدُسٍ ... ورقصْنَ فارتفعتْ لهُنَّ ذُيولُ وقال لي: اعملْ على وَزنها ما يناسبها فعملت في الحال: والغصنُ مَهزوزُ القَوامِ كأنّما ... دارتْ عليه من الشَّمال شَمولُ والدَّهر كالليل البهيم وأنتمُ ... غُرَرٌ تُنيرُ ظلامَه وحُجولُ وأنشدني الشاتاني لنفسه: خليليَّ هل من مُسعِدٍ لي أَبُثُّه ... غراماً له بين الضُّلوع لهيبُ وزفرَةَ أَشواقٍ تقادمَ عهدُها ... فليس لها حتى الممات طبيبُ عفا الله عمَّن خان عهدي وإنَّه ... إليَّ، وإن خان العُهودَ، حبيبُ إلامَ أُمَنّي النفسَ منه بِزَوْرَةٍ ... فيَثنيه عنّي عاذلٌ ورقيبُ أتوبُ إلى الرّحمن من كلِّ رِيبَةٍ ... ومِن وَصْلِ مَن أهواهُ لستُ أتوبُ وأنشدني له من أبيات كتبها إلى ابن كمال الدين الشهرزوريّ وقد زار الجوديّ: جلالَ الدين تَهْنِيكَ الزيارهْ ... ولي بقَبولها منك البِشارَهْ ومنها: زَها واستبشرَ الجُوديُّ لمّا ... رأى منك النّزاهة والطَّهارهْ وصارَ التُّرْبُ من مَمْشَاكَ مِسكاً ... به وَتَجَوْهَرَتْ منه الحِجارَهْ وأنشدني له في حاسد له وثب عليه الأسد وعاد عنه ولم يفترسه، عملها ارتجالاً عن غير روية، ولا فكرة قوية: قلتُ للَّيْثِ: لِمْ تأخَّرت عنهُ ... حين غادرْتَه لديك صريعا قال: قدَّرْتُ أنني حُزْتَ صَيْدَاً ... فتأمَّلْتُه فكان رَجيعا فأبتْ نفسي الأبيّةُ عنهُ ... أن ترى أكلَه وإن مُتّ جوعا وأنشدني له في السابق المعري يستعدي عليه عند الشيخ: مولايَ فخرَ الدين يا ذا النُّهى ... ما قيمةُ الأخرسِ كالناطقِ كلاّ ولا العبدُ المُطيع الذي ... يرجو رِضا مَوْلاه كالآبِقِ يا أروعاً تَرْتَاعُ أُسدُ الشَّرى ... في خِيسها من عزمِه الصادق بهمَّةٍ عاليةٍ ما لها ... عن عَقْوَة العَيُّوقِ من عائقِ للعبد أبياتٌ زها حُسْنُها ... حَبَّرها من لفظِه الرائقِ قَطْعُ لسان المُفسِدِ السابِقِ ... أَوْجَبُ من قطعِ يد السارقِ يَبْتَزُّ أموالَ الورى عَنْوَةً ... ويكفرُ الرِّزْقَ مِن الرازِقِ غِذاؤُه الغِيبةُ لا غيرها ... شيمةُ نَذْلٍ خائن ماذِقِ والسَّعي لا في الخير يبغي به ... وُقوعَ أهلِ الدين في مازِقِ خِبٌّ إذا لاحَتْ له فرصةٌ ... ينقضّ كالبازِيّ والباشِقِ ما زال يُؤذي الناس حتى رأى ... كساده في سُوقِه النافِقِ وقُوبِلَتْ أفعاله بالذي ... عاينَه في نَغْلِه المارقِ فموتُه في السجنِ أَوْلَى به ... وَرَمْيُ مَن رَبّاه مِن حالقِ وإنْ أَرَحْتَ الناس من شرّه ... أحرزتَ شُكرَ الخَلْقِ والخالقِ وأجهلُ العالَم عندي امرؤٌ ... يهدّد الضِّرغام بالناهقِ وأنشدني لنفسه: خَليليَّ كُفّا عن مَلامي وعَرِّجا ... فأنفاسُ نَجْدٍ نشرُها قد تأرَّجا

стр. 387

وقُولا لمنْ قد ضَلَّ عن قَصْدِ حِبّه ... وَجَدْنا إلى وَصْلِ الأحبّة مَنْهَجا وحُطّا بأكْنافِ الحِمى فقد انتهى ... مَسيرُ مطايا قد أضرَّ بها الوَجا فقد لاحَ ضوءُ الصبح بعدَ كُمونِه ... ومزَّقَ ثوباً لفَّقَته يدُ الدُّجى وحاكَتْ يدُ الأنواءِ للأرضِ حُلَّةً ... تُقَدِّرُها الأبصارُ ثَوْبَاً مُمَرَّجا وغرَّدَ في الأيْكِ الهَزار تَطَرُّباً ... وهَيَّجَه بَرْحُ الغَرام فهَزَّجا فحُثّا كؤوساً عَدَّل العَقلَ مزجُها ... بها وَجَدَتْ نفسي من الهَمِّ مَخْرَجا ولا تَسْقِيا منها لمن لان ودُّهُ ... فتُخْرجَه عن عالم العِلم والحِجى فيُظْهر أسرار الهوى ويُذيعها ... وَمَنْ كَتَمَ الأسرار في قلبه نجا وما أدركَ المَطلوبَ إلاّ أخو نُهىً ... له يَقْظَةٌ خافَ البَياتَ فَأَدْلجا ومدح نور الدين بهذه الأبيات: ما نال شأْوَكَ في المعالي سِنْجِرُ ... كلاّ ولا كِسرى ولا الإسكندرُ يا خيرَ مَن ركِبَ الجِيادَ وخاضَ في ... لُجَجِ المنايا والأَسِنَّةُ تَقطُرُ هل حازَ غيرُكَ ملكَ مصرَ وصار مِن ... أَتباعه مَن جَدُّه المُستنصِرُ والمستضي بالله مُعتَدُّ به ... وبحَدِّه وبِجَدِّه مُسْتَظهر أو سَدَّ بالشام الثُّغورَ مُحامياً ... للدين حتى عاد عنها قيصر يبكي فيروى الأرضَ فيضُ دموعه ... والجَوُّ مِن أنفاسه يَتَسَعَّرُ أَوَما أبوك بسيفه فتحَ الرُّها ... والأُسْدُ تقتَنِصُ الكماةَ وتزأَرُ هابت ملوك الأرض بأْسَ كُماتِها ... فتقاعدوا عن قصدِها وتأَخَّروا ما ضَرَّه طَيُّ المَنِيَّة ذاتَه ... وصِفاته بين البريَّة تُنشَرُ فلكمْ على كلِّ الملوك مَزِيَّةٌ ... لِوَقائع مشهورةٍ لا تُنكَر وإذا عدَدْنا للأنام مناقباً ... فعليك قبل الكُلِّ يُثْنَى الخنصرُ في الرَّأْي قيسٌ في السَّماحة حاتمٌ ... في النُّطْق قُسٌّ في البسالة حيدر دانتْ لكَ الدُّنيا وأنتَ تعافُها ... وسِواكَ في آماله يتعثَّرُ من ذا يصونُ الصين عنك وأنت مَنْ ... أُسْدُ الشَّرى منه تخافُ وتَحذَرُ ذكر أنه نظمها على وزن قصيدة للحويزي أوَّله: الله أكبر ثمَّ سِنجِر أكبرُ، ومنها: إن كان بين الفاتحين بقدْر ما ... بين الفُتوح فعَبدُك الإسكندَرُ وعَتِبَ عليَّ ونحن بدمشق مُتجَنِّياً، وضَنَّ بمواصلته مُتَظّنِّياً، فإنَّه كان يستشيط من كلِّ كلمة فيها قاع، حتى يغضب من ذكر الفُقّاع، فعُمِلَتْ أَبياتٌ لا يخلو بيتٌ منها من هذه اللفظة في مَعانٍ حِكَمِيَّةٍ ليس له فيها ذِكْر، وكانت تُنشَد وهو يغضب ويَحرَد، ونسبها مَن أرادَ إغراءَه بي إليّ، فعتَب لأجل ذلك عليَّ، فكتبت إليه: لا أوحَشَ الله منكَ يا علَم الدّ ... ين نَدِيَّ الكِرام والفُضَلا أَعَنْ قِلاً ذا الصُّدودُ أَم ملَلٍ ... حاشا العُلا من مَلالَةٍ وقِلا هل جائزٌ في العُلا لِرَبِّ عُلىً ... أن يغتدي هاجِراً لِربِّ عُلى كنتَ أخاً إن جَفا الزَّمانُ وَفى ... أوْ قطعَ الوُدَّ أهلُه وَصَلا إن أظلمتْ خُطَّةٌ أَضاء لنا ... أو ظلمَ الخَطْبُ جائراً عَدَلا رَفيقُ رِفْقٍ لنا إذا عَنُفَ الدَّ ... هْرُ وخِلاً يُسَدِّدُ الخَللا صديق صِدقٍ ما زال إن كذَبَ السُّ ... عاةُ للأصدقاء مُحتَمِلا فما الذي كدَّرَ الصفاءَ مِنَ ال ... ودِّ ولم يُرْوِ وِرْدُه الغُلَلا فضلُكَ روحُ العُلا وهل بدَنٌ ... مِن روحه الدَّهرَ واجِدٌ بدلا

стр. 388

عَذِّبْ بما شئتَ من مُعاتبةٍ ... أمّا بهذا الهَجر المُمِضِّ فلا في العُمْر ضِيقٌ فصُنْهُ مُنتهِزاً ... في سَعة الصَّدر فرصة العُقلا أما كفى نائبُ الزَّمان على ... تفريق شَمْلِ الأُلاّف مُشتمِلا ما بالنا ما نرى وإنْ كرموا ... إلاّ من الأصدقاء كلَّ بَلا إذا شَعِفْنا بقُرْبِ ذي شَعَفٍ ... بقربنا قيل قد نأَى وسَلا زَهِدْتَ فينا وسوف تطلُبُنا ... رُبَّ رخيصٍ بَعدَ الكَساد غَلا إن كان في طبعِكَ المَلالُ من الشّ ... يء فهلاّ ملَلْتَ ذا المَلَلا بَعدَ كمال الإخاء تنقصُهُ ... فحاذِرِ النَّقْصَ بعدَ ما كمُلا كم صاحبٍ قال لي: ألستَ على ... بلاءِ وُدِّي تُقيمُ، قلت: بلى كفى لخِلِّي بدَيْن خُلَّتِه ... مَجدي وفَضلي ومَحْتِدي كُفَلا وكلّ علمٍ لمْ يَكْسُ صاحبَهُ ... حِلماً تراهُ عُطلاً بغير حُلى لِحِفْظِ قلب الصَّديقِ أَجترع الصّ ... ابَ وأُبقي لكأْسِه العَسلا إنْ أَنكر الحقَّ كنتُ مُعترفاً ... به أو اعْوَجَّ كنتُ مُعتدلا أو قال ما قال كنتُ مُسْتَمِعاً ... إليه بالقول منه محتفلا فضلُكَ في العالمين ليس له ... مِثْلٌ وقد سار في الوَرى مَثَلا فأوْلِنا الفضلَ يا وَلِيَّ أُولي الفض ... ل ولا تبْغ حَلّ عَقْدِ ولا يا علَم الدّين أنت علاّمة ال ... عِلْم الجَلِيِّ الأوصاف وابنُ جَلا عَرِّفْنِيَ العُذْرَ في اجْتراحِك ذنْ ... بَ الصَّدِّ واحْضُرْ مُستَحْيِياً خَجِلا وافْصِلْ جَميلاً هذي القضِيَّة بال ... عَدْل وخَلِّ التَّفصيلَ والجُمَلا ولعذُر جَهولاً إذا حسدتَ فما ... صار حسوداً إلاّ لِما جَهِلا وَجِلْتُ مِن هَجرِكَ المَخوف فَصِلْ ... واجْلُ عن القلب ذلك الوَجَلا وابْخَلْ بودّي يا سمْحُ فالسُّمحاء الْ ... غُرُّ صيدٌ بودِّهم بُخَلا إنَّ الكِرامَ الذين أعرفُهُمْ ... قد أوضحوا لي مِن عُرفِهِم سُبُلا يسامحون الصديقَ إن زَلَّت النَّ ... علُ ويُغضون إن رأَوا زَلاَلا وهمْ خِفافٌ إلى المكارم لي ... لكنهم عن مكارهي ثٌقَلا فكن من المُرتَجى غَناؤُهُمُ ... في صدقِ ودّي وحقّق الأَمَلا فكتب إليَّ مُعتِباً، ووَصلَ مُتقرِّباً: قُلْ لعِماد الدين الذي رقَمَتْ ... أقلامُه في طروسه الحُللا تَزيدُ أَبصارَنا إذا نُشِرَتْ ... نوراً فتجلو بحسنها المُقَلا فابنُ هِلالٍ ونَجْلُ مُقلةَ لو ... راما مَداهُ في الخَطِّ ما وصَلا فكلُّ تالٍ لها ومستمعٍ ... يَهُزُّ عِطفاً مِن راحها ثَمِلا يا بحرَ عِلْمٍ عَذباً لواردِه ... كيف أُساوي بفيضه وَشَلا لكَ اليراع الذي تَفُلُّ به الْ ... بيضَ المَواضي وتَعزل الأَسَلا أَودعه الله ذو الجلال كما ... أراد رزقَ العِباد والأجلا عمُّك عمَّ الأنامَ نائلُهُ ... فصيَّرَ النّاسَ كلَّهُمْ خَوَلا وساد كلَّ الورى بسُودَده ... وشاد مَجداً سامَى به زُحَلا مَنْ كُنتُ قِدْماً ربيبَ نعمته ... نَشْواً وغصن الشّباب ما ذَبُلا فلو رأى حاتمٌ مواهبَه ... لصار من جُود كفِّه خَجِلا أراهُ مَولاه ما أَعَدَّ له ... في الخُلْد فانْقادَ للرَّدى جَذِلا وارتاح للراحة التي امتزجَتْ ... بالرُّوح فيها وعافَ دارَ بَلا

стр. 389

حَيّا الحَيا قبرَه وأنبتَ ما ... عليه من روضه الأنيق حُلى تالله ما حُلْتُ عن ولائكُمُ ... يوماً ولا اعْتَضْتُ عنكمُ بدلا لكن رأيتُ الخُمولَ أرْوَحَ لي ... فما أُعاني الخِصامَ والجَدلا في دار مَولىً تُقيمُ لي أبداً ... جُموعُه في خُصومتي رُسُلا يشير إلى قاضي القضاة كمال الدين الشهرزوري، فإنَّ الجماعة كانوا يداعبونه بحضرته، ويُغضبونه بكلمته. مَنْ كنتُ ليثَ الشَّرى فغادرني ... بحمل أثقال جَوْرِه جَمَلا أرى نهيق الحِمار يُطرِبُهُمْ ... ويُنكِرونَ الجوادَ إن صَهَلا يُجحَدُ فضلي وكلُّ ذي أدَبٍ ... يَمتارُ مِمّا أصوغُ مُرتجلا مَن لي بخِلٍّ تدومُ خُلَّتُه ... ولا أرى في خِلاله خَللا ترى مِياهاً عيني وبي ظمأٌ ... وما أُرَوِّي بوِردَها الغُللا وهذه قصَّتي محرَّرةً ... نظمت تفصيلها له جُمَلا ثم هاجر إلى مصر ووصل إليها في شهر رمضان سنة اثنتين وسبعين وأنا بها، وأنعم عليه الملك الناصر وشرّفه وأكرمَه، وزادَ إدرارَه، وأجادَ إيثارَه. وأنشدني له في غلامٍ صَيْقَلٍ يُكَنّى أبا الفتوح: أذابَ الجسمُ حبُّ أبي الفتوحِ ... وملَّكَه الهَوى مالي وروحي أعارَ السيفَ من عينيه حَدّاً ... يُصال به على البطل المُشيح وَصقلاً من سَنا خدَّيه يُزري ... بضوءِ البرق للطَّرْفِ الطَّموح التاج البَلَطيّ النحويّ أبو الفتح عثمان بن عيسى بن منصور ذكَرَ أنَّ أصلَ من بلدةٍ يقال لها بلَط، ومولده في بني مايدة بالمَوصل لِثلاثٍ بَقِينَ مِن شهر رمضان سنة أربعٍ وعشرين وخمسمائة. وانتقل إلى الشام وأقام بدمشق برهةً من عمره يتردَّد إلى الزَّبداني للتعليم، وكان مقيماً بها في صَوْنٍ مُقيم، ولمّا فُتحَت مِصر انتقل إليها وحَظِي، وأعتبه دهرُه ورضي، ورتَّب الملك الناصر صلاح الدين له على جامع مصر كلَّ شهر جارياً، ليكون للنحو بها مُقْرِياً، وللعلم قارياً، وكنت لقيته بدمشق فلمّا وصلتُ إلى مصر اجتمعتُ به واستنشدته من شعره فأنشدني من قصيدةٍ له وذلك في شهر ربيع الآخر سنة اثنتين وسبعين: حكَّمْتُه ظالماً في مُهجَتي فسَطا ... وكان ذلك جهلاً شُبتُه بخَطا هلاّ تجنَّبْتُهُ، والظُّلمُ شيمتُه ... ولا أُسامُ به خَسْفاً ولا شَطَطا ومَن أضَلُّ هدىً مِمَّن رأى لهَباً ... فخاض فيه وألقى نفسَه وسَطا وَيلاهُ من تائهٍ أفعاله صَلَفٌ ... مُلَوَّنٍ كلّما أرضيتُه سَخِطا أَبثُّه ولَهي صِدقاً، ويكْذِبنيوعْداً وأُقسِطُ عَدلاً كلّما قَسَطا وأنشدني له من قصيدة: أبثُكما ما ضِقْتُ عن حَمْله فحْصا ... فقد عمَّ بالجسم السَّقام وقد خصَّا ومِن دون كِتمان الصبابة مُهجةٌ ... تذوب على من ليس يرحمُني حِرصا رشاً فاق بدرَ الأُفق حسناً وأَشبه الْ ... قضيبَ قَواماً مُذْ حكى رِدْفُه الدِّعْصا وذَكر أن للقاضي الفاضل عنده يداً، وقد أسدى إليه عارفةً وندى، وبلغ به في الكرامة إلى غاية ليس لها مدى، قال: فعملت فيه عند عَوده من الشام وقومه قطعةً أوّلها: قدمتَ خيرَ قُدومِ ومنها: أفديك من قادمٍ لم ... يزل عليَّ كريمِ به تباعدَ بؤسي ... عنّي ووافى نعيمي لله عبدٌ رحيمٌ ... يُدعى بعبد الرحيم على صِراطٍ سَوِيٍّ ... من الهدى مُستقيمِ يُنمى إلى شرفٍ في ... ذُرى المَعالي صَميم مُهذَّبٌ حاز ما شئ ... ت من تقىً وعلوم مُسهَّد الطَّرف يتلو ... آيَ القرآن العظيم ومن أهاجيه قوله في أمراء الزّبداني بني سرايا: مَن أحَبَّ الهَوانَ لا يتعدَّى الدّ ... هرَ سُكْناهُ بين آل سرايا ما أَعَدُّوا لِنازِلٍ بهمُ شي ... ئاً سوى اجَبْهِ بالخَنا والرَّزايا

стр. 390

شيَمٌ بالقبيح مُكتسياتٌ ... ومن الخير والجميل عَرايا وله من قطعةٍ: لم أكن عارفاً لِذُلٍّ ولكن ... صِرتُ جاراً لكم فأعْدَيتُموني ومن أطبع ماله قوله في طبيبٍ هو ابن عمّشه: ليَ ابن عمٍِّ حوى الجَهالةَ للْ ... حِكْمَةِ أَضْحى يَطِبُّ في البلد قد اكْتفى مُذْ نَشا به ملك الْ ... مَوْتِ فما إن يُبقي على أحَدِ تَجُسُّ يدَ المريض منه يدٌ ... أسْلَمُ منها براثِنُ الأَسَدِ يقول لي النّاسُ: خَلِّه عَضُداً ... فقلت: يا ليتني بلا عَضُدِ وأنشدني له بالقاهرة وقد زارني: دَعوهُ على ضعفي يجورُ ويَشْتَطُّ ... فما بيَدي حَلٌّ لِذاكَ ولا رَبْطُ ولا تعتِبوه فالعتابُ يزيدُه ... مَلالاً وأَنّى لي اصْطِبارٌ إذا يَسْطو فما الوَعظُ فيه والعتابُ بِنافعٍ ... وإن يَشْرُطِ الإحسانَ لا ينفَعِ الشَّرْطُ ولمّا تولّى مُعرِضاً بجنابه ... وبانَ لنا منه المَساءة والسُّخْط بكيْتُ دَماً لو كان ينفعني البُكا ... ومزَّقْتُ ثوب الصَّبر لو نفع العَطُّ تنازعَتِ الآرامُ والدُّرُّ والمَها ... له شَبَهاً والغصنُ والبدرُ والسِّقْطُ فللرِّيم منه اللَّحْظُ واللَّونُ والطُّلى ... وللدُرِّ منه الثَّغْرُ واللفظُ والخَطُّ وللغصن منه القدُّ، والبدرُ وجهُهُ ... وعينُ المَها عينٌ بها أبداً يسطو وللسِّقْطِ منه رِدْفُهُ فإذا مشى ... بدا خلفَه كالموجِ يعلو وينحَطُّ وأنشدني أيضاً لنفسه في غلامٍ أعرج: أنا يا مُشْتكي القَزَلْ ... مِنكَ في قلبيَ الشُّعَلْ أصبح الجسم ناحِلاً ... بكَ والقلبُ مُشتغِلْ دُلَّني قد عَدِمْتُ صَبْ ... ري وضاقتْ بيَ الحِيَلْ آنَ أَنْ تَجفو الجَفا ... ءَ وأنْ تَمْلَلَ المَلَلْ وأنشدني لنفسه في مدح المولى الأجلّ الفاضل بمصر مُوَشَّحةً مُوَشَّعةً، مُستملحة، مُبدعة، سلك بها طريق المغارب، وأتى بها بالبدائع والغرائب، وهي: وَيْلاهُ مِن رَوّاغْ بجَوره يقضي ... ظَبيُ بَني يَزداذ منه الجَفا حظِّي قد زاد وِسواسي ... مُذْ زاد في التِّيه لمْ يَلْقَ في النّاسِ ... ما أنا لاقيهِ من قيّمِ قاسي ... بالهجر يُغريه أَرومُ إيناسي ... بهِ ويَثنيهِ إذا وِصالٌ ساغْ بقرْبِه يُرْضي ... أَبعده الأُستاذ لا حِيطَ بالحِفْظِ وكلّ ذا الوَجدِ ... بِطول إيراقِهْ مُضَرَّجُ الخَدِّ ... من دم عُشَّاقِه مَصارعُ الأُسْدِ ... في لَحْظِ أحداقِهْ لو كان ذا وُدِّ ... رَقَّ لمُشتاقهْ شَيطانُه النَّزَّاغْ علَّمه بُغضي ... واستحوَذَ اسْتِحواذْ بقلبه الفَظِّ دَعْ ذِكرَه واذْكُرْ ... خُلاصَةَ المَجْدِ الفاضِلَ الأشهَرْ ... بالعِلم والزُّهدِ والطَّاهِرَ المِئزَرْ ... والصادِقَ الوَعْدِ وكيف لا أشْكُرْ ... مولىً له عِندي نُعمى لها إسْباغْ صائنةٌ عِرضي ... من كفِّ كاسٍ غاذ والدَّهر ذو عَظِّ مِنَّةُ مُسْتَبْقِ ... ضاقَ بها ذَرعي قد أفحمَتْ نُطقي ... واستنفدتْ وُسعي

стр. 391

وملَّكَتْ رِقِّي ... لمُكْمِلِ الصُّنْعِ دافع عن رزقي ... في موطن الدَّفع لمّا سعى إيتاغْ دهريَ في دَحضي ... أنقذني إنقاذ مَنْ هَمُّه حِفظي ذو المنطق الصَّائبْ ... في حومةِ الفصْلِ ذكاؤه الثّاقِبْ ... يَجِلُّ عن مِثْلِ فهو الفتى الغالبْ ... كلَّ ذَوي النُّبْلِ مَنْ عَمْرو والصّاحِبْ ... ومَن أبو الفضلِ لا يستوي الأَفراغْ بواحِد الأرض ... أين من الأزاذ نُفايَةَ المَظِّ يا أَيُّها الصَّدْرُ ... فُتَّ الورى وَصفا قد مَسَّني الضُّرُّ ... والحالُ ما تخفى وعبدُك الدَّهرُ ... يَسُومني خَسفا وليس لي عُذْرُ ... ما دُمْتَ لي كَهْفا مِن صَرفِ دَهرٍ طاغْ أَنَّى له أُغْضي ... مَنْ بكَ أَمْسى عاذْ لم يَخْشَ من بَهْظِ قد كنتُ ذا إنفاق ... أيّامَ مَيسوري فَعِيلَ لمّا ضاقْ ... رِزقيَ، تدبيري والعُسْرُ بي قد حاقْ ... عَقيبَ تَبذير يا قاسِمَ الأَرزاقْ ... فارْثِ لِتَقتيري لا زِلْتَ كهْفَ الباغْ ودُمْتَ في خَفْضِ ... أمرُكَ للإنْفاذ والسَّعدُ في لَظِّ قد حافظ على حروف الغين والضاد والذال والظّاء وتكلَّف لها وما قصَّر فيها. أبو عبد الله محمد بن علي بن البواب الموصلي النجار ذكره تاج الدين البلَطيّ النَّحَويّ في مصر سنة اثنتين وسبعين وذكر أنه كان معلِّماً له، وهو الآن ابن ثمانين سنة، وذكر أنه يروي له مُقطَّعات حسنة، فمن ذلك ما أنشدنيه في والده: لي أَبٌ كلُّ ما به يوصف النّا ... سُ من الخير فهو منه مُبَرّا فهو كالصِّلِّ من بنات الأفاعي ... كلّما زاد عمره زاد شَرّا وأنشدني له أيضاً: أَدِرْها لقد قام السرورُ على رِجْلِ ... وحُكِّمَ جيشُ الجهل في عالم العقل وله في عميدٍ وُلّي بغير اختيار النّاس: فرُكِّبَت العِمادةُ فيه عُنفاً ... كتركيب الخِلافة في يزيد أبو العبّاس أحمد بن عيسى التّموزيّ ذكره التاج البلَطي النَّحْوي وذكر أنه أَضَرَّ على كِبَر، وهو مع فقره ذو فِقَر، كان في عُنفوان عمره معلِّماً ببلاد الهكّاريّة، وهو اليوم يقرأُ في الجنائز، ويقعد على القبور مع العجائز، وهو فقيه قد قرأَ على أَسعد، وأَتْهَم في طلب العلم وانجد، وله شِعر فيه روح، وصدرٌ لنظم النُّكَتِ الحِسان مَشروح، فمِمّا أنشدنيه من شعره قوله يذمّ حماته وكان قد مضى إلى بلَط وتزوّج بها: عجِبْتُ من زَلَّتي ومِن غلَطي ... لمّا رأيت الزَّواجَ في بلَطِ ومِن حَماةٍ تَزيدُ شِرَّتُها ... على كريمٍ، حِلفِ الكِرامِ، وَطِي سُمِّيتِ زَهراءَ يا ظلامُ ويا ... تارِكَةَ الجارِ غيرَ مُغْتَبِطِ في وجهها ألفُ عُقدةٍ غَضَباً ... عليَّ حتى كأنَّني نبَطِي أقولُ والنّفسُ غيرُ طَيِّبَةٍ ... بِلُطْفِ قَولٍ ولفظِ مُنبَسِطِ لها أعيدي الذي أخذْتُ فما ... خُطَّةُِ أَمثالِكُم على خُطَطي وذكر أنه أكرى داره من تركيّ اسمه مكحول دافعه بأجرتها، ومانعه عن حُجْرتها، فعمِل في القاضي تاج الدين الشهرزوري قصيدةً منها يذمُّ فاقته ويشكو إضاقته: لقد أصبح التَّعليقُ عِندي مُعلَّقاً ... عليه لِفأْر البيتِ مَرعىً ومَلْعَبُ ولو وجدَتْ شيئاً سِواه لما جَنَتْ ... عليه ولكن سَوْرَةُ الجوع تَغلِبُ

стр. 392

وأضحتْ دروسي دارِساتٍ فليتني ... لحِقْتُ بها فالموتُ عندي مُحَبَّبُ فيا ليتَ شِعري سائرُ الخلق هكذا ... فأحمدَ عيشي أم على الدهر أعتِبُ ومنها في شكواه من التركي يريد من ممدوحه أن يكون المُعدي عليه والمشكي: بُلِيتُ بمَكحولٍ جفا الكُحْلُ جَفنَهُ ... وذلك من كُحْلِ العَمى يتَشَعَّبُ أَناخَ بمَغنايَ الذي ليس غيرُهُ ... من الأرض ما يصفو لديَّ ويَعْذُبُ يُخاطبني بالقرطبان فأنثني ... أَقول لِمَنْ هذا الطّواشي يُقَرْطِبُ فيضحك جيراني وأضحك معْهُمُ ... فيزدادُ غيظاً منهمُ ويُزَرْسِبُ أي يقول: قرطبان زن روسبي. فهذا الكِرا في كلِّ وقتٍ وربما ... يُسَلِّفني مِن قَبْل آتي وأَطلبُ فمُنّوا على العبد الضَّعيف تكرُّماً ... بإخراجه فالحقُّ ما منه مَهْربُ فإنّي ومن طافَ الحجيج ببيته ... وما قد حوَت من خيرة الخَلْقِ يَثرِبُ أودُّ من الإفلاس لو كنتُ عارفاً ... بحيلة كَسْبِ الفَلْسِ كيف التَّسَبُّبُ وأهلُ زماني أقصروا عن مبرّتي ... لقولِهمُ: هذا لبيبٌ مُهذّب فلو كنتُ قِسِّيسَ النَّصارى لعَظَّموا ... مكاني وخرّوا ساجدين وصلّبوا فما لي أرى بالمسلمين تهاوُناً ... بحاملِ علمٍ للدّيانة يُنسَبُ أبو الحسن المعلّم المعروف بنُحَيس قال التاج البلَطي قرأْتُ عليه المتنبي وعمري خمس عشرة سنة، وكان عارفاً بشعره، ومات بعد جمال الدين الوزير، وله فيه بعد عزله: إنْ يَعزِلوكَ لِمَعروفٍ سمحتَ به ... على ذَوي الأرض ذاتِ العَرض والطُّول فأنتَ يا واحِدَ الدُّنيا وسيِّدَها ... بذلك الجود فيها غيرُ مَعزول بركات بن الحَلاوي المَوْصلي أعور ذكره تاج الدين البلَطي، ووصفه بكثرة التَّهتُّك، ورفض التَّنسُّك، والتَّطرّح في الحانات والدّيارات، والتمسّك بمعاشرة أهل البطالات، يَجبي أوقاف الجامع بالموصل وهو شيخ في الأدب، واضح المنهج، صافي المنهل، وأنشدني له: صَدَّتْ سُلَيمى بِلا جُرْمٍ ولا سبَب ... بل كان ذنبي إليها قِلَّةُ الذَّهَب قالتْ وقد أَبصَرَتْ شيخاً أخا مَلَقٍ ... بفرْدِ عين يَرومُ الوَصل عن كثب لم يكفني أنَّه شيخٌ أخو عَوَرٍ ... حتى يكونَ بلا مالٍ ولا نشَبِ منصور بن علي الحمّامي أعور قال التاج البلَطي: رأيته بالموصل، يتردَّد إلى ابن الدّهّان النَّحْوِيّ وغيره من العلماء يستفيد منهم، وهو متفَسِّق مُستهْتَر بالغِلمان، ويسلك مناهج المُجّان، وتارةً يكتسب من الحمّام، وآونةً من النّسخ وآونةً من مدح الكرام، وله يهجو ابن بكوس الطبيب وابن بزوان حمّال الجنائز ومغسّلهم: قال ابن بزوان لأصحابه ... قولَ امرئٍ في الناس مَطبوع لولا ابن بكّوس الذي طِبُّهُ ... عن غير منقول ومسموعِ مُتنا وعَهد الله يا سادتي ... في عامنا هذا من الجوع الأمير أبو الجيش من الموصل شيخٌ طويل قد أناف على السبعين، لقيته بالموصل سنة سبعين، واستنشدته من أشعاره، وأجريته في حَلْبَة التَّحاوُر ومِضماره، ومن شعره في جمال الدين الوزير: سأشكرُ مَنْ أَسْدى إليَّ صنيعةً ... بلا مِنَّةٍ تأْتيه لكن تبرُّعا جماعة من أهل سِنجار الخطيب أبو الحسن علي خطيب سِنجار لقيت أخاه وهو خطي بسنجار لمّا وصلت إليها في سنة خمس وستين وخمسمائة، في خدمة الملك العادل نور الدين ﵀، وأُنشدت لهذا الخطيب، وذكروا أنه كان فاضلاً رقيق الشِّعر رائقه، من أبيات: كيف أخونُ والوَفاءُ مَذهبي ... أمْ كيف أسْلو والوداد ديني عاهدْتُهُمْ أنْ لا أخونَ في الهوى ... قِدْماً وأعطيتُهُمُ يميني يا سادتي لا سلمتْ من الرَّدى ... يَمينُ مَنْ يَمينُ في اليمينِ

стр. 393

ثلاث كلمات متجانسة اللفظ، متباينة المعنى، سمح خاطره بها من غير تعسُّف، والبيت في غاية الرقّة والسّلاسة. قالوا وقد ودَّعتُهُمْ وأدمُعي ... تجري وقد أبدى الأسى حنيني في الهجر أجرٌ فاصطبر إن لعبتْ ... أيدي النَّوى بقلبك الحزين فارتحلوا فبتُّ من أجرٍ على ... شكٍّ ومن هَجرٍ على يقين سلامة بن الزرّاد السِّنجاريّ كان بعد الخمسمائة. له يهجو بعض القضاة: ضاق بحفظ العلوم ذَرْعاً ... ضِيقةَ كفَّيْه بالأيادي قاضٍ ولكن على المعالي ... والدين والعقل والسَّدادِ يعدِلُ في حكمه ولكن ... إلى الرُّشا أو عن الرَّشاد الرئيس مجد الدين الفضل بن نصر السنجاري ذكر أنه من أهل الفضل ولكنَّه قليل النظم، أنشدت له: أَيُّ جُرمٍ منّي توالى إلى الدَّهْ ... رِ فكافى ببُعدِكُم ليت شعري وبَلاني بنار شَوقٍ إليكم ... زَندُها والوَقودُ قَلبي وصَدري مات صبري بها ولولا رجائي ... أن يزول البِعادُ كنتُ كصبري البهاء السِّنجاري من المتفقِّهة: أسعد بن يحيى بن موسى السنجاري أنشدني لنفسه بدمشق في مدح كمال الدين الشهرزوريّ سنة سبعين: مَنْ مُنْصِفي مِن ظَلومٍ لَجَّ في الغضبِ ... يَظَلُّ يلعبُ والأشواق تلعب بي مُستعرِب من بني الأتراكِ ما تركتْ ... أيّامُ جَفوته في العُمر من أرَبِ تناسبَ الحُسنُ فيه غيرَ مُكتسَبٍ ... والحُسنُ ما كان طبعاً غيرَ مُكتسَبِ مُنايَ من لذَّةِ الدُّنيا بأجمعها ... تقبيلُ دُرِّيِّ ذاكَ المَبسِم الشَّنِبِ فدَيْتُه من حبيبٍ قال مُبتسماً ... دَعْني من الهَزْل ما حُبِّي من اللَّعِبِ للَّه ليلتنا والكأْسُ دائرةٌ ... على النَّدامى وبدرُ التِّمِّ لمْ يغِبِ طافتْ لِحَيْنِيَ كفُّ الأعجميِّ بها ... فكدْتُ أُسْلَبُ من عقلي ومن أدبي أدارها فتغشَّتْهُ أَشِعَّتُها ... وخِلْتُه خاضَ في بحرٍ من اللَّهب فقلتُ: يا قوم هذي النارُ يحملُها ... كفٌّ من الماء، هذا غاية العجبِ وقام البهاء السنجاري وانشد الملك النّاصر قصيدةً في دار العدل بدمشق سنة إحدى وسبعين في شعبان منها: جرَّدْتِ من فَتكاتِ لحظكِ مُرْهَفا ... وهَزَزْتِ من لينِ القوام مُثقَّفا وجَلَيْتِ من روض الخُدود شَقائقاً ... وأدرتِ من خمر اللَّواحِظِ قَرْقَفا فمتى تَعاطَى اللَّحْظُ فضلةَ كأْسِها ... لم يُلْقَ إلاّ مُستهاماً مُدْنِفا ومنها: يا ظبيةَ الهَرَمَيْنِ من مصرٍ على الرَّ ... بْعِ السلامُ وإنْ تقوَّض أوْ عفا أصبو إلى عصرٍ تقادمَ عهدُه ... فأَزيد من وَلَهٍ عليه تلهُّفا حَدَقُ المَها وقدودُ باناتِ النَّقا ... وتفَيُّؤُ الفَيُّومِ في زمَنِ الوَفا والخمرُ نارٌ في الكؤوسِ يَزيدها ... وَقْداً حَبابُ الماء يَرْعَد إن طَفا ومنها: لِلَّه ليلةَ ودَّعَتْ ودموعها ... كالطَّلِّ فوق الورد آنَ ليُقطَفا فكأنَّني إذْ بِتُّ ألوي عِطْفها ... ألوي من الرَّيحان غُصناً أَهْيَفا بيضاءُ يَعطِفُ قدَّها سُكْرُ الصِّبا ... كَحْلاء تكسِرُ منه جَفْناً أوْ طفا أحبابنا بالقصر لو قصَّرْتُمُ ... في الهجر ما شَمِتَ الحسودُ ولا اشتقى أشكو إلى الوادي فيَحنو بانُهُ ... من رقة الشَّكوى عليَّ تَعَطُّفا ومنها: وجرى بي الأملُ الطَّموحُ فأَمَّ بي ... سلطانَ أرض الله طَرّاً يُوسُفا الناهب الأرواح في طلب العُلى ... والواهب الآجال في حسْن الوَفا مَولىً له في كلِّ يومٍ يُجْتَلى ... مُلكٌ يُجَدَّدُ أو مَليكٌ يُصطَفى

стр. 394

فخليفة الله الإمام بفعله ... في أرض مصر على سِواه تشَرَّفا مَلكٌ ملائكةُ السماء جُنودُه ... والسَّعدُ عند رِكابه إن أَوْجَفا والله ناصره على أعدائه ... كَتبَ القضاءُ له بذلك أَحرفا الرئيس إلياس بن علي المعروف ب الصفّار كانت الرئاسة بسنجار لم تزل فيهم، معمورةً بمساعيهم، حاليةً بمعانيهم، وسمعتُ أن هذا الياس ذو فضيلةٍ وفضل، ونباهةٍ ونبل، ومعرفةٍ وعُرْفٍ، وفُكاهةٍ وظرفٍ، وله شعر يقطر ماء اللطف من رقَّته، ويَزْهَرُ نور الحُسن من حَدَقَته، أنشدني له البهاء السِّنجاري بدمشق شعراً استجَدْته، وذكر أنه صنَّف كتاباً في سائر المعاني والأوصاف، وأورد أشعار النّاس في كلِّ معنى وضمَّ إليها من شعره. فمِمّا أنشدني له قوله: يا لَلْهَوى إنَّ قلبي في يدَي رَشَأٍ ... مُزَنَّر الخَصْرِ يَسبي الخَلْقَ بالحَدَقِ مُستعرِبٍ من بني الأتراكِ ما تركتْ ... لحاظه في الهوى منّي سوى رمَقِ سأَلْتُهُ قبلةً أَشفي الغليلَ بها ... يوماً وقد زَرْفَن َالأصداغَ في الحَلَق فصدَّ عنّي بوجهٍ مُعرِضٍ نثَرَتْ ... يد الحياء عليه لؤلؤَ العرَقِ فصِحْتُ من نارِ وَجدي نحو مَن عذَلوا ... فيه وقلبي حليفُ الفِكر والقلقِ قُوموا انظروا وَيْحَكُمْ شمسَ النهار فقد ... أَلْقَتْ عليها الليالي أَنْجمَ الأُفقِ والده الرئيس علي الصفّار ذكر أن له شعراً ورسائل. نصيبين المهذب ابن المقدسي رأيته في سنة أربع وستين وخمسمائة بدمشق وهو كهل، وله شعر حسن وطبع رائق، وعاد بعد ذلك إلى نَصيبين، وسمعت أنه توفي، ومن شعره من قصيدة في مدح بعض القضاة الشهروزريين: هَناكِ تَلافُ المُعَنّى هَناكِ ... ويَهْنيه أن كان ذا من رِضاكِ فحسبي رِضاكِ وَمَنْ لي به ... ولو كان في صَفْحَتيْه هَلاكي مُوَيْلِكَةَ القلبِ من ذا الذي ... إلى قتل مِثليَ ظُلماً دَعاكِ وَعَنْ صَدّ صَدِّيَ مَن قد نهاكِ ... وفي وَصْلِ وَصْلِيَ مَن قد لحاكِ وإنّي لأَهوى هوى النفس فيكِ ... وأشتاقُ شَوْقِي إلى أن أراكِ ومِن أجل قَدِّكِ أهوى الغصونَ ... وأصبو إلى نَبَعَاتِ الأراكِ وتحسدُ عيني على القرب من ... كِ سِمْطَ اللآلي وعُود السِّواكِ فهذا يُصافح منك الوريدَ ... وهذا يُقبِّل بالأمنِ فاكِ أَسِرْبَ المَها لستُ شوقاً إليكَ أصبو ولكن إلى مَن تُحاكي فقولا للَمياءَ لا تَحْسَبي ... على البُعدِ والقرب قلبي سَلاكِ فلي قوّةٌ تحملُ الرّاسياتِ ... وتعجِزُ عن ذَرَّةٍ مِن جَفاكِ وبي منكِ ما بأبي أحمدٍ ... من الوَجْدِ بالمَجْدِ لا مِن هَواكِ الجزيرة وفنك حجة الدين مروان بن علي بن سلامة بن مروان من أهل طنزة، مدينة بديار بكر، الفَنَكي وزر لأتابك زنكي في آخر عهده وكذا ذو مروّة، وسخاء وفتوّة، وإباء وحميّة، له البيت الكبير، والفضل الغزير، وكانت بين عمي العزيز قدّس الله روحه وبينه الصداقة الصادقة، والمودة المؤديّة إلى الموافاة الموافقة، جليل القدر، نبيل الذكر، مُلِّي عمراً طويلاً، وأُولي بِرّاً جزيلاً، وتوفي سنة نيف وخمسين وخمسمائة، حسن الأثر، حميد الوِرد والصدر، قال علم الدين الشاتاني أنشدني بيتين له نظمهما في المنام: وكُنّا نُرَجّي أن نعيش بغِبطةٍ ... وَنَشْفي غَليل القلبِ فانقلبَ القَدَرْ وحالتْ صُروفُ الدهرِ دونَ مُرادنا ... جميعاً فلا عينٌ هناكَ ولا أَثَرْ ومن شعره أيضاً ما أنشده سعد الله بن محمد المقرئ إمام المسجد بدرب السلسلة قوله من مرثية: فلو أنّي مَلَكْتُ قِيادَ أمري ... لكُنّا في الثَّرى نَبْلَى جميعا كما كُنّا على عهد التَّصابي ... بطيب العَيْش وُرّاداً شُروعا قال ومن كتابٍ إليه:

стр. 395

كم تقاسي القلوب من ألم الشَّوْ ... ق ومن صَبْرِها عن الأحبابِ فإذا قَلَّ عن لقائكَ صبري ... فاحْيِيني منكَ سَيِّدي بكتابِ وقوله في كتاب إلى ولده يأمره بقلّة المخالطة: أَخْشَى عليك من الزمانِ وصرفِه ... فالقلب من حَذَري عليك مُرَوَّعُ ما إن يحدثني الضميرُ بصالحٍ ... إنَّ الشَّفيق بسُوءِ ظنٍّ مُولَعُ ومن مقطوعات حُجّة الدين أبي عبد الله مروان بن سلامة بن مروان الطنزي ما نقلته من مجموع عليه خطّه قوله: لئِن طال عهدي بالأحبَّةِ وانْثنتْ ... صُروفُ الليالي بيننا تَتَقَلَّبُ فإنّي وإيّاهم على كل حالةٍ ... سَواءٌ نلومُ الحادثات ونعتبُ وإن كان لا عتب على الدهر إنّه ... يَمُرُّ زماناً ثم يَحْلُو وَيَعْذُبُ وقوله: يا مَن تَجَنّى بلا ذنبٍ ولا سَببٍ ... أنا المُحبُّ وأنتَ الهاجرُ القالي وكلَّما زِدتُ في وَجْدِي وفي قلقي ... شوقاً إليك فأنتَ المُعرِض السالي وكلُّ شيءٍ سَيَبْلى بعد جِدَّتِه ... إلاّ غَرامي وَوَجْدي ليس بالبالي وقوله: سقى الله أيامَ التَّلاقي فإنّها ... هي العُمْرُ والعيشُ الحميدُ المُوافقُ وبُعْداً لأيامِ الفِراق فإنّها ... على كلِّ أحوال الفتى تَتضايقُ فلولا الأماني كنتُ مَيْتاً بِبُعْدِكُم ... ولكنني أحيا لأنّيَ شائقُ وما ذاق طعمَ البُؤْسِ في الوصلِ مُغْرَمٌ ... ولا فازَ بالعيش الهنيئ مُفارِقُ سواءٌ هَجَرْتُمْ أو مَنَنْتُمْ بوَصْلِكُم ... فإنّي لكم دون البريّة وامقُ حُرِمْتُ رِضاكم إن سَلَوْتُ وإنّني ... على ما عَهِدْتم في المَوَدَّةِ صادقُ وقوله: لَعَمْرُكَ ما الدنيا وإن زالَ بُؤْسُها ... وَأَوْلَتْ بَنيها في سَعادَتِهم أمرا بجامِعةٍ شَمْلاً ودافِعةٍ أذىً ... ورافعةٍ بُؤْساً وسامِعةٍ عُذْرا وإن أَمْتَعتْ يَوْمَاً حَبيباً بنَظرَةٍ ... سَتَمْنَعُهُ عمّا يُحاوله دَهْرَا وقوله: إنّ ردّ السلام عن كُتُبِ الإخْوان فرضٌ كفرض رَدِّ السَّلامِ وعلى كلِّ حالةٍ ليس عندي ... منكَ بُدٌّ في هِجْرتي ومُقامي وقوله في صديق اشتغل عنه بالولاية: إنَّ مِن حُرفتي ومن سُوء حَظّي ... حين أرجو من الصديق وِصالَهْ يَتجافى عنّي إذا نال خيراً ... ويُريني بما أُريدُ جَهالَهْ قلِحُبّي له وحِفظِ وِدادي ... أكتفي أنني صديق البِطالَهْ وقوله: لَعَمْرُكَ ما الإنسانُ في كلِّ حالةٍ ... ينالُ الذي يرجو ويُدرك ما يَبْغِي ولكنْ قضاءُ الله في الخلق سابِقٌ ... فيُمْضي الذي يُمْضي ويُلْغي الذي يُلْغي وقد كنتُ أرجو جَمْعَ شَمْلِ أحِبَّتي ... وشملي وأطْغَتْني الأماني التي تُطْغي فأقعدني المِقْدارُ دون إرادتي ... على أنّها الأيام تَبْغِي كما نَبْغِي وقوله: إذا سَلِمَتْ نفسُ الكريم وعِرْضُه ... فلا بأسَ إن مالَ القضاءُ على المالِ وأنتَ تُضيع المال بالجود دائماً ... فما بالُ هذا المالِ يَخْطُرُ بالبالِ وقوله: الرَّدُّ أحسنُ من وعدٍ وإخلافِ ... والمَطْلُ أَقْبَحُ من بُخْلٍ بإسعافِ فحَقِّقِ الوَعدَ وانْجِز ما وَعَدْتَ به ... واحْبُ الصديق بإحسانٍ وإنصافِ وقوله: إن كان قلبُك فارغاً من ذِكْرنا ... فالقلبُ من ذِكراكَ لا يَتَفَرَّغُ ولَئِنْ بلغت مُناك من هِجْراننا ... فوِصالكمْ أُمْنِيَّةٌ لا تُبْلَغُ وقوله: لا تَضِيقَنَّ بالحوادثِ ذَرْعَاً ... وَتَوَقَّعْ من بعد عُسْرِكَ يُسْرا ليس حُكمُ القضاء فيه سواءً ... قد يكونُ القضاءُ نَفْعَاً وضُرّا وقوله:

стр. 396

سلامٌ على ريمٍ برامةَ إنّها ... مُنى النفْسِ في الدنيا إذا ما تمَنَّتِ تضيءُ بها الدنيا إذا هي أقبلت ... وتُظْلم في عيني إذا ما توَلَّتِ وقوله: ودّي على طُولِ النَّوى ... غَضٌّ وإخلاصي جديدُ وهَواك في قَلْبِي يزيدُ مع الفِراق ولا يَبيدُ وقوله: لَعَمْري لئِن طال المَدى وتَصرَّمَتْ ... ليالٍ وكان الوَصْلُ فيها يَزينُها فإنّي راعٍ للوِداد وإن قَسَتْ ... قلوبٌ فإنّي بالوَفا أستلينُها وإنْ جَمَحَ الإخوانُ عنّي رددتُهمْ ... بأسباب ودٍّ خالصٍ لا أخونُها وإن أعرضوا أقبلتُ غيرَ مُوَدِّعٍ ... وإن بذلوا وجهَ الإخاءِ أصونُها فلا تكُ في دِين المَوَدَّةِ خائناً ... وأنتَ لها في كلّ حالٍ أمينُها وقوله: هجرتِ فلم انعمْ بعيشٍ ولا انثنى ... إلى القلب رَوْحٌ غيرُ ذِكرِ وِصالكِ ولا خَطَرَتْ في القلب خطرةُ راحةٍ ... سوى خَطْرَةٍ فيها كريمُ خيالكِ أُلاقيك بالفِكر الذي هو لازمٌ ... لقلبي فهل يا عَزُّ عُجتُ ببالكِ وهل لمثالي في فؤادك صورةٌ ... كما في فؤادي صورةٌ لمِثالكِ عليك سلامُ اللهِ إنّي مُوثَقٌ ... لِقِلَّة صبري والهوى في حِبالكِ وقوله في الشوق: بأرض بغداذ لي خِلّ أتيهُ به ... على العِراقَيْنِ وهو الحارثُ بن علي وبي إليه من الأشواق ما عَجزت ... عن حملِه حاملاتُ السهلِ والجَبلِ لولا التَّسَلّي بآمال اللِّقاءِ لهُ ... لمِتُّ شَوْقَاً ولكنّي على أملِ وقوله في الزهد: وما الدنيا وإن طابت ودامتْ ... باكثر من خيالٍ في منامِ تزولُ عن الفتى ويزولُ عنها ... كما زال الضياءُ من الظلامِ وقوله في الحكمة والتكرم على ذوي القربى: إذا لم يكن جاهي لقوميَ نافعاً ... وماليَ مضنونٌ به عن أقاربي فلا كان ذاك الجاه والمال إنّه ... برِغميَ مَذْخُورٌ لبعض الأجانبِ وقوله في احتمال المحبّ جَوْرَ محبوبه: وإنّي وإنْ أَقصيتَني وقطعتني ... وأعرضتَ عنّي في الهوى غيرُ عاتبِ لأنك أقصى مُنيتي وأَحبُّ مَن ... إليَّ وأحلى في الفؤاد وصاحبي وكلّ الذي يأتي إليَّ مُحبَّبٌ ... إذا عَزَّ منك الوَصلُ لَيَّنْتُ جانبي أُعاوِدُ مَن أهواه حتى أُعيدَهُ ... إلى الحقِّ مُختاراً ببذل الرغائبِ وقوله من قصيدة يوصي بها ولده: وَمَنْ تحَلَّى بأخلاقٍ مُوافِقةٍ ... للخَلْقِ أغنتهُ عن مالٍ وعن نسبِ لا تَكْرَهِ النُّصْحَ ممّن قصدُه حَسنٌ ... وإنْ دُعِيتَ إلى المعروفِ فاسْتجبِ وقوله: يا ذا الجلال إذا قضيتَ قضيةً ... فَأَعِنْ عليها إنني لك شاكر وامْنُنْ بصبرٍ في القضاء فَخَيْرُ مَن ... لَقِيَ القضاءَ مُسَلِّمٌ أو صابرُ واغْفِر ذنوبي إنّها مكتوبةٌ ... وأنا المُقِرُّ بها وأنتَ الغافِرُ أحسنْ ليَ التوفيقَ باقي مُدَّتي ... فأنا الضعيفُ وحاليَ المُتقاصرُ وقوله: كأنني حين أحبو جَعْفَراً مِدَحي ... أَسقيه ماء أُجاجاً غيرَ مَشْرُوبِ إنّي تَوَدُّكمُ نفسي وأمنحكُمْ ... نُصحي وكم من مُحِبٍّ غيرُ محبوبِ وقوله في الوفاء والمحافظة على الولاء: إن كان قد عُدِمَ اللقاءُ فإنني ... بوِدادِكمْ مُستَهتِرٌ مفتونُ كَلِفٌ بكم مُتَحَيِّلٌ في قُرْبِكُمْ ... ولقائِكم والوصل كيف يكونُ كم حاضرٍ في الدار غيرُ مُحافظٍ ... ومُفارقٍ ووِداده مأمونُ وقوله من أول مكاتبة: لَئِنْ شَطَّتْ بنا دارٌ فإنّا ... بصِدقِ الودِّ منّا في اقْترابِ وإن كنّا على نَأْيٍ فإنّا ... نُحبُّكمُ وحَقِّ أبي تُراب

стр. 397

ولستُ بآيسٍ مِن جَمْعِ شَملٍ ... وتعريجٍ على ذاك الجَنابِ فكم من نازحٍ أمسى عَميداً ... وأصبحَ ذا سُرورٍ بالإيابِ وقوله: وَجْدُ قلبي على النَّوى لا يَزولُ ... وعُهودي كحُسنكمْ لا تَحولُ ظَلَّ صدري لبَيْنِهمْ حَلْبَةَ الوَجْدِ، وجيشُ الغرام فيها يَجولُ إنْ أَكُن عنكمُ تحَوَّل جسمي ... ففؤادي ما إنْ له تحويلُ قد كساني هوى العِراقِ إليكمُ ... ثوبَ شَوقٍ يَشِفّ منه النُّحولُ أنا في فتيةٍ لهم خضع الدَّهرُ ولكنْ بهم عليّ يصولُ بوجوهٍ كالشمسِ حُسْناً، وأخلا ... قٍ لِطافٍ تُسْبى بهِنَّ العقولُ وعُقودٍ صحيحةٍ في وِدادٍ ... ففؤادي بها صحيحٌ عَليلُ وزمانٍ صافٍ ووقتٍ مُطيعٍ ... مُسْعِدٍ لا يعود فيما يُنيلُ صِبْغُ ذاك الوِدادِ صِبْغَةُ أَصْلٍ ... ما لِلَوْنِ الخِضابِ منه نُصولُ ابن الصائغ الجزَري قرأت في مجموع بخط أبي الفضل بن الخازن البغدادي هذين البيتين منسوبين إليه: قُبْحُ أعمالنا يَدُلُّ عليه ... قُبْحُ أعمالِ من يُوَلَّى علينا لَوْ توَلّى القَضاءَ قِردٌ بأرض الصين ما دَحْرَجوه إلاّ إلينا الشيخ أبو نصر الحسن بن أسد الفارقي الحسن بن أسَد، حسَنُ القَول أسَدُّه، فارسُ النَّظم أسدُه، ذو اللفظ البليغ، والمعنى البديع، والخاطر السّريع، والكلام الصنيع، فلفظُه عَقْدُ عِقْد، ومعناه ليس بمعَقَّد، وجوهر صنعته في سلك الفضل غيرُ مُبَدَّد، فلله دَرُّ ذا الصّانع، ذي الدُّرِّ النّاصع، الذي تُنصِعُ جلود الحُسّاد منه في المناصع، اليومَ عدوُّ ابن أَسَدٍ ساءَ نبأً ودعم وَيلاً، وحَسوده جَرَّ من الخجل ذَيلاً، وفرَّ من الوَجَل ليلاً، حيثُ أَحْيَيْتُ ذِكرَه بإطرائي إيّاه، وكان ركَد وكَدَر ماؤه الصافي في منبع الفضل فأجريناه، وفي مَعين عين هذا الكتاب أنبعناه،، وفي سوق الكَساد ما بِعناه،، أَقدَمُ أهل العصر زَمانا، وأقومُهُم بالشِّعر صنعةً وبيانا، كان في زمان نظام المُلك ومَلِكْشاه، وشملَه منهما الجاه، بعد أن قُبِضَ عليه، وأُسيءَ إليه، فإنَّه كان مُتولِّياً على آمِدَ وأعمالها، مُستبِدّاً باستيفاء أموالها، فخلَّصه الكامل الطبيب، وقضى أربه ذلك الأريب، فنشرع في الإشعار بأشعاره، ونشرح فيها بعضَ شِعاره، ولا ندع هذا المهِمَّ لا مهملاً ولا مُجمَلا، ونُملي من فوائده ما يملأُ المَلا مُفَصَّلا، أُودِعَ فَصَّ الفَصاحة خاتِمُ كَلِمِه، ونشر في معالم علمه خافقُ علَمه، وشَتْ عِبارته بالطِّيب وشْيَ العبير، ووشتْ في الحُسنِ وَشْيَ التَّعبير، وزَعَتْ كلَ كلامه الأَفهام، وهامت في استحسانه الأوهام، وكان يَنظِمُ الشِّعرَ طبعاً ويتكلَّف الصَّنعةَ فيه، ويلتزم ما لا يلزم في رَوِيِّه وقوافيه، وكانت له نفسٌ كلُّ نفسٍ بكرمها مُعتدّ، ونفَسٌ طويلٌ في النَّظم مُمْتَدّ، سائرٌ شِعرُه، شائعٌ ذِكره، يقع في منظومه التَّجنيس الواقع، الرَّائقُ الرَّائع، وكان من فحول الشُّعراء في زمانه، ومن المُغَبِّرين في وُجوه أقرانه، له في الشَّمعة: ونديمةٍ لي في الظَّلامِ وَحيدة ... مِثلي، مجاهدة كمِثل جِهادي فاللَّون لوني والدُّموعُ كأَدمُعي ... والقلبُ قلبي والسُّهادُ سُهادي لا فرقَ فيما بيننا لو لم يكن ... لهبي خَفيّاً وهو منها بادِ وله: أَريقاً من رُضابِكِ أم رحيقا ... رشَفْتُ فلستُ من سُكري مُفيقا وللصَّهباء أَسماءٌ ولكن ... جهِلْتُ بأنَّ في الأسماء رِيقا حَمَتني عن حُمَيّا الكأْسِ نَفْسٌ ... إلى غير المعالي لن تتوقا وما تَركي لها شُحّاً ولكن ... طلبتُ فما وجدْتُ بها صديقا وله: وإخوانٍ بَواطِنُهُمْ قِباحٌ ... وإنْ أَضْحَتْ ظواهرُهُمْ مِلاحا حٍبْتُ مِياهَ وُدِّهِمُ عِذاباً ... فلمّا ذُقتُها كانت مِلاحا وله: يا بدرَ تِمٍّ ما بدا ... للناس رونقُه ولاحا

стр. 398

إلاّ وخاصم فيه قل ... بي كلَّ عُذّالي ولاحى لم يُبْقِ لي، لمّا نَأَيْتَ، الدهرُ سُؤْلاً واقْتراحا عَجَبَاً عَشِيّةَ راح لي ... إذ لم أمُت في وقتِ راحا وله: وَوَقْتٍ غَنِمَاه من الدّهر مُسْعِدٍ ... مُعارٍ وأوقاتُ السُّرورِ عَواري مَعانيه ممّا نبتغيه جميعها ... كَواسٍ وممّا لا نريد عَواري أدارَ علينا الكأْسَ فيه ابنُ أربعٍ ... وعَشرٍ، له بالكأسِ أيُّ مَدارِ تناولَها منه بكفٍّ كأنَّما ... أناملُها تحت الزُّجاج مَداري وله: صدَّ الحَبيبُ وقال لي ... بي وَيْكَ أكثرتَ المَلاذا اقْطع فقلتُ أَبْعَدَ ما ... لم يَخْفَ مِن كلِّ المَلا ذا وله: تَيَّمَ قلبي شادِنٌ أَغْيَدُ ... مُلِّك فالناسُ له أَعْبُدُ لو جاز أن يُعبَدَ في حُسنه ... وظَرفه كنتُ له أَعْبُدُ وله: إن لم تُنِلْني منكَ وَصلاً، به ... بعد الجَفا أَحْيَا، فميعادا لو جُدْتَ لم أَعْتِبْكَ مِن بعدِها ... ولا إلى الشكوى فمي عادا وله: تبَّاً لدهرٍ أنا في أُمَّةٍ ... منه كثيري الغَدرِ أَوْغَادِ أزهدُهم في غَيِّه رائحٌ ... حِرْصاً على دُنياه أو غادِ وله: أفدي بنفسي من له ذُكْرَةٌ ... عندي به غاديةٌ رائحهْ يُهدي بنَشْرِ الريح مِن نحوِه ... إليَّ كالمِسك له رائحهْ ظَبْيٌ جرى في جَسدي حُبُّه ... جَرْيَ دمي جارحة جارحهْ يَجْرَحُني لحظاً فَمَنْ ذا رأى ... كَطَرْفِهِ جارحةً جارحهْ وله: يا صاحِ إنَّ الخمر قَتّالةٌ ... فَأَعْفِ عنها النفسَ يا صاحِ وانْظُر فكم بين فتىً طافحٍ ... من سُكْرٍ وفتىً صاحِ فخَلِّها، وانْتَفِ منها، لِمَن ... يَجْتَلب الراحة بالراحِ فالحقُّ ما أوضحتُ من أمرِها ... والحقّ لا يُدفَع بالراحِ وله: هَوِيتُ بديعَ الحُسنِ للغُصنِ قَدُّه ... وللظبي عَيْنَاه وخَدّاه للوَرْدِ غَزالٌ من الغِزلانِ لكن أخافه ... وإنْ كنتُ مِقداماً على الأسد الوَرْدِ وله: كم لك عندي بحَسْب حُبّي ... من سببٍ في الهوى وَكِيدِ يقولُ للنفس حاولي ما ... شِئتِ سوى سَلْوَةٍ وكِيدي إن سَرَّني في الزمانِ وَعدٌ ... فيك فكم ساءَ من وَعيدِ قد ذُبْتُ غَمّاً مُذْ غاب عنّي ... وجهك يا نُزهتي وَعيدي بَقِيتُ فَرْدَاً وليس يبقى ... شيءٌ على الهمِّ كالفَريدِ جسمي له كالخِلال سُقْماً ... وَدَمْعُ عَيْنَيّ كالفريدِ وله: عاتَبْتُهُ فَغَرَسْتُ في ... وَجَنَاته بالعَتْب وَرْدَا ظَبْيٌ له طَرْفٌ غدا ... أسداً على العشّاق وَرْدَا لمّا بدا في تيهه ... فَرْدُ الجمال يَهُزُّ قَدّا قَدَّ القلوبَ بسيفِ د ... لٍّ يَنْهَبُ المُهجاتِ قَدّا ما كَلَّ قطُّ ولا فَلَلْنَ له صُروفُ الدهرِ حَدّا ولقد تجاوز حُبُّه ... عندي جميعَ الناس حَدّا وله: أَفْدِيكَ يا مَن طولُ إعراضه ... عنّيَ قد شَيَّبَني أَمْرَدا لستُ أُبالي أَحِمامٌ إذا ... هجرتَني لافَيْتُه أمْ رَدى وله: أسرفتَ في هجرِ مُحِبٍّ كَمِدْ ... أَحْسَن في حُبِّكُمُ واقْتَصدْ رِفْقاً به كم من حبيبٍ قضى ... على مُحِبٍّ صَدُّه وقتَ صَدّ لستَ ترى في الحبّ يوماً ولا ... تسمع أشقى منه بَخْتَاً وجَدّ ما وَجَدَ العُذْرِيُّ في حُبِّه ... عفراءَ إلاّ بعضَ ما قد وَجَدْ وله: أَتَيْتُ إلى داره البارِحَهْ ... وفي كلّ ناحيةٍ نائحهْ

стр. 399

وقد عَلِقَتْه أَكُفُّ المَنونِ ... ففي كلِّ جارحةٍ جارحهْ وله: ولَرُبَّ دانٍ منك تَكْرَه قُرْبَهُ ... وتراه وهو غِشاء عينك والقذى فاعْرِف وخَلِّ مُجرِّباً هذا الورى ... واترك لقاءك ذا كَفافاً والْقَ ذا وله: أيا ليلةً زار فيها الحبيبُ ... أعيدي لنا منكِ وَصْلاً وعُودي فإنّي شهدتُكِ مُستمتِعاً ... به بين رَنَّةِ نايٍ وعودِ وطِيبِ حديثٍ كَزَهْرِ الرِّياضِ ... تَضَوَّع ما بين مِسكٍ وعُودِ سَقَتْكِ الرَّواعِدُ من ليلةٍ ... بها اخْضرَّ يابِسُ عَيْشِي وعُودي وفي لي بوَعدٍ ولا تُخْلِفيهِ إخلافَ دَهرٍ به لي وعودِ وله: لا تطلُبي في الأنامِ خِلاًّ ... يُصفيكِ ودّاً، وعنه عَدّي فلو عددتُ الذين خانوا ... فيه عهودي أطلتُ عَدّي وله: يا مَن حكى ثغرُه الدُّرَّ النظيم وَمَنْ ... تُخال أصداغُه السودُ العناقيدا اِعْطِفْ على مُستَهامٍ من أسفٍ ... على هواكَ وفي حَبْلِ العَنا قِيدا وله: بِنْتُمْ فما لحظَ الطَّرْفُ الوَلوعُ بكمْ ... شيئاً يُسَرُّ به قلبي ولا لَمَحَا فلو مَحا فَيْضُ دمعٍ مِن تَكاثُرِه ... إنسانَ عَينٍ إذاً إنسانَه لَمَحَا وله: جُدْ لي بوَصْلٍ منك يا مَن ... قد بُليتُ به وساعِدْ واشْفِ الصَّبابة بالعِنا ... قِ مُوَسِّدي كَفّاً وساعِدْ وله: كم ساءَني الدَّهر ثمّ سَرَّ فَلَمْ ... يُدِمْ لنفسي هَمّاً ولا فَرَحَا أَلْقَاه بالصبرِ ثمّ يَعْرُكني ... تحت رَحىً من صُروفه فَرَحَى وله: إلى كم أُعاني الوَجْدَ في كلِّ صاحبٍ ... ولست أراهُ لي كَوَجْديَ واجِدا إذا كُنتُ ذا عُدْمٍ فَحَرْبٌ مُجانِبٌ ... وَتَلْقاه لي سِلْماً إذا كنتُ واجِدا أُحاوِل في دَهْرِي خليلاً مُصافِياً ... وَهَيْهاتَ خِلاًّ صافياً لستُ واجِدا وله: لا تَغْتَرِرْ بأخي النِّفاقِ فإنّهُ ... كالسَّيفِ يقطع وهو مَرْهُوب الشَّذا فالخِلُّ مَن نَفَعَ الصديقَ بضَرِّه ... كالعودِ يُحْرَقُ كي يَلَذَّ لك الشَّذا وله: شَيَّبَ رَأْسِي وِدادُ خِلٍّ ... سالَمْتُه في الهوى وعادى مَرِضْتُ من حبّه فما إنْ ... لحُرْمتي زارني وعادا أَتْلَفتُ عَصْرَ الشباب فيه ... يا حبَّذا لو مضى وعادا وله: غَدَوْنا بآمالٍ ورُحْنا بخَيبةٍ ... أماتَتْ لها أفهامَنا والقرائحا فلا تَلْقَ منّا غادياً نحو حاجةٍ ... لتسأله عن حاله والْقَ رائحا وله: بَعُدْتَ فأمّا الطَّرفُ منّي فساهِدٌ ... لشوقي وأمّا الطَّرْفُ منك فراقِدُ فَسَلْ عن سُهادي أَنْجُمَ الليل إنها ... ستشهدُ لي يوماً بذاك الفَراقِدُ وله: قَطَعْتُكَ إذ أنت القريب لشِقْوَتي ... وواصلني قومٌ إليَّ أَباعِدُ فيا أَهْلَ ودّي إنْ أبى وَعْدَ قُرْبِنا ... زمانٌ فأنتم لي به إنْ أبى عِدُوا وله: لا يصرِفُ الهَمَّ إلاّ شَدْوُ مُحْسِنَةٍ ... أو منظرٌ حَسَنٌ تهواه أو قَدَحُ والراح للهمِّ أنفاها فَخُذْ طَرَفَاً ... منها وَدَعْ أُمّةً في شُربِها قَدَحوا بِكْرٌ تَخال إذا ما المَزْجُ خالَطها ... سُقاتُها أنَّهم زَنْدَاً بها قدحوا وله: بَعُدْتَ فقد أضرمتَ ما بين أَضْلُعي ... ببُعْدِك ناراً شَجْوُ قلبي وَقودُها وكَلَّفْتَ نفسي قطعَ بَيْدَاءِ لَوْعَةٍ ... تَكِلُّ بها هُوج المَهاري وقُودُها وله: أفدي بنفْسي بدرَ تِمٍّ لهُ ... بدرُ الدُّجى في حُسنه ضَرَّهْ كم لامني في حُبّه لائمٌ ... ما نفع القلبَ بلى ضَرّهْ

стр. 400

حاشا عَفافي في الهوى مِن خَنىً ... يَعُرّه فيه ومن فَجْرَهْ وكم ظلامٍ بِتُّه ساهراً ... يرقُب طرفي للتُّقى فَجْرَهْ وله: تَجَلَّدْ على الدهر واصْبر بما ... عليك الإلهُ من الرِّزْق أَجْرَى ولا يُسْخِطَنَّك صَرْفُ القَضاء ... فَتَعْدَمَ إذ ذاكَ حَظّاً وأجرا فما زالَ رزقُ امرئٍ طالب ... بعيداً إليه دُجى الليل يُسْرى توَقَّعْ إذا ضاق أمرٌ عليك خَيْرَاً فإنَّ مع العُسرِ يُسْرا وله: قد كان قلبي صحيحاً بالحِمى زَمناً ... فَمُذْ أبحتُ الهوى منه الحِمى مَرِضا فكم سخِطتَ على مَن كلُّ شِيمتِه ... وقد أَتَحْتَ له فيك الحِمامَ رِضا يا مَن إذا فَوَّقَتْ سهماً لواحظُهُ ... أضحى لها كلُّ قلبٍ قُلَّبٍ غَرضا أنا الذي إنْ يَمُتْ حُبّاً يمُتْ أسفاً ... وما قضى فيك من أغراضه غَرَضَا أُلْبِسْتُ ثوبَ سَقامٍ فيك صار له ... جِسمي لدِقَّتِه من سُقمِه عَرَضَا وصِرتُ وقفاً على همٍّ تُجاذِبني ... أيدي الصَّبابة فيه كُلَّما عَرَضَا ما إنْ قضى اللهُ شيئاً في خليقته ... أشدَّ من زَفَرَاتِ الحُبّ حين قضى فلا قضى كَلِفٌ نَحْبَاً فَأَوْجعَني ... أن قيل إنَّ المُحبّ المُستهام قضى وله: تُراك يا مُتْلِفَ جِسمي ويا ... مُكْثِرَ إعلالي وإمراضي من بعد ما أَصْبَيْتَني، ساخِطٌ ... عليَّ في حُبِّك أم راضِ وله: يا قاتِلي بالصُّدود رِفْقاً ... بمُدْنَفٍ ماله نصيرُ واخْشَ إله السماءِ إنّا ... كُلاًّ إليه غداً نصيرُ وله: قام فيه عند اللوائم عُذْري ... إذ تثَنّى كالغُصن من تحتِ بَدْرِ رَشَأٌ في جُفونه سَيْفُ لَحظٍ ... مثلُ سَيْفِ الإمام في يومِ بَدْرِ زارَ ليلاً ففَكَّني من غرامٍ ... طال منه في قَبْضَةِ الحُبِّ أَسْرِي قلتُ ألاّ زُرتَ المُحِبَّ نهاراً ... قال إنّي كالطَّيْف في الليل أَسْرِي قَصُرَتْ إذ دنا فلم يكُ في لَمْحَةِ عيني سوى عِشاءٍ وفجرِ فافْترقنا فيا دموعي على ما ... فات منه حتى يُعاوِدَ فاجْري وله: عِشتِ يا نفسُ بالرَّفاهةِ دَهْرَاً ... فاطْلبي الآنَ عِيشَةً بانْتهازِ واسْتخيري الإله في البَيْن فالعا ... لَمُ منّي إلاّ إذا بِنْتِ هازِ وصِلي الوَخْدَ بالوَجيف إليه ... بالنَّواجي ذات الخُطا والجوازِ وافْعلي الخيرَ ما استطعتِ على الخيرِ فَلَنْ تَعْدَمي عليه الجَوازي وله: أرى الدهرَ في أفعاله ذا تلَوُّنٍ ... كثيرٍ بأهليه كأنَّ به مَسّا وما مَسّ مِن شيءٍ بأيدي صُروفِه ... فأبقاه، فالداني من الهُلْكِ ما مسّا يُصَبِّحُ منه الخلقَ بالشرّ مثلما ... يُمَسِّيهمُ فالويلُ صَبَّحَ أو مَسّى وفيه حُظوظٌ تجعلُ المِسَّ عَسْجَداً ... وكم جَعَلَتْ من عَسْجَدٍ خالصٍ مِسّا وله: كم خاطَبَتْني خطوبٌ ما عَبَأْتُ بها ... ولم أقلْ جَزَعَاً عن حَوْزَتي جُوزي عِلْماً بأنّي مَجْزِيٌّ بِمُكْتَسَبي ... إنّي امرؤٌ بجَوازي فِعلِه جُوزي وله: إنّما دُنياك عارهْ ... وهي بين الناس عارَهْ فاجْتنِبْ منها فِعالاً ... تُكسِبُ الإنسانَ عارهْ بَشَّرتْ بالعيش غِرّا ... ظَنَّ في الدُّنيا بِشارهْ جاهلاً يُخدَع فيها ... برُواءٍ وبَشَارَهْ وَيْحَ مَن ظنَّكِ يا دا ... رَ الأسى والبُؤسِ دارَهْ أين كسرى قبلَه دا ... رة بل أين ابْنُ دارهْ ذهب الكُلُّ فلم يُبْقِ الرَّدى منهم أثارهْ غيرَ ذِكرٍ سوفُ يُخفيه الذي منهم أثارَهْ

стр. 401

كم لفُرسانِ الليالي ... فيهمُ مِن شَنِّ غارهْ واغتيالٍ غال ضِرْغا ... ماً وأخْلى منه غارهْ وله: لا تَجْمَعوا المالَ للأحْداث إنْ طَرَقَتْ ... إنَّ الحوادث في أموالكم سُوسُ وليس يَغْفُلُ عن إحرازَ مَنْقَبةٍ ... تُبْقي عليه بمالٍ من له سُوسُ وله: رأيتُ أبناءَ ذي الدُّنيا كأنّهمُ ... من التَّغَلْغُلِ في إفسادهم فارُ كالماءِ هُوناً فإن أَذْلَلْتَهم خَمِدوا ... وإنْ شَرارةَ عِزٍّ أدركوا فاروا الشيخ العالم محمد بن عبد الملك الفارقيّ بغدادي الدار، إنتقل إليها في صباه، فريد عصره، ووحيد دهره، وأنموذج السلف الصالح، كلماته مُغتنَمة، وألفاظه مُقتبَسة، وغرره مأثورة، وعقود كلامه حلي أهل الفضل، وأقراط أسماع ذوي الأدب، تعقد الخناصر على فصوص فصوله، وتُشرَح الصدور بمنثوره ومقوله، يتكلم على الناس كل يوم جمعة في جامع القصر ببغداد، ويكتب كل ما يورد، وقد دُوِّن من بدائع فكره، وموشيّات خاطره، شيءٌ كثير، وسنورد من كلامه لُمَعاً يُستدلّ به على صفاء روحه، وخلوص رُوعه، أنشدني لنفسه يوم الجمعة ثامن عشر شهر الله الأصم رجب من سنة إحدى وستين في منزله وتوفي بعد ذلك بسُنَيّات. انْتقدْ جَوْهَريّةَ الإنسانِ ... والذي فيه من فُنون المعاني خَلِّ عنك الأسماء واطَّرِحِ الألْقابَ وانظر إلى المعاني الحِسانِ وقال: الألقاب، سرابٌ بقِيعة الإعجاب، ورعونة النفس القانعة بالقِشر عن اللباب. وأنشدني لبعض الأدباء وكتبتها من فوائده، ذكرها في جملة كلام له: أخي خَلِّ حَيِّزَ ذي باطِلٍ ... وكُن للحقائق في حَيِّزِ فما نحن إلاّ خطوطٌ وَقَعْنَ ... على نُقطةٍ وَقْعَ مُسْتَوْفِزِ يُزاحم هذا لهذا على ... أقَلَّ مِن الكَلِم المُوجَزِ مُحيطُ السَّماوات أَوْلَى بنا ... فماذا التردُّدُ في المَرْكَز وقال: إن الوردة إذا فتحت عينها ترى الأشواك قد اكتنفتها من سائر حياتها فتقول: سبحان من خلَّص لطافتي من بين هذه الدغائل. وقال: لا يُعدّ الحكيم حكيماً حتى يرى أن الحياة تسترقُّه، والموت يُعتقه. وقد أوردت له كلمات آسيات كالمات، عظات موقظات، كأنها آيات بيّنات، تُحلّى بها ترائب الأفهام، وهي عقد الخريدة، وعقد الجريدة، وذلك ما حُفظ عنه وهو يتكلم على الناس في مواعظه ومجالسه فمن ذلك قوله: اللهم إنّا نعوذ بجلالك من حركات الهوى وسكنات البلادة والسهو، اللهم أزل عن النفوس وحشة ظلمة الجهالة، بإشراق نور العلم والمعرفة. العطيّة للمؤمن مطيّة، وللمنافق بليّة. النواظر صوارم مشهورة فأغمِدها في غمد الغضّ والحياء من نظر المولى، وإلاّ جرحك بها عدو الهوى. إجعل النعمة سُلّم الوُصْلة، مِرقاة القُربة، مرآة البصيرة، مصفاة السريرة، معراج الهمّة، مفتاح باب الفطنة، أُمرتَ بأن تُحلّل عن قلبك عُقَد المألوفات وأنت تُحكم عَقْدَها، وتبرم شدّها. وقال في أثناء وعظه وبغداذ في الحصار: عساكر الأقضية والأقدار، محدقة بأسوار الأعمار، تهدمها بمعاول الليل والنهار، فلو أضاء لنا مصباح الاعتبار، لم يبق لنا في جميع أوقاتنا سكون ولا قرار، الوقت كالحلقة كلما جاءت تتضايق، عُمرك كالدائرة، وروحك كالنقطة في وسطها، في كل وقت تتضايق دائرة عمرك إلى أن تنضم على نقطة روحك، فتسدّ مَعين ماء حياتك، فينقطع عن سقي مزارع أعضائك، ويُصَوِّح نبتُ قواك وآلاتك، الخلوة لقومٍ طُور، ولقوم غرور، الخلوة الصافية أن يخلو همُّك، عن غير مُهمّك، تعرف عقول الرجال في تصاريفهم وتصانيفهم. ومن أدعيته:

стр. 402

اللهمّ أطلِع ثمار الأماني من أغصان آمالنا، ولُمَّ بلطفك شعث أحوالنا، إلهي قَبَضَ عجزي روح نشاطي، وطوى ثوب انبعاثي وانبساطي، أخلقت ملابسُ الشبيبة، وَهَنَ عظم العزيمة، شابت لِمّةُ الهمة، غلب شنجُ العجز على عصب العزم، رَثَّ ثوب الحياة، عجز قدمُ البقاء عن الثبات، اقشعرّت جِلدة الجلَد، حان الانقلاب إلى دار الأبد، قُدِّمت معابر العبر، ليُعبَر بها من دار الغِيَر، إلى دار النعيم الأرغد الأنضر، دار السلام، ومنزل الدوام، العريّة عن عوارض العلل والأسقام، لا تنظروا إلى المجازيات الزائلات، انظروا إلى الحقائق الدائمات، المجازيات مشارع الحسّ يكرع من أُجاجها، ويغرق في أمواجها، والحقائق مراقي القلب يُعرج في معراجها، ويرقى في منهاجها، سبحان من جعل مضارب أطناب مخيّم الوجود، ومرسى قواعد قبة الكون، ومثبت قدم صورة الدنيا، على متون رياح هفّافة تهبّ من مهابّ المهابة بين صُدُفَيْ شِعْب الأبد والأزل، والماضي والمستقبل، تسحب أذيال نسائمها على صحراء صفحات الوجود، فتثير الهوامد الركود، لقبول إفاضة الكرم والجود، وتوقظ وَسْنان الكيمان، لنشر نسل الحَدَثان، ويظهر مستور الغيب إلى العيان، وتُفصَّل جمله في أوراق الأوقات وصحائف الأزمان، تِنّين الفناء قد ابتلع معظم عمرك وهو في اجترار باقيه، وأنت غافل عن تقضّيه وتناهيه، والموت اجتناء ثمر معانيك من أغصان مبانيك، اجتهد أن لا يجيء المُجتنى وثمارك فجّة ما فيها بلوغ المعرفة، المعارف مياه تنبع من غامض معين الغيب، في منافذ الإلهام، إلى مصبّ القلب، وتُطرح في حوض الحفظ، فتخرج من أنبوب اللسان، ومخارج النطق والبيان، الرجل من يتصرّف في الأشياء ولا تتصرف الأشياء فيه، لا تغفل عن سياقة ماء الشكر إلى غروس الإنعام، فإنك إن غفلت صوَّحتْ رياض الإحسان، الجاهل الغرّ أبداً همّته إلى تصفية زجاجة صورته، وشراب روحه فيها كدر مُرّ مَقِرّ، اللهم سلِّم القلوب من سموم الهموم، بدِرياق الثقة بالرزق المقدور المقسوم، اللهم سلّم النفوس من نفثات سواحر الزخارف، برُقى التقى وعُوَذ المعارف، اللهم لا تعذّب أرواحنا، بهموم أشباحنا، العلوم النافعة، ما كانت للهمم رافعة، وللأهواء قامعة، وللشكوك صارفة دافعة، العلوم النافعة والأعمال الصالحة نسلُ الهمم الشريفة، وذريّة الفِطَن اللطيفة، القلوب العُقم ما لها ذرية الحكمة ولا نسل الفضيلة، لعُنَّةِ الهمّة، وفجاجة الفطنة، وخدَر العزيمة، أرضها سبخة، ما تنعقد فيها حبوب الحكم، ولا تطلع فيها زهرات المعارف والفطن، الأنفاس رُشْحُ ماءِ الحياة من إناء العمر، كلّ نفس رشحة وجذبة. قروض الأرواح تُسترجَع تفاريق إلى أن تُستوفى الجملة: أرواحُنا عندنا قُروضٌ ... والموتُ قد جَدَّ في التَّقاضي لا بُدَّ من رَدِّ ما اقْترضْنا ... كلُّ لبيبٍ بذاك راضِ

стр. 403

النفس الزكية زينتها نزاهتها، وعافيتها عفّتها، وجمالها جودُها، ورداؤها رِفْدُها، وطيلسانها إحسانها، وطهارتها ورعها، وغناها ثقتها بمولاها، وعلمها بأنه لا ينساها، وأنت يا طفا الهمة، من لم يُشرَّف بالخدمة، سرورك غرورك، فرحك فخُّك، مالك مالكك، غُلُّك بخلك، كَبْلك كِبرُك، شكوكك زبانيتك، همومك هاويتك، سلاسلك وساوسك، زينتك رعونتك، جمالك فتنتك، عافيتك آفتك، حرصك حبسُك، سَجّاتك نفسُك، قيدك إِلْفُك، إذا كان معك فمن تخاف، إذا كان عليك فمن ترجو، أعطيت الطبع للتوليد، والقلب للتوحيد، اللهم أنِر مصابيح أفهامنا بأنوار البيان، المُفضي بنا إلى الكشف والعيان، اللهم اجعلنا ممن جذبته يد العناية من أغوار الغرور، وأخرجته من أسراب الأسباب، وظلم الارتياب، اللهم اصرف ذكر الخلق عن ألسنتنا، وأخرج وساوس الدنيا عن قلوبنا، اللهم اجعل قلوبنا مقبلة بنور التوفيق عليك، منصرفةً عما سواك إليك، اجعل جوارحنا منقادةً بأزمّةِ العلم والتقوى، في كلّ ما تحبّ وترضى، من عرف نعمة المهلة لم يصرفها في غير الخدمة، المهلة إرخاء عنان الأجل، لإصلاح الخلل، وأنت في ظلمة الأمل، المؤمن يأمر وينهى للسياسة فيُصلح، والمنافق يأمر وينهى للرياسة فيفسد، بلغ بهم صفاء النظر إلى أن صارت لذّتهم في مراد الله فيهم، وأنت يثير عليك همومك، فَوات حظوظك. ما أحوجك إلى نار الخشية لتذيب جماديّة فهمك، اللهم نزِّه عِراص القلوب من أدناس الرذائل، أطِف بها حماة التقوى وحُفّاظ الفضائل، اللهم رَوِّح كُرَب الهموم بهبوب نسيم ذِكرك، إلى متى هذا التمسُّك بما يفارقك، اسبِقه إلى المفارقة، أفي عقلك عن تأمُّل أمرك خَبَل، أم في إيمانك بالموعود خلل، اللهم سلّم صحّة أرواح أدياننا، من لَسَعَات هوامِّ أهوائنا، ولسبات عقارب العلائق لقلوبنا، اقطع عنا حُمَة حرصنا، على عاجل حظوظنا، الحرص نار محرقة لشجرة حريتك، صدأٌ يعلو مرآة رأيك، دنسٌ يُغَشّي جِلباب جمالك، يا غافل، بيدر عمرك يُكال بمكاييل أنفاسك المتتابعة المتوالية، وتُرفع إلى خزانة الجنّة حبوب أعمالك الصالحة الطيبة، وتُلقى في أتون الجحيم أدغال أعمالك الخبيثة السيئة، يا أطيار الفتنة أقلعي عن مساقط أغصان الغفلة، كيلا تقتنصك جوارح الجهالة، فتنشبي في مخلب عُقاب العِقاب، يوم المآب، طيور الأرواح الجاهلة لا تزال تسرح في أودية إهمالها وتوانيها، وتُقلَّب في جوّ جهالتها أجنحة آمالها وأمانيها، وصياد المنيّة بين أيديها قد نصب الحبائل لوقوعها، يا طير الهمة اخرُق بجؤجؤ همّتك، حُجُب جهالتك، وحوائل حيرتك، اخرج من حصر شركة شبحك، إلى عالم سرورك وفرحك، ألِفْتَ الشِّباك، فحصلت في الحيرة والارتباك، أما علمت أنّ مِن حبِّ الأشراك، ينشأ شوك الشكّ والإشراك، ويعلوك كلّ دنس ويغشاك، ترقَّ يا طير الفتنة بأجنحة معرفتك، عن أرض مخافتك، ووحشة بلاد غربتك، إلى سماء أمنك، ومأنس وطنك، تعلَّ عن محلّ ذُلّك وفقرك، إلى منزل غِناك وعزّك، احذر أن تخرج من برج بدنك، ومحملة صورتك، وقفص شخصك، وأنت جاهل بطريق بلاد الغيب، اجْلُ قبل الخروج عين فهمك من رمد الريب، المَح بيتك الأصلي، اقصِد وكرك الأوّلي الحقيقي، انصرف عن بيتك المجازي العرَضي، احترِز في طريقك أن تنزل على هرادي الهوى، احذر قَصَبَات دِبْق حبّ الدنيا، قصباتك محبوباتك، دِبقك مألوفاتك، لا تكن كالعصفور المغرور، أراد أن يسلب الفخّ حبّته، فسلبه الفخّ مُهجته، أو السمكة أرادت أن تبلع طُعم الصياد فابتلعها الصياد، يا هدهد الهمة هزّ قوادم العزيمة، حرِّك خوافي البصيرة، ترقَّ في جو الجمعية، اعْلُ عن أرض التفرقة، إلى سماء الحقيقة، ارجع بخبر بلاد الغيب إلى عالم الشهادة، انزل برج قلبك، القِ كتاب خُبْرِك، إلى خبراء إخوانك، ليفهموا ما في بيانك، ويقفوا على سرّ عِرفانك، اللهم ثبّت أقدام أدياننا على سَنَن العفّة والورع، ألبِسنا جلباب الصيانة والنزاهة عن الهوى المتَّبع، زيِّن قلوبنا بزينة اعتقاد الحق، حَلِّ ألسنتنا برونق قول الصدق، اجعل جواهر عقائدنا منظومة في سلك الكتاب والسنة، محفوظة بحُسن متابعة السلف الصالح أعلام الأمة، متى تُفيق العين من تَعاشيها، فتشاهد عِياناً تَلاشيها، فتلوي ناظرَ رغبتها عن سراب آرابها وأمانيها، ترى الزخرف اللمّاع الخدّاع الفتّان، والمناظر الوِضاء الحِسان، وأشباح

стр. 404

الإنس وأرواح الجانّ، سراباً يترقرق في قِيعان الحَدَثان، ويُسمع من جوّ الجَنان، هاجس الإلهام يقول بلسان العِرفان: وأرواح الجانّ، سراباً يترقرق في قِيعان الحَدَثان، ويُسمع من جوّ الجَنان، هاجس الإلهام يقول بلسان العِرفان: وفي تأمُّلِهمْ معنىً يقومُ بهمْ ... وفي تخَيُّلِهمْ للعين ألوانُ فإنْ نظرتَ فأشكالٌ مُعَدَّدةٌ ... وإنْ تأمَّلتَ لا إنْسٌ ولا جانُ يا مَن أُخرج حيُّ وجوده من ميّت عدمه، وجُمعت متفرِّقات ذرّاته في مَجْمَع صورته، لا تغفل عن شكر الصانع، وسرعة استرجاع الودائع، يا ميّتاً نُشِر من قبر العدم، بحُكم الجود والكرم، لا تنس سوالف العهود والذِّمَم، اللهم طهّر جوارحنا من لُوَث الآثام، ولطخات الخطايا والإجرام، سلِّم قلوبنا من الافتتان، بخيال زخارف الألوان، والاغترار بلَموع سراب الأسباب، في صحراء الحدَثان، الذي يبخل بمواساة الفقراء، ولا يدفع ضرر الاحتياج عن الضعفاء، كمن يبخل بالدواء على المرضى، وكالطبيب القاسي القلب على أهل البلوى، كان عمر ﵁ يقول في دعائه: اللهم اجعل الخير في خِيارنا، ليعودوا به على ذوي الحاجة منا، توفُّر الدواعي على المساعي الدنياوية، والأمور البدنية، مُضرٌّ بالأحوال القلبية، طُوبى لمن أَنِس بما لا يفارقه، واستوحش مما لا يدوم له، يا من تعاظم في نفسه، وتكبّر على أبناء جنسه، حين ساعده الزمان، وساعفتْه القدرة والإمكان، هل أنت إلا مُضغة في فم ليث الحِدْثان، وغُثاء يجري بك سيلُ الزمان، احذر أن تنكسر بيضة الصورة، وما انعقد فرخُ الفِطرة، ولا درات فيه روح المعرفة، فتخرج إلى عَرْصَة العَرَض عادماً لروح السعادة، فاقداً لحياة الفوز في الدار الآخرة، هذِّبوا القلوب، تحنّ إلى الغيوب، اللهم أطلق أسر الأرواح، من سجون هموم الأشباح، صُنها عن التدنُّس بممازجات الأمور الدنيّة، أعطِها لَهَجَاً بالأمور الشريفة العليّة، صَفِّ الأبصار، عن غبار الأغيار، والنظر إلى أهل الغفلة والاغترار، الغرقى بحُكم البحر، لا البحر بحُكمهم، فأنّى لهم النجاة من سَطَوَاتِ قهره بحَولهم وقوتهم، وجِدّهم وجهدهم، قوة الرغبة في الدنيا علامة ضعفها في الآخرة، من شَرُفت همته شرفتْ رغبته، وعزّت طَلِبَته، البواطن حواضن، لما فيها من المساوي والمحاسن، اللهم شرِّف جوارحنا بخدمتك، اخلع عليها العصمة عن معصيتك، قرِّب أرواحنا من جَناب اجتبائك، صَفِّها بمُصافاة اصطفائك، حلِّها بحِلية أوليائك، أعطها فهماً ثاقباً ونظراً خارقاً لحُجب الغفلة عن جلالك وكبريائك، اللهم ارزقنا يقظةً عقلية، وانتباهةً قلبيّة، نخرج بها من أضغاث أحلام الأماني ومنام الأوهام، وظلام ليل الغفلة والنسيان، إلى ضياء نهار الكشف والعيان، اللذة العقلية هي التي يجدها العقلاء في عواقب صبرهم على المكاره، إلهي، الرجاء لغيرك خيبة، والخوف من غيرك شِرك، والالتفات إلى من سواك غفلة، والأُنس بمن دونك وحشة، إلهي، أضِجُّ إليك مما يقطع عنك، وأسترسِل لفِعلك إذا صدر منك، وأدأب في الطلب خوفاً من فوات المقصود، وأتناهى في الحيرة إذا فكّرتُ في شَرَك خلقك، العالم كالدوحة قشورها الأراذل، وثمارها الأفاضل، ماذا الرَّوَغان يا ثعالب المطامع، عن أسود الآجال القواطع، روغانك عنها ليس بمُنجٍ منها ولا دافع، ولا مُجدٍ ولا مانع، إن أردت دوام السرور والابتهاج، فكن منحرفاً عن منهاج الغضب واللجاج، معرضاً عن طريق الحرص والطمع المؤدي إلى القلق والانزعاج، استعد لجروح الغفلة مراهم الادِّكار، ولخَرْق حُجُب البلادة مُدى الأفكار، الغفلة عن الله ميراث الجهل بالله، أظلمُ الحجُب الحائلة بينك وبين ربّك نفسك، تعصيه في طاعتها، وتُسخطُه في مرضاتها. فصل في ذم الدنيا

стр. 405

الدنيا منزلٌ رَجّافُ الأرجاء، منهار البناء، مَخُوف الفِناء، محفوفٌ بالفناء، مملوء بالعناء، محشوٌّ بالعِلل والأدواء، موردٌ كثير الشوائب والأقذاء، مع كلِّ مسرّة، مساءةٌ ومضرّة، مع كل أمنية، همٌّ وبليّة، ونزول منيّة، مولاي، يدُ فاقتي تقرع باب فضلك، وحال مسكنتي تستنزل من سماء كرمك مدد إحسانك، ومزيدَ بِرِّك، المِسك يُخبر عن نفسه، خفاء عيب الإنسان عليه، أشد عيوبه لديه، اللهم اكشف عن مصابيح الأفهام، حجُبَ الظنون والأوهام، إلهي أطلِق قلبي من أسر الشواغل، ومحابس الاغترار بالأمر الزائل، إيّاك وما يحرف مزاج الفطرة عن الصحة، وهو الخروج عن حِميَة الوحدة، وسلامة الخلوة، إلى تخليط المخالطة، فإنها تَحْدُث منها للقلب أمزجة رديّة مضرّة بصحة فطرته، مفسدة لنظام سلامة أحواله، أقرب الأسباب إلى نيل المطلوب، جمع الهمِّ في طلبه، واتحاد القلب بذِكره، الكون كلّه فمٌ لسانُه الحكمة، الكون بحر، السماء ضحضاحُه، وارض ساحله، ومرسى مراكب عجائبه، ومجمع سفن بدائعه، والأقضية والأقدار سفّارة، والخليقة سيّارة، تبدو كل حين تنتشر من بلاد صين سرِّ القدَر، في مراكب القُدَر، إلى ساحل عالم الصوَر، وحدود دار البشر وتُظهَر وتُنشَر لو قيل لي: ما تصنع؟ لقلت أُداري عليلي إلى أن يبرأ، وبُرؤه موته، وسُقمه حياته، أعالج عللي وأسقامي، بكواذب ظنوني وأوهامي، فلا العلاج ينجع، ولا السقيم ينتفع، أداوي كلوم أحوالي، بصبري إلى حين انفصالي، أُلاطف أسقام أفهام أشكالي باحتمالي أذاهم، وأُداري علل أخلاقهم ولا أطمع في البُرء من بلواي وبلواهم، لا تفتح باب خزانة قلبك فتعرِّض ما أعددته فيها من ذخائرك لآخرتك لنهّابة الهوى، حصِّنها بحصن الورع والتقوى، اللهم إني أسألك لذّة غير مُدركة بعلاقة حِسٍّ، ولا رجم حَدْس، أسألك غُنيَةً عن المَدارك الحسيّة، والعلائق الوهميّة، الصداقة عداوةٌ إلاّ ما داريْت، والوُصلة قطيعةٌ إلا ما صافيت، والنعمة حسرةٌ إلا ما واسيْت، المحاسن الشخصية معاثر أقدام همم الغافلين، وهي لأرباب البصائر منابر عليها خطباء الصنع، تخاطب ألبابها بألسنة دلالاتها، وعبارات عِبرتها، صلاح حال القلب أن يكون أبداً بين مزعجات وعيده، ومسكِّنات وعده، المكاره والأذايا كالمحاجِم، تُخرج من النفوس فضولَ أدواء الأهواء والمآثم، النفوس الشريفة العارفة تعبر بمراكب معارفها، وجواري سفن أفكارها، وهبوب رياح عزائمها، بحر عالم الدنيا بسفينة الزهد فيها، وصدق اللَّجَأِ إلى ربّها، في السلامة من عطبها، فمن لم يُهيِّئ سفينة نجاته ويُعدَّ فيها زاد آخرته من أعماله الصالحة، وحان وقت العبور من دار الغرور، إلى محلّ الغبطة والسرور، وقلبه متَّحد الهمِّ والفكر، بخيالات زخارف عالم الصوَر، مُنغمِس البصيرة في أكدارها، مُنتكِسُ الهمّة في أغوارها، لا يعرف غيرها، ولا يحِنُّ إلى سواها، زَفَرَت عليه أهوال بحر الموت، وغرق في يمّ الهمّ فصار عذابه لازماً، اللهم ألقِ من إكسير كرمك على مَسِّ مَسْكَنتنا، خلِّص بنار مخافتك غِشّ غفَلاتنا، صَفِّ بنور قدسِك شَوْبَ الشُّبَه من جواهر عقود عقائدنا، اجتهادك في طلب الشيء واهتمامك بصيانته، بقدر معرفتك بشرفه، الإنسان كالفَلَك، وقواه المنوطة بباطنه وظاهره كالكواكب، تدور على مركز همّته، ومدار أفعاله وأقواله، على قُطب عقله، ضاع ماء عمرك في خَرَبَان الخُذلان، وغار في غِيران الشقاء والحرمان، أُرْدُدْه إلى رياض طاعات الرحمن، صُنه عن الذهاب في خراب الدنيا، ردَّه إلى عُمران الآخرة، اللهم ارفع القلوب من مهاوي الهموم، إلى ذروة الثقة بك، يا من حياته معلّقة بسِلك نفسه، وموته بانقطاعه، تفكَّر في سرعة فناء مُدَدِه، ونفاد عُدَده، فإنّ ذهابك بذهابه، وانحلال عَقْدِ بقائك بانحلاله، بضاعة عمرك تسترقُها سُرّاق الساعات

стр. 406

ويختلسها كرور الأنفاس واللحظات، وتنتهبها أيدي الحوادث والآفات، لصوص الفناء لا يمنعها تشييد الفناء، تظنُّك في حصن من طوارق القدر، وهو يجري بك في طرق الحوادث والغِيَر، معاول الساعات تعمل في هدم سور عمرك، كلّ نفسٍ ثُلْمةٌ، وكلّ خَطْرَةٍ فتحة، يدخل منها عدوُّ الردى ولصُّ الفناء، على خزانة جوهر حياتك، وأنت لاهٍ عن ذهاب ذاتك بلذّاتك، الدنيا غابة، أهلها ليوثٌ وثّابة، من صحا عقله من سُكر هواه وجهله، احترق بنار الندم والخجل من مهابة نظر ربه، وتنكَّرتْ صورة حاله في عينه، لا تضع قلم فهمك وتأمُّلك عن يد عقلك، انقُل به إلى لوح روحك أمثلةَ المعارف والفضائل، من ألواح العبر والدلائل، المعرفة تملأ القلب مهابةً ومخافة، والعين عبرة وعَبرة، والوجه حَياءً وخَجلة، والصدرَ خشوعاً وحُرمة، والجوارحَ استكانةً وذلّةً، وطاعةً وخدمة، واللسانَ ذِكراً وحمداً، والسمع إصغاءً وتفهُّماً، والخواطرَ في موقف المناجاة خموداً والوساوس اضمحلالاً، الجهلُ ظُلمةُ ظِلِّ الطبع، الخواصّ يشربون من معين المعاني، والعوامّ من وسخ الأواني، إن قعدتَ على رأس المعدن تنتظر خروج جواهره إليك من غير استخراج، فداءُ جهلك مُعضلٌ ماله من علاج، لا تُنال حلاوة الظفر، إلاّ بعد مرارة الخطر، يا غافل، قعدتَ على الساحل تلتقط من حَصَيَاته، وتلهج بأصداف حيواناته، وتقنع بزبده للسلامة من خطره، السواحل للنِّسوان والأطفال، واللُّجج للرجال والأبطال، السواحل لطُلاّب سلامة المباني، واللُّجج لطُلاّب سلامة المعاني، البحر للصوَر غَرَق، وللمعاني نجاة، غَوْصُ الهمم والبصائر في طلب هذه الجواهر، عروجٌ وصعود، في صورة نزول وهبوط، ما عرفتَ من هذا البحر غير ملوحة مائه، واضطراب أمواجه، ودواعي أهوائه، ولا رأيت منه غير زبدِه وجُفائه، في أطرافه وأرجائه، وكلُّها إنّما هي أستارٌ وحجُبٌ على نفائس جواهره، حُجِبَتْ بها لعزّتها، لكيلا ينالها غيرُ أهلها، لولا غوّاص الفطرة النيِّرة عليها، ما ظهر شرفها، ولا وصل أحدٌ إليها، للغوّاص حذرٌ على صورته، وطمأنينة إلى الظفر بمقصوده، البحر الأُجاج تُستخرَج منه حِلية الأجسام، والعذبُ الفرات تستخرج منه حِلية الأفهام، إذا هاب الغوّاصُ هول بحره، لم يظفر بجوهره ودره، الوردُ يزحم الشوك في طريقه، فإذا ظهر وخرج من زحمته، دعا بلسان حُسنه وجماله، وإشارة خاصيّته وكماله، إلى فصله عنه وإبعاده منه، كدلك وردة الروح العارفة إذا فتحت عين معرفتها، فرأت أشواك المنشأ حولها، وأدغال الطِّباع مُكتنفةً بها، انجذبت بشرف ذاتها عنها، واجتهدت في الخلاص منها، البدن مجموع أعضاءٍ وقوى، والنفس مجموع حظوظ ومُنى، والقلبُ مجموع معارف وتقوى، الصدق رَوْنَق وَجْهِ القصد، وصفاء ماء مُحيّا الهمّة، في الإقبال على الربوبية، سبحان مُوسِّع عَرَصَة الزمان، لانتشار نَسْلِ الحِدْثان، وإظهار مُخْفِيات العيب إلى العِيان، الأقضية والأقدار حوامل، تضع في وعاء الكون حمل الحوادث

стр. 407

ونسل الكوائن، عفّة الأطراف وصيانة الأعطاف، نزاهة الأوصاف من النزاع والخلاف، من شيم الشّراف، وسجايا الكرام الظِّراف، مهابو العبد لمولاه، تصرفه عمّا يكرهه إلى ما يرضاه، المؤمن قوي القلب باليقين والتقوى، لا تُعجزه مقاومة عدوِّ الهوى، معه جرأة الإيمان، ونجدة العرفان، يسطو بها على جنود الشيطان، كما أخبر عنهم الرحمن، إن عبادي ليس لك عليهم سلطان، أيها الفقير البائس، اشكُر المُتصدق عليك بإجراء نسيم أنفاسك، وبعثِها من خفايا باطنك، ومُستَكَنّات ذرّات ذاتك، عظِّم المُنعِم عليك بتجديد رثائث أثواب حياتك، في سائر ساعاتك، رَبِّ صُنْ وجه حالي، عن البِذلة إلى أشكالي، وفّقني إلى الصواب في أقوالي، والإخلاص في أعمالي، أنِلْني من مزيد فضلك ما لم يخطر ببالي، وما يُوفي على نهاية مجرى أقوالي، وغاية مرمى آمالي، سهِّل سبيلي، فقد أزِف رحيلي، إلى مَقيلي ومآلي، أما تأنس إلى ربّك بآثار صُنعه فيك، أما تخافه لقدرته عليك، أما تشكره لدوام مدد أياديه المتواصلة إليك، اللهم افتح أبواب فهومنا بمفاتيح التوفيق، اهدِنا محجّة التحقيق، وأرشِدنا أقرب الطريق، إلى المنهل الرَّوِيّ والمنزل البهيّ الأنيق، اللهم أجرِ رياح لقاح الأرواح، أظهِر ثمار خصائصها من أشجار الأشباح، حياة أهل الآخرة صافية من شوائب الوسائط الكَدِرة، يُؤثرها ذوو البصائر النيِّرة، والنفوس الخيِّرة، إلهي أسألك أُنساً بلا وحشة وعيشاً بغير كُلفة، وقلباً بلا غفلة، وحضوراً بلا غيبة، وعلماً بلا شُبهة، أسألك قلباً لعزّتك خاشعاً، ولعظمتك خاضعاً، ويقيناً للشكوك صارفاً دافعاً، وخوفاً عن المناهي رادعاً، وللأهواء قامعاً، وصدراً من هموم الدنيا خالياً، وفهماً للفوائد واعياً، اللهم ألهمني تأمُّل مسطور صُنعك في لوح شبحي، وتفهُّم مرقوم قلم حكمتك الجاري بمشيئتك، على صحيفة وجودي وصفحات باطني وظاهري، أُعجوبة فطرتك محجوبةٌ بحجُب عُجْبِك ورعونتك، ارفَع عنها الحجاب، ترَ الأمر العُجاب، الدنيا كالحيّة تجمع في أنيابها، سموم نوائبها، وتُفرِغُها في صميم قلوب أبنائها، الأوقات كالمَبارد، تأخذ منا ما ليس إلينا بعائد، الوقت كالمِبرَد يحلِّل أجزاء الأعمار، والقلوب في سكرة الغفلة والاغترار، اللهم ارفع القلوب من هُويّ الهوى إلى ذرى الهدى، وقُلَلِ التقى، نجِّها من ملاعب أمواج هموم الدنيا، وتيّار بحار الآمال والمُنى، الأمانيُّ عُلالات نفوس المحرومين، وخيالات أحلام غفلة المستيقظين، الحرية في ترك الأمنيّة، الحرية في الغنى عن البريّة، والتنزُّه عن اللذّات البدنيّة، والترفُّع عن أدناس الأمور الدنيّة، وارتقاء الهمّة إلى ذُرى الفضائل العلميّة والعمليّة، نِعَمُ الكرام تبعثهم على الإحسان، ونعم اللئام تحدوهم على الطغيان، وركوب العصيان، صفاء القلوب من أدخنة خيالات أماني النفوس، يحصل بسدّ منافذ أبخرة وساوسها، المتصاعدة من موقد نار شهوتها وغضبها، أبلغ الكلام ما ألان حدائد الأفهام، وأجرى جوامد الأذهان، بماء حياة العرفان، اللهم أغنِنا بالرِّضا بما قسمتَ لنا، اجعل الثقة بكرمك ذُخرنا وعمدتنا، والسكونَ إلى وعدك عدَّتنا، رغِّبنا فيما عندك، زهِّدنا فيما عندنا، لا تقطع نسيم أُنس ذِكرك عن قلوبنا وألسنتنا، شرِّف بخدمتك خَدَمَ جوارحنا، مَن سكن قلبُه إلى السكَنِ والخليل، انزعجَ لفقده الانزعاج الطويل، من قلَّ ابتهاجه في المنزل والمقيل، قلَّ انزعاجه عند الظَّعن والرحيل، رؤية نفسك في بذلِك، أضرُّ عليك من بُخلك، اللهم اكفِنا بالكَفاف آفة الإسراف، الموجب للنزاع والخلاف، وعدم الالتئام والائتلاف

стр. 408

المؤدي إلى الإضرار والإتلاف، أشرف الكلام ما شَرُفت معانيه، ورقَّت حجب عبارته وصحَّت مبانيه، العبادات كالأواني تغرف بها من معين المعاني، ما كلُّ إناء شَفّاف، يحكي ما وراءه من المعاني اللِّطاف، كلامُ الفضلاء، إنما يعذب في مسامع الفقهاء، لا تَشِنْ وَجْهَ مقالتك بكلف التكلّف، ولا تُثَقِّل روح كلامك بهُجنة التعسُّف، كلّما ثَقُل روح الكلام ألغتْه الأسماع ومجَّتْه الأفهام، لا تجعل باب سمعك مدخلاً للغوِ المقال، وفضول القيل والقال، ولا منفذ فهمك مسلكاً لخواطر المحال، ولا صحيفة قلبك معرّضةً لجريان قلم الخيال من غير نظرٍ وتأمّل واستدلال، كلما هبّت رياح الإلهام نفضت أغصان الأذهان، فتساقطت ثمار الفوائد، على أراضي المسامع، ورياض القلوب والأفهام، سبحان من جعل اللسان، تَرْجُمان الجَنان، ومطلعاً لأنوار البيان، لإضاءة نواظر العقول وإنارة مصابيح الأفهام، سبحان من جعل خواصّ عباده تراجمة حكمته، تعبِّر عن أسرارها لخليقته، الألسنة تراجمة القلوب، يبدو منها ما يَرد عليها من واردات الغيوب، القلوب خزائن الحكمة، مفاتيحها الألسنة، لا تدعوا قلوبكم تمضغها أفواه الغفلات، وجوارحكم تمتهنها وتتلاعب بها أيدي الخطايا والزلاّت، فإنها عندكم أمانات ربكم فاحفظوا الأمانات، أما علمت أن الكون كلّه مَمْخَضةٌ أنت زُبدتها، ودوحة أنت ثمرها، وصدقة أنت درّتها، وصورة أنت معناها وحقيقتها، إذا كان ما يفر المرءُ منه نحوه يتقدّم، فسواءٌ عليه أقدم أم أحجم، أوهى عقده أم أبرم، أهمل أمره أم أحكم، نيرانُ الفناء له تُضرم، ولها يُلقى ويُطعم، إذا كان الهارب، في قبضة الطالب، فما الطمع الكاذب والحرص الغالب، لنيل المطالب، ودفع المعاطب، لوالبُ الأقضية بأحوالنا دائرة ومطايا الليالي بنا إلى أجداثنا سائرة، ورُماة الأيام بسِهام المكاره في أهداف قلوبنا راشفة ناشبة، ومُهَجُنا في مضابث ليوث الحوادث واقعة ناشبة، الغفلة سكرة الفكرة، والشرَه آفة العفة، والشهوة مرض الفطرة، والغضب موت العقل، والحِدّة ضغطة قبر الجهل، يا أُولي الفكر والعِبَر، تأمّلوا صقور القدر، كيف تختطف مع لمح البصر، حمائم الأرواح من أقفاص الصور، يا طبيب، رِفقاً بمرضى الهوى، يا مُعافى، عطفاً على المُبتلى، لطفاً بأرباب البلوى، يا حبيب، وَصْلاً فقد دنا الفناء، عِتْقاً من رِقّ الرقيب وطول العناء، يا طبيب، تلطّف بحَسم الداء، فقد استشرى وأعوز الصبر وعزَّ العزاء، شيئان عزيزان، غُربةٌ في الوطن، وخلوة في الزحمة، يا قُطّان دار الحِدثان، وسكّان منازل النوازل والأشجان، ومحلّ الذل والهوان، الرحيلَ الرحيلَ عن هذه الأوطان، فإنها مجامع الفجائع ومنابع الهموم والأحزان، العارفون بجلال المولى غرباء بين الورى، قد جفاهم الأهل والأحبّاء، العقلاء بين الجهّال غرباء كالجواهر بين الحصى، لطائف الملَكوت في عالم الجبروت غرباء، يعرفها الفهماء، وينكرها الأغبياء، يا أنيس الغرباء وجليسَهم في بلاد الأعداء، يسِّر إيابهم، وأحسِن مُنقلَبهم ومآبهم، الرضا سرور القلب بالمقدور، الذِّكر لَهجُ القلب بالمذكور، الفكر إدامة النظر في أسرار الأمور، طوبى لمن أناخ ناقة فاقته بكنَف مولاه، وألقى عن كاهل همّته أثقال همومه بدنياه، وآوى إلى كهف لطفه، وأنام عن رجاء غيره عين أمله، وطرْف رغبته، ما لذي الجناح المُلصَق سراح، ولا لذي القدم المقيَّد براح، القدم المقيَّد، والعضو المُشدَّد

стр. 409

إذا وَرِمَ تضيَّق الشدُّ وتزيَّد الألم، لزيادة القدم، فإذا انهزل العضو استرخى الشدّ، واتسع القيد لنحافة القدم، ومع الانضمار والانهزال، يتيسَّر الانحلال والخلاص والانفصال، أما لك في سَفْرَة جهلك إلى وطن عقلك إياب، أما لغربة قلبك في بلاد طبعك انقلاب، نعوذ بالله من نفسٍ وهي نظام مصالحها، وغشَّى ظلامُ أهوائها وجوه آرائها، في الشيب نزل نذيرُ الفناء بساحتك، وأنت مع راحك وراحتك، خواطر القلوب، بُروق غمائم الغيوب، الأفعال تراجم هِمَم الرجال، تُنبِّئ عن وصف النقص والكمال، إذا صحّت الأبدان، ونَظُفَت من الأدران، زانَتْها الملابس الحِسان، وإذا صحَّت العقول من عِلل الهوى، وأمراض حبّ الدنيا، زانَها العلم والتقوى، رحم الله عبداً خطر بباله، خطرُ مآله، فأصلح خلل أعماله، قبل عرضه وسؤاله، القلوب تنقبِض عن البخيل، لانقباض رغبته في الثواب الجزيل، والثناء الجميل، إلهي أسألك قلباً حُرّاً لا تستعبده الأماني، ولا يشغله عن طلب الباقي طلب الفاني، وعزماً في الخير ماضياً لا تقطعه عوارض الفُتور والتَّواني، من علم أنّ المركّبات في ذواتها ذواتُ نهاية، لم يلق في رُوعه رَوْعَاً من الموت اللهم اكفني غائلة إهمالي، واغتراري بطول إمهالي، قِني آفة الفُتور، والنقص والقُصور، في أقوالي وأعمالي، بحالي ومآلي، أَرِحْني من كلَف احتيالي، لنيل أربي وآمالي، سلِّمْني من غاوي وهمي وخداع خيالي، إلهي رَوِّ روحي من منبع القُدْس، نعِّمْها في رياض الأُنس، ألهِمها وحشةً من الإنس، طوبى لمن لمع في طَرْفِ فِطرته، قبسُ أُنسِه بربّه، فأفرده عما سواه به، فترنّم حادي وقته، وترجم عن صفته: مَن زَكَتْ نفسُه رأى الزُّهد في الدنيا فيا طِيبَ أَنْفُسِ الزُّهّادِ أفردتْهُ النَّفسُ النَّفيسةُ في النا ... سِ فيا بُعدَ هِمّة الافرادِ أَكَلَتْه الفضائل الغُرُّ حتى ... ذابَ ذَوْبَ النُّضار في الإيقادِ كلّما ازدادتِ الذُّبالة ضَوْءَا ... كان أدنى لها إلى الإخمادِ اللهم أحيِنا بروح رضاك عنا، من موت سخطك علينا، إذا استغنيتَ عن الكرام فأنت الكريم، وإذا رجوتَ اللئام فأنت اللئيم، من بلغ مقام التعريف، علم أنّ سرّ التكليف، للتهذيب والتشريف، لا للتعذيب والتعنيف، الزمان كجُبّ الصبّاغ، يُبدي كل أوان، مُختلِفات ألوان، من عزٍّ وهوان، وأفراح وأحزان، وخشونة ولِيان: إنّ الزمان وإن ألا ... نَ لأهله لمُخاشنُ تجري به المُتحركا ... تُ كأنهن سواكنُ إذا نزل على القلب الكسير إكسير التقوى، صفا من كدر الهوى، وارتقى في درجات الهدى، ونال منازل الفوز والزُّلفى، إذا استعدّ جوهرُ القلب، لنزول إكسير نظر الربّ، قَلَبَه من الوصف البهيميّ إلى الملَكيّ، ترديد المواعظ على الفهوم، كتجديد المراهم على الكلوم، الفهوم إذا أُهملت دَثَرَتْ، والجروح إذا تُركت نغَّرَت، حار بعض الطالبين في ليل طلبه، والتبس مسلكه المُفضي به إلى ربه، فرصد نجوم فهومه، وطوالع خواطر علومه، وأوقد مصابيح قرائحه، وسُرُج أفكاره وبصائره، فبينا هو في سيره القاصر، وضوئه الضعيف المتقاصر، إذ بدا بدرُ الدِّراية، من أُفق العناية، بمبادئ أنوار الهداية، فهجر النجمَ والمصباح، وانتظر الإصباح، وارتقب السَّنا الوضّاح، فأسفر له صُبح الأزل، من وراء سدفة ليل الحدث، فتلألأت مرآة استعداده، وتشعشعت مِشكاة فؤاده، بأنوار مُراده، فانجاب عنه حجاب الحوادث، وغاب خيال كلّ كائنٍ حادث، فرمق جَناب الأزليّة، وسمق بهمّته العُلْويّة، إلى قُلّة الرَّبوة الملكوتية، دار القرار، لقلوب الأبرار، والمَعين السَّلْسال في مُروج الوجود المُطلق، فوقع في عين اليقين، وشرب مَعين النعيم، فترنّم طرباً بما نال، وتمثّل تعجُّباً وقال: مَن كانَ في ظلماءِ ليلٍ سارياً ... رَصَدَ النجومَ وأوْقدَ المِصباحا حتى إذا ما البدرُ أشرق نورُه ... ترك السِّراج وراقبَ الإصباحا حتى إذا انجابَ الظلامُ جميعُه ... ورأى الضياءَ بأُفْقِه قد لاحا هجرَ المسارِجَ والكواكب كلَّها ... والبدرَ وارتقبَ السَّنا الوضّاحا

стр. 410

إفهمْ هُديتَ ففي فؤادك عاذِلٌ ... إنْ لاحَ فيه سَنا الحقيقة لاحى ليصُدّ عنها إنّها غَبَشُ الهوى ... يَغْشَى فِناه فيمنعُ الإيضاحا والعقلُ من غَبَش الخيال عِقالُهُ ... فإن انجلى انحلَّ العُقال فَساحا في مَهْمَهٍ للحقِّ مهما سافرت ... فيه العقولُ أعادها أرواحا في روضِ رِضوانٍ وَنَضْرة نعمةٍ ... نظراً إلى الوجه الكريم مُباحا وفوائد شيخنا محمد الفارقي ﵀ أكثر من أن تُحصر أو تُختصَر، ووصفه الشيخ أبو المعالي سعد الحظيري الورّاق في آخر مجلّد جمعه في كلامه وقال فيه: شيخٌ قتل الدنيا خُبراً وعلماً، وقبِل منها ما كان خيراً وغُنماً، فركب غارِب الزهد في الزهيد، وارتقب عازب الوعد والوعيد، وقطع لسان دَعاويه، ومنع سلطان عواديه، وقمع شيطان دواعيه، فظهر مخفيُّ الغيب، لمَنفيِّ العيب، فاستجلى ما استحلى من أبكاره، واستصحب ما أصحب مع نِفاره، وحلاّها بأحلى الحُلى، ومال بها إلى المَلا، وخطب بها في الأحياء، وخطب لها الإحياء، وما رقا بها على منبر، بل رقا بها على مَن برّ، فمن استقبل قِبَلها، وتوجّه قِبَلها، رفعته جواذب بلافِكها، إلى مراتب أرائكها، فرأى من كفر النقصُ أنوارَ بيّنته، وأظهر الفحصُ أسرار نيّته، وهان عليه من الدنيا ما هال، وحان لديه من الأخرى ما حال، ومان العائلة، وأمِن الغائلة، واستوجب مِنّة من اقتدى بأنوار حِكَمِه، واهتدى بآثار كَلِمه، أنْ يلقاه حيّاً بالحُرمة، وأن يغشاه مَيْتَاً بالرّحمة، والتوفيق بيد الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم. ديار بكر أبو نصر أحمد بن يوسف المنازيّ الكاتب قال أبو المعالي الحَظيري: أنشدتُ له: ولي غلامٌ طال في دِقّةٍ ... كخَطِّ إقليدِسَ لا عَرْضَ لهْ وقد تناهى عقلُه خِفّةً ... فصار كالنُّقطة لا جُزءَ لهْ وله: غزالٌ قَدُّه قدٌّ رَطيبُ ... يَليق به المدائحُ والنَّسيبُ جَهِدْتُ فما أصبتُ رِضاه يوماً ... وقالوا: كلُّ مُجتهدٍ مُصيبُ وله: ومُبْتَسمٍ بثَغرٍ كالأقاحي ... وقد لَبِسَ الدُّجى فَوْقَ الصَّباحِ له وجهٌ يُدِلّ به وَعَيْنٌ ... يُمَرِّضُها فيُسْكِرُ كلَّ صاحِ وَتَثْني عِطفَه خَطَرَاتُ دَلٍّ ... إذا لم تَثْنِه نَشَوَاتُ راح يميلُ مع الوُشاة وأيُّ غُصنٍ ... رطيبٍ لا يميل مع الرياحِ أبو نصر بن الدّندان الآمدي من المتأخرين، سمعت الشيخ الزكيّ البائع يحيى بن نزار البغدادي من كبار الباعة بها يصفه، ويستحسن نظمه ويستطرفه، أنشدني له أبياتاً لطيفةً في الهجاء، غريبةً بليغةً في الطبقة العليا من البلاغة، والمبالغة في المعنى وحسن الصيغة والصِّياغة، وهي: قالوا أتمدَحُ أقواماً وأُمُّهمُ ... مَن قد عَرَفْتَ، فتُطْغيهم بلا سببِ فقلتُ: لا تحرُقوني بالمَلام فما ... أَشْفَقتُ من هَجْوِهمْ إلاّ على نسبي لأن أمَّهمُ ما فاتها أحدٌ ... فخِفتُ من أن يكونوا إخوتي لأبي قلتُ لَعَمْري قد بالغ وأحسن وما قصّر، لكنه نسب والده إلى الخَنا، وقذفه بالزنا، حيث اعتقد أن أباه أبوهم، فلذلك لا يهجوهم، وإذا كانوا إخوته من الأب فقد شاركهم اللؤم لأجل النسب، والشعراء لا يؤاخذون في الهجاء، بأمثال هذه الأشياء. ابن الفضل من أهل آمد من المتأخرين، كنت مع جماعة من أصدقائي الفضلاء، ببغداذ وجرى حديث الشعراء، وأنشد بعضهم منظومات لابن الفضل البغدادي، فقال آخر: كنتُ بآمد ورأيت هناك بعض المتأدّبين يُعرف بابن الفضل، وأنشدني له رباعية وهي في غاية من التجنيس والتطبيق: طَرْفِي الجاني إليكِ قد أَلْجَاني ... حتى جَلَبَ العَنا لقلبي العاني يا جَنّةَ مُهْجتي ويا نيراني ... ما أَسْعَدني فيكِ وما أَشْقَاني الكامل محمد بن جعفر بن بكرون الآمدي أنشدني الشيخ العالم محمد الفارقي سنة إحدى وستين قال: أنشدني محمد بن بكرون لنفسه:

стр. 411

يستعْذِبُ القلبُ منه ما يُعذِّبُهُ ... ويستلِذُّ هَواهُ وهو يُعْطِبُهُ مِثل الفَراشةِ تُدني جسمَها أبداً ... إلى ذُبالةِ مِصباحٍ فتُلْهِبُهُ أبو العز يحيى بن عبد الله بن مالك الفارقي كأنّه حين بَدا مُقْبِلاً ... في خِلَعٍ يَعْجِزُ عن لُبْسها جاريةٌ رَعْنَاءُ قد قَدَّرَتْ ... ثيابَ مَوْلاها على نفسها أبو عبد الله محمد الديار بَكْرِي أنشدني الشيخ العالم محمد بن عبد الملك الفارقي ببغداد سنة إحدى وستين قال: أنشدني أبو عبد الله محمد الديار بكري لنفسه: تَنْهَلُّ عَيْنِي إذا ما نابني فرحٌ ... عَكْسَاً وعند الشَّجا تَفْتَرُّ أسناني إذا الفتى بلغَ العلياء غايتَها ... فطبعُه وطِباعُ الناس ضِدّانِ من يَبْغِ في المجدِ ما لم يَبْغِه أحدٌ ... يَصْبِرُ على مضضٍ من أَزْمِ أَزْمَانِ أبو الفوارس المظفر بن عمر بن سلمان بن السَّمَحان التاجر من أهل آمد، فارس في فنّه مُظفّر، مُصلّي ميدانه عاثرٌ مُعفَّر، شاعر صالح، وتاجر رابح، ذكره السمعاني في المُذَيّل وقال: أحد التجار المعروفين المتميزين، وكان يرجع إلى فضل وأدب ومعرفة بالشعر، ورد بغداد وكنت بها، وما اتفق لي أن أكتب عنه شيئاً من شعره، وسمع منه رفيقنا أبو القاسم علي بن الحسن الدمشقي في توجهه من الجبال إلى بغداد. أنشدنا أبو القاسم علي بن الحسن الحافظ الدمشقي بها، قال أنشدنا أبو الفوارس المظفر بن عمر الآمدي لنفسه بقَرْمِيسين: وَدِدْتُ بأنَّ الدهرَ يَنْظُرُ نَظْرَةً ... بعَينٍ جَلا عنها الغَيابةَ نورُها إلى هذه الدنيا التي قد تخبَّطَتْ ... وجُنَّتْ فساس الناسَ فيها حميرُها فيُنكِرَ ما لا يَرْتَضيه مُحَصِّلٌ ... ويأنفَ أن تُعْزى إليه أمورها فقد أبغضتْ فيها الجسومَ نفوسُها ... مَلالاً وضاقتْ بالقلوب صُدورُها فلله نفسي ما أشدَّ غَرامها ... بليلى وَلوعاً وهي عَفٌّ ضميرها طَوَتْ دُونيَ الأسرار حتى نسيتُها ... فليس إلى يومِ النُّشور نُشورُها وقال السمعاني: وأنشدنا أبو القاسم الدمشقي، أنشدني المظفّر الآمدي بجَلولاء لنفسه: قُل للذين جَفَوْني إذ لَهِجْتُ بهمْ ... دون الأنام وخيرُ القولِ أَصْدَقُهُ أُحبّكم وهَلاكي في مَحبّتكم ... كعابدِ النارِ يَهْوَاها وتحرقُهُ وقال: أنشدنا أبو القاسم الدمشقي، أنشدني المظفر الآمدي لنفسه بخانِقين: وَذِي نِعمةٍ ليست تَليقُ بمِثلِه ... من النِّعَمِ المَغبوطةِ الحسناتِ أقولُ له لمّا قَصَدْتُ جَنابَهُ ... وقصدي جِنابُ اللَّوْمِ من عَثراتي فلم أرَ لي فيه مَقيلاً يُظِلُّني ... ولا مَوْئِلاً يُنْجي من النَّكَباتِ إذا لم يكن فيكُنَّ ظِلٌّ ولا جَنىً ... فَأَبْعدَكُنَّ اللهُ مِن شَجَرَاتِ هذا البيت الأخير مُضمَّن. أبو علي الحسن بن محمد بن أحمد الآمدي من أهل آمد، انتقل منها إلى قرية تعرف ببرفطا من نهر مَلِك، من أعمال بغداذ ذكره أبو سعد السمعاني في كتابه الموسوم بالمذيّل على تاريخ الخطيب، ووصفه بكونه مسنّاً قد جاوز حد المشيب، وقال: لقيتُه وقد ناطح السبعين، والسمعاني كان ببغداد في حدود سنة أربع أو خمس وثلاثين قال: وطبعُه حينئذٍ يجود بالنظم المليح، والشعر الفصيح، وهو فاضل غزير الأدب والفضل، قيِّمٌ بصنعة الشعر، عارف باللغة قال أنشدنا أبو علي الآمدي لنفسه ببرفطا: للهِ دَرُّ حَبيبٍ دارَ في خَلَدي ... بعد الشباب الذي ولَّى ولم يَعُدِ أيّامَ كان لرَيْعان الشباب على ... فَوْدَيَّ نُورٌ، ونارُ الشَّيْبِ لم تَقِدِ وللغِنى والصِّبا خَيلٌ ركضْتُ بها ... في حَلْبَةِ اللَّهْو بين الغَيِّ والرَّشَدِ والآمديّةُ في أنيابها شَنَبٌ ... عَذْبٌ بَرَدْتُ به حَرّاً على كَبدي

стр. 412

واللهِ لو لم تكن من أَعْظُمٍ خُلِقَتْ ... ما كنت أَحْسِبها إلاّ حَصى بَرَدِ ومن فُتورِ الحَيا في لَحْظِها مرَضٌ ... تُشْفى به الأعيُنُ المَرضى من الرمَدِ شبيهةُ الظبيةِ العَجْماءِ قاتِلتي ... عَمْدَاً، وليس على العَجماءِ من قَوَدِ متى تُحَيّا بلادٌ بالشآم أَقُلْ ... حُيِّيتِ يا آمِدَ السوداءِ مِن بَلَد إنْ أَكْبَدَتْني همومٌ أَمْرَضتْ هِمَمي ... فإنما خُلِقَ الإنسانُ في كَبَد إن كادَني أحدٌ لم أَشْكُ منه، بلى ... أشكو إليه ولا أشكو إلى أحد قال في تاريخه: وأنشدني أبو علي الآمدي لنفسه ببرفطا: مَن هاؤلَيّاء الظِباء العِينُ ... حقّاً فلي شَكٌّ بها ويقينُ وكأنّما تلك الهوادِج فَوْقَها ... صَدَفٌ وهُنّ اللؤلؤُ المَكْنونُ فالحُسْنُ مِن فَوْقَ الرِّحال مُنَضَّدٌ ... والخيلُ من تحت الرِّجال عَرينُ كَحْلَى العيونِ وما اكتحَلْنَ بإثْمِدٍ ... يوماً ولا رَمِدَت لهُنَّ جُفونُ ولقد أغُضُّ الطَّرْفَ يوم يَلوحُ لي ... في الرَّيْطِ من بَرْقِ الجُسومِ غُضونُ من بَعْدِ ما قد لاحَ لي فوق الطُّلى ... أقمارُ لَيْلٍ تَحْتَهُنَّ غُصونُ والقلبُ يرمُقُها بعينِ بَصيرةٍ ... ومن البصائر في القلوبِ عُيونُ ضَنَّت بماعون السلام ولو سَخَتْ ... فكثيرُ ما يَسْخُو به ماعُونُ في لَحْظِها مِن كلِّ غُنْجٍ فَتْرَةٌ ... وفُتورُ لَحْظِ الغانيات فُتونُ ودِيارُ بكرٍ كان لي زمناً بها ... أَبْكَارُ لَهْوٍ تَسْتَفيض وعُونُ لا غَرْوَ أن رُزِقَتْ هَواكِ على الصِّبا ... تلك المَعاقِلُ والقِبابُ الجُونُ يا حبّذا تلك القلاع وحبّذا ... تلك البِقاع وحبّذا ليسونُ هل أنتِ يا بغداذ أحسنُ مَنْظَراً ... أم آمدُ السَّوداء أم جَيْرُونُ عَجَبَاً لطُول الحَيْن كيف يَروقني ... والحَيْن يَجْلِبُه إليّ الحِينُ يا هل تُبَلِّغُني إليها جَسْرَةٌ ... وَجْنَاءُ صادقةُ الوَجيف أمينُ كذا رُوِيَ وأنا أظن أن الصواب أمونُ الكامل أبو المكارم محمد بن الحسين الآمدي أبا حسَنٍ كَفَفْتُ عن التَّقاضي ... بوَعْدك لاعتصابِك بالمِطالِ وَمَنْ ذَمَّ السؤال فلي لسانٌ ... فَصيحٌ دَأْبُه حَمْدُ السُّؤال جزى اللهُ السؤالَ الخيرَ إني ... عَرَفْتُ به مَقاديرَ الرجال أبو طالب إبراهيم بن هبة الله بن علي بن عبد الله بن أحمد بن الحسن الدياري من أهل ديار بكر، كان فقيهاً نبيهاً، محترماً وجيهاً، عفيفاً نظيفاً، ظريفاً لطيفاً، فاضلاً مناظراً، صالحاً، لله ذاكراً، دائم التلاوة للقرآن، كثير الخشية من الرحمن، ذكره السمعاني في كتابه، وأثنى عليه وعلى آدابه، وقال إنه ورد بغداد وأقام بها مدة، وخرج إلى خراسان وأقام ببلخ عند أبي المعالي ابن شهفور، وكان معيد درسه، وتوفي بها في أوائل محرم سنة وثلاثين وخمسمائة، قرأت في تاريخ السمعاني أنشدنا عمر أبي حسن الإمام ببلخ أنشدنا أبو طالب الديار بكري قال: طلبتُ في الحبّ نَيْلَ الوَصْلِ بالخُلَسِ ... فنال هَجْرُك منّي نَيْلَ مُفتَرِسِ فلو تسامحتُ بالشَّكوى إلى أحدٍ ... لفاض دمعي وغاض البحرُ من نفسي وصِرتُ لا أرتضي حُسْناً يُجاوِزُهم ... فأوْرثوني عمىً أَدْهَى من الطَّمَسِ وقرأت في تاريخه: أنشدنا أبو بكر محمد بن علي بن ياسر الجَيّاني ببلخ أنشدنا أبو طالب الدياري لنفسه: إنّي لأذكُر حُسّادي فَأَرْحَمُهُمْ ... لِما يُلاقون من هَمٍّ ومن كُرَبِ أَسْهَرتُهُمْ يذكروني في كآبتهم ... ونِمتُ مِلءَ جُفوني غيرَ مُكتَئِب

стр. 413

هذا بما رقَدوا عمّا شَرُفْتُ به ... لمّا سَهِرْتُ لهم في سالِف الحِقَبِ أبو العباس الخَضِر بن ثروان بن أحمد بن عبد الله الثعلبي التوماثي، ويقال له الفارقي والجزري. توماثا قرية عند بَرْقَعيد. ولد بالجزيرة، ونشأ بميافارقين، ضرير، له قلب بصير، خَضَريّ الفِراسة، وضيء الفكر في العلم والدراسة، قرأ الأدب على ابن الجواليقي، والنحو على الشريف أبي السعادات ابن الشجري، والفقه على أبي الحسن بن الآبنوسي، هكذا ذكره السمعاني في التاريخ، لما كان ببغداد سكن المسجد المُعلّق، حذاء الباب المعروف بباب النوبي، وكان حافظاً لأصول اللغة عالماً بها، يحفظ شعر الهذليين والمُجمل وأخبار الأصمعي وشعر رؤبة وذي الرمة وغيرهما من المخضرمين من أهل الإسلام والجاهلية، قال السمعاني: صادفته بنيسابور سنة أربع وأربعين وخمسمائة وسألته عن مولده فقال: سنة خمس وخمسمائة بجزيرة ابن عمر وأنشدني لنفسه، إملاءً من حفظه: أنتَ في غَمْرَةِ النعيمِ تعومُ ... لستَ تدري بأنَّ ذا لا يدومُ كم رأينا من الملوك قديماً ... هَمَدوا فالعِظامُ منهم رَميمُ ما رأينا الزمانَ أبقى على شَخصٍ شَقاءً فهل يدوم النعيمُ والغِنى عند أهله مستعارٌ ... فحَميدٌ منهم وبه وذميمُ قال: وأنشدني لنفسه: كَتَبْتُ وقد أَوْدَى البُكاء بمُقلتي ... وقد ذابَ من شوقي إليكم سَوادُها فما وَرَدَتْ لي نَحْوَكمْ من رسالةٍ ... وحقِّكُمُ إلاّ وذاك مِدادُها قال: وأنشدني الخضر بن ثروان لنفسه: لا تَعْجَبوا من نزول الشَّيْب في شَعَري ... فإنه لم يُنازِلني من الكِبَرِ لكنْ رأى مُقلتي قد شابَ ناظِرُها ... فجاءَني ليُعَزّيني على النظرِ قال: وأنشدني لنفسه: ألا هل أتاكم بالعِراق رسائلي ... بأني كثيرُ الأصدقاء وحيدُ ومالي سِوى تَذْكَارِكُم من مُؤانِسٍ ... وإن حال نأيٌ فالقلوب شُهودُ وإنَّ بعاد الأصفياءِ تَواصُلٌ ... وإنَّ وِصالَ الخائنين صُدودُ وكلُّ وِدادٍ لم يكن لخِيانةٍ ... فذاك وإن طال الزمان جَديدُ إبراهيم بن عبد الله بن إبراهيم الطنْزي من أهل طنزة من ديار بكر، ذكر لي الفقيه أحمد بن طُغان البصروي أنه لقيه في شهر رمضان سنة ثمان وستين وخمسمائة بباعَيْناثا وكتب لي بخطه هذه الأبيات ونقلتها من خطه فمنها قوله: وإنّي لمشتاق إلى أرض طَنْزَةٍ ... وإن خانني بعد التفرُّق إخواني سقى الله أرضاً لو ظَفِرْتُ بتُربها ... كَحَلْتُ بها من شدة الشوق أجفاني وقوله على وزن قصيدة القيسراني التي يقول فيها: يا أهلَ بابِلَ أنتم أصلُ بَلْبَالي ... رُدّوا فؤادي على جُثْماني البالي فقال إبراهيم الطنزي: خاطِرْ بقلبك إمّا صَبْوَةُ الغالي ... فيما تُحِبّ وإمّا سَلْوَةُ القالي هذا مَكَرُّ الهوى فاعطِف على نظرٍ ... في بابليَّته هِنْديّ بَلْبَالي من كلِّ ذي هَيَفٍ ترنو لَواحِظُهُ ... إليك من لَهْذَمٍ في صدر عَسّال وقال: يا زاجِراً في حَدْوِه الأيانقا ... رِفْقاً بها تَفْدِيك رُوحي سائقا فقد عَلاها من بُدورِ طَنْزَةٍ ... مَن ضَرَبَ الحُسْنُ له سُرادِقا ومنها: قد سَلَبَ القلوبَ في جَماله ... وشدَّها في خَصْرِه مَناطِقا وحيَّر العقولَ في دَلالِه ... إذْ لَبِسَ التّيجانَ فالقَراطِقا وا وَحْشَتي مِن بَعْدِه لبُعدِه ... ووا شقائي إذ ظلِلتُ عاشِقا قال وذكر أنه كتب إلى سليمان المعرّي الزاهد: أتاني كتابٌ جلا غُمّتي ... وأهدى إليّ جَزيلَ الفوائدْ فَطَوْراً أُقَبِّلُ منه السُّطور ... وطوراً أُعفِّر للتُّرْب ساجدْ لأنتَ سليمان في مُلْكه ... وإن كنتَ بالنُّسك والزُّهد عابدْ الأديب أبو الفضل يحيى بن سلامة بن الحسين

стр. 414

الحصكفي الخطيب بميافارقين. من المتأخرين بديار بكر من حصن كيفا. وُلِدَ بطنزة وتوفي بحصن كَيفا وأقام بميافارقين. علاّمة الزمان في علمه، ومعريُّ العصر في نثره ونظمه، بل فَضَلَ المعريّ بفضله وفهمه، وبذّ الحريري برقّة طبعه، وقوة سجعه، وجودة شعره، وغزارة أدبه، وانفراده بأسلوبه في الشعر ومذهبه، له الترصيع البديع، والتجنيس النفيس، والتطبيق والتحقيق، واللفظ الجزل الرقيق، والمعنى السهل العميق، والتقسيم المستقيم، والفضل السائر المقيم، والمذهب المُذْهَب، والقول المهذّب، والفهم الشهم، والفكر البكر، والقافية الشافية، كأنها العافية والمعيشة الصافية، والروِيّ الروِيّ، والزند الوري، والخاطر الجريّ، الجامع في الوزن بين درّ الحزن، ودرّ المزن، تود الشِّعرى أنها شِعار شعره، والنثرة أنها نثار نثره، والزُّهرة أنها كوكب سمائه، والمشتري أنه مشتري ثنائه، غَنِيَت الغانيات عن قلائدهن بفرائده، وأحبّت الخصور أن توشَّح عوض مناطقها بدرّ مَنْطِقه، وحسدت عيون الغواني عيون معانيه، وغبطت أحداق الحسان أحداق محاسنه وحدائق قوافيه، ما فارق ميا فارقين، بل كان منزله محطَّ رحال المسترشدين المستفيدين، وكنت أحب لقاءَه، وأحدّث نفسي عند وصولي إلى الموصل في شرخ عمري وأنا شَعِف بالاستفادة، كَلِفٌ بمجالسة الفضلاء للاستزادة، فعاق دون لقائه بُعد الشقّة، وضعفي عن تحمل المشقّة، وكنت مع صغري كبير الهمة كثير الاهتمام، بإثبات أبيات تُنشد، وتطلُّب ضالة فاضل تُنشد، أُوثر سماع ما يُؤثر عنهم رواية، وأختار كتب ما أستحسنه حديثاً ونظماً وحكاية، فأحسن ما أثبتُّه من أشعار المُحدَثين، وأغربُ ما تلفَّقتُه من نظم المحدِّثين، مقطَّعة للحصكفي غريبة، مبتكرة معناها عجيبة، في وصف الخمر، أرق منها وأصفى، وآنَق وأضفى، وما سبقه أحد إلى هذا المعنى وهو: شَرُفت عن مخرج الحَدَث والمقطوعة هي: وخَليعٍ بِتُّ أَعْذُلُهُ ... ويرى عَذْلِي من العَبَثِ قلتُ: إنّ الخمرَ مَخْبَثةٌ ... قال: حاشاها من الخبَثِ قلتُ فالأرفاثُ تَتْبَعها ... قال: طِيبُ العَيش في الرَّفَثِ قلتُ: منها القيء قال: نعم ... شَرُفَتْ عن مَخْرَج الحَدَثِ وسأسْلوها، فقلت: متى ... قال عند الكَونِ في الجَدَثِ سمعتُها من غير واحد من الفضلاء والكبراء ببغداد والموصل وواسط وأصفهان، وقد صَقَلَتها الألسنة بالاستحسان، وسجّلوا لصاحبها بالفضل والبيان، وما فيهم إلاّ من أثنى عليه، ونسبها إليه. وأنشدني بعض الأفاضل الفضلاء ببغداد ليحيى الحصكفي خمسة أبيات، كالخمسة السيّارات، مستحسناتٍ، مطبوعات، مصنوعات، وهي: أشكو إلى الله من نارَيْن، واحدة ... في وَجْنَتيْه وأخرى منه في كَبِدي ومِن سَقامَيْن: سُقْم قد أحلَّ دمي ... من الجُفون وسُقم حَلَّ في جَسدي ومِن نَمُومَيْن: دمعي حين أذكُره ... يُذيعُ سِرّي، وواشٍ منه بالرَّصَد ومن ضعيفين: صَبْرِي حين أذكره ... وودّه، ويراه الناسُ طَوْعَ يدي مُهَفْهفٌ رقّ حتى قلتُ من عَجَبٍ ... أَخْصَرُه خِنْصَري أم جِلْدُه جَلَدي وأنشدني الفقيه عبد الوهاب الدمشقي الحنفي ببغداد سنة خمسين وخمسمائة قال: أنشدني الخطيب يحيى بن سلامة بميّافارقين لنفسه، من قصيدة شيعية شائعة، رائقة رائعة، أولها: حَنَّتْ فَأَذْكتْ لَوْعَتي حَنينا ... أشكو من البَيْن وتشكو البَيْنا ومنها في مدح أهل البيت ﵈: يا خائفاً عليَّ أسبابَ الرَّدى ... أما عَرَفْتَ حِصنيَ الحَصينا إنّي جعلتُ في الخطوبِ مَوْئِلي ... محمداً والأنْزَع البَطينا سُبْل النجاة والمُناجاةِ ومَن ... آوى إلى الفُلك وطورِ سِينا سِجنُكمُ سِجِّين إنْ لم تحفظوا ... عَلِيَّنا دَليلَ عِلِّيّينا وله من قصيدة قصد فيها التجنيس الظريف، اللطيف الطريف، الذي لو كان البُسْتيّ في زمانه أقرّ بأنه عبد بيانه، ومُصَلّي ميدانه، وهي:

стр. 415

أَلَبَّ داعي الهوى وَهْنَاً فلَبّاها ... قلبٌ أتاها ولولا ذِكرُها تاها تَلَتْ علينا ثناياها سُطورَ هوىً ... لم نَنْسَها مُذْ وَعَيْناها وَعَيْناها وعَرَّفْتنا معانيها التي بَهَرَتْ ... سُبْلَ الغرام فَهِمْنا إذ فَهِمْناها عِفْتُ الأَثام وما تحت اللِّثامِ لها ... وما اسْتَبَحْتُ حِماها بل حُمَيّاها يا طالبَ الحُبّ مَهْلاً إنّ مَطْلَبه ... يُنسي بأكثره اللاهي به اللهَ ولا تَمَنَّ أُموراً غِبُّها عَطَبٌ ... فَرُبَّ نفسٍ مُناها في مَناياها فَأَنْفَعُ العُدَد التقوى وأرْفَعُها ... لأَنْفُسٍ إن وَضَعْناها أَضَعْناها وله بيتان كأنهما درّتان أو كوكبان دريّان وهما: ما لِطَرْفي وما لذا السَّهر الدا ... ئم فيه وما لليلى وَلَيْلي هَجرتْني وفاز بالوَصْل أقْوا ... مٌ فطُوبى لواصِليها وَوَيْلي وأنشدني بعض الأصدقاء له من أول كلمة: هل من سبيلٍ إلى ريق المُريقِ دَمي ... فليس يَشْفِي سِوى ذاك اللّمى ألَمي والتمست من ولد الأجَلِّ العالم مؤيد الدين سديد الدولة ابن الأنباري كاتب الإنشاء في ديوان الخلافة المعظمة ما جمعه من إنشاء فضلاء الزَّمان في والده لأنقل منه ما يستظرفه العقل، ويستحسن في نَقده النَّقل، فاعتذر بأن المجموع في خَزْن الوالد، وبعث أَدْرُجاً مشتملة على شيء من الرسائل والقصائد، ومن جملتها كتابٌ بخطّ الحَصْكَفِيّ إليه نظماً ونثرا، كأنه الوَشيُ المُدَبَّج، والرَّوض المُبهِج، والدّيباج الخُسروانيّ رونقاً وجمالاً، والعَضْبُ الهُنْدُوانيّ فِرِنْداً وصِقالاً، يجمع دُرَّ النِّظام، ودَرَّ الغمام، ودراريّ الظَّلام، في سِلْك الكلام، وتُعرِبُ عربيَّتُه عن الغريزة، والرَّويَّة الرَّوِيّة، والذكاء الذَّكيّ، والبيان الوائليّ والخاطر الخطير، والفضل الكثير، والحِكَم المُحكَمة، والفصاحة المُفْحِمَة، بحروف للظَّرف ظُروف، ومَعانٍ لِلُّطْف مَغانٍ، وفُصولٍ للحسن فُصوص، وكلماتٍ عِذابٍ جَزْلَةٍ، كلِمّاتِ عَذارى جَثْلَةٍ، وألفاظٍ ساحرة، كألحاظٍ فاترة، فحملني الشَّعَفُ بآدابه، وحَداني الاكتياب بكتابه، على إثباته، قبل فَواته، ونسج فصوله وأبياته، فأوردْتُ جميع الرِّسالة، لما تحويه من المتانة والجزالة، ونسخة كتاب الحصكفيّ: سلامٌ كأنفاس الرِّياضِ يَشوبُها ... قَسيمةُ عِطرٍ تحتَ قَطرٍ يَصونُها يجُرُّ النَّسيمُ الرَّطْبُ فيها ذُيولَهُ ... جزاءً بما زُرَّتْ عليه جُيوبُها ويَخطِرُ في وادي الخُزامَى مُضَمَّناً ... أزاهيرَ منه قد تضاعفَ طِيبُها فبالعَرْفِ من دارِيْنَ عن نفَحاته ... حديثٌ إذا الأرواحُ نَمَّ هُبوبُها على المجلس السّامي السَّديديّ إنَّني ... لَرَاوي مَزايا مَجده وخطيبُها على مَجلسٍ تَهوى النُّفوسُ لِقاءَه ... وتهوي إليه صابِياتٍ قلوبُها بحيث العُلى تُحْمَى وتُمْنَعُ واللُّهى ... تُذالُ وسوقُ الفضل تُجْلى ضُروبُها مجلسُ يتبلَّجُ صباحُه، ويَتَّقِدُ مِصباحه، عن خِلالٍ يحكُمُ لها بالخَصْلِ النِّضال، وكمالٍ يشهد به الفضل والإفضال، وعَرْفٍ يفغم ناشق أثره ريّاه، ويروق رامق خيره محياه، إذ للآثار أرجٌ يُنشق، وللأخبار صورٌ تُرمق، ونشرٍ يهدي إشراقه إلى سواء السبيل، ويحكي مذاقه لذة السلسبيل، وبيت رسختْ في مباني الشرق آساسه، وشمخت بمعاني الكرم أغراسه، واستمجدت للإنجاب قرومه، وفات أمره مَن يرومه. ما زال يَبْنِي خالِفٌ عن سالِفٍ ... منهم ويُعْرِبُ آخِرٌ عن أوّلِ بَيتٌ يَجُرُّ على المَجَرَّةِ ذَيْلَه ... وندىً به عَزْلُ السِّماكِ الأعزلِ

стр. 416

وفنونِ فضلٍ ترفّ أفنانها، وتؤذن بالفوز الدائم جناتها، مكتسبة من الأشباح القدسيّة علاءً، ومنتسبة إلى الأشخاص الإنسية ولاءً، مترفّعة عن مواطنة الأغفال، ومقارنة أهل السّفال، السائرين في الجيل البهيم، والشاربين شرب الهيم، تحيّة مُربٍّ في الثناء على معاليه، مُكبٍّ على استملاء النُّكت من أماليه. ولرُبّ مُشفق يُتّهم في الإشفاق، ونصيحٍ يرجع بالإخفاق، يستهول في المُفاتَحة مقامي، ويستبعد عندها مرامي، فيقول لشَدّ ما طوّح بك الزَّماع، وطرحتْك الأطماع: تَحِنّ كأنّك ترجو مَزارا ... وتصبو، متى كنتَ للنجم جارا؟! فقلتُ نعم في الحَشا غُلَّةٌ ... أُواري بها في فؤادي أُوارا أُمَثِّلُ بالفِكر دارَ القَرارِ ... فأهجُرُ دون اللِّقاء القَرارا أَأَوَّلُ عاشٍ بغى جَذْوَةً ... فآنَسَ من جانب الطُّور نارا ولربّ ملومٍ ليس بالمُليم، وما أغفل السالم عن السليم، ولستُ بدعاً في اكتساب الفخار، وهو من أنفس الادّخار. وهبْني المُوفي على العهود، لمطالعة ذات السُّعود، إذ يصهره ناجر، وتلفحه الهواجر، يروقه السَّنا المقصور، فيثني لِيته ويصور، ويشوقه السناء الممدود، فيبعد النُّجعة ويرود: إذا حَوَّل الظِّلُّ العَشِيَّ رَأَيْتَه ... حَنيفاً وفي وقتِ الضُّحى يَتَنَصَّرُ ثم لا يقال له: راعِ جارك، والزم وِجارك، واذكر ظِيرك، وراسل نظيرك، وارجع إلى قيسك، وأبناء جنسك، وإذا لاعك لاعج البين، فلتكن لأم حنين، ما أنت وذات الإشراق، المرتقية عن كلّ راق. والصُّمُّ في عُنصُرِ الإفساد حاسِدةٌ ... بصِحّةِ السَّمْع خُلْداً ما له بَصرُ فيقول: ليس التدرُّع في قضاء الأوطار. مقصوراً على ذوي الأخطار، وقد يشترك في نسيم الهواء، وانتشار الأضواء، ضيوف الدار، وضيغم الخدار، ويتساوى في عموم اللطف، بمصابّ الدِّيم الوُطف، ذَبُّ الرِّياد، وخرق الواد، ولما أشرت بمد اليدين، إلى الخلوّ من همّ الدين، قلا من أحسن وأبيه، وأصاب الشاكلة فيه: كأنَّ حِرْباءها في كلِّ هاجرةٍ ... ذو شَيْبَةٍ من شيوخ الهند مَصلوبُ ولو وقفت برسمي، وقلبت حروف اسمي، لرأيت إيجابه باقياً، ولوجدته مع الحذف كافياً؛ لا تسمع قول الضلِّيل، عند وقت الغليل: فقلتُ: يمينَ الله أبرحُ قاعِداً ... ولو قطعوا رَأْسِي لَدَيْكِ وأوْصالي انظر كيف صرّح عن صدق هواه، واحتقر في جنبه تواه، إشارة تمهّد عذري لديك، وأتقرب بها إليك، وسأنظم بعد هذا الشّذر، وإن كان من الهذر، ثقةً بتلك الأخلاق الطاهرة، والخلائق الباهرة، فاسمع ما أقول، وقد تتباين العقول، فمن خوت من الفضل رباعه، جفت عن الشعر طباعه، والحر إن شاد، سمع الإنشاد، فإن أنخت وأصخت، حَلِيت، وزِنت اللِّيت، وإن أَبَيْت فالزم البيت: حَتّامَ أَقْطَعُ لَيْلَ التِّمِّ بالأرَقِ ... مُسْتَنْهَضَ الفكر بين الأمنِ والفَرَقِ أَبْغِي الفَخارَ وأخشى أنْ يُعَنِّفَني ... مَن ليس يعلم ما عندي من القلقِ وسائلُ الفضلِ لا تُكْدي وسائِلُهُ ... إذا تلَطَّفَ للإشكالِ بالملَقِ بحرٌ من العلم أستهدي جواهِرَهُ ... وكم شفى حالَ من أَشْفَى على الغرق له فوائدٌ نَجْنِيهنّ أفئدةٌ ... لدى حدائق نَجْنِيهنَّ بالحدقِ إنْ لم تكن تُورق الأقلامُ في يده ... فإنها تُسرِعُ الإثمارَ في الورَقِ يَبوغُ ذو الفضل تَثْقِيفاً فإنْ تُلِيَتْ ... آياته ظلّ كاليَرْبوعِ في النَّفقِ وإن تسَوَّق بالألفاظ ألحقهُ ... حُكْم الملوك ذَوي البُقْيا على السُّوَقِ كم طاش سَهْمُ مُراميه وبات له ... طَيْشُ الفَراشة طارَتْ لَيْلَة السَّذَقِ وكم مُدِلٍّ بحُضْرٍ رامَ غايَتَه ... فراح يَرْسِفُ كالمَقصور في الطَّلَقِ مثلُ الذُّبالة إذ غُرَّتْ بمادحها ... فاستشرقت لتُباري غُرّةَ الفَلَق

стр. 417

صَدرٌ تقَيَّلَ في أفعالِه سَلَفَاً ... مَن رامَ شَرْكَهمُ في ذاك لم يُطِقِ مَكارمٌ سنَّها عبدُ الكريم لهُ ... وَمَنْ يَمِقْ غيرَها من سُنّةٍ يَمُقِ من الأُلى بَهَرَتْ أنوارُ مجدِهمُ ... لَحْظَ العُيونِ فغالَ الشمسَ في الأُفقِ ما اسْتنَّ أَوّلُهم في شَأْوِه طَلَقَاً ... فعَنَّ آخرُهم في ذلك الطلَقِ لكلِّ نَوْءِ عُلاً منهم رَقيبُ عُلاً ... كما تَتابَعتِ الأنواءُ في نَسَقِ تَجْلُو مآثرَهم آثارُهم فمتى ... ألمَّ خَطْبٌ ذَكَرْنا الصَّفْوَ بالرَّنَق عِزٌّ تِلادٌ وفخرٌ غيرُ مُطَّرَفٍ ... وبُعْدُ صِيتٍ وذكرٌ غير مُخْتَلَق وَهَيْبةٌ ما تهَدَّدْتُ الزمانَ بها ... في خَشْيَتي الرَّيْبَ إلاّ خَرَّ كالصَّعِق مناقبٌ لسديدِ الدولةِ اجتمعتْ ... يَزْدَانُ بالفَرْق منها سائرُ الفِرَق آثرْتُ عند قُصوري عن بلاغته ... خِطابَه فَخَطَبْتُ العَصْب بالخَلَق ولو سرقْتُ خليعاً من ملابِسه ... لاخْتَلْتُ في حُلَّةٍ أَبْهَى من السَّرَق أشكو إليه بَني عَصْرٍ شَرِقْتُ بهم ... وهل تُطاوعني الشَّكوى مع الشَّرَق فَرَرْتُهم وتوَخَّيْتُ الفِرار وَهَلْ ... يُرْجى الإباق لعانٍ شُدَّ بالأَبَقِ حُمْرُ العيونِ على أهل النُّهى حُمُرٌ ... خَفِيتُ فيهم خَفاء النَّجم في الشَّفَق فغُرْبَتي غُرْبةُ البَيضاء في حَلَكٍ ... وَوَحْشَتي وَحْشَةُ السَّوداء في يَقَق شَأَوْتُهمْ وثَناهمْ ظُلَّعاً أمدي ... فالسَّبْقُ لي وهمُ يَحْظَوْنَ بالسَّبَق وشامخٍ في الورى بالتِّيه مُسْتَفِلٍ ... كأنّه بانحطاطٍ فاتَهُمْ وَرَقي ولو أفاق من الأهواءِ فاقَهمُ ... فإنه من يُفِقْ من سُكْرِها يَفُق ولِلعُلى مُرتقىً دَحْضٌ وكم زَلَقَتْ ... عنه الأُيومُ فمن للأَبْلَق الزَّلَق زافَتْ لَدَيْه نقودُ الفضلِ وانْمحَقتْ ... سوقُ الرَّشاد وجازَتْ صَفْقَةُ الحَمَق وغرَّه عِزُّه والدِّرْعُ ساخرةٌ ... في ضِحْكها من بُكاءِ الكَلْم بالعَلَق وفي الوِفاض نِبالٌ حَشْرَةٌ عَجَبٌ ... تَنْفَلّ بين حَرابي الزَّغْف والحَلَق يُسَرُّ أن رَمَقَتْهُ غُلْبُ صاغيةٍ ... تَذُبّ عنه، وموتُ الشاة في الرَّهَق والهمّ في حَكَماتِ الضَّعفِ وهو على ... جِماحه الطِّفْلُ، فعلَ المهر في الوَهَق يَطْغَى ولو رَمَقَ الإغبابَ كان له ... في أوّل البطش ذِكرى آخِر الرَّمَق لولا الرّجاءُ ولولا الخوف ما شُغِلَتْ ... أَيْدِي الكماة بحَملِ البِيض والدَّرَق مِن مَعْشَرٍ صُنْتُ عِرْضي عنهمُ كَرَمَاً ... إنّ الكريم لَيَحْمي عِرضَه ويَقي وكم تراءَتْ ليَ الأطماعُ كافِلَةً ... بما أُحبّ فما ذَلَّتْ لها عُنُقي لا يَعْطِفُ الحِرصُ أَعْطَافي إليه ولا ... عَيْنِي مُؤَرَّقَةٌ بالعَينِ والوَرِقِ نزاهةٌ يَفْخَر الصادي بعِزَّتِها ... على أخل الرِّيِّ، والطاوي على السَّنِقِ وكلما قُلتُ يُفْضي بي إلى حَدَبٍ ... على بني الفضل أفضى بي إلى حَنَق كم من دَثائث شَحَّتْ عن نوىً دَمِثٍ ... زاكٍ ومن بُوَقٍ سَحَّتْ على بُوَقِ هذا ولي في عُبوسِ المَحْل بَيْنَهمُ ... تبَسُّمُ الرَّوْض غِبَّ الوابِل الغَدَق وطال ما زاد إظْلاماً فزادَ به ... قَدْرِي وُضوحاً كذاك البَدرُ في الغَسَق

стр. 418

يَطيبُ في الخَطْب نَشْرُ الحُرّ فهو به ... كالوَرْد في الهَمّ لمّا انْهمَّ بالعَرَق وفي محمّدٍ المَيمونِ طائرُهُ ... شِفاءُ ما رابني في الخَلْقِ من خُلُق مُؤيِّد الدين مَن ناجَتْهُ هِمَّتُهُ ... كانت إلى مُبْتغاه أَقْصَدَ الطُّرُق ثِقْ منه بالشَّيْم بالسُّقْيا وإنْ وَعَدَتْ ... غُرُّ السَّحاب بها يوماً فلا تَثِقِ سوف يعلم عند كشف الغطاء وصيحة الحق، ما مقدار ما لبسه من المَين وخلّفه من الصدق. قد سلف من برد البائية، والإشارة الحِربائية، ما يشفعه الاعتذار، ويسعه الحلم والاغتفار، من إطالة في تقصير، ودلالةٍ تفتقر إلى تبصير، لكن سرت والزميل ظنُّها الجميل: فذالَتْ كما ذالَتْ وَليدةُ مَجْلِسٍ ... تُري ربَّها أذيالَ سَحْلٍ مُمَدَّدِ تهجر في العجل قول عاذلها، وتعثر للخجل في ذلاذلها، وللآراء السامية في ستر خلّتها، وغفر زلّتها، والتشريف بالجواب عنها مزيد السموّ والاقتدار إن شاء الله. وللحصكفي من خطبة بغير نقطة: ألا مُسدّد أراد وصل الآراد، وداوم مواصلة الأوراد، وأعدّ صلاة الأسحار لحصول صلة المَحار، وحاول دار السلام، ومحلّ الإكرام، دار سُرّ أهلها، ودام أُكلها، لا همّ ولا هرم، ولا علل ولا ألم، لا كدار الأكدار، ومُعار الأعمار، دار وِردها آل، وإطماعها مُحال، وإسماعها مِحال، وإمراعها إمحال، والدهر مداره لأهله دمار، وطواره لعالمه أطوار، إحلاء وإمرار، وإحلال وإمرار، وسُكْر وصحو، وسطر ومحو، كؤوسه سِمام، وسهامه سهام، إمّا وعد مطل، وإما أوعد هطل، رِهاماً درّ، وأحلاماً أمرّ، ما أكرم إلاّ مكر وركم، ولا رحم إلا رمح وحرم، ولا وصل إلا اصطلم وصرم، ولا مهّد إلا أهمد وهدم، ما مدح مسالماً، إلا ودهم كالماً، كم رسم ورمس، ووسم وطمس، ودعم وأعدم، وسالم وأسلم، كم سحر وحسر، وسهّل ووعّر، وأسر لما سرّ، وللعداوة أسرّ، كم سوّر وساور وأحال السوار، وروّع وعاور وألاح العوار، كم أراس وأعار، وأسار العار، مادِر ما درّ إلا للإكداء، ماكرٌ ما كرّ إلا للإرداء، ماحلٌ ما حلّ إلا للإسراء، ماصحٌ ما صحّ إلا للأدواء. وللحصكفي هذا البيت المقبول المقلوب، الذي تتقلّب نحوه القلوب: أَليفُ الشَّتات شَتيتُ الأَليف ... بعيدُ القَرين قَرين البِعاد وله في هلال الفطر، بيتان كصيّب القَطر، وطيّب العطر: تَباشَروا بهِلال الفِطْر حين بَدا ... وما أقام سِوى أنْ لاحَ ثم غدا كالحِبِّ واعَدَ وَصْلاً وهو مُحتَجِبٌ ... فحين بانَ تَقاضَوْهُ فقال: غدا وأنشد الشيخ محمد الفارقي عنه قولاً: سألتُه اللَّثْمَ يومَ البين فالْتَثما ... وصَدَّه التِّيهُ أنْ يَثْنِي إليَّ فَما فكيف أطلُب حِفظ الودّ من صَلِفٍ ... سألتُه قُبلَةً يوم الوَداع فما وأنشد أيضاً عنه: وليلةٍ أرشفتْني ظَلْمَ من ظَلَمَا ... ونوَّلَتْني من الطَّيْف المُلِمّ لَما ولو درى أنني في النوم فُزتُ به ... مِنْ بُخلِه ثم حاولتُ الرُّقاد لَما وهذه من لطائف التجنيس، وطرائف النظم النفيس، كلمٌ في العذوبة كاللمى، وألفاظ كألحاظ الدمى، ومعان في صفاء المعين، وحسن الحور العين. وقرأت في تاريخ السمعاني كتب لي عسكر بن أسامة النَّصيبي قال: وفيما كتب إليّ الخطيب أبو الفضل يحيى الحصكفي: فَعَتْبي له عَتْبُ البريء وخِيفَتي ... لحِرصي على عُتْباه خِيفَةُ جانِ فإنْ يكُ لي ذَنبٌ فأينَ وَسائلي ... وإن لم يكن ذَنبٌ ففيمَ جَفاني قال: وللحصكفي: للهِ مَن زادَنا تَذْكَارُهم وَلَهَاً ... وصَيَّروا زادَنا يَوْمَ الرحيل ضَنا وله قرأته في بعض الكتب: على ذوي الحُبِّ آياتٌ مُتَرْجمةٌ ... تُبين من أجله عن كلِّ مُشتَبِهِ عَرْفٌ يَفوح وآثارٌ تَلوحُ وأسْرارٌ تَبوحُ وأحشاءٌ تَنوحُ بهِ وله في لزوم ما لا يلزم: أقول وربّما نفعَ المَقالُ ... إليك سُهَيْلُ إذ طَلَعَ الهلالُ القمر

стр. 419

تُكاثرني بآلات المعاني ... وكيف يُكاثر البحرَ الهلالُ الماء في أسفل الحوض أتطمَعُ أن تنال المجدَ قبلي ... وأنّى تَسْبِقُ النُّجْبَ الهلالُ الصغار من النوق وَتَبْسِمُ حين تُبصِرُني نِفاقاً ... وَشَخْصي في جَوانِحِكَ الهلالُ الحربة العريضة وتُبْطنُ شِرَّةً في لِينِ مَسٍّ ... كما لانت مع اللَّمس الهلالُ الحية وتنتظر الدوائرَ بي ولكن ... عليك تدور بالشرّ الهلالُ الرحا كأنّ وُجوههم في ذُلّ مَثْوَى ... وفَرطِ صَلابةٍ فيها الهلالُ أثر الحافر في الأرض وأعراضاً أُذِيلَتْ للأهاجي ... كما يبدو على القِدَم الهلالُ الثوب الرث وما تُغني الكثائفُ عن صُدوعٍبها أن يَرْأَبَ الصَّدعَ الهلالُ الحديد الذي يشد به القصب وأعجَب كيف يَلْزَمُكُم كِتابٌ ... وَأَعْقَلُ من لَبيبكمُ الهلالُ أول ما يولد الولد وله من قصيدة: جَلّ مَن صوَّر مِن ماءٍ مَهين ... صُوَراً تَسْبِي قلوبَ العالَمينْ وأرانا قُضُباً في كُثُبٍ ... تُخجِلُ الأغصانَ في قَدٍّ ولين والقصيدة التي له في مدح أهل البيت ﵈ وأوردنا منها أبياتاً، ونسيبها هذا: حَنَّتْ فَأَذْكتْ لَوْعَتي حَنينا ... أَشْكُو من البَيْن وتشكو البِينا قد عاثَ في أشخاصِها طُولُ السُّرى ... بقَدرِ ما عاثَ الفِراقُ فِينا فخَلِّها تَمْشِي الهُوَيْنا طالما ... أَضْحَتْ تُباري الريح في البُرِينا فكيف لا نَأْوِي لها وهي التي ... بها قَطَعْنا السَّهْل والحُزونا ها قد وَجَدْنا البَرّ بَحْرَاً زاخِراً ... فهل وجدتُم غيرَها سَفِينا إنْ كُنّ لا يُفصِحْنَ بالشَّكوى لنا ... فهُنَّ بالإرزامِ يَشْتَكينا قد أَقْرَحَتْ بما تَئِنُّ كَبِدي ... إنّ الحزين يَرْحَمُ الحزينا لو عَذُبَتْ لها دموعي لم تَبِتْ ... هِيماً عِطاشاً وترى المَعينا وقد تياسرتَ بهِنّ جائراً ... عن الحِمى فاعْدِل بها يَمينا نُحَيِّ أطلالاً عفا آياتِها ... تَعاقُبُ الأيام والسِّنينا يقولُ صَحْبِي أَتَرَى آثارَهم ... نعم، ولكن لا أرى القَطينا لو لم تَجِدْ رُبوعُهم كَوَجْدِنا ... للبَيْنِ لم تَبْلَ كما بَلينا ومن رأى قَبْلَ اللِّحاظِ أَنْصُلاً ... أَرْدَتْ وما فارقَتِ الجُفونا أكُلَّما لاحَ لعَيْني بارِقٌ ... بَكَتْ فَأَبْدتْ سِرِّيَ المَصونا لا تأخذوا قلبي بذَنبِ مُقلَتي ... وعاقِبوا الخائنَ لا الأمينا ما اسْتَتَرتْ بالورَقِ الوَرْقاءُ كي ... تَصْدُقَ لمّا علَتِ الغُصونا كم وَكَلَتْ بكلّ باكٍ شَجْوَهُ ... يُعينُه إنْ عَدِمَ المُعينا هذا بُكاها والقَرينُ حاضرٌ ... فكيف مَن قد فارَق القَرينا أقسمتُ ما الرَّوض إذا ما بَعَثَتْ ... أرجاؤُه الخِيرِيَّ والنِّسْرينا وعَذُبَتْ أنهارُه وأدركتْ ... ثِمارُه وأبدَتِ المَكْنونا أَشْهَى ولا أَبْهَى ولا أَوْفَى ولا ... أَحْلَى بعَيْني لينا مِن قَدِّها ووجهها وثَغرِها ... وشَعرِها فاستمِع اليَقينا وله: أَقْوَتْ مَغانيهم فأقوى الجسَدُ ... رَبْعَانِ كلٌّ بعد سُكْنى فَدْفَدُ أسألُ عن قلبي وعن أحبابِه ... ومنهمُ كلُّ مُقِرٍّ يَجْحَدُ

стр. 420

وهل تُجيبُ أَعْظُمٌ بالِيةٌ ... أو أَرْسُمٌ دارِسةٌ مَن يَنْشُدُ ليس بها إلاّ بقايا مُهجَتي ... وذاك إلاّ حجَرٌ أو وَتِدُ كأنني بين الطُّلول واقِفاً ... أَنْدُبُهُنَّ الأشعثُ المُقَلّدُ كأنّما أنواؤها خَلاخِلٌ ... والمُثَّلُ السُّفْعُ حَمامٌ رُكَّدُ صاحَ الغُرابُ فكما تحمَّلوا ... مَشى بها كأنه مُقَيَّدُ يَحْجِلُ في آثارهمْ بَعْدَهُمُ ... بادي السِّمات أَبْقَعٌ وأسْوَدُ لبِئْسَ ما اعْتاضَتْ وكانتْ قبلَ ذا ... تَرْتَعُ فيها ظَبَيَاتٌ خُرَّدُ لَيْتَ المطايا للنَّوى ما خُلِقَتْ ... ولا حَدا من الحُداةِ أحَدُ رُغاؤُها وَحَدْوهم ما اجتمعا ... للصَّبِّ إلاّ وَشَجَاه الكمَدُ تقاسَموا يومَ الوداع كَبِدي ... فليس لي منذ توَلَّوْا كَبِدُ عن الجُفونِ رحلوا، وفي الحَشا ... تقَيَّلوا، وماءَ عَيْنِي ورَدوا فَأَدْمُعي مَسْفُوحةٌ، وكَبِدي ... مَقْرُوحةٌ، وغُلَّتي لا تَبْرُدُ وَصَبْوَتي دائمة، ومُقلتي ... دامِية، وَنَوْمُها مُشَرَّدُ أَرْعَى السُّها والفَرْقَدَيْنِ قائِلاً ... ليتَ السُّها عَنَّ عليه الفَرْقَدُ تلك بدورٌ في خُدورٍ غَرَبَتْ ... لا بل شُموسٌ فالظلام سَرْمَدُ تيَمَّني منهم غزالٌ أَغْيَدُ ... يا حبّذا ذاك الغزال الأغْيَدُ حُسامه مُجَرَّدٌ، وَصَرْحُهُ ... مُمَرَّدٌ، وخَدُّه مُوَرَّدُ وصُدْغه فوق احمرار خَدِّه ... مُعَقْرَب مُبَلْبلٌ مُجَعَّد كأنّما نَكْهَتُه وَريقُه ... مِسكٌ وخَمرٌ والثنايا بَرَدُ له قَوامٌ كقَضيبِ بانَةٍ ... يهتزُّ نَضْرَاً ليس فيه أَوَدُ يُقعِده عند القيام رِدفُه ... وفي الحَشا منه المُقيمُ المُقعِدُ أَيْقَنْتُ لمّا أنْ حَدا الحادي بهم ... ولم أمُتْ أنَّ فؤادي جَلْمَدُ كنتُ على القُرْبِ كئيباً مُغْرَماً ... صَبّاً فما ظنُّكَ بي إنْ بَعُدوا لولا الضَّنا جَحَدْتُ وَجْدِي بهِمُ ... لكنْ نُحولي بالغَرام يَشْهَدُ همُ توَلَّوْا بالفؤادِ والحَشا ... فأين صَبْرِي بَعْدَهمْ والجلَدُ همُ الحياة أَعْرَقوا أم أَشْأَموا ... أم أَتْهَموا أم أَيْمَنوا أم أَنْجَدوا ليَهْنِهِمْ طِيبُ الكَرى فإنّه ... حظُّهمُ وحظُّ عَيْنِي السَّهَدُ للهِ ما أَجْوَرَ حُكّامَ الهوى ... ليس لمن يُظلَمُ فيهم مُسْعِدُ ولا على المُتلِفِ غُرْماً بينهم ... ولا على القاتل عَمْدَاً قَوَدُ وله أيضاً: واللهِ لو كانت الدنيا بأجْمعها ... تُبْقي علينا ويأتي رِزقُها رَغَدَا ما كان مِن حقِّ حُرٍّ أن يَذِلَّ لها ... فكيف وهيَ مَتاعٌ يَضْمَحِلُّ غدا ثم وقع إليّ قطعة كبيرة من شعره ورسائله، وذلك بمصر، فلمحتها فرأيت فيها كل مُلحة، ذكيّة من نشرها بأطيب نفحة، فنسخت منها ما نسخ فخر مُساجليه، ورسخ فضله على مماثليه. فمن ذلك قوله من كلمة كتبها إلى كمال الدين الشهرزوري بالموصل مشتملة على معاني أهل التصوّف: أداروا الهوى صِرْفاً فغادرهم صَرْعَى ... فلمّا صَحَوْا من سُكرِهم شَرِبوا الدَّمْعا وما عَلِموا أنّ الهوى لو تكَلَّفوا ... محَبَّةَ أهليه لصارَ لهم طبعا

стр. 421

ولما استلذّوا مَوْتَهم بعَذابه ... وَعَيْشَهمُ في عُدْمِه سألوا الرُّجعى إذا فقدوا بعض الغرام توَلَّهوا ... كأنَّ الهوى سَنَّ الغَرامَ لهم شَرْعَا وقد دفعوا عن وَجْدِهمْ كلَّ سَلْوَةٍ ... ولو وَجَدَتْه ما أطاقَتْ له دَفْعَا وطاب لهم وَقْعُ السِّهام فما جَلَوْا ... لصائبها بِيضاً ولا نسَجوا دِرْعا فكيفَ يُعَدُّ اللَّوْمُ نُصْحاً لَدَيْهمُ ... إذا كان ضُرّ الحُبّ عندهمُ نَفْعَا ومنها: خَلا الرَّبْع من أحبابِهم، وقلوبُهمْ ... مِلاءٌ بهم، فالرَّبْعُ مَن سأل الرَّبْعا سَلِ الوُرْقَ عن يوم الفِراق فإنّهُ ... بأَيْسَرِ خَطْبٍ منه عَلَّمَها السَّجَعا إذا صَدَحَتْ فاعلَمْ بأنّ كُبودَها ... مُؤَرَّثَةٌ غَمّاً تُكابده صَدْعَى وذاك بأنّ البَيْنَ بانَ بإلْفِها ... وكيف ينالُ الوَصْلَ من وَجَدَ القَطْعا وأهلُ الهوى إنْ صافحَتْهُم يدُ النَّوى ... رَأَوْا نَهْيَها أمراً وَتَفْريقَها جَمْعَا رعى وسقى اللهُ القلوبَ التي رَعَتْ ... فَأَسْقَتْ بما أَلْقَتْ وأخرجَتِ المَرْعى وحَيّا وأحْيا أَنْفُساً أَحْيَتِ النُّهى ... وحَيَّتْ فَأَحْيَتْنا مَناقِبُها سِمْعا سحائِبُ إنْ شِيمَتْ عن المَوْصِلِ التي ... بها حَلَّتِ الأنواءُ أَحْسَنتِ الصُّنْعا أوائِلُها من شَهْرَزورٍ إذا اعْتَزَتْ ... جزى اللهُ بالخيرِ الأراكة والفَرْعا وَجَدْتُ الحَيا عنها بنُجْعَةِ غيره ... فَأَعْقَبَنا رَيَّاً وأحْسَبَنا شِبْعا ونِلْنا به وِتْرَ العطاء وَشَفْعَهُ ... كأنّا أَقَمْنا نحوه الوتْرَ والشَّفْعا وللحصكفي من قصيدة: أتُرى عَلِموا لمّا رحلوا ... ماذا فعَلوا أمْ مَن قتَلوا خدَعوا بالمَيْنِ قَتيلَ البَيْنِ فدمعُ العَين لهُم ذُلُلُ وبسَمْعي ثَوَّرَ حادِيهِمْ ... وبعيني قُرِّبَتِ البُزُلُ فمتى وصَلوا حتى قطَعوا ... ومتى سمَحوا حتى بَخِلوا قد زاد جنونُ النَّفسِ بمَنْ ... للعقل محاسنُه عُقَلُ إن قام أقام قيامَتها ... أو جالَ فَجَوْلتُه الأجَلُ كقَضيبِ البان وفي الأجفا ... ن من الغِزلانِ له مثَلُ أشكو زَمَنَاً أَوْلَى مِحَناً ... وجنى حَزَنَاً فَعَفَتْ سُبُلُ العلمُ يُهانُ وليس يُصا ... ن فأيُّ لسانٍ يَرْتَجِلُ وله من رسالة: للقلوب من دون أستار الغيوب، أطال الله بقاء القاضي، حَواسّ سلمتْ مطالعُها، وعُدمت موانعها، فلا يوقر سامعها، ولا يعشى طامعها، لأنها صفت فوُصفت، وسرحت فشُرحت، فهي تستمد القوى من أنوار ذواتها، وتتلقّاها من فيض أدواتها، وتلك لأهل الأحوال، وأنا منها على الأقوال، وأخرى تطالعها الأنوار من مظانّها، في مكامنها، وتتّصل بها القوى لدى مساكنها، من معادنها، لأنها قُصرت فنُصرت، وحُصرت فبُصرت. كالشمس لا تبتغي بما صَنَعَتْ منفعةً عندهم ولا جاها ومنها في التجنيس المنعكس وكل كلمة مشتقة من أختها: فالنفس بعقود التذرُّع حالية، ولقعود التعذّر حائلة، ومن الودائع المُعجزة مالية، وإلى الدواعي المزعجة مائلة، وفي بحار الحمد راسية، وفي رحاب المدح سائرة، تجمح إلى مواصلة القمر، وتُحجم عن مصاولة القرم، لتكفّ بإظفار الأمل، وتفك بأظفار الألم، فهل كامل يُعني، ومالك يُعين، ومقتصِد يدني، ومتصدِّق يُدين، فالرغبة إلى الشهُب، من الغُربة في الشبه، رغبة مَن قصد بالإلهام، مواقع السحاب الهام، وورد شريعة الإفهام، لظما الإبهام، وتعرّض لمعان دقَّتْ عن الأفهام، ورقّت فترقّت عن الأوهام. وله وقد أودعها رسالةً: قُمْ سَقِّني صَفْوَها يا صاحِ والعَكَرا ... مُدامَةً تُذهِبُ الأحزان والفِكَرا ويا نَديمي تنَبَّهْ إنّما سَكَني ... مَن لا يَلَذُّ على حُبِّ السُّلافِ كَرا

стр. 422

وله فيها: هاتِها في نسائم الأسْحارِ ... حين تَشْدُو على الغصونِ القَماري مُزّة الطّعْم وهي أحلى من الشَّهْدِ وأذكى من الكِباء القَماريّ والتي حُرِّمَتْ عليك مع المَيْسِر دَعْ شُرْبها لأهل القِمار فطُلوعُ الشُّموسِ عمّا قليلٍ ... سوفَ يُنسيكَ غَيْبَةَ الأقمارِ ومنها نثراً: فآنس أجمالاً تُزمّ، وأحمالاً تُضمّ، وأحوالاً تهول، وأهوالاً تَحول، وأوجالاً تصول، وأصوالاً تجول، وسمع تناذُر القُطّان، بمفارقة الأوطان، وتثويب الداع، بوشك الوداع، وللحداة زجل، وعلى القوم عجل، وقد بُنيت القباب، وحُثّت الرِّكاب، وفي الخدور، أشباه البدور، وتحت الأكِلّة، أمثال الأهلّة، وأيدي النَّوى لاعبة، وغِربانه ناعبة، والحيّ قد طُرق، والصواع قد سرق، وضمن مؤذّن العير، لمن جاء به حمل بعير، يا له من عامريّ، بيسَ من عام رَيّ، وخَليس مصاب، بيس من خليس مَصاب، وقد سُلبت أكناف الثغور، بنتح ذلك النور، وعدمت أرجاء العقيق، أَرَجَ ذلك الروض الأنيق، وحُرمت أبيات رامة، تلك الكرامة. وله منها نظماً في طول الليل: يا لَيْلُ ما فَعَلَ الصباحُ ... أَفَمَا لمُبْهَمِهِ اتِّضاحُ لَيْلِي غُرابٌ واقعٌ ... في الشرق ليس له جَناحُ دَلَكَتْ بَراحِ فقالت ال ... أفلاكُ ليس لنا بَراحُ مَرِضَتْ عن السيْرِ الدُّجى ... وَرَنَتْ لها الحدَقُ الصِّحاحُ ما زال تَبْيَضُّ العُقو ... دُ بها ويسْوَدُّ الوِشاحُ حتى أقول عساه يَخْضِب شَيْبَهُ الدهرُ الوَقاحُ وكأنّما خَلَعَتْ غدا ... ئراها على الجوِّ المِلاحُ ومنها نثراً: ما كل عبرةٍ تسفح، عن زفرة تلفح، قلبي الوطيس، وتحنُّ العيس، وعندي اللاعج، وتُرزم النواعج، فعدِّ عن دفع النفاق، ودعوى الإشفاق، إنما كمون الداء، حيث تنفُّس الصُّعداء. فقد قلتُ يا قلبُ كُن بَعْدَهم ... جَليداً فقال ألا خَلِّ عنّي إذا أَوْحَشَ الحيُّ من سادتي ... فلا أنا منكَ ولا أنت منّي وله: جاءني يَحْلِفُ أي أنّي مُحِبٌّ وشَفيقُ يُظهِر البِرَّ وفي البا ... طِن خُبْثٌ وعُقوقُ مِثلما يَخْدَعُكَ الضَّحْضاحُ والبحرُ عميقُ كلُّه مَحْلٌ وإنْ غرَّ ... تْ رُعودٌ وبُروقُ ثَمرٌ مرٌّ لجانِيهِ وأوراق تَروقُ وعجيبٌ أنْ زكا الفر ... عُ ولم تَزْكُ العُروقُ دِينُه دِينٌ رقيقُ ... وله وجهٌ صَفيقُ وله، لا حاطه اللهُ، إلى كلٍّ طريقُ هو بالفِعل عَدوٌّ ... وهو بالقَولِ صَديقُ هو في القُربِ رحيقٌ ... وهو في البُعدِ حريقُ هو قُدّامي مَنْجُو ... ق وَخَلْفي مَنْجَنيقُ وإنِ اسْتُنطِقَ بَقٌّ ... وإنِ اسْتُكتِمَ بُوقُ خَلَقُ الأخلاقِ بالهِجرانِ والتَّرْكِ خَليقُ ففؤادي منه في تيّار أفكاري غَريقُ إنْ أُجانِبْه يَقُلْ كا ... نتْ وضاعَتْ لي حُقوقُ أو أُصاحِبْه فما يُلفى له عَقدٌ وثيقُ وله منّي إنْ أَعْرَضْتُ عنه الخَنْفَقيقُ عنديَ النارُ له فيها زَفيرٌ وشهيقُ غير أنّ المَكر والغَدْ ... ر بمثلي لا يَليقُ عَلَّهُ من لَمّة الجَهْل بتَوفيقٍ يُفيقُ وله: جَلَّنارٌ أم شَقيقُ ... وَجْنَتاهُ أم عَقيقُ وسيوفٌ أم جُفون ... تلك أم خَمرٌ عَتيقُ بَرَدٌ في الفَم أمْ ثَغْرٌ وريقٌ أم رَحيقُ غُصنُ بانٍ ماس في البُرْ ... دَة أم قدٌّ رشيقُ رَشَأٌ كلَّفني في ... حُبِّه ما لا أُطيقُ فكأني وهَواهُ ... رِدْفُه الخصرُ الدقيقُ وله وقد سبق ذكر أول بيت: هل من سبيلٍ إلى رِيقِ المُريقِ دَمي ... فما يُزيل سِوى ذاك اللَّمى ألَمي يَشْفِي به من يُهينُ الدُّرَّ مَنْطِقُها ... نَظْمَاً ونثراً بدُرِّ الثَّغر والكِلَمِ

стр. 423

رَوْدٌ تَرودُ حِمى قَلْبِي وتشربُ من ... دَمْعِي وتسكن من صدري إلى حَرم نادتْ محاسِنها العُشّاقَ مُعلِنةً ... أنّ المَنى والمُنى في مُقْلتي وفمي فما احْتكمْتُ وعيْنَيْها إلى فَمِها ... إلاّ شُغِلتُ عن الخَصْمين بالحَكَمِ غَرّاءُ كالدُّرَّة البيضاء تَحْجُبُها ... أستارُ بحرٍ بماء الموتِ مُلتَظِم تُهْوى فَتَهْوي المُنى دون اللَّحاقِ بها ... أَفْدِيك مِن أَمَمٍ أَعْيَا على الأُممِ زارَتْ فَأَيْقَظتُ صَوْنِي في زيارتها ... ليَقْظتي وَنَدَبتْ الحلْمَ للحُلُمِ آليتُ أسألُ إلْمامَ الخيالِ ولي ... عَينٌ وقد ظَعَنَ الأحباب لم تَنَمِ كأنَّني بهمُ أَقْسَمتُ لا طَمِعت ... طيبَ الكَرى فأبَرَّتْ مُقلَتي قَسَمي وكيف لي يَوْمَ ساروا لو صَحِبْتُهمُ ... مِن المطايا ورأسي مَوْضِعَ القَدِم بانوا فَرَبْعُ اصطباري مُنذ بَيْنِهمُ ... بالٍ كَرَبْعِهمُ البالي بذي سَلَم وا وَحْشَتي إذ أُنادي في مَعالِمِهمْ ... صُمّاً تُجيبُ بما يَشفي من الصَّممِ يَشْكُو صَداها إلى عَيْنِي فَتَمْنَحُها ... دَمْعَاً إذا فاض أَغْنَاها عن الدِّيَمِ وكلّما قال صحبي طالَ مَوْقِفُنا ... فارْحلْ بنا قالت الآثارُ بل أَقِم مَنازِلٌ كلّما طال البِعاد عَفَتْ ... كأنما تَسْتَمِدُّ السُّقْمَ من سَقَمي قِفوا فَأَقْوى غَرامي ما يُجَدِّدُهُ ... برَسْمِه طَلَلٌ أقوى على القِدَم قُل للأُلى غَرَّهمْ حِلْمي ونَقَّصَهمْ ... إيّاكمُ وطريقَ الضَّيْغَمِ اللَّحِم فالحِلْمُ جَفْنٌ وإنْ سُلَّتَّ حَفيظتُه ... فربّما كَشَفَتْ عن صارِمٍ خَذِمِ وله قصيدة طائيّةٌ على وزن قصيدة المعري وقد أثبتُّها جميعها لإثبات أخواتها من أشعار أهل العصر كتب بها إلى الرئيس أبي طالب الحسين بن محمد بن الكُميت وهي: أَعَذْلُك هذا أنْ رَأَيْتَهمُ شَطُّوا ... وفي الآلِ إذْ غَطَّوْا هَوادِجَهُمْ غَطُّوا لئن قُوِّضَتْ فاراتهم وتحَمَّلوا ... لقد نُصِبَتْ في خاطِري وبه حَطُّوا فلا تَحْسَبنَّ الشَّحْطَ يُذْهِل عنهمُ ... فأقربُ ما كانوا إذا اعترضَ الشَّحْطُ رَضِيتُ بمن أهوى فدامَ لي الرِّضا ... وَتَسْخطُه منّي فَدام لك السُّخْطُ رأيتُ الأُلى كلَّفْتني الصبرَ عنهمُ ... بهم قَسَمي ما إنْ تَناسَيْتُهم قَطُّ همُ سَوَّموا لَيْلِي وصُبْحي كتائباً ... من الروم تَغْزُوني وتَخْلُفها الزُّطُّ فَأَعْجَبُ منّي كيف أغترُّ بالهوى ... وأسألُه قِسْطاً وما شأنه القِسطُ وعن رغبةٍ حكَّمتُ في القلب جائراً ... فَشَكْوايَ منه القَسْطَ في حكمه، قِسْطُ نصحتُكمُ لا تركبوا لُجَجَ الهوى ... ألا إنّ بحر الحبّ ليس له شطُّ بسِقْط اللِّوى أَبْكَى امرأَ القيسِ مَنْزِلٌوليس اللِّوى داءَ ابنِ حُجْرٍ ولا السِّقْطُ لَقِيتُ برَهْطي كلَّ خَطْبٍ تدافَعوا ... فحينَ لَقيتُ الحُبَّ أسلمَني الرَّهْطُ وأَرْبُطُ جَأْشِي عند كلِّ عظيمةٍ ... تُلِمُّ ويومَ البَيْن يَنْتَكِثُ الرَّبْطُ ولمّا أذاعوا ما أسَرُّوا من النَّوى ... وظَلَّتْ على العُشّاقِ أحداثها تَسْطُو كَتَبْنا على صُحْفِ الخُدودِ بمُذْهَبٍ ... وكان من الأجفانِ بالحُمْرةِ النَّقْطُ ومُقْتَبِسٍ سِقْطاً أَشَرْتُ إلى الحَشا ... وجاحِمِها لمّا تعَذَّرَتِ السقْطُ أَحِلُّ رِياضَ الحَزْنِ مُكْتَئِبَ الحَشاوَقَلْبي بحيثُ الأَثْلُ والسِّدْرُ والخَمْطُ تعَلَّق بالقُرْطِ المُعلَّقِ قائلاً ... سُكوني مُحالٌ كلّما اضطرب القُرْطُ

стр. 424

وفي المِرْطِ ماءُ المُزن لَوْنَاً ورِقّةً ... عَجِبْتُ له لم يُنْدِ عالِيَهُ المِرْطُ وفوقَ كَثيبِ الرملِ غُصنُ أراكَةٍ ... بسالِفَتَيْ رِيمِ الأراكةِ إذْ يعطو يخافُ لضَعفِ الوَسْط يَسْقُطُ رِدْفُهُ ... ويخشى لثِقْلِ الرِّدْفِ ينتشر الوَسْطُ وَتَسْعى على اللِّيتَيْن سُودٌ إذا الْتوتْ ... أقَرَّت لها الأصْلالُ والصِّمَمُ الرُّقْطُ وفوقَ بَياضِ الخَدِّ خطٌّ مُنَمْنمٌ ... تَذِلُّ لذاك الخطِّ ما تُنبِتُ الخَطُّ وذي شَنَبٍ عَذْبُ المَجاجةِ رِيقُه ... كما قُطِّبَتْ بالمِسْكِ صَهْبَاءُ إسْفِنْطُ رَشَفْتُ وقد غابَ الرَّقيبان: مُوقِدٌ ... بغارٍ ووَقّادٌ يَغور وَيَنْحَطُّ فيا راكباً تَمْطُو به أَرْحَبيّةٌ ... كِنازٌ تبُذُّ البرقَ والريح إذْ تَمْطُو وإنْ هي مَطَّتْ للنَّجاءِ وأرْقَلَتْ ... عَزاها إلى فتح المَلا ذلك المَطُّ فلو رامَتِ الكُومُ المَراسيل شَأْوَها ... لقُلنا لها: كُفّي لك العَقْرُ والشَّحْطُ وما يَدَّعي إسآدَها السيِّدُ عاسِلاً ... بقَفْرَته لو أنّه الأطْلَسُ المِلْطُ كأنَّ الفَلا طَيُّ الضمير، وَخَطْوَها ... مع الخَطْر خَطْرُ الوهمِ لا الوهمِ إذ يَخْطُو بعِيسِك عُجْ بابنِ الكُمَيْت وقل له ... أبا طالبٍ ما كان ذا بيننا الشَّرطُ بَسَطْتَ بِساطَ الأُنسِ ثم طَوَيْتَه ... ولم يتَّصِل كالطَّيِّ ما بيننا البَسْطُ وَعَدْتَ بإيناسي وعُدْتَ تَلُطُّه ... وغيرُك يَعْرُوه إذا وعد اللَّطُّ وما كنت أدري قبل سِمطٍ نَظَمْتَه ... بأنك بحرُ الدُّرِّ حتى أتى السِّمطُ كتابٌ بدا فيه لعَيْني وخاطري ... ربيعان مَجْمُوعان: لَفْظُك والخطُّ تدارَكْتَ وَخْطَ الشيْب فارتَدَّ فاحِماً ... فمن لي بأُخرى قبل أن يَشْمَلَ الوَخْطُ عَذَرْتُ جِعاداً يقتفونَ سِباطَهم ... ولا عُذْر أن يَقْتَاف جَعْدَهمُ السَّبْطُ أَأَحْوَجْتَني حتى اقْتضيْتُك جَأْبَةً ... بجَحْمَرِشٍ شَوْهَاءَ في جِيدها لَطُّ ومِن قَبْلِها قد سار نحوك رائداً ... فَأَبْرمَ ذاك الحَيْدَرُ اليَفَنُ الثَّطُّ على أنها لو نَفْطَوَيْه انبرى لها ... بطَعنٍ وإزْراءٍ لحرَّقه النِّفْطُ ولو أُخِّرَ الشيخُ المعريُّ ما ابْتنى ... " لمن جِيرَةٌ سِيموا النَّوالَ فلم يُنْطوا " ولا نَظَمَ الشاميُّ بعد سَماعها ... " لأيَّةِ حالٍ حُكِّموا فيك فاشْتَطوا " تَساوى المَعاني والمَباني تَناسُباً ... كما يستوي في نَفْعِ أسنانِه المُشْطُ وما كَنَبيط القوم مَنْبَطُ عِلمِهم ... ولا يستوي قُطبُ الفَصاحة والقِبْطُ وكم صُنتُ نفسي عن حِوار مُجالِسٍ ... مَلاغِمُهُ الوَجْعاء، والكَلِمُ الضَّرْطُ وما كان عندي أنّه العَوْد مَسَّهُ ... خُباطٌ وأنّ اللَّفظ من فَمِه الثَّلْطُ فقد نَفِدَ الطِّيبُ الذي كنتُ أتَّقي ... به فاه حتى صار من طِيبيَ القُسْطُ له دَفَرٌ في كلِّ جُزءٍ بجِسمه ... إذا فاح قُلنا ذا الفتى كل إبطُ به زَبَبٌ قد عَمَّ أكثرَ جِلدِه ... ولكن فشافي نَبْتِ عارِضه المَرْطُ إذا ما أَفَضْنا في الكلام رَأَيْتَه ... يُخَلِّط حتى قلت ثار به خِلْطُ ويَنشَط للتأويل في الجَهل غارقاً ... له الوَيلُ ما يدريه ما الغَرْقُ والنَّشْطُ

стр. 425

وَيَعْزو إلى النُّعمان كلَّ عَضيهةٍ ... فيرتفعُ النعمان عنها وَيَنْحَطُّ ليَ النخل أجني خَيْرَها من فروعها ... ولكن له من شِيصِها تحتها اللَّقْطُ فَيَخْبِطُ في عَشْوَاءَ لا دَرَّ دَرُّهُ ... وَمَنْ كان مَمْسُوساً تعَهَّده الخَبْطُ وكم قد أمرناه بضَبطِ لسانه ... ومُذ شَذَّ عنه العقل أعجزَه الضَّبْطُ يَخُطُّ بكَفٍّ، حَقُّها البَتْكُ، أَحْرُفاً ... كما كتبتْ يوماً بأرجُلِها البَطُّ قويٌّ على نَقْلِ الملام للُؤْمِهِ ... ضَعيفٌ به عن كلِّ صالحةٍ وَهْطُ موَدَّتُه إثمٌ ومنظرُه أذىً ... ومنزِله جَدْبٌ وراحَتُه قَحْطُ فلو قد رَأَتْهُ أمُّه وَبَدَتْ لها ... مَساويه وَدَّتْ أنّ مَن وَلَدَت سقْطُ فقلْ للحُسينِ قد أطلتُ وإنّما ... لساني على الأعداء مُحتكِمٌ سَلْطُ فقُطَّ شَوى هَمّي بُرقْشٍ تَقُطُّها ... فهُنَّ كبِيضٍ دِينُها في الوغى القَطُّ وهذه قصيدة في التجنيس، من متاعه النفيس: أَطِعِ الهوى فالعقلُ خازٍ خازمُ ... والجهل يُغري وهو هازٍ هازمُ الخازي السائس القاهر، يقال خزاه إذا ساسه وقهره، وأما أخزاه بالألف فهو من الخزي. واعْملْ فحرفُ الشَّرط صُنعُك والرَّدى ... عنه جوابٌ وهو جازٍ جازمُ المعنى أن الموت جواب الشرط، والشرط هو العمل، وحروف الجزاء تجزم، فكذلك الموت يجزم المستقبل. وإذا عَلَوْتَ فَواصِ بالعلمِ العُلى ... تَكْمُل فخيرُ القومِ عالٍ عالمُ واصِ بمعنى واصِل، واصاه أي واصله. وابْسُط يَدَيْك فإنّ قابض كَفِّه ... في بَسْطَةِ الإثْراءِ عادٍ عادِمُ واكتُمْ نوالك فالكريم نوالُه ... غَيثٌ وجُنْحُ الليلِ ساجٍ ساجمُ معناه كن كالغيث الساجم ليلاً فهو يُغني ولا يرى: وإذا شَكَوْتَ إلى امرئٍ وَشَكَمْتَه ... كَرِهَ الندى لا كان شاكٍ شاكمُ شكمته أعطيته، والشَّكم العطاء. واسْلُ الدَّنايا تَسْلَمِ العُقْبى غداً ... في مَنْزِلَيْك، فكلُّ سالٍ سالمُ يا ساخِط الأقْسام يَأْمُلُ رزقةً ... يَرْضَى بها والدهر قاسٍ قاسمُ اِقْنَعْ بجِيدٍ عاطلٍ وانْظِم له ... عِقْدَ الصَّلاحِ فكلُّ حالٍ حالمُ من الحلُم وهو ما يراه النائم. كم من فتىً جَعَلَ القناعة جُنَّةً ... دون المطامع فهو غانٍ غانمُ وارفَعْ مَنارَ المُهتدي بك لا كمن ... يُولي ويُلْوي فهو هادٍ هادمُ والهجو لا تَهْجُم على عِرْضٍ به ... سَفَهَاً فشَرُّ الناسِ هاجٍ هاجمُ ترجو وترُجم غيرَ غافِرِ زَلَّةٍ ... بِئسَ الفتى يا صاحِ راجٍ راجمُ أي شاتم من قوله تعالى: لأَرْجُمَنَّك أي لأشتُمنَّك. حَسْبُ الظَّلوم على ذَميم مآلِه ... باللؤم فهو بكلّ نادٍ نادمُ وإذا المُفيضُ دعا القِداح فإنّما ... سَهْمُ المُسالم وهو ناجٍ ناجمُ المعنى أن طالب المسألة ينجو، وسهم الناجم أي الظاهر، والمفيض الذي يُجيل السهام. وإذا وَقَيْتَ أخاك لم أرَ سُبَّةً ... وَقْمَ العِدى والشهمُ واقٍ واقمُ كُن كالحُسامِ كَلا الرَّفيقَ وحَدُّه ... للضِّدِّ كَلْمٌ فهو كالٍ كالمُ تُخُطي الحظوظُ ذوي النُّهى وينالُها ... فَدْمٌ من الخَيرات عارٍ عارمُ والدهرُ يَحْكِي ثم يَحْكُم بعدما ... يُلْقي المَعاذر فهو حاكٍ حاكمُ ونعى إليك العيشُ نفسَك خادِعاً ... لك بالنعومةِ فهو ناعٍ ناعمُ فالغُفْل عند الخوف مُغْفٍ مُغْفِلٌ ... والجَلْدُ عند الأمن حازٍ حازمُ حاز أي حازر، تقول العرب حزا فلان الشيء أي حزره.
следующие страницы →