← Адаб

Адаб · id 12815

خريدة القصر وجريدة العصر - أقسام أخرى

العماد الأصبهاني الكاتب

Полный текст (895 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

ولما استلذّوا مَوْتَهم بعَذابه ... وَعَيْشَهمُ في عُدْمِه سألوا الرُّجعى إذا فقدوا بعض الغرام توَلَّهوا ... كأنَّ الهوى سَنَّ الغَرامَ لهم شَرْعَا وقد دفعوا عن وَجْدِهمْ كلَّ سَلْوَةٍ ... ولو وَجَدَتْه ما أطاقَتْ له دَفْعَا وطاب لهم وَقْعُ السِّهام فما جَلَوْا ... لصائبها بِيضاً ولا نسَجوا دِرْعا فكيفَ يُعَدُّ اللَّوْمُ نُصْحاً لَدَيْهمُ ... إذا كان ضُرّ الحُبّ عندهمُ نَفْعَا ومنها: خَلا الرَّبْع من أحبابِهم، وقلوبُهمْ ... مِلاءٌ بهم، فالرَّبْعُ مَن سأل الرَّبْعا سَلِ الوُرْقَ عن يوم الفِراق فإنّهُ ... بأَيْسَرِ خَطْبٍ منه عَلَّمَها السَّجَعا إذا صَدَحَتْ فاعلَمْ بأنّ كُبودَها ... مُؤَرَّثَةٌ غَمّاً تُكابده صَدْعَى وذاك بأنّ البَيْنَ بانَ بإلْفِها ... وكيف ينالُ الوَصْلَ من وَجَدَ القَطْعا وأهلُ الهوى إنْ صافحَتْهُم يدُ النَّوى ... رَأَوْا نَهْيَها أمراً وَتَفْريقَها جَمْعَا رعى وسقى اللهُ القلوبَ التي رَعَتْ ... فَأَسْقَتْ بما أَلْقَتْ وأخرجَتِ المَرْعى وحَيّا وأحْيا أَنْفُساً أَحْيَتِ النُّهى ... وحَيَّتْ فَأَحْيَتْنا مَناقِبُها سِمْعا سحائِبُ إنْ شِيمَتْ عن المَوْصِلِ التي ... بها حَلَّتِ الأنواءُ أَحْسَنتِ الصُّنْعا أوائِلُها من شَهْرَزورٍ إذا اعْتَزَتْ ... جزى اللهُ بالخيرِ الأراكة والفَرْعا وَجَدْتُ الحَيا عنها بنُجْعَةِ غيره ... فَأَعْقَبَنا رَيَّاً وأحْسَبَنا شِبْعا ونِلْنا به وِتْرَ العطاء وَشَفْعَهُ ... كأنّا أَقَمْنا نحوه الوتْرَ والشَّفْعا وللحصكفي من قصيدة: أتُرى عَلِموا لمّا رحلوا ... ماذا فعَلوا أمْ مَن قتَلوا خدَعوا بالمَيْنِ قَتيلَ البَيْنِ فدمعُ العَين لهُم ذُلُلُ وبسَمْعي ثَوَّرَ حادِيهِمْ ... وبعيني قُرِّبَتِ البُزُلُ فمتى وصَلوا حتى قطَعوا ... ومتى سمَحوا حتى بَخِلوا قد زاد جنونُ النَّفسِ بمَنْ ... للعقل محاسنُه عُقَلُ إن قام أقام قيامَتها ... أو جالَ فَجَوْلتُه الأجَلُ كقَضيبِ البان وفي الأجفا ... ن من الغِزلانِ له مثَلُ أشكو زَمَنَاً أَوْلَى مِحَناً ... وجنى حَزَنَاً فَعَفَتْ سُبُلُ العلمُ يُهانُ وليس يُصا ... ن فأيُّ لسانٍ يَرْتَجِلُ وله من رسالة: للقلوب من دون أستار الغيوب، أطال الله بقاء القاضي، حَواسّ سلمتْ مطالعُها، وعُدمت موانعها، فلا يوقر سامعها، ولا يعشى طامعها، لأنها صفت فوُصفت، وسرحت فشُرحت، فهي تستمد القوى من أنوار ذواتها، وتتلقّاها من فيض أدواتها، وتلك لأهل الأحوال، وأنا منها على الأقوال، وأخرى تطالعها الأنوار من مظانّها، في مكامنها، وتتّصل بها القوى لدى مساكنها، من معادنها، لأنها قُصرت فنُصرت، وحُصرت فبُصرت. كالشمس لا تبتغي بما صَنَعَتْ منفعةً عندهم ولا جاها ومنها في التجنيس المنعكس وكل كلمة مشتقة من أختها: فالنفس بعقود التذرُّع حالية، ولقعود التعذّر حائلة، ومن الودائع المُعجزة مالية، وإلى الدواعي المزعجة مائلة، وفي بحار الحمد راسية، وفي رحاب المدح سائرة، تجمح إلى مواصلة القمر، وتُحجم عن مصاولة القرم، لتكفّ بإظفار الأمل، وتفك بأظفار الألم، فهل كامل يُعني، ومالك يُعين، ومقتصِد يدني، ومتصدِّق يُدين، فالرغبة إلى الشهُب، من الغُربة في الشبه، رغبة مَن قصد بالإلهام، مواقع السحاب الهام، وورد شريعة الإفهام، لظما الإبهام، وتعرّض لمعان دقَّتْ عن الأفهام، ورقّت فترقّت عن الأوهام. وله وقد أودعها رسالةً: قُمْ سَقِّني صَفْوَها يا صاحِ والعَكَرا ... مُدامَةً تُذهِبُ الأحزان والفِكَرا ويا نَديمي تنَبَّهْ إنّما سَكَني ... مَن لا يَلَذُّ على حُبِّ السُّلافِ كَرا

стр. 422

وله فيها: هاتِها في نسائم الأسْحارِ ... حين تَشْدُو على الغصونِ القَماري مُزّة الطّعْم وهي أحلى من الشَّهْدِ وأذكى من الكِباء القَماريّ والتي حُرِّمَتْ عليك مع المَيْسِر دَعْ شُرْبها لأهل القِمار فطُلوعُ الشُّموسِ عمّا قليلٍ ... سوفَ يُنسيكَ غَيْبَةَ الأقمارِ ومنها نثراً: فآنس أجمالاً تُزمّ، وأحمالاً تُضمّ، وأحوالاً تهول، وأهوالاً تَحول، وأوجالاً تصول، وأصوالاً تجول، وسمع تناذُر القُطّان، بمفارقة الأوطان، وتثويب الداع، بوشك الوداع، وللحداة زجل، وعلى القوم عجل، وقد بُنيت القباب، وحُثّت الرِّكاب، وفي الخدور، أشباه البدور، وتحت الأكِلّة، أمثال الأهلّة، وأيدي النَّوى لاعبة، وغِربانه ناعبة، والحيّ قد طُرق، والصواع قد سرق، وضمن مؤذّن العير، لمن جاء به حمل بعير، يا له من عامريّ، بيسَ من عام رَيّ، وخَليس مصاب، بيس من خليس مَصاب، وقد سُلبت أكناف الثغور، بنتح ذلك النور، وعدمت أرجاء العقيق، أَرَجَ ذلك الروض الأنيق، وحُرمت أبيات رامة، تلك الكرامة. وله منها نظماً في طول الليل: يا لَيْلُ ما فَعَلَ الصباحُ ... أَفَمَا لمُبْهَمِهِ اتِّضاحُ لَيْلِي غُرابٌ واقعٌ ... في الشرق ليس له جَناحُ دَلَكَتْ بَراحِ فقالت ال ... أفلاكُ ليس لنا بَراحُ مَرِضَتْ عن السيْرِ الدُّجى ... وَرَنَتْ لها الحدَقُ الصِّحاحُ ما زال تَبْيَضُّ العُقو ... دُ بها ويسْوَدُّ الوِشاحُ حتى أقول عساه يَخْضِب شَيْبَهُ الدهرُ الوَقاحُ وكأنّما خَلَعَتْ غدا ... ئراها على الجوِّ المِلاحُ ومنها نثراً: ما كل عبرةٍ تسفح، عن زفرة تلفح، قلبي الوطيس، وتحنُّ العيس، وعندي اللاعج، وتُرزم النواعج، فعدِّ عن دفع النفاق، ودعوى الإشفاق، إنما كمون الداء، حيث تنفُّس الصُّعداء. فقد قلتُ يا قلبُ كُن بَعْدَهم ... جَليداً فقال ألا خَلِّ عنّي إذا أَوْحَشَ الحيُّ من سادتي ... فلا أنا منكَ ولا أنت منّي وله: جاءني يَحْلِفُ أي أنّي مُحِبٌّ وشَفيقُ يُظهِر البِرَّ وفي البا ... طِن خُبْثٌ وعُقوقُ مِثلما يَخْدَعُكَ الضَّحْضاحُ والبحرُ عميقُ كلُّه مَحْلٌ وإنْ غرَّ ... تْ رُعودٌ وبُروقُ ثَمرٌ مرٌّ لجانِيهِ وأوراق تَروقُ وعجيبٌ أنْ زكا الفر ... عُ ولم تَزْكُ العُروقُ دِينُه دِينٌ رقيقُ ... وله وجهٌ صَفيقُ وله، لا حاطه اللهُ، إلى كلٍّ طريقُ هو بالفِعل عَدوٌّ ... وهو بالقَولِ صَديقُ هو في القُربِ رحيقٌ ... وهو في البُعدِ حريقُ هو قُدّامي مَنْجُو ... ق وَخَلْفي مَنْجَنيقُ وإنِ اسْتُنطِقَ بَقٌّ ... وإنِ اسْتُكتِمَ بُوقُ خَلَقُ الأخلاقِ بالهِجرانِ والتَّرْكِ خَليقُ ففؤادي منه في تيّار أفكاري غَريقُ إنْ أُجانِبْه يَقُلْ كا ... نتْ وضاعَتْ لي حُقوقُ أو أُصاحِبْه فما يُلفى له عَقدٌ وثيقُ وله منّي إنْ أَعْرَضْتُ عنه الخَنْفَقيقُ عنديَ النارُ له فيها زَفيرٌ وشهيقُ غير أنّ المَكر والغَدْ ... ر بمثلي لا يَليقُ عَلَّهُ من لَمّة الجَهْل بتَوفيقٍ يُفيقُ وله: جَلَّنارٌ أم شَقيقُ ... وَجْنَتاهُ أم عَقيقُ وسيوفٌ أم جُفون ... تلك أم خَمرٌ عَتيقُ بَرَدٌ في الفَم أمْ ثَغْرٌ وريقٌ أم رَحيقُ غُصنُ بانٍ ماس في البُرْ ... دَة أم قدٌّ رشيقُ رَشَأٌ كلَّفني في ... حُبِّه ما لا أُطيقُ فكأني وهَواهُ ... رِدْفُه الخصرُ الدقيقُ وله وقد سبق ذكر أول بيت: هل من سبيلٍ إلى رِيقِ المُريقِ دَمي ... فما يُزيل سِوى ذاك اللَّمى ألَمي يَشْفِي به من يُهينُ الدُّرَّ مَنْطِقُها ... نَظْمَاً ونثراً بدُرِّ الثَّغر والكِلَمِ

стр. 423

رَوْدٌ تَرودُ حِمى قَلْبِي وتشربُ من ... دَمْعِي وتسكن من صدري إلى حَرم نادتْ محاسِنها العُشّاقَ مُعلِنةً ... أنّ المَنى والمُنى في مُقْلتي وفمي فما احْتكمْتُ وعيْنَيْها إلى فَمِها ... إلاّ شُغِلتُ عن الخَصْمين بالحَكَمِ غَرّاءُ كالدُّرَّة البيضاء تَحْجُبُها ... أستارُ بحرٍ بماء الموتِ مُلتَظِم تُهْوى فَتَهْوي المُنى دون اللَّحاقِ بها ... أَفْدِيك مِن أَمَمٍ أَعْيَا على الأُممِ زارَتْ فَأَيْقَظتُ صَوْنِي في زيارتها ... ليَقْظتي وَنَدَبتْ الحلْمَ للحُلُمِ آليتُ أسألُ إلْمامَ الخيالِ ولي ... عَينٌ وقد ظَعَنَ الأحباب لم تَنَمِ كأنَّني بهمُ أَقْسَمتُ لا طَمِعت ... طيبَ الكَرى فأبَرَّتْ مُقلَتي قَسَمي وكيف لي يَوْمَ ساروا لو صَحِبْتُهمُ ... مِن المطايا ورأسي مَوْضِعَ القَدِم بانوا فَرَبْعُ اصطباري مُنذ بَيْنِهمُ ... بالٍ كَرَبْعِهمُ البالي بذي سَلَم وا وَحْشَتي إذ أُنادي في مَعالِمِهمْ ... صُمّاً تُجيبُ بما يَشفي من الصَّممِ يَشْكُو صَداها إلى عَيْنِي فَتَمْنَحُها ... دَمْعَاً إذا فاض أَغْنَاها عن الدِّيَمِ وكلّما قال صحبي طالَ مَوْقِفُنا ... فارْحلْ بنا قالت الآثارُ بل أَقِم مَنازِلٌ كلّما طال البِعاد عَفَتْ ... كأنما تَسْتَمِدُّ السُّقْمَ من سَقَمي قِفوا فَأَقْوى غَرامي ما يُجَدِّدُهُ ... برَسْمِه طَلَلٌ أقوى على القِدَم قُل للأُلى غَرَّهمْ حِلْمي ونَقَّصَهمْ ... إيّاكمُ وطريقَ الضَّيْغَمِ اللَّحِم فالحِلْمُ جَفْنٌ وإنْ سُلَّتَّ حَفيظتُه ... فربّما كَشَفَتْ عن صارِمٍ خَذِمِ وله قصيدة طائيّةٌ على وزن قصيدة المعري وقد أثبتُّها جميعها لإثبات أخواتها من أشعار أهل العصر كتب بها إلى الرئيس أبي طالب الحسين بن محمد بن الكُميت وهي: أَعَذْلُك هذا أنْ رَأَيْتَهمُ شَطُّوا ... وفي الآلِ إذْ غَطَّوْا هَوادِجَهُمْ غَطُّوا لئن قُوِّضَتْ فاراتهم وتحَمَّلوا ... لقد نُصِبَتْ في خاطِري وبه حَطُّوا فلا تَحْسَبنَّ الشَّحْطَ يُذْهِل عنهمُ ... فأقربُ ما كانوا إذا اعترضَ الشَّحْطُ رَضِيتُ بمن أهوى فدامَ لي الرِّضا ... وَتَسْخطُه منّي فَدام لك السُّخْطُ رأيتُ الأُلى كلَّفْتني الصبرَ عنهمُ ... بهم قَسَمي ما إنْ تَناسَيْتُهم قَطُّ همُ سَوَّموا لَيْلِي وصُبْحي كتائباً ... من الروم تَغْزُوني وتَخْلُفها الزُّطُّ فَأَعْجَبُ منّي كيف أغترُّ بالهوى ... وأسألُه قِسْطاً وما شأنه القِسطُ وعن رغبةٍ حكَّمتُ في القلب جائراً ... فَشَكْوايَ منه القَسْطَ في حكمه، قِسْطُ نصحتُكمُ لا تركبوا لُجَجَ الهوى ... ألا إنّ بحر الحبّ ليس له شطُّ بسِقْط اللِّوى أَبْكَى امرأَ القيسِ مَنْزِلٌوليس اللِّوى داءَ ابنِ حُجْرٍ ولا السِّقْطُ لَقِيتُ برَهْطي كلَّ خَطْبٍ تدافَعوا ... فحينَ لَقيتُ الحُبَّ أسلمَني الرَّهْطُ وأَرْبُطُ جَأْشِي عند كلِّ عظيمةٍ ... تُلِمُّ ويومَ البَيْن يَنْتَكِثُ الرَّبْطُ ولمّا أذاعوا ما أسَرُّوا من النَّوى ... وظَلَّتْ على العُشّاقِ أحداثها تَسْطُو كَتَبْنا على صُحْفِ الخُدودِ بمُذْهَبٍ ... وكان من الأجفانِ بالحُمْرةِ النَّقْطُ ومُقْتَبِسٍ سِقْطاً أَشَرْتُ إلى الحَشا ... وجاحِمِها لمّا تعَذَّرَتِ السقْطُ أَحِلُّ رِياضَ الحَزْنِ مُكْتَئِبَ الحَشاوَقَلْبي بحيثُ الأَثْلُ والسِّدْرُ والخَمْطُ تعَلَّق بالقُرْطِ المُعلَّقِ قائلاً ... سُكوني مُحالٌ كلّما اضطرب القُرْطُ

стр. 424

وفي المِرْطِ ماءُ المُزن لَوْنَاً ورِقّةً ... عَجِبْتُ له لم يُنْدِ عالِيَهُ المِرْطُ وفوقَ كَثيبِ الرملِ غُصنُ أراكَةٍ ... بسالِفَتَيْ رِيمِ الأراكةِ إذْ يعطو يخافُ لضَعفِ الوَسْط يَسْقُطُ رِدْفُهُ ... ويخشى لثِقْلِ الرِّدْفِ ينتشر الوَسْطُ وَتَسْعى على اللِّيتَيْن سُودٌ إذا الْتوتْ ... أقَرَّت لها الأصْلالُ والصِّمَمُ الرُّقْطُ وفوقَ بَياضِ الخَدِّ خطٌّ مُنَمْنمٌ ... تَذِلُّ لذاك الخطِّ ما تُنبِتُ الخَطُّ وذي شَنَبٍ عَذْبُ المَجاجةِ رِيقُه ... كما قُطِّبَتْ بالمِسْكِ صَهْبَاءُ إسْفِنْطُ رَشَفْتُ وقد غابَ الرَّقيبان: مُوقِدٌ ... بغارٍ ووَقّادٌ يَغور وَيَنْحَطُّ فيا راكباً تَمْطُو به أَرْحَبيّةٌ ... كِنازٌ تبُذُّ البرقَ والريح إذْ تَمْطُو وإنْ هي مَطَّتْ للنَّجاءِ وأرْقَلَتْ ... عَزاها إلى فتح المَلا ذلك المَطُّ فلو رامَتِ الكُومُ المَراسيل شَأْوَها ... لقُلنا لها: كُفّي لك العَقْرُ والشَّحْطُ وما يَدَّعي إسآدَها السيِّدُ عاسِلاً ... بقَفْرَته لو أنّه الأطْلَسُ المِلْطُ كأنَّ الفَلا طَيُّ الضمير، وَخَطْوَها ... مع الخَطْر خَطْرُ الوهمِ لا الوهمِ إذ يَخْطُو بعِيسِك عُجْ بابنِ الكُمَيْت وقل له ... أبا طالبٍ ما كان ذا بيننا الشَّرطُ بَسَطْتَ بِساطَ الأُنسِ ثم طَوَيْتَه ... ولم يتَّصِل كالطَّيِّ ما بيننا البَسْطُ وَعَدْتَ بإيناسي وعُدْتَ تَلُطُّه ... وغيرُك يَعْرُوه إذا وعد اللَّطُّ وما كنت أدري قبل سِمطٍ نَظَمْتَه ... بأنك بحرُ الدُّرِّ حتى أتى السِّمطُ كتابٌ بدا فيه لعَيْني وخاطري ... ربيعان مَجْمُوعان: لَفْظُك والخطُّ تدارَكْتَ وَخْطَ الشيْب فارتَدَّ فاحِماً ... فمن لي بأُخرى قبل أن يَشْمَلَ الوَخْطُ عَذَرْتُ جِعاداً يقتفونَ سِباطَهم ... ولا عُذْر أن يَقْتَاف جَعْدَهمُ السَّبْطُ أَأَحْوَجْتَني حتى اقْتضيْتُك جَأْبَةً ... بجَحْمَرِشٍ شَوْهَاءَ في جِيدها لَطُّ ومِن قَبْلِها قد سار نحوك رائداً ... فَأَبْرمَ ذاك الحَيْدَرُ اليَفَنُ الثَّطُّ على أنها لو نَفْطَوَيْه انبرى لها ... بطَعنٍ وإزْراءٍ لحرَّقه النِّفْطُ ولو أُخِّرَ الشيخُ المعريُّ ما ابْتنى ... " لمن جِيرَةٌ سِيموا النَّوالَ فلم يُنْطوا " ولا نَظَمَ الشاميُّ بعد سَماعها ... " لأيَّةِ حالٍ حُكِّموا فيك فاشْتَطوا " تَساوى المَعاني والمَباني تَناسُباً ... كما يستوي في نَفْعِ أسنانِه المُشْطُ وما كَنَبيط القوم مَنْبَطُ عِلمِهم ... ولا يستوي قُطبُ الفَصاحة والقِبْطُ وكم صُنتُ نفسي عن حِوار مُجالِسٍ ... مَلاغِمُهُ الوَجْعاء، والكَلِمُ الضَّرْطُ وما كان عندي أنّه العَوْد مَسَّهُ ... خُباطٌ وأنّ اللَّفظ من فَمِه الثَّلْطُ فقد نَفِدَ الطِّيبُ الذي كنتُ أتَّقي ... به فاه حتى صار من طِيبيَ القُسْطُ له دَفَرٌ في كلِّ جُزءٍ بجِسمه ... إذا فاح قُلنا ذا الفتى كل إبطُ به زَبَبٌ قد عَمَّ أكثرَ جِلدِه ... ولكن فشافي نَبْتِ عارِضه المَرْطُ إذا ما أَفَضْنا في الكلام رَأَيْتَه ... يُخَلِّط حتى قلت ثار به خِلْطُ ويَنشَط للتأويل في الجَهل غارقاً ... له الوَيلُ ما يدريه ما الغَرْقُ والنَّشْطُ

стр. 425

وَيَعْزو إلى النُّعمان كلَّ عَضيهةٍ ... فيرتفعُ النعمان عنها وَيَنْحَطُّ ليَ النخل أجني خَيْرَها من فروعها ... ولكن له من شِيصِها تحتها اللَّقْطُ فَيَخْبِطُ في عَشْوَاءَ لا دَرَّ دَرُّهُ ... وَمَنْ كان مَمْسُوساً تعَهَّده الخَبْطُ وكم قد أمرناه بضَبطِ لسانه ... ومُذ شَذَّ عنه العقل أعجزَه الضَّبْطُ يَخُطُّ بكَفٍّ، حَقُّها البَتْكُ، أَحْرُفاً ... كما كتبتْ يوماً بأرجُلِها البَطُّ قويٌّ على نَقْلِ الملام للُؤْمِهِ ... ضَعيفٌ به عن كلِّ صالحةٍ وَهْطُ موَدَّتُه إثمٌ ومنظرُه أذىً ... ومنزِله جَدْبٌ وراحَتُه قَحْطُ فلو قد رَأَتْهُ أمُّه وَبَدَتْ لها ... مَساويه وَدَّتْ أنّ مَن وَلَدَت سقْطُ فقلْ للحُسينِ قد أطلتُ وإنّما ... لساني على الأعداء مُحتكِمٌ سَلْطُ فقُطَّ شَوى هَمّي بُرقْشٍ تَقُطُّها ... فهُنَّ كبِيضٍ دِينُها في الوغى القَطُّ وهذه قصيدة في التجنيس، من متاعه النفيس: أَطِعِ الهوى فالعقلُ خازٍ خازمُ ... والجهل يُغري وهو هازٍ هازمُ الخازي السائس القاهر، يقال خزاه إذا ساسه وقهره، وأما أخزاه بالألف فهو من الخزي. واعْملْ فحرفُ الشَّرط صُنعُك والرَّدى ... عنه جوابٌ وهو جازٍ جازمُ المعنى أن الموت جواب الشرط، والشرط هو العمل، وحروف الجزاء تجزم، فكذلك الموت يجزم المستقبل. وإذا عَلَوْتَ فَواصِ بالعلمِ العُلى ... تَكْمُل فخيرُ القومِ عالٍ عالمُ واصِ بمعنى واصِل، واصاه أي واصله. وابْسُط يَدَيْك فإنّ قابض كَفِّه ... في بَسْطَةِ الإثْراءِ عادٍ عادِمُ واكتُمْ نوالك فالكريم نوالُه ... غَيثٌ وجُنْحُ الليلِ ساجٍ ساجمُ معناه كن كالغيث الساجم ليلاً فهو يُغني ولا يرى: وإذا شَكَوْتَ إلى امرئٍ وَشَكَمْتَه ... كَرِهَ الندى لا كان شاكٍ شاكمُ شكمته أعطيته، والشَّكم العطاء. واسْلُ الدَّنايا تَسْلَمِ العُقْبى غداً ... في مَنْزِلَيْك، فكلُّ سالٍ سالمُ يا ساخِط الأقْسام يَأْمُلُ رزقةً ... يَرْضَى بها والدهر قاسٍ قاسمُ اِقْنَعْ بجِيدٍ عاطلٍ وانْظِم له ... عِقْدَ الصَّلاحِ فكلُّ حالٍ حالمُ من الحلُم وهو ما يراه النائم. كم من فتىً جَعَلَ القناعة جُنَّةً ... دون المطامع فهو غانٍ غانمُ وارفَعْ مَنارَ المُهتدي بك لا كمن ... يُولي ويُلْوي فهو هادٍ هادمُ والهجو لا تَهْجُم على عِرْضٍ به ... سَفَهَاً فشَرُّ الناسِ هاجٍ هاجمُ ترجو وترُجم غيرَ غافِرِ زَلَّةٍ ... بِئسَ الفتى يا صاحِ راجٍ راجمُ أي شاتم من قوله تعالى: لأَرْجُمَنَّك أي لأشتُمنَّك. حَسْبُ الظَّلوم على ذَميم مآلِه ... باللؤم فهو بكلّ نادٍ نادمُ وإذا المُفيضُ دعا القِداح فإنّما ... سَهْمُ المُسالم وهو ناجٍ ناجمُ المعنى أن طالب المسألة ينجو، وسهم الناجم أي الظاهر، والمفيض الذي يُجيل السهام. وإذا وَقَيْتَ أخاك لم أرَ سُبَّةً ... وَقْمَ العِدى والشهمُ واقٍ واقمُ كُن كالحُسامِ كَلا الرَّفيقَ وحَدُّه ... للضِّدِّ كَلْمٌ فهو كالٍ كالمُ تُخُطي الحظوظُ ذوي النُّهى وينالُها ... فَدْمٌ من الخَيرات عارٍ عارمُ والدهرُ يَحْكِي ثم يَحْكُم بعدما ... يُلْقي المَعاذر فهو حاكٍ حاكمُ ونعى إليك العيشُ نفسَك خادِعاً ... لك بالنعومةِ فهو ناعٍ ناعمُ فالغُفْل عند الخوف مُغْفٍ مُغْفِلٌ ... والجَلْدُ عند الأمن حازٍ حازمُ حاز أي حازر، تقول العرب حزا فلان الشيء أي حزره.

стр. 426

وله يصف الفرس وكتب بها صدر جواب: ومُحَجَّلٍ لَبِسَ الظَّلا ... مَ وخاضَ في جِسمِ الصَّباحِ يَحْوِي بحُسن سَوادِه ... فَضْلاً على البِيضِ المِلاحِ وترى بغُرَّتِه إذا ... قابَلْتَه عَلَمَ النجاحِ تَدْعُو محاسنُه العيو ... نَ إليه من كلِّ النواحي وتنوبُ للظمآنِ رُؤْ ... يَتُه عن الماءِ القَراحِ وتكاد أُذْناه تُجيبُ إذا أصاخ عن الصِّياح غَنَّى وطَرَّبَ بالصَّهيل وظلّ يَرْقُص للمِراح ومشى العِرَضْنى وانثنى ... كالمُنْتَشي من شُربِ راح وسَما إلى وَحْشِ البَرا ... حِ وقال ما لك من بَراح ذاك الذي لو كنتُ مقْترِحاً لكان من اقتراحي ذو أَرْبَعٍ قد أُنعِلَتْ ... بالأرْبَعِ الهُوجِ الرياح ما إن رَأَيْنا قبلَه ... طيراً يطير بلا جناح حَسَنٌ وأحسَنُ منه في ... عَيْنِي ومن زَهْرِ البِطاح ومِن الشِّفاه اللُّمْيِ تُبْدي عن ثغورٍ كالأقاحِ خَطٌّ أتى فأفادوني ... دُرّاً من الكَلِمِ الفِصاح وشَّحْتُ ألفاظي به ... وشُغِلت عن ذات الوِشاح وله يصف الخمر: وَصَهْباء فاتت أن تُمَثَّلَ بالفَهمِ ... أقولُ وقد رَقَّتْ عن اللَّحْظ والوهمِ خُذوا عَرَضَاً، يا قوم، قامَ بنفسه ... فقد خَرَقَ العاداتِ، واسْماً بلا جسمِ فقد كاد يَخْفَى كَأْسُها بضيائها ... كإخفائها بالجهل مَنْقَبة الحِلمِ كأنَّ الشُّعاع الأُرْجُوانيَّ فوقَه ... سَنا شَفَقٍ يَنْجَاب في الليل عن نَجْمِ إذا أقبلتْ ولَّى بها الهَمُّ مُدْبِراً ... كما أدبر العِفْريتُ من كوكب الرَّجْم وله في المعنى: حمراءُ تَكْثُف للعقولِ فِعالها ... أبداً وَتَلْطُف للنفوس طِباعها شمسٌ لشمسِ العقلِ منها ظُلمةٌ ... من حيثُ يظهر في الخدود شُعاعها أمُّ الخبائثِ مُستطابٌ دَرُّها ... إنّ الفِصال من الهموم رِضَاعها وله: مال والأغْصانُ مائِلةٌ ... فَعَنَتْ صُغْراً لقامتِه وَرَنَا والكأسُ في يده ... فغَنينا عن مُدامته لائمي والعُذر طَلْعَتُه ... أيُّ عذرٍ في مَلامتِه وله: بأبي مَن قَلْبُه حجَرُ ... وبه من ناظري أثَرُ رَشَأٌ بالغُنْجِ مكتَحِلٌ ... وبضَوءِ الصُّبحِ مُعْتَجِرُ وبثوب الحُسنِ مُشتمِلٌ ... وبِحقْف الرمل مُتَّزِرُ رِدْفُه شِرْحٌ، وقامتُه ... وسَط، والخَصر مُختَصَرُ خَضَعَتْ شَمْسُ النهار له ... وتلاشى عنده القمرُ ما رأينا قبله بَشَرَاً ... تاه في أوصافه البشَرُ جائرُ الألْحاظ كلُّ دمٍ ... سَفَكَتْه عندها هَدَرُ شَهَرَتْ أسيافَها وَمَضَتْ ... فهي لا تُبقي ولا تَذَرُ جنَّةُ الفِرْدوس طَلْعَتُه ... والقِلا مِن دونها سَقَرُ ومتى أُصغي إلى عَذَلٍ ... فيه وهو السمعُ والبصرُ وله: يا عَذولي كُفَّ عن عَذَلِي ... إنَّ قلبي عنك في شُغُل فأنا الراضي به حَكَمَاً ... في الذي يَقْضِي عليّ ولي هوَ في حِلٍّ وفي سَعَةٍ ... لا يخافُ الإثْمَ من قِبَلي وَيْحَ مَن طَلَّ الهوى دَمَه ... فَغَدَا يشكو إلى طلَلِ وله: انْظُرْ إلى البدرِ الذي قد أَقْبَلا ... وأراك فوق الصُّبح ليلاً مُسْبَلا ما بَلْبَلَ الأصْداغَ في وَجَنَاته ... إلاّ ليترُك من رآه، مُبَلْبَلا يا أيّها الرَّيَّانُ من ماءِ الصِّبا ... بي في الهوى عطَشُ الحُسين بكَرْبلا وله: مَن كان مُرْتَدِياً بالعقل مُتَّزِراً ... بالعِلم مُلْتَفِعاً بالفضل والأدبِ

стр. 427

فقد حوى شَرَفَ الدنيا وإن صَفِرَتْ ... كَفّاه من فِضّة فيها ومن ذَهَبِ هو الغنيُّ وإنْ لم يُمْسِ ذا نَشَب ... وهو النَّسيبُ وإنْ لم يُمْسِ ذا نسَبِ وله أيضاً: ساروا فَأَكْبادُنا جَرْحَى، وأعيُننا ... قَرْحَى، وأنفسنا سَكْرَى من القَلَقِ تشكو بواطِنُنا من بُعدِهم حُرَقاً ... لكن ظواهِرُنا تشكو من الفَرَقِ كأنّهم فوق أكوار المَطِيِّ وقد ... سارت مُقَطَّرةً في حالِك الغَسَقِ دَراريَ الشُّهْب في الأبراج زاهرةً ... تسير في الفَلَك الجاري على نَسَق يا مُوحِشي الدارِ مذ بانوا كما أَنِسَتْ ... بقُرْبهمْ، لا خَلَتْ من صَيِّبٍ غَدَق إنْ غِبْتُمُ لم تَغِيبوا عن ضمائرنا ... وإنْ حَضَرْتُم حَمَلْناكم على الحدَق وله أيضاً: ولمّا رأيتُ الخال في صَحْنِ خَدِّه ... ذكرتُ احتراقَ القلبِ في نارِ صَدِّه وعَرَّفَنا خَفْتَانُه حَيْفَ رِدفِه ... وبالغ في شَكْوَاه عن ضَعْفِ قَدِّه فحينَ أدار البَنْدَ مِن فوق خَصْرِه ... رَأَيْناه في الحالَيْن لازِمَ حَدِّه فلم يَطُلِ المَشدودُ شيئاً بحِلَّه ... ولم يَقْصُرِ المَحلولُ شيئاً بشَدِّه وله أيضاً: عارِضاه قد يَنَعَا ... جَلّ صانِعٌ صَنَعَا كان وَرْدُ وَجْنَتِه ... قد أُذيل فامتنعا وله من رسالةٍ أنشأها على لسان القصّار والصياد وهي مقامة مصنوعة مُجنّسة، على الفضل والبراعة مؤسسة، كتب بها إلى بعض القضاة ويستطرد بقوم وقعوا فيه: كنت لفرط الهُيام، في بعض الأيام، وصدري ضيّق، وفؤادي شيّق، إلى الحضرة القاضيّة، والشمائل المرضيّة، قد صرّحت بالإحصار، وحرصت على الإصحار، فاجتزت في الخروج، ببعض المروج، ودجلة قد تسلسل ماؤها، وصلصل حصباؤها، وصفا شفقُها، وطفا غلفقها، وسما حَبابها، وطما عُبابها، وغدا نونُها، وبدا مكنونها، فوقفتُ أُثني على باريها، وأكاد بالدمع أباريها، أسفاً على طِيب المشاهد، بتلك المعاهد، فإذا أنا بشيخ نبيل، وذقنٍ كالزِّبِّيل، مُضْطبع بإزار، حامل أوزار، قد لوّحت الشمس طلعتَه، وصهرت صلعته، بارز الجَناجِن، بأضلاع كالمحاجن، وجهه وجه مجرم، وزيّه زيّ مُحرم، كأنه بعض القُسوس، أو موبَذ المَجوس، يتلوه آخر عار، في أقبح شعار، بادي الإملاق، في دُرُسٍ أخلاق، ليس بصيِّر، ولا شيِّر، قد أدار على سوءته السمَل، واعتمّ ببعضه واشتمل، يُقِلّ بيتاً من خُوص، يُبدي خلله عن شُخوص، تلوح من تلك الرواشن، في أمثال الجواشن، فهي أحقّ باللهف، من فتية الكهف، لأن أولئك فازوا بالنعيم، وهؤلاء احتازوا الجحيم، فبدأني الأوّل بالسلام، ثم تهيّأ للكلام، وقال: أنا شيخ ذو بنات، قليل الهَنات، أستغني بكسب يدي، وأُنفق على ولدي، وأراني قد عجزت عن العمل، وقصّرت عن بلوغ الأمل، وإن استرحت إلى الإخلال، افتضحت بالإقلال، والفقر من حالفه هان، وعدِم البرهان، والوفر من أسعده زان، وكفاه الأحزان، المال يُكسب الارتفاع، والفقر يهدم المجد اليَفاع، الفقر قبر الأحياء، والنشَب نسب الأدعياء، الفقر يُضيّق المغاني الواسعة، والمال يُفيض المعاني الشاسعة، المال درج الفرَج، ومعرج إلى المخرج، ومفتاح الفلاح، وجناح إلى النجاح: المالُ يستُر كلَّ عَيبٍ ظاهرٍ ... والفقرُ يُظهِرُ كلَّ عيبٍ باطنِ فترى مثالبَ ذي اليَسار مَناقِباً ... ومَحاسِنَ الصُّعْلوكِ غيرَ مَحاسن والفِكر في الأقسام، مُورث الأسقام، أين لابس التاج، من البائس المحتاج، أين من اكتفى فاستراح، ممن اعتفى فاستماح، أين هذا الشيخ الذي ترى، ممن باع واشترى، ذلك يظلّ في الكِنّ، وأنا أظل مع الجنّ، ألِج طول النهار، في الأنهار، وأُدلج في الأسحار، إلى البحار: مُقَسَّماً طولَ دهري ... ما بَيْنَ شَطٍّ وَنَهْرِ فالماءُ يقشُرُ رجلي ... والشمسُ تَبْشُر ظَهري

стр. 428

رِجْلايَ من العجائب البحرية، وسائري من الوحوش البريّة، وقد ضجرتُ من النقع والعصر، والدقّ والقصر، أصبر على برد الماء، وجلد الصخرة الصماء، ثم المليح، أني أضربها وأصيح، كفِعل ذاك الوُغَيْد، أبي سالم بن الجُنَيْد، حين يؤذي الأحرار، ويشتكي الإضرار: حاسِرٌ بالليلِ حافِ ... ودُجى الليلِ لِحافي وأعُدُّ الماء غُماً ... وهو صافٍ للتّصافي ثم أهتمّ لما يأتي، إذ كدره يكدِّر حياتي، وتراني حامل وزر، لشيءٍ طفيفٍ نزر، لا أنادي الأداني، ولا أناغي الأغاني، ولست برفيق الفريق، في رشف ريق الإبريق، أصرف بعض الأجرة، في كِرى الحجرة، وأنفق بقية الواصل، على الحُمْر الحواصل، وليس لي سعنة ولا معنة، ولا عافطة ولا نافطة، وقد ضعُفَ ساعدي، وقلّ مُساعدي، أبسط الثياب تارةً لتجفّ، ويسهل حملها وتخفّ، وطوراً تبهظني بثقلها، فلا أقدر على نقلها، إن مشيت أكوس، وإن جلست أنوس، جِلدي قد اندبغ، ولوني قد انصبغ، وبصري قد كلّ، ونظري قد قلّ، ثم كرب أن يكفُر، وأنشد لابن يَعْفُر: ومن الحوادِث لا أبالك أنني ... ضُرِبَتْ عليَّ الأرضُ بالأسْدادِ لا أهتدي منها لمَدْفَع تَلْعَةٍ ... بَيْنَ العُذَيب وبين أرض مُراد آخُذ الثوب كالورق، وأردُّه كالجلد المحترق، ومن غبار الخان، وسواد الدخان، لا يراد للكسوة، ولا يصلح للرجال ولا للنسوة، بعضه مُحرَّق، وبعضه مُخرَّق، سرّه إعلان، ولابسه عريان، تُبصره في غِربال، لا في سربال، وبعد فمن أنا من الأستاذِين، ورافعي الكَواذِين، وقد تعرَّقَتْني السنون، وتعلّقتني المَنون، فإلى الله المُشتكى، ثم انتحب وبكى، فمسح الآخر عُثْنونَه، وأوضح مكنونه، ونظر إلى صاحبه شَزْرَا، وعاب فعله وأزرى، وقال: يا عجبا لهذه الفَليقة، هل تغلِبنَّ القُوباء الرِّيقة، ويحك بهذا أتيت، هلاّ حكيت، قبل أن بكيت، ثم أقبل عليّ وبسمل، ومَثُل بين يديّ وحمدل، وأحسن التحية وجعفل، وقال: اسمع أيها السيد، لا كان المُتزَيِّد، أنا رجل زاهد، وهذا بما أقول شاهد، وقد كان عوَّل على الحكاية، فعدل إلى الشكاية، أنا أعرف الشيخ عبيد، وقوام عيشي من الصيد، حداني على هذه الصناعة، رغبتي في القناعة، نظرتُ إلى الدنيا بعينها، فما اغتررتُ بمَيْنها، ولا أوثقتْني بخداعها، ولا أوبقَتْني بمَتاعها، رأيت قُصاراها الفناء، فقلتُ فيم أقاسي العناء، وكم يا نفس البقاء، وإلام هذا الشقاء، لم لا أعتبر بمن سلف، وأطَّرِح هذه الكُلَف، وأنظر إلى عِراص الحِراص، وآثار ذوي الإكثار، ودور الصدور، ومنازل أهل المنازل، ورِباع أولي الباع، وذوي الأتباع، الذي صعَّروا الخدود، فصُرِّعوا في اللحود، وجاروا عن الحدود، فجاوروا الدود، جهلوا فلهِجوا بالحُطام، ورضعوا فضرعوا بالفطام، عَمُوا فما أنعموا النظر، ومرقوا فما رمقوا العِبَر، خُوِّلوا فتخيَّلوا المقام، ومُوِّلوا فأمَّلوا الدوام، تعادَوْا على رائقها، فتداعَوا ببوائقها، منحتْهم، وبنوائبها امتحنتْهم، ونطحتْهم، وبأنيابها طحنتْهم، لبسوا فأبلسوا، وسُلبوا ما أُلبسوا، نهوا وأمروا، ولهوا وعمَروا، بلغوا وغلبوا، وجلبوا وخلبوا، برَّتْ بهم ولطفت، ثم كرَّت عليهم وعطفتْ، أعارت فأبهجت، ثم أبارت فأنهجت، ترنَّمت فأطاحت نغماتُها، ثم تنّمرتْ فأحاطت نقماتُها، كم نكست من سكَّنتْ، وكمنت لمن مكَّنت، كم وهبت ثم نهبت، وأتعبت من أعتبت، وأخمدت من أخدمت، ولكمت من أكرمت، وما رحمت من حرمت، بل أغرمت وأرغمت، فغفلوا حتى أفلوا، وطلعوا حتى عطلوا، وطلبوا حتى بطلوا، فعادت أموالهم وبالا، ولم تُغن عنهم قِبالا، ثم رغَّب في الخير وغرّب، ورطّب حُنجوره وطرَّب، وأنشد أبياتاً في الزُّهد، أحلى من الشُّهْد، بعثني على حفظها، سلامة لفظها وهي: غريقَ الذنوبِ أسيرَ الخَطايا ... تنَبَّه فدُنياك أمُّ الدَّنايا تَغُرُّ وتعطي ولكنّها ... مُكَدِّرةٌ تسترِدُّ العَطايا وفي كلِّ يومٍ تُسَرِّي إليك داءً فجِسمُك نَهْبُ الرَّزايا أما وَعَظَتْك بأحداثِها ... وما فعلت بجميع البرايا ترى المرءَ في أَسْرِ آقاتِها ... حَبيساً على الهمِّ نُصْبَ الرّزايا

стр. 429

وإطلاقه حين تَرْثِي له ... وَحَسْبُك ذا أن تُلاقي المنايا ويا راحلاً وهو ينوي المقام ... تزَوَّد فإنّ الليالي مَطايا ثم إن الشيخ رجع، فنثر بعد الإنشاد وسجع، وذكر كلماتٍ استغربتُها، فاستعدتها منه وكتبتها، وهي: الأيّامُ تُكدِّر، لكن المرءُ يُقَدِّر ... أحلامٌ سُعودُها، دارٌ المَيْنُ وُعودُها الإجْرام زادُها، إذ تُرَدّي مَن يَرْتَادها ... إظْلامٌ إصْباحُها، دنيا الخُسرُ أرباحها وحُطامٌ مَتاعها، شَيْنٌ وهو خداعها ... نِيامٌ فيها نحن، أما نُهانا غالَ الوَهْن أنعامٌ سُكّانها، حتى عَمَّ بُهتانُها ... أَرْمَامٌ حِبالُها، عِرْسٌ الهجرُ وِصالُها فِطام إرْضاعُها، ظِئرٌ تخدع نُهاك ... أَيْتَامٌ أولادُها، أمٌّ الغَيُّ رَشادها إعْدام جُودُها، إذا لانعدام وُجودها ... أَسْقَام أفعالها، لكن الشَّهْدُ مَقالها فقلت: أراك قد تكلّفتَها، ففيم هكذا ألّفتها، قال: لأنها درّ مُنظّم إن قُلِّبت وشعر منظوم إن قُلبت، وشحَّتُها بزينتَيْن، وصحّحتها كلَّ بيت من قرينتَيْن: أما تَراها كَخَوْدٍ أقبلَتْ بقِبا ... وغَيَّرَتْ زِيَّها خَوْفَاً من الرُّقبا تلَوَّنَتْ فَحَكَتْ في الحالتَيْن أبا ... بَراقِشٍ وأتتْ في عِدَّةِ النُّقبا ثم كرّ يذكر المنيّة، وذمِّ الدنيا الدنيّة، وقال: مُرَوَّغٌ طالبُها مُعَذَّبٌ خاطبُها مُنَكَّصٌ آمِلُها مُمَنَّعٌ مَعْرُوفها مُسبَّبٌ مَخوفها مُنغَّصٌ آكِلُها مُضَعْضعٌ جَنابُها مُشَوَّبٌ شرابها مُغَصَّصٌ ناهلُها مُنْقَطعٌ مَتاعُها مُخَيَّبٌ مُبْتاعها مُخْتَرَصٌ نائلُها فقلت قد عرَّفتني شِكالك، ووقفتني على حلّ إشكالك، ولعمري قطوفها دانية، ولكن مقلوبها ثمانية، ولو كانت مثل أختها، لرُزقت مثل بختها، فألقى ما كان حامله، وفرك غيظاً أنامله، وقال: إن قدرتَ في تقطيعها، على حصر جميعها، وعددت آحادَها والثُّنى، فقد بلغت المُنى، أتِّخذُك إذاً من الناس خِلاّ، وأُسَوِّغكَ ما معي حِلاّ: تمَلُّها فهي وربّي المُعينْ ... أربعةٌ تُوفي على أربعين تُذْكِرُك السادةَ أَعْنِي الأُلى ... عاداهُمُ فيك الشُّيَيْخُ اللعين فلما اعتبرتها، أكبرتها، وقبّلت عينيه، وأقبلت بكُلّي عليه، فقال: مالي لا أستغني عن الخلق، بالحلال الطلق، وأتيه على أصحاب العصور، وأرباب السُّدَد والقصور، كيف أتناول ما لا يحلّ، وأتطاول إلى ما يضمحلّ، وبم أفاخر، وأبي العظم الناخر، وبعد فمن الخالد، وما يُغني الطارف والتالد، والغنيّ أسوأ حالاً من الفقير، يوم الحساب على الفتيل والنقير، واطَّلعَ على نيتي، عالمُ سِرّي وعلانيتي، فاجتزتُ يا ابن الأماجد، ببعض المساجد، وقد تلا في المحراب إمامه، أُحلّ لكم صيد البحر وطعامه، فنبّهني على الاصطياد، إذ نويتُ حُسن الارتياد، وقلتُ هذا باب الأرباح، ومن أسباب المباح، أتَّجِرُ بلا بضاعة، من غير خُسرٍ ولا إضاعة، فقصدتُ شيخاً يعمل الشبك، فحَباني أجودَ ما حبك، وادَّخرت القصب والبكر، ادخار من نصب واحتكر، وقلتُ لا بد من الآلة، والإعداد لهذه الحالة، غيري يعُدّ الدنانير، وأنا أعدّ الصنانير، ثم إني بَكَرْتُ إلى الشطّ، قبل بكور البط، فبينا أنا أسرح، وأفكر كيف أطرح، إذ دعاني هذا الشيخ الحَصيف، الذي شتاؤه مَصيف، وقال يا ابن الأنجاب، هلُمّ إلى الشيء العُجاب، أدرك هذا الحوت، وإياك أن يفوت، فإن أهملته فاز، فإنه على أوفاز، فلما تقدمتُ إليه، وأشرفت عليه، سمعته يقول لحوت آخر، أظنه طاوله وفاخر، ويحك أنا أوحد الحركة، وأرضي أرض اليُمن والبركة، أنا من خير البقاع، وأشرف الأصقاع، أنا من الكورة المذكورة، ذات السجايا المشكورة، بلدي ترابه عبير، وثوابه كبير، وحجرُه محجوج، وشجره يَلَنْجوج، ثم انفتل وتثنّى، وأوقع لنفسه وغنّى: بقُطْرَبُلَّ القَطْرُ بلّ ... سُهولَتَها والجَبَلْ نَشَأْتُ فهل من فتىً ... له بجدالي قِبَلْ

стр. 430

ويحك أريد البَيّاسيّة، لا العبّاسية، والتي أشرقت، لا التي شرّقت، والتي لها النهي والأمر، لا التي تُنسب إليها الخمر، وأنت من سكان، هذا المكان، من الجفاة الفِظاظ، والأجباس الغِلاظ، من العتاة الغدرة، أُهَيْل هذه المدرَة، لنا الظلال والأندية، ولكم الجبال والأودية، الماء منّا إليكم، والمنّة لنا عليكم، يا نَقَضَة العهود، أخلاق الفهود، أليس صاحبكم غدر، وأعقب الصفوَ الكدر، وعَقّ أربابه، وتناسى أحبابه، لا جرم أنهم جانبوه، فما كاتبوه، ونسوه، وما وانسوه، وألغوا حرمه وأنكروه، وأقسموا أنهم لا ذكروه. فقال المقصود بالمحاورة، لقد أضعت حقّ المجاورة، مهلاً أَبَيْت اللعن، كُفّ ولا تُكثر الطعن، واسأل العفو إن عفا، فمن اغتاب خرَّق ومن استغفر رَفا، إن كنت سِحْت، تطلب السُّحت، فامضِ لطيّتِك، وانزع عن خطيئتك، وذرِ القَدْح، ودونك الكدح، مالك والنميمة، والأخلاق الذميمة، فلا وأبيك إن كان نزع، ولا نهاه الوعظ ولا وزع، فعلمتُ أنه من الحُسّاد، وطالبي الإفساد، وأمهلته حتى بسط وشرح، وقسط وجرح، ثم رميت نحوه بالشِّصّ، ودببتُ إليه دَبيب اللصّ، وكنتُ قد طعّمْت، قبل أن أَعَمْت، وقلتُ يا غافر الحُوب، وعالم الغيوب، إن كان كذب على أهل بلدي، فأوقِعه بجُرمه في يدي، فحُملتْ دعوتي على الغمام، لتورُّعي عن الحرام، وإذا هو قد عَلِقَ، واضطرب وقلق، وكلما رفعه الموج الطامي، أنشد متمثِّلاً للقَطاميّ: ليست تُجَرَّحُ فُرّاراً ظُهورُهمُ ... وفي النُّحورِ كُلومٌ ذاتُ أَبْلادِ فلما رأيته غويَّ الشيطان، قويّ الأشطان، خفتُ أن يقطع الشعَر، فزحفتُ وما شعر، ولذعتُه بالرُّدْنَيْن، ورفعته إلى القُوبَيْن، وقلتُ خذها من عُبَيْد، وأنشدت لفارس زُبَيْد: عَلامَ نقولُ الرُّمْحُ يُثْقِلُ ساعدي ... إذا أنا لم أطعن إذا الخيلُ كَرَّتِ وها هو ومن يراه، في الصرعى كما تراه، وقد تلوتُ ما بلوتُ، وألقيتُ وما أبقيت، فانظر ماذا تصنع، وما جوابك عما تسمع، فقلتُ: ورافع ذات البروج، وما لها من فروج، والذي ألهمك، أن تغتال السمك، وأحلّ لك الميْت، وأسكنهم هذا البيت، وجعل عيشك في كشف عَوارك، وإبداء شُوارك، وزواك عن طلب المعالي، وجَلاك في سلب السَّعالي، ووكلك بالسِّياحة، وطول السباحة، كاسَف البال، مُرَعْبَل السِّربال، ما كان ما زعم، ولو صدق لقلتُ نعم، أأكون خائنا، وأحلف مائنا، فأجمع بين الحنث والخيانة، وأنسلِخ من الديانة، لكن تقوّل عليّ، فيما نسبه إليّ، تعدّى، فتردّى، وفرّط، وتورّط، وعاث، فما ظَفْرَ بمن غاث، وجار، فما وجد من أجار، تزيّد وافترى، فصار إلى من ترى، كان من الطغاة، فأُخذ مع البغاة، أعوزتهم الملاحِد، فجمعهم قبر واحد، انظُر إلى سوء حاله، وقُبح مآله، مات وشفتُه قالصة، ومُقلتُه شاخصة، فلا تغمض عينه، وقد حان حينه، ولا يُشَدّ لَحْيُه، بل يُشقّ نِحيُه، وسيبدو ما أخفى من الشَّنار، ثم مصيره إلى النار، فبالله إذا سلختَه وملّختَه، فقل يا خائن وَشَيْت، وبالنميمة مَشَيْت، فهذا لأهل النمائم، وعُقباك لكل ظالم، والله ما حُلْت ولا أَذْنَبت، ولقد قلت فأطنبت، وإنما الرسول كان، أيها الشيخان، فاذهبا عجَّل الله جزاءكما، وأحسن فيكما عزاءكما، لقد حويتما النَّوْك جِدّا، وجئتما شيئاً إدّا، من يظنّ بك من بعدها الزَّهادة، ومن يقبل من صاحبك الشهادة، وحوتِ موسى وفَتاه، ما نطقت شفتاه، ولهذا نسياه وشخصا، فارتدّا على آثارهما قصصا، ولا ادَّعى يونس لحوته ذاك، فدعنا يا عُبَيْد من أذاك، لعلّه كان في المنام، فهو أشبه بالأحلام، كلا بل شبّهتُما، فنبّهتُما، وحكيتُما، فأبكيتُما، وجعلتما الحوت مثَلا، وما ضربتماه إلاّ جدلا، كنِعاج الخصم إذ تسوّروا المحراب، حتى خرّ داوود راكعاً وأناب، وسأُنيب إلى تلك الموالي، بكشف أحوالي، واحرِص على الراحة، ببراءة الساحة: فأُقسِمُ أنّي ما نقضتُ عُهودي ... ولا حُلتُ يَوْمَاً عن وِداد وَديدي وأَسْتَعطِف القاضي سعيداً فإنّه ... به نَجَمَتْ بين الأنام سُعودي وأجعلُ من جُودي هُجودي على النَّوى ... فَمِنْ عَدَمٍ حتى اللقاء، وُجودي

стр. 431

فيا دَوْلَةَ البُعدِ الوَخيمةَ أَقْشِعي ... ويا مُدّةَ القُرب الكريمةَ عُودي لتَبْيَضَّ آمالي وتسْوَدَّ لِمَّتي ... ويخْضَرَّ من بعد الذُبولة عُودي وَتَنْعمَ سُكْراً نفسُ كلِّ مُخالِصٍ ... وَيَرْغَمَ غيظاً أَنْفُ كلِّ حسودِ وله مما أودعه رسالةً أخرى سمّاها بالكُدريّة على لسان قَطاتَيْن، اختصرتها: سِرُّ حَياةٍ وشَرُّ مَوتٍ ... حياةُ نَفسٍ وَمَوْتُ قلبِ حِزْبان مِن باطلٍ وحَقٍّ ... ما بَرِحَا في عظيمِ حَرْبِ فَكَوْنُ ذا في نعيمِ رُوحٍ ... بكَوْنِ ذا في أليم كَرْبِ ومنها: ما كُدْرِيَّةٌ كدَّرَ البَينُ مَشارِبَها، وأبهمَ الحَيْنُ مَسارِبها، عضَّها بالسُّخْط، ولم تَخْطُ، وغَضَّها بالسَّجْن، ولم تَجْنِ، تُصبح كالكُبَّة، لضِيق القُبَّة، فتَطَّلِعُ من الكُوى، وتضطلع بما يوهي القُوى، تتسامع في الصياح، وتبُثُّ الرياح، جوى الارتياح، فبينا هي في دَرسها، رافعة جَرْسها، عارَضتْها أُخرى فسقطت حيالها، وأنكرت حالها، وقالت: قد وسَمْتِ القَطا بالخُرْق، فانْتَفي من الوُرْق، أصبحتِ في المقام الأمين، كأصحاب اليمين، في حِصنٍ حصين، وبناءٍ رصين، قد مُهِّدَتْ أرضُه، وتناسبَ طوله وعَرضُه، الجارحُ يدنو إليكِ، ولا سلطان له عليك، إن عَفَتْكِ النُّسور، حال دونك السُّور، وإن حامت عليك اللِّقوة، خامَتْ ولها الشِّقوَة، وإنْ جمحَ نحوك الصَّقْر، جنحَ وحظُّه الفَقْر، مُحجَّبةٌ في القصر، مؤيَّدة بالنَّصر، يقومُ بطُعْمِك سِواك، ومتى وجدتِ الصَّدى أرواك، آمنةٌ من الطَّيش، لا يَكُدُّك طلبُ العيش، أعزُّ من الغزالة في الدُّلوك، مكرَّمةٌ كبنات الملوك، قد تسلَّفْت الراحة، وربحْت السَّاحة، ما عذرُك في الرَّقص، وهو من دواعي الوَقْص، ونتائج النَّقص، ويحك إنَّ الحَصان، مَن لفَّها الخَفَر وصان، ولن تَعدم البَرزَةُ قادِحا، وقَولاً فادحا. ومنها: فاقْنَي حَياءَكِ أنْ تصيحي ... وتقبَّلي قول النَّصيحِ والصَّمْتُ أجملُ فاصْمُتي ... إذْ ليس نُطقُكِ بالفصيح وأَبشري براحة الإطلاق، ومَسرَّة يوم التَّلاق، فإنَّ رضاع القلوب، فَطْمُ النُّفوس عن المطلوب، فاجعلي الحكمة زادَكِ، واعلمي أنَّ ما نقصك زادك، وهذه إشارةٌ تكفُّك وتكفيك، إنْ نجعَتْ فيك، فتأَوَّهَت المَسجونةُ آهةَ حَزين، وفاهَت عن عقلٍ رزين، وقالت: هَناكِ، نَيلُ مُناكِ، وعَداكِ، مَيْلُ عِداكِ، ومُتِّعْتِ بسَعة الفضاء، ومُنِعْتِ من صَرف القضاء، ولا حرَمَك، أن تأْوي حرَمَك، وسلَّمك، ولا أَسْلَمَك، أَأَن خلا قلبُك، وحَلا قليبُك، فما غَلا حَبُّك، ولا حبيبك، واستطعت لذَّة النَّوم، قطَّعت أُختكِ باللَّوم، كلٌّ يعبِّرُ بلسانه، ويُخبر على قدْر إحسانه، ويشرح أوصاف العرَض، ولو صاف سهمُ الهدفِ، عن الغرض، فإنَّ المناطق، أحلى من حليّ المناطق، ومنها غُثاء السَّيل، وجَمع حاطب الليل، والحشَف وسوء الكيل، إنَّما صدَّك عن الإنصاف، أَشَرُ المَكْرَع الصّاف، باختيارك طِرْت، ولهذا بَطِرْتِ، وإليك سَراحُك، فمن أجله مَراحك، ما رقصي للطّرب، بل لابتغاء المُضطرب، ولا صياحي إلاّ للحَرَب، وفَوْت الأرَب: ورُقادي إنَّما ينْ ... فيهِ هَمٌّ أنا فيه وفؤادي مِحَنٌ تع ... ريه هَمٌّ يعتريه حسبي ضيق المَقرِّ، وتعذُّر المَفَرّ، في بيت تدانى سقفُه، وأقرع رأسي نَقفه، وأخلق جناحي زَقْفه، وعدَلني عن البَراح، ورَوح المَغدى والرَّواح، وِردي الغُمْرَ بعد الغَمْر، فكأنَّه قدح الخَمر، يُخال لسواده القار، ثَمَدٌ لا يُغيِّب المِنقار، على طُعمٍ يُعَدُّ من الصِّلة، دون نصف الحَوصلة، قدر ما يسقي الماء، ويُبقي الذَّماء، وكلَّما ألقاه إليّ، وبثَّه لديّ، أقول من ها هنا أُتيت، وبمثله دُهِيت، ولقد أنشدني، قبل أنْ شدَّني: طِرْ أَيُّها الطَّير واهْجُرْ ما خُدِعْتَ به ... فليس للحُبِّ نُلقي الحَبَّ لِلعاصي وإنَّما هذه الأشياءُ سائرُها ... وإنْ حلَتْ لك، أشراكٌ لأَقفاص

стр. 432

لكن الحرص والشَّره أَصَمّاني، والمِقدار بسهمه أصماني، وكنتُ لا أقبل المِنَّة، ولا أخاف الظِّنَّة، فدُفِعت إلى ما ترَيْن، أنْ عصيت الدِّين: وإذا ما منحتُ دهري عِتابي ... فرَثى لي وجَدَّ في إعتابي طلَعَتْ شمسُه عليَّ خُطوطاً ... فجلَتْني في لملبَس العَتّاب وقَيِّمي الصَّغير، كأنَّه ليثٌ يُغير، علِم أَنّي أُجالسه، ثمَّ أُخالسُه، أسْتَسْلِم إليه، ثم أُسلِّم عليه، كامنة لانتهاز الفرَص، واختيار القفص على القفص، فبعثه فرط ظَنِّه، أنْ تَمثَّل على صغر سِنِّه: رُبَّ شَدٍّ في الكُرْز، وأخلى حُلَّتي من الطُّرْز، فعمد إلى القوادم فحَصَّها، وإلى الخوافي فقصَّها، وأبعدني من المؤالف، وأقعدني مع الخوالف، كيف يلائمني السكون، وأيُّ صَبرٍ يكون، إذا نظرت إلى أضرابي، ومَن عرفت من أترابي، وقد توالَفْن أزواجا، ورُحْن بعيني أفواجا، كلٌّ يرجع بالعَشِيِّ، إلى وَكره المَغْشِيّ، من طيِّب المآكل، إلى الحبيب المُشاكل، ومن صَفو المَناهل، إلى الرَّبْع الآهِلْ، قد اكتفى وانكفى، وَوَفي له كما وفى، فاذْكر مسكني، وما يفوت من سكَني، فليتَ شِعري حين آضَ، بمَن اعتاض، ولمّا راح، إلى مَن استراح، أظنّه اسْترجع تلك الفَينة، وسأل عنّي جُهَينة، فلمّا لم أعد إليه، وعَمِيَت الأنباء عليه، شدَّ إلى سِواي الرِّحال، وفي عَرارٍ خَلَفٌ من كَحْل، ليت شِعري مَن حَبا تلك الأنفال، وخلَّفني في الأُصَيْبِيَة الأطفال، ومَن هازَل الغصنَ المائل، وغازل تلك الشَّمائل: ومَن وردَ الماءَ الذي كنتُ وارداً ... نعم ورعى العُشْبَ الذي كنت راعيا وما أنا وابتغاء المُجون، وشكواي من السجن المسجون، إشارةٌ يطيش عنها سَهْمُكِ، ويطيح منها فَهمُك، ويستغرق مِقولُها صِفاتِك، ويغرق مِعولُها في صفاتك، فاخلعي بقدسها نعلَيك، واخْصِفي من وَرَقها عليك، فإنَّ حِمى الحقيقة، لحامي الحقيقة، مَنْ لي بذات الأضا، ووادي الغَضا، آه على عصر الكثيب، في الخِدن المُثيب، وبُكرة العلَم، بذي سلَم، ونسيم العِشا، بعَسيب أَشا، لا أشري بيوم الغَدير،، ملْكَ الخَوَرْنَق والسَّدير،، ولا أرى لبُرود الما، بَرْد عشِيَّاتِ الحِمى، إذ تَميدُ بي لِدان الأعواد، بالجَهْلَتين وبَطن الواد: بأَصبى إلى ما فارَقَتْ يوم فارقتْ ... من العُشِّ والعيش الرِّضا والمُعاشِرِ وماضي الصِّبا منّي إلى مَن فِراقُه ... رَدايَ ومَن لقياه إن متُّ ناشري وما حالُ مَن تنأَى معاشِرُ أُنْسِهِ ... فيُضحي ويُمسي بين شرِّ مَعاشر وإنَّ مُحَيّا الليث يَكشِرُ ضارِياً ... لأَمْلَحُ مِن وجه العدوِّ المُكاشِر يمُدُّ بَناناً بالسّلام مُشيرَةً ... قضى العدلُ فيها لو تُمّدَّ لِواشِر فها أنا حتى يُبشِر اللهُ مُنعِماً ... بقربِكُمُ للإنس غيرُ مُباشِر والسلام على سادة الإخوان، وذادة الأحزان، سلاماً تحفُّه التّحيّات، وتحفّه الكرامات والبركات، فلبعدهم الكَرى مات. وله وقد أودعها كِتاباً في استدعاء المُكاتبات: فلا تُخلِني منها فإنَّ وُرودَها ... لعَيني وقلبي قُرَّةٌ وقَرارُ وفي الكتْب نَجوى مَن يَعِزُّ حِوارُه ... وتقريبُ مَن لم يَدْنُ منه مَزارُ قضى الله تسريحاً مُريحاً من الأسى ... بقربِكُمُ إنَّ البِعاد إسارُ وله وقد أودعَها أُخرى: أَما لهذا البِعاد مِن أمَدِ ... فيُطفِئَ القربُ لاعِجَ الكَمَدِ ويجمع الدَّهر شملَ مُنفردٍ ... أصبح يبكي لنأْي مُنفردِ فوالّذي راعَني بِبَينِكُمُ ... فَعيلَ صَبري وخانَني جلَدي ما أَتّقي الموتَ عند ذِكرِكُمُ ... إلاّ بوَضْعي يدي على كبِدي وطالما بِتُّ فيكمُ قَلِقاً ... أقطع ليل التَّمام بالسَّهَد فما درى النّاسُ ما أُكاتِمُهُ ... ولا شكوْتُ الهَوى إلى أَحَدِ وله أُخرى وقد أودعَها كتاب عِتاب: فإنّا رِضِيعا وِدادٍ صَفا ... وناسي الرِّضاعة بئس الرَّضيعُ

стр. 433

أتحْفَظُه في زمان الصِّبا ... وعند اكتمال نُهانا يَضيعُ ويِثني هَوانا، على أَنَّه ... شريفُ المَناسب، ساعٍ وَضيعُ وله تعزيةٌ بابنٍ صغير: أَرَّقني أَنْ بِتَّ مَتبولا ... موَكَّلاً بالحزن مَشغولا على هلالٍ ما بلغْتَ المُنى ... فيه ولا نِلْتَ به السُّولا فكمْ خشِينا أَنْ نرى يومَه ... لو أنَّ لِلْمَقدور تَحويلا لكنْ غدا إشْفاقُنا باطلاً ... وكان أمر الله مَفعولا فاصْبر على بَلواه تلْقَ الرِّضا ... فالصَّبر عند الصَّدمة الأُولى وله وقد أودعها تعزية بامرأةٍ وذَكَرَ في وصْفها: في حياةٍ مَزينةٍ بحَياءِ ... خلفَ سِترَيْنِ مِن حِجىً وحِجال ذَكَرُ العقل وهي أُنثى أَلا رُ ... بَّ نِساءٍ لها عقول الرجال وله تعزيةٌ بأخٍ: سطَّرتها عن هَمٍّ ناصب، وقلقٍ واصِب، وعَبرَةٍ سافِحَة، وزَفرةٍ لافِحة، لفقد من حرَّم فقده السُّلوان، وأضرم في القلوب النيران، ذي الرَّأي الأصيل، والحِجى والتَّحصيل، قِنْوِ أُرومته، وصِنو أُمومته، أجمع باسه لإيناسه، وأمتع ترابه في احتراسه، ومَن فقِد الدَّهر بفقده حِصن الحَزامَة، وقلَّم بيومه ظُفر الشَّهامة، وصَلَمَ أُذُن الظَّرف والوَسامَة، وأخرس لسان الفصاحة، وأصمَّ سَمع الفضل، والرجاحة، وفقأَ عين الكمال، وجدع أنف الجَمال، وصدعَ فؤادَ الإفضال، وانتزع قلبَ السُّودد من صدر الجَلال، وفَقَر ظهر السَّداد، وبقَرَ بطن الرَّشاد، فرَبْعُ النَّدى بعده بَيْتٌ مَهجور، والكرَم حَجُّه مَحجور، والشرف غامض الصُّوى، والمَجد مضَعْضَع القوى، والعرف بائر السوق، والبِرُّ ضائع الحقوق: وفي حفرةٍ حَتف الأُسودِ مُوَسَّدُ ... وتحتَ صَفيحٍ ذُو الصَّفيحةِ مُلْحَدُ وأوحَدُ هذا النّاس في العلم والهُدى ... وَحيدٌ، وفَردُ البأْس والجودِ مُفرَدُ فتىً خلَّدَ الذِّكْرَ الجميلَ لعلمِه ... بأنَّ أخا الدُّنيا بها لا يُخلَّدُ محاسنُ تُتلى من محاسنَ تَمَّحي ... فللَّه مَيْتٌ بالبِلى يتجَدَّدُ ولو كان ينجو ذو الكمال من الرَّدى ... إذاً لنَجا منه النَّبيُّ محمَّدُ وله في التهاني من تهنئةٍ بمولود: أبهجَني شُروق الهلال، الطّالع بالسَّعد والإقبال، الذي آنسَ بُرجَ السِّيادة، وبشَّر باليُمن والزِّيادة، تنافس في يده الرُّمح والحُسام، وحنَّت إليه في وِفاضِها السِّهام، وصُبَّت نحوه الطُّروس والأقلام، وتوقَّعَتْ ظهورَهُ ظُهور الجياد، وأتْلعَتْ لِحُلِيِّه عُطُلُ الأجياد، وتاقت إلى التَّجَمُّل بمكانه المَجامع، واشتاقت إلى التَّلذُّذ ببيانه المسامع، ولقد تخلَّقَ مَرضِيَّ الخليقة، وخلع العقوق بلبس العقيقة، وحُبِيَ بكرَم الشِّيمة، زمنَ المَشيمة، وفارقَ الغَرس زَكِيَّ الغِراس، ووافقَ النَّفاسَةَ وقت النِّفاس، ورغِبَ عن الوَضاعة، وقتَ الرَّضاعة، وأُلهِمَ هجرَ الأخلاف، قبل وصل الأخلاف، وأُكرِم باختيار المَكرُمة، قبل أخذ الحَلَمة، فاغتدى والمجد رضيعُه، ورقدَ والسُّودَدُ ضَجيعُه، وسَيَدِبُّ والشرف دِينه، ويَشِبٌّ والعُرفُ خَدينُه،، حتى يصبح مع الفِصال، مهذَّب الخِصال، وعند الإثغار، جامع الفَخار، ويَعمُرَ سُبْلَ آبائه، ويَغمُر بسيل حِبائه، فرزقه الله أمثاله، وبلَّغه فيه آماله، فهو المُجَلِّي للهموم وكان بالسَّبق المجلِّي، ولسوف يتلوه إلى الأَمد المُصلّي والمُسلِّي، ويضاعف الله السّعود بهم لسيِّدنا الأجلّ. وله يقصد التَّجنيس: أرى الدَّهر أغنى خَطْبُه عن خِطابه ... بوَعظٍ شفى ألبابَنا بلُبابه وجرَّد سيفاً في ذُباب مَطامعٍ ... تهافتَ فيها وهي فوق ذُبابه له قلبٌ تهدي القلوب صَوادِياً ... إليها وتَعمى عن وشيك انقلابه هو اللَّيثُ إلاّ أَنَّه وهو خادِرٌ ... سطا فأَغاب الليثَ عن أُنس غابه

стр. 434

إذا جال أَنساكَ الرِّجالَ بظُفره ... وإنْ صال أنساكَ النِّصال بنابه فكم من عروشٍ ثلَّها بشُبوبه ... وكم من جيوشٍ فلَّها بشبابه ومن أُمَمٍ ما أُوزِعَتْ شُكرَ عَذبه ... فصبَّ عليها الله سَوطَ عذابه وأشهد لمْ تسلَمْ حلاوة شُهده ... لِصابٍ إليه من مَرارة صابه مُبيدٌ مَباديه تَغُرُّ، وإنَّما ... عواقبه مختومةٌ بعِقابه ألَمْ ترَ مَن ساس الممالكَ قادراً ... وسارت ملوك الأرض تحت رِكابه ودانت له الدُّنيا وكادت تُجِلُّه ... على شُهْبِها لولا خُمودُ شِهابه أَليس أتاه كالأتِيِّ حِمامُه ... وفاجأَه ما لم يكن في حِسابه ولم يخش من أعوانه وعُيونه ... ولا ارتاع من حُجّابه وحِجابه لقد أسلمتْه حِصْنُه وحَصونه ... غداةَ غدا عن كَسبه باكتسابه فلا فِضَّةٌ أنجتْهُ عند انقضاضه ... ولا ذَهَبٌ أنجاه عند ذَهابه فحَلَّتْ شِمالُ الحَيْنِ تأليف شَمله ... وعَفَّت جُنوب البين إلْفَ جنابه وغُودِرَ شِلواً في الضَّريح مُلحَّباً ... وحيداً إلى يوم المآب لما به يترجِمُ عنه بالفَناء فِناؤه ... وما أَوْحشَتْ من سُوحِه ورِحابه وعرِّجْ على الغَضِّ الشَّباب برَمسِه ... وسائلْه عن صُنع الثَّرى بشَبابه ففي صَمته تحت الجُيوب إشارةٌ ... تُجيب بما يُغني الفتى عن جوابه سلا شخصَه وُرّاثُه بتُراثه ... وأَفْرَده أترابُه في تُرابه وأعجَبُ من دهري، وعُجْبُ ذوي الفَنا ... لعَمرُكَ فيه من عجيب عُجابه وحتّى متى عَتبي عليه ولم يزَلْ ... يَزيد أذى مَن زادَه في عِتابه إذا كنتُ لا أخشى زئير سِباعه ... فحتّامَ يُغري بي نَبيحَ كِلابه يُناصبُني مَن لا تَزيد شهادة ... عليه سوى بُغضي بلؤم نِصابه إذا اغْتابَني فاشْكُرْهُ عنّي فإنَّما ... يُقَرِّظُ مِثلي مِثلُه باغتيابه ويرتاب بالفضل الذي غمرَ الورى ... وفي بعضه لو شئتَ كَشفُ ارتِيابه ويَنحَس شِعري إنْ دبَغْتُ إهابهُ ... بهَجوي فقد نزَّهْته عن إهابه وله من قصيدة مبدؤها في الشيب: إذا كان مِن فَودي وَميضُ البَوارِقِ ... فمِنْ مُقلتي فَيضُ الغُيوثِ الدَّوافقِ تبسَّم هذا الشيبُ عند نزوله ... تبسُّمَ مَظنونِ الفؤاد منافِق شَنْئْتُ نجومَ الليل من أجْل لونه ... وأبغَضْتُ من جرّاه يوم الحدائق على أنّه في زَعمه غير كاذبٍ ... خلاف شبابٍ زَعمه غيرُ صادق وأحسَب أنَّ الصِّدق أوجبَ كونَهُ ... كثير الأعادي أو قليل الأصادق تمسَّك بميعاد المَشيب وعهدِه ... وكنْ بمَواثيق الصِّبا غير واثق ومنها: أيا دهرُ قد شيَّبْتَ قلبي وناظري ... فأهونُ ما عندي مَشيبُ مَفارِقي أَعندك أَنّي أَيُّها الدَّهرُ واهِنٌ ... وقد ذَرَّ في إلفِ النّوائب شارِقي ومنها في وصف الفرس: أَغَرُّ دَجوجِيٌّ كأَنَّ سَبيبه ... جناحا غرابٍ أُودِعا صدرَ باشِقِ جوادٌ على حُبِّ القلوب مُحَكَّمٌ ... يُبين بحسن الخَلْق عن صُنع خالق بهيجٌ يَهيجُ السّامعين صهيلُهُ ... ويُشعِرُ أنَّ العِزَّ خوضُ الفيالق ومنها في وصف السيف: وفي يَمنَتي ماضي الغِرار كأنَّه ... إذا اخترطَتْه الكَفُّ إيماضُ بارق له ضِحْكُ مَسرورٍ ودَمعةُ ثاكِلٍ ... وعِزَّةُ مَعشوقٍ وذِلَة عاشق يُسِرُّ قديمَ الحِقدِ وهو مُلاطِفٌ ... ويْبطِنُ في السّلسال نار الصَّواعق

стр. 435

له من حديد الهند أكرمُ والدٍ ... وبين قُيون الهند أصنع حاذق ومِنْ شَقِّ هامات الفوارس شاهدٌ ... به من حميد الصَّمْتِ أبلغُ ناطِق وإمّا بدا مِن مَشرِق الغِمْد طالعاً ... فمَغْربه بين الطُّلى والمَفارق ها هنا قبضتُ يدي، وقضبْت جدَدي، وقطعت اختياري، وأطعْت اضطراري، فإنّي لو أتيت على فوائد الحصكفيّ المختارة، لأغرقت هذا الكتاب في أبحره الزّخّارة، فما عدَّه الانتقاءُ من نتف الحصكفيّ وأحصى كفى، وما أعدَّه الانتقاد لِمَن يُطالعه ممن بعدها كفلَ بالمَقصود ووَفى، ودأْبي في هذا الكتاب، أن أستوفيَ شرح فضائل الأفاضل من ذوي الآداب، إلاّ مَن لم يقع إليَّ ديوانه، أو مَن لمْ يجمع بيني وبينه بيانه، فإنّني مع صدِّه قنعتُ بمَوجود جَداه، ونقعْتُ الصَّدى بنَداه، والمقصود المَصدوق تكثيرُ الفائدة، وتخضير المائدة، وتوشيع المُسهَم، وتوشيح المُعلَم، وتطريز برود البُدور المُتجلِّية، وتبريز عقود العقول المُتحلِّية، فليَهَبِ المستفيدُ منها طولَها لطَولها، ولْيُعَوِّلْ على مسائل الفضائل في عَوْلها. ومن الأكراد الفضلاء الحسين بن داوود البَشْنَويّ ابنُ عمِّ صاحب فنَك، عصره قديم، وبيتُه كريم، ذكر الشاتاني أنَّ والده رآه، وتوفي في سنة خمس وستين وأربعمائة، وله ديوان كبير، وشِعرٌ كثير، ومن شعره في قصيدةٍ جيميّة يذكر فيها شَعَث بِزَّته مطلعُها: على الحُرِّ ضاقتْ في البلاد المَناهِجُ ... وكلٌّ على الدُّنيا حَريصٌ ولا هِجُ ولا عيبَ فينا غيرَ أنَّ جِبابَنا ... خِلاطِيَّةٌ، ما دبَّجَتْها النَّواسِجُ وله: أَدِمْنَةَ الدّار مِن رَبابِ ... قد خصَّك الله بالرَّباب يَحِنُّ قلبي إلى طُلولٍ ... بنَهْر قارٍ وبالرَّوابي ومنها: أآلُ طهَ بلا نصيبٍ ... ودولةُ النَّصْب في انتصاب إنْ لم أُجرِّد لها حُسامي ... فلست من قيسٍ في اللُّباب مَفاخِر الكُرْدِ في جُدودي ... ونَخوةُ العُرْبِ في انتسابي وله: جِسمي لعِلّةِ لَحْظِ الخَوْدِ مَعْلُول ... والقلبُ من شُغُلي بالحِبّ مَشْغُولُ بي لَوْعَةٌ لبيانِ البَيْنِ شاغلةٌ ... ولي دَمٌ في طُلول الحيِّ مَطْلُولُ يا دارَ سلمى عَلامَ الغيثُ مُنْتَجَعٌ ... ومِن دموعي عليكِ الغيثُ مَهْطُولُ كيف المَليحةُ لي بالوَصْلِ باخِلَةٌ ... والسِّحرُ من عَيْنِها للعينِ مَبْذُولُ سَقيمةُ اللَّحْظ أَبْلَتْ مُهجَتي سَقَمَاً ... ألفاظُها مُرّةٌ والثَّغرُ مَعْسُولُ فَلَيْتَها كَحَلَتْ عَيْنِي بناظرِها ... خَوْدٌ لها ناظرٌ بالغَنْجِ مكحولُ في طَيِّها خَفَرٌ، في طَرْفِها حَوَرٌ ... في سِنّها صِغَرٌ، في جِيدها طولُ ما مَسّها الطيبُ إذ طاب الحياة بها ... والطِّيبُ من خَفَر الغيداءِ مَعْمُولُ ما للهوى قد عَزَزْنَ الغانِياتُ به ... حتى تذلَّ لها الصِّيدُ البَهاليلُ لكنّني والهوى في حُكْمِه حَكَمٌ ... جاري عزيزٌ ومني البِشْرُ مأمولُ إن يَعْرِف الناسُ رَسْم الذُّلِّ في جهةٍ ... فالذلُّ عند بني مهران مجهولُ نحن الذُّؤابةُ من كُرْدِ بنِ صَعْصَعةٍ ... من نَسْلِ قيسٍ لنا في المَحْتِد الطُّولُ أمين الدولة أبو إسحاق إبراهيم بن سعيد الشاتاني أخو علم الدين، وكان أكبر منه سناً وناب بخلاط عن وزيرها، واستقل بنظم أمورها، وتوفي سنة أربع وخمسين بها، أنشدني علم الدين الشاتاني لأخيه هذا، مما كتبه إليه: ولو أنّ دِجْلة فيها الفُرات ... وَسَيْحونُ والبحرُ كانتْ مِدادي وَجَيْحونُ والنيلُ، ما بَلَّغَتْ ... عُشَيْرَ الذي يحتويه فؤادي من الشوقِ يا مَن حوى مُهجتي ... وصَيَّر طَرْفِي حَليفَ السُّهادِ

стр. 436

فَشَوْقي يزيدُ وصبري يَبيد ... وَوَجْدي شديد لطول البِعاد أَفَيْحاءُ حُيِّيتِ مِن بلدةٍ ... سَقَتْكِ الغيومُ وَصَوْبُ الغَوادي ونالتْ ربيعةُ فيكِ الربيعَ ... وأخْصبَ رَبْعُك مِن كلِّ نادِ ففيكِ الشَّقيقُ وفيك الحبيب ... ومن حَلَّ منّي محَلَّ السَّواد هو العلَمُ الفَرْدُ نَجْلُ السعيد ... سعيدُ بنُ عبدِ الإله الجَوادِ فإن سهَّل اللهُ وَصْلاً لنا ... فسوف نرى ما يَسُوءُ الأعادي وإلاّ فإنّي الغريبُ الوحيدُ ... أُطيلُ المُقامَ على الإقتصادِ قال: وكتب إليّ أيضاً قصيدة مطلعها: بنَفْسي ورُوحي مَن يُرَجَّى لِقاؤه ... وعذَّبَني هِجْرانه وجَفاؤُه لَئِنْ كانتِ الحَدْباءُ رُوحاً لأهلها ... لقد هاج للقلبِ الحزينِ عَياؤُه ويا راكبَ الوَجْناءِ يُفْضي به السُّرى ... إلى المَوْصل الفَيْحاء يُعْطى رَجاؤُه قال: فكتبت إليه في جوابها أبياتً من جملتها: بنَفسيَ من أَفْضَى مُنايَ لِقاؤُهُ ... وَمَنْ وَصْلُه للمُستهام شِفاؤُهُ بنفسيَ من وافى إليَّ كتابُهُ ... كَزَهْر الرُّبى جادَتْ عليه سَماؤُه تجَلَّى لطَرْفي فاستنار بنورِه ... وأزْرى بإشراق الصَّباح ضِياؤهُ ومنها: إذا جِئْتَ أَخْلاطاً فقِفْ برُبوعها ... ونادِ بصوتٍ يُستطابُ نِداؤُه ومنها: أخي وشَقيق النَّفس والماجد الذي ... أجَلُّ أماني النفسِ عندي بقاؤهُ الأمير بهاء الدولة محمد بن الحسين بن شبل الجوني الكردي، من نسل بهرام جونين، صاحب قلعة شاتان، كان فيه فضل وأدب، وتوفي سنة إحدى وأربعين، ذكره علم الدين الشاتاني وذكر أنه كتب إلى والده: يا واغِلاً في المَهْمَه البَيْداءِ ... بالعِرْمِس الوَخّادةِ الوَجْناءِ أَبَلغ أبا منصورٍ النَّدْبَ الذي ... قد حلَّ مُعتَلِياً على الجوزاء عنّي السلامَ وقل له يا من غدا ... بقَريضه فَرْدَاً من الأكْفاءِ حاشايَ أن أنسى حقوقاً لامرئٍ ... قد حلَّ منّي مَوْضِعَ الآباءِ قال العلَم: وكتب إليّ وقد أردت الانفصال عن خدمته بشاتان إلى الموصل: أما مِن رسولٍ مُبلِغ ما أقوله ... إلى علَم الدين الإمام ويُنشِدُهْ بحُرمَة ما بيني وبينك لا تكُنْ ... مكدِّرَ ما صَفَّيْتَه وتبدِّدُهْ كغازِلةٍ غَزْلاً وتنقُضُه بما ... يفكِّر فيه قَلْبُها وتُجدِّدُهْ قال: وله أبيات أولها دال وآخرها دال: دَنا من مُحبِّيه الغزالُ المُباعِدُ ... وساعدَني فيه الزمان المُعانِدُ دَقيقُ مَجالِ الطَّوْقِ رِيمٌ مُكَحَّلٌ ... حَوى الحُسنَ جَمْعَاً فهو في الحُسن فارِدُ دَهاني بوَجهٍ نَيِّرٍ وبمُقلةٍ ... كأنَّ بها هاروتَ للسِّحرِ عاقِدُ دَلالُكَ لا يفنى وقد غالني الهوى ... وأنت خَلِيٌّ طولَ ليلك راقِدُ دُموعيَ قد أَقْرَحْنَ أَجْفَانَ ناظِري ... وقد خانني صبري وقَلَّ المُساعِدُ قال أنشدنيها هو من فيه. الرئيس أبو طالب الحسين بن محمد بن الكميت من أولاد الكميت الشاعر، كان رئيس قرية يقال لها أَنْعَين من أعمال أَرْزَن، وهي ضيعة جليلة، عامرة آهلة، وبها لبني الكميت الرئاسة والمَضيف للطرّاق، من سائر الآفاق، وكان شاعراً مجيداً لبيباً، وأريباً أديباً، يناقل الفضلاء، ويُساجل الكبراء، وكانت بينه وبين الأديب الخطيب الحصكفي مُناقلات، ولما كتب إليه الحصكفي القصيدة الطائيّة، التي سبق ذكرها، ومنها: بَسطتَ بِساطَ الأُنْس ثم طَوَيْتَهُ أجابه ابن الكميت بطائية منها: وما كان طَيُّ البُسْطِ إلاّ لأنني ... تيَقَّنْت أنّ البُسْط يُخْلِقُها البَسْطُ ومنها يصف الفلاة:

стр. 437

وَدَيْمومةٍ للجِنِّ فيها زَمازِمٌ ... كما رَجَّعن يوماً بألحانها الزُّطُّ وذكر علم الدين الشاتاني أنه انحدر إلى بغداد، وقصد العم الصدر الشهيد عزيز الدين بها ومدحه بقصيدة أولها: تطاوَلَ هذا الليلُ وهو قصيرُ ... وبِتُّ أُراعي النَّجمَ وهو يَسيرُ فقرّبه وولاّه، وأسدى إليه الجميل وأولاه، وناب عن ضياء الدين الكفرثوي، في حالتي وزارته للأمير الأحدب طغان رسلان، ولأتابك زنكي، وتوفي ابن الكميت قبل الوزير في سنة خمس وثلاثين، وله بنون فيهم الفضل والرئاسة، وديوان شعره موجود بالموصل وعند أولاده، ومن شعره: سَلْ وأَسِلْ إن لم تَصُب دمعاً دما ... عينُك في الدار أُثَيْلاتِ الحِمى والعلَمَ الفَرْدَ وباناتٍ به ... ظلائل، سقى الغمامُ العلَما ومنها: وا كبدي وأين منّي كبدي ... ماعَتْ فصارت ليَ في العين دما //باب في ذكر محاسن فضلاء الحجاز واليمن وقد ألحقت بالقسم الثالث شعراء الحجاز وتهامة واليمن، وأوردت مما سمعته من شعرهم الأحسن، وجعلت القسم الرابع لمصر والمغرب، وأثبت فيه المعرب المغرب، المعجب المطرب، ورأيت تأخير هذا الإقليم، الذي هو أولى بالتقديم، صيانة لمنزل الوحي ومهبط الذكر القديم، عن كلام البشر النظيم، فتيمنت في خاتمة القسم الثالث باليمن، ونظمتها في سلكه، فإن ملكها الآن لمالك الشام وتوأم ملكه، فإنها معدودة من مملكة بني أيوب، الذين عصموها من النوائب العصل النيوب، وملأوها بالمفاخر وفرغوا عيابها من العيوب، لقد تملأت اليمن يمناً، وعادت عدنها عدناً، وذهبت زبد زبيدها الجافية جفاء، وصارت أرض سباها العافية سماء، وطلع بها شمس الدولة شماً أبدى نور نجدها وغورها، وجلا بسنا إحسانه وعدله ديجور جورها، فآثرت إيرادها بين الشام ومصر واسطة لعقدهما، ورابطة لعقدهما. تمهيد تاريخي يعرض العماد في هذا القسم - قسم الحجاز وتهامة - أسماء عدد من الشعراء، وأكثر هذه الأسماء لا يقتصر على الجانب الأدبي وإنما يجاوز ذلك ليتصل بالأحداث التاريخية، أو يشارك فيها، أو يكون جزءاً منها. وقد يشير العماد إلى هذه الأحداث إشارة خافية أو خاطفة، وتدفع المختارات الشعرية ذاتها إلى استحضارها والتعرف إليها، وأكثر ما تكون هذه المختارات في هؤلاء الولاة والأمراء والأشراف العلويين الذين كانت لهم ولاية مكة والغلبة عليها في هذه الفترة، والذين كان تاريخهم - في منازعاتهم فيما بينهم، أو خصوماتهم فيما بينهم وبين بغداد والقاهرة - وهو تاريخها. وعلى ذلك فإن الصلات بين أسماء الذين كانوا يقولون الشعر أو الذين كان يقال فيهم الشعر وبين الأحداث التي كانت تدفع إلى هذا الشعر، لابد أن تكون بينة واضحة، حتى يكون عملنا في تحقيق التراث ونشره مجزئاً مجدياً. ولعل هذا أن يكون هو الذي دفعني إلى أن أقدم بين يدي هذه التراجم بهذا التمهيد التاريخي. وإنما أردت منه أن أرسم، في خطوط سريعة واضحة، هذا الإطار الزماني أولاً، وأن أضع كلاً من أصحاب هذه التراجم - والذين تشير إليهم - في موضعه من هذا الإطار وفي مكانه من الأحداث ثانياً، وأن أكشف عن صلات ما بين الأحداث والأشخاص ثالثاً، ثم أأتجنب أخيراً، في خلال النص، تكرار الهوامش وتباعدها وانقطاع ما بينها وإحالة بعضها على بعض. وحرصت في هذا التمهيد على أن أعرض الأحداث في تتابعها وترابطها، وأن أرسم جداول الأسر في بدايتها وتعاقب أفرادها وانقطاعها، واعتمدت في ذلك كله على ما وقع إلي من كتب الأدب والتاريخ، منطلقاً من إشارات العماد ومختاراته. الأشراف العلويون ولاة مكة بدأ الأشراف العلويون الحسنيون الولاية على مكة منذ أوائل النصف الثاني من القرن الرابع، وأول من وليها منهم الموسويون، ويقال لهم بنو موسى، الحسنيون، وأولهم: جعفر بن محمد بن الحسين الأمير بن محمد الثائر - لأنه ثار بالمدينة زمن المعتز بن المتوكل، ويقال له محمد الأكبر - بن موسى الثاني بن عبد الله الصالح بن موسى الجون ابن عبد الله المحض بن الحسن المثنى بن الحسن السبط بن علي بن أبي طالب ﵃. وقد غلب جعفر على مكة بعد موت كافور الإخشيدي سنة ٣٥٦ وقبل أن يملك الفاطميون مصر، فلما ملك المعز الفاطمي كتب له بولاية مكة.

стр. 438

ثم خلفه ابنه عيسى بن جعفر سنة ٣٧٠ وظل يلي مكة حتى عام ٣٨٤ وجاء بعد عيسى أخوه أبو الفتوح الحسن بن جعفر، وقد استثاره الحاكم بأمر الله حين طلب إليه أن يتنقص أقدار الصحابة رضوان الله عليهم في الموسم، ثفار وخلع الطاعة، وبايع لنفسه، وتلقب بالراشد، وخرج من مكة يريد الشام، ووصل الرملة، ودانت له العرب، وسلموا عليه بالخلافة، فاضطر الحاكم إلى استمالة قبائل طي، وآل الجراح بخاصة وسيدهم حسان بن مفرج، للتخلي عن أبي الفتوح، ووفق في ذلك، فلم يجد أبو الفتوح بداً من الملانية، فاستجار بمفرج، أبي حسان، وكتب له هذا إلى الحاكم، فرضي عنه الحاكم، وأبقى له ولاية مكة. وفي خلال هذه الثورة التي ابتعد فيها أبو الفتوح عن مكة سنة ٤٠١ وليها، بأمر من الحاكم، أو تغلب عليها، أبو الطيب داود بن عبد الرحمن بن أبي الفاتك عبد الله بن داود بن سليمان بن عبد الله الصالح بن موسى الجون ... ولكنه تنحي لأبي الفتوح حين عاد، وظل أبو الفتوح والياً حتى مات سنة ٤٣٠. وخلف أبا الفتوح ابنه شكر، وجمع له بين الحرمين، مكة والمدينة، وتوفي والياً سنة ٤٥٣. وبموته انقطعت ولاية أسرته على مكة، لأن عمه عيسي لم يعقب ولأن أباه الفتوح لم يكن له ولد إلا شكر، ومات شكر ولم يولد له قط. والفترة التي تلت وفاة شكر فترة غامضة، تصدى فيها للولاية عبد من عبيد شكر، فأغضب ذلك بني الطيب ونازعوه، واحترب بنو موسى وبنو الطيب السليمانيون حيناً من زمن، وكانت الغلبة لبني سليمان، ويظهر أن ولاية مكة في هذه الفترة كانت إلى رجلين منهم أحدهما: محمد بن أبي الفاتك بن عبد الرحمن بن جعفر، والآخر حمزة بن وهاس بن أبي الطيب داود السليماني. ودخل مكة سنة ٤٥٥ صاحب اليمن علي بن محمد الصليحي وانتزع إمرتها من بني أبي الطيب السليمانيين، ولما انصرف عائداً إلى اليمن أناب عنه أبا هاشم، تاج مجد المعالي، محمد بن أبي الفضل جعفر بن أبي هاشم الأصغر محمد بن عبد الله بن أبي هاشم الأكبر محمد بن الحسين الأمير بن محمد الثائر بن موسى الثاني بن عبد الله الصالح بن موسى الجون.. - فكأنما رد الولاية إلى جماعة من ولد بني موسى - فخلصت له وبقيت في أولاده. ومحمد بن جعفر هذا رأس فرع آخر من بني موسى يقال لهم الهواشم، وهو كذلك رأس فترة جديدة يتعاقب فيها على ولاية مكة أبناؤه وأحفاده، حتى يغلب عليها فرع آخر من الأشراف هم بنو قتادة في نهاية القرن السادس. وفي ولايته كانت الفتنة بينه وبين التركمان سنة ٤٨٤، وأخذه الحجاج سنة ٤٨٦. وهو أول من أعاد الخطبة لبني العباس في مكة بعد أن انقطعت نحواً من مائة سنة، ولكنه صار يخطب بعد ذلك للعباسيين حيناً، وللفاطميين حيناً آخر، ويقدم في ذلك من تكون صلته أعظم. ودامت ولاية محمد بن جعفر إلى أن مات سنة سبع وثمانين وأربعمائة وقد جاوز السبعين سنة. وولي مكة بعده ابنه القاسم بن محمد، وظل حتى توفي سنة ٥١٧، فتكون ولايته نحواً من ثلاثين سنة. وخلفه ابنه فليتة وتوفي وهو في الإمارة سنة ٥٢٧. وجاء بعده ابنه هاشم بن فليتة واستمرت ولايته حتى مات سنة ٥٤٩. وفي عهده، سنة ٥٣٩، وقعت الفتنة بينه وبين الأمير نظر الخادم أمير الحاج العراقي، ونهب أصحاب هاشم الحجاج وهم في المسجد يطوفون ويصلون، ولم يرقبوا فيهم إلا ولا ذمة. وخلف هاشماً ابنه القاسم بن هاشم عمدة الدين وعزل في سنة ٥٥٦ في الموسم، عزله أمير الحج، ورتب مكانه عمه عيسى، وبقي عيسى إلى رمضان. ثم إن قاسما جمع كبيراً من العرب وهاجم مكة، فلما سمع به عيسى فارقها ودخلها قاسم، وأقام بها أميراً أياماً، وتغيرت نية أصحابه عليه بعد أن قتل قائداً حسن السيرة من قواده، فقتلوه، واستقر الأمر لعيسى سنة ٥٥٧. واستمر عيسى بن فليتة والياً حتى توفي سنة ٥٧٠. ونازعه الولاية سنة ٥٦٥ أخوه مالك بن فليتة واستولى على مكة نحواً من نصف يوم. وخلفه ابنه داود بن عيسى، واستمر إلى رجب من عام ٥٧١. ووليه أخوه مكثر بن عيسى، ولكنه عزل في الموسم من سنة ٥٧١، وجرىبينه وبين طاشتكين، أمير الحاج العراقي، حرب شديدة كان الظفر فيها لطاشتكين.

стр. 439

وولي طاشتكين، بعقد من الخليفة المستضيء، القاسم بن مهنا الحسيني أمير المدينة، مكة وجمع له بين الحرمين، ولكن القاسم رأى من نفسه - بعد ثلاثة أيام - العجز عن القيام بأمر مكة، فولي داود بن عيسى من جديد. ويتداول داود ومكثر إمارة مكة، ويموت داود سنة ٥٨٥، وينفرد مكثر بالولاية، ويكون آخر الهواشم أو آخر دولة بني فليتة الهواشم، وينتزعها منه الشريف قتادة بن إدريس بن مطاعن بن عبد الكريم بن عيسى بن الحسين بن سليمان بن علي بن عبد الله بن محمد الثائر بن موسى الثاني.. في السنوات الأخيرة من القرن السادس سنة ٥٩٧ أو ٥٩٨ أو ٥٩٩. ويختصم قتادة مع صاحب المدينة سالم بن القاسم بن مهنا الحسيني وفي ذلك يقول قتادة: مصارع آل المصطفى عُدن مثلما ... بدأن، ولكن صرن بين الأقارب وتستمر ولاية مكة في بني قتادة إلى فترة متأخرة، حين يعزل الإنكليز آخرهم الحسين ابن علي بن محمد وينفونه إلى قبرص. جمهرة الأنساب - عمدة الطالب - شفاء الغرام - خلاصة الكلام - طرفة الأصحاب - ابن الأثير - زامباور. الحجاز وتهامة شكر بن أبي الفتوح الحسني زعيم مكة شرفها الله تعالى وجدت في مجموع للسيد الإمام أبي الرضا فضل الله الراوندي مع ولده بأصفهان أنشدني الأمير ضياء الدين أبو محمد شميلة بن محمد بن أبي هاشم أمير مكة، بقاشان قال: أنشدني شكر بن أبي الفتوح الحسني زعيم مكة لنفسه: وَصَلَتْني الهُموم وَصْلَ هَواكِ ... وجَفاني الرُّقاد مثلَ جَفاكِ وحَكى لي الرَّسولُ أَنك غَضْبي ... يا كفى اللهُ شَرَّ ما هو حاكِ ابو محمد جعفر الحسني التهامي المكي قرأت في تاريخ السمعاني نسبه، يقول: هو أبو محمد جعفر بن محمد بن إسماعيل بن أحمد بن ناصر بن الحسين بن القاسم بن إبراهيم بن إسماعيل ابن إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب ﵈، التهامي المكي، كان عارفاً بالنحو واللغة، شاعراً يمدح الأكابر لحصول البلغة، يصحب وفدهم، ويطلب رفدهم، وكان لا يرى أحداً في العالم فوقه، ويعتقد أنه ما وجد عالم في العلم ذوقه، وفي رأسه دعاو عريضة، تدل على أنها بالوساوس مريضة، قال السمعاني جرى يوماً حديث ثعلب وتبحره في العلم فقال: ومن ثعلب، أنا أفضل منه. دخل خراسان وأقام بها وعاد إلى بغداد وورد واسطاً، هكذا قول السمعاني، وتوجه إلى البصرة على عزم خوزستان وبلاد فارس ولا أدري ما فعل الله به وذلك في سنة نيف وثلاثين وخمسمائة. قال أنشدنا جعفر بن محمد بن إسماعيل التهامي المكي لنفسه ببغداد بالمقتدية: أما لِظَلام لَيلي من صَباحِ ... أَما للنَّجْم فيه من بَراحِ كأَنَّ الأُفْق سُدَّ فليس يُرْجَى ... له نَهْجٌ إِلى كُلِّ النَّواحي كأَنَّ الشَّمسَ قد نسجت نُجوماً ... تَسير مَسير أَّْوادٍ طِلاحِ كانَّ الصُّبْح مَنُفِيٌّ طَريدٌ ... كأَنَّ اللَّيْلَ باتَ صَريعَ راحِ كأَنَّ بَناتِ نَعْشٍ مُتْنَ حُزناً ... كأَنَ النَّسْرَ مَكْسورُ الجَناحِ خَلَوْت بِبَثِّ بَثّي فيه أَشكو ... إلى مَن لا يُبَلغِّنُي اُقتراحي وكيف أَكُفُّ عَنْ نَزَوات دَهْري ... وقد هَبَّتْ رِياحُ الإِرْتياحِ وإِنَّ بعيد ما أَرجو قريبٌ ... سيأَتي في غُدُوّي أَو رَواحي وقال أَنشدني لنفسه: مالي بما جَرَّ طرفي من جَنىً قِبَلُ ... كانت غَراماً لقلبي نَظْرةٌ قُبلُ مادَلَّ ناشدَ شَوْقي دَلُّ غانِيةٍ ... ولا أَفادتْ فُؤادي الأَعينُ النُجُلُ ولا دعاني إِلى لمَياءَ لَثْمُ لَمىً ... ولا أَطال وُقوفي باكياً طَلَلُ وإِنّما الحُبّ أَعراضٌ إِذا عَرَضَتْ ... لعاقلٍ عاقهُ عن لُبِّه خَبَلُ أبو عبد الله محمد بن إبراهيم الأسدي الحجازي من أهل مكة

стр. 440

لقي أبا الحسن التهامي في صباه، وكان بمكة مولده وبالحجاز منشاه، وتوجه إلى العراق وغصن شبابه رطيب، وبرد آدابه قشيب، واتصل بخدمة الوزير المغربي ثم ورد خراسان وامتد إلى غزنة، وأستدر بها من أدبه مزنة، وذلك في سنة ست وأربعين وأربعمائة، وعمر إلى حد المائة، ولقي القرن بعد القرن، والفئة بعد الفئة، وكان مولده بمكة سنة إحدى وأربعمائة، وتوفي بغزنة سنة خمسمائة. ولد وقد خدم بعض الأكابر ومدحه بقصائد وكان يستزيده: كفَى حَزَناً أَنّي خَدمْتك بُرْهَةً ... وأَنفْقَتُ في مَدْحِيكَ شَرْخَ شَبابي فلم يُرْوَ لي شُكْرٌ بِغيْرِ شِكايةٍ ... ولم يُرَ لي مَدْحٌ بغيرِ عِتابِ وله: قلتُ ثَقَّلْتُ إِذ أَتَيْتُ مِراراً ... قال ثَقَّلتَ كاهلي بالأَيادي قلت: طولت، قال لا بل تطولت، وأبرمت، قال: حبل الوداد وذكره السمعاني مثل ما أوردته. أبو بكر محمد بن عتيق بن عمر بن أحمد البكري السوارقي من أهل السوارقية، قرية بين مكة والمدينة، أقول: أبو بكر البكري شعره بكر، وله في ابتكار المعاني ذكاء خاطر وفكر، وكلامه لطائر البلاغة والبراعة وكر، شريف، فقيه ظريف، نبيل نبيه، فاضل فصيح، نسبه صريح، تفقه على الإمام محمد بن يحيى، بنيسابور، ومدح الأكابر والصدور، إلى أن لقي وجه جده العبوس، وأدركته وفاته بطوس، سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة، ذكره السمعاني في تاريخه بكلام هذا معناه، وقال أنشدني لنفسه إملاء: سِوَى عَبراتي رَقْرَقَتْها المعالمُ ... وغيرُ فؤادي هَيَّجَتْه الحمائمُ أَبَتْ لي رُكوبَ الذُّلِّ نَفْسٌ أَبِيَّةٌ ... وأَبيضُ مَصقول الغِرارَيْن صارِمُ تقول سُليمَى يومَ بِنْتُ ودمعهُا ... عَلَى خدِّها من لَوْعة الْبَيْن ساجِمُ رُوَيْداً إلى كم لا تزالُ مُخاطِراً ... بنفسٍ كريماً لَوَّحَتْهُ السمائمُ فقلتُ لها والْعِيسُ في ذَمَلانِها ... تُلاعبها أَشْطانها والخَزائِمُ ذَرِيني فلا أَرضى بعِيشَةِ مُقْتِرٍ ... وما رَضِيَتْ عني السُّيوف الصَّوارِمُ لَئِنْ لم أُزِرْها الحَرْبَ قُبّاً يقودُها ... إِلى الموت لَيْثٌ من قُريشٍ ضُبارمُ فلا وَلَدَتْني من لُؤَيِّ بن غالبٍ ... لُيوثُ الْوَغى والمُحْصَناتُ الكَرائمُ أَيطمَعُ في العلياءِ والمجدِ سالِمٌ ... وعاتِقُه من عُرْضَةِ السَّيْف سالمُ يحاوِلُ نَيْل المجد والسيفُ مُغْمَدٌ ... ويأْمُل إِدْراك العُلى وهو نائمُ هذا شعر معتدل لم يطر به خطأ ولا خطل. قال: وسمعت أبا نصر الخطيبي يقول: للشريف أبي بكر البكري بيت ما قيل في معناه أحسن منه، وهو: عَلَى يَعْمَلاتٍ كالحَنايا ضَوامِرٍ ... إِذا ما أُنيخت فالكَلالُ عِقالُها قال وأنشدني أبو الحسن علي بن محمد البروجردي إملاء بأبيورد، أنشدني الشريف أبو بكر البكري لنفسه بنوقان قوله: أَيا ساكِني نجدٍ سلامٌ عَليكمُ ... وإِن كنتُ لا أَرجو إِباباً إِليكمُ وإِن كان جِسمي في خُراسان ثاوِياً ... فقلبي بنجدٍ لا يَزال لَدَيْكُمُ كافور النبوي أحد خدام حظيرة المصطفى صلوات الله وسلامه عليه سيد أسود، شاعر مجود، قرأت في تاريخ السمعاني أنه ورد العراق وخرج إلى خراسان وبلاد ما وراء النهر ومدح الأكابر، ولا أدري هل اتفق له الرجوع إلى مدينة رسول الله ﷺ أم لا، وكان ببخاري في حدود سنة عشر وخمسمائة، وكان بخوارزم في شهر رمضان سنة إحدى عشرة وخمسمائة. وكان أسود طويلاً لا لحية له، كان خصياً. قال أنشدنا محمود بن محمد الإمام بخوارزم، أنشدنا علي بن محمد الأدمي، أنشدنا كافور النبوي لنفسه: حَتّامَ هَمُّك في حِلٍّ وتَرْحالِ ... تَبْغي العُلا والمَعالي مَهْرُها غالِ يا طالبَ المَجدِ دونَ المَجدِ مَلْحَمةٌ ... في طيِّها تَلَفٌ للنَّفْسِ والْمال ولِلَّيالي صُروفٌ قلَّما اُنجذبَتْ ... إِلى مُرادِ اُمرىءٍ يَسْعى لآِمالِ

стр. 441

وقال سمعت أبا الرضا محمد بن محمود بن علي الطرازي قال: وهذه قصيدة طويلة كتبت منها هذا القدر. أقول هذا شعر يثبت على محك النقد وعيار السبك، لا كشعر يبهرجه محك المحق بعد الانتقاد باللجاج والمحك، أرق من النسيم، وأذكى من العبير، وأطيب من المسك، ولا عجب أن تفيد تربة النبي، الذي كان أفصح العرب والعجم صلوات الله عليه وسلامه، خادمها الأسود نظم الكلم، فكافور نظمه في الطيب كافور، ولفظه لقلوب المعاني تامور، وقد استغنى بحلية الفضل عن اللحية، فإن الفضل للرجال أحسن حلية، وسواده مع العلم أحسن من البياض مع الجهل، سارت شوارده في الحزن والسهل، ونقلتها رواة الحضر إلى حداة البدو، ولحنتها القيان بأغاريدها في الشدو، وما نقل إلي من نظمه غير أثبته، وإذا أنشدت غيره له كتبته، إن شاء الله تعالى. الشريف علي بن عيسى السليماني المعروف ب ابن وهاس من أهل مكة وشرفائها وأمرائها، من بني سليمان من بني حسن، وكا ذا فضل غزير وله تصانيف مفيدة، وقريحته في النظم والنثر مجيدة، قرأ على الزمخشري بمكة وبرز عليه، وصرفت أعنة طلبة العلم بمكة إليه، وتوفي في أول ولاية الأمير عيسى بن فليتة أمير مكة في سنة ست وخمسين وكان الناس يقولون ما جمع الله لنا بين ولاية عيسى، وبقاء علي بن عيسى. أنشدني له من قطعة: أَهلاً بها من بَنات فِكْرٍ ... إِلى أَبي عُذْرِهِنَّ صَادِ وله في مرثية الأمير قاسم جد الأمير عيسى: يا حادِيَ الْعيس عَلَى بُعْدِها ... وَخّادةً تَسْحَبُ فَضْلَ النِّعالْ رَفِّهْ عليهِنَّ فلا قاسِمٌ ... لها عَلى الأَيْنِ وفَرْطِ الكَلالْ غاضَ النمّيرُ العَذْبُ يا وارِداً ... وحال عن عَهْدك ذاك الزُّلالْ إِنْ يَمْضِ لا يَمْضِ بَطيءَ القِرى ... أَو يُودِ لا يُودِ ذَميمَ الفِعالْ الأمير دهمش بن وهاس الحسني السليماني أنشدني لنفسه في الأمير مالك بن فليتة، وقد وفد إلى الشام سنة سبع وستين، ومات في الطريق بوادي الغضا ودفن بالأجولية، من مرثية فيه أولها: مُميعُ دُموعي الجْامِداتِ الصّلائِبِ ... مُصابُ فَتىً آهاً لهُ في المَصائِبِ فأَوْرثَ قَلْبي حَرَّ نارٍ كأَنّما ... لَظَا الجْمرِ ما بَيْنَ الحشَا والتّرائب كأَنَّ جُفوني يَوْمَ وارَيْتُ شَخْصَه ... شآبيبُ مُزْنٍ من ثِقال السَّحائبِ تَعجَّبَ صَحْبي كيف لم تَجْرِ مُقْلتي ... مع الدِّمْع واُعتدّوا بها في الْعَجَائب ولم يَعْلَموا أَنَّ المَدامعَ أَصلُها ... من الْقَلْب لا من مُقْلَةٍ ذاتِ حاجِب بِنَفْسيَ مَنْ بالأَجْوَلِيّةِ قَبْرُه ... تَمرُّ به ريحُ الصَّبا والجَنائب مُعَطَّلَة أَكنافُه عن زِيارةٍ ... بعيد مدىً عن حُسَّرٍ ونَوادِب إذا ذَكَرَتْه النَّفْسُ كادَتْ بذكْره ... تَفِيضُ عَلى ماءِ الْجُفون السَّواكب أَعاذِلَتي كُفّي عن اللَّوْمِ في البُكا ... فلستُ بباكٍ غَيرَ خِلٍّ وصاحب ذَريني أُبكّي سَيِّداً لوْ وَزَنْتُه ... بكلِّ كريمٍ لا رْجَحَنَّ بِجانِب فما بَكَتِ الباكونَ مِثْلَك مالِكاً ... ولا خُمشِّتْ فيه خُدودُ الْكَواعِبِ فَمَنْ لِجِيادِ الْخَيْلِ والْبِيضِ والقَنا ... إِذا دَلَفَتْ تَبْغي قِراعَ الكَتائِب ومَنْ لِلْيتامىوالأرامِلِ أَقْفَرَتْ ... معالِمُهمْ مِنْ بِرِّه المُتعاقِب ومن لِغِراثٍ مُرْمِلين تطاوَحَتْ ... بهم يَعْمَلاتٌ من طِلاحِ النَّجائِب ومَنْ ذا يُجيرُ الْجارَ أَوْ يَكشِفُ الأَذى ... عن القوم في عُلْيا لُؤَيِّ بن غالِب فُجِعْتُ به دونَ البريَّة واحداً ... فما مِثْلُه في شَرْقها والْمَغارِب فأُقْسِم بالبيْتِ الْعَتِيق ومَن سعى ... بمَكَّة سَعيْاً بين ماشٍ وراكب

стр. 442

لَمَا وَجْدُ أُمِّ الذَّرْع قَدْ خَنَسَتْ له ... بزَيْزاءَ مَرْتٍ في السنِّينَ اللَّوازِب رَمى صِيرَها شَيْمُ الْبُروق وغُودِرَتْ ... على طِفْلها تقَفْو به إِثْر ذاهِب غَدَتْ تَرْتعي فَضْل اليَبيسَيْن وانْثَنَتْ ... فَلَمْ تَلْقَ منه غَيْرَ مُلقى العَراقِب وَوَلَّتْ وقد أَودى بها فَقْدُ ذَرْعها ... يُقَطِّعُ من أَوْصالها كلَّ صالب ولا وَجْدُ رَبْدا ذاتِ وَحْيٍ خَلَتْ به ... عَنِ الهَيْق في أَعلا عياس السَّباسِب نَأَتْ تَفْتَلي زَهْرَ الرِّياضِ وغادَرَتْ ... دَفِينَتَها بينَ الرُّبى فالْجَوانبِ فهذَّلت الْوَطْفا هذا لَيل فانتحت ... إِليه كما يَنْحو شَريدُ المَجانب فوافَتْه يتلو بَعْضُه الْبَعْض سابِحاً ... فَمِنْ بين طافٍ مُسْتَقِرٍّ وراسِب تَوَلَّتْ ونيرانُ الأَسَى قد تأَجَّجَتْ ... كأَنّ بَجَنْبَيْها دُفوفَ الضَّوارِب ولا ذاتِ طَوْقٍ من حمائِم أَيْكَةٍ ... بنَعْمان تسجو في الضُحَى والغَياهِب غَدَتْ تَرْتعي نَحْوَ اليمَام وعاوَدَتْ ... إِلى وَكْرها تَبْغيه عَوْدة آيِب فأَلْفَتهُ قفراً من أَنيسٍ فَرَجَّعت ... فالأَجانب بأَوجعَ من قلبي عَشِيَّةَ مالكٌ ... بِوادي الغَضا مُلْقىً صَريعَ النوائب خَلِيليَّ مُرّا بي علي قبر مالكٍ ... فإِنّ لُباناتي بهِ ومآرِبي وَحُطّا بِرَحْلي حيث حَلَّ فنآؤُهُ ... فإنّ بذاك التُّرْبِ نَيْلَ مَطالبي وقُولا له إِنْ جئتُماه فَبلِّغا ... عليكَ سَلامُ اللهِ يا خير طالبي فإِنْ تَكُنِ الآفاقُ بَعْدَكَ أَظلمتْ ... وخاب ذَوُو الآمالِ مِنْ كلِّ جانبِ فَبالأَرْوع المَيْمون نَجْلِك إِنْجَلَتْ ... لَياليُها حتى اهتَدى كُلُّ طالِب وللشريف علي بن عيسي بن حمزة بن وهاس بن أبي الطيب الحسني السليماني ذكر أنه مات بمكة سنة ست وخمسين وخمسمائة وكان في عشر الثمانين، أصله من اليمن من مخلاف بني سليمان أنشدني له ابن عمه الأمير دهمش بن وهاس ابن عثور بن حازم بن وهاس الحسني وقد وفد إلى الملك الناصر صلاح الدين علي باب حلب في رابع عشرين ذي الحجة سنة إحدى وسبعين: صِلي حَبْلَ المَلامَةِ أَو فَبُتّي ... ولُمّي من عِتابِكِ أَو أَشِتّي هِيَ الأَنْضاءُ عَزْمَةُ ذي هُمومٍ ... فَحَسْبُكِ والمَلام ولا هُبلْتِ إليكِ فلستُ مِمَّن يَطَّبيه ... مَلامٌ أَو يَريغُ إِذا أَهَبْتِ حَلَفْتُ بها تُواهِقُ كالْحنَايا ... بَقايا رِحْلةٍ كَسَمَالِ قَلْتِ سَواهِمَ كالْحنايا رازِحاتٍ ... تَرَاكَعُ من وَجىً ووَنىً وعَنْت جَوازِعَ بطنِ نَخَلْةَ عابِراتٍ ... تَؤُمُّ الْبَيْت من خمسٍ وَسِتّ أَزالُ أُذيبُ أَنْضاءً طِلاحاً ... بِكُلِّ مُلَمَّعِ القَفَرات مَرْتِ وأَرغَبُ عن مَحَلٍّ فيه أَضْحَتْ ... حِبالُ المَجْد تَضْعُف عند مَتّي أَما جَرَّبْتِ يا أَيامُ مِنّي ... فَرُوكَ تَجَمُّعٍ وحَليفَ شَتِّ أَبِيّاً ما عَجَمْتِ صَفاه إِلاّ ... وَأَثَّرَ في نُيوبكِ ما عَجَمْتِ ورُبَّ أَخٍ كَريمِ الُوِدّ مَحْضٍ ... يُراعُ لِدَعْوتي كالسَّيْفِ صَلْتِ أَبَتْ نفسي فلم تَسْمَحْ بِشَكْوى ... إِليه غير ما جَلَدٍ وصَمْتِ أَقولُ لنفسيَ المِشْفاقِ مَهلاً ... أَلَيْسَ عَلَى الرَزِيَّةِ ما أَضَرْت لَئِنْ فارقتِ خَيْرَ عزىً لأَهْلٍ ... فَخَيْرُ بني أَبيكِ بهِ نَزَلْتِ وله من مرثية في الأمير قاسم بن محمد أمير مكة شرفها الله تعالى: لا زَالَكِ الوابِلُ من حُفْرةٍ ... أَيّ فتىً واريْتِ رَحْب الذِّراعْ

стр. 443

ولا عَدَتْكِ الْجِوْنُ صَخّابَةً ... مُلْقِيَةً مِنها عليكِ البعَاع وارَيْتِ حَمّاء على العقب إِذ ... أَدْبرن صَبّاع حباب الوقاع الطاعِن النَّجْلاء نَغّارةً ... ذا خُلُقٍ سَمْح وصَدْرٍ وَساعْ والمُوقد النّار إذا أُخْفِيَتْ ... في رأْس صَمْدٍ ذاتِ أَزْلٍ شَناع في حينَ لا تَرْأَم أَولادَها النَّ ... يِّب ولا تَحْنو ذَواتُ الرّباع قال وكتب إلى عمته وقد أرسلتإليه تقول له: إلى كم هذا البعد عنا والتغرب: وَمُهْدِيةٍ عندي على نَأْي دارِها ... رسائلَ مُشْتاقٍ كريمٍ وسائِلُهْ تقول إِلى كم يا ابنَ عيسى تَجَنُّباً ... وبُعْداً وكم ذا عَنْكَ رَكْباً نُسائِلهْ فيُوشِك أَنْ تُودِي وما مِنْ حَفِيَّةٍ ... عليكَ ولا باكٍ بما أَنت فاعِلُهْ فقلتُ لها في الْعِيسِ والْبُعد راحةٌ ... لِذي الهمِّ إِنْ أَعْيَتْ عليه مَقاتِلُهْ وفي كاهلِ اللَّيْل الخُداريّ مَرْكَبٌ ... وكم مَرَّةٍ نجّى من الضَّيْم كاهِلُهْ إذا لم تَعادِلك الليَّالي بصاحِبٍ ... فلا سَمَحَتْ بالنَّصْح عَفْواً أَناملهْ فلا خَيْرَ في أَن تَرْأَمَ الضَّيْم ثاوِياً ... وغَيْظاً عَلَى طُولِ اللّيالي تُماطِلهْ ذَرِيني فلي نَفْسٌ أَبي أَن يَدِرّها ... عِصابٌ وقلبٌ يَشْرَبُ اليأْسَ حاصِلُهْ إِذا سيم وِرْداً بعد خمسين شَمَّرَتْ ... عن الماءِ خَوفَ المُقذِعاتِ ذَلاذِلهْ وذكره عمارة الشاعر في شعراء اليمن وقال: هو الذي رئى المأربي والده عيسى حين قتله أخوه يحيى. وكان رأس الزيدية بالحرمين. ومن جملة شعره أبيات كتبها إلى الأمير هاشم بن فليتة بن قاسم أمير مكة يشفع في جماعة حبسهم من الزيدية، فوهبهم له وأمر بإخراجهم إليه، منها: أَبا قاسمٍ شَكْوَى امرىءٍ لك نُصْحُهُ ... تَفَكَّرَ فيها خُطَّةً فَتَحيَّرا على أَيّ أَمرٍ ما تُساق عِصابةٌ ... إِلى السّجْن والَوْا جَدَّك المُتَخَيَّرا ولمْ يَعْدِلوا خَلقْاًَ بكم آلَ أَحْمدٍ ... ولا أَنكروا إِذ أَنْكَر النَّاس حَيْدرا أَتاك بهم ما طَنَّ في مَسْمَع الوَرَى ... وسارت بهِ الرُّكْبان عَدْلاً ومَفْخَرا يَجُرّون أَطرافَ السَّريح عَلَى الْوَجا ... مُنَاقَلَةً بين الْهَواجِر والسُّرى لكِ اللهُ جاراً من قلوبٍ تَطايَرَتْ ... حَشاها ومِنْ دمعٍ جَرى مُتَحدِّرا ومِنْ كلِّ أَوّاهٍ وأَشْعَث مُخْبِتٍ ... إِذا صُدّ عن قَصْدِ الثَّنِيَّةِ كَبَّرا أبو الحسن علي بن الحسن المعروف ب ابن الريحاني من أهل مكة، ذكر أنه من بني تميم، وهو علي بن الحسن بن علي بن عبد السلام بن المبارك بن محمد بن راشد السعدي التميمي، لقيته بالشام مراراً وقد وفد إلى صلاح الدين الملك الناصر في سنة سبعين فأنشدني لنفسه من قطعة في الأمير قاسم أمير المدينة: طَوَتْ مَا طَوَت من حَزْن أَرضٍ وسَهْلِها ... وجاءَتْ سِراعاً كانقضاضِ الْجَوارِحِ إلى حَرَمٍ جَمِّ المآثِرِ لم يزَلْ ... مَدَى الدَّهْرِ مَخصوصاً بغُرّ المدائح إِلى القاسم القَمقامة النَّدْب ذي النُّهَى ... وَذي الْجُود في غُبْرِ السِّنين الكَوالح إِلى ابن المُهَنّا الماجد القَرْم من غَدا ... يَبُثّ الأَيادي بين غادٍ ورائح سَما بِكرامٍ من ذؤابةِ هاشمٍ ... غَطاريفَ صِيدٍ ماجِدين جَحاجِح موارد جُودٍ لا تَمُرّ لِشاربٍ ... وأُسْد وَغىً بَسّالة في الْفَوادِح ووفد إلى الشام لقصد الملك العادل نور الدين محمود بن زنكي ﵀ وكتب إليه بهذه الأبيات في سنة ثمان وستين وأنشدنيها لنفسه:

стр. 444

يا أَوْحَداً عَظَّمَتْهُ العُرْب والْعَجَمُ ... وواحِداً وهو في أَثوابه أُممُ إِنّا قصدْناك والأَقطارُ مُظلِمَةٌ ... والبدْرُ يُرْجى إِذا ما التجَّت الظُّلَمُ سِرْنا إِليك من البيت الحرام ولم ... نَعْدُ المقامَ به إِذْ بَيْتُكَ الْحَرَمُ القائد سالم بن أبي سليمان من عبيد مكة وقوادها، نوبي الأصل، وقاد الخاطر، أنشدني الأمير دهمش ابن وهاس السليماني له قال سمعته ينشد الأمير عيسى بن فليتة في العيد: الَليْلُ مُذْ بَرَزَتْ به أَسماءُ ... صُبْحٌ، ومُسْوَدُّ الظَّلام ضِياءُ فكأَنَّما نُورُ الغَزالَةِ ساطِعٌ ... بِجَبينها ولِضَوْئه لأْلآءُ وكأَنَّ أَشْنَبَ ثَغْرِها بِلِثاتِها ... حَبُّ الْجُمان، فَحَبَّذا أَسماءُ وكأَنَّما بالظَّلْم منها واللَّمى ... عَذْبُ النَّمير وقَهوةٌ صَهْباءُ أَمّا الْقَضِيب فقَدُّها، ولِردِفها ... كُثُب النَّقا، وأَثِيثُها الظَّلْماءُ يا حَبَّذا أَنفاسُ رَيّاها إِذا ... هَدَتِ الْعُيونُ ونامَتِ الرُّقَباءُ بلْ لَيْتَها لِمُتَيَّمٍ أَلِفَ الضَّنا ... وَصَلَتْ، فَوَصْلُ الغانِيات شِفاءُ هَيْهاتَ لا طَمَعٌ بذاك وطَرْفُها ... ماضي الغِرار وقَدُّها السَّمْرءُ حَبْلُ الْوَريد لِعاشقيها هَجْرُها ... ووِصالُها مِنْ دُونه الْجَوْزاءُ بانَتْ فأَكثرَ عاذِلي تَفْنيدَه ... والْعَذْل فيها إِذ نَأَتْ إِغراءُ إِنَّ المُفَنِّدَ لم يَهِجْ بَلْبالَهُ ... رَسْمٌ خَلا وحَمامَةٌ وَرْقاءُ سَفَهٌ سُؤالُ رُسومِها أَنىّ نَأَتْ ... والْقلبُ مأْهولٌ وُهُنَّ خَلاءُ لللَّحظ من أَسماءَ يَوْمَ وَداعِها ... ما أَوْدَعَتْك المُقْلَةُ النَّجْلاءُ سَقَمٌ يَزيدُ وحَسْرَةٌ ما تَنْقضي ... وجَوىً تذوب لِفَرْطه الأْحشاءُ دَعْها فلن يَشْفيك دَمْعٌ هامِلٌ ... في إِثرها وتَنَفُّسٌ صُعَداءُ وارْحَلْ إِذا أَوْلاك دَهْرٌ نَبْوَةً ... بِصُروفه أَوْ عَضَّتِ الَّلأْواءُ وانْزِل بساحة ماجدٍ من هاشِمٍ ... عَظُمَتْ به بين الْوَرى الْعُظَماءُ عيسي المُتَوَّجِ مَن عَلا قَدْراً ومَنْ ... طابَتْ بطِيبِ مَديحه الأَنبْاءُ هو نُورُ رَبِّ الْعرش بينَ عِباده ... فليْعلموا، والْحُجَّةُ الْبَيْضاءُ لله يأْمر باطناً أَو ظاهراً ... فَتَصَرُّفُ الأَقدارِ كيف يَشاءُ مِنْ جَوْهَرٍ منه النبيُّ محمدٌ ... فَعَلَيْه من نُورِ الإِله بهَاءُ مُتواضِعٌ لله ﷻ ... لا يَزْدهيه الكِبْرُ والْخُيلاَءُ يَوْماه يومٌ للنَّوال، وآخَرٌ ... يُرْدَى بِسَطْوَة بأْسِهِ الأَعْداءُ لم يختلفْ خَصْمان في تَفْضيله ... نطقَت بذاك الُّلكْنُ والفُصَحاءُ يا خَيْرَ أَبْنا أَحمدٍ خَيْرِ الورى ... يُثْني عليكَ الرُّكْنُ والْبَطْحاءُ إنَّ المَعالي بعضَ ما أُوتِيتَه ... وبِمثْلِ شَخْصك تَعْتَلي العَلْياءُ وكذا المُلوك بكلِّ أَرضٍ مثلُها ... أَرضٌ وأَنت عَلَى المُلوكِ سَماءُ إِنَّ الثناءَ عليك من رَبِّ السَّما ... أَغْناك عمَّا قالت الشُّعراءُ يا أَيُّها السامي المَحَلّ ومَنْ له ... مَجْدٌ أَثيلٌ عِزَّةٌ قعساءُ جِيدِي بما خَوَّلْتَنِيه مُطَوَّقٌ ... من نعمَةٍ وبِكاهِلي أَعباءُ

стр. 445

فَلأَشْكُرَنْ بَيْنَ البَرِيَّةِ مُعْلِناً ... شُكْرَ الرِّياض تَجُودُها الأَنْواءُ أَنا عَبْدُ أَنْعُمِك التي ماشانَها ... مَنٌّ ولا مَطْلٌ ولا إِكْداءُ مْملوكُ رِقِّك وابنُ مُلْكِ أَبيك لم ... تَجْنَح بيَ الأَغْراض والأَهواءُ إِن عَدَّ قَوْمٌ في الورى آباهُمُ ... فَبِرِقِّكُم تسمو بنا الآباءُ هُنِّيتَ عيدَ الفِطْرِ أَنَّك عيدُه ... وله بشخصكَ حيثُ كنتَ هَناءُ واسلمْ، وإِنْ رَغِمَ، الْحسودُ، بغبْطَةٍ ... تَبْقى إذا عَمَّ الأَنامَ فَناءُ حجة الدين المكي الأصل المغربي المنشأ هو أبو عبد الله محمد بن أبي محمد بن محمد بن ظفر سكن الشام في الشطر الأخير من عمره، وقرط أسماع المستفيدين بدره، وكان إمام وقته في التفسير والأدب، رأيته بحماة مقيما، ونفوس طلبة العلم إليه هيما، توفي سنة سبع أو ثمان وستين وخمسمائة بحماة وله التصانيف الحسنة، والمجموعات المدونة، ومن جملة كتبه: سلوان المطاع في عدوان الأتباع، طالعته فوجدته كتاباً مفيداً مشتملاً على حسن معنى ولفظ، وذكر تنبيه ووعظ، صنفه إبان مقامه بصقلية، سنة أربع وخمسين وخمسمائة، ويشكر في خطبته القائد الذي صنعه باسمه ويقول: بارك الله له فيما ألهمه كسبه، وكان وليه وحسبه، فلقد أنزل الدنيا بدرك منزلتها، وكوشف بشرك مزلتها، فعمل للبقاء لا للفناء، وجمع للجود لا للاقتناء وجاد لله لا للثناء، وآخى للتعاون على البر والتقوى، لا للتهافت في هوى الهوى، وزان الرياسة بنفس لا تضيق بنازلة ذرعا، ولا تصغي إلى الوشاة سمعا، ولا تدنس بطبع طبعا، وبحلم لا يرفع الغضب لديه رأساً، وحزم لا تخاف الإيالة معه بأساً، فالحمد لله الذي أباحني من إخائه حمى منيعاً، وحرماً أميناً، ومرتعاً مريعا، وورداً معيناً. فنحن بقَرْبه فيما اشْتهيْنا ... وأَحْببنا وما اخْتَرْنا وَشينا يقَينا ما نعافُ وإِن ظنَنّا ... به خيراً أَراناه يقَينا نميلُ على جوانبه كأَنّا ... إِذا مِلْنا نَميل عَلَى أَبينا وأقسم لولا أن الشكر عقد شرعي، وحق مرعي، لأقررت عينه بطي ما نشرت، والتورية عما إليه أشرت، إذ كان وقاني الله بعده، ولا أبقاني بعده، يرى أن الشكر في وجوهى آلائه ندوب، والمدح من خواص أوليائه ذنوب. ومن نثره ونظمه في التفويض أسجاع وأبيات حكمية. فمن النثر: معارضة العليل طبيبه، توجب تعذيبه. إنما الكيس الماهر، من استسلم في قبض القاهر. إذا كانت مغالبة القدر مستحيلة، فمن أعوان نفوذه الحيلة. إذا التبست المقادر، ففوض إلى القادر. ومن الشعر قوله: أَيا مَنْ يُعَوِّلُ في المْشكلات ... عَلَى ما رآه وما دَبَّرَهْ إذا أَشْكَلَ الأَمرُ فابرأْ به ... إِلى من يرى منهُ ما لَمْ تَرَهْ تَكُنْ بينَ عَطْفٍ يَقيك الْخُطوب ... ولُطْفٍ يهوِّنُ ما قَدَّرَهْ إِذا كنتَ تجهل عُقْبى الأْمور ... ومالك حَوْلٌ ولا مَقْدُرَهْ فلمْ ذا الْعَنا وعَلامَ الأَسى ... وَمِمَّ الحِذارُ وفيمَ الشَّرَهْ وقوله: يا رُبَّ مُغْتَبِطٍ ومَغْ ... بوطٍ برأْيٍ فيه هُلْكُهْ ومُنافِسٍ في مَلِك ما ... يُشْقيهِ في الدَّارَيْن مُلْكُهْ عِلْمُ العَواقِب دونَه ... سِتْرٌ وليس يُرامُ هَتْكُهْ ومُعارِضُ الأَقدار بالْ ... آراءِ سَيْئُ الْحالِ ضَنْكُهْ فكُنِ امرءاً مَحَضَ اليقي ... ن وَزَيَّف الشُّبُهاتِ سَبْكُه تَفْويضُه تَوْحيدُه ... وعِناده المِقْدارَ شِرْكُهْ وفي سلوانة التأسي: التأسي جنة البلاء، وسنة النبلاء. التأسي درج الاصطبار كما أن الجزع درك التبار. ومن سلوانة الصبر قوله: عَلى قَدْرِ فضل المرءِ تأْتي خُطُوبُه ... ويُعْرَف عند الصَّبْر فيما يُصِيبهُ ومَنْ قَلَّ فيما يَتَّقِيه اصطبارُه ... فقد قَلَّ فيما يَرْتجيه نَصِيبُهُ

стр. 446

ومن كلامه في الصبر: صبر الملوك ثلاث قوى: قوة الحلم وثمرتها العفو، وقوة الكلأة والحفظ وثمرتها عمارة المملكة، وقوة الشجاعة وثمرتها في الملوك الثبات، وفي حماة المملكة الإقدام في المعارك، ولا يراد من الملك الإقدام في المكافحة فإن ذلك من الملك تهور وطيش وتغرير، وإنما شجاعته ثباته حتى يكون قطباً للمحاربين ومعقلاً للمنهزمين، وهذا ما دام بحضرته من يثق بذبه عنه، ودفاعه دونه، وحمايته له. ومن سلوانة الرضا قوله: من رضي حظي. من ترك الاقتراح، أفلح واستراح. كن بالرضا عاملاً قبل أن تكون له معمولاً، وسر إليه عادلاً وإلا صرت نحوه معدولاً. وقوله نظماً: يا مَفْزعي فيما يَجي ... ئ وراحِمي فيما مَضى عِنْدي لمِا تَقْضيه ما ... تَرْضاه مِنْ حُسْن الرِّضا ومِنَ الْقطيعة أَستعي ... ذُ مُصَرِّحاً وَمُعَرِّضا وقوله: كُنْ مِنْ مُدَبِّرِك الحكي ... م، عَلا وجَلَّ، عَلَى وَجَلْ وارْض الْقَضاءَ فإِنّه ... حَتْمٌ أَجَلْ وله أَجَلْ وقوله: يا مَنْ يرى حالي وأَنْ ليس لي ... في غيرِ ما يُرْضيه أَوطارُ وليس لي مُلْتَحَدٌ دُونَهُ ... ولا عليه ليَ أَنصارُ حاشا لِذاك الْفَضل والعِزِّ أَنْ ... يَهْلَكَ من أَنْت له جارُ وإِنْ تَشأْ هُلْكي فيا مَرْحَباً ... بكلِّ ما تَقْضي وتَخْتارُ كلُّ عذابٍ منك مُسْتعْذَبٌ ... ما لك يكنْ فَقْدُك والنّارُ وقوله: إِذا أَنا لم أَدْفَع قَضاءً كَرِهْتُهُ ... بشيءٍ سِوى سُخْطي له وتَبَرُّمي فصَبْري له من حُسْنِ معرفتي به ... كما أَنّ رِضواني به مِن تَكَرُّمي وله في سلوانة الزهد قوله في زهد النبي ﵇: قال لهُ جِبْريل عن رَبِّهِ ... خُيِّرْتَ فاختر يا دَليلَ الهُدَى نُبُوَّةً في حالِ عَبْدِيَّةٍ ... تَحْوي بها الْقِدْحَ المُعَّلى غدا أَو حالَ تمْليكٍ تَخِرّ العِدَى ... بَيْنَ يَدَيْه صُعَّقاً سُجَّدا فاخْتار ما يَحْظى به آجِلاً ... لله ما أَهْدَى وما أَسْعدا وقوله: يا مُتعَباً كَدّه الْحِرْ ... صُ في الْفُضول وكادَهْ لو حُزْتَ ما حاز كِسرى ... وما حَوَى وأَفادهْ ما كنتَ إِلاّ مُعَنىًّ ... ومُغْرَماً بالزِّيادهْ لم يَصْفُ في الأرض عَيْشٌ ... إِلاّ لأَهْل الزَّهادهْ فَرُضْ عَلَى الزُّهْد نَفْساً ... فإِنّما الخيرُ عادهْ وقوله: دُنياك دارُ غُرورٍ ... ومُتْعَةٍ مُسْتعارَهْ ودارُ لبس وكَسْبٍ ... ومَغْنَمٍ وتجارهْ ورأَس مالِكَ نَفْسٌ ... فاحْذَر عليها الخَسارهْ ولا تَبِعْها بأَكْلٍ ... وَطِيبِ عَرْفٍ وَشارهْ فإِنّ ملك سليما ... ن لا يفي بشَرارهْ وقوله من قصيدة: إِنّا بِدارٍ تُرْدي مُحارِبَها ... وتَخْفُرُ إِلإِلَّ في مُوادِعِها وتَسْتَفِزُّ الحَليمَ عَنْ سَنَنِ الْ ... قَصْدِ وتُعْيي عَلى مُخادِعِها مَنْ رامَ إِبقاءَها عليه فقد ... حاوَلَ ما ليس في طبائعها أَسْرَعُ ما تنتحي بَوائقُها ... يَوْماً إِذا استجمعت لجامِعها فَتِهْ عليها وارَبأْ بِنَفْسك عن ... طِلابها وافتفاءِ تابعِها واشْقُق عصا بَيْعَةِ الْغُرور لها ... وانْبِذ صُراحاً إِلى مُبايعها عَمْري لقد أَنْذَرَتْ مُنَدِّدَةً ... نَاخِعَةً نُصْحَها لسِامِعِها مُؤْذِنَةً أَنّها مُؤَدِّيةٌ ... لساعةٍ آهِ مِنْ قَوارِعها فالأمْنُ، واللهِ، مِنْ فَجائعها ... يَضْمَنُه الزُّهْد في مَطامِعها وقوله:

стр. 447

راعَك الزُّهْدُ إِنَّما الزُّهْد رَفْضٌ ... لِفُضولٍ تَلْهي وتُطْغي وتُرْدي ثم لا تُمْكِنُ الزَّهادةُ في الْمَقْ ... سوم رِزْقاً بل في ضُروب التَّعَدّي مَرْحَباً بالكَفافِ عَيْشاً هَنيئاً ... ثم لا مَرْحباً بحرصٍ وكَدِّ ما عَلِمْنا، وقد رأَينا كثيراً ... وسَمِعنا، مَنْ حاز جَداً بِجِدِّ لا يَزالُ الْحَريص يَسْتامه الحِرْ ... صُ بنُصْب من الشَّقا وبِكَدّ ثم لا يستطيع أَنْ يَتَعَدّى ... قَدَراً ما لِحُكْمِهِ من مَرَدِّ وقال في آخر الكتاب: أعوذ بالله من عذاب الإعذاب، كما أعوذ به من حجاب الإعجاب، وأستكفيه عول السؤال كما أستعفيه غول الجواب، وأستدفع به فساد الخطأ كما أستدفع به كساد الصواب. ومن ملتقطات حكم الكتاب المودعة فيه: الدنيا قريب سلبها من سلمها، وخطفها من عطفها. التنعم في الدنيا يضاعف حسرة زيالها، ويؤكد غصة اغتيالها. المال كالماء، فمن استكثر منه ولم يجعل له مسرباً ينسرب به ما زاد على قدر الحاجة غرق به. المواساة في المال والجاه عوذة بقائهما. الموثوق موموق، والأمين، بالمودة قمين. كن من عينك على حذر، فرب جنوح حين، جناه جموح عين. ما أحرى الملول، بأن يحرم المأمول. السآمة من أخلاق العامة، لا من أخلاق السامة. التنقل من خلة إلى خلة، كالتنقل من ملة إلى ملة. من لزم الرقاد، حرم المراد. من بلغ من اليسار ما فوق قدره تنكر لمعارفه. اليسار مفسدة للنساء لغلبة شهواتهن على عقولهن. أمران يسلبان الحر كمال الحرية: قبول البر، وإفشاء السر. إذا أمكنت عدوك من أذنك فقد تعرضت للغرق في بحره، والحصول في وهق سحره. من تسرع إلى الأمانة، فلا لوم على من اتهمه بالإضاعة، ومن تسرع إلى المشاركة في السر، فلا لوم على من أتهمه بالإذاعة، ومن تنصح قبل أن يستنصح، فلا لوم على من اتهمه بالخداع، ومن عني بكشف ما ستر عنه فلا لوم على من اتهمه بخبث الطباع. أصعب ما يعانيه الإنسان ممارسة صاحب لا تتحصل منه حقيقة. إحذر مقارنة ذوي الطباع المرذولة، لئلا تسرق طباعك من طباعهم وأنت لا تشعر. من غرس العلم اجتنى النباهة، ومن غرس الزهد اجتنى العزة، ومن غرس الإحسان اجتنى المحبة، ومن غرس الفكرة اجتنى الحكمة، ومن غرس الوقار اجتنى المهابة، ومن غرس المداراة اجتنى السلامة، ومن غرس الكبر اجتنى المقت، ومن غرس الحرص اجتنى الذل، ومن غرس الطمع اجتنى الخزي، ومن غرس الحسد اجتنى الكمد. أول الهوى هون وآخره هون. الهوى طاغية فمن ملكه أهلكه. الهوى كالنار إذا استحكم اتقادها، عسر إخمادها، وكالسيول إذا اتصل مدها تعذر صدها. ليس الأسير من أوثقه عداه أسراً، إنما الأسير من أوبقه هواه قسراً، وأرهقه خسراً. الغريب ميت الأحياء، قد أعاده البين، أثراً بعد عين. العاقل يقدم التجريب على التقريب، والاختبار على الاختيار، والثقة على المقة. الرأي سيف العقل. أفضل الرأي ما أجادت الفكرة نقده، وأحكمت التروية عقده. كل رأي لم تتمخض به الفكرة ليلة كاملة فهو مولود لغير تمام. رب حيلة، أنفع من قبيلة. السلطان في حال اضطراب أموره كالبحر في حال هيجه لا ينبغي أن يقرب. وذكر في صدر الكتاب أن السلوان جمع سلوانة وهي خرزة تزعم العرب أن الماء المصبوب عليها إذا شربه المحب سلا. ومبدأ خطبة الكتاب: الحمد لله جاعل الصبر للنجاح ضمينا، والمحبوب في المكروه كميناً، الذي ضرب دون أسرار الأقدار حجاباً مستوراً، وقضى أن الخير على الفطن لا يزال حجراً محجورا. ولهذا حجة الدين كتب مصنفة من جملتها درر الغرر أودعه أنباء نجباء الأبناء، وكان شخصاً عزيزاً، قد برز في العلوم على علماء عصره تبريزا. محمد بن عيسى اليماني

стр. 448

ورد بغداد في سنة خمسين وخمسمائة، وكان قد أصعد من واسط، وهو فاضل مهندس، لكن له طبع شرس، نفيس النفس، مصيب الحدس، نزل في دار طبيب نصراني من بني تومة، ولم يبرح من ذلك المنزل ولن يريمه، وكان لعلة في ضيافة الطبيب، وهو يحل عليه إقليدس على الترتيب، وكان يضن به غاية الضنة، ويتقلد لمن يجعل له إليه طريقاً قلائد المنة، وكنت حينئذ مولعاً بإقليدس وحل أشكاله، وفهم ما يعرض من شكوكه وإشكاله، فتوصلت إلى أن بلغت إليه، وحللت مقالات عليه، فلما رأيته نافر الطبع بالكلية، أكدت مفارقته بالألية، ورأيته يدعي علوماً، ويدعو لنفسه أمراً عظيماً، من علم المجسطي وهيئات الفلك، والمنطق الذي من شم سمه هلك، وكان يقول بفارس، إنسان في هذا العلم فارس، وأنا لابد لي من قصده، واستيراء زنده، وغاب ثم عاد في السنة الثانية إلى بغداد، فلقيته في عرض الطريق مرة واحدة، ورأيت طباعه للمعرفة القديمة جاحدة، فما شئت ماشيته، وجادلته في شيء من العلوم وماريته وفارقته، وبعد ذلك ما رأيته. أنشدني لنفسه من أبيات عملها: إلى الله أَن الدَّهرَ أَنيابُ صَرْفه ... عليَّ من الْغيظ المُبَرِّح تَصْرُفُ وذَنْبي إِليه أَن نفسي إلى العُلا ... تَتُوق وعن طُرْقِ المَذَلَّة تَعْزُفُ ولكنَّ هذا الدَّهرَ لا دَرَّ دَرُّهُ ... عَلَى الحرِّ جَوَّارٌ ولِلْجِبسِ مُنْصِفِ وأنشدني لنفسه: أَقولُ لنفسي وقد أَشْفقتْ ... لِكوْن الهمومِ إليها قواصِدْ إِذا كُنتِ تَبغين كَسْبَ العُلى ... فلا تَحْفَلي بِلقاءِ الشدائدْ أنشدني: كسب المعالي، فقلت: كسب العلا أصوب: محمد بن المبارك اليماني من فضلاء اليمن، ونبلاء الزمن، سافر من اليمن إلى بغداد بالبركة واليمن، وكان من الفصحاء اللسن، وأقام بها مدة وانصرف، وقد عرف مكانه من عرف. قال السمعاني في مصنفه وقد طالعته مطالعة المنتخب المنتقي، قرأت في كتاب الوشاح لأبي الحسن البيهقي أخبرني ملك النقباء محمد بن المرتضى أن محمد بن المبارك اليماني قد جرعته يد الإنفاق، كأس الإملاق، وطلق عرائس العراق، وركب أثباج الفراق، وأنشدني له: فانْشُر مَطارفَ من هَواكَ فطالما ... أُوِلعْتَ خَوْفَ الْعاذِلين بِطَيِّها وَدَعِ التَّأَمُّل في العَواقِب إِنه ... لا يَستبين رَشادُها مِنْ غَيِّها المهدي بن علي بن مهدي ملك اليمن في زماننا هذا، وسفك الدماء، وسبى المسلمين، وأقبل على شرب الخمر والعقار، وادعى الملك والإمامة ودعا إلى نفسه، وكان يحدث نفسه بالمسير إلى مكة فمات في الطريق سنة ستين، وتولى بعده أخوه وله شعر حسن يدل على علو همته، وما كان في نفسه من مضاء العزيمة وبعد الهمة في طلب الملك والفتنة. كثر بالعراق من أجفل من اليمن خوف ما بها من الفتن أنشدني له الشاعر الذي كان مقيماً باليمن وقدم العراق أبو محمد بن عتيق المصري ابن الرفا يهدد قوماً من اليمن: أَبْلِغْ قُرَى تَعْكُر ولا جَرَما ... أَنّ الذي تكرهون قَدْ دَهَما وَقُلْ لِجَنّاتِها سأُبدلُها ... سَيْلاً كأَيّام مَأَربٍ عَرِما ظَنَّتْ خُوَيْلان أَن سَتَشْغَلَنُي ... عَماً لَمِا ظَنَّتِ اللِّئامُ عَما هل يَنْقُصُ الْبَحْرَ كَفُّ غَارفِه ... أَو يُخْمِدُ النارَ قابِسٌ ضَرَما تَعْساً لِخَوْلان لا أَبا لَهُمُ ... أَمْسَوْا وُجُوداً وأَصْبَحوا عَدَما إِذْ نَفَخُوا مِنْ صَوارِمي ضَرَما ... واسْتَسْمَنوا من ظُنونِهِمْ وَرَما وَقُلْ لسام إِليكُم عَجلاً ... فَوارِساً لم تَدَعْ لِحام حِمى هَيْهاتَ قامتْ لكمْ عَلَى قَدَمٍ ... شَعْواءُ تَرْمي بِرأْسِها القَدَما وشَمَّرتْ ساقَها الْحُروبُ وما ... أَلَفَّها الليلُ سائقاً حُطَما مَمْلوءةً بالقَنا مُلَمْلَمَةً ... صَمّاءَ يَمْلو صمامها صمما سَلْ يَوْمَ مَلْحاء قَوْمَ قَاسِمِها ... مَن كان غيري نُفوسَها اقْتَسما

стр. 449

أَنا ابنُ مَنْ أَسْأَمَ المُلوك وما ... وَنَى عَلى حالةٍ ولا سَئما أَبْلغ أَبا كَلْبَة وإِنْ رَغِمَتْ ... أُنُوفُ أَشْياعِه وإِنْ رَغِما أَن نُسورَ الْوَغى إِذا وَقَعَتْ ... بأَرْضِ قَوْمٍ أَطارَت الرَّخَما نَرْمي بِنيرانِها قُرى عَدَنٍ ... صُبْحاً فَيُمسي شَرارُها الْحَرَما أَيُشْرَب الْخَمْرُ في ذُرى عَدَنٍ ... والمَشْرَفِيّات بالْحُصَيْب ظِما ويُلْجَمُ الدِّينُ في مَحافِلها ... والْخَيْلُ حَوْليّ تَعْلُكُ اللُّجُما كَلاّ ومهدي أَجبةٍ خلفٌ ... له وحَيْزومُ يَمْلأُ الْحُزُما صَلّى عَلَيْنا الإِلهُ بَعْد أَبي الْ ... قاسِم ما سَحَّ وَابِلٌ وَهَمى ونسب عمارة اليمني في مجموعه هذه القصيدة إلى ابن الهبيني التهامي، شاعر علي بن مهدي وكان يعمل له الشعر. وأنشدني أبو محمد بن عتيق الشاعر وكتب لي بخطه ما كتب إليه من اليمن من شعر ابن مهدي هذا: يَميناً بِسامي الْمَجد يُدْرَك بالجِدِّ ... وحَدِّ اعتزامٍ لم يَقِفْ بي على حَدِّ وعِزَّةِ نَفْسٍ لم تكن مُذْ صَحِبْتُها ... تُنافِسُ إِلاّ في الرَّفيع من الْمَجدِ وَصُحْبةِ آسادٍ تَهُزُّ أَساوِداً ... فَمِنْ فِتْيةٍ مُرْدٍ عَلَى قرَّحٍ جُرْد تَخُوضُ خِضَمَّ البحر عَبَّ عُبابهُ ... كَصُمِّ صُخورٍ في غَديرٍ من السَّرْد تُطيحُ بِتيجانِ الْمُلوك رُؤُوسُها ... فَتُبْدِلهُا من عِزِّها صَعَرَ الْخَدِّ لأَعْتَنِقَنَّ الْبِيضَ، لا البيض كالدُّمى ... وأَرغَبُ عن نَهْدٍ إِلى سابحٍ نَهْد حَنِيني إِلى سَمْراءَ تَهْوِي إِلى الطُّلى ... كُزُهْدِيَ في سَمْراءَ مائسة القَدِّ أَأَصْبو إِلى الْحُور الحِسان وهِمَّتي ... تَهِيمُ بِضَرب الْهامِ قاهِرةً ضِدّي وقد قالتِ الْعَلْياءُ عَدِّ عن الصِّبا ... وسَلِّمْ هَوى سَلْمى ودَعْ مِنْ مُنى دَعْد قَسَمْتُ الرَّدى والْجُودَ قِسْمين في الْوَرىفلِلْمُعْتَدي حَدِّي ولِلْمُجْتَدي رِفْدي وما لِيَ من مالي الذي كَسَبَتْ يَدي ... تُراثٌ أُبَقِّيه سِوى الشُّكْرِ والْحَمْدِ تُخَوِّفُني جَيْبٌ بكُثْر عَدِيدِها ... وما لجنودِ اللهِ حَوْليَ مِنْ عَدِّ ويُرْهِبني زيدُ بن عَمْرٍو بِجنُدِه ... وبَجْدَتِه يا بِئْسَ ما حاز من جُنْد يُقَعْقِع نَحْوي بالشِّنان وهَلْ تَرى ... عُوى الكَلبِ يُخْفي زَأْرَة الأَسَدِ الْوَرْد إِذا قال لم يَصْدُق مَقالاً وما الصَّبا ... تُزَحزِح إِنْ هَبَّتْ ذُرى الْجبلِ الصَّلْد وإِني ونَصرِ اللهِ رائِدُ خَيْلِنا ... وقائِدُها بين التَّهائِم والنُّجْد وأَسيافُنا الْحُمرُ النَّواصِع من دَمِ الْ ... أَحابيشِ ما حالَتْ عَلى صِبْغَة الْوَرْد وما لِلِدانِ السَّمْهَرِيَّةِ إِنْ شَكَتْ ... إِلينا الظَّما إِلا الوَرِيدَيْن من وِرْد وكم رأَسِ جَبّارٍ كَوَهّاس أَصْبحتْ ... لها بَدَنٌ فينا من القَصَب الْمُلْدِ لَئِنْ كان بُدٌّ عندكمْ من لِقائنا ... فليس لنا مّما تَخافُونَ مِنْ بُدْ وإنْ تُخْلِفوا إِبعادَكم لي فإِنني ... مَدَى الدهر لم أُخْلِف وَعيدي ولا وَعْدي سنبعثُها مِثلَ السَّعالي مُغيرةً ... إِلى نجدِكمْ ترمي بكلّ فتىً نَجْد عليها قِرَى وَحْش الفَلا مِنْكُمُ فَكَمْ ... لأَجْسامِكم في جسمها شُقَّ من لَحْدِ نُغَشّي بها أَرْضِيكُمُ فنعُيدُها ... يَباباً بلا شَخْصٍ مُعيدٍ ولا مُبْدي وتُضْحي سَباياكُمْ مُهَوَّنَةً لنا ... تُباعُ بِفَلْسٍ ما لها مُنْكِمُ مُفْدي

стр. 450

لَئِنْ كنتمُ في الغَيِّ ناشِين إِننا ... هُداةُ الْورى من ظُلمِة الغَيِّ للرُّشْدِ وإِن كنتمُ حِزْبَ الضَّلال فإِننا الْ ... هداةُ لِنهْج الْحَقّ بالسيِّد المَهْدي لنا النَّخَواتُ اليْعرُبيَّةُ دونَكُمْ ... فلَسْنا الى هَزْل نميلُ عن الجِدِّ فضلاء اليمن تمهيد تاريخي: نواجه في الصفحات التالية أسماء الصليحيين، على غير التتابع الزمني الذي توالوا فيه، ويكثر في شعر ابن القم مديحهم والإشارة إلى بعض ما كان في حياتهم من أحداث، ولذلك رأيت من الخير أن أورد تراجمهم هنا متتابعة على النحو الذي كان من تتابعهم في الحكم حتى يستقيم فهم الأحداث ويتضح تسلسلها في ذهن القارئ وحتى نتجنب الإحالة في حاشية على حاشية أخرى قد تأتي بعدها. والصليحيون شيعة، باطنية، حكموا اليمن بين السنة ٤٣٩ والسنة ٥٣٢، ونشروا الدعوة للفاطميين وخطبوا لهم وورثوا الدعوة منهم حين زالت دولتهم من القاهرة. وأولهم أبو الحسن علي بن محمد بن علي، ويعرف ب الداعي الصليحي خرج في جبل مسار من أعمال حراز، ولم يكن ولي الامر أحد من أهله، وكان والده القاضي محمد ابن علي شافعي المذهب، مطاعاً في عشيرته، يتولى الفصل في خصوماتها. وسار علي أول الأمر على طريقة والده حتى استماله أحد دعاة الفاطميين فسلكه في هذه الدعوة وخرجه بها، وأخذ علي يستميل القبائل ويجمع الأنصار يعاهدونه على الدعوة للمستنصر العبيدي، الخليفة الفاطمي في مصر، حتى اذا اجتمع له عدد، امتنع بهم في جبل مسار وقصد ما حوله من بلاد، واستفحل أمره، وثبت له جماعة من الشرفاء والأئمة، ولكنه تغلب عليهم وملك اليمن كله، وقتل من قتل من الملوك، وجمع في صنعاء من بقي منهم، ودان له ما بين مكة وعدن وحضرموت. وكان فيمن قتل، نجاح صاحب زبيد، قتله بالسم على يد جارية أهداها إليه سنة ٤٥٢ وفي سنة ٤٥٨ ٤٧٣ ابن خلكان، شذرات الذهب خرج الى الحج واستخلف ابنه المكرم أحمد، واصطحب معه ملوك اليمن الذين خضعوا له، وخيم في طريقه في مدينة المهجم من تهامة ففاجأه سعيد الأحول، ابن نجاح - وكان يترقب الفرصة لاسترجاع ملك أبيه، ومعه أخوه جياش بن نجاح - فقتله وقتل معه عدداً من اهله، وأسر زوجته أسماء بنت شهاب، وتلقب بالحرة.. وظلت في الأسر حتى أنقذها ولدها المكرم أحمد بعد ثمانية أشهر، في غزوة لزبيد انتقم فيها من أولاد نجاح وتملك المدينة. والداعي علي أحد شعراء الخريدة الذين سيتحدث عنهم العماد، وكانت امارته عشرين سنة وبعد مقتل الداعي علي خلفه ابنه المكرم أحمد بن علي سنة ٤٥٩، فحارب سعيداً الأحول، وقتله، واستنقذ أمه الحرة أسماء بعد أن أسرت ثمانية أشهر، واسترد زبيداً، ثم أصيب بالفالج فشاركته الحكم زوجته أروى بنت أحمد الصليحية وتعرف بالملكة الحرة وتوفي سنة ٤٨٤ في حصن أشيح. وكان المكرم مقداماً، حازماً، صحيح الرأي، شاعراً فصيحاً. وخلفه في حكم اليمن ابن ابن عمه: سبأ بن أحمد بن المظفر بن علي وتزوج السيدة أروى - وكانت زوجة المكرم - عن أمر المستنصر العبيدي، ومضى يؤصل حكم الصليحيين في تهامة التي كانت دولة بين آل الصليحي وآل نجاح، فكان آل الصليحي يغزونها في أيام الشتاء وعندئذ يدخل آل نجاح جزر البحر الأحمر، وفي أيام الصيف كان آل الصليحي يرتفعون إلى الجبال ويعود آل نجاح إلى تهامة. وكان سبأ بن أحمد، ويلقب بالأوحد، شارعاً فصيحاً، واستمر يحكم حتى مات سنة ٤٩٢

стр. 451

وبعد موته استقلت السيدة أروى بدولة آل الصليحي، فتحصنت بما تملك من معاقل، وتولت ما كانت تحكم من حصون، وأقامت لها وزراء وعمالاً، واستطاعت ان تطيل حكم الصليحيين أربعين سنة بعد أن كاد يضعف أمرهم، كما استطاعت خلال حياتها الطويلة التي امتدت ٨٨ سنة أن تربط بتاريخ حياتها تاريخ حياة اليمن فقد تزوجت المكرم أحمد كما رأيت وكانت وراء الأحداث الكبيرة في حياته لأنها أعملت الحيلة في قتل سعيد الأحول وأسر امرأته أم المعارك بلوغ المرام ٢٦ وبذلك ثأرت لأبيه الداعي علي الذي قتله سعيد ولأمه أسماء بنت شهاب، ثم تزوجت بالأوحد سبأ. وكانت تحكم اليمن من وراء حجاب، ترفع إليها الرقاع، ويجتمع عندها الوزراء، ويدعى لها على منابر اليمن فيخطب أولاً للمستنصر الفاطمي ثم للصليحي ثم للحرة فيقال: اللهم أدم أيام الحرة الكاملة السيدة كافلة المؤمنين.. ثم انفردت بالحكم بين السنتين ٤٩٢ و٥٣٢ فلما ماتت انقضى حكم الصليحيين في اليمن وآل أكثر ملكهم الى بني زريع. وهي السيدة أروى بنت أحمد بن جعفر بن موسى وموسى أحد إخوة الداعي الصليحي الأول علي، ومنهم عبد الله، وإبراهيم. لها في اليمن مآثر منها الجناح الشرقي بجامع صنعاء، وجامع ذي جبلة الكبير الذي دفنت فيه. والصليحي نسبة إلى الأصلوح من بلاد حراز كما في بلوغ المرام، ولكن ابن خلكان يقول لا أعرف هذه النسبة إلى أي شيء هي والظاهر أنها إلى رجل. وهنالك كثير من الخلافات والروايات حول تحديد بعض السنوات تجاوزنا عنه. وفيات الأعيان - الأعلام - بلوغ المرام - طبقات فقهاء اليمن - تأريخ المستبصر - شذرات الذهب - المقتطف من تاريخ اليمن -. أبو عبد الله الحسين بن علي القمي ابن القم مولده بزبيد، المعروف بابن القم من أهل اليمن، من شعراء العصر الأقرب عصره متقدم، وكان معاصر ابن سنان الخفاجي أو بعده بقريب، وكان الأمير المفضل نجم الدين أبو محمد ابن مصال ينشدني شعره ونحن على الخيل سائرون إلى بعلبك تحت رايات الملك الناصر صلاح الدين يوسف في آخر شعبان سنة سبعين فذكر أن ابن القم سمع بيتاً لابن سنان الخفاجي قد ابتكر معناه، وقد أحسن صياغة مغزاه، وهو: طوْيتُ إِليك الباخلين كأَنني ... سَريْتُ إِلى شَمس الضُّحَى في الغَياهِبِ وقيل هذا البيت لابن سنان الخفاجي من جملة قصيدته: وفيكُم رَوَى النّاسُ المَديحَ ومِنكمُ ... تعلَّمَ فيه القومُ بَذْلَ الرَّغائب فَدَعْني وصِدْقَ القوْلِ فيك لعلَّه ... يُكَفِّرُ من تلك القوافي الكَواذِب وما كنتُ لمّا أَعرضَ البحرُ زاخِراً ... أُقَلِّبُ طَرْفي في جَهام السَّحائب فقال من قصيدة يذكر فيها أنه مدح الممدوح فأجاز شعره، وأجازه وفره: ولمّا مَدحْتُ الهِبْرِزِيّ ابنَ أَحمدٍ ... أَجازَ وكافاني عَلَى المَدْح بالمَدْحِ فَعَوَّض عن شِعْري بشعرٍ وزاد في ... عَطاه فهذا رأْسُ مالي وذا رِبْحي لفظتُ مُلوكَ الأَرضِ حتى رأَيتهُ ... فكنتُ كَمَنْ شقَّ الظَّلامَ إِلى الصُّبْح ولم يقصر في هذا المعنى لم يبلغ رتبة ابن سنان فيه. ومما أنشدنيه أيضاً له من قصيدة مطلعها: سَرى طَيْفُ سُعْدى بعدما هَجَع الرَّكْبُ ... ونَجْمُ الثُّرَيّا قد تَضَمَّنَهُ الْغَرْبُ وليس الرَّدى ما تفعلُ الْبِيضُ والْقنَا ... ولكنَّه ما يفَعلُ الصَّدُّ والحُبُّ يُكَلِّفُني العُذّال حُبَّ سِواكُمُ ... وسَلْوَتَكُمْ حتى كأَنَّ الهوى غَصْبُ ومنها في المخلص وقد أحسن: وما يلتقي صِدْقُ الوِداد وطاعةُ الْ ... عَذولِ ولاكفُّ ابنِ أَحمدَ والْجَدْبُ كريمٌ إِذا جادَتْ فواضِلُ كَفِّه ... تيقَّنْت أَنَّ البخل ما تَفعلُ السُّحْبُ ومنها: أَجارَ فلا خَوْفٌ وأَحْيا فلا رَدىً ... وجادَ فلا فَقْرٌ ورام فلا صَعْبُ ويُثْني عَلَى قُصّادِه فكأَنَّه ... يُجادَ بما يُجْدي ويُحْبي بما يَحْبُو ومنها وقد أحسن أيضاً: كتبتُ إِليه والمَفاوز بيننا ... فكان جوابي جُودُ كَفَّيْه لا الكُتْبُ

стр. 452

وما كنتُ أَدري قبل قطع هِباته ... إِليَّ الفيَافي أَنَّ أَنْعُمَهُ رَكْبُ ثم طالعت مجموع عمارة بن أبي الحسن اليمني الذي قال في أوله: ذكر شعراء اليمن ممن روي لي عنه أو رأيته فذكر أن أبا عبد الله الحسين بن علي القمي مولده بزبيد وفيها تأدب وكان أبوه يشعر، وساد أبوه في أيام الداعي علي بن محمد الصليحي، وكتب ولده الحسين هذا على خط ابن مقلة وحكاه، وكان شاعراً ومترسلاً يكتب عن الحرة، وكان في علو الهمة وسمو القدر واضح الحجول والغرة، وقد أورد من شعره رواية قوله: الليَّلُ يعلمُ أَني لستُ أَرقُدُهُ ... فلا يَغُرُّك من قلبي تَجلُّدُهُ فإِن دَمْعي كصَوْبِ المُزْن أَيْسَرُهُ ... وإِنَّ وَجْدي كحَرِّ النّار أَبْرَدُهُ لي في هوادِجِكُمْ قلبٌ أَضِنُّ به ... فَسَلِّموه وإِلاّ قُمْت أَنْشُدُهُ وبان للنّاس ما كُنّا نُكَتِّمُهُ ... من الهوى وبدا ما كنتُ أَجْحَدهُ وقوله في مدح الداعي سبأ بن أحمد الصليحي، وكان يسكن معقلاً يقال له أشيح: إِن ضامَك الدَّهْر فاستعصِم بأَشْيَح أَو ... أَزْرى بك الْفقرُ فاستمطِر بَنانَ سَبا ما جاءَهُ طالبٌ يَبْغي مَواهِبَه ... إِلاّ وأَزْمَع منه فَقْرُه هَرَبا تَخالُ صارمَه يومَ الْوَغى نَهَراً ... تَضَرَّمتْ حافَتاه مِنْ دَمٍ لَهَبا بَني المُظَفَّرِ ما امْتدَّتْ سماءُ عُلاً ... إلاّ وأُلْفِيتُمُ في أُفْقِها شُهُبا إِنَّ امرءاً كنتَ دون النّاس مطلَبَهُ ... لأَجدَرُ النّاس أَنْ يَحْظى بما طَلَبا وقوله من قصيدة أولها: أَما ونِعْمَةِ عافٍ مُخْفِق الطَّلَبِ ... رَمى إِلى غايةٍ نَحْوي فلم يَخبِ لأَقْنَعَنَّ بِعَيْشٍ دائمِ الرَّتَب ... حتى أُبَلِّغَ نَفْسي أَشرَفَ الرُّتَب لمْ لا أَرومُ التي أَسبابُها جُمِعتْ ... عندي وقد نالهَا قومٌ بلا سبب أَخيفَةَ الموتِ أَثْني النَّفْسَ عن شَرَفٍ ... إِذاً بَرِئْتُ من الْعَلياءِ والأَدب لا خيرَ في رجلٍ لم يُوهِ كاهِلَه ... حَمْلُ اللِّواءِ أَمامَ الْجحفَلِ اللَّجِبِ يَظُنُّ هِنْدِيَّه هِنْداً فيَلْثِمُه ... فما يَزالُ بلَيْلٍ مُعْرس الضَّرَب من مليح ما قيل في هذا المعنى قول المعري: يقَبِّلُ الرُّمْحَ حُبّاً للطِّعان به ... كأَنما هو مَجْموعٌ من اللَّعَسِ كأَنَّ ما في غُروبِ الْبِيضِ مِنْ شَنَبٍ ... مكانَ ما في غَروب الْبيض من شُطَبِ فقُلْ لِقَحْطانَ إِنْ طاب الْهوانُ لها ... لا أَرْغَم اللهُ إِلاّ آنُفَ العربِ إِنْ أُغْضِ أُغْضِ عَلَى ذُلٍّ ومَنْقَصَةٍوإِن أَصُلْ لا أَجِدْ عَوْناً عَلَى النُّوَبِ وغالِبُ الظَّنِّ أَنِّي سوف يَحمِلني ... عُلوُّ نفسي عَلَى الإِقدام والْعَطَبِ وقوله من قصيدة يهنئ بها المكرم بن علي زوج الملكة الحرة بدخوله عليها: وكَرِيمَةِ الْحَسَبَيْنِ تكْنُف قَصْرَها ... أُسْدٌ تهاب الأُسْدُ من صَوْلاتها وتكادُ من فَرْط الْحياءِ تَغُضُّ عن ... تِمْثالها الْمَرْئِيِّ في مِرْآتِها ظَفِرَتْ يداكَ بها فَبَخٍّ إِنَّما ... لك تَذْخَرُ الْعَلْياءُ مَضْنُوناتِها وقوله من قصيدة يمدح بها عبد الواحد بن بشارة وأحسن التخلص إلى مدحه: ولئِن ذكرْتُ هَوَى الظَّعائن جُمْلَةً ... والْقَصْدُ صاحِبةُ الْبعيرِ الواخِد فكما يُعَدُّ الأَكرمون جَماعةً ... والواحِدُ الْمَرْجُوُّ عبدُ الواحدِ نُبِّئْتُ أَنك قد أَتتك قوارصٌ ... عنّي ثَنَتْك عَلَى الضَّمير الواجِدِ عمِلتْ رُقى الواشين فيك وإِنها ... عندي لتضربُ في حديدٍ باردِ وقوله من قصيدة: مُشَهَّرُ الفضلِ إِنْ شمسُ الضُّحى احتجبَتْ ... عنِ الْعيون أَضاءَ الأُفْقَ سُودَدُهُ

стр. 453

ماتَ الكِرامُ فأَحْيَتْهُم مآثِرهُ ... كأَنَّ مَبْعَثَ أَهل الفضل مَوْلِدُهُ لولا المَخافةُ من أَنْ لا تدومَ له ... إِرادةُ الْبذل أَعْطَت نفسَها يَدُهُ كأَنّه خافَ أَنْ ينْسَى السَّماح فما ... يَزالُ منهُ له دَرسٌ يُرَدِّدُهُ الْموقِدون إِذا باتوا فَواضلَ ما ... ظَلَّ الطِّعانُ بأَيديهم يُقَصِّدُهُ بِكُلِّ عَضْبٍ تَخُرُّ الْهامُ ساجِدَةً ... إِذا رأَتْهُ كأَنَّ الهامَ تَعْبُدُهُ وقوله: إِنّي وإِنْ كنتُ عَبْدَكْ ... وكنتُ أُضْمِرُ ودَّكْ لا أَشتهي أَنْ تراني ... بحالةِ النَّقْصِ عندَك وقوله: رَقَّ لي قَلْبُها وقد كان فَظّا ... فأَرَتْني دُرَّيْن دَمْعاً ولَفْظا ثم قالتْ أَلستَ تَقبَلُ نُصْحاً ... من نَصيحٍ ولستَ تقبَلُ وَعْظا بِتَّ يا بارِدَ الْجَوانح خِلْواً ... من غَرامٍ قَلْبي بهِ يَتَلَظَّى فازَ كُلٌّ بالْحَظِّ في هذه الدنْ ... يا وَما نلتَ من زمانك حَظّا أَنا مولى محمّدٍ وعليّ ... لستُ مولى بني زِيادٍ فأَحْظى يعرض بجياش صاحب زبيد. وقوله من قصيدة يعاتب جياشاً: أَذاعَ لِساني ما تُجِنُّ الأَضالعُ ... وأَعْرَبْنَ عمّا في الضَّمير المَدامِعُ وإِنّيَ مما يُحْدِث الْهَجْرُ جازِعٌ ... وما أَنا مّمِا يُحْدِثُ الدّهرُ جازعُ فيا ابن نصير الدّين دَعوةَ هاتفٍ ... دعا بك لِلْجُلَّى فهل أَنتَ سامعُ وقد كنتُ أَرجو أَن أَكونَ مُشَفَّعاً ... لَدَيْك فهل لي عندَك اليومَ شافعُ فأَصبحتُ أُغْضي الطَّرْف في كلِّ مَجْلِسٍ ... وأَكْتُمُ أَمري وهو في الناسِ ذائعُ وأُظهِر بِشْراً للجَليس وغِبْطَةً ... وبينَ جَنانَيّ الشِّفارُ الْقَواطِعُ وما أَنتَ إِلاَّ البدرُ أَظَلمَ مَنْزِلي ... وكلُّ مَكانٍ نورهُ فيه ساطعُ تَقَلَّص عنّي الظِّلُّ والظِّلُّ شامِلٌ ... وأَقصر عنّي الفضلُ والفضلُ واسعُ أَترضى، وحاشا المجد، أَنْ يَشْبَعَ الْوَرى ... جميعاً وأمسى ضَيْفكم وهو جائعُ وقوله مما كتبه على كأس فضة: إِنَّ فَضْلي على الزُّجاجة أَني ... لا أُذيعُ الأَسرارَ وهي تُذيعُ ذَهَبٌ سائِلٌ حَواه لُجَيْنٌ ... جامِدٌ راقَ، إِنَّ ذا لبديعُ وقوله في وصف شعره: فَلأُهْدِينَّ إِليك كلَّ كريمةٍ ... يُمْسي الْحَسودُ بِها مَغيظاً مُوجَعا طَوْراً تُرى بينَ الورى جَوّالةً ... في الأَرض تقطَع مَغْرِباً أَو مَطْلَعا ومنها: أَلْبَسْتَني حُلَلاً سَيَخْلَعُها البِلى ... فَلأُلْبِسَنَّك حُلَّةً لن تُخْلَعا وقوله يخاطب بعض الكتاب: نُبِّئْتُ أَنك إِذْ وقفتَ عَلَى ... دَرْج الرُّسوم نَقَصْت من حَقّي وَعَجِبْتُ إِذ عشنا إِلى زَمَنٍ ... أَصبحتَ فيه مُقَسِّمَ الرِّزْقِ وقوله في معاتبة بعض إخوانه: عَذَرْتُ على الصَّدِّ بعدَ الْوِزا ... رَة مَنْ كان واصَلَ مِنْ أَجْلِها فما عُذْرُ مَنْ صَدَّ لمّا انقضَتْ ... وكان أَخاً ليَ مِنْ قَبْلِها وقوله في مدح الأوحد سبأ من قصيدة مَعاليكَ لا ما شَيَّدَتهُ الأَوائِلُ ... ومَجْدُكَ لا ما قالَهُ فيك قائِلُ وما السَّعْدُ إِلاّ حَيْثُ يَمَّمْتَ قاصِداً ... وما النَّصرُ إِلاّ حيث تَنْزِلُ، نازِلُ إِذا رُمتَ صَيْداً فالمُلوك طرائِدٌ ... أَمامك تَسْعى والرِّماح أَجادلُ معايبُها إِن سالمتك مَواهِبٌ ... وأَعضادها إِن حاربتك مَقاتلُ وَمُذْ رُمْتَ إِيراد العوالي تَيَقَّنَتْ ... نُفوسُ الأَعادي أَنَّهنَّ مَناهِلُ

стр. 454

وقد عَشِقَتْ أَسيافُك الهامَ مِنْهُمُ ... فَكُلُّ حُسامٍ مُرْهَفُ الحَدِّ ناحلُ مَليكٌ يَفُضُّ الْجَيْشَ والْجَيْشُ حافِلٌ ... ويُخْجِلُ صَوْبَ المُزْنِ والْغَيْثُ هاطلُ سَحابٌ غَواديه لُجَيْنٌ وعَسْجَدٌ ... ولَيْثٌ عَواديه قَناً وقَنابلُ تَوَقّى الأَعادي بَأْسَه وهو باسِمٌ ... ويرجو المَوالي جُودَه وهو صائِلُ وقوله: يا صاحِبيَّ قِفا المَطِيَّ قَليلا ... يَشْفي العَليلُ من الدِّيارِ غَليلا هذي طُلولَهمُ أَطَلْنَ صَبابَتي ... وتركْنَ قلبي من عَزايَ طُلولا ولَئِنْ خَلَتْ منهمُ مَرابعهمْ فقدْ ... غادَرْنَ قَلْبي بالغَرامِ أَهِيلا لو أَنَّ عِيسَهُمُ غَداةَ رَحيلهمْ ... حُمِّلْنَ وَجْدي ما أَطقْن رحيلا من كلِّ رِيمٍ لا عَديل لِحُسْنِها ... رَحَلَتْ فكان لها الفؤُادُ عَدِيلا كالبدرِ وَجْهاً والغَزالِ سَوالِفاً ... والرَّمْل رِدْفاً والقَناةِ ذُبولا غادَرْتَني جاري المَدامِع حائراً ... وتَرَكْنَني حَيَّ الغَرامِ قَتيلا وله من قصيدة يمدح الأوحد سبأ: ضامَتْكَ أَظْعانُها بالسَّفْح من إِضَمِ ... وأَسْلَمَتْك مَغانِيها بِذي سَلَمِ فما تَزالُ عَلَى آثارِ مُنْصَرِفٍ ... عن الوِداد بِوَجْدٍ غيرِ مُنْصَرِم وكم أَخذتُ عَلَى قلبي المقامَ عَلَى الصَّ ... بْرِ الْجَميل فعاصاني ولم يُقِمِ لو كانَ لي كان لي طَوْعاً فَدُونَكه ... سَلَّمْتُ فيه إِليك الأَمرَ فاحتكِم فما أُنازِعُ فيه كَفَّ مُغتصِبٍ ... ولا أَرِقُّ له مِنْ جَوْرِ مُنْتَقِم ولو فعلتَ به ما ظَلَّ يفعَلُهُ ... سَيْفُ المُتَوَّجِ من قَحْطانَ في القممِ العالم العامِل الغاني بِشُهرتِه ... عن أَنْ نُشَبِّهَه بالنّار في عَلَم مَلْكٌ تَظَلُّ عطاياه وأَنْصُلُه ... يُبارِيان نَفادَ المالِ والْبَهَم بِجُودِ مُكْتَسِبٍ للحمدِ مُكْتَنِزٍ ... وبَأْسِ مُقتدِرٍ للحرب مُقتحِم يَحُجُّ وُفّادُه منه إِلى حَرَمٍ ... رَحْبِ الفِناءِ حَلال الصَّيْدِ في الْحَرَم يُفْني العِدى والقَنا كلاًّ بصاحبه ... فبَيْن مُنْعَقِرٍ قَعْصاً ومُنْحَطِم مَعَوَّدٌ أَنْ يَرُدَّ الْخيلَ عابِسةً ... من كلِّ ثَغْرٍ بثَغْرِ النَّصْرِ مُبْتَسِم أَخْلَتْ خزائِنَه من كلِّ مُكْتَسَبٍ ... مدائحٌ مَلأَتْ بالشُّكْرِ كلَّ فَمِ ومنها: إِن بان وَجْهي فَشُكْري لمْ يَبِنْ معهُ ... أَوْ شَطَّ جسمي فُوِدّي فيكَ لم يَرِمِ فجُد وَعُدْ واعْفُ واسمح لي وهَبْ وأَعِد ... واصْفَح وأَدْنِ وأَجْمِل وارْضَ وابْتَسِم فلستُ أَوَّلَ عبدٍ عَقَّ سَيِّده ... ولستَ أَوَّل مَوْلىً جادَ بالْكَرمِ لا تَطْرَحَنّى فعندي كلُّ سائِرةٍ ... يَبْلى الزَّمانُ ولا تَبْلى منَ القِدَم من كلِّ زَهْراءَ لا تَفْنى عَلَى هَرَمٍ ... تُزْري بِشِعر زُهَيْرٍ في الفَتى هَرِم وقوله من أخرى: معالِمُ المَجْد والعَلْياء والكَرَمِ ... الصِّيدُ من مَذْكرٍ والشُّمُّ من جُشَم إِنْ خَوَّفوك وجاوَرْتَ النّجومَ فخَفْ ... أَوْ آمَنُوكَ وحَارَبْتَ الْوَرى فَنَمِ وقوله في مدح السلطان قاسم بن أحمد من قصيدة: وليلٍ كأنَّ الشُّهْبَ في ظُلُماتِه ... لآلِىءُ لم تَقْصِد لها كَفُّ ناظمِ سَرَتْ بينَ سِتْرَيْه بِنا أَعْوَجِيَّةٌ ... كَرائمُ من أَبناء غُرٍّ كَرائم أَحَسَّ بها نَسْرٌ فطار فأَعْجَلَتْ ... أَخاه فلم يُنْهِضْه ريشُ القَوادم

стр. 455

قَطَعْنَ بنا البيدَ الفِساح إِلى امرىءٍ ... له مثلُها من سُؤدُدٍ وَمكارمٍ تَقَسَّمَهُنَّ اللِّيْلُ والبيدُ والسُّرى ... فأَقسمتُ لا عَرَّجْتُ من دُون قاسمِ يَزُرْن بنا من يَحْقِر الأَرْضَ مَنْزِلاً ... لِعافٍ وما في الأَرْض نُزْلاً لقادمِ قَصَدْنَ بنا من لَوْ تَجَنَّبْن قَصْدَهُ ... سَرَتْ نحونا جَدْواه مَسْرى الغَمائم تُغيرُ الْعَطَايَا في كرائم مالهِ ... مُغار مَواضي بِيضِه في الْجَماجم كأَنَّ مَواضِيه طُبِعْن من الشَّجا ... فَهُنَّ من الأَعداءِ بين الغلاصم إذا خافَ عَيْنَ الحاسِدين عَلَى العُلاَ ... أَقام عَوالِيه مَقامَ التَمائمِ كَسُوبٌ ولا أَموالَ غَيْرُ محَامِدٍ ... قَؤولٌ ولا أَقوالَ غَيْرُ الغماغم مِنَ النَّفَرِ الغُرِّ الّذين تَعَوَّدَتْ ... مناكبُهم حَمْلَ القَنا والمَغارم يَظَلُّ بهم وَحْشُ الفَلا في ولائمِ ... تَظَلُّ بها أَعداؤهم في مآتم وقوله يعاتب الأوحد سبأ بن أحمد: أَبا حِمْيرٍ إِنَّ المَعالي رخيصةٌ ... ولو بُذِلَتْ فيها النُّفوسُ الكَرائِمُ وجَدْتُ مَطاراً يا ابنَ أَحمدَ واسِعاً ... إِلى غَرضٍ لو ساعدتني القَوادِمُ وما أَنا إِلاّ السهَّمُ لو كان رائِشٌ ... وما أَنا إِلاّ النَّصْلُ لو كان قائِمُ ولا عارَ إِنْ جار الزَّمانُ وإِنْ سَطا ... إِذا لم تَخُنّي هِمَتي والْعزائِمُ فلا تَحتقِرْ جَفْناً يَبِيتُ مُسَهَّداً ... لِيُدْرِك ما يَهْوى وجَفْنُك نائِمُ وقوله: إِذا تضايَق عن رَحْلي فِنا مَلِكٍ ... وَسِعنْنَي أَبداً من دُونه الْهِمَمُ كلُّ البلاد إذا لم تَنْبُ بي وَطن ... وكلُّ أَرض إِذا يَمَّمْتُها أَمَمُ وقوله وقد كان استند إلى سلطان يقال له ابن فضل فأعطاه رمحه ذماماً فلما انقضت مدة جواره إياه التمس منه إعادة الذمام: كنتَ أَعْطيتني ذِمامك لمّا ... خِفْتُ من صَوْلة الزَّمان ذِماما فإِذا ما رَدَدْتُهُ يا ابنَ فضلٍ ... فبِماذا أُطاعن الأَيّاما وقوله بديهة وقد طرحت فريسة لسبع فأعرض عنها بين يدي السلطان: يا أَكرمَ النّاسِ في بُؤْس وفي نِعَمِ ... وخَيْرَ ساعٍ إِلى مَجْدٍ عَلَى قَدمِ لا تَعْجَبَنْ لِعُمومِ الأَمن في بَلَدٍ ... أَضْحَيْتَ فيها فأَضحتْ منك في حَرَمِ أَما تَرى الليثَ لمّا أَنْ طَرَحْتَ له ... فَريسةً حاد عنها وهو ذو قُدُم مَلأْتَ بالْخوفِ أَكبادَ الْوَرى ذُعُراً ... فَعَبْدُك اللَّيْثُ لا يسطو عَلَى الْغنمِ وقوله يصف قصيدة: إِذا ما ادَّعت فضلاً رأَيتَ شُهودَها ... تَبَرَّعُ مِنْ قَبْلِ السُّؤال وتُقْسِمُ وأَقللت إِذ لم. . . . . . . ... وما نقصت مذ غاب عنها مُتَمِّمُ وقوله وهو مما سار له: إِذا حَلَّ ذو نَقْصٍ مَحَلَّةَ فاضلٍ ... وأَصبح رَبُّ الْجاه غيرَ وَجيهِ فإِنَّ حَياةَ الْمرءِ غيرُ شَهِيَّةٍ ... إِليهِ وطَعْمَ الموتِ غيرُ كَريهِ وقوله يعاتب جياشاً بزبيد: يا أَيُّها المَلك الذي ... كُلُّ المُلوكِ له رَعِيَّهْ إِنْ كنتُ مِنَ خُدّامِكمْ ... فَعَلامَ لا أُعطى جَرِيَّهْ أَو كنتُ من ضِيفانِكمْ ... فالضَّيْفُ أَولى بالعَطيّهْ أَو كاتباً فلِسائرِ ال ... كتّاب أَرزاق سَنِيّهْ والله ما أَبقى الْخُمو ... لُ عَلَى وَليِّكَ مِنْ بَقِيّهْ وَوَحَقِّ رأْسِك إِنَّ حا ... لي لو علمت بها زريّهْ وإذا هممتُ بِكَشفِ با ... طِنها أَبتْ نفسٌ أَبيّهْ لا تنظرنّ إِلى التجمّ ... ل إِنّ عادته رَدِيّهْ

стр. 456

فَفِ لي بِوَعدِكَ إنني ... وَعُلاك من أَوْفى البريّهْ لله أَو لمدائحي ... أَو خدمتي أَو لِلْحميّه وقوله: ياسَمِيَّ النبيّ عيسى فَدَتْكَ النَّ ... فسُ، لِمْ لَمْ تكن كعيسى النبيِّ ذاكَ مُحْيي الْموْتى وأَنت بعَيْني ... ك تسوق الرَّدى إِلى كلِّ حَيّ ومن مرائي ابن القم قوله يرثي أسعد بن عمران من قصيدة أولها: صُدورُ آلِ قُلَيْدٍ مَأْلَفُ الأَسَلِ ... لَيْتَ الرِّماح اقتدت بالغِلِّ والْوَجَلِ تشتاقهمْ كأشتياق الْجود أَيديَهُمْ ... أَلاّ جَفَتْهُمْ جَفاءَ الْجُبْنِ والبَخَلِ قومٌ إِذا اسْتنُجِدوا قلَّ اعتلالُهمُ ... تُكَثِّرُ الموتَ فيهم قِلَّةُ العِلَلِ كأَنَّما الحربُ إِنْ لم يُجْلَ مَعْرَكُها ... بماجِدٍ منهمُ تَخْشى من العَطَل لم يَلْبَسوا السَّرْدَ إلا عادةً لهمُ ... في الْحربِ لْلحَزْم لا خَوْفاً من الأَجَل أَمِنْتُ بعدَك ما أَخشى وكان ... الْبقاء عَلَى الإِشْفاقِ والوَهَلِ وقوله: لَهْفي لِفَقْدِكَ لَهْفاً غيرَ مُنْقَطِعِ ... ما كان أَقرَبَ يأْسي منك مِن طَمَعي إِنْ تَسْتَرِحْ فأَنا المَبْلُوُّ بعدَك بالْ ... أَحزان أَو تسْلُ إِنّي دائم الجَزَع كيف التذاذي بدُنيا لستَ ساكنَها ... أَو اغتباطي بعيشٍ لستَ فيهِ معي ومن شعره في الهجاء قوله: ولقد حَدَسْتُ الْحمد في ... ك فطالما كَذَّبْتَ حَدْسي أُضْحي عَلى ما ساءني ... مُتَصَبِّراً وعليهِ أُمسي أَرجو غداً فإِذ أَط ... لّ ذمَمتهُ وحَمدتُ أَمسي وقوله يهجو بني بشارة وكان أحدهم قد أخذ له مدرجاً: بَني بشارَة رُدّوا ... عليَّ بالله دَرْجي فلَيس كلُّ طويلٍ ... مُدَوَّرٍ ساق زَنجي وقوله: إِن كنت أَخشاك أَو أَرجو نَداكَ فما ... في الناس مثليَ في جُبْنٍ وفي طَمَعِ وقوله يهجو طبيباً اتخذ باباً فوسعه فوق المعتاد: ما طوَّل البابَ الطّبي ... ب لأَنَّه شيءٌ يَزينُهْ لكنَّه رامَ الدُّخو ... لَ فلم تُطاوعْه قُرونُهْ وقوله من قصيدة: لُمْ يا عَذُولُ وَفَنِّد إِنَّ أَخلقَ بي ... مِن الثّناءِ لَتَوْبيخٌ وتَفْنيدُ إِنّي نَزَلْتُ بقومٍ ضيفُهمْ أَبداً ... عَلَى لَذَاذَتِهِ بالْمَوْت محسودُ كأَنَّما زُرْتُهمْ أَرتادُ مَوْعِظَةً ... فقولُهمْ ليَ تَوْريعٌ وتَزْهيدُ يا ليتَ كَفِّيَ كانتْ عندَهم أُذناً ... فإِنّ أُذنيَ أَغنتها المواعيدُ أبو حمزة عمارة بن أبي الحسن اليمنى من أهل الجبال، ونزل زبيد وتفقه بها، وهو من تهامة باليمن من مدينة يقال لها مرطان، من وادي وساع، وبعدها من مكة في مهب الجنوب أحد عشر يوماً، من قحطان من أولاد الحكم بن سعد العشيرة، وجد أبيه زيدان بن أحمد كان ذا قدرة على النظم الحسن، وبلاغة في اللجهة واللسن، وشعره كثير، وعلمه غزير، ذكر لي أنه وفد إلى مصر في زمان المعروف بالفائز، وأقام بها إلى أن نكب فعطب وهو بمرامه فائز، أمر بصلبه في القاهرة الملك الناصر صلاح الدين في شعبان أو رمضان سنة تسع وستين في جملة الجماعة الذين نسب إليهم التدبير عليه ومكاتبة الفرنج واستدعاؤهم إليه، حتى يجلسوا ولداً للعاضد، وكانوا أدخلوا معهم رجلاً من الأجناد ليس من أهل مصر، فحضر عند صلاح الدين وأخبره بما جرى، فأحضرهم فلم ينكروا الأمر ولم يروه منكرا، فقطع الطريق على عمر عمارة، وأعيض بخرابه عن العمارة. ووقعت اتفاقات عجيبة في قتله. فمن جملتها أنه نسب إليه بيت من قصيدة ذكروا أنه يقول فيها: قد كان أَوَّلُ هذا الدين من رَجُلٍ ... سعى إِلى أَن دَعَوْهُ سَيِّدَ الأُمَمِ ويجوز أن يكون هذا البيت معمولاً عليه، فأفتى فقهاء مصر بقتله وحرضوا السلطان على المثلة بمثله.

стр. 457

ومنها أنه كان في النوبة التي لا تقال عثرتها ولا يحترم الأديب فيها ولو أنه في سماء النظم والنثر نثرتها. ومنها أنه كان قد هجا أميراً كبيراً فعد ذلك من كبائره، وجر عليه الردى في جرائره. وعمل فيه تاج الدين الكندي أبو اليمن بعد صلبه: عُمارة في الإِسلامِ أَبدى خِيانةً ... وبايع فيها بِيعَةً وصَليبا وأَمسى شَريك الشِّرْك في بُغْضِ أَحمدٍ ... فأَصبحَ في حُبِّ الصَّليب صليبا وكان خَبيثَ المُلتْقى، إِن عَجَمْتَه ... تَجِدْ منه عُوداً في النفِّاق صَلِيبا سَيَلْقى غَداً ما كان يسعى لأجله ... ويُسْقى صَديداً في لظىً وصَليبا فمن شعر عمارة ما أنشدنيه الأمير المفضل نجم الدين أبو محمد بن مصال ببعلبك في شهر رمضان سنة سبعين: لو أَن قَلْبي يوم كاظمةٍ معي ... لَمَلكتهُ وكظَمتُ فيض الأَدْمُع قلبٌ كفاك من الصَّبابة أَنَّه ... لبّى نِداءَ الظّاعنين وما دُعي ما القلبُ أَوَّلَ غادرٍ فأَلومَهُ ... هي شِيمةُ الأَيّام قد خُلِقَت معي ومن الظُّنون الفاسدات تَوَهُّمي ... بعد اليقين بقاءَه في أَضْلُعي وأنشدني أيضاً لعمارة اليمني من قصيدة: مَلِكٌ إِذا قابَلْتُ بِشْرَ جَبينه ... فارقْتُه والبِشْرُ فوق جَبيني وإِذا لثمتُ يَمينَه وخرجتُ من ... إِبوانه لَثَمَ الملوكُ يميني ووجدت له بعد موته قصائد يرثي بها أهل القصر فمن جملتها قصيدة أولها: رَمَيْتَ يا دهرُ كَفَّ الْمجد بالشَّلَلِ ... وجِيدَه بعد طُول الْحَلْي بالعَطَلِ وأنشدني الأمير العضد أبو الفوارس مرهف بن الأمير أسامة بن مرشد بن منقذ من قصيدة له في فخر الدين شمس الدولة تورانشاه بمصر عند توجهه إلى اليمن، قال: أنشدها وأنا حاضر ما عَنْ هَوى الرَّشإِ العُذْرِيِّ إعذارُ ... لم يَبْقَ لي مُذْ أَقَرَّ الدَّمْعُ إِنكارُ لي في القُدود وفي لَثْم الخُدود وفي ... ضَمِّ النُّهود لبُاناتٌ وأَوطارُ هذا اختياري فوافِقْ إِنْ رضيتَ به ... أَوْ لا فدعني وما أَهْوى وأَختارُ وخَلِّ عَذْلي ففي داري ودائرتي ... من المَها دُرَّةٌ قلبي لها دارُ لاعَتْبُها من سَموم الْغيظ مُعتصَرٌ ... ولا عِتابي لها إِن هَبَّ إِعصارُ ويقول فيها بعد المدح: فابْخَلْ بِمَعْدِن هذا الدُّرِّ وهو فمي ... فالبخلُ بي كرمٌ مَحْضٌ وإِيثارُ فكم لمجدك عندي من مُحَبَّرة ... سيّارةٍ، وحديثُ المجد سيّارُ ومنها: دَعْوى شُهودي عليها غيرُ غائبةٍ ... والقابضونَ أُلوفَ المال حُضّارُ وأنشدني لعمارة أيضاً في الملك المعظم شمس الدولة: ملك أُوَ حّدُ مجده ولو أنَّني ... ثَنَّيْتُه ثنَّيتُ في التوحيدِ أُثْني عليه فلا أُردِّدُ مَدْحَه ... ونداه مجبول على التَّرْديد عن كلِّ بيتٍ بيتُ مالٍ حاضرٌ ... إِذ كلّ بيت منه بيت قصيد وأنشدني له أيضاً من قصيدة في صلاح الدين: وما فِكْرةُ الإِنسان إِلاّ ذُبالةٌ ... تُضيءُ ولكن نورها بالْهَوى يَخْبو وله في مصلوب بمصر يقال له طرخان كأنه وصف حاله وما إليه آل أمره من الصلب: أَراد عُلُوَّ مَرْتَبةٍ وقَدْرٍ ... فأَصبح فوق جِذْعٍ وهو عالِ ومَدَّ على صَلِيب الجِذْع منه ... يَميناً لا تَطُول إلى الشِّمالِ ونَكَّس رأْسَه لِعتابِ قلْبٍ ... دعاه إِلى الْغَواية والضَّلالِ وله في الصالح بن رزيك: ولو لم يكنْ أَدْرى بما جَهِل الْوَرى ... من الفضل لم تَنْفُقُ عليه الفضائِلُ لَئِنْ كان مِنّا قاب قَوْسٍ فبَيْننا ... فَراسِخُ من إِجلاله ومَراحِلُ وقوله في هذا المعنى: أَزال حِجابَه عَنّي وعَيْني ... تراهُ من الْجَلالة في حِجابِ وقَرَّبَني تَفَضُّله ولكنْ ... بَعُدْت مَهابةً عند اقترابي

стр. 458

وله في قوم شهروا على الجمال ودخل بهم إلى البلد وهم أسراء: تَسَنَّموا إِبلاً تَتْلو قلائِعهم ... يا عِزَّة السَّرْج ذُوقي ذِلَّة الْقَتَبِ ومما أورده في مصنفه من شعره قوله في مبتدإ وصوله إلى مصر رسولاً من مكة في ربيع الأول سنة خمسين في زمان الفائز المصري: الحمدُ لِلْعيس بعد الْعَزم والهِمَم ... حَمْداً يقوم بما أَوْلَتْ مِن النِّعَمِ لا أَجْحَد الحقَّ عِندي للرِّكاب يدٌ ... تَمَنَّتِ الُّلجْم منها رُتبةَ الخُطُم قَرَّبْنَ بُعدَ مَزارِ العِزِّ من نظري ... حتى رأَيتُ إِمام العصر مِنْ أَمَمِ ورُحتُ من كعبة البَطْحاءِ والحَرَمِ ... وَفْداً إِلى كَعبةِ المعروف والكرم فهل درى البيتُ أَنّي بعد فُرْقَتِه ... ما سِرْتُ من حَرمٍ إِلاّ إِلى حرم ومنها: أَرى مقاماً عظيم الشَّأن أَوْهَمني ... مِنْ يقْظتي أَنّها من جُملة الحُلُمِ يومٌ من العمر لم يَخْطُر عَلى أَملي ... ولا تَرَقَّتْ إِليه رغبةُ الهِممِ ما خوذ من قول أبي تمام، فلا ترقت إليه همة النوب ليتَ الكواكب تدنو لي فأَنِظمَها ... عُقودَ مَدْحٍ فما أَرضَى لكم كَلِمي ومن مدائحه في الصالح بن رزيك قوله من قصيدة: دَعُوا كلَّ بَرْقٍ شِمْتُمُ غيرَ بارقٍ ... يلوحُ عَلَى الفِسُطْاط صادِقُ بِشْرِه وزُورُوا المَقامَ الصّالحِيَّ فكلُّ من ... عَلَى الأَرض يُنسى ذِكْرُه عند ذكرهِ ولا تجعلوا مقصودَكم طلبَ الغِنى ... فَتَجْنُوا عَلَى مَجْدِ المَقام وفَخْرهِ ولكن سَلُوا منه العُلَى تظفروا بها ... فكلُّ امرىءٍ يُرجى على قَدْر قَدْرهِ وقوله فيه: إِن تسأَلا عمّا لقيتُ فإِننيّ ... لا مخفقٌ أَملي ولا كذّابُ لم أَنتجع ثَمدَ النِّطاف ولم أَقف ... بِمَذانبٍ وقفتْ بها الأذناب لكن وردتُ قَرارة العِزّ التي ... تَغدو عبيداً عندها الأَرباب عَثَرَتْ به قَدَمُ الثَّناء فلالَعاً ... إِن لم تُقِلْها رِفعةٌ وثوابُ وقوله مودعاً ليعود إلى مكة: مَنْ لي بأَن تَردِ الحجاز وغيرَها ... أَخبارُ طِيبِ مَواردي ومَصادري زارتْ بيَ الآمالُ أَكرمَ ساحةٍ ... فوق الثَّرى فغَدوْتُ أَكرم زائر ووَفَدْتُ أَلتمِسُ الكرامةَ والغنِى ... فرَجَعتُ من كلٍ ّبحظٍ ّوافر فكأَنَّ مكةَ قال صادِقُ فألها ... سافِرْ تَعُدْ نحوي بوجهٍ سافرِ وقوله أيضاً: لازَمْتُ خِدمتَه فأَدَّب خاطري ... فالمدحُ من إحسانه مَعْدودُ فإِذا نَظَمْتُ له المديحَ فإِنّما ... أُهدي بِضاعتَه له وأُعيدُ كم ضَمَّ فائدةَ النُّهَى ليَ واللُّهَى ... فغدوْتُ مّما قد أَفاد أُفيدُ فَلأُشْعِرَنَّ بها مَشاعِرَ مَكّةٍ ... ولَتَسْمَعَنْ عَدَنٌ بها وزَبيدُ صَدَرٌ حَمِدتُ به الوُرود وإِنّما ... ذُمَّت به عندي المَطايا الْقُودُ وقوله، بعد رحيله، فيه وقد كتب على يده إلى صاحب عدن فأسقط عنه بها مالاً كثيراً فكتب إليه من عدن: لقد غمرتْني مِنْ نَداه مِواهبٌ ... أضافتْ إِلى عِزِّ الغِنَى شَرَفَ القدْرِ قصدتُ الْجنابَ الصّالحيَّ تفاؤلاً ... وقد فَسَدت حالي فأَصلحني دهري ولم يَرْضَ لي معروفَه دون جاهه ... فَسَيَّر كُتْباً كالكتائب في أَمري كأَنّ يدي في جانَبْي عَدَنٍ بها ... تَهُزُّ على الأَيام أَلويةَ النَّصر وما فارقتنْي نعمةٌ صالحيَّةٌ ... كانّيَ من مِصْرٍ رحلتُ إِلى مصر وعاد إلى مصر في سنة اثنتين وخمسين وقد سعي به إلى الصالح ابن رزيك في أمر فقال فيه من قصيدة يستعطفه: فاعلمْ وأَنت بما أُريد مَقاله ... منّي ومن كلّ البريّة أَعلمُ

стр. 459

أَنّي حُسِدْت عَلى كرامتِك التي ... من أَجلها في كلِّ أَرضٍ أُكْرَمُ وبدون ما أَسديتَه من نعمةٍ ... سَدَّى الرِّجالُ الحاسِدون وأَلحموا إِن كان ما قالوا وليس بكائنٍ ... فأَنا امْرُؤٌ مّمن سعى بيَ أَلأَمُ ومنها: راجِعْ جميل الرَّأْي فيَّ بِنَظْرَةٍ ... تُضْحي عواطفُها تَسُحُّ وتَسْجُمُ فالليلُ إن أَقبلتَ صُبْحٌ مُسفِرٌ ... والصُّبحُ إن أَعرضتَ ليلٌ مُظلمُ بَدأَتْ صنائعُك الجميلَ ومثلُها ... بِأَجَلَّ من تلكَ البِداية تَخْتِمُ ومن مراثيه فيه قوله: أَفي أَهل ذا النّادي عليمٌ أُسائلُهْ ... فإِنّي لما بي ذاهبُ العقلِ ذاهلُهْ سمعتُ حديثاً أَحْسُد الصُمَّ عندهُ ... ويذهَل واعيه ويَخْرَس قائلُهْ فقد رابني من شاهدِ الحالِ أَنّني ... أَرى الدَّسْتَ مَنصوباً وما فيهِ كافلُهْ وأَنّي أَرى فوقَ الوُجوهِ كآبةً ... تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الوجوهَ ثواكلهْ دَعُوني فما هذا أَوانُ بُكائِه ... سَيأْتيكُمُ طَلُّ البُكاء ووابلهْ ولِمْ لا نُبَكّيه ونَنْدُب فَقْدَهُ ... وأَولادُنا أَيتامهُ وأَراملهْ فيا ليتَ شِعري بعد حُسْنِ فعاله ... وقد غاب عنّا ما بِنا الدهرُ فاعلهْ أَيُكْرَمُ مثوى ضَيْفِكمْ وغرِيبكمْ ... فيَسْكُنَ أَمْ تُطوى بِبَيْنٍ مراحلهْ ومنها قوله: تَنَكَّدَ بعد الصّالح الدَّهرُ فاغتدتْ ... مَحاسِنُ أَيّامي وهُنَّ عُيوبُ أَيُجْدِبِ خَدّي من رَبيع مَدامعي ... ورَبْعيَ من نُعْمى يَدَيْهِ خَصيبُ ومن مراثيه أيضاً قوله: طَمَعُ المَرْءِ في الحياة غرورُ ... وطويلُ الآمال فيها قصيرُ وَلكَمْ قَدَّرَ الفتى فأَتته ... نُوَبٌ لم يُحِط بها التقَّديرُ ومنها: ما تَخَطّى إِلى جلالك إِلاّ ... قَدَرٌ أَمرُه علينا قديرُ يا أَمير الجيوش عندك عِلْمٌ ... أَنَّ حَرَّ الأَسى علينا أَميرُ إِنَّ قبراً حلَلْتَه لَغَنِيٌّ ... إِنَّ دهراً فارقتهَ لفقيرُ وبعيدٌ عنك السُّلُوُّ بشيءٍ ... ولك الفكرُ مَوْطنٌ والضميرُ ومن ذلك أيضاً وقد نقل تابوته من دار الوزارة إلى القرافة: خَرِبتْ رُبوعُ المَكْرُمات لِراحلٍ ... عَمَرَتْ به الأَجداثُ وهي قِفارُ نَعش الجُدود العاثرات مُشَيَّعٌ ... عَمِيَتْ بِرؤُية نَعْشِه الأَبْصارُ شَخَصَ الأَنامُ إِليه تحتَ جَنازَةٍ ... خُفِضت برِفعة قدرِها الأَقدارُ فكأَنَّها تابوتُ مُوسى أُودِعت ... في جانِبَيْهِ سَكينةٌ ووقارُ وتغايَرَ الهَرَمانِ والحَرَمان في ... في تابوتِه وعَلى الكريم يُغارُ غَضِب الإِله عَلَى رجالٍ أَقدموا ... جَهلاً عليه وآخرين أَشاروا لا تَعْجَبا لِقُدار ناقةِ صالحٍ ... فلكلِّ عصرٍ صالِحٌ وقُدارُ أُحِللْتَ دارَ كَرامةٍ لا تنقضي ... أَبداً وحَلَّ بقاتليك بَوارُ ومن شعره في ولد الصالح رزيك يسترضيه: مَوْلايَ دعوة خادمٍ ... أَهملتَه بعد احتفالِكْ إِن كان عن سببٍ فلا ... يَذهَبْ بِحِلْمك واحتمالكْ أَو كان عن مَلَلٍ فما ... يخشى وَلِيُّكَ من مَلالكْ إِن خفتُ دهري بعدما ... أَعلقتُ حبلي في حبالك ومدحتُك المَدْح الذي ... عَبَّرْتُ فيه عن فَعالكْ فالجوُّ مسدود الهوا ... والأَرضُ ضَيّقة المسالك وقوله في مدحهم: إِذا نَزَلتْ أَبناءُ رُزِّيك مَنْزِلاً ... تَبَسَّم عن ثَغْر النَّباهة خاملُهْ وخَيَّم في أَرجائِه المجدُ والعُلى ... وَجاذَبه طَلُّ السماح ووابلهْ

стр. 460

ملوكُ لهم فضلٌ بأَبلجَ منهمُ ... مَحافلُه تُزْهى به وجَحافُلهْ تُزَرُّ على اللَّيْثِ الغَضَنْفَر دِرْعهُ ... وتُلْوى عَلى الطَّوْد المُنيف حمائِلُهْ تفَيضُ علينا كلَّ يومٍ وليلةٍ ... بلا سببٍ أَفضالُه وفضائِلهْ يُثيبُ عَلَى أَقوالنا مُتبرِّعاً ... عَلَى أَنَّها من بعض ما هو قائِلهْ وقوله في أخي الصالح، وهو بدر بن رزيك، وقد أعطاه مهراً: بعثتَ بِطِرْفٍ يَسِبُقُ الطَّرْفَ عَفْوُه ... وتَغْدو الرِّياح الهوج من خَلْفِه حَسْرى حَكى الْوَردَ والياقوتَ حُسناً وحُمرةً ... وتاه فلم يَرْض العَقيق ولا الْجَمرا وأَرسلتُه في الحُسنِ وِتْراً كأَنَّني ... أُطالب عند النّائِبات به وَتْرا نَذَرْتُ رُكوبَ البَرْقِ قبلَ وصوله ... فَوَفَّيْتُ لمّا جاءَني ذلك النَّذْرا زفقتُ القوافي في عُلاك عرائساً ... فساق لها الإِحسانُ في مَهرها مُهرا وقوله من قصيدة في بعض الأكابر من آل رزيك أولها: تَيَقَّنُوا أَنّ قلبي مِنْهُم يَجِبُ ... فاستعذَبوا من عَذابي فوق ما يجبُ وأَعْرضوا ووُجوهُ الودِّ مُقبِلَةٌ ... وللمُكَلَّف قلبٌ ليس ينقَلِبُ ولو قَدَرْتُ لأَسلاني عُقُوقُهمُ ... وَكم عُقوقٍ سَلَت أُمٌّ به وأَبُ إِنْ لم يكن ذلك الإِعراضُ عن مَلَلٍ ... فسوف تُرْضيهم العُتْبى إِذا عَتبِوا وإِنْ تكدَّر صافٍ من مَوَدَّتهمْ ... فالشمسُ تُشْرقُ أَحياناً وتَحتجب وقوله في حسام من قصيدة: أَنسيمُ عَرْفكِ أَم شَميمُ عَرارِ ... وسَقيمُ طَرْفكِ أَم صَفيحُ غِرارِ جادتْ مَحَلَّكَ بالغَميم غَمامةٌ ... تَحْكي بوادِر دَمعيَ المِدْرارِ لا تَبْعثي طَيْفَ الخيالِ مُذَكِّراً ... فهواكِ يُغْنِيني عن التَّذْكارِ ومنها في المديح: مَلِكٌ إِذا ما عِيبَ عِيبَ بأَنهُ ... عارِي المَناكِب من ثِياب العار قَصَدَتْه من حُسْنِ الثَّناءِ قَصائِدٌ ... رَكبتْ إِلى التَّيّار في التَّيّار قد قلتُ إِذ قالوا أَجدتَ مديحَهُ ... شُكْرُ الرِّياض يَقِلُّ للأَمطار مُختارُ قَيْسٍ حاز مُختار الثَّنا ... ما أَحسن المُخْتار في المختار وقوله من قصيدة في الكامل بن شاور: إِذا لم يُسالِمْك الزَّمانُ فحارِبِ ... وباعدْ إِذا لم تنتفعْ بالأَقاربِ ولا تحتقِرْ كَيْداً ضَعيفاً فَرُبَّما ... تموتُ الأَفاعي من سُمومِ العقارب فقد هَدَّ قِدْماً عرشَ بلقيسَ هَدْهُدٌ ... وأَخْرَبَ فأْرٌ قبلَ ذا سَدَّ مَأْرِبِ إِذا كان رأْس المال عُمْرك فاحْتَرِزْ ... عليه من الإِنفاق في غيرِ واجب فَبيْنَ اختلاف اللَّيْلِ والصُّبْحِ مَعْرَكٌ ... يَكُرُّ علينا جيشُه بالعجائب وما راعني غَدْرُ الشَّباب لأَنَّني ... أَنِسْتُ بهذا الخُلْق من كُلِّ صاحب وغَدْرُ الفتى في عَهْدِه ووفائِه ... وغدرُ المَواضي في نُبُوِّ المَضارب ومنها: إِذا كان هذا الدُّرُّ مَعْدِنُه فَمِي ... فَصُونوه عن تَقْبيلِ راحةِ واهبِ رأَيتُ رجالاً أَصبحوا في مآدِب ... لَدَيْكُمْ وحالي وحْدَها في نَوادِب تأَخَّرتُ لمّا قَدَّمَتْهُمْ عُلاكُمُ ... عليّ وتأْبى الأُسْدُ سَبْقَ الثَّعالب وقوله فيه: وَسَمْتَ بنُعْماك الرِّقابَ تَبَرُّعاً ... وأَجيادُ شِعري ما عليهنَّ مِيسَمُ وأُنْسِيتنَي حتى وقفْتُ مُذّكِّراً ... بنفسي وُقوفاً حَقُّه لك يَلْزَمُ وألغَيْتني حتى رأَيتُ غَنيمةً ... دخولي مع الجَمِّ الغفير أُسَلِّمُ كأَنّيَ لم أَخْدُمْكُمُ في مَواطنٍ ... أُصرِّح فيها والرّجال تُجَمْجِمُ
следующие страницы →