Полный текст (895 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 456
فَفِ لي بِوَعدِكَ إنني ... وَعُلاك من أَوْفى البريّهْ
لله أَو لمدائحي ... أَو خدمتي أَو لِلْحميّه
وقوله:
ياسَمِيَّ النبيّ عيسى فَدَتْكَ النَّ ... فسُ، لِمْ لَمْ تكن كعيسى النبيِّ
ذاكَ مُحْيي الْموْتى وأَنت بعَيْني ... ك تسوق الرَّدى إِلى كلِّ حَيّ
ومن مرائي ابن القم قوله يرثي أسعد بن عمران من قصيدة أولها:
صُدورُ آلِ قُلَيْدٍ مَأْلَفُ الأَسَلِ ... لَيْتَ الرِّماح اقتدت بالغِلِّ والْوَجَلِ
تشتاقهمْ كأشتياق الْجود أَيديَهُمْ ... أَلاّ جَفَتْهُمْ جَفاءَ الْجُبْنِ والبَخَلِ
قومٌ إِذا اسْتنُجِدوا قلَّ اعتلالُهمُ ... تُكَثِّرُ الموتَ فيهم قِلَّةُ العِلَلِ
كأَنَّما الحربُ إِنْ لم يُجْلَ مَعْرَكُها ... بماجِدٍ منهمُ تَخْشى من العَطَل
لم يَلْبَسوا السَّرْدَ إلا عادةً لهمُ ... في الْحربِ لْلحَزْم لا خَوْفاً من الأَجَل
أَمِنْتُ بعدَك ما أَخشى وكان ... الْبقاء عَلَى الإِشْفاقِ والوَهَلِ
وقوله:
لَهْفي لِفَقْدِكَ لَهْفاً غيرَ مُنْقَطِعِ ... ما كان أَقرَبَ يأْسي منك مِن طَمَعي
إِنْ تَسْتَرِحْ فأَنا المَبْلُوُّ بعدَك بالْ ... أَحزان أَو تسْلُ إِنّي دائم الجَزَع
كيف التذاذي بدُنيا لستَ ساكنَها ... أَو اغتباطي بعيشٍ لستَ فيهِ معي
ومن شعره في الهجاء قوله:
ولقد حَدَسْتُ الْحمد في ... ك فطالما كَذَّبْتَ حَدْسي
أُضْحي عَلى ما ساءني ... مُتَصَبِّراً وعليهِ أُمسي
أَرجو غداً فإِذ أَط ... لّ ذمَمتهُ وحَمدتُ أَمسي
وقوله يهجو بني بشارة وكان أحدهم قد أخذ له مدرجاً:
بَني بشارَة رُدّوا ... عليَّ بالله دَرْجي
فلَيس كلُّ طويلٍ ... مُدَوَّرٍ ساق زَنجي
وقوله:
إِن كنت أَخشاك أَو أَرجو نَداكَ فما ... في الناس مثليَ في جُبْنٍ وفي طَمَعِ
وقوله يهجو طبيباً اتخذ باباً فوسعه فوق المعتاد:
ما طوَّل البابَ الطّبي ... ب لأَنَّه شيءٌ يَزينُهْ
لكنَّه رامَ الدُّخو ... لَ فلم تُطاوعْه قُرونُهْ
وقوله من قصيدة:
لُمْ يا عَذُولُ وَفَنِّد إِنَّ أَخلقَ بي ... مِن الثّناءِ لَتَوْبيخٌ وتَفْنيدُ
إِنّي نَزَلْتُ بقومٍ ضيفُهمْ أَبداً ... عَلَى لَذَاذَتِهِ بالْمَوْت محسودُ
كأَنَّما زُرْتُهمْ أَرتادُ مَوْعِظَةً ... فقولُهمْ ليَ تَوْريعٌ وتَزْهيدُ
يا ليتَ كَفِّيَ كانتْ عندَهم أُذناً ... فإِنّ أُذنيَ أَغنتها المواعيدُ
أبو حمزة عمارة بن أبي الحسن اليمنى
من أهل الجبال، ونزل زبيد وتفقه بها، وهو من تهامة باليمن من مدينة يقال لها مرطان، من وادي وساع، وبعدها من مكة في مهب الجنوب أحد عشر يوماً، من قحطان من أولاد الحكم بن سعد العشيرة، وجد أبيه زيدان بن أحمد كان ذا قدرة على النظم الحسن، وبلاغة في اللجهة واللسن، وشعره كثير، وعلمه غزير، ذكر لي أنه وفد إلى مصر في زمان المعروف بالفائز، وأقام بها إلى أن نكب فعطب وهو بمرامه فائز، أمر بصلبه في القاهرة الملك الناصر صلاح الدين في شعبان أو رمضان سنة تسع وستين في جملة الجماعة الذين نسب إليهم التدبير عليه ومكاتبة الفرنج واستدعاؤهم إليه، حتى يجلسوا ولداً للعاضد، وكانوا أدخلوا معهم رجلاً من الأجناد ليس من أهل مصر، فحضر عند صلاح الدين وأخبره بما جرى، فأحضرهم فلم ينكروا الأمر ولم يروه منكرا، فقطع الطريق على عمر عمارة، وأعيض بخرابه عن العمارة.
ووقعت اتفاقات عجيبة في قتله.
فمن جملتها أنه نسب إليه بيت من قصيدة ذكروا أنه يقول فيها:
قد كان أَوَّلُ هذا الدين من رَجُلٍ ... سعى إِلى أَن دَعَوْهُ سَيِّدَ الأُمَمِ
ويجوز أن يكون هذا البيت معمولاً عليه، فأفتى فقهاء مصر بقتله وحرضوا السلطان على المثلة بمثله.
стр. 457
ومنها أنه كان في النوبة التي لا تقال عثرتها ولا يحترم الأديب فيها ولو أنه في سماء النظم والنثر نثرتها.
ومنها أنه كان قد هجا أميراً كبيراً فعد ذلك من كبائره، وجر عليه الردى في جرائره.
وعمل فيه تاج الدين الكندي أبو اليمن بعد صلبه:
عُمارة في الإِسلامِ أَبدى خِيانةً ... وبايع فيها بِيعَةً وصَليبا
وأَمسى شَريك الشِّرْك في بُغْضِ أَحمدٍ ... فأَصبحَ في حُبِّ الصَّليب صليبا
وكان خَبيثَ المُلتْقى، إِن عَجَمْتَه ... تَجِدْ منه عُوداً في النفِّاق صَلِيبا
سَيَلْقى غَداً ما كان يسعى لأجله ... ويُسْقى صَديداً في لظىً وصَليبا
فمن شعر عمارة ما أنشدنيه الأمير المفضل نجم الدين أبو محمد بن مصال ببعلبك في شهر رمضان سنة سبعين:
لو أَن قَلْبي يوم كاظمةٍ معي ... لَمَلكتهُ وكظَمتُ فيض الأَدْمُع
قلبٌ كفاك من الصَّبابة أَنَّه ... لبّى نِداءَ الظّاعنين وما دُعي
ما القلبُ أَوَّلَ غادرٍ فأَلومَهُ ... هي شِيمةُ الأَيّام قد خُلِقَت معي
ومن الظُّنون الفاسدات تَوَهُّمي ... بعد اليقين بقاءَه في أَضْلُعي
وأنشدني أيضاً لعمارة اليمني من قصيدة:
مَلِكٌ إِذا قابَلْتُ بِشْرَ جَبينه ... فارقْتُه والبِشْرُ فوق جَبيني
وإِذا لثمتُ يَمينَه وخرجتُ من ... إِبوانه لَثَمَ الملوكُ يميني
ووجدت له بعد موته قصائد يرثي بها أهل القصر فمن جملتها قصيدة أولها:
رَمَيْتَ يا دهرُ كَفَّ الْمجد بالشَّلَلِ ... وجِيدَه بعد طُول الْحَلْي بالعَطَلِ
وأنشدني الأمير العضد أبو الفوارس مرهف بن الأمير أسامة بن مرشد بن منقذ من قصيدة له في فخر الدين شمس الدولة تورانشاه بمصر عند توجهه إلى اليمن، قال: أنشدها وأنا حاضر
ما عَنْ هَوى الرَّشإِ العُذْرِيِّ إعذارُ ... لم يَبْقَ لي مُذْ أَقَرَّ الدَّمْعُ إِنكارُ
لي في القُدود وفي لَثْم الخُدود وفي ... ضَمِّ النُّهود لبُاناتٌ وأَوطارُ
هذا اختياري فوافِقْ إِنْ رضيتَ به ... أَوْ لا فدعني وما أَهْوى وأَختارُ
وخَلِّ عَذْلي ففي داري ودائرتي ... من المَها دُرَّةٌ قلبي لها دارُ
لاعَتْبُها من سَموم الْغيظ مُعتصَرٌ ... ولا عِتابي لها إِن هَبَّ إِعصارُ
ويقول فيها بعد المدح:
فابْخَلْ بِمَعْدِن هذا الدُّرِّ وهو فمي ... فالبخلُ بي كرمٌ مَحْضٌ وإِيثارُ
فكم لمجدك عندي من مُحَبَّرة ... سيّارةٍ، وحديثُ المجد سيّارُ
ومنها:
دَعْوى شُهودي عليها غيرُ غائبةٍ ... والقابضونَ أُلوفَ المال حُضّارُ
وأنشدني لعمارة أيضاً في الملك المعظم شمس الدولة:
ملك أُوَ حّدُ مجده ولو أنَّني ... ثَنَّيْتُه ثنَّيتُ في التوحيدِ
أُثْني عليه فلا أُردِّدُ مَدْحَه ... ونداه مجبول على التَّرْديد
عن كلِّ بيتٍ بيتُ مالٍ حاضرٌ ... إِذ كلّ بيت منه بيت قصيد
وأنشدني له أيضاً من قصيدة في صلاح الدين:
وما فِكْرةُ الإِنسان إِلاّ ذُبالةٌ ... تُضيءُ ولكن نورها بالْهَوى يَخْبو
وله في مصلوب بمصر يقال له طرخان كأنه وصف حاله وما إليه آل أمره من الصلب:
أَراد عُلُوَّ مَرْتَبةٍ وقَدْرٍ ... فأَصبح فوق جِذْعٍ وهو عالِ
ومَدَّ على صَلِيب الجِذْع منه ... يَميناً لا تَطُول إلى الشِّمالِ
ونَكَّس رأْسَه لِعتابِ قلْبٍ ... دعاه إِلى الْغَواية والضَّلالِ
وله في الصالح بن رزيك:
ولو لم يكنْ أَدْرى بما جَهِل الْوَرى ... من الفضل لم تَنْفُقُ عليه الفضائِلُ
لَئِنْ كان مِنّا قاب قَوْسٍ فبَيْننا ... فَراسِخُ من إِجلاله ومَراحِلُ
وقوله في هذا المعنى:
أَزال حِجابَه عَنّي وعَيْني ... تراهُ من الْجَلالة في حِجابِ
وقَرَّبَني تَفَضُّله ولكنْ ... بَعُدْت مَهابةً عند اقترابي
стр. 458
وله في قوم شهروا على الجمال ودخل بهم إلى البلد وهم أسراء:
تَسَنَّموا إِبلاً تَتْلو قلائِعهم ... يا عِزَّة السَّرْج ذُوقي ذِلَّة الْقَتَبِ
ومما أورده في مصنفه من شعره قوله في مبتدإ وصوله إلى مصر رسولاً من مكة في ربيع الأول سنة خمسين في زمان الفائز المصري:
الحمدُ لِلْعيس بعد الْعَزم والهِمَم ... حَمْداً يقوم بما أَوْلَتْ مِن النِّعَمِ
لا أَجْحَد الحقَّ عِندي للرِّكاب يدٌ ... تَمَنَّتِ الُّلجْم منها رُتبةَ الخُطُم
قَرَّبْنَ بُعدَ مَزارِ العِزِّ من نظري ... حتى رأَيتُ إِمام العصر مِنْ أَمَمِ
ورُحتُ من كعبة البَطْحاءِ والحَرَمِ ... وَفْداً إِلى كَعبةِ المعروف والكرم
فهل درى البيتُ أَنّي بعد فُرْقَتِه ... ما سِرْتُ من حَرمٍ إِلاّ إِلى حرم
ومنها:
أَرى مقاماً عظيم الشَّأن أَوْهَمني ... مِنْ يقْظتي أَنّها من جُملة الحُلُمِ
يومٌ من العمر لم يَخْطُر عَلى أَملي ... ولا تَرَقَّتْ إِليه رغبةُ الهِممِ
ما خوذ من قول أبي تمام، فلا ترقت إليه همة النوب
ليتَ الكواكب تدنو لي فأَنِظمَها ... عُقودَ مَدْحٍ فما أَرضَى لكم كَلِمي
ومن مدائحه في الصالح بن رزيك قوله من قصيدة:
دَعُوا كلَّ بَرْقٍ شِمْتُمُ غيرَ بارقٍ ... يلوحُ عَلَى الفِسُطْاط صادِقُ بِشْرِه
وزُورُوا المَقامَ الصّالحِيَّ فكلُّ من ... عَلَى الأَرض يُنسى ذِكْرُه عند ذكرهِ
ولا تجعلوا مقصودَكم طلبَ الغِنى ... فَتَجْنُوا عَلَى مَجْدِ المَقام وفَخْرهِ
ولكن سَلُوا منه العُلَى تظفروا بها ... فكلُّ امرىءٍ يُرجى على قَدْر قَدْرهِ
وقوله فيه:
إِن تسأَلا عمّا لقيتُ فإِننيّ ... لا مخفقٌ أَملي ولا كذّابُ
لم أَنتجع ثَمدَ النِّطاف ولم أَقف ... بِمَذانبٍ وقفتْ بها الأذناب
لكن وردتُ قَرارة العِزّ التي ... تَغدو عبيداً عندها الأَرباب
عَثَرَتْ به قَدَمُ الثَّناء فلالَعاً ... إِن لم تُقِلْها رِفعةٌ وثوابُ
وقوله مودعاً ليعود إلى مكة:
مَنْ لي بأَن تَردِ الحجاز وغيرَها ... أَخبارُ طِيبِ مَواردي ومَصادري
زارتْ بيَ الآمالُ أَكرمَ ساحةٍ ... فوق الثَّرى فغَدوْتُ أَكرم زائر
ووَفَدْتُ أَلتمِسُ الكرامةَ والغنِى ... فرَجَعتُ من كلٍ ّبحظٍ ّوافر
فكأَنَّ مكةَ قال صادِقُ فألها ... سافِرْ تَعُدْ نحوي بوجهٍ سافرِ
وقوله أيضاً:
لازَمْتُ خِدمتَه فأَدَّب خاطري ... فالمدحُ من إحسانه مَعْدودُ
فإِذا نَظَمْتُ له المديحَ فإِنّما ... أُهدي بِضاعتَه له وأُعيدُ
كم ضَمَّ فائدةَ النُّهَى ليَ واللُّهَى ... فغدوْتُ مّما قد أَفاد أُفيدُ
فَلأُشْعِرَنَّ بها مَشاعِرَ مَكّةٍ ... ولَتَسْمَعَنْ عَدَنٌ بها وزَبيدُ
صَدَرٌ حَمِدتُ به الوُرود وإِنّما ... ذُمَّت به عندي المَطايا الْقُودُ
وقوله، بعد رحيله، فيه وقد كتب على يده إلى صاحب عدن فأسقط عنه بها مالاً كثيراً فكتب إليه من عدن:
لقد غمرتْني مِنْ نَداه مِواهبٌ ... أضافتْ إِلى عِزِّ الغِنَى شَرَفَ القدْرِ
قصدتُ الْجنابَ الصّالحيَّ تفاؤلاً ... وقد فَسَدت حالي فأَصلحني دهري
ولم يَرْضَ لي معروفَه دون جاهه ... فَسَيَّر كُتْباً كالكتائب في أَمري
كأَنّ يدي في جانَبْي عَدَنٍ بها ... تَهُزُّ على الأَيام أَلويةَ النَّصر
وما فارقتنْي نعمةٌ صالحيَّةٌ ... كانّيَ من مِصْرٍ رحلتُ إِلى مصر
وعاد إلى مصر في سنة اثنتين وخمسين وقد سعي به إلى الصالح ابن رزيك في أمر فقال فيه من قصيدة يستعطفه:
فاعلمْ وأَنت بما أُريد مَقاله ... منّي ومن كلّ البريّة أَعلمُ
стр. 459
أَنّي حُسِدْت عَلى كرامتِك التي ... من أَجلها في كلِّ أَرضٍ أُكْرَمُ
وبدون ما أَسديتَه من نعمةٍ ... سَدَّى الرِّجالُ الحاسِدون وأَلحموا
إِن كان ما قالوا وليس بكائنٍ ... فأَنا امْرُؤٌ مّمن سعى بيَ أَلأَمُ
ومنها:
راجِعْ جميل الرَّأْي فيَّ بِنَظْرَةٍ ... تُضْحي عواطفُها تَسُحُّ وتَسْجُمُ
فالليلُ إن أَقبلتَ صُبْحٌ مُسفِرٌ ... والصُّبحُ إن أَعرضتَ ليلٌ مُظلمُ
بَدأَتْ صنائعُك الجميلَ ومثلُها ... بِأَجَلَّ من تلكَ البِداية تَخْتِمُ
ومن مراثيه فيه قوله:
أَفي أَهل ذا النّادي عليمٌ أُسائلُهْ ... فإِنّي لما بي ذاهبُ العقلِ ذاهلُهْ
سمعتُ حديثاً أَحْسُد الصُمَّ عندهُ ... ويذهَل واعيه ويَخْرَس قائلُهْ
فقد رابني من شاهدِ الحالِ أَنّني ... أَرى الدَّسْتَ مَنصوباً وما فيهِ كافلُهْ
وأَنّي أَرى فوقَ الوُجوهِ كآبةً ... تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الوجوهَ ثواكلهْ
دَعُوني فما هذا أَوانُ بُكائِه ... سَيأْتيكُمُ طَلُّ البُكاء ووابلهْ
ولِمْ لا نُبَكّيه ونَنْدُب فَقْدَهُ ... وأَولادُنا أَيتامهُ وأَراملهْ
فيا ليتَ شِعري بعد حُسْنِ فعاله ... وقد غاب عنّا ما بِنا الدهرُ فاعلهْ
أَيُكْرَمُ مثوى ضَيْفِكمْ وغرِيبكمْ ... فيَسْكُنَ أَمْ تُطوى بِبَيْنٍ مراحلهْ
ومنها قوله:
تَنَكَّدَ بعد الصّالح الدَّهرُ فاغتدتْ ... مَحاسِنُ أَيّامي وهُنَّ عُيوبُ
أَيُجْدِبِ خَدّي من رَبيع مَدامعي ... ورَبْعيَ من نُعْمى يَدَيْهِ خَصيبُ
ومن مراثيه أيضاً قوله:
طَمَعُ المَرْءِ في الحياة غرورُ ... وطويلُ الآمال فيها قصيرُ
وَلكَمْ قَدَّرَ الفتى فأَتته ... نُوَبٌ لم يُحِط بها التقَّديرُ
ومنها:
ما تَخَطّى إِلى جلالك إِلاّ ... قَدَرٌ أَمرُه علينا قديرُ
يا أَمير الجيوش عندك عِلْمٌ ... أَنَّ حَرَّ الأَسى علينا أَميرُ
إِنَّ قبراً حلَلْتَه لَغَنِيٌّ ... إِنَّ دهراً فارقتهَ لفقيرُ
وبعيدٌ عنك السُّلُوُّ بشيءٍ ... ولك الفكرُ مَوْطنٌ والضميرُ
ومن ذلك أيضاً وقد نقل تابوته من دار الوزارة إلى القرافة:
خَرِبتْ رُبوعُ المَكْرُمات لِراحلٍ ... عَمَرَتْ به الأَجداثُ وهي قِفارُ
نَعش الجُدود العاثرات مُشَيَّعٌ ... عَمِيَتْ بِرؤُية نَعْشِه الأَبْصارُ
شَخَصَ الأَنامُ إِليه تحتَ جَنازَةٍ ... خُفِضت برِفعة قدرِها الأَقدارُ
فكأَنَّها تابوتُ مُوسى أُودِعت ... في جانِبَيْهِ سَكينةٌ ووقارُ
وتغايَرَ الهَرَمانِ والحَرَمان في ... في تابوتِه وعَلى الكريم يُغارُ
غَضِب الإِله عَلَى رجالٍ أَقدموا ... جَهلاً عليه وآخرين أَشاروا
لا تَعْجَبا لِقُدار ناقةِ صالحٍ ... فلكلِّ عصرٍ صالِحٌ وقُدارُ
أُحِللْتَ دارَ كَرامةٍ لا تنقضي ... أَبداً وحَلَّ بقاتليك بَوارُ
ومن شعره في ولد الصالح رزيك يسترضيه:
مَوْلايَ دعوة خادمٍ ... أَهملتَه بعد احتفالِكْ
إِن كان عن سببٍ فلا ... يَذهَبْ بِحِلْمك واحتمالكْ
أَو كان عن مَلَلٍ فما ... يخشى وَلِيُّكَ من مَلالكْ
إِن خفتُ دهري بعدما ... أَعلقتُ حبلي في حبالك
ومدحتُك المَدْح الذي ... عَبَّرْتُ فيه عن فَعالكْ
فالجوُّ مسدود الهوا ... والأَرضُ ضَيّقة المسالك
وقوله في مدحهم:
إِذا نَزَلتْ أَبناءُ رُزِّيك مَنْزِلاً ... تَبَسَّم عن ثَغْر النَّباهة خاملُهْ
وخَيَّم في أَرجائِه المجدُ والعُلى ... وَجاذَبه طَلُّ السماح ووابلهْ
стр. 460
ملوكُ لهم فضلٌ بأَبلجَ منهمُ ... مَحافلُه تُزْهى به وجَحافُلهْ
تُزَرُّ على اللَّيْثِ الغَضَنْفَر دِرْعهُ ... وتُلْوى عَلى الطَّوْد المُنيف حمائِلُهْ
تفَيضُ علينا كلَّ يومٍ وليلةٍ ... بلا سببٍ أَفضالُه وفضائِلهْ
يُثيبُ عَلَى أَقوالنا مُتبرِّعاً ... عَلَى أَنَّها من بعض ما هو قائِلهْ
وقوله في أخي الصالح، وهو بدر بن رزيك، وقد أعطاه مهراً:
بعثتَ بِطِرْفٍ يَسِبُقُ الطَّرْفَ عَفْوُه ... وتَغْدو الرِّياح الهوج من خَلْفِه حَسْرى
حَكى الْوَردَ والياقوتَ حُسناً وحُمرةً ... وتاه فلم يَرْض العَقيق ولا الْجَمرا
وأَرسلتُه في الحُسنِ وِتْراً كأَنَّني ... أُطالب عند النّائِبات به وَتْرا
نَذَرْتُ رُكوبَ البَرْقِ قبلَ وصوله ... فَوَفَّيْتُ لمّا جاءَني ذلك النَّذْرا
زفقتُ القوافي في عُلاك عرائساً ... فساق لها الإِحسانُ في مَهرها مُهرا
وقوله من قصيدة في بعض الأكابر من آل رزيك أولها:
تَيَقَّنُوا أَنّ قلبي مِنْهُم يَجِبُ ... فاستعذَبوا من عَذابي فوق ما يجبُ
وأَعْرضوا ووُجوهُ الودِّ مُقبِلَةٌ ... وللمُكَلَّف قلبٌ ليس ينقَلِبُ
ولو قَدَرْتُ لأَسلاني عُقُوقُهمُ ... وَكم عُقوقٍ سَلَت أُمٌّ به وأَبُ
إِنْ لم يكن ذلك الإِعراضُ عن مَلَلٍ ... فسوف تُرْضيهم العُتْبى إِذا عَتبِوا
وإِنْ تكدَّر صافٍ من مَوَدَّتهمْ ... فالشمسُ تُشْرقُ أَحياناً وتَحتجب
وقوله في حسام من قصيدة:
أَنسيمُ عَرْفكِ أَم شَميمُ عَرارِ ... وسَقيمُ طَرْفكِ أَم صَفيحُ غِرارِ
جادتْ مَحَلَّكَ بالغَميم غَمامةٌ ... تَحْكي بوادِر دَمعيَ المِدْرارِ
لا تَبْعثي طَيْفَ الخيالِ مُذَكِّراً ... فهواكِ يُغْنِيني عن التَّذْكارِ
ومنها في المديح:
مَلِكٌ إِذا ما عِيبَ عِيبَ بأَنهُ ... عارِي المَناكِب من ثِياب العار
قَصَدَتْه من حُسْنِ الثَّناءِ قَصائِدٌ ... رَكبتْ إِلى التَّيّار في التَّيّار
قد قلتُ إِذ قالوا أَجدتَ مديحَهُ ... شُكْرُ الرِّياض يَقِلُّ للأَمطار
مُختارُ قَيْسٍ حاز مُختار الثَّنا ... ما أَحسن المُخْتار في المختار
وقوله من قصيدة في الكامل بن شاور:
إِذا لم يُسالِمْك الزَّمانُ فحارِبِ ... وباعدْ إِذا لم تنتفعْ بالأَقاربِ
ولا تحتقِرْ كَيْداً ضَعيفاً فَرُبَّما ... تموتُ الأَفاعي من سُمومِ العقارب
فقد هَدَّ قِدْماً عرشَ بلقيسَ هَدْهُدٌ ... وأَخْرَبَ فأْرٌ قبلَ ذا سَدَّ مَأْرِبِ
إِذا كان رأْس المال عُمْرك فاحْتَرِزْ ... عليه من الإِنفاق في غيرِ واجب
فَبيْنَ اختلاف اللَّيْلِ والصُّبْحِ مَعْرَكٌ ... يَكُرُّ علينا جيشُه بالعجائب
وما راعني غَدْرُ الشَّباب لأَنَّني ... أَنِسْتُ بهذا الخُلْق من كُلِّ صاحب
وغَدْرُ الفتى في عَهْدِه ووفائِه ... وغدرُ المَواضي في نُبُوِّ المَضارب
ومنها:
إِذا كان هذا الدُّرُّ مَعْدِنُه فَمِي ... فَصُونوه عن تَقْبيلِ راحةِ واهبِ
رأَيتُ رجالاً أَصبحوا في مآدِب ... لَدَيْكُمْ وحالي وحْدَها في نَوادِب
تأَخَّرتُ لمّا قَدَّمَتْهُمْ عُلاكُمُ ... عليّ وتأْبى الأُسْدُ سَبْقَ الثَّعالب
وقوله فيه:
وَسَمْتَ بنُعْماك الرِّقابَ تَبَرُّعاً ... وأَجيادُ شِعري ما عليهنَّ مِيسَمُ
وأُنْسِيتنَي حتى وقفْتُ مُذّكِّراً ... بنفسي وُقوفاً حَقُّه لك يَلْزَمُ
وألغَيْتني حتى رأَيتُ غَنيمةً ... دخولي مع الجَمِّ الغفير أُسَلِّمُ
كأَنّيَ لم أَخْدُمْكُمُ في مَواطنٍ ... أُصرِّح فيها والرّجال تُجَمْجِمُ
стр. 461
ولم أَغْشَ هذا البابَ قبلُ ولم تكن ... تُضايقني فيه الرِّجال وتَزْحَمُ
كذبْتُ عَلى نفسي إِذا قمتُ شاكراً ... وليس لسانُ الحال عنّي يُتَرْجِمُ
وقالوا تجمَّلْ لا تُخِلَّ بِعادةٍ ... عُرِفْتَ بها فالصبرُ أَولى وأَحزمُ
وهل بعد عَبّادان يُعْلَمُ قَرْيَةٌ ... كما قيل أَو مِثلُ ابن شاوَر يُعْلَمُ
وقوله:
مضى بَدْرٌ فأَغْنى عنه طيٌّ ... بما أَولى من الكَرَم الجزيلِ
وقِدْماً كنتُ أَمدحُ للعطايا ... فقد أَصبحتُ أَمدح للسَّبيل
لقد طَلَعتْ علَيَّ الشمسُ لمّا ... عَدِمْتُ وقِايةَ الظِّلِّ الظَّليل
وقوله في أخي شاور:
أَتَيْتُ إِلى بابك المُرْتَجى ... فأَلفيتُه مغلقاً مُرْتَجا
فقلتُ لِبوّابه سائِلاً ... أَيُغْلَق بابُ النَّدى والحِجى
فقال أَراك كثيرَ الكلام ... وعندي من الرأْي أَن تَخْرُجا
وإِلاّ نَتَفْتُ سِبالَ المديح ... وأَتبعتُها بِسبال الهِجا
وقوله فيه وكان بمنية غمر، فركب إليه في البحر:
ولمّا دَنا عالي رِكابِك هَزَّني ... إِليك اشتياقٌ ضاع في جَنْبه صَبري
وحين رأَيتُ البَرَّ وَعْراً طريقُهُ ... ركبتُ أَخاك البحرَ شَوْقاً إِلى البحر
وما أَنا بالمجهول عِلْمُ مَسيره ... إِليك ولا الخافي حديثي ولا ذِكري
ولا أَنتَ ممَّن يُرْتَجى لِسوى الغنِى ... ولا أَنا من أَهلِ الضَّرورة والفقر
سيسَأَلنُي عندَ القُدوم جماعةٌ ... من النّاس عمّا ذا لقيتُ من الأَمر
ولا بُدَّ أَن يجري الحديثُ بذكر ما ... فعلتَ معي فاختر بنا أَشرف الذِّكر
ومَنْ ينتجِعْ أَرضَ العراق وَجِلَّقٍ ... فمُنْيَةُ غَمْرٍ مركزُ الكرم الغَمْر
وقوله في بعض الأمراء يطلب عمامة:
رأَيتكُ في المَنام بَعَثْتَ نَحوي ... بحامِلة الْحَيا وهي الْغَمامهْ
فأَوَّلْتُ الحَيا بحَياك منّي ... وصَحَّفتُ الغَمامة بالعِمامهْ
فأَنْفِذْ لي بأَطولَ من حِسابي ... إِذا أُحْضِرْتُ في يوم القيامهْ
ومنها:
كأَنَّ بياضَها وَجْهٌ نَقِيٌّ ... وحُسْنُ الرَّقْم فوق الخَدِّ شامهْ
ولا تبعثْ بقيمتها فإِنّي ... أَراه من التكلُّف والغرامهْ
وليس القَصْدُ إِلاَّ تاج فخرٍ ... يُطَوِّل قامةً ويَصُون هامهْ
وما هذا المديحُ سوى أَذانٍ ... فقل لِنَداك حَيَّ عَلَى الإِقامهْ
وقوله من قصيدة في بعضهم:
خُذْ يا زَمانُ أَماناً من يَديْ أَملي ... لا رَوَّعتْ سِرْبَك الأَطماع مِنْ قِبَلي
ولا مَددْتُ إِلى أَيدي بَنيك يَدي ... إِذاً فلا وأَلَتْ كَفّي من الشَّلَلِ
صانوا بأَعْراضِهم أَعراضهم فغَدا ... شِعْري وسِعري مَصوناً غيرَ مُبْتَذَلِ
تركتُ مَنْ كنتُ أُطريه وأُطْربه ... فلا ثَقيلي يُعَنِّيهم ولا رَمَلي
وكيف أَنْشَطُ في أَوصافِ ذي كَرمٍ ... كسلانَ يرمي نَشاطَ المدْحِ بالكَسَلِ
حَلَّيْتُ جِيدَ عُلاه وهي عاطلةٌ ... وجاءَني منه جِيدُ المَدْح بالعَطَلِ
أُثني ويُثْني رجالٌ ضَمَّني معهم ... وَزْنُ الكلام وليس الكُحْلُ كالْكَحَلِ
وليس يُحْفَظ إِلاّ ما نَطقتُ به ... حتى كأَنَّ سِوى ما قلتُ لم يُقَل
ذَنْبي إِلى الدَّهْرِ فضلٌ لو سَترتُ به ... عَيْبَ الْحوادث لم تُنْسَب إِلى الزَّلل
إِنْ آثرتْ ثروةُ الدُّنيا مُجانَبتي ... فإِنَّها ابنةُ أُمّ الغَيِّ والخَطَل
ولي إِذا شِئتُ من تاجِ الخلافة مَن ... أَرى به شَرَفَ الأَفعال في رجل
إِن جاد أَو كاد في يَوْمَيْ ندًى ورَدًى ... فاضَتْ أَنامله بالرِّزْق والأَجَل
стр. 462
لو كان حَظٌّ عَلَى مِقدارِ مَنزِلَةٍ ... لم يَنْزِل المُشْتَري عن مُرْتَقى زُحَل
أَما ترى الفَلَكَ العُلْوِيّ قد جعلوا ... فيه سَمِيَّك بعد الثَّوْر والْحَمَل
ومنها:
واسمع مُحَبَّرةَ الأَوصاف خاطبة ال ... إِنْصاف طالت مَعانيها ولم تَطُل
جادت جَزالتُها لفْظاً ورقَّتُها ... معنىً بما شئتَ من سَهلٍ ومن جَبَل
وقوله في وداع بعض الأكابر:
تناولتَ المكارِمَ والمَساعي ... بأَقوى ساعدٍ وأَتَمِّ باعِ
ومنها:
إِذا سارتْ جِيادُك والْمطايا ... فيا زَمَع القُلوب من الزَّماعِ
وَداعُ رِكابك السامي دَعاني ... إِلى ذَمِّ التَّفرُّق والوَداع
ستَفْقِدُ منك أَنفُسنا حياةً ... وما فَقْدُ الحياة بمستطاع
وقوله في قضاة الزمان:
رُتبةُ الحُكْمِ السَّنِيَّهْ ... هُدِمَتْ هَدْم البَنِيَّهْ
أَخْرَب الجهّالُ منها ... كلَّ ثَغْرٍ وثَنِيَّهْ
وغدت دَنِّيَّةُ الحُكْ ... مِ بهم وهْي دَنِيَّهْ
وزار صديقاً له فلم يجده فكتب إليه:
يا سَيِّداً ساحةُ أَبوابه ... لكلِّ من لاذ بها قِبلهْ
قد استَنَبْتُ الطِّرْسَ في لَثْمِه ... كَفَّك واستَوْدعتُه قُبلهْ
فامْدُد إِليه راحةً لم يَزَلْ ... معروفُها يُخْجِل مَنْ قَبْلَهْ
وقوله وقد ابتاع جارية يلتمس ثمنها:
يا سَيِّداً يشهَدُ لي خَلْقُه ... وخُلْقُه أَنّ الورى دُونَهُ
كم لك من مَكْرُمةٍ ضَخمةٍ ... ومِنَّةٍ ليست بمَمْنونهْ
وموقفٍ بين النَّدى والرَّدى ... يخافُه النّاس ويَرْجونهْ
قد اشترى الخادمُ مَمْلوكةً ... صُورتُها بالحسن مدهونهْ
كاملةَ العقل ولكنَّها ... إِذا خَلَتْ في الفُرْش مجنونهْ
قيمتها ستّون موزونةً ... والنصفُ منها غيرُ موزونهْ
وهي عَلَى ذاك فأَنْعِمْ بها ... تحت خُصى البائع مرهونهْ
وقوله في كاتب نصراني يدعى أبا الفضل وهو يخدم على دار الكباش:
رأَيتُ أَبا النَّقْصِ ضاقتْ به ... مَذاهبه في التماسِ المعاشِ
ومِنْ حُبِّه في ذوات القُرون ... غدا وهو نائب دار الكباشِ
وقوله:
إِن كان يحسَب أَنَّ خِسَّة أَصِله ... تَحْميه من حُمَتي ومُرِّ ذُعافي
فالأُسدُ تفترسُ الكلاب إِذا عَدَتْ ... أَطوارَها، والأُسْدُ غيرُ ضِعاف
دَعْني أُثَقِّلْ بالهِجاءِ لجِامَهُ ... إِنَّ البغالَ كثيرة الإِخْلاف
لا تَأْمَنَنَّ أَبا الرَّذائل بعدها ... واحذَرْ أَمانةَ سارقٍ خَطَاف
فالمرتَجي عند اللِّئام أَمانةً ... كالمُرْتجي ثَمراً من الصَّفْصافِ
وقوله:
وقائلةٍ مالي أَرى الْجَوَّ مُظِلماً ... بأَعمالِ مصْرٍ دون كلِّ مَكانِ
فقلتُ ومصرٌ كالبلاد وإِن يكن ... عَلاها ظَلامُ فهو بابن دُخان
لقد سَئمَ الإِسلامَ طولَ حياته ... ودار عَلَى قَرْنَيْه أَلفُ قِران
مَتى تَقْبِضُ الأَيامُ عنّا بَنانَه ... وتَبْسُط كفَّ الأَروع ابنِ بنان
لقد ترك الأَعمالَ صفْراً كأَنَّها ... قوالبُ أَلفاظٍ بغيرِ معانِ
فَصَدِّقْ كلامَ النّاس فيه ولا تَقُل ... كلامُ العِدى ضربٌ من الهذيان
وقوله:
كلَّما رُمتُ سِلْمَه رام حَرْبي ... ما لِهذا الوَضيعِ قولُوا ومالي
أَجرَبُ العِرْض يَشْتفي بهجائي ... وهو عِرْضٌ بالذَّم ليس يُبالي
وقوله:
يا رَبّ هَيِّىءْ لنا من أَمرِنا رَشَدا ... واجعلْ مَعُونتك الحُسنى لنا مَدَدا
ولا تَكِلْنا إِلى تدبير أَنفسنا ... فالنَّفْسُ تعِجَزُ عن إِصلاح ما فسدا
أَنتَ الكريم وقد جَهَّزْتُ من أَملي ... إِلى أَياديك وجهاً سائلاً ويدا
стр. 463
وللرَّجاءِ ثوابٌ أَنت تعلمهُ ... فاجعلْ ثَوابي دوامَ السَّتْرِ لي أَبدا
وقوله حين قصد الفرنج أرض مصر:
يا رِبِّ إِنّي أَرى مصراً قد انتبَهتْ ... لها عُيون اللَّيالي بعد رَقْدَتِها
فاجْعل بها مِلَّة الإِسلام باقيةً ... واحرُس عُقودَ الهُدى مِنْ حَلِّ عُقدتها
وهَبْ لنا مِنكَ عَوْناً نستجِيرُ به ... من فِتنةٍ يَتَلظّى جَمْر وَقْدَتها
وذكر لي بعض المصريين بالقاهرة أن الصالح بن رزيك رغب عمارة في أن يعود متشيعاً ويأخذ منه ثلاثة آلاف دينار وكتب إليه:
قُل للفقيه عُمارةٍ يا خيرَ مَنْ ... أَضحى يؤلِّف خُطبةٌ وخِطابا
إِقبلْ نَصيحة مَنْ دعاك إِلى الهُدى ... قُلْ حِطَّةٌ وادخُل إِلينا البابا
تَلْقَ الأَئِمَّة شافِعين ولا ترى ... إِلاّ لديهمْ سُنَّةً وكِتابا
وعَلَيَّ أَنْ يَعْلو مَحَلُّكِ في الوَرى ... وإِذا شَفَعْت إِليَّ كنتَ مُجابا
وقبضتَ آلافاً وهُنَّ ثلاثةٌ ... صِلةً وحَقِّك لا تُعَدُّ ثوابا
فأجابه عمارة عنها:
يا خيرَ أَملاك الزَّمان نِصابا ... حاشاك من هذا الْخِطاب خِطابا
أَما إِذا ما أَفسدتْ عُلماؤكم ... مَعْمُورَ مُعْتَقَدي وصار خَرابا
وأَتى دليلُ الحَقِّ في أَقوالهم ... ودعوتُ فِكري عند ذاك أَجابا
فاشدُدْ يَدَيْك على أَكيدِ مَوَدَّتي ... وامْنُن عليَّ وسُدَّ هذا البابا
والعجب من عمارة أنه تأبى في ذلك المقام عن الانتماء إلى القوم وترك، وغطى القدر على بصره حتى أراد أن يتعصب لهم ويعيد دولتهم فهلك.
أبو بكر بن أحمد بن محمد العيدي اليمنى
تمهيد تاريخي:
الدولة الزريعية الحديث عن الشاعر العيدي وتفهم شعره يقتضينا أن نتحدث عن الدولة الزريعية التي عاش في كنفها وقال أكثر شعره فيها.
وقد جاءت الدولة الزريعية في أعقاب الدولة الصليحية. وحين تحدث العماد عن الشاعر اليمني ابن القم وجدنا أننا مضطرون إلى أن نفرد الصفحات الأولى للحديث عن الصليحيين في تتابع ملوكهم وتوالي أحداثهم.
وقد كان آخر من حكم اليمن من الصليحيين سبأ بن أحمد، الملقب بالأوحد، الذي توفي سنة ٤٩٢، وزوجه السيدة أروى، الملقبة بالملكة الحرة، التي تفردت بعده بالحكم وماتت سنة ٥٣٢ وقد وزر للسيدة أروى المفضل بن أبي البركات بن الوليد الحميري، ثم أخوه وابنه، وكانوا جميعاً عوناً لها على سياسة الملك، وتدبير المملكة، وقيادة الجيوش.
وكان الداعي الصليحي أبو الحسن علي بن محمد، أول الصليحيين قد فتح عدن وملوكها آنذاك بنو معن، فأقرهم على طاعته.
ولما زوج ابنه المكرم أحمد بالملكة الحرة السيدة أروى جعل صداقها خراج عدن، ثم اما قتل سنة ٤٥٨ تغلب على الخراج بنو معن.
فسار إليهم المكرم أحمد وأخرجهم منها وولي عليها العباس ومسعوداً ابني المكرم الجشمي الهمداني اليامي - وكانت لهما سابقة معروفة عند المكرم لقيامهما معه عند نزوله زبيد واستنقاذه أمه من سعيد الأحول - وجعل للعباس حصن التعكر وباب البر وما يدخل منه، وجعل لمسعود حصن الخضراء وباب البحر وما يدخل منه وإليه أمر المدينة، واستخلفهما لزوجته السيدة أروى، فكانا يحملان إليها كل سنة مائة ألف دينار تزيد وتنقص.
وتوفي العباس بن المكرم فانتقل عمله إلى ابنه زريع، وبقي عمه مسعود على ما تحت يده، واستقام كل منهما على عمله، وزاد زريع فملك الدملوة في سنة ٤٨٠. وكانا - أول الأمر - يحملان ما عليهما إلى السيدة أروى، ثم اجتمعا على أن يمنعا عنها ما كانا يدفعان من من خراج، فحاربهما وزيرها المفضل بن أبي البركات واصطلحا معه على النصف.
ثم تغلب أهل عدن على النصف حين أحسوا الضعف في حكم السيدة أروى بعد موت وزيرها المفضل، فسيرت إليهم ابن عمه أسعد بن أبي الفتوح بن العلاء بن الوليد الحميري فصالحهم على الربع. ثم تغلبوا على هذا الربع الباقي بعد ثورة الفقهاء على السيدة أروى بالتعكر.
стр. 464
ولما بعثت السيدة أروى بالمفضل لتنصر بعض أولاد جياش بن نجاح - وهو منصور بن فاتك بن جياش - على عمه عبد الواحد كتبت إلى زريع وعمه مسعود أن يلقيا المفضل بزبيد، فلقياه وقاتلا معه حتى قتلا بباب زبيد سنة ٥٠٣، وتمكن المفضل من دخول زبيد.
وقد قام يعدهما أبو السعود بن زريع، وأبو الغارات بن مسعود، كل منهما في جهته.
ومات أبو الغارات فخلفه ابناه محمد وعلي، ومات أبو السعود فخلفه سبأ، وإليه صارت الدعوة عن السيدة أروى ولقب بالداعي، وكان أول من لقب بذلك من الزريعيين.
واقتتل الداعي سبأ مع محمد بن أبي الغارات، وتمت الغلبة للداعي، فاستولى على أكثر اليمن وأضحى رأس الدولة الزريعية، وتوفي سنة ٥٣٣.
ثم خلفه ابنه الداعي المعظم محمد بن سبأ بن زريع فمد في سلطان الزريعيين حين استولى على حب وذي جبلة وأعمالها سنة ٥٤٨ - وقد انتقلت إليه من يد الأمير منصور بن المفضل بن أبي البركات بن الوليد الحميري -. وفي عهده كانت الزلزلة باليمن سنة ٥٤٩ وقد انهدم بها حصون كثيرة. ومدح الداعي بأشعار وقصائد وتوفي سنة ٥٥٠ على أصح الروايات ٥٤٧، ٥٤٨ في بعض الروايات الأخرى بالدملوة، وقبره فيها.
واستولى على البلاد بعده ابنه الداعي المكرم عمران بن محمد وعظم شأنه، وقصده الشعراء، وانقطع بعضهم إليه على نحو ما كان من أبي بكر العيدي شاعر الخريدة الذي أصفاه مدائحه.
واستمر يحكم حتى كان ظهور بني مهدي وغلبتهم على زبيد فضعف أمر الزريعيين وبدأ نجمهم بالأفول ولم يبق لهم إلا عدن.
وتوفي بعد عشر سنين من ولايته، أعني سنة ٥٦٠ في عدن. وحمله الشاعر الفاضل الكامل أبو بكر العيدي والشيخ التاجر أبو الغنائم الحراني إلى مكة وقبر في مقابرها.
وكان له ثلاثة أولاد صغار قام بتربيتهم الشيخ الموفق أبو الدر جوهر بن عبد الله المعظمي في حصن الدملوة، وبالملك لهم ياسر بن بلال بن جرير المحمدي. ومن مدائح الشاعر العيدي نعرف أن أحدهما يدعى محمداً والآخر يدعى أبا السعود انظر القصيدة الهمزية فيما نستقبل من شعر العيدي.
وفي سنة ٥٦٩ دخل الملك المعظم تورانشاه، أخو صلاح الدين، اليمن يفتحها، وبعد دخوله شنق ياسر - ومعه عبده السداسي سنة ٥٧١ وزال سلطان الزريعيين عن عدن، آخر ما أبقى لهم بنو مهدي، وانقضى ملكهم.
ويقول ابن المجاور في تأريخ المستبسر ص١٢٦ - ١٢٧: وكان أبناء زريع يؤدون الخراج إلى الخلفاء الفاطميين وهو لأجل المذهب لأن القوم كانوا إسماعيلية، وكل من تولى بأرض اليمن من بني زريع يسمى الداعي أي يدعو الخلق إلى المذهب.
بلوغ المرام - طبقات فقهاء اليمن - تأريخ المستبصر - المقتطف من تاريخ اليمن - معجم البلدان
أبو بكر بن أحمد بن محمد العيدي اليمني
وزير صاحب عدن، ذكره نجم الدين بن مصال وذكر أنه يعيش. وحكى أن شاباً من الاسكندرية يعرف بأحمد بن الأبي سافر إليه وانتفع من جانبه وأن أحمد ذكر عنه أنه عمل أبياتاً يهنىء بها الداعي بعدن بطهور أولاده من جملتها:
كذُبالَةِ المِصْباح يَقْضي قَطُّها ... عند الخمُود لها بقُوّة نارِهِ
قال فقال لي يصلح أن يكون لهذا البيت توطئة قبله وعمل:
أَخْذٌ من العُضْو الشَريف قضَى له التَّ ... أْثير فيه بمقُتضَى إِيثارهِ
وبعده:
كْذبالِة المِصباح يَقْضي قَطُّها ... عند الخمُود لها بقوّة نارهِ
وأنشدني له ابن الريحاني المكي، وذكر أنه ضرير وهو كاتب السلطان علي:
تَحَدَّثَ ساري الرَّكْب عنكم بأَوْبَةٍ ... تَنَسَّم أَنفاسَ السُّرورِ بها الْقلْبُ
فيا مِنَّةً لِلْعيس إِذ أَدْنَتِ النَّوى ... ويا حَبَّذا ما عَنكمُ حَدَّث الرَّكبُ
ولما استولى شمس الدولة تورانشاه بن أيوب على عدن وجده بها حياً، وذكر لي أنه نهب له مال كثير ودفاتر، وعدد وذخائر. وسألت عنه أصحاب الملك المعظم شمس الدولة عند عوده إلى دمشق في شهر رمضان سنة إحدى وسبعين، فذكروا أنه شيخ كبير، وهو ضرير، وله فضل غزير، ومحل عزيز، وجاه حريز.
стр. 465
ثم طالعت مجموع عمارة الشاعر اليمني في ذكر شعراء اليمن فوجدته قد أثنى على أبي بكر العيدي من عدن وقال: ومنهم من جعلت ذكره فارس الأعقاب، وجمال ما مضى وما يأتي من الأحقاب، وزير الدولة الزريعية وصاحب ديوان الإنشاء بها ووصفه بصدق اللهجة، وحسن البهجة، والدين الحصين، والعقل الرصين، والؤدد العريض، والكرم المستفيض، والتواضع الذي لا يضع من رتبته العالية، ولا يرخص من قيمته الغالية، وأما البلاغة فهو إمامها، وبيده زمامها، ولخاطره هداية النجم الساري، وسلاسة العذب الجاري، وأما عبارته فلا يشوبها لبس، ولا يعوقها حبس، فسيح في الإطالة مجاله، موف علي الروية ارتجاله، يكاد نظمه أن يبتسم ثغره، ونثره أن ينتظم دره. وقال إن له بلاغة تشهد عذوبة مطبوعها، بكرم ينبوعها، وألفاظاً تدل معانيها، على فضل معانيها.
وأما مولده فمن أهل أبين وهو أبين عدن، قال ولما ترعرع عني بنفسه، وكان ينزل إلى عدن وهي من وطنه على ليلة فيجتمع بالعلماء الواصلين من الآفاق إلى موسم عدنن ولازم الطلب، حتى تفقه وتأدب، ونظم ونثر، وكتب وحسب، ولم يزل في عدن وجمر فضله مستور بالرماد، وغمر معينه مغمور بالثماد، إلى أن مات محمد بن غزي كاتب الشيخ بلال بن جرير صاحب عدن، فتنبه بلال عليه، وأرشده رائد السعادة إليه، فجعله كاتبه، بل صاحبه.
وذكر أنه حكي له أنه كان محمد بن غزى إذا أراد أن يكتب عن بلال كتاباً أو يرد جواباً لم يستقل بنفسه دون الحضور بين يديه حتى يملي عليه مقاصد الكتاب ثم لا يختمه حتى يلحق بلال بين سطوره بخطه ما وقع الإخلال به في اللفظ والمعنى، فلما كتب له الشيخ الأديب اعتقد بلال أن الأديب مثل ابن غزى في جمود طبعه، وخور نبعه، وثمد معينه، وعدم معينه ونبوة كلامه، وكبوة أقلامه، وقصر رشائه، وفقره من فقر إنشائه، وشتان بين عزة فارس القلم، وذلة راجل الجلم، فألقى بلال إلى الأديب كتباً وردت عليه، وقال قف عليها وتصفحها حتى نخلو من مجلس السلام فأملي عليك مقاصدها، فكتبها الشيخ الأديب في ذلك المجلس في لحظة ودفعها إليه وقد كتب عنوان كل كتاب منها، فلما وقف عليها بلال قال: لم تزد والله على ما في نفسي من الجواب شيئاً ولم تنقص عنه، ففوض إليه واعتمد عليه.
وذكر أنه استأذنه يوماً على ما يجيب به عن كتب وصلت إليه، ويثيب به آخرين وفدوا عليه، فقال له يا مولاي الأديب، الدولة دولتك، والمال مالك، فأجب، وأثب، كيف شئت، وبما شئت.
وذكر أن الأديب أبا بكر كان من سؤدده أنه إذا سمع بقدوم قافلة إلى البلد خرج إلى الباب واستخبر عمن فيها من الأدباء والفقهاء، فإذا ظفر منهم بأحد بالغ في إكرامه واستخلاص بضاعته إن كان تاجراً، وإن كان باعه في الأدب قصيراً عمل له الشعر على لسانه واستنجز له الصلة، ثم أنزله مدة مقامه وزوده عند رحيله.
قال عمارة في مجموعه وهذه القصة جرت له معي، فإني قدمت عدن وأنا حينئذ لا أحسن الشعر، فعمل قصيدة على لساني، حتى فزت عند صاحب عدن بالأماني، فلما عزمت على السفر قال إنك قد اتسمت عند القوم بسمة شاعر، فانظر لنفسك وطالع كتب الأدب ولا تجمد على الفقه وحده، فإن فضيلة اللسان حلية الإنسان، ثم قدمت في العام الثاني وقد علمت شعراً أصلح من الأول ومعي إنسان جمال، فقال لي الأديب ما رأيك أن تنفع هذا الإنسان بشيء لا يضرنا، قلت: وما هو؟ قال نعمل قصيدة على لسانه، ففعل واستنجز له صلة من الداعي محمد بن سبأ. فلما انفض الجمع دعاني الداعي وقال إذا سألتك عن شيء تنصحني؟ قلت: نعم، قال أظن أن هذا الإنسان الذي أخذ له الأديب الدنانير جمالاً، قلت: هو والله جمال وإنما فضل طباع الأديب ومعونتكم له على فعل الخير صيرت هذا ومن يجري مجراه شاعراً، فضحك الداعي وأعاد الجمال فزاده ذهباً.
قال ومن أَخباره أَنّ إِنساناً يقال له أَبو طالب بن الطّرائفي مدح الدّاعي محمد بن سبأ في سنة ستّ وثلاثين بقصيدة أَبي الصلت أُميّة التي مدح بها الأَفضل وأَوّلها:
نَسخَتْ غرائبُ مَدْحِك التَّشبيبا ... وكفى به غَزلاً لنا ونسيبا
ومنها:
وأَنا الغريب مكانُه وبيانُه ... فاجُعل نوالك في الغريب غَريبا
стр. 466
ثم أَهدى الرَّشيدُ ابن الزُّبيرَ ديوانَ أَبي الصلت إِلى الدّاعي محمّد بن سبأ فوجد القصيدة فيه، فكتب إِلى الأَديب أَبي بكر بعَدَن كتاباً يأْمره فيه بتسيير القصيدة إِليه إلى الجبال فنسخها الأَديب بخطّه وزاد في آخرها اعتذاراً عن ابن الطّرائقي، وكان قد مات، قوله:
هذي صفاتُك يا مَكين وإِن غدا ... فيمَنْ سِواك مَديحُها مغصوبا
فاغفِر لمُهديها إِليك فإِنّه ... قد زادَها بِشَريفِ ذِكرك طِيبا
وذكر أَنّه حدّثه الفقيه أَبو العبّاس أَحمد بن محمد بن الأُبِّيّ قال: أَذكر ليلةً أَنا أَمشي مع الأَديب على ساحل عَدَن وقد تشاغلتُ عن الحديث معه فسأَلني في أي شيء أنت مفكر؟ فأَنشدته:
وأَنظرُ البدرَ مرتاحاً لِرؤيته ... لعلَّ طرف الذي أَهواه بنظرهُ
فقال لمن هذا البيت؟ قلت: لي، فأَنشدَ مُرْتجِلاً:
يا راقِدَ الليلِ بالإِسكندريَّة لي ... مَنْ يسهرُ الليلَ وَجْداً بي وأَسهُرهُ
أُلاحظ النَّجْمَ تَذْكاراً لرُؤّيَته ... وإِنْ مَرى دمعَ أَجفاني تَذَكُّرهُ
وأَنظرُ البدرَ مُرتاحاً لرؤيته ... لعلَّ طَرْف الذي أَهواه ينظُرهْ
قال: ثم سمعت أنَّ بصَره قد كُفّ، فعلمِتُ أَنّ الأيّام طَمَست بذلك مِنْهاج جَمالها، وأَطفأَت سِراج كَمالها، فأَجناه الله ثمر الخير الذي كان يغرِسُه، وحَرَسه ناظِرُ الإِحسان الذي كان يرعاه ويحُسِره، فتزايدتْ وَجاهته، وتضاعفت رفعتُه ونباهته، وأَراد الزمانُ أن يَخفِضَه فرَفعَه، وأَن يَضُرَّه فنفَعَه.
وذكر أَنّ الدّاعي عمران بن محمد بن سبأ بن أبي السعود بن زُرَيْع ليامي لمّا وقف الأَديبُ يُنشده قصيدةً عملها فيه، بعد انعكاس نور البصر من ناظره، إِلى بَصيرَة خاطره، حمل إِليه أَلفَ دينار واعتذر ولَطَف له في القول لُطفاً يسلّي الحزين، ويستخفّ الرَّزين، ثم لم يَرْضَ بذلك حتى أَمر مُنادياً فنادى في النّاس من دخلَ دارَ الشيخ الأديب فهو آمن. قال: والشعرُ الجيّد الرائق الفائق أَقلُّ خِصاله، وأَكَلُّ نِصاله. وأَورد من شعره قولَه يمدح الداعي عِمران بن محمد بن سبأ:
عادَ الهوى في فُؤادي مثلَ ما بدأَ ... لمّا تَعرَّفْتُ مِن أَهل الحِمى نَبأَ
أَمْلى على القلب ساري البرقِ مُبتسماً ... عنهم أَحاديثَ شوقٍ تُطرِب الملأَ
فبِتُّ أُروي رُبي خَدَّيّ من دِيَمٍ ... تَزْداد غُلَّةُ أَحشائي بها ظَمَأَ
رُقى العواذِل مُهْراق النَّجيع بها ... لمّا ترقرق مُنْهَلاً فما رقَأَ
لَعَلَّ لامِعَ ذاك البرقِ كان لهم ... طليعةً طالعَ الأَسرار فارتَبَأَ
لَئِنْ براني هوى أَهلِ الحِمى فَلَكَمْ ... داوَيْتُ من حُبِّهمْ دائي فما بَرأَ
يُدْنيهمُ الشوقُ منّي والحنينُ وإِن ... شَطَّ المَزار بهم عن ناظِري ونأَى
وما تقتَّصني منهم سوى رَشَإٍ ... أَفدي بمُهجة نفسي ذلك الرشأَ
أغَنَّ يَغْنى عن البدر المُنير به ... مَنْ جالس الشَّمسَ مِن أَزراره ورأَى
مِلءُ النَّواظرُ حُسناً حين تلحظُهُ ... وأَمْلَكُ الحُسن للأَلحاظ ما مَلأَ
ما اهتَزَّ غُصنُ الصِّبا مِن عِطْف قامته ... إِلاّ وأَزْرى بِغُصن البانِ أَو هَزَأَ
نَشْوان تحسَبُ صَرْفَ الرّاح رَنَّحهُ ... أَو مدحَ داعي الهُدى عاطاه فانتشأَ
عِمران أَكرمُ مَنْ جاءَ الزّمان به ... فَرْداً وأَشرفُ من في حِجْره نَشَأَ
كأَنّ قحطانَ قِدْماً كان أَوْدَع في ... ضَمائر الفضل سِرّاً منه أَو خَبَأَ
مَنْ أَوْطأَتْهُ على كِيوانَ هِمَّتُهُ ... لو كان يَرْضى على كيوانَ أَنْ يَطأَ
وأزداد فخراً عَلَى ما شاد والدهُ ... محمد، وَسَبا في مجده سَبَأَ
تناول الغَرضَ الأَقصى فأَدركهُ ... واختاز غاياتِ أَملاكِ الورى وشأَي
стр. 467
أغَرُّ أَبْلَجُ لو يَسْري بِغُرَّتهِ ... في فحمةِ اللَّيل بدرُ التِّمِّ ما انطفأَ
يُزْهى به الدَّسْتُ يومَ السّلم مُبتسِماً ... وفي الوغا سابحٌ سامي التَّليل وأَي
كاللَّيْث ليس بمُختارٍ فرائسَهُ ... سِيّانِ ظَبْيُ كِناسٍ عنده ولأَي
لو لم يُعِرْ عَزمَه العَضْبَ المُهَنَّد ما ... جَرى الرَّدى في غِرارَيْه ولا اجْتَرأَ
رَوّى عِطاشَ الأَماني وهي صاديةٌ ... مَكارِماً وجَلا عن بِيضها الصَّدَأَ
ما زال مَلْجَأَ من سُدَّت مَذاهِبُهُ ... في حينَ لا يَجِدُ الملهوف مُلْتَجأَ
يَلْقى بسامي ذَراه الرّائدون به ... والواردون إِليه الماءَ والكَلأ
ويَفْجَأُ الخَطْبَ منه عند رؤْيتهِ ... عَزْمٌ يُكَشِّف منه كلَّ ما فَجَأَ
فكُلَّما رَزَأَ الخطبُ الورى كَفِلَتْ ... بيضُ الصَّوارِم منه جَبْرَ ما رَزَأَ
وكم حادثٍ غال فاغتالَتْه منه ظُبّي ... تَعَوَّدتْ كشف مَكْروهٍ وَرَأْبَ ثَأَى
وكم أَلمَّتْ مُلِمّاتُ روائعها ... يَظَلُّ يَدْرَأُ عنها صَدْرَ مَنْ دَرَأ
سمَا لها دونَ أَملاك الورى فكفى ... مِنْ هَمِّ نازِلها ما هَمَّ وانْكَفأَ
يَبيتُ يَحْظَأُ نارَ الْجُود مُوقِدُها ... لِوَفده وبِعُودِ الهندِ ما حَظَأَ
خَطَّتْ يدُ المجد في وجه الزّمان به ... مآثراً يَقْتَربها كلُّ مَنْ قَرَأَ
مآثِراً كُلُّها في الفضل مُخْتَرَعٌ ... ما اقْتَصَّ من أَثَرٍ فيها ولا افتَقَأَ
قد بَرَّأَ اللهُ في التَّكوين خِلْقَتَهُ ... وخُلْقَهُ من ذَميم الفعل إِذْ برَأَ
وذَرَّ في كفِّه الأَرزاق يَقْسِمُها ... مِنْ راحتيه لِمَنْ في عصره ذَرَأَ
لِلْجود في ماله يومَ النَّوالِ خُطاً ... تُفْنيه عَمْداً إِذا جاد أمْرُؤٌ خَطَأ
يسْطو على المال إِنعاماً كأَنَّ به ... غَيْظاً على المال يومَ الجُود أَو شَنَأَ
يخضَرُّ نَبْتُ أَياديه وأَنْعُمِهُ ... للمُعْتَفين إذا نَبْتُ الرِّياض ذأَى
فَلْيَهْنِ أَعوامَه إِقبالُ دَوْلَتهِ ... فإِنَّه خَيْرُ والٍ للوَرى كَلأَ
وبُلِّغَ السُّؤْلَ في شِبْلي عَرينَتِه ... والمُبْتَدين من العَلْياءِ ما ابتدأَ
حتى ترى الكُلَّ أَبّاءً أَخا شرفٍ ... سمَا الزمان بسامي فَخْره وبأَي
ولْيَنْسإِ اللهُ للدنيا وساكِنها ... في عَمُره ضِعْفَ ما في عُمْرِها نَسَأَ
وقوله في مدح الأَميرين ولدي الداعي ويخاطب في آخر القصيدة ياسراً الذي قتله شمس الدولة:
مَلأَ النَّواظِرَ بَهْجة وبَهاءَ ... أُفُقٌ جَلا في دَسْتِه الأمَراءً
ومَقامُ إِعظامٍ قضتْ لسُعوده الْ ... أَفْلاكُ أن يستخْدِمَ العُظماءَ
طَلَعا طُلوع النَّيِّرَيْن وجاوَزا ... في المَجْدِ مطِلَعها سَناً وسَناءَ
ملكان في السَّبْعِ السِّنين وقد عَلا ... مَرْماهما الشِّيبَ الكُهولَ عَلاءَ
يَتبارَيان مَناقِباً وضرائباً ... بلغا بها مِنْ مَفْخَرٍ ما شاءَا
فمحمَّدٌ كمحمّدٍ في جُودِه ... وأَبو السعود أَبو السُّعود سخاءَ
وكِلاهِما يَحْكي المكرَّم سُودَداً ... ومَكارِماً أَنسى بها الكُرماءَ
ومآثِراً ومَفاخِراً وشَمائلاً ... وفَواضِلاً وفضائلاً وإِباءَ
والمجدُ أَرفعهُ بناءً ما غدا الْ ... أَبْناءُ فيه تقتفي الآباءَ
ولقد سَعْىَ سَعْيَ المُكَرَّم في العُلى ... نَجْلاه تَشْييداً لها وبناءَ
стр. 468
وتَقَيَّلا الآثارَ منه كأَنما ... أَمْلاهما آياتِها إِملاءَ
وتجارَيا طَلَق الرِّهان وبَرَّزا ... سَبْقاً وجاءَا في الرِّهان سَواءَ
كَرَماً ثَنى زُمَر الوفود إِليهما ... وسرى بأَنفاس الرِّياض ثَناءَ
ومواهِباً موصولةً بمواهبٍ ... أنوارُها تستغرقُ الأَنواءَ
إِن ضَنْ هامي المُزْن جادا أَو دَجا ... ليلُ الحوادثِ والخطوب أَضاءا
مِن يَعْرُبَ العَرْباءِ في الأَصل الذي ... جازَتْ ذَوائبُ فَرْعِه الجَوْزاءَ
وسَراةُ أَبناءِ الزُّرَيْعِ أَجلُّ مَن ... رَفعتْ به أَيدي الخميس لوِاءَ
ومُلوكُ هَمْدان الذين تبوّؤوا ... رُتَبَ الممالك عَنْوَةً وعَناءَ
سَلَكوا إِليها المَسْلكَ الصَّعْب الذي ... يُنْسي الحياةَ سُلُوكُه الأَحياءَ
وتحملَّوا أَعباءَها إِذْ لم يطق ... مَن رامها أَن يَحمل الأَعباءَ
وتَجَشَّموا فيها الصَّلاح وجَرَّعوا ... كأْسَ المَنِيَّة دونَها الأَعداءَ
حتى رَعَوْا دون المُلوك رياضَها ... وتَفَيَّئوا مِن ظِلِّها الأفياءَ
واستخدموا فيها الأَسنَّة والظُّبي ... والبأْس يُزْجي الغارةَ الشَّعْواءَ
واستوطنَتْ ما بينهمْ إِذ أَنشأَتْ ... عَزماتُهم أَرواحَها إِنشاءَ
ومضَوْا وأَبقَوْا للممالك بعدَهُم ... مَن فاق بِيضَ المُرْهَفاتِ مَضاءَ
الأَكْرمَ المُحبي الظَّهيرَ وصِنْوَه ال ... سّامي الأَثير المُشْرِقَيْن ذَكاءَ
والأَشْرَفَيْن خَلائقاً والأَكْرَمَيْ ... ن طرائقاً والغامِرَين عَطاءَ
فتَشرّفتْ رُتَبُ المَعالي منهما ... بأَعزِّ مَن بَهَر الزَّمان ضياءَ
واستنجدا تِرْبَ الرِّياسة ياسِراً ... فكَفاهما الإِغضاءَ والإِرضاءَ
وغَدا السَّعيدُ بنُ السَّعيد مُقَسِّماً ... بيديهْما السرّاء والضَّرّاءَ
ومُدَبِّراً أَمرَ البرِّية عنهما ... فيما دنا من أَرضهم وتناءَى
أَصفاهما منه الوَلاء فأَصْفيا ... فيه الوِداد وأَضْفيا الآلاءَ
فلْيَبْقَيا في ظِلِّ ملْكٍ دائم الْ ... إِقبال ما دام الزَّمانُ بقَاءَ
وهَناهُما شَهرُ الصيام ومُلِّيا ... فيه التَّهاني ما استَجَدَّ، هَناءَ
وقولُه في مدح عمران بن محمد بن سبأ:
ذِكْرُ العُذَيْبِ وما ثِلاثِ قِبابِه ... وَقَفَ الفُؤادَ على أَليم عَذابِه
وَمَهَبُّ أَنفاس الصَّبا مِن جَوِّه ... فيه شِفاءُ الصَّبِّ من أَوْصابِه
فَدَعِ النَّسيمَ يَبُثُّ من أَنبائه ... خبراً على الزَّفرات رَجْعُ جوابِه
أَسْرى عليه من العُذَيب دَلائلٌ ... نَمَّت على مَسْراه عن أَسرابهِ
لَدْن المَعاطِف باعتناق غُصونه ... عَذْب المَراشف لاغتباق شَرابهِ
أَتَرَشّفُ الأَنداءَ منه كأَنَّ مَن ... أضهواه أَوْدَعها شَهِيَّ رُضابهِ
ويَشُوقُني أَنَّ المُحبَّ يَشوقُه ... لُقُيا القَريب العهدِ من أحبابِه
فَمُخَيَّمُ الأَشواق حولَ خِيامه ... وتَشَعُّبُ الأَهواء بين شِعابِه
لله أَيامُ العُذَيْب وإِنْ يَبِت ... قلبُ المُعَنُّي المُستهامِ لِما بِه
وسقى نَدى كفِّ المُكرَّم مُلتقى ... عَقِدات أَجْرَعِه وشُمِّ هِضابه
ملِكٌ لو استسقى الزَّمانُ بجُودِه ... أَغناه عن سُقيا، مُلِثِّ سَحابِه
ملِكٌ أَفاض على الزّمان بَهاءَهُ ... فأَعادَه في عُنفوان شَبابِه
ملكٌ يَشِفُّ عليهِ نُور كَمالهِ ... فيكادُ يُلْحَظ مِنْ وراءِ حجابِه
стр. 469
داني مَنالِ الجْودِ مِنْ زُوّارِه ... نائي مَحَلّ المَجدِ عن طُلاّبهِ
صَعْبُ المَقاصد ليس يرضى هَمُّه ... أَنْ يَرتقي في المجدِ غير صِعابهِ
ما عنده أَنّ المآثرَ غيرُ ما ... يسمو إِليه بحَرْبه وحِرابِه
عِزٌّ طِوالُ السُّمْر مُعربةٌ به ... إِن كان يُضْمُر في صَهيل عِرابهِ
كَلِفٌ بِكُلِّ أَقَبَّ يُوهِمُ أَنّهُ ... في الجَرْي يمْرُق من رَقيق إِهابهِ
مَرِحٌ كأَنّ الرّاحَ فيه تحكَّمتْ ... وتضرّمت باللَّوْن في جِلبابِه
يرقى ذُرى الطَّوْد ارتقاءَ وعُلوه ... صُعَداً وينقَضُّ أنقضاض عُقابِه
ما يَمْتطيه إِلى تَناوُل غايةٍ ... إِلاّ وكان النصرُ تحتَ رِكابِه
إِنَّ المُكرَّمَ معدِنُ الكَرَم الذي ... في بابه يُحوى الغِنى من بابِه
جعل الطَّريقَ إِليه فجّاً مَهْيعَاً ... جُودٌ بِحارُ الأَرضِ مَدُّ عُبابهِ
ومواهبٌ للمال من سَطَواتها ... ما للأَعادي من أَليم عِقابهِ
في كلِّ أَرضٍ من غرائب ذِكْره ... سفرٌ يُقَلْقِل ناجِياتِ ركابهِ
فإِذا تضايقتِ الشّدائدُ رَحَّبَتْ ... بوُفود أنْعُمِه فِساحُ رِحابهِ
تتزاحم الأَوصاف عند مَديحه ... كتَزاحم الآمال في أَبوابهِ
نَجْني المَكارمَ من نَداه ونَجْتلي ... أَدَبَ العُلى والعطرَ من آدابِه
وكأَنّ مُجتَمع الفضائل والغِنى ... ما بين نائله وبين خِطابِه
شِيَمٌ سناها برق كلّ فضيلة ... من مُزْنها قبل انسكاب ربَابه
وخلائقٌ خُلقِت من الكَرَم الذي ... عُدِقَتْ بَمْنصِبه عُرى أَسبابِه
يَبدو عليها نُور سُؤْدُدِه الذي ... ضَوْءُ الغَزالة دونَ ضُوء شِهابِه
ما زالَ يُعرِب يَعْرُبٌ عن فضله ... ويراه رَبَّ التّاج من أَعقابهِ
حتّى تجاوز غايةَ الشّرف الذي ... أَوْفى على تأْميله وحِسابهِ
فكفى بقحطانَ بنِ هُودٍ مَفْخَراً ... أَن أَصبحتْ تُغْزى إِلى أَنسابهِ
أَعْلى مآثِرَها وشَيَّدَ فَخْرَها ... دونَ الملوكِ بطَعْنه وضِرابهِ
وبنى لها بيتاً قواضِبُ بِيضِه ... عَمَدٌ له والسُّمْرُ من أَطنابِه
يزدادُ حُسْنُ المدح فيه وإِنّما ... يبدو جَمالُ الشيءِ في أَربابِه
ويفوزُ بالشّرف المُؤَثَّل ماثِلٌ ... بفِنائه أَو لاثِمٌ لُترابِه
زانَ الزَّمانَ وزاد في تَشريفه ... بأَعزِّ نَسْلٍ من شريفِ تصابِه
وكأَنّ عِمرانَ المكرَّمَ مُلتقى ... لُبِّ العُلى وابناه لبُّ لُبابِه
شَمْسا مطالِعه، حُساما مُلكِه ... بَدْرا مَواكِبه، هِزَبْرا غابِه
فمحمَّدٌ جارى فِرِنْدَ حُسامِه ... وأَبو السْعود به مَضاءُ ذُبابهِ
نطقتْ شهاداتُ المَخايل عنهما ... أَنْ يَلْبَسا في الفضل فضلَ ثيابهِ
يتبارَيان إِلى المَكارم نُزَّعاً ... في قَوْسها بالسُّودَدِ المُتشابهِ
واللهُ بَعْضُد مُلْكَه بهما كما ... عَضَد المَكينَ ومُلكه سامى بهِ
ولْيَبْقَ محروساً جوانِبُ مُلْكِه ... بالعِزِّ مأْنوساً شَريفُ جَنابهِ
فنِهايةُ المُثْنى عليه وإِنْ غَلا ... في وصفه التقصيرُ معْ إِطنابهِ
وقوله:
يا مُحَيّا نورِ الصَّباحِ البادي ... ونَسيمَ الرِّياض غِبَّ الغَوادي
حَيِّ أَحبابنا بمكَّةَ ما بَيْ ... ن نَواحي الصَّفا وبين جِيادِ
وقوله:
أَأَحبابنا بين الصَّفا وجِيادِ ... وأَشرفِ أَرضٍ قُدِّسَتْ وبِلادِ
стр. 470
لَئِنْ زاد طُولُ البُعدِ منكم تَمادِياً ... فقد زادتِ الأَشواقُ طول تمادي
تَلَذُّ لكم طَعْمَ الصَّبابة مُهجتي ... ويَنْعَمُ فيكم بالغَرام فُؤادي
فهل للَّيالي عَطْفَةٌ تَشْتفي بها ... حُشاشةُ مُلتاحٍ وَغُلَّةُ صادِ
وهل تسمحُ الأَيام بالقُرب إِنّه ... نِهايةُ سُؤْلي عندها ومُرادي
وقوله في مدح ياسر بن بلال:
سَفَر الزّمانُ بِواضحٍ من بِشْرِه ... وافترّ باسِمُ ثَغْره عن ثَغْرهِ
وأَضاءَ حتى خِلْتُ فَحمةَ لَيْلهِ ... طارتْ شَراراً في تَوَقُّد فَجْره
وتمايَلَتْ أُعطافُه وكأَنَّما ... عاطاه ساقي الرّاحِ ريقَةَ خَمْرِه
وتفاوحَت أَنفاسه فكأَنَّما ... فَضَّ اللَّطائمَ فيه جالِبُ عِطره
وازداد باهرُ حُسنه فكأَنَّما ... نَثَر الربيع عليه مُونِق زَهْره
واختال في حُلَل الجَمال تطاوُلاً ... بجَمال أَيام السَّعيد وعَصره
بالياسر المُغني بأَيسرِ جُوده ... والمُقْتني عِزَّ الزَّمان بأَسْره
مَنْ طالَتِ اليَمَنُ العِراقَ بفضلِه ... وسمَتْ على أَرض الشآم ومِصْره
فأَضاءَ بَدْراً في سَماءِ فَخِاره ... وصِفاتُه الحُسنى ثواقِبُ زُهره
أَوَ ما ترى الأَيّام كيف تَبَلَّجتْ ... مِن سَعْيه وتَعَطّرت من ذِكره
سَبَق الكِرام بها وأَبدى عَجْزَ مَن ... لم يَحْوها وأَبان واضِحَ عُذره
فكأَنَّما اختُصِرَت له طُرُقُ العُلى ... منها وضلّ عُداته في إِثرهِ
أَحيا معارف كلّ مَعروفٍ بها ... ومَحا معالِمَ مُنكرِيه ونُكره
وأَفاض منها في البَرِيَّة أَنْعُماً ... نَطَق الزَّمان بشُكْرها وبِشُكره
فالمدحُ مَوْقوفٌ على إِحسانه ... ما بينَ بارعِ نَظمهِ أَو نثرهِ
والعيشُ رَطْبٌ تحت وارِف ظِلِّه ... والوِرْد عَذْبٌ من مناهِلِ بِرّهِ
والسَّعْد مُنقادٌ له مُتَصرِّفٌ ... ما بين عالي نَهْيه أَو أَمرهٍ
والملك مبتَسِمُ الثّغور مُوَرَّد ال ... وَجَنات نَشوان يَميل بسُكرهِ
لمّا غدا تاجاً لَمْفِرَقِ عِزّه ال ... سّامي وعِقْداً في تَرائبِ نَحره
مُتَفرّداً دونَ الأَنام بِصَوْنه ... مُتَكفِّلاً دون الملوك بَنْصره
وهو الذي شَهِدت بباهِر فضِله ... شِيَمٌ سَمَتْ قَدْراً بسامي قدرهِ
ثَبْتُ المَواقف في لقاءِ عُداته ... ماضي العزائم في مَجاوِل فِكرهِ
مُتَصِّرفٌ عن طاعة المَلِكين في ... ما رامَهُ من نَفْعِه أَو ضَرّهِ
مُتناهِياً في النُّصْح مجبولاً عَلى ... إِخلاصه في سِرّه أَو جَهْرهِ
حَفِظَ الإِلهُ به النِّظامَ لِدَسْتِهِ ... وقضَى لسِرِّ بلادِه في سَتْرهِ
فكأَنّه اللَّيثُ الهَصورُ مُعَفِّراً ... لِجَبين مَن مُدَّتْ يَداه لِهَصْرهِ
لِمَ لا يَذُبّ الذُّعْرَ عنه وقد نَشا ... في حِجْره وغذاه فائضُ دَرّهِ
مُتَقَحِّماً فيه العَجاجَ مُضَرِّماً ... نارَ الهِياجِ بِبيضه وبِسُمْرهِ
يَسْتَنْبط المعَنْى الخَفِيَّ بلُطفه ... ويرَى المُغَيَّب من مِراءَةِ فكرهِ
ما كانتِ الدُّنيا تضيقُ بطالِبٍ ... لو أَنَّ واسِعَ صَدْرها من صدرهِ
وكأَنَّ راحَةَ كفِّه لعفُاتِه ... بحرٌ تَدَفَّق من تَدَفُّق بحرهِ
وكأَنَّما برقُ السّحائب لائحٌ ... من بِشْرِه وقِطارها من قَطْرهِ
стр. 471
للهِ إنعامُ السَّعيدِ فإِنّه ... أَغْنَى العَديمَ وسدَّ فاقةَ فقرهِ
فالوفدُ ينَعُمُ في رِياض نَعيمه ... وعَدُوُّه يَشْقى بِشِدَّة أَسْرِهِ
والرَّكْبُ يَطْوي البْيدَ نحو فِنائه ال ... سّامي وينشُر فائحاً من نَشْرِهِ
عمَّ البريَّةَ فالمُقِلُّ كأَنّه ... فيهِ أَخو المال الكثيرِ لِكُثْرهِ
وغدا بوَصْل الجُود فيها مُغْرَماً ... لَهِجاً إِذا لَهِج البخيلُ بهَجْرهِ
يا مَنْ يُحاوِل حصر أَيْسَرِ وَصْفِه ... أَين البلاغة منْ تعاطي حَصْرِه
إِنّ السّعيدَ ابنَ السّعيد أَجلُّ أَنْ ... يُحْصي مأَثِرَه البليغُ بشعرهِ
ومَدائحُ المُدَّاح فيه نتائجٌ ... مِن سَعْيه وقَلائدٌ من دُرّهِ
فلْيَبْقَ مَعْمورَ الفِناء مُخَلَّدَ ال ... نّعماء مَمْدوداً له في عُمْرهِ
ولْيَهْنِ عِيدَ الفِطرِ غُرَّتُه التي ... إِشراقُها إِشراقُ غُرَّةِ فِطرهِ
ما عاد شَوّالٌ ببهَجةِ عِيده ... وسَما الصّيامُ بفَضْل ليلة قدرهِ
وقوله في مدح عمران بن محمد بن سبأ:
فَلَكٌ مَقامُك، والنُّجومُ كُؤوسُ ... بِسعودِه التَّثْليث والتَّسْديسُ
والبدرُ وجْهُك طالِعاً في دَسْتِه ... لا البدرُ أَجْلى وَجْهَه الحِنْديس
فَأَدِرْ بها زُهْرَ الدَّراري ليس في ... ما دار مِن كاساتها مَحبُوس
ورْدِيّةٌ في كل خَدٍّ وَرْدُها ... عن رَشْف رِيقِ رُضايها مَغْروس
حمراءُ مَعْقولٌ بلُطْفِ الفِكر مَعْ ... ناها عَلَى التّحقيق لامَحْسوسُ
في مَوْقِفٍ وقَفَ الفَخار مُعرِّساً ... فيه بحيثُ أَحَلَّكَ التَّعْريسُ
يا داعيَ الدّين الذي أَنِسَ العُلَى ... في حيثُ مَغْنى الجودِ منه أَنيس
يا واحدَ العُربِ الذي يسمو بها ... يومَ التَّفاخر مجدُه القُدْموس
يا مَنْ تَطابق فِعلُهُ ومَقالُهُ ... فَسَما به التَّطبيق والتَّجْنيس
حَقُّ الكواكب أَنْ تكونَ مَدائحاً ... لك والبُروجُ صحائفٌ وطُروس
يا مَن على أَيّامِه ومُقامِه ... طِيبُ الثّناء مُوقف مَحْبوسُ
يا مَنْ سَمتْ من صِيدِ كَهْلانٍ بهِ ... هِمَمٌ وطالَتْ في العَلاء رُؤوسُ
الفضلُ عِندَكَ مُشْرِقٌ أَنواره ... وبناءُ مجدك شامِخٌ مأْسوسُ
أَنتَ المُكَرْم في المُلوك مآثِراً ... جَدُّ المُجِدّ لِنَيْلها متعوسُ
بحرٌ ولكنّ النُضارَ عُبابُهُ ... لَيْثٌ ولكنّ الذَّوابلَ خِيسُ
صَرَّفتَ صَرفَ الحادِثات عن الورَى ... مَنْعاً وَرُضْت الخَطْبَ وهو شَموس
وأَقمتَ للأَشعار أَسْعاراً وكم ... عَمَرَتْ وسِعْر بديعها مَوْكوس
بجوائزٍ تُفْني الزّمان وذِكرُها ... بلقٍ عَلَى مَرِّ الزمان حَبيسِ
ما نالها من جُودِ مَحْمودٍ ولا ... نَصْرِ ابنُ حَيُّوسٍ ولا حَيُّوسُ
وإِذا لَجا يَوْماً إِليك بحاجة ... ذو حالةٍ فالرَّحْب والتأْنيسُ
يغدو جليسُك في العُلى وكأَنَّه ... للبدرِ في أُفُق السَّماءِ جَليسُ
وتَخُصُّه بمكارِمٍ، أَنواؤها ... كَفّاك، والغيثُ المُلِثّ الكِيسُ
اللهُ خَصَّك بالثَّناءِ فثَوْبُه ... لك مَلْبَسٌ لا المُعْلَم المَلْبوسُ
واختصَّ خالصةَ الإِمام برُتبةٍ ... لجلالها التعظيمُ والتقديسُ
مولاتُنا ووَلِيَّةُ الزَّمن التي ... طالتْ كما طالتْ عُلاً بَلقيسُ
стр. 472
هي جملةٌ، لله في تفصيلها ... سِرٌّ بِعزِّ جلالها مَحْروس
إِسمٌ شريفٌ ليس يجري ذِكرهُ ... إِلاّ أَفاض سُعودَه يِرْجيسُ
قد كاد لولا صَوْنُه في حُجْبه ... قِدْماً يُبَرْهن عنه بَطْلَيْموسُ
يَرتاحُ داعي الدّين عند سَماعه ... ويَجُرّ ذيْلَ سُروره ويَميسُ
ويَفيضُ نائلُه عليه كأَنّما ... هو في اجتذاب نَداه مَغْناطيسُ
في حيثُ يَسْجُد ذو الفِخَار لِعِزّها ... ويُقَبِّل الأَرضَ المُلوكُ الشُّوسُ
يزداد إِعظاماً به ومَهابةً ... وكذا النّفيس مَدى الزّمان نَفيسُ
والنَّيِّران المُشرِقان مُحَمَّدٌ ... وأَبو السعود وصِنْوهُ المحروس
أَبناؤك الغُرُّ الذين لِعِزِّهم ... يَعْنو رئيسُ القوم والمَرْؤوسُ
تَبْدو عليهم للكمال دَلائلٌ ... لم يَلْتَبِس بوُضوحها تَلْبيسُ
سَفَروا فأَسفر مُلْكك السّامي بهم ... وأَضاءَ وجْهٌ للزَّمان عَبوسُ
وكذا بدورُ الأُفْق ليس شبيهها ... إِلاّ بدورٌ طُلَّعٌ وشموسُ
طلَعوا عليك وللمواكب مُلْتقىً ... مِن حولهِمْ للحرب فيه وطيسُ
قد حَفَّهم من صِيدِ كهلانٍ ودا ... عي حِمْيَرَ الكُردُوس والكُردوسُ
هذا خميسٌ أَنتَ تحمي دُونَه ... بَأْساً وهذا يَقْتفيه خَميسُ
يَسْعَوْن تحت لِواءِ نصرك، كلُّهم ... في الفضل مغبوطٌ به مَنْفوسُ
والحظُّ يومَ الجُودِ مِنك مُوَفَّر ... للكلِّ لا نَزْرٌ ولا مَبْخوسٌ
فافْخَر فمالك في الملُوك مُماثِلٌ ... مَنْ ذا يُقاس ومَنْ عساه يَقيس
وقوله يمدحه:
ما البرقُ من ظُلَلِ الغَمائِم أَوْمضا ... لكنَّها قُضُب العَزائم تُنْتَضى
أَمْضَى صوارِمها المُكَرَّمُ ضارباً ... إِن المُهندَّ كيف ما اسْتُمْضي مَضَى
مُتقاضِياً إِنجاد سعدٍ لم يزل ... يُجْري مُساعدةَ القَضاء بما قَضى
ومُسامِياً زُهْرَ الكواكب إِنّه ... بِسِوَى مُجاوَرةِ الكواكب ما ارتضى
بَيْنا تراهُ في القِباب مُخيِّماً ... حتَّى تَراهُ في القِيام مُقَوِّضا
مُتَعَوِّضاً بالدَّسْت صهوةَ سابحٍ ... لولا العُلى ما اخْتار أن يَتَعوَّضا
سَبَقَ الفَعَالُ القولَ منه فيا لَهُ ... سَهْماً أَصاب لنازعٍ ما أَنْبَضا
ما كان في إِبرام عُقْدةِ رأَيهِ ... بالرُّشد مُنتظِراً إِلى أَن تُنْقضا
لم يَسْتَشِرْ في السَّيْر إلا طِرْفَه ... والأَسمَر الماضي الشّبا والأَبيضا
نَهضتْ به العَزَمات عِلْماً أَنه ... لا يَفْرِس الضِّرْغامُ حتّى يَنْهضا
وأَضاءَ في الآفاقِ نورُ جَبينه ... كضِياء بدرٍ لاح أَو صُبحٍ أَضا
مَلأَ النواظِر والخواطر قاطِباً ... والبيدَ لمّا سار فيها والقضَا
عَرَضَتْ منيرات السُّعود تحفُّه ... بمواكب التأَييد لمَّا عَرَّضا
أَبَداً يُحَرِّض في المعالي نفسَهُ ... حَسْبُ العُلَى بالرأي منه مُحَرِّضا
وكأَنّما أَعدى السُّيوف بَبأسه ... فتَعلَّمتْ منه التَّوَقُّد والمَضا
فلْيَسْلُ غايَته المُجاري، لَمْ يَدَعْ ... رَكْضُ السّوابق للَّواحق مَرْكَضا
ما كلُّ مَنْ طلب الكواكب طامِعاً ... في قبضها مُتَمكَّنٌ أَن يَقْبضِا
لم تَرْضَ إِلا سَعْيَه رُتَبُ العلَى ... إِنّ الشريف من المَساعي يُرتَضى
ثَبتَتْ به قدمُ السعادة وانجلتْ ... حُجَجٌ أَبتْ آياتُها أَنْ تُدْحضا
стр. 473
رَفَعَ الإِلهُ على المُلوك مَحَلَّهُ ... وقَضَى لحاسِد عِزِّه أَن يُخْفَضا
واختَّصه بسَوابغٍ من لُطفه ... وأَفاضَ أَنْعُمَه عليه وقَوَّضا
ولَئِنْ عَرا خَطْبٌ فأَمْرَضَ أَرْضَهُ ... فعَلى ظُباه شِفاءُ ما قدْ أَمرضا
أَو ناب عارضُ عِلَّةٍ فقدِ انجلى ... مُتَكَشِّفاً ما ناب منه وانقضى
أَو كان أَعْرَض مُسْتَجِمّاً رأْيَهُ ... فيها فوجْهُ قيامِه ما أَعْرَضا
وعلى عزائمه الشَّريفة أَنَّها ... تَجْزي بِضِعْفي قَرْضِه ما أَقْرضا
فالدَّيْنُ ليس بمانعٍ إِرجاؤه ... من أَنْ يُكذِّبه الغَريمُ ويُقْتَضي
فلْيَحْفُ طِيبَ الغُمْض جَفنٌ بات في ... أَسْهاره مُتَيَقِّظاً ما غَمَّضا
وَلْيَرِميَنَّ الناكثين بجِحْفلٍ ... لَجِبٍ يُصَرِّفُ فيهمُ صَرْفَ القَضا
كالعارِض المُسْوَدِّ إِلاّ أَنَّهُ ... باللاّمعات يَشِفُّ عن ماءِ الأَضا
يمتَدُّ عِثْيَرُهُ دُخاناً كلَّما ... بَدَتِ الصَّوارمُ فيه ناراً تُحْتَضى
ولتَشْفيَنْ قلبَ المُحِبَّ وقائِعٌ ... منه يبُيدُ بها العدُوَّ المُبْغِضا
وَلْيَرْجِعَنَّ به الجَموحُ شَكيمةً ... سَلِسَ المَقادةِ في السّياسة رَيِّضا
فالإِمَ يا هَمْدان إِغْماضُ الظُّبي ... صَوْناً وذا سيفُ الإِمامة مُنْتَضى
شُنْوا بها الغاراتِ رَكْضاً إِنَّما ... عِزُّ السَّوابق أَنْ تُشَنَّ وتُرْكَضا
واسْتخدِموا بِيضَ الصِّفاح وعَرِّضوا ... سُمْرَ الرِّماح لمَنْ بَغى وتَعَرَّضا
وتَيَقَّنوا أَنَّ الضَّراغم عِزُّها ... إِنْ تُمْسِ في الأَجَماتُ تُمسي رُيَّضا
والْبِيضُ أَشرفُ ما تَكونُ قَواطِعاً ... لا أَنْ تُذَهَّبَ حِلْيَةً وتُفَضَّضا
واستمْسِكوا بعُرى المُكَرَّم وارفُضوا ... ما أَوجبتْ آراؤه أَنْ يُرْفَضا
فهو العِماد ومجدُ قحطانٍ به ... يَسْمو افتخاراً مَنْ يَجيء ومَنْ مضى
إِن طال أَو عَرُض الثنَّاءُ بوَصْفه ... فبما أَطال الجودُ منه وأَعرضا
يزدادُ طِيباً في الإِعادة مَدْحُهُ ... والمِسْكُ أَعبَقُه إِذا ما خوّضا
لله عِمرانُ المُكَرَّمُ إِنَّهُ ... أَغضى وقد أَصْلى العِدى جَمْرَ الغَضا
قَسَمَ العِنايةَ لِلْبلاد مُرَقْرِقاً ... مِنْ ماءِ رَوْنَق حُسنِها ما غُيِّضا
وسقى العِطاشَ بِزاخرٍ من جُودِه ... أَغْنى به الوُرّادَ أَنْ تَتَبَّرضا
فكأَنَّه ساري السَّحائِبِ ما انتحى ... أَرْضاً بوَفْد حَياهُ إِلاّ رَوَّضا
طُبِعَتْ على الشِّيَم الشَّريفَةِ نفسُه ... فكَفَتْ طهارة ثَدْيها أَنْ يُرْحَضا
وصَفَتْ خلائقُه التي لو مازجَتْ ... صَفْوَ الزُّلال بطَبْعها ما عَرْمَضا
مُتَصَوِّرٌ ما في الخواطِر عالِمٌ ... فَحْوى المُخاطِب مُفْحِصاً ومُعَرِّضا
فاقَ المُلوكَ مَكارِماً وعَزائِماً ... وَسِعَتْ وَلِيّاً في الأَنام ومُبْغضِا
فكأَنَّما النَّعْماءِ والبَأْساءُ لا ... تَنْفكُّ بَيْن السُّخْطِ منه والرِّضا
فَلْيَبْق بَمْحَضُه الزَّمانُ وَلاءَه ... طَوْعاً فَحُقَّ لِمِثْله أَن يُمْحَضا
وقوله يمدحه:
العِزُّ في صَهَواتِ خَيْل الدّاعي ... مُتَمَطِّراتٍ يومَ يدعو الدّاعي
لُحُقُ الأَياطل، بالقساطل قَنَّعَتْ ... وجهَ النَّهارِ من الدُّجى بِقِناع
تَرْنو فتَحْوي ما رأَتْهُ كأَنَّما ... خُلَِقْت لَواحِظُها من الأَبْواعِ
стр. 474
من كُلِّ مُبْيَضِّ الأَديم كأَنَّه ... من ماءِ دُرٍّ في الصَّفاءِ مُماعِ
أَو كُلِّ وَرْدٍ وَرْدُ رَوْضةِ جسمِه ... مُتَفَتِّحٌ في مائس الأَقماعِ
أَو أَصْفرٍ أَبْقى على سِرْبالِهِ ... طَفَلُ العَشايا منهُ فَضْلَ شُعاعِ
أَو أَدْهَمٍ كاللَّيل إِلاّ أَربع ... خاضَتْ صَباحَ جَبينه اللَّماعِ
تلك التي يقَضْي لِعَقْد لِوائها ... بالنَّصْر صِدْقُ حَفائِظٍ ومِصاعِ
ويَقُودها شُعْثَ النَّواصي شُرَّباً ... ماضي العزائم صادِقُ الإِزماعِ
مَلِكُ المُلوك عظيمُها عِمْرانُها ... والدّاعي ابن الدّاعي ابِن الدّاعي
نَسَبٌ كإِشراق الصَّباح يُمِدُّه ... إِشْراقُ بِيضِ فضائلٍ ومَساعِ
مَلِكٌ زُرَيْعيّ النِّجار مُؤَيَّد ال ... أَنْصار رَحْبُ البابِ رحبُ الباعِ
مَشْبوبةٌ فوق الكواكب نارُهُ ... لا في ذُرى عَلَم، وَقُورِ بِقاعِ
مَلِك غَرِائبُ مَدْحِه وحَديثِه ... نُزَه العْقول ونُجْعَةُ الأسماعِ
مَلأَ الزَّمان جَلالةً ومَهابةً ... مِلء النَّواظر مِلء سَمْعِ الْواعي
ما أَجمعَتْ إِلاّ على تفضيله ... بينَ البريَّةِ أَلسنُ الإِجماعِ
يَجْلو فضائَله الْعِيانُ وإِنَّما ... حُكْمُ العِيان يُزيلُ كُلَّ سَماعِ
مَلكٌ ولاياتُ البلاد وعزلُها ... ما بين قَطْعٍ منه أَو إِقطاعِ
متكفِّلٌ دفعَ الخُطوبِ عن الورى ... في حين أَعْيا الخطبُ كلَّ دِفاعِ
يَسَعُ النَّوازِلَ ضاقتِ الدُّنيا بها ... برحيبِ صدْرٍ، لا يَضيقُ، وَساعِ
فكأَنَّما هي في فَضاءِ ضَميره ... سِرٌّ من الأَسرار غيرُ مُذاعِ
يحمي بِهيبته الجْيوشَ إِذا هَفَتْ ... أَبطالُها بالْمَعرَك الجَعْجاعِ
ويلوذُ يومَ الرَّوْع من سَطَواته ... بالأَمْن قلبُ الخائف المُرتاعِ
لا تَحْجُب اللاّماتُ عن أَلِفاتِه ... في الطعن ما في الحُجْب والأَضلاعِ
هذه صنعة طريفة، ونكتة لطيفة.
في حيثُ عِقبان الحِمام حَوائمٌ ... في النَّقْعِ واقعةٌ بلا إِيقاعِ
والخيلُ تَعْثر بالرؤوس من العِدى ... وتَخُوض في عَلَقٍ بِهِنَّ مُساعِ
يتقدَّمُ الإِنذارُ وَعْدَ مَغارِه ... لا عن تَرَقُّبِ غِرَّةٍ وخِداعِ
ومواكبٍ سالتْ بها عَزَماته ... كعُبابِ مَوْجٍ أَو سُيول تِلاعِ
خَفَقتْ بها أَعلامُه فكأَنَّها ... في الرَّوْع خافقةً قلوبُ رَعاعِ
وأَزارها أَرضَ الأَعادي صائِلاً ... لا كائلاً صاعَ الطِّعان بِصاعِ
ما بينَ أُسرته الأُولى ما منهمُ ... إلاّ مُدَبِّرُ دولة أَو راعِ
آل الزُّرَيْعِ الزّارعين من العُلى ... والمجدِ ما يسمو عن الزُّراعِ
والنّازِعين بِحُرّ أَشْطانِ القَنا ... مُهَجَ العِدى نَزْعاً بغير نِزاعِ
أَسَدٌ يسير من القَنا في غابةٍ ... ويجرُّها للطَّعن سودَ أَفاعِ
كم عَفَّروا يومَ المَعافِر من فتىً ... ومُقَنَّعٍ أَرْدَوا بِقيعةِ قاعِ
لمّا تبادَرَ غُلْبُ هَمْدانٍ وقد ... هَمَّ العُداةُ هُناك باسترجاعِ
واستبْطَنوا الأوجاع فَرْطَ مَخافةٍ ... فأَتى الرَّدى منهم على الأَوْجاعِ
وتَصدَّع الشَّمْلُ المُؤَلَّفُ منهمُ ... بِظُبيً تُزيل مَحلَّ كلِّ صُداعِ
والنَّصلُ في نَصْرِ المُكَرَّم رائع ... في أَنفُسٍ ممن عصاه شَعاعِ
стр. 475
وبَنُو زُرَيْعٍ منه قد لَجأوا إلى ... سامٍ بِعزِّ لوِائهم مَنّاعِ
ما إِن تَخُطُّ يدُ العُلى أَوصافَه ... إِلاّ بسُمْر الخَطّ لا بِيَراعِ
لو أَنّ تُبَّع كان أَدركَ عَصرَه ... أَضحى له من جُملةِ الأَتباعِ
خَضعَت له غُلْبُ الملوك وإنّما ... خضعتْ لضرّارٍ لها نَقّاعِ
وعَنَتْ لعالي القَدْر منه مُؤَيِّدٍ ... ماضي الأَوامر في الزَّمان مُطاعِ
مُتجاوزٍ غاياتِ كلِّ فضيلةٍ ... لم يَختلج بخَواطِر الأَطماعِ
ما زال يُتْرِعُ في المواهب إِنَّما ... إِتراع طيب الذكر في الإِتراعِ
مُتَدَفِّق كرماً وبأْساً ما لَهُ ... عن ذا ولا عن ذاك مِنْ إِقلاعِ
إِن صال أَوجَبَتِ النِّصال تباين الْ ... أَوْصالِ بعدَ تآلُفِ الأَوْضاعِ
أَوْ جادَ آذَنَ مالُه خُزّانَه ... لا عن قِلىً، بتَشَتُّتٍ ووَداعِ
والمالُ مُقْتَسَمٌ مُشاعٌ عندَه ... بيدَ النَّدى، والمجدُ غيرُ مُشاعِ
فكأَنَّما هو للعُفاةِ وَدائعٌ ... في كفِّه مضمونةُ الإِيداعِ
يَحْظى مُجالِسُه بأَشرفِ رُتَبةٍ ... ما بين عِزِّ عُلى وخِصْب مَراعِ
فكأَنَّ مَنْ يُمسي جليساً عنده ... يُمسي جليسَ البدر لا قَعْقاعِ
لا يَرْتضي سَمْعُ الفضائل منه أَن ... يُصْغي لِساعٍ في الورى لَسّاعِ
ويَسُرُّه السّاعي إِلى أَبوابه ... مُستمْطِراً سُحُبَ النَّدى لا السّاعي
وله من الأُمراءِ أَقمارٌ حَكَوْا ... منه شَريفَ خَلائق وطباعِ
وُلِدوا على دين العُلى واسْتُرْضِعوا ... دَرَّ المَكارم عنه خيرَ رِضاعِ
فمحمَّد للحمد تبعثُه على الْ ... إِطْناب فيه بَواعثٌ ودَواعِ
وأَبو السُّعودُ له حليفٌ مُسْعِدٌ ... في الفضل يخفظُ فَضْله ويُراعي
وشواهِدُ المَنصورِ تَشْهد أَنَّه ... ما الظَّنُّ في عَليائه بمُضاعِ
أُمراءُ مُلْك رَتّبوه وأُوطِئوا ... منه أَعَزَّ مَواطنٍ وبِقاعِ
فبقيتَ يا داعي الدُّعاة مُمَتَّعاً ... بالكلِّ منهم أَفضلَ الإِمتاعِ
أَبدعْتَ في كرم الفَعال مبرِّزاً ... فارشِفْ ثُغورَ مَراشِف الإِبداعِ
مِدَحٌ بها غَنُّى الرُّواةُ ورَجَّعتْ ... أَصواتَ وُرِْق الأَيْكِ بالأَسْجاعِ
وقوله في قصيدة ابتدأ فيها بوصف مكة والبيت الحرام ومواقفها العظام ويثرب مدينة النبي ﵇ ويتشوق أهلها، ويذكر كرمها وفضلها:
لي بالحجاز غَرامٌ لست أَدفَعُهُ ... ينقاد قلبي له طَوْعاً ويَتْبَعُه
يَهُزُّني البرقُ مَكِّيّاً تَبسُّمُه ... إِذا تراءَى حِجازِياً تَطَلُّعه
ويَزْدَهيني لقاءُ الوَفْدِ أَلحظه ... من جَوّه وحديثُ الرَّكْبِ أَسُمَعُه
وفائحُ الرِّيحِ مِسْكِيّاً تأَرُّجُه ... من طيب رَيّاه نَدِّياً تَضَوُّعه
وهاتِفُ الوُرْقَ في فَرْعِ الأَراك به ... يُرَدِّدُ اللَّحْن شَجْواً أَو يُرَجعِّه
كلٌّ إِلىَّ حَبيبٌ من أَماكنه ... مُمَكَّنُ الفضل في صَدْري مُمَنَّعه
جِيادُه والصَّفا منه وَمَرْوَتُه ... ومُتّكاه وما يَحوي مُرَبَّعُه
وأَخْشَباه وودايه وأَبْطَحه ... جَديبُه، لا رأَى جَدْباً، وَمَرْبَعُه
ومَوْقِفُ الحَجِّ في سامي مُعَرَّفه ... وما تَحُدُّ مِنيً منه وتَجْمعه
والبيتُ، والبيتُ أَعلى أَنْ أُجِدَّله ... وصْفاً، وتعظيمُه عن ذاك يرفعه
стр. 476
في حيثُ حُجّاجه تعلو وقُصَّدُه ... عِزّاً، وسُجَّدُه تسمو ورُكَّعه
ومنهجُ الفَوْز بادي القصد واضحُه ... ومَنْهَل الجود طامي الوردِ مُتْرَعه
وفي رُبى يَثْرِبٍ غاياتُ كلِّ هوىً ... يَجِلُّ عن مَوْقِع الأَشواق موقعه
أُفْقُ الشَّريعة والإِسلام طالعةً ... شُموسُه، مُسْتجاش النَّصْر مُتْبَعُه
حيث النُبُوَّةُ مضروبٌ سُرادِقُها ... والفضلُ شامِخُ طَوْدِ الفَخْر أَفْرُعُه
وحيث كان طريقُ الْوحي مُتَّضِحاً ... بين السماءِ وبين الأَرضِ مَهْيَعة
وخاتمُ الأَنبياءِ المصطفى شَرَفاً ... محمدٌ باهِرُ الإِشراق مَضْجَعُة
صلّى الإِله عليه ما تكرّر بال ... صّلاة فرضُ مُصَل أَو تَطَوُّعُه
والمسجدُ الأَشرف السّامي بموضعه ... مَعقودُ تاج العلى منه مُرَصَّعه
وللشَّفاعة أَبوابٌ مُفتَّحَة ... مُشَفَّعٌ مَنْ بمعناها تَشَفُّعه
مَحَلُّ قُدْسٍ وتشريفٍ يُجَرُّ به ... ذيْلُ الجَمال على ذي المال يدفعه
يَشُبُّ نيرانَ أَشواقي غليلُ هوىً ... إِليه ليس سِوى مَرْآه يَنْقَعُه
ويستمِدُّ حَنيني كلُّ مُنْحَنَأٍ ... منه وعامِره الزّاكي وبَلْقعه
عَقيقُه وقبُاه والْبقيعُ وما ... يَحُدُّ أُحْدٌ لِمَن في الله مَصْرَعه
تلك المواقف، لا بَغْدادُ موقِفُه ... والكَرْخ مُصْطافُه منها ومرْبعه
وَهْي الهْوَى لا رُبى نجدٍ ورامتُه ... ولا العُذَيْبُ وواديه وأَجْرَعه
مُسْتَنْزَلُ الفوْزِ والغفُران مَهْبِطه ... ومُلْتَقى كلِّ رِضوان ومَجْمَعُه
أُحبِّه وأُحبّ النّازلين به ... وما تَضُمُّ نَواحيه وأَرْبُعه
طَبْعاً جُبِلْت عليه في الغرام به ... وأَينَ مِنْ طَبْعِ مَنْ يَهْوى تَطَبُّعُه
كسانِيَ الحُبُّ ثوبَ الإِفتتانِ به ... ولست حتّى بِخَلْعِ الرُّوحِ أَخَلعُه
أَستودِعُ الله فيه كلَّ مُنفرِدٍ ... بالفضل يُودعِ شَجْواً مَنْ يُوَدِّعه
يَكاد يَجْري مجاري النَّفْس جملتُه ... لُطفاً ويُذْهِلُ مَرآه ومَسْمَعُه
وجيرةٍ في جِوار الله يَنْزِع بي ... شَوْقٌ إِلى قُربهمْ في الله مَنْزِعه
مِنْ كلّ مَنْ بَغَّض الدُّنْيا تَوَرُّعُه ... عنها وبَغَّض ما يَحوي تَبَرُّعُه
كأَنّما الروض يَجْلو ما يُفَوِّفُه ... من خُلْقه ويُوَشِّي ما يُوَشِّعُه
فيا سَنا البارق المكّيِّ يَشْهَرُ من ... إِيماضِه الأُفقُ عَضْباً أَو يُشَعْشعه
قُلْ للأحبّة عني قول من حُنِيَتْ ... على الوفا لهمُ والشوْقِ أَضْلُعه
هل حافظٌ عَهْدُ ودّي من حَفِظْتُ له ... على النَّوى عَهْدَ ودٍّ لا أُضْيِّعه
أم هل تُجَرِّعُه مما تُجَرِّعُني ... في البعد كأسُ الأَسى أَم لا تُجَرِّعه
أَم هل يَهُزُّ ادّكاري عِطْفَه طَرَباً ... وتَسْتَهِلُّ كدمعي فيه أَدْمُعه
وإِن يكن طال مَرْمى الْبَيْن أَو قَطَعَتْ ... يداه ما ليس أَيْدي الْوَصلِ نَقطعه
فما تغيَّرْتُ عن مَحْضِ الصّفاءِ لهم ... ولا تكدَّر وِرْدٌ طاب مَشْرَعه
مَحَلُّ كلِّ لحبيبٍ حيث يعلمه ... منّي وموضعُه في القلب موضعه
هيهْاتَ ما شَغفي مما تُقَسِّمه ... سوانِحُ الرَّأْي أَو مما تُوَزِّعه
فلا عَدِمْتُ هوىً منهمْ يُحاولني ... فيه النَّوى بسُلُوٍّ عَزَّ مَطْعَمُهُ
стр. 477
وحَبَّذا الرَّكْبُ يُبْدي من حديثهم ... ما يَجْبُر القَلْبَ تَعْليلاً ويَصْدَعه
وحبَّذا طيبُ أَنفاسِ النَّسيم سرى ... عنهم كما فاحَ مِسْكٌ فُضَّ مُودَعه
فهل أَخو دَعْوَةٍ في الله تنَهضُ بي ... عنايةُ الذِّكر منه أَو تَضَرُّعُه
وجاد تلك الرُّبا هامٍ تَبَجُّسُه ... يَجُول من مائه فيها تَمَيُّعُه
وقوله:
حيّاكِ يا عَدَنُ الحْيَا حَيَّاكِ ... وجَرى رُضابُ لَماه فَوْقَ لمَاكِ
وافترَّ ثَغْرُ الرَّوْضِ فيكِ مُضاحِكاً ... بالبِشْر رَوْنَقَ ثَغرِك الضحّاكِ
وَوَشَتْ حدائقُه عليكِ مَطِارفاً ... يَخْتال في حَبَراتها عِطْفاكِ
فلقد خُصصتِ بسِرِّ فَضْلٍ أَصبحتْ ... فيه القلوبُ وُهُنَّ من أَسْراكِ
يَسْري بها شوقٌ إِليك وإِنَّما ... للشَّوْقِ جَشَّمها الهوى مَسْراكِ
أَصبو إِلى أَنفاس طِيبِك كلَّما ... أَسْرى بنفحتها نسيمُ صَباكِ
وتُقِرُّ عيني أَن أَراك أَنيقةً ... لا رملَ جَرْعاءٍ ورملَ أَراكِ
كم من غريبِ الحسنِ فيكِ كأَنّما ... مَرْآه في إِشراقه مَرْآكِ
وفواترُ الأَلْحاظِ تصطادُ النُّهى ... أَلحاظُها قَنْصاً بلا أَشْراكِ
ومَسارِحٌ للعيش تُقتطَفُ المُنى ... منها وتُجْنى من قُطوفِ جَناكِ
وعلامَ أَستسقي الحَيا لكِ بعدما ... ضَمِن المُكَرَّمُ بالنَّدى سُقياكِ
وهَمَتْ مَكارمُه عليك فصافَحَتْ ... عن كفّه مَغْنى الغِنى مَغناكِ
وحَباكِ بالإِيثار عنه فَجَرَّ عن ... إِيثارِه ذيلَ الثَّراءِ ثَراكِ
وتأَرَّجتْ رَيَّاكِ مِسْكاً عندما ... عَبِقَتْ بِرَيّا ذِكْرِه رَيّاكِ
فَلْيَهْنِكِ الفخرُ الذي أَحرزْتِه ... بِعُلاهُ حَسْبُك مَفْخراً وكَفاكِ
قَرَّتْ عُيونُ الخلق لاستقرارِه ... بكِ فَلْتَقَرَّ بِقُرْبه عَيْناكِ
شَرُفَتْ رُباك به فقد وَدَّت لذا ... زُهْرُ الكواكب أَنَّهنَّ رُباكِ
مُتَبَوِّئاً سامي حُصونِك طالعاً ... فيها طلوعَ البدرِ في الأَفلاكِ
بالْتَعكُر المحروس أَو بالمنظر الْ ... مأْنوس نَجْمَيْ فَرْقَدٍ وسِماكِ
وله الحُصونُ الشُّمُّ إِلاّ أَنّه ... لحلوله بك طالها حِصناكِ
فالمِسْك تراب أَرضِك مُذْ غدا ... لك قاطِناً والدُّرُّ مِنْ حَصْباكِ
وكأَنَّ بحركِ جودُه مُتَدَفِّقاً ... لو لم تَخُضْه سَوائرُ الأَفلاك
مَلِكٌ لو أن الغيثَ جاد كجُوده ... لم يُلْفَ في أَرضٍ لفقرٍ شاك
سَبْطُ الأَنامل بالمكارم لا يَرى ... إِمساكَه إِلاَّ عن الإِمساك
لا قَدْرَ للدُّنْيا لديه كأَنَّه ... في بَذْل زُخْرُفِها من النُّسّاك
أَدْنى مواهِبِهِ الأُلوفُ سريعةً ... مُتَفرِّداً فيها بلا إِشراكِ
ما اختَصَّ في الدُّنْيا سواه بفَضْلها ... مَلِكٌ من الباقين والهُلاّكِ
فالْجودُ مبتَسِمُ الثُّغور ببَذْله ... أَبداً وبَيْتُ المال منه باك
من دَوْحَة الشَّرف الزُّرَيْعيّ التي ... وَشَجَتْ بأَصلٍ في المَفاخر زاك
وسَراةُ قَحطانٍ بحيثُ مَعاقِدُ التِّي ... جان فوقَ أَسِرَّةِ الأَمْلاكِ
يُرْدي العِدى بالرأْي وهو مُخَيِّمٌ ... كَمْ من سُكونٍ فيه بَطْشُ حراك
سَلَّتْ يدُ الإِسلام منه مُهَنَّداً ... مُتَحَكِّماً في هامةِ الإِشراك
стр. 478
وإِذا سَما بالجْيش آذنَ كلَّ من ... نَهضَتْ إِليه جُيوشُه بهَلاك
شِيَمٌ كَمَوْشِيِّ الرّياض وراءَها ... عَزمٌ كَحَدِّ الصَارم البنّاكِ
يتلو مآثِرَها الزَّمان بأَلْسُن ... فُصُحٍ فيعجَزُ عن مدى الإِدراك
بَهَرتْ فضائلُه العُقولَ فما عسى ... يأْتي الثَّناءُ به ويَحْكي الحاكي
فَلْيَهْنِه المُلكُ الذي قال العُلى ... للدّينِ والدُّنيا به بُشْراكِ
ولْيَبْقَ تخِدُمُهُ السُّعودُ كأَنّها ... أَسرى لَدَيْه لا تُرى لفِكاك
جَذْلان، ما استدعَتْ بواعِثُ نفسِه ... كأْسَ المُنى إِلاّ أَجَبْنَ بِهاكِ
وقوله يمدح الأميرين ابني عمران:
هو مَفْخَرٌ فوق السِّماك مُخَيِّمُ ... ومآثرٌ من دُونِهّن الأَنْجُمُ
وعُلىً على وجْهِ الزَّمان نَضارَةٌ ... منها وفي ثَغْر الكمال تَبَسُّمُ
ومكارمٌ شَرَع المُكرَّمُ دينَها ... وحَكاه فيما سَنَّ منها الأَكرمُ
وتَلا مآثِرَه الأَثيرُ وهكذا الْ ... اَشْبال تَفْري ما فَراه الضَّيْغَمُ
مَلِكان للمُلْكِ الخَطير تطاولٌ ... بهما وللزَّمَن الأَخير تَقَدُّمُ
قمران في أُفُق النَّهار، وفي النَّدا ... بَحران، ذا طامٍ وهذا مُفْعَمُ
يَتَبارَيان فضلائلاً وفواضلاً ... وكلاهما فيما أَحَبَّ مُحَكَّمُ
فإِذا جرى ذِكْرُ المُلوك فَعَنْهما ... بالفضل أَلسنةُ الزَّمان تُتَرْجم
وإِذا الكِرام تطاوَلَتْ لِمَداهما ... قَصُرَتْ وأَينَ من السَّنام المَنْسِمُ
وإِذا أَفاضا في البيان وأَعْربا ... نُطْقاً فَسَحبانْ الفَصاحةِ مُفْحَمُ
فكأَنْ أَلسنةَ البلاغةِ عنهما ... تُملي بديعَ القول أَو تتكلم
فتكادُ تَنْظِمُ دُرَّ ما فاها به ... لو أَنَّ دُرَّ القول مِمّا يُنظمُ
سَبَقا إِلى العَلْياءِ في سِنِّ الصِّبا ... وتناولا أَقصى الذي يُتَوَهَّمُ
وتَسَنَّما رُتَب الفَخار وجاوزا ... في العِزِّ مَنْ يَسْمو ومن يَتَسَنَّمُ
وتعاظما كرماً وشادا في العُلى ... ما كان شادَ مُعَظَّمٌ ومُكَّرمُ
فالمجدُ مَوْقوف عليهم والنَّدى ... وإِليهما دونَ الأَنام مُسَلَّمُ
والوفْدُ مُنتجِعٌ إِلى مَغناهما ... إِذ في أَكُفِّهما السَّحابُ المُثْجِمُ
والرَّكبُ إِما مُسْتَقِلٌّ بالغِنى ... أَو قاطنٌ أَو قاصدٌ ومُيمِّمُ
لا يَسْأمُ الوفدُ الوُرودَ إِليهما ... ونداهما مُتَدَفِّق لا يَسْأَمُ
جعلا بِقاعَهما الشَريفَة مُلْتَقىً ... إِذ للنَّدى عَلمٌ هناك ومَعْلَمُ
فهلمْ ببابِهمُ الشّريفِ تَزاحُمٌ ... وكذا التزاحمُ حيث يُلفَى المَغْنَمُ
ولكلِّ أَرضٍ مَوْسِمٌ ولَدَيهْما ... في كلّ يوم بالمواهب مَوْسِمُ
ولو أنَّ هامي السُّحْبِ دام، حَكاهما ... لكنَّ جُودَهما أَعمُّ وأَدْومُ
نشآ عَلَى دينِ المَكارِم والنَّدَى ... واستنبطا بالعلم ما لا يُعلَم
واستعبدا السّاداتِ بالنِّعَمِ التي ... أَضحى لها في كلِّ جِيدٍ مِيسَمُ
فهي القلائدُ في الرِّقابِ وإِنَّما ... أَسنى القلائدِ في الرِّقاب الأَنْعُمُ
وأَمدَّ سَعدَهُما الإِلُه بِسَعْدِ مَن ... تُسْدي العَوارِف في الإِله وتُنْعمُ
مولاتِنا السّامي محل فَخارِها ... في حيث لا يسمو السُّهى والمرْزمُ
ووليَّةِ الفضل التي إِفضالها ... يَحْيا به العافي ويَغْنى المُعْدمُ
وعزائمُ الشَّيخ السعيد فإِنّه ... مُذْ كان، ماضي العَزْم فيما يَعْزِمُ
стр. 479
مُتَيَقِّظاً في صَوْن مُلْكِهما الذي ... عَزَماته جيشٌ لَدَيْه عَرْمرمُ
شَهَراه واعتمدا عليه لأَنَّه ... مِقدامُ بأْسٍ في الوغى وَمُقدَّمُ
يَرْمي فيُصْمي مَنْ رماه كأَنّما ... آراؤه في كلُّ بُعْدٍ أَسهُمُ
وحمى البلاد وضَمَّ مِن أَطرافها ... بالحْزْم يَعْقِد مِنْ قِوُاه ويُبْرِمُ
فلذلك حَلَّ لديهْما في رُتبةٍ ... بَعُدَت على إِدراك مَنْ يَتَوَسَّمُ
نِعَمٌ مُجَدَّدَةٌ أَقَرَّ قَرارَها ... فيمن يَليق به الكريمُ المُنْعِمُ
فلْيَسلَما في ظِلِّ مَلْكٍ عزمُه ... مِنْ دونه فيمَنْ عَصاه مِخْذَمُ
وهَنا هُما العيدُ الذي إِشراقُه ... بهما وروضُ الحُسن فيه مُنَمَنمُ
تمضي اللَّيالي والزَّمانُ عليهما ... وكِلاهُما عالي المَراتِب أَعْظَمُ
في دَوْلةٍ إِقبالها لا ينقضي ... أَبداً وعُروةُ عِزِّها لا تُفْصَمُ
وقوله:
حَنَّ والمُشتاق حَنانُ ... مُستهامُ القلبِ وَلْهانُ
مُسْتَرَقٌ في فُنونٍ هوىً ... والهَوى والحبُّ أَفنانُ
يَمَنِيُّ بالحجاز له ... سَكَنٌ ما عنه سُلوانُ
ومُعَنىّ بالخَليط ومِنْ ... دُونِه لِلْبَيْنِ إِمعانُ
أَين مَّمِنْ دارُه عَدَنٌ ... جِيرةٌ بالْخَيْفِ قُطّانُ
وَيْحَ مَنْ يهوى فليس له ... غيرَ سُحْبِ العَيْن أَعوانُ
يهتدي كلُّ لمَقْصِدِه ... وهو ساهي اللُّبِّ حَيْرانُ
كلَّما ناح الحمام هَمى ... مُسْتَهِلٌّ منه هَنّانُ
أَوْ بكى في النّاسِ ذُو شَجَنٍ ... شَجْوَه، أَبْكَتْهُ أَشجانُ
وَلَئِن غاضَت مدامعُهُ ... فهو الأَشْواق مَلآنُ
يا حَمامَ الأَيْكِ هل عَلِقَت ... بك من بَلْواه أَشْطانُ
أَم هَل استَمْلَيْتَ لَوعَتُه ... فهي في شَكْواك أَلحانُ
لا تُساجِلْه الغَرامَ فما ... في تعاطي ذاك إِمكانُ
خَلِّ مَيْدانَ الحنين لِمَنْ ... قلبُه للشَّوْق مَيْدانُ
أَنتَ تَبكي مُفْحَماً وله ... بِبُكاءِ الإِلْف تِبْيانُ
وعليه لا عليكَ من الْ ... حُبّ آثارٌ وعُنوانُ
ولك الآُلاّفُ تَجْمَعها ... بك أَوراق وأَفنانُ
وهو فَرْدُ الوَجْد قد بَعُدَت ... عنه أَحبابٌ وجِيرانُ
وغريبٌ في مَواطنه ... والهوى لا الدّارُ أَوطانُ
ما شَجاهُ البانُ مُنْثَنِياً ... بل هَوى مَنْ دارُه البْانُ
أَيُّها العُذّال حَسْبُكُمُ ... إِنَّ بعض العَذْل عُدْوانُ
ساعِدوا المُشتاق أَو فَدَعُوا ... مَن له عن شأنِكُم شانُ
لا تلُوموه على حُرَقٍ ... في الْحشا منهنَّ نيرانُ
واعذِروه في تَمايله ... كلّما هزَّتْه أَحزانُ
إِنّ كأْسَ الشَّوْق مُتْرَعةً ... ساوَرْتُه فهو نَشْوانُ
وحُمَيّا الحُبِّ فيه سَرتْ ... ولها سِرٌّ وإِعلانُ
فأَعينوه ولو بِعَسى ... لِلْجوى فالحرُّ مِعْوانُ
واسأَلوا رَكْب الحجاز له ... إنْ أَلمَّتْ منه رُكبانُ
هل هَمى دَمْعُ الغَمام به ... واستَهلَّتْ منه أَجفانُ
أَم عُهودُ الودّ عامرةٌ ... وسكونُ الخَيْف سكانُ
وَهل البَطْحاء مُعشِبةٌ ... منه والريّان رَيّانُ
стр. 480
أَم هل الأَحباب فيه عَلى ال ... عهدِ والخُلاّن خُلاّنُ
وقوله:
ليت ساري المُزْنِ أَسرى مِنْ مِنى ... نابَ عن عَينْي فسقى أَبْيَنا
واستَهلَّت بالرُّقَيْطا أَدْمُعٌ ... منه تَستْضحك تلِك الدَّمَنا
فكسا الْبَطحاءَ وَشْياً أَخضراً ... وأَعار الجوَّ نَوْءاً أَدْكنا
أَيْمَن الرَّمْل وما عُلِّقْتُ من ... عَقِداتِ الرّمل إِلا الأَيْمنا
وَطَنُ اللهو الذي جَرَّ الصِّبا ... فيه أَذيال الهوَى مُسَتْوِطنا
تلك أَرضٌ لم أَزَلْ صَبّاً بها ... هائماً في حُبِّها مُرْتَهَنا
هي ألْوتْ بحبيبي فالْهوى ... بِرُباها لا اللِّوى والمُنْحَنا
وقوله في مدح عمران يعارض ابن الهبيني شاعر ابن مهدي
النصرُ قائدُ جيشِك المُتَوَجِّهِ ... والسَّعدُ رائدُ عزمك المُتَنِّبهِ
والأَرْضُ مُلْكُك والعِبادُ رعيَّةٌ ... لك من مُطيعٍ مُذْعنٍ أَو مُكْرَه
ولرأيكَ التأَييدُ حُسنُ بدَيهة ... ورَوِيَّةٍ فيه فَرَوِّ أَوِ ابْدَه
فإِذا عزَمتَ فَكُلُّ صَعبٍ رُمْتَهُ ... سَهْلٌ علَيك وكُلُّ قُطْر مُزُدَهِ
يا داعيَ الدِّين المُقيم لِيَعْرُبٍ ... مَجْداً يَهي رُكنُ الزَّمان ولا يَهي
أَعزَّ مَنْ خفقتْ عليه رايةٌ ... تَحكي إِذا خفقت فُؤادَ مُدَلَّهِ
ما العِزُّ إِلاّ عِزُّ خَيلِكَ شُرَّباً ... شُعْثاً تُباري في الطِّراد وتَزْدَهي
سمّا طراتٍ بالكُماة كما هَوَتْ ... من رأْسِ شاهقةٍ صُخُورُ مُدَهْدَهِ
فاسْتَنْهضِ الأَقدار فيما ينبغي ... واستخْدِم الأَيامَ فيما تَشتهي
وأصرِف صُروف النائبات عن الوَرى ... وأنْهَ الحوادثَ عن سُطاها تَنْتهي
وأبعثْ به جَيْشاً أَجَشَّ إِذا انتحَى ... أَرضاً نحاها بالنَّكال الأَكْرهِ
مُتلاطِمَ الأَرجاء يُحْسَب أَنّه ... بَحرٌ تلاطَمَ بالرِّياح الزّهزهِ
تَتَناكر الأَصواتُ وهي مَعارِفٌ ... للسَّمْع من ضوضائه والوَهْوَهِ
كالعارض الملْتَفّ يَخْتَلع النُهى ... قَصَفاتُ رَعْدٍ في حَشاه مُقَهْقهِ
يَخْفى وضوحُ السُّبْل تحت عَجاجه ... فكأَنّما هو مَهُمهٌ للمَهْمَهِ
وَيكِلُّ طَرْفُ الشمس عنه إِذا غدا ... كُحْلاً لناظِرها المضيء الأَمْرِهِ
فيه لُيوث البأْس ليس يَرُدّها ... إِن جَهْجَهت في الرَّوْع زَجْرُ مُجَهْجهِ
آلُ الزُّرَيْع سَراةُ هَمْدانَ الأُولَى ... وَرِثوا المكارم مِدْرهاً عن مِدْرَهِ
مُتَسربيلين السّابِريّ كأَنّما ... جَمَدَت عليهم منه أَمْواهُ النَّهي
مُتَبادِرين إلي الثُّغور كأَنّما افْ ... تَرَّت لهم عن باردٍ الظَّلْم الشَّهِي
مِنْ كلِّ صَبٍّ بالطِّعان مُوَلَّهٍ ... في مَتْن طاوٍ بالطِّراد مُوَلَّهِ
فاكشِفْ بهم ضُرَّ البلاد ودَاوِها ... بالْبِيض تَبْرَ من السَّقام وتَنْقَهِ
سَفَةُ السيوفِ دَواءٌ كُلِّ سَفاهةٍ ... من الْفضلُ للصَّمْصام لو لم يَسْفَهِ
كم ذا يُنَهْنِهُ من عزائمك التي ... تُفْني الضَّرائبَ وهي لم تَتَنَهْنَهِ
ويَكُفُّ من سَطَوات بأْسِك والظُّبي ... مِنْ فَرْط حِلمك في أَشدِّ تأَوّهِ
ولأَنتَ أَنْزَهُ في المَفاخر هِمَّةً ... من أَن تُحَضَّ على الفَعال الأَنْزَهِ
أَو أَنْ تُنْبَّه، واعتزامُك في العُلى ... يَقْظانُ مُنْتَبِهٌ بغير مُنَبِّه
شُدِه الأَعادي من سُطاك ومَنْ يَرُحْ ... ما بين أَنْياب الغَضنْفَر يُشْدَه
стр. 481
كم حَرَّكوا منه الهِزَبْر بَسالةً ... ولكم دَهِيٍّ مِنْ تَغْلغُلِه دُهي
مَنْ ذا يُقاس به شَبيهاً بعدما ... سمحتْ به العَلْياء عن مُتَشَبِّه
أَمْ مَنْ يَمُدُّ إِليك باعَ مُطاولٍ ... والنجمُ دُونكَ، غيرُ غِرٍّ أَبْلَهِ
لا رُتْبةٌ تسمو بغير مُؤَهَّلٍ ... فيها ولا جاهٌ لغيرِ الأَوْجَهِ
أَنت المُكرَّم مَعْدِن الكرم الذي ... يَلْقَى الوُفود بِبِشرِه لا جَبْههِ
أنتَ الذي ما أُنْشِدَت أَوصافه ... إِلا وهَزّ المجدُ عِطْفَ مُزَهْزِهِ
فاصفَح عن الأَشعار في تَقْصِيرها ... عَنْ وَصْف فضلِك أَنْ تُحيط بكُنْههِ
رَكَضْت جِيادُ الشِّعرِ في مَيْدانه ... حتى تَناهَتْ وهو مالا يَنْتَهِي
فقد استوى في العَجْز عنه مُفَوَّةٌ ... دانَ البيَانُ له، وغيرُ مُفَوَّهٍ
ولقد حكَى منه المَديحُ شفاء ذي ال ... سَّمْع الأصمِّ ضياء عَينْ الأَكْمَهِ
وغدا يُجَرِّر في نَباهَةِ قَدْره ... ذَيْلَ التَّشَرُّفِ في المقَام الأَنْبه
بمَصَرَّعٍ ومُرَصَّع ومُوَشَّحٍ ... ومُسَجَّعٍ ومُفَرَّع وموجَّه
يُهْدي إِذا ما اسْتُنْكِهَتْ أَنْفاسه ... نَفَسَ الحَدائق فاحَ لْلِمُسْتْنكِهِ
واسْعَدْ بعيدٍ أَنت تاج فَخاره ... وكمالُ بهَجتهِ ومَنظرهِ الْبَهي
وانْحَر عِداك أَضاحِياً في نُسْكه ... أَو فاعْفُ عَفْوَ القادِرِ المُتَنَزِّهِ
واسّلمْ مُطاعَ الأَمر منصورَ الظُّبي ... في ظِلِّ مملكةٍ وعَيْشٍ أَرْفَهِ
من جماعة ذكرهم عمارة اليمني في تصنيف له عن مجموع شعر اليمنيين
سلم بن شافع الحارثي
من أهل تهامة اليمن ذكر أن كتب إلى عمه علي بن زيدان وقد وفد إليه يستعينه في دية قتيل فوجده مريضاً:
إِذا أَودى ابْنُ زيدانٍ عَليٌّ ... فلا طَلَعتْ نُجومُكِ يا سماءٌ
ولا اشتمل النِّساءٌ على جَنينٍ ... ولا رَوى الثَّرى للسُّحْب ماءُ
على الدُّنيا وساكِنها جميعاً ... إِذا أَوْدى أَبو الحسن العَفاءُ
قال فأبل من مرضه وأعطاه ما سأله.
سليمان بن أبي الحفاظ
صاحب مدينى الجريب له:
كنتم تَمَنَّوْن ريحاً أَن تَهُبّ لكم ... من النسيم ولو يَوْمَيْن تَتَّصلُ
فجاءَكم مثلُ ما هاد به هُبِلَتْ ... من العْقَيم التي عادٌ بها هُبلِوا
الخطاب بن أبي الحفاظ
من الشعراء المجيدين وكان قد أخرج أخاه سليمان من مدينة الجريب زبيد ثم كتب إليه يلطف به حتى إذا قدر عليه غدر به وقتله: ومن شعره قوله: كتب بها إلى أخيه سليمان بزبيد:
عَيْنُك عينُ الرَّشَإ الخاذِلِ ... والجيدُ جِيدُ الظَّبْية العاطلِ
قد كنتُ ذا عَقْلٍ جَليد ول ... كنّ الهوى يعلب بالعاقلِ
ومنها:
كأَنّها من حُسنِها دُرَّةٌ ... أَخرجها المَوْجُ على السّاحلِ
ومنها:
إِذا بلغتَ العِرْقَ فارْبَع به ... مُعَرِّساً تعريَسةَ النازلِ
واخْصُص سُليماناً بها خَير مَنْ ... يُعْلَمُ من حافٍ ومن فاعلٍ
أَخي ومولايَ ومن لحمُه ... لحمي ومن حامِلُه حاملي
الوزير خلف بن أبي الطاهر الأموي
وزير الملك جياش بن نجاح صاحب زبيد
стр. 482
وصفه بالفضل والنبل، والسودد الضخم والشرف العبل، وكان من أفراد الدهر الذين انتظم بهم سلكه، وصحب جياشاً حين زال ملكه، ودخل معه إلى الهند وعاهده على أن يقاسمه الأمر إذا ملك، ونعته بقسيم الملك وبه رجع إلى الملك وقال الغرض وأدرك، ونفر بعد ذلك منه جأش جياش، وافترقا عن استيحاش. وحكي أن سبب الفساد الحادث أن الوزير خلفاً شرب ذات ليلة في داره، يقضي أوطاره من أوتاره، ويعقر همه بعقاره، فغناه ابن المصري وكان محسناً قول قيس بن الرقيات يمدح بني أمية:
لو كان حَوْلي بنو أُمَّية لم ... يَنْطِق رجالٌ إِذا هُمُ نَطقوا
إِن جُولِسوا لم تَضِقْ مجالسُهم ... أَو رَكِبوا ضاق عنهم الأُفُقُ
يُحبِهُّم عُوَّدُ النِّساءِ إِذا ... ما احمرّ تحت القَلانِس الحَدقُ
قال فطرب الوزير وشرب، وخلع على من كان في مجلسه وهم ثلاثة عشر رجلاً ثلاث مرات، ثم وصلهم بصلات، ولم يزل يستعيد الصوت ويغنيه، وقد ظهرت أمارات الطرب فيه، إلى أن أسفر فلق الصباح، ونقل المجلس إلى ابن نجاح فتوهم منه واستوحش خلف، وفارقه ولم يكن له عنه خلف.
ومن شعره قوله يجيب جياشاً حين كتب إليه يستعطفه:
إِذا لم تكنْ أَرضي لِعِرْضي مُعِزَّةً ... فلستُ وإِن نادتْ إليَّ أُجيبُها
ولو أَنَّها كانتْ كروضةِ جَنَّةٍ ... من الطِّيب لم يَحْسُن مع الذُّلِّ طِيبُها
وسِرْتُ إِلى أرضٍ سواها تُعِزُّني ... وإِن كان لا يَعْوي من الجَدْب ذِبيها
محمود بن زياد المأربي
من مأرب مدينة السد ووصفه بكونه للملوك مداحا، ووفاداً عليهم لنوالهم ممتاحا، وكان أكرم الناس بما يملك، وله الخاطر المجيد والفهم المدرك، قال مدح الملك المفضل بن أبي البركات الحميري فوصله بألف دينار، فقال في شكره من قصيدة:
وَوهبت لي الأَلف التي لو أَنَّها ... وُزِنَتْ بصُمِّ الصخر كانت أَبْهَرا
قال وأول من نوه باسمه الأمير الشريف عيسى بن حمزة السليماني الحسني صاحب عثر فإنه وجد عنده الأثرة وتأثل وتأثر. ذكر عمارة أن والده حدثه، وكان قد عمر مائة سنة وخمس سنين، أنه لما كان دخول الغز إلى اليمن أخذت الغز الشريف يحيى بن حمزة أسيراً إلى العراق، وبقي أخوه الأمير عيسى ابن حمزة أميراً في البلاد، فلم يزل يجتهد ويكاتب ويبذل الأموال حتى افتك أخاه يحيى من العراق، ولما عاد يحيى إلى عثر دبر على أخيه عيسى فقتله وعامله بالإساءة على الإحسان. الذي فعله. فقال محمود بن زياد المأربي قصيدة يذكر فيها قتل عيسى ويرثيه، وينعي على يحيى ما فعله بأخيه. فمنها بعد غزل طويل:
خُنْتَ المودَّةَ وهي أَلأَمُ خُطَّةٍ ... وسَلَوْتَ عن عيسى بن ذي المَجْدَيْنِ
ياطَفّ عَثَّرَ أَنت طَفٌّ آخرٌ ... يا يومَ عيسى أَنتَ يَوْمُ حُسَيْنِ
قد كان يَشْفي بعضَ ما بي من جَوىً ... لو طاح يومَ الرَّوْع في الخَيْلين
هَيْهاتَ إِنّ يد الحِمامِ قصيرةٌ ... لو هَزَّ مُطَّرِدَ الكُعوبِ رُدَيْني
أَبْلِغ بني حَسنٍ وإن فارقتُهم ... لا عن قلىً وحللتُ باليمَنَيْنِ
أَني وفَيْتُ بِودّ عيسى بعدَه ... لا، لو وَفَيْتُ قلعتُ أَسودَ عَينْي
كان قد نذر أن لا يرى الدنيا إلا بعين واحدة، فغطى إحدى عينيه بخرقة إلى أن مات.
قَرَّتْ عُيونُ الشامتين وأُسخِنَتْ ... عيني على من كان قُرَّةَ عَيْني
والقصيدة طويلة. ولما انتهى الشعر إلى يحيى القاتل لأخيه غضب وأقسم وقال جلدتي الله جلدة المأربي لأسفكن دمه، فقال المأربي:
نُبِّثتُ أَنك قد أَقسمت مُجتهداً ... لَتَسْفِكنّ على حُرِّ الوَفاء دمي
ولو تجلَّدْتَ جِلْدي ما غَدرتَ ولا ... أَصبحتَ ألأَمَ مَنْ يَمْشي على قَدمِ
وله من غزل قصيدة يمدح بني نفاثة من آل همدان
ما لَقينا من الظِّباءِ الْعَواطي ... خافقاتِ القُرون والأَقراطِ
هَجَّنَتْ بالبدور والدُرّ والورْ ... د وأَزْرَت بالرَّمْل والأَخواطٍ
وله يمدح أبا السعود بن زريع:
стр. 483
يا ناظري قل لي تراه كما هُوَهْ ... إِنّي لأَحْسبه تَقَمَّص لُؤلؤهُ
ما إِن بَصُرْتُ بزاخرٍ في شامخٍ ... حتى رأَتُيك جالساً في الدُّماؤَهُ
الدملوة معقل من معاقل اليمن.
وحكي أن المأربي هجا رجلاً من سلاطين اليمن فاعتقله لينظر فيما ذكر عنه فخافت نفس المأربي أن تتم عليه مكيدة فكتب من السجن إلى سلطان وكان صديقاً له، هذين البيتين، فركب الرجل وكسر السجن وأخرج المأربي وسلمه إلى من ممنعه من قومه، ثم لقي السلطان فشفع فيه واعتذر إليه من كسر السجن، والبيتان قوله:
أَسِفْ إِن طار، أَو طِرْ إِنْ أَسفّ، وإِنْ ... لان الفتى فاقْسُ، أَو يَقْسُ الفتى فَلِنِ
حتى تُخَلِّصني من قَعْر مُظِلمةٍ ... فأَنت آخرُ سَهْمٍ كان في قَرَني
ولده:
علي بن محمود بن زياد المأربي
له:
خَلتِ الرَّعارِعُ من بَني مَسعودِ ... فعُهودهم فيها كغير عهودِ
حَلَّتْ بها آلُ الزُّرَيْع وإِنّما ... حَلَّتْ أُسودٌ في مَكانِ أُسودِ
وله في انتقال ذي جبلة من المنصور بن المفضل إلى الداعي محمد بن سبأ
بِذي جِبْلَةٍ شوقٌ إِليك وإِنّها ... لَتُظْهِرُ للشيخ الذي ليس تُضْمِرُ
عوائِدُ لِلْغيد الغواني بأَنّها ... من الشيخ نحو ابن الثلاثين تَنْفِرُ
السلطان زكري بن شكيل
بن عبد الله البحري
من بطن من خولان يقال لهم بنو بحر. له:
يَرْمن أَفئدةً تُفَدِّيها ولو ... قُتِلت، أُيُكْرِم قاتلاً مقتولُ
فَقِسِيُّها أَجفانُها وسِهامها ... حَدَقاتُها، ولِحاظُهُنَّ تُصولُ
وله يمدح جياش بن نجاح صاحب زبيد:
كم لا تَزال تُسرُّ وَجْداً ما سرى ... مُزْنٌ، ويَسْفَحُ ماءَ عَيْنك ما انْسرى
أَطْللتَ دَمْعَك في الطُّلول وأَدْمنتْ ... حُرَقَ الحَشادِ مَنٌ تُحاكي الأَسْطُرا
عَفّى معالمَها الغَوادي والسوا ... في والعواصف والأَعاصر أَعْصُرا
ولقلّما غرِي القديم بمُحْدَثٍ ... إِلاّ وأَحدَثَ في القديم تَغَيُّرا
فتنكرتْ في العَيْن وهي معارفٌ ... في القلب يَكْبُر قدرُها أَنْ يُنْكَرا
ولقد عَلِقتُ بها غزالاً أَغْيَداً ... غَنِجَ اللِّحاظ أَغَنَّ أَحْوى أَحْورا
أَعْدي بسقُمْ جُفونِه قلبي فلو ... أَعْدى جُفوني مِنَّةً منهُ الكَرى
يَثْني الصَّباحَ يفَرعه ليلاً ويَثْ ... ني الليلَ صُبْحاً ما بخَدٍ مُسْفِرا
ومن مديحها:
المُشتري حُللَ الثَّناءِ بما حَوتْ ... كفّاه، والحامي لها أَن تُشْتَري
والمُوِقدُ النَّارَيْن ناراً للوَغى ... لا تَنْطقي أَبداً، وناراً للقِرى
من كان يمدَح للعطاءِ فإِنَّني ... للفخر أَمدحُه وحَسْبي مَفْخَرا
مَلكٌ تدارك غُصْنَي الذّاوي وقد ... عَبِثَ الزَّمان به، فأَصبحَ مُثْمِرا
وله فيه:
عُدْ إِلى الإِغْتباق والإِصْطِباحِ ... وألحُ في القَصْف من نصيحٍ ولاحِ
واسقني الرَّاحَ إِنَّها تجُلِبُ الرَّوْ ... حَ ورَيْحانَها إِلى الأَرواحِ
قهوةً طال عُمْرُها فهي ممّا ... عتَّقتها الدِّنان لِلْوضّاحِ
بَزَلوها فامتدَّ منها لجوّ ال ... لَّيْل نورٌ أَغنى من المِصْباحِ
ما يُزيلُ الهُمومَ مثلُ اصطباح ... في صَباحٍ لدى وُجوهٍ صِباح
وهو حِرْمٌ أَبو حنيفة قد ر ... خّص فيه فما به من جُناح
أَوْ ترى الدِّيكَ كالبعير، وكالأَرْ ... ض السَّمواتِ، أَو فإِنك صاحِ
وارْعَ عَيْنَيْك في عُيونٍ من الدَّهْ ... ر حَلاها حدايح السجاح
من بني عَوْهَجٍ مُنَعَّمَة الأَطْ ... راف ريّا الأَرداف غَرْثي الوِشاحِ
شَفَتاها نَقْلي وماءُ ثَنايا ... ها عُقاري وخُدُّها تَفاحي
стр. 484
كيف يصحو مَنْ سُكْره مِنْ لحاظٍ ... ورُضابٍ عَذْبٍ وقَدْ رَداح
قلتُ لما تَكنَّف الرَّوْضةَ الأَفْ ... راحُ والحُسْنُ من جميع النواحي
هذه الجنَّةُ التي وَعَدَ الل ... هُ وما عن نعيمها من بَراح
وكأنّا فيها اختلسنا نسيماً ... من سَجايا جيّاشٍ بن نجاح
فهو كان الذي يَروقُك لا نَوْ ... رٌ أَنيقٌ ولا نَسيمُ أَقاح
علم المجد ذي الفضائل فخر الْ ... أُمّة المُرْتضى الفتى الجَحْجاح
غافر الذنب مِسْعَر الحرب جالي الْ ... كَرب غَوْث اللاّجي حَيا المُلْتاحِ
لفظه في الصَّحائف السُّود يُغني ... هـ ويكفي عن سَلّ بِيضِ الصِّفاحِ
وله:
إِن تحسبونيَ من أَجناسكم رجلاً ... فالْمَنْدَل المُصطفى نوعٌ من الخشبِ
أتى تُحيلون فضلي عن مَعادِنه ... متى استحال نُحاساً مَعْدِن الذهبِ
والدّينُ والخِيم والعَلْياءُ تعرفني ... أَجزي بِغدرٍ وفاءَ المُنعمِ الحَدِبِ
وله من قصيدة بعث بها إلى ابنه شكيل:
قل للشكيل وسَلْه ما المَعْنى بأن ... أَشقى بها وأَنا المُقيمُ ببابِها
فإِذا هَوَتْ دَلْوي تُريد قَلِبيَها ... جاءَتْ بجَنْدَلها معاً وتُرابها
وإِذا بها أَدلى سِوايَ دَلْوَهُ ... جاءَتْه مُتْرَعةً إِلى أكرابها
وله في أخرى:
عَظيمٌ يَهونُ الأَعظمونَ لِعِزِّه ... فمَطلبُه في كلِّ أَمرٍ عظيُمُه
تأَخَّرَ مَنْ جاراه في حَلْبَة العُلى ... وقَدَّمَه إِقدامُه وقَديمهُ
كتائبُه قبلَ الكتائب كُتْبُه ... ويُغْنيك عن بَطْشِ الهِزَبرْ نَئيمهُ
فلولاه لم يَثْبُت على الحمد حاؤه ... ولا وصلتْ يوماً إِلى الدال ميمهُ
تَميدُ قلوبُ العالَمين وأَرضُهم ... إِذا ما سرتْ أَعلامُه وعلومه
يُبيح لعافيه كرائمَ ماله ... ويمنع من أَنْ يُستباح حَريمُهُ
وأَحيا بلُطف الرأْي منه ومعطم الْ ... عطايا رجائي فاستقلّ رميمهُ
يشكل في إِكرامه كلُّ زائر ... ويسأَل هذا جارُه وحميمهُ
الملك أبو الطامي
جياش بن نجاح صاحب زبيد
وصفه في الشعر بالإكثار والإجادة، وفي الترسل بالتوسط فيه على العادة، قال رأيت ديوان شعره مجلداً ضخماً، وعدة مجلدات تجمع نثراً ونظماً، وهو الذي صنف كتاب المفيد في أخبار زبيد. أورد من شعره قوله:
وبجسُدتي قومي وأُكْرِمُهمُ فهل ... سوايَ حوى الإِكرامَ منه حَسودُهُ
ولو مِتّ قالوا أَظلمَ الجَوُّ بعدَه ... وغاض الحيا الهطَّالُ مُذْ غاض جُودُهُ
وقوله يذم أصحابه:
ما انتظار الدّجال إِذ أَنا أَلقى ال ... يَوْمَ كم من مُداهِنٍ دَجّالِ
ليس فيهم من سائلٍ عن صلاحٍ ... لي ولا مِنْ مُقَصِّرٍ في سؤالي
وقوله:
إذا كان حِلْمُ المَرْءٍ عَوْنَ عَدُوِّه ... عليه فإِنّ الجهل أَبقى وأَروحُ
وفي الصفح ضَعفٌ، والعُقوبة قُوَّةٌ ... إِذا كنت تعفو عن كَفورٍ وتصفحُ
وكتب إليه ابن القم الشاعر:
يا أَيُّها المَلك الذي خَرَّتْ له ... غُلْبُ الملوك نواكسَ الأَذقان
أَترى الذي وسعَ الخَلائق كلَّها ... يا ابن النصير يضيق عن إِنسان
فأجابه جياش:
لا والذي أَرْسى الجبالَ قواعداً ... ذي القوّة الباقي وكلٌّ قانِ
ما إِن يَضيق بِرَحْبنا لك مَنْزِلٌ ... ولوَ أنَّه في باطن الأَجْفانِ
وله:
تَذوبُ منَ الحيا خَجَلاً بِلَحظي ... كما قد ذُبْتُ من نَظري إِليكما
أَهابُك مِلْءَ صَدْري إِذْ فؤادي ... بجُملته أَسيرٌ في يَدَيْكا
ومما أجاد فيه قوله:
стр. 485
كَثيبُ نَقاً من فوقه خُوطُ بانةٍٍ ... بأَعلاه بدرٌ فوقَه ليلُ ساهِرِ
الصليحي الداعي
علي بن محمد القائم باليمن
وكان قد عزم على السفر إلى العراق فقال، ويقال إنها لغيره:
وأَلذُّ من قَرْعِ المثاني عندَه ... في الحرب أَلْجِمْ يا غُلامُ وأَسْرِجِ
خَيْلٌ بأَقصى حَضْرَمَوْتٍ أُسْدُها ... وزَئيرُها بين العِراق فَمَنْبِج
ومن شعره:
أَنكَحتُ بيضَ الهِند سُمْرَ رِماحهم ... فرؤوسُهمْ عِوَض النِّثار نِثارُ
وكذا العُلى لا يُستباح نِكاحُها ... إِلا بحيث تُطَلَّق الأَعْمارُ
عمرو بن يحيى بن أبي الغارات الهيثمي
شاعر الداعي علي بن محمد الصليحي قال على لسانه:
سَلي فرسي عني ودِرْعي وصَعْدتي ... وسيفي إِذا ما المشَرفيّةُ سُلَّتِ
أَنا ابن ربيع المنشد ابن محمد ... إِذا المُعْصِرات السود بالماء ضَنَّتِ
وسُمِّيتُ في قومي عَلِياً لأنني ... عَلَوْتُ وأَحْدَيْتُ الكواكب همتي
وقال على لسانه:
جَفا نومُ عينَيْكَ أَشفارَها ... وقد كان لولا العلَى جارَها
وقُلتُ لنفسيَ إنَّ الحياة ... على العيب مُسْبلة عارها
وقال على لسانه:
الخرم قبل العزم، فاحزِم واعزِم ... وإِذا استبانَ لك الصَّواب فَصَمِّمِ
واستعملِ الرِّفق الذي هو مُكْسِبٌ ... ذِكْرَ القلوب وجِدَّ واحْمِل واحلُمِ
واحرُس وسُس اشْجُع وصُل وامنُن وصِلْ ... واعدِل وأنصِف وارْعَ واحفَظ وارْحمِ
وإِذا وعدتَ فعِدْ بما تَقْوَى على ... إِنجازه وإِذا صَنَعت فتمِّمِ
وقال وقد رحل علي بن محمد من صنعاء واستخلف فيها ابنه المكرم.
ما لِمَنْ فارقَ الأَحبّةَ عُذرُ ... إِن نَهَى دمعَه عن الفَيْضِ صَبْرُ
إِنّ سيف الإمام كالبر ذي الموْ ... ج له في البلاد مَدٌّ وجزر
ولئن سآءنا فِراق عَليٍّ ... فبحمد ابنه لنا ما يَسُرُّ
ذاكَ بحرٌ سقى به مكةَ الل ... هُ وهذا لوَفد صنعاءَ بحرُ
السلطان عبد الله بن يعلى الصليحي
صاحب حصن خدد. له من قصيدة في رجل ادعى أنه شاعر ومدح الملكة الحرة بما لم يستحق عليه جائزة فاستشفع به قوله:
قاسَ الأَمور فلم يَجِدْ في فكرهِ ... أَمراً يقوم بواجبٍ من عُذرهِ
فمضى يُلفّق زائقاً من نثره ... وسرَى يُنَفِّق كاسِداً من شِعرهِ
ويَظُنّ أَنّ حقوقكِ ابنةَ أَحمدٍ ... جملٌ يقوم هوادجي مِنْ قدرهِ
هيهات مَنُّكِ فوق ذاك وإِنّه ... قَسَماً بحقِّك عاجزٌ عن شُكرهِ
إِنّ الذي يلقى الصَّنيعَ بجَحْدِه ... مثلُ الذي يلقى الإِله بكفرهِ
ومتى أَخَلّ بواجباتك شاكرٌ ... عن قُدْرهٍ هُدَمِت مباني فخرهِ
إِن الصَّنائع في الكِرام ودائعٌ ... تَبْقى ولو فَنِيَ الزَّمانُ بأَسرِهِ
القاضي العثماني
له من قصيدة:
إِنَّ من يَعرِفُ أَيام الصِّبا ... صَدَّ إِذْ أَبصر شَيْبي وَصَبا
والتي تعرِف مُهري أَدْهماً ... أَنْكرتْه إذ رأَتْهُ أَشْهبا
إِخوتي هُبّوا فقد هَبَّت لنا ... نغمةُ الطير وأَنفاس الصَّبا
فاصْرِفوا الهمَّ إِذا ضافكُمُ ... وخُذوا من عَيْشنا ما وَهَبا
ضَمَّ شَمْلَ الودِّ منّا مَجلِسٌ ... ترقَص الأَركان فيه طربا
كلُّ سَمْح الكفِّ لو تسأَلُه ... كلَّ ما يَمْلِك جُوداً وَهَبا
ومنها:
رُبَّ شمْطاءَ تركناها وقد ... رَكَد الليلُ وأَرخى الطُّنُبا
قالتِ الطُّرّاقُ مَنْ قلتُ أَنا ... وأُصَيْحابي، فقالتْ مَرْحبا
ثم أَوْمَتْ نحو مِصباحٍ لها ... كاديخبو سَحَراً أَوْ قد خبا
دفعت في صَحْن دَنٍّ خِلتَ في ... جَنَبات البيتِ منه لهَبا
стр. 486
فسقَوْني منه حتى صِرتُ من ... سكرتي أَحسِبُ مُهري أَرْنبا
ومنها:
إِن من قد عابها من بعد ما ... عُتِّقتْ في دَنّها لي حقبا
يَحْتسيها عند ريْعان الصِّبا ... ويُخلِّيها إِذا ما اضطربا
كالتي في رمضان لم تَصُمْ ... بَلَهاً منها وصامَتْ رَجَبا
قُلْ لعبد القيْس يا أَكرَمَ مَنْ ... مَدَّ كفاً بحبِاء واحتبى
فارسَ الخيلِ إِذا ما ركبا ... أَكرمَ الناسِ إِذا ما وهبا
أَصبحتْ نَجران لي مُرْتَبَعاً ... والمَدانِيّون أُماً وأَبا
في بهاليلَ صَحَوْا أَو سَكرِوا ... أَكرمونا وأَهانوا الذَّهبا
وقال في علي بن محمد الصليحي لما قتله سعيد بن نجاح من قصيدة، وقد ارتجالاً:
زيكرت مِظَلَّتُه عليه فلم تَرُحْ ... إِلاّ على الملك الأَجلّ سعيدِها
كان أَقبحَ وجههَ في ظِلّها ... ما كان أَحسن رأْسَه في عودِها
سُودُ الأَراقِم قاتلت أُسدَ الشَّرى ... يا رَحْمتي لأسودها من سُودِها
ولما طلب بسبب هذه الأبيات هرب وقال من قطعة، وعنى الصليحي:
قَتَلَتْهُ حرّابةُ ابن نجاحٍ ... وطلبتمْ بثأْره العثماني
وله:
ما العيشُ إِلاّ كاعبٌ وعُقارُ ... وأَكارمٌ نادمتُهمْ أَخيارُ
قُمْ فاسقني بالكأْسِ من تلك التي ... أَهلُ النُّهُى في وَصْفها قد حاروا
واشرَبْ ولا يَلْحقْك خوفُ عقوبة ... فيها فَرَبُّ حِسابها غَفّارُ
خُذْها فإِن حَلَّتْ نَجوْتَ وإِن تكنْ ... حَرُمَتْ، لمحو ذُنوبها استغفار
لا تصرفوا عنّي الكبير فإنّ لي ... في شُرب كأس كبيرها إِكبارُ
وسلافَةٍ من بيت ذاتِ سَوالفٍ ... بجفوننا وجفونها أَسرارُ
لو كان فيها رِيبةٌ ما كان في ... جَناتُه منها لنا أَنهارُ
ومن مديحها في بني عبد المدان:
وأَخافني مَلَكي فلمّا زُرتُهمْ ... أَصبحت أَقصِد مثلَهم وأَزارُ
الشيخ إسماعيل بن محمد المعروف ب
ابن البوقا
وزر لجياش بن نجاح ثم للملوك من أولاده من بعده وهم الفاتك والمنصور وعبد الواحد بنو جياش، وما منهم إلا من قدمه، وعظمه، وأكرمه، وكان في نفسه سيداً رئيساً جليل القدر، واسع الخير، سمحاً بماله وجاهه، وما في الكرماء إلا من لم يضاهه، مأمون الغائلة ميمون الشان، طاهر المحضر والصدر واللسان، حكى عمارة أنه لقي أولاده سعيداً وسعداً وعبد المفضل وعبد المحسن بزبيد ولهم النباهة والوجاهة، وبعد الصيت الذي زينته النزاهة، وشعر أبيهم إسمعيل كثير يتغنى بغزله رشاقة، ويتمثل بجزله وثاقة، فمن غزله قوله:
عند رَوْضِ الربيع لي أَوتارُ ... تقتضيها الصهباء والأَوتارُ
وله مطلع قصيدة يخلص فيها إلى مدح يحيى بن حمزة السليماني.
يا طاويَ الفَلَوات طَيَّ المدرجِ ... عُجْ نحو مُنْعَرج الكَثيب وعَرِّجِ
وشعره طيب حسن، وهو كثير موجود باليمن.
بنو أبي عقامة
يذكر العماد في الصفحات التالية تراجم أربعة من بني أبي عقامة، وهي أسرة توارثت القضاء أجيالاً في زبيد، ويرتفع نسبها إلى مالك بن طوق التغلبي، وأحد أجدادها محمد بن هارون كان أول القضاة بزبيد وقد جاءها أيام المأمون في خبر يرويه كثير من الإخباريين، هذا تفصيله:
стр. 487
كان المأمون قد أتى بقوم من ولد زياد بن أبيه وقوم من ولد هشان، وفيهم رجل من بني تغلب يقال له محمد بن هارون، فسألهم عن نسبهم فأخبروه، وسأل التغلبي عن نسبه فقال أنا محمد بن هارون، فبكى وقال أني لي بمحمد بن هارون، يعني وافق اسمه اسم أخيه محمد الأمين بن هرون الرشيد، فقال المأمون: أما التغلبي فيطلق كرامة لاسمه واسم أبيه، وأما الأمويون والزيادبون فيقتلون. فقال ابن زياد: ما أكذب الناس يا أمير المؤمنين إنهم يزعمون أنك حليم كثير العفو، متزرع في الدماء بغير حق، فإن كنت تقتلنا عن ذنوبنا فإنا والله لم نخرج أبداً عن طاعة، ولم نفارق في بيعتك رأي الجماعة، وإن كنت تقتلنا بجنايات بني أمية فيكم فالله تعالى يقول: ولا تزر وازرة وزر أخرى. قال فاستحسن المأمون كلامه، وعفا عنهم جميعاً وكانوا أكثر من مائة رجل. ثم أضافهم إلى الفضل بن سهل ذي الرياستين ويقال إلى أخيه الحسن بن سهل.
فلما بويع لإبراهيم بن المهدي ببغداد في سنة اثنتين ومائتين وافق ذلك ورود كتاب عامل اليمن بخروج الأشاعر بتهامة عن الطاعة، فأثنى الحسن بن سهل على الزيادي وكان اسمه محمد ابن زياد، وعلي المرواني والتغلبي عند المأمون، وأنهم من أعيان الرجال وأفراد الكفاة وأشار بتسييرهم إلى اليمن، فسير ابن زياد أميراً، وابن هشام وزيراً، والتغلبي قاضياً، فمن ولد محمد هارون التغلبي هذا قضاة زبيد وهم بنو أبي عقامة ولم يكن بنو أبي عقامة هؤلاء قضاة فحسب، وإنما كانوا فقهاء ومحدثين وشعراء وذوي مكانة على النحو الذي نقرأ من تراجمهم عند العماد. وقد ظل فيهم القضاء يتوارثونه، حتى أزالهم ابن مهدي حين أزال دولة الحبشة.
ويذكر المؤرخون نصرتهم للشافعية، ويقول عنهم الجعدي: وفضائل بني أبي عقامة مشهورة وهم الذين نصر الله بهم مذهب الإمام الشافعي في تهامة، وقدماؤهم جهروا ببسم الله الرحمن الرحيم في الجمعة والجماعات.
وحين يتحدث الجندي في السلوك عن القاضي الشهيد أبي محمد الحسن يقول وله كتاب نوادر مذهب أبي حنيفة التي يستشنعها أصحاب الشافعية وقد صار الكتاب في اليمن قليل الوجود لأن الجنفية اجتهدت بتحصيله وإذهابه كما فعل بنو عقامة بمفيد جياش لأنه ثلم نسبهم وإذا كان بنو أبي عقامة قد صرفوا عن القضاء بسبب من سيطرة آل مهدي وانتصارهم للشيعة، فقد بقيت لهم مؤلفاتهم وكتبهم وظل منهم، على نحو ما يذكر صاحب التاج، بزبيد والقحمة بقية: وقد حاولت أن أضبط تسلسل بني أبي عقامة في جدول يبين عن تتابعهم، غير أني لم أستطع ذلك على النحو الذي أرجو من دقة، للتباين الذي وجدته بين نسقين: النسق الذي نوحي به الخريدة، والنسق الذي توحي به عبارة التاج آخر مادة عقم حين تحدث عن أحدهم: أبي الفتوح وذكر طافة من أهله.
ولم أجد سبيلاً للترجيح، ذلك أن صاحب الخريدة ينقل عن عمارة، وعمارة موثق معتمد، وثقة كثيرون ممن أرخوا لليمن أو ترجموا لرجاله، وكانت كتبه مصدراً من مصادرهم، الذي مثلاً حين تحدث عن بني أبي عقمة في السلوك يقول: " وقد اعتمدت في ذكرهم ذكره الفقيه عمارة وقد تقدم جماعة على ما ذكر عمارة ورتبه إذ هو خبير بهم فإنه صحب أمنهم فنقل عنهم أحوال متقدميهم.
كما أن العهد بصاحب التاج أنه يستوثق مما يروي، فلا ينقل إلا مطمئناً للذي ينقله والذي ينقل عنه.
ولهذا اضطررت أن أترك ذلك إلى أن يفتح الله بشيء يهدي إلى سواء السبيل.
القاضي أبو عبد الله محمد بن أبي عقامة
الحفائلي
من قضاة زبيدة، ذكر ابن الريحاني المكي أنه كان ذا مال كثير، وكانت له دار لها بابان، على أحد البابين مكتوب: باب إلى السعد، فطالب العلم يفتى، وطالب المال يمنح وعلى الباب الآخر مكتوب: باب عن الشر يغلق، فطالب العلم يفتى، وطالب المال يرزق ذكر أنه قتله ابن مهدي علي لما تغلب على اليمن سنة أربع وخمسين وخمسمائة، وكان له ولد فاضب شاعر قتله أيضاً. وأنشدني من شعره:
لِلمجدِ عنكمْ رواياتٌ وأَخبارُ ... وللعُلى نحوكمْ حاجٌ وأَوطارُ
تشتاقُكمْ كلُّ أَرضٍ تنزِلون بها ... كأَنَّكم لِبقاعِ الأَرضِ أَمطارُ
فحيثُ كنتمْ فثَغرُ الروض مُبتسمٌ ... وأَين سِرتمْ فدمعُ المزن مِدرارُ
стр. 488
لله قَوْمٌ إِذا حلّوا بمَنزلةٍ ... حَلَّ النَّدى ويسير الجودُ إِن ساروا
لا يَعْجَب النّاسُ منكم في مَسيرِكمُ ... كذلك الفَلكُ العُلْويُّ دَوّارُ
والبدرُ مُذ صِيغَ لا يرضى بمنزلةٍ ... فيها يُخَيِّمُ فهو الدهرَ سيّارُ
وذكره عمارة في شعراء اليمن بعد ذكر بني عقامة وقال: وممن عاصرته، وعاشرته، وكاثرته، من بني عقامة القاضي الفاضل أبو عبد الله محمد بن عبد الله وكان يعرف بالحفائلي وهو من أسماء المكتب وكان نبيلاً فاضلاً فقيهاً متكلماً شاعراً مترسلاً رئيساً ممدحاً، يثيب السائل ويجيب السائل إرفاداً وإفادرة، وجوداً وإجادة، وانتهت رياسة مذهب الشافعي في زبيد إليه وإلى ابن عمه القاضي أبي محمد عبد الله بن محمد بن أبي الفتوح فمن شعر هذا القاضي الحفائلي ما كتب به جواباً إلى ابن عمه أبي العز قوله:
رِفْقاً فَدَتْك أَوائلي وأَواخري ... أَين الأَضاةُ من الفُرات الزاخر
أَنتَ الذي نوّهتَ بي بين الورى ... ورفعت للسارين ضوءَ مفاخري
ومن شعره في الحداثة قوله:
وبُكْرةٍ ما رأَى الراؤون مُشبِهها ... كأَنّما سُرقت سِرّاً من الزمنِ
غيمٌ وظِلٌّ وروْضٌ مُونِقٌ وهوىً ... يجري من الروح مجرى الروج في البدنِ
غنَّتْ بها الطيرُ أَلحاناً وساعدها ... رقصُ الغصون على إِيقاعها الحسنِ
فقد سكرتُ وما الصهباءُ دائرة ... فيها ولا نَغَمات العودِ في أُذني
وقوله من قصيدة إخوانية:
تشتاقكم كلُّ أَرضٍ تنزلون بها ... كأَنّكم لبقاعِ الأَرض أَمطارُ
تقدم له هذا البيت.
وقوله في العتاب:
عَذَرْتُك لو كانت طريقاً سلكتَها ... مع الناس أَو لو كان شيئاً تقدّما
فأَمّا وقد أَفردتَني وخَصصتني ... فلا عُذْرَ إِلاّ أن أَعود مُكرَّما
قال عمارة، ومما كتب به جواباً من كتاب تشوقت فيه إليه:
إِذا فاخرتْ سَعدُ العشيرةِ لم يكن ... لأَخْلافها إِلاّ بأَسلافك الفخرُ
وبيتُك منها يا عُمارة شامخٌ ... هَوَتْ تحته الشِعْرى ودان له الشِعرُ
وحيث ذكرنا هذا القاضي الحفائلي فنذكر بني أبي عقامة، قضاة تهامة، ونقدم والده وهو:
القاضي أبو محمد عبد الله بن علي بن محمد بن علي
ابن أبي عقامة
وكان شاعراً مجيداً، ومن شعره:
ما لهذا الوَفاءِ في الناس قلاّ ... أَتُراهم جَفَوْهُ حتى استقلاّ
ومن ترسله يخاطب ابن عمه القاضي أبا حامد بن أبي عقامة وقد شجرت بينهما منافسات على الحكم: سل عني قومك ونفسك، ويومك وأمسك، تجدني معظماً في النفوس، قاعداً على قمم الرؤوس.
ومنهم:
القاضي أبو العز عثمان بن أبي الفتوح
ابن علي بن محمد بن علي بن أبي عقامة، وهو ابن عم الحفائلي. ذكره عمارة، في فضله بالغزارة، وفي جاهه بالنضارة، وقال ولي القضاء في الأعمال المضافة لزبيد، وكان جواداً مداحاً ممدحاً، يخلع على الشعراء ويعينهم.
وكان أبوه القاضي أبو الفتوح واحد عصره، ونسيج دهره في العلم وصنف كتباً في المذهب والخلاف، لم يتفقه أحد بعد تصنيفها إلا منها.
وفي هذا أبي العز ولده يقول القاضي الجليس أبو المعالي عبد العزيز بن الحباب، وقد أوردناه في شعراء مصر، حين دخل اليمن في أيام الراهب قصيدة منها:
أَبني عَقامةَ لست مُقتصِداً ... في وصفكم بالمَدحِ ما عِشتُ
عَلِقَتْ يدي منكم بحبل فتىً ... ما في مرائر ودِّه أَمْتُ
ومن شعر أبي العز قوله في رزيق الفاتكي الوزير:
نَفْسي إِليك كثيرةُ الأَنفاسِ ... لولا مُقاساةُ الزمان القاسي
وله:
بأَيّ المعاني من كِتابِك أَكْلَفُ ... وقد لاح طُومارٌ من النَّفس أَكلفُ
ومنها في الفخر:
أَصِخْ أُذناً وانظر بعينك هل ترى ... من الناس إِلاّ من عَقامة تردف
وضمن فقال:
ترى الناس ما سِرْنا يسيرون خَلْفَنا ... وإِن نحن أَوْمَأْنا إِلى الناس وقفّوا
ومن مراثيه قوله في أهله وقد زار مقابرهم بالعرق:
стр. 489
يا صاحِ قِفْ بالعِرْق وقِفْةَ مُعْوِلِ ... وانزِل هناك فَثَمّ أَكرمُ مَنزلِ
نزَلت به الشُّمُّ البواذِخُ بعدما ... لحظَتْهمُ الجَوْزاء لحظةَ أَسفلِ
أَخواي والولدُ العزيزُ ووالدي ... يا حَطْم رُمْحي عِند ذاك ومُنْصُلَي
ومنها:
هل كان في اليمنِ المُباركِ قبلنا ... أَحدٌ يُقيم صَغا الكلام الأَمْيَل
حتى أَنار الله سُدْفةَ أَهله ... ببني عَقامة بعد ليلِ أَلْيَلِ
لا خَيْرَ في قول امرئٍ متمدّحٍ ... لكن طغى قلمي وأَفرط مِقْوَلي
ومنهم:
القاضي أبو محمد الحسن بن أبي عقامة
وهو أقدم عصراً ممن ذكرناهم، كبير البيت والقدر، غزير الفضل، وكان فقيهاً شاعراً، إماماً في العربية واللغة ماهراً، قتله الملك جياش بن نجاح صاحب زبيد وقد ولي القضاء في زمانه. ولسبب قتل جياش له يقول ابن القم الشاعر يخاطب جياشاً:
أَخطأَت يا جَيّاشُ في قتل الحسنْ ... فقأْتَ والله به عَيْنَ الزمنْ
وفيه يقول:
تَفِرُّ إِذا جرَّ المُكَرَّم رمحَهُ ... وتَشْجُع فيمن ليس يُحْلي ولا يُمْري
قال والعقاميون ينقمون هذا البيت على ابن القم ويقولون: قتل صاحبهم أهون عليهم من كونه لا يحلي ولا يمري.
ومن شعر هذا القاضي أبي محمد أنه لما سمع قول المعري:
إِذا ما ذكرنا آدماً وفِعالُه ... وتزويج ابْنيه لبنَتْيه في الدُّنا
علمنا بأَنّ الخلق من أَصلِ زَنْيَةٍ ... وأَنَّ جميع الناس مِن عُنْصر الزِّنا
أجابه بقوله:
لَعَمْرُك أَمّا فيك فالقولُ صادِقٌ ... وتكذِبُ في الباقين مَنْ شَطَّ أَوْ دَنا
كذلك إِقرارُ الفتى لازمٌ له ... وفي غيره لَغوٌ كذا جاءَ شرعُنا
وشعره في نهاية من الحسن والجودة:
الغر نوق
ذكر أنه من الطارئين على تهامة ومن جيد شعره قصيدة يمدح بها القاضي المعروف بالحفائلي أولها:
غُدِقَت مَقاليدُ الإِمامهْ ... بالشُّمِّ آلِ أَبي عَقامهْ
القوم راحةُ طفلهمْ ... في المهد تَهطِل كالغَمامهْ
ومنها في الممدوح وهو طائل في معناه:
وإِذا العَروبة أَسْفرتْ ... عن وجه مِصْقعة لِثامَهْ
هنّا منابرَه الأَذا ... ن به وعَزَّتْها الإِقامةْ
وهو القائل في الوزير مفلح الفاتكي وكان حبشياً معلوطاً:
أَأَكرمَ وَجْهٍ خَطَّه كَفُّ لاعِطِ ... فَدَتْ نَعْلَك اليُسرى جُدودُ الأَشايط
بنو الأشيط عرب ريمة قبل لم يأت في اللغة لاعط وإنما جاء عالط.
ودخل هذا الشاعر المدرسة عند الفقيه ابن الأبار بزبيد وقد تضايقت المجالس لكثرة الطلبة فارتجل قوله يخاطب الفقيه:
مجلسُك الرَّحْبُ من تَزاحُمه ... لا يَسَعُ المرءَ فيه مَقْعَدُهُ
كلٌّ على قَدره ينال، فذا ... يَلْقُط منه وذاك يحْصِدُهُ
الفقيه أبو العباس أحمد بن نجارة الحنفي
وصفه بالتبريز في علم الكلام واللغة والأدب، لكنه امتطى مركب الطرب، وعرف بالخلاعة والاستهتار، واجتاز ليلة بدار القاضي أبي الفتوح بن أبي عقامة وهو سكران، وكان القاضي فظاً في ذات الله وابن نجارة يخلط في كلامه وهذيانه، وليس عند القاضي أحد من أعوانه، فصاح عليه القاضي: إل هذا الحد يا حمار، فوقف ابن نجارة وارتجل مخاطباً له:
سَكَراتٌ تعتادُني وخُمارُ ... وانتشاءٌ أَعتاده ونُعارُ
فَمَلومٌ مَنْ قال أنّي ملومٌ ... وحِمارٌ من قال أنّي حمارُ
الشيخ أبو عبد الله محمد بن علي بن عبد الله بن علي
ابن هندي
ذكره الرشيد ابن الزبير في كتاب الجنان، وقال هو خاتم أدباء العصر، بهذا المصر، وقال فمما أنشدني من شعره قوله:
عَقْلُ الفتى مَّمِن يُجالسه الفتى ... فاجعل جليسك أَفضلَ الجلساءِ
والعلم مصباح التُّقى لكنّه ... يا صاحِ مُقتَبسٌ من العلماء
وقوله:
لَثِمَتُ بِفي التَّفَكُّرِ وَجْنَتيْه ... فسالَتْ وجْنَتاه دماً عَبيطا
стр. 490
وصافحني خيالٌ منه وَهْناً ... فخطَّتْ في يَديْه يَدي خُطوطا
وقوله في معناه:
هَممتُ أَنْ أَفْكِرَ في حُسنِه ... فَخَرَّ مَغْشِيّاً لِفَرْط الأَلمْ
وأَشْعَرَ الوهم إِلى خدّه ... فانصبغ الخدّان منه بدمْ
وقوله أيضاً:
وإِخوانٍ بَذَلْتُ لهم وِدادي ... وحُطتُ مكانهم عندي وصُنتُ
فكم من ليل مَهْلكةٍ وبؤسٍ ... وحَدٍّ مَنِيَّةٍ فيهم ركبتُ
وكم من بحرِ مَعْطَبَةٍ وموتٍ ... سبَحت مُخاطراً فيهم وخُضتُ
أَضاعوني وما ذنبي إِليهمْ ... سوى رُخْصي لما أَنّي رَخُصْتُ
وقوله:
وكأْسِ مُدامةٍ في كَفِّ خُشِفٍ ... رَخيم الدَّلِّ مَلْثوغِ الكلامِ
حكَتْ بَهْرامَ إِذ ترك الثُّرَيّا ... يساير في الدُّجى بدرَ التَّمامِ
وقوله:
أَقْصيتْني لما افتقرت ولم أَكن ... أَرجوه منك وقد علمتَ كمالي
هذا المثلث ذو ثلاثةِ أَضلُعٍ ... لا غيرَ، وهو مُقدَّمُ الأَشكال
وقوله في أرمد:
قلتُ له وَرْدٌ بخدَّيْك، ذا ... فقال لا بَلْ دمُ عُشّاقي
قلتُ فمن أَهرقه فيهما ... فقال لي: مُرْهَف أَحداقي
قلتُ فما بُرهانه قال لي ... بقيةُ الدمِ بآماقي
وقوله وقد أحسن في التشبيه:
تَوَسَّدَ الوردَ وقد ومال بالْ ... أَجفان من عَيْنيه إِغفاءِ
فأَشْبَهَ البَدْر إِلى جَنْبه ... سَحابةٌ في الجوّ حَمراءِ
وقوله:
الخير زَرْعٌ والفتى حاصدٌ ... وغاية المزروع أَن يُحْصَدا
وأَسعدُ العالَمِ مَن قَدَّم الْ ... إِحسان في الدنيا لينجو غدا
ابن مكرمان
الشاعر من أهل جبال برع قال عمارة: وممن رأيته قد ناهز المائة الشاعر المعروف بابن مكرمان، قال ورأيت أهل تهامة يكرمونه ويعظمونه ويخلعون عليه، وله قصيدة سارت في اليمن في أفواه العامه مدح بها الأمير الشريف غانم بن يحيى بن حمزة السليماني فأثابه عنها بألف دينار فمنها:
ما عَسى أَن يُريدَ منّي العَذولُ ... وفُؤادي مُتَيَّمٌ متبولُ
هَمُّه الهجرُ للغواني وقَلبي ... سَلبتْهُ خَريدة عُطْبولُ
كيف صَبري وقد بدالي من السَّجْ ... ف أَثِيثٌ جَعْدٌ وخَدٌّ أَسيلُ
وجهُها أَبلجٌ ومَبْسِمها د ... رٌّ ولكنَّ الطَّرْف منها كحيلُ
ولها ناهدٌ وخصرٌ لطيفٌ ... وقَوامٌ سَمْتٌ ورِدْفٌ ثقيلُ
يطلب العاذلُ المُكلَّف بَيْني ... يَنْثَني القلبُ وهو لا يستحيلُ
يا خَليليَّ من ذُؤابة قحطا ... ن بنِ هودٍ أَلان جَدَّ الرَّحيلُ
إِنَّ بالسّاعد الحصينة مَلكاً ... طالبياً مَنْ زاره لا يَعيلُ
عَلَوِيّاً مُتَوَّجاً هاشميّاً ... حَسَنَيّاً نَواله مَبْذولُ
أَنتّمُ يا بني البَطين لُيوثٌ ... وغُيوثٌ وأَبحرٌ وسُيول
مارَنا طالبٌ إلى مجدكم بال ... طَّرْف إِلاّ ثَناه وهو كَليلْ
ومتى همّ أَن يُساويَكمْ أعْ ... وَزَهُ السُّودَدُ العريض الطويلُ
يا سليل البَطِين والحُرَّةِ الزهْ ... راء هي الطُّهر والحَصانُ البَتولْ
خمسةٌ خَصَّهمْ بتخصيصه الخا ... لقُ رَبّي وهو اللطيف الجليل
ما لهم سادسٌ غداة الذي مدَّ ... عليهم كساءه جِبريلُ
ما تَرَى في الملوك كالغانِم المَلْ ... ك ابن يحيى هيهات أَيْنَ المثيلُ
أَنتَ يا با الوَهَّاس بَدْرُ مَعالٍ ... ماله مُذْ أَضاء فينا أُفولُ
لك خُلْق كأَنّه عَرْفُ مِسْكٍ ... دُونه في مَذاقِهِ السَّلسبيلُ
حيث ما كنتَ أَو حللَت من الأَرْ ... ض حَليف العُلى فأَنت أَصيلُ
стр. 491
لم أُجالسْ إِلاّ الملوك ولم أَمْ ... دح سواهُمْ ولم يَجُر بي السبّيلُ
إِنْ تَجَوْهَرتُ في المديح فإِنّي ... أَجِدُ المدحَ واسعاً فأَقولُ
منكُمُ يُحْسُن الصّنيعُ وأَنتمْ ... خَيْرُ من يُسْأَلُ العَطا فَيُنيلُ
ومن شعراء تهامة واليمن المشهور بالجودة الخكميون آل أبي الحسين فمنهم:
الشيخ أبو الحسن بن أبي الحسين
ومنهم أخوه:
محمد الأعرج
وقد كان كداحاً، مداحاً، شريباً لا يصحو حتى يفتقر.
ومنهم:
علي بن أبي الحسين
وهو أشعرهم بل أشعر عرب تهامة: قال عمارة في مجموعه: وا، اأعرفه ديناً ورعاً جواداً عند منزله. قال: ولم يحضرني منشعرهم شيء مع كثرة ذلك باليمن.
القاضي أبو بكر اليافعي
حكى عمارة في مجموعه أنه أدركه جليساً للملوك، خصيصاً بملكي اليمن المنصور ابن المفضل والمتوج الداعي محمد بن سيأ صاحب عدن، ومن شعره قوله يصف شعره:
شِعرٌ إِذا أَنشدتُه في مجلسٍ ... فكأنني جَمَّرته بالعودِ
وقوله:
أَستودِعُ الله الذي ودعَّا ... ونحن للفُرقة نبكي معا
أَسْبلَ من أَجفانه أَدْمُعاً ... لمّا رآني مُسْبِلاً أَدْمعا
وقال لي عند فارقي له ... ما أَعظم البينَ وما أَوْجَعا
وشعره كثير مطبوع
نشوان الحميري
من شعراء الجبال ذكر أنه فحل الكلام قوي الحبك، حسن السبك. قال: وبلغني أن أهل بيحان ملكوه عليهم، فمن شعره قوله في الفخر باليمن:
مِنّا التبَّايِعةُ اليمانون الأُلى ... ملكوا البسيطة سَلْ بذلك تُخْبرِ
مِن كلِّ مَرْهوبِ اللقاء مُعصَّبٍ ... بالتاج غازٍ بالجيوش مُظَفَّرِ
تعنو الوجوهُ لسفيهِ ولرُمحهِ ... بعدَ السُّجود لتاجِه والمِغْفَرِ
يا رُبَّ مفتخرٍ ولولا سَعيُنا ... وقيامُنا مع جَدّه لم يَفْخَر
فافْخَر بقحطانٍ على كلِّ الورَى ... فالناسُ من صَدَفٍ وهم من جوهرِ
وخلافةُ الخُلفاء نحنُ عِمادُها ... فمتى نَهُمّ بِعَزْل والٍ نَقْدِرِ
مثل الأَمين أو الرشيد وفتكنا ... بهما ومثل ابن الزُّبَيْر القَسْوَر
وبكُرَهْنِا ما كان من جُهّالنا ... في قتلِ عُثمانٍ ومَصرعِ حَيْدَرِ
وإِذا غَضِبنا غَضبةً يَمنّيةً ... قَطَرت صوارمُنا بموْتٍ أَحمرِ
فَغدتْ وهادُ الأَرضِ مُترعَةً دماً ... وغَدتْ شِباعاً جائعاتُ الأَنْسُر
غدا لنا بالقهر كُلُّ قبيلةٍ ... خَوَلاً بمعروف يَزينُ ومُنكَر
وإِناخَةُ الضِيفات فرضٌ عندنا ... يلقى به الولْدِانُ كلَّ مُبَشرِ
وله أيضاً:
من أين يأَتيني الفسادُ وليس لي ... نَسبٌ خبيث في الأعاجم يوَجدُ
لا في عُلوج الرُّوم خالٌ أزرقٌ ... أَبداًولا في الحبش جَدٌّ أَسودُ
إِني من النَّسبِ الصَّريح إذا امرؤٌ ... غلبت عليه العجم فهو مُولَّدُ
ما عابني نَسبُ الإِماء، ولا غدا ... باللؤْم مُعْرِقُهُنّ لي بتردّدُ
مُوتي قُريشُ، فكلُّ حَيٍّ ميِّتٌ ... للموت منّا كلُّ حيٍّ يولدُ
قلتم: لكم إِرْثُ النبوّة دوننا ... أَزعمتمُ أن النُّبُوَّة سَرْمُد
منكم نبيُّ قد مضى لسبيله ... قِدْماً فهل منكم نَبيٌّ يُعبَدُ
قاتله الله ولعنه وأخزاه، ما أشد افتراه، على الله وأجراه، وأية، فضيلة فوق هذا، ولولا النبي المصطفى الذي اختاره الله واجتباه، وجعله الوسيلة إلي نيل رضاه، صلوات الله عليه وسلامه ما سعدوا ولا فازوا، ولا حازوا من الشرف والفضيلة ما حازوا.
ولما رجع الملك المعظم فخر الدين شمس الدولة ملك اليمن تورانشاه إلى دمشق واجتمعت بأصحابه في المحرم سنة اثنتين وسبعين سألتهم عن شعراء اليمن الموجودين فذكروا جماعة لم يوردوا لهم شعراً.
فمنهم:
ابن المسبح الكاتب
стр. 492
كهل في زبيد، كان يكتب لعبد النبي بن علي بن مهدي، فلما ملك الملك المعظم زبيد، وذهب زبد بني مهدي جفاء، سام ابن المسبح أن يخدمه فلم يفعل، ولزم العظمة وفاء واستغناء، وهو شاعر مترسل عارف.
ومنهم:
الفقيه الضجاعي
ذكروا أنه شيخ أعمى في أعمال زبيد.
ومنهم:
علي بن عزاز
شاب ذكي من تناء زبيد.
عبد الله بن أبي الفتوح الحرازي
قال عمارة: اجتمعت به في زبيد وفي الكدراء عند القائد إسحاق بن مرزوق، وهو القائل:
أَنالَتْكَ أَيامُ الزمان المَطالِبا ... وأَعْلَتك أَبراجُ النجومِ الكواكبا
وصاغت لك الأفلاكُ في دَورانها ... لُباناتِ مَجْدودٍ وساقَت مآربا
فكن واهباً لِلنَّيِّريْنِ رِدافةً ... وَدَعْ عنك أَملاك البريّة جانبا
ووصفه بالرياسة والحسب في نفسه وقومه وبلاده، وملوك بني مهدي تجله وتعظم صلته إذا وفد عليها.
ومنهم:
يحيى بن موسى
قال وأظنه الأهنوي. له:
سيُكشَف بعد عَشْر سنينَ تمضي ... غِطاء الغيب عن أَمرٍ جديدِ
وسوف يَقُودها شُعْثَ النَّواصي ... طهارتُها التيمُّمُ بالصّعيدِ
أَبت ظِلَّ المَعاقِل فاستعاضت ... به ظِلَّ القَساطل والبُنودِ
إِذا خرجتْ من الغَمَرات قالتْ ... لها فُرسانُها الأَبطالُ عودي
تَزورُ على القطيعة مَنْ جَفاها ... وتُفني كلَّ جبارٍ عنيدِ
ومنهم:
السليف الحكمي
له:
أَحمائمَ الأَثَلاتِ من وادي الحِمى ... أَنتُنّ هَيَّجْتُنَّ صَبّاً مُغْرَما
ما لي الغَداةَ وما لَكُنَّ ولِلْبكا ... جَزَعاً ولكنْ لا أَرى دمعاً همي
إِن الحَمام إِذا تغنّى شاقني ... ويزيدني شوقاً إِلى ذاتِ اللَّمى
ومنهم:
السلطان حاتم بن أحمد بن عمران
صاحب صنعاء، ذكر أنه كان القاضي الرشيد بن الزبير، وهو من فضلاء صعيد مصر من معاصرينا، قد جاوره بصنعاء، وعاين منه السؤدد والعلاء، وكان يصف فضائله وفواضله، ورياسته، وكياسته، وزعامته، وشهامته، وصرامته، ومن شعره قوله:
تركتُ أُناساً في غَضارة عَيْشِهم ... وأَمَّنْتُهم من طارِق الحَدَثان
وكنتُ لهم حِصناً حصيناً وموئلاً ... وأَصْلَتُّ سيفي دونَهم ولِساني
وعلَّمتهم رَمْيَ العدوّ فكُلُّهمْ ... تَعمَّدني دون العِدى فرماني
القاضي يحيى بن أحمد بن أبي يحيى
قال بنو يحيى بصنعاء، وإن شهروا باسم القضاء، فعنهم تنفذ الأوامر بالإمضاء، وعزهم يظل من حر الرمضاء. قال وليس في أهل الجبال المعاصرين أشعر من هذا يحيى بن أحمد، وأورد من شعره قوله من مطلع قصيدة في الداعي محمد بن سبأ وقد عزم على الخروج إلى ذي جبلة ليملك بلاد المنصور بن المفضل:
النصر من قُرناءِ عَزْمِك فاعزِمِ ... والدَّهرُ من أُسراءِ حُكْمك فاحْكُمِ
وله على لسان الداعي محمد بن سبأك
أَدركتُ أَوْتاري من الأَعداءِ ... ومَلكتُ من عَدَنٍ إِلى صَنْعاءِ
وبلغتُ بالجُرْدِ العِتاق وبالقَنا ... ما شئتُ من شَرفٍ ومن عَلْياءٍ
ومنها يذكر مواطأة المنصور بن المفضل أهل تهامة وهم الحبشة على تركه وغزو بلاده ويذكر ما جرى على بني وائل من أهل وحاظة:
وهُم بأَهلِ تِهامة أَغْرَوْهُمُ ... جَهْلاً بِحَرْبي أَيَّما إِغراءِ
وهمُ بأَهلِ أحاظةٍ فتكواوهُمْ ... دون البريّة كلّها لُزَمائي
أَخذوا معاقِلَهم وهُنَّ معاقلي ... وسبَوْا نساءَهُمُ وهُنَّ نِسائي
قال ووهب الداعي محمد بن سبأ لابن سلمان، وهو من قومه، ألف دينار فارتجل ابن أبي يحيى هذا في ذلك المجلس مخاطباً للداعي:
لا فخرَ إِلاّ إِذا أَقبلت مُسْتَلِماً ... كفَّ المَكين ظهيرِ الدين مَوْلانا
هي التي تَهَبُ الآلافَ وافيةً ... إِنْ كنتَ غِرّاً فَسَلْ عنها ابن سَلْمانا
стр. 493
فقال الداعي: أنا أبو عبد الله، أما ابن سلمان فهو ابن عمي، ولكن تسأل أنت عنها. ثم أمر له بألف دينار في الحال.
قال وبلغني أن أصحاب ابن مهدي ذبحوه في حصن المجمعة من مخلاف جعفر.
ومنهم:
المقرئ أحمد بن محمد بن مرزوق
قال:
داعيكمُ في المَكْرُمات يُجابُ ... وإِليكمُ القَفْرُ القَواءُ يُجابُ
أَنْتم لكلِّ فضيلة وصَنيعةٍ ... رُبَّتْ بأَعناق الورى أَربابُ
ما دونُ نائلكم مِطال يُتَّقى ... أَبداً ولا دون الوُجوه حِجابُ
آلَ الزُّرَيْع زرعتمُ العِزَّ الذي ... جادَتْهُ منكم للسَّماح سَحابُ
لسنا نُبالي بعد طِيب أُصولكم ... وفروعكم خَبُثَ الوَرى أَم طابوا
ومنهم:
محمد بن عيسى الريمي
منسوب إلى أعمال ريمة. له:
لبس البهاءَ بِعسيك الإِسلامُ ... وتجمّلتُ بفَعالك الأَيامُ
فُتَّ الملوكَ فضائلاً وفواضلاً ... وعزائماً عَزَّتْ فليس تُرامُ
خطبوا العَلاء وقد بَذَلَت صَداقَها ... فنِكاحُها، إِلاّ عليك، حرامُ
القاضي سليمان بن الفضل
ولي الحكم بمدينة عدن فمن شعره قوله في الحداثة:
عاطٍ النديمَ زُجاجةً بيضاءَ ... ودَعِ العَذولَ وأَلْغِه إِلغاءَ
بِكْرٌ وقد نُكِحتْ بفضّ خِتامها ... أَعْجِبْ بها منكوحةً عذراءَ
عيسى المسيحُ أحلَّها ومحّمدٌ ... يَأْبى أَأَحسنَ ذا وذاك أَساءَا
وله:
أَصبحتُ لا أَرهَبُ الأَيامَ والنُّوبَا ... لأَنَّني جارُ مَنصورٍ وجارُ سبا
فإِن سطوتُ عَلَى الأَيام مقتدِراً ... أَو ارتقيْتُ إِلى الشِّعْرى فلا عجبا
فقل لِمَنْ رام كَيْدي أَوْ مُعانَدتي ... أَقْصِر، ففي تعبٍ مَن عاند الشُّهُبا
ابن الهبيني
من شعراء تهامة، شاعر علي بن مهدي الخارج بزبيد وأولاده من بعده، وصفه عمارة بمتانة الكلام، وقوة النظام، قال وهو الذي يقول على لسان ابن مهدي:
أَبْلِغْ قُرى تَعْكُرٍ ولا جَرَما ... أَنَّ الذي تكرهون قد دَهَمِا
وهذه القصيدة تنسب إلى ابن مهدي وقد أوردتها في شعره.
وله على لسان ابن مهدي أيضاً:
ما بال خَوْلان لا تُوفي بما تَعِدُ ... يدنو أَبو حسنٍ منها وتَبتعدُ
وما لِجَنْبٍ وسِنْحان وأُختِهما ... هَمْدان، تلك الأَعاريب التي حشدوا
وله هذه القصيدة التي أوردنا من قبل للأديب أبي بكر العيدي على وزنها:
العِزُّ في صَهَوات خيل الأَجْبهِ ... وطرادِها من مَهْمَهٍ في مَهْمَهِ
مِنْ كلِّ صَهْصَلِقِ الوغى مَتَوَقِّدٍ ... وتراه عند قِيادِه كالأَبلهِ
مُتَنَزِّهٍ ماضٍ على عِلاّته ... يعدو بِشِكَّةِ فارسٍ مُتَنَزَّهِ
وبَياهِس تحت العَجاجِ فُوَيْقَها ... شُعْثُ الرؤوسِ مُكَلَّمات الأَوْجِه
أُسْدٌ إِذا ما أَبصرتُ أُسدَ الشَّرى ... ورأَت حِياضَ الموتِ لم تَتَجَهْجَهِ
آجامُها زَرَدُ الدِّلاص كأَنهُ ... بالصُبْح رقراقُ السحاب الأَمْرَه
تعدو أَما مُتوَّجٍ مُتَبَلِّجٍ ... مُتَيقِّظٍ مُتوقّد مُتنبّه
مُتفقِّهٍ في الدين لكنْ لم يكن ... مِنْ عند غيرِ الله بالمتفقّه
مَلِكٌ إِذا اشتبه الملوكُ فما له ... في مُلكه وصَلاحه من مُشْبَه
جَبّاهُ حقٍ من بني هودٍ متى ... تسأَلْه يَصْدَع بالبيان ويَجْبَهِ
ومنزِّهُ الدين الحنيفيِّ الذي ... لولا الإِمامُ القطبُ لم يَتنزّهِ
بصوارمٍ ولَهاذم وضراغمٍ ... وملاحمٍ بلغتْ به ما يشتهي
ومقانبٍ وكتائب كالعارض ال ... متراكم المُتأَلَّق المُتَقَهْقِهِ
هلاّ سأَلت الأَعجمْين كليهما ... من آل حامَ به وآل مُنَبِّهِ
стр. 494
ووقائعاً بين الحليب ومونص ... فإِلى مصينع أَو مقينع أَوجه
ولربَّ يومٍ بالحُصَيْب ودربها ... بالقطب كان على الأَعاجم، أَكرَه
وعواصف بحصيبة عَصفتْ على ... حُبْشانها وعَلَى الدّعيّ الوَهْوَه
أَخبارُ أَيام الإِمام فواكهٌ ... فأَصِخْ بسمعك نحوها وتفكَّه
سِيَرُ الإِمام قديمُها وحديثها ... فرَجُ القلوب وروضة المُتَنَزِّه
أَشهى مِن الماءِ الزُّلالِ عَلى الظَّما ... وأَلَذُّ من عَصْرِ الشَّباب الأمْوَه
فاليوم بَخْبِخْ للخليفة بعده ... بالقائمْين الهادِيَيْن وزَهْرِه
سِبْطَيه قُطبيه اللذين إليهما ... شرفُ الخِلافة والإِمامة ينتهي
ويقول مَنْ كالأَجْبَهَيْن مخبِّرٌ ... فيقول سائله ومَنْ كالأَجْبهِ
يُسْتَثْقَلُ الشيء المُعادُ، وذكرهُ ... تُصْبي إِعادتُه الحليمَ وتَزدهي
أمُجَشِّمِيها كلَّ ليلٍ حِندسٍ ... شُعْثاً، بنفسي كلّ مَرْتٍ أَجْلَهِ
عرضتْ بعارضة ابن أَعرجَ فاغتدتْ ... عَرْجاء ناظرةً بِعيْني أَكْمهِ
ابن الأعرج رجل حبشي، والعارضة معقل له، ومكرشة أيضاً معقل.
ولوَتْ بمكرشةٍ فعضّت أَهلَها ... أَنيابُ نازِلةِ الخطوب العُضَّهِ
وَرَمَتْ بسِجّيل العَذاب عبيدَها ... تركتْهمُ عَصْفاً بيومٍ أَتْوَهِ
أَشبهتما قطبَ الملوك أَباكما ... قَوْلاً وفعلاً منه غير مُشَبَّهِ
تالله إِنَّكما لأَكرمُ مَعشرٍ ... هُدِيتْ لهم خُوصُ الرِّكاب التُّيَّهِ
وعبيد شعري شِعرُ رُؤْبةَ فيكمُ ... وأَبوه عَجّاجٌ وشِعْر الأَفوه
وأَنا المُفوّه لا المُفهّه فيكم ... كم بينَ قَوْلِ مُفَوَّهٍ ومُفَهَّه
صلّى عليكم بعد أَحمدَ ربُّنا ... ما طافَ ذِكركمُ براكب عَيْدَهِ
الفقيه أبو بكر المحيرفي
ذكره لي بعض عبيد أمير مكة بمصر فأثنى عليه وقال: كان يعلم أولاد الأمير. وأنشدني له من قصيدة في الأمير حسن بن يحيى:
أَهدتْ إِليك على البِعاد سَلامَها ... مُستصْحِباً صادَ الصَّلاة ولامَها
وتخيَّرَتْك مِن البريَّة مَلْجَأ ... نفسٌ أَبتْ من لا يرى إِكرامَها
ومنها:
تاه الزمانُ بدولة الحَسَنِ الذي ... ما زال مُنتظراً بنا أَيّامَها
يا عِزَّ آل محمدٍ وهُمامَها ... ولسانَها فيما حوى وكلامَها
وهذا آخر ما وقع إلي من شعراء اليمن إلى آخر سنة اثنتين وسبعين، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وأصحابه أجمعين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
بداية قسم شعراء الشام
الجزء الرابع
مقدمة العماد لقسم شعراء الشام
стр. 495
وشعر الشاميين أصح وزناً، وأسح مزناً؛ وأمتن صيغةً، وأحسن صبغةً، وأحكم صنعةً، وأسلم رقعةً؛ وأرفع نسجاً، وأنفع مزجاً، وأقوم معنىً، وأحكم مبنىً، فإن العراقيين، بغاية لطفهم، ونهاية ظرفهم، غلبت الرقة على كلامهم حتى اعتل نسيم نسيبهم، وانماعت في ماء اللطف صناعة ترتيبهم وتهذيبهم، فكأن نظمهم روحٌ بلا شبح، وراحٌ بلا قدح. وأما أهل الشام فإن جبلة جبلهم اقتضت لهم إحكام الحكم، وأفضت بهم إلى إتقان الكلم، وقصدوا الإمعان في المعاني، وخلوا للمجان حلاوة المجاني، فخشنوا ولانوا، وعزوا وهانوا، ودنوا وما دانوا، وبعدوا وما بانوا وأبدعوا، فأولئك رقوا، وهؤلاء دقوا، على أن أهل العراق إذا ندر فيهم من ملك من الرقة رقها، وأعطى الصنعة حقها فاق الكل وفات، وأرى في صورة نظمه من اللذات الذات، لكن الطبع للعرب أغلب، وأنبع من الغرب أصوب وأصلب، والعراق أعرب وأعرق، والشام أغرب وأغرق، وفضلاء الإقليمين أعيان، وملء قلائدهم درٌ وعقيان، وحشوُ فرائدهم لؤلؤٌ ومرجان، ولكل زند اقتداحٌ، ولكل قريحةٍ اقتراح، ولكل خاطرٌ خطرٌ، ولكل ناظرٍ نظرٌ، وصناعة الشعر مختلفةٌ، وأربابها متفاوتةٌ، وللشعراء فيما يحسنون مراتب، وللناس فيما يعشقون مذاهب، والغرائز من الله مواهب، ولشموس القرائح ورياضها مشارق ومشارب، والبواعث لمواضيها صياقل، والحوادث عن مراميها حوائل، والدواعي لها دواعم، والمعالي لأهلها معالم.
ولقد كان مجد العرب العامري حين كان بأصفان في سنتي ثلاث وأربع وأربعين يثني على فصحاء الشام ويفضلهم على سواهم، وينجذب إلى جانب هواهم، ويظهر بإنشاد بدائعم، وإيراد صنائعهم ما فضلوا به من القوى في القوافي، وبعد المطار بقوادم القدرة فيها الخوافي، وينشر من مفصلات ابن الخياط كل وشيٍ مذهب الطراز، ويورد من قسيات القيسراني كل ما يشهد أعجاز صدور عصره بحسن صدوره والأعجاز، وينير لنا من محاسن ابن منير ما يترنح ويتملح له عطف الأهتزاز، وطرف الإعتزاز، ويعدد ويشدد، ويكرر التعصب لهم ويردد، ويعلل له وأنا أطالبه بالتأثير، ويبرز الإخالة والمناسبة بحسن التعبير ويقول: من كابن حيوس، لا سيما في متح معين المدح، وكابن سنان الخفاجي في إنارة سنا خاطره السمح، وهل للعراقيين رقة عبد المحسن الصوري المحسن في إبداع الصور، واختراع الغرر، ومن أدرك مغزى الغزي الذي ينظم الدرر، في سلك المعنى المبتكر، وهل كان البحتري إلا من الشام، وكذلك أبو تمام؟. فقلت إن له العراق أعدى بالرقة حبيباً والوليد، ومن يقاوم من أولئك أبا الطيب إذا أنشأ القصيد؟ وكيف رضيت بإهمال الرضي والمرتضى، والفضلاء المتقدمين الذين أفق زمانهم بهم أضأ، وإنما لكل عصرٍ عصارة، ولكل زمانٍ بأفاضل بنيه نضارة وغضارة، ولكل مكانٍ مكين، ولكل معانٍ معين، ولكل أرضٍ روض، ولكل فهم في حوض العلم خوض.
وكنت مدة مقامي في بغداد أتشوق إلى تلقاء الشام، وأود لقاء أهل الفضل الكرام، حتى وصلت إلى دمشق في شعبان سنة اثنتين وستين وخمسمائة فوجدت الشام عادماً للعلماء والأعلام، وصادفته قد صدف عنه الفضل، وصدح به الجهل، خاوياً على عروشه، خالياً من نقوشه، لا يلفي به آلف، ولا يعرف لذوي المعرفة عارفٌ، فكدت أضيع، وكيف لا وقد اتضع الرفيع، وارتفع الوضيع، فنزلت بحجرة، وأويت من مدرسةٍ في دمشق إلى حجرة، وحصلت مما ذهبت به سرقة موجودي في غمرة، ومنيت بالكربة، في الغربة، وانسدت علي طريق الأوبة، للنبوة التي عرت في النوبة، فقصدت ملكها العادل نور الدين أبا القاسم محمود بن زنكي بن آق سنقر أنزل الله عليه رحمته، وبل برذاذ رضاه تربته، بقصيدةٍ موسومة على اسمه أولها:
لَوْ حَفِظَتْ يَوْمَ النَّوَى عُهُودَها ... ما مَطَلَتْ بِوَصْلها وُعودَها
следующие страницы →