← Адаб

Адаб · id 12815

خريدة القصر وجريدة العصر - أقسام أخرى

العماد الأصبهاني الكاتب

Полный текст (895 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

لم أُجالسْ إِلاّ الملوك ولم أَمْ ... دح سواهُمْ ولم يَجُر بي السبّيلُ إِنْ تَجَوْهَرتُ في المديح فإِنّي ... أَجِدُ المدحَ واسعاً فأَقولُ منكُمُ يُحْسُن الصّنيعُ وأَنتمْ ... خَيْرُ من يُسْأَلُ العَطا فَيُنيلُ ومن شعراء تهامة واليمن المشهور بالجودة الخكميون آل أبي الحسين فمنهم: الشيخ أبو الحسن بن أبي الحسين ومنهم أخوه: محمد الأعرج وقد كان كداحاً، مداحاً، شريباً لا يصحو حتى يفتقر. ومنهم: علي بن أبي الحسين وهو أشعرهم بل أشعر عرب تهامة: قال عمارة في مجموعه: وا، اأعرفه ديناً ورعاً جواداً عند منزله. قال: ولم يحضرني منشعرهم شيء مع كثرة ذلك باليمن. القاضي أبو بكر اليافعي حكى عمارة في مجموعه أنه أدركه جليساً للملوك، خصيصاً بملكي اليمن المنصور ابن المفضل والمتوج الداعي محمد بن سيأ صاحب عدن، ومن شعره قوله يصف شعره: شِعرٌ إِذا أَنشدتُه في مجلسٍ ... فكأنني جَمَّرته بالعودِ وقوله: أَستودِعُ الله الذي ودعَّا ... ونحن للفُرقة نبكي معا أَسْبلَ من أَجفانه أَدْمُعاً ... لمّا رآني مُسْبِلاً أَدْمعا وقال لي عند فارقي له ... ما أَعظم البينَ وما أَوْجَعا وشعره كثير مطبوع نشوان الحميري من شعراء الجبال ذكر أنه فحل الكلام قوي الحبك، حسن السبك. قال: وبلغني أن أهل بيحان ملكوه عليهم، فمن شعره قوله في الفخر باليمن: مِنّا التبَّايِعةُ اليمانون الأُلى ... ملكوا البسيطة سَلْ بذلك تُخْبرِ مِن كلِّ مَرْهوبِ اللقاء مُعصَّبٍ ... بالتاج غازٍ بالجيوش مُظَفَّرِ تعنو الوجوهُ لسفيهِ ولرُمحهِ ... بعدَ السُّجود لتاجِه والمِغْفَرِ يا رُبَّ مفتخرٍ ولولا سَعيُنا ... وقيامُنا مع جَدّه لم يَفْخَر فافْخَر بقحطانٍ على كلِّ الورَى ... فالناسُ من صَدَفٍ وهم من جوهرِ وخلافةُ الخُلفاء نحنُ عِمادُها ... فمتى نَهُمّ بِعَزْل والٍ نَقْدِرِ مثل الأَمين أو الرشيد وفتكنا ... بهما ومثل ابن الزُّبَيْر القَسْوَر وبكُرَهْنِا ما كان من جُهّالنا ... في قتلِ عُثمانٍ ومَصرعِ حَيْدَرِ وإِذا غَضِبنا غَضبةً يَمنّيةً ... قَطَرت صوارمُنا بموْتٍ أَحمرِ فَغدتْ وهادُ الأَرضِ مُترعَةً دماً ... وغَدتْ شِباعاً جائعاتُ الأَنْسُر غدا لنا بالقهر كُلُّ قبيلةٍ ... خَوَلاً بمعروف يَزينُ ومُنكَر وإِناخَةُ الضِيفات فرضٌ عندنا ... يلقى به الولْدِانُ كلَّ مُبَشرِ وله أيضاً: من أين يأَتيني الفسادُ وليس لي ... نَسبٌ خبيث في الأعاجم يوَجدُ لا في عُلوج الرُّوم خالٌ أزرقٌ ... أَبداًولا في الحبش جَدٌّ أَسودُ إِني من النَّسبِ الصَّريح إذا امرؤٌ ... غلبت عليه العجم فهو مُولَّدُ ما عابني نَسبُ الإِماء، ولا غدا ... باللؤْم مُعْرِقُهُنّ لي بتردّدُ مُوتي قُريشُ، فكلُّ حَيٍّ ميِّتٌ ... للموت منّا كلُّ حيٍّ يولدُ قلتم: لكم إِرْثُ النبوّة دوننا ... أَزعمتمُ أن النُّبُوَّة سَرْمُد منكم نبيُّ قد مضى لسبيله ... قِدْماً فهل منكم نَبيٌّ يُعبَدُ قاتله الله ولعنه وأخزاه، ما أشد افتراه، على الله وأجراه، وأية، فضيلة فوق هذا، ولولا النبي المصطفى الذي اختاره الله واجتباه، وجعله الوسيلة إلي نيل رضاه، صلوات الله عليه وسلامه ما سعدوا ولا فازوا، ولا حازوا من الشرف والفضيلة ما حازوا. ولما رجع الملك المعظم فخر الدين شمس الدولة ملك اليمن تورانشاه إلى دمشق واجتمعت بأصحابه في المحرم سنة اثنتين وسبعين سألتهم عن شعراء اليمن الموجودين فذكروا جماعة لم يوردوا لهم شعراً. فمنهم: ابن المسبح الكاتب

стр. 492

كهل في زبيد، كان يكتب لعبد النبي بن علي بن مهدي، فلما ملك الملك المعظم زبيد، وذهب زبد بني مهدي جفاء، سام ابن المسبح أن يخدمه فلم يفعل، ولزم العظمة وفاء واستغناء، وهو شاعر مترسل عارف. ومنهم: الفقيه الضجاعي ذكروا أنه شيخ أعمى في أعمال زبيد. ومنهم: علي بن عزاز شاب ذكي من تناء زبيد. عبد الله بن أبي الفتوح الحرازي قال عمارة: اجتمعت به في زبيد وفي الكدراء عند القائد إسحاق بن مرزوق، وهو القائل: أَنالَتْكَ أَيامُ الزمان المَطالِبا ... وأَعْلَتك أَبراجُ النجومِ الكواكبا وصاغت لك الأفلاكُ في دَورانها ... لُباناتِ مَجْدودٍ وساقَت مآربا فكن واهباً لِلنَّيِّريْنِ رِدافةً ... وَدَعْ عنك أَملاك البريّة جانبا ووصفه بالرياسة والحسب في نفسه وقومه وبلاده، وملوك بني مهدي تجله وتعظم صلته إذا وفد عليها. ومنهم: يحيى بن موسى قال وأظنه الأهنوي. له: سيُكشَف بعد عَشْر سنينَ تمضي ... غِطاء الغيب عن أَمرٍ جديدِ وسوف يَقُودها شُعْثَ النَّواصي ... طهارتُها التيمُّمُ بالصّعيدِ أَبت ظِلَّ المَعاقِل فاستعاضت ... به ظِلَّ القَساطل والبُنودِ إِذا خرجتْ من الغَمَرات قالتْ ... لها فُرسانُها الأَبطالُ عودي تَزورُ على القطيعة مَنْ جَفاها ... وتُفني كلَّ جبارٍ عنيدِ ومنهم: السليف الحكمي له: أَحمائمَ الأَثَلاتِ من وادي الحِمى ... أَنتُنّ هَيَّجْتُنَّ صَبّاً مُغْرَما ما لي الغَداةَ وما لَكُنَّ ولِلْبكا ... جَزَعاً ولكنْ لا أَرى دمعاً همي إِن الحَمام إِذا تغنّى شاقني ... ويزيدني شوقاً إِلى ذاتِ اللَّمى ومنهم: السلطان حاتم بن أحمد بن عمران صاحب صنعاء، ذكر أنه كان القاضي الرشيد بن الزبير، وهو من فضلاء صعيد مصر من معاصرينا، قد جاوره بصنعاء، وعاين منه السؤدد والعلاء، وكان يصف فضائله وفواضله، ورياسته، وكياسته، وزعامته، وشهامته، وصرامته، ومن شعره قوله: تركتُ أُناساً في غَضارة عَيْشِهم ... وأَمَّنْتُهم من طارِق الحَدَثان وكنتُ لهم حِصناً حصيناً وموئلاً ... وأَصْلَتُّ سيفي دونَهم ولِساني وعلَّمتهم رَمْيَ العدوّ فكُلُّهمْ ... تَعمَّدني دون العِدى فرماني القاضي يحيى بن أحمد بن أبي يحيى قال بنو يحيى بصنعاء، وإن شهروا باسم القضاء، فعنهم تنفذ الأوامر بالإمضاء، وعزهم يظل من حر الرمضاء. قال وليس في أهل الجبال المعاصرين أشعر من هذا يحيى بن أحمد، وأورد من شعره قوله من مطلع قصيدة في الداعي محمد بن سبأ وقد عزم على الخروج إلى ذي جبلة ليملك بلاد المنصور بن المفضل: النصر من قُرناءِ عَزْمِك فاعزِمِ ... والدَّهرُ من أُسراءِ حُكْمك فاحْكُمِ وله على لسان الداعي محمد بن سبأك أَدركتُ أَوْتاري من الأَعداءِ ... ومَلكتُ من عَدَنٍ إِلى صَنْعاءِ وبلغتُ بالجُرْدِ العِتاق وبالقَنا ... ما شئتُ من شَرفٍ ومن عَلْياءٍ ومنها يذكر مواطأة المنصور بن المفضل أهل تهامة وهم الحبشة على تركه وغزو بلاده ويذكر ما جرى على بني وائل من أهل وحاظة: وهُم بأَهلِ تِهامة أَغْرَوْهُمُ ... جَهْلاً بِحَرْبي أَيَّما إِغراءِ وهمُ بأَهلِ أحاظةٍ فتكواوهُمْ ... دون البريّة كلّها لُزَمائي أَخذوا معاقِلَهم وهُنَّ معاقلي ... وسبَوْا نساءَهُمُ وهُنَّ نِسائي قال ووهب الداعي محمد بن سبأ لابن سلمان، وهو من قومه، ألف دينار فارتجل ابن أبي يحيى هذا في ذلك المجلس مخاطباً للداعي: لا فخرَ إِلاّ إِذا أَقبلت مُسْتَلِماً ... كفَّ المَكين ظهيرِ الدين مَوْلانا هي التي تَهَبُ الآلافَ وافيةً ... إِنْ كنتَ غِرّاً فَسَلْ عنها ابن سَلْمانا

стр. 493

فقال الداعي: أنا أبو عبد الله، أما ابن سلمان فهو ابن عمي، ولكن تسأل أنت عنها. ثم أمر له بألف دينار في الحال. قال وبلغني أن أصحاب ابن مهدي ذبحوه في حصن المجمعة من مخلاف جعفر. ومنهم: المقرئ أحمد بن محمد بن مرزوق قال: داعيكمُ في المَكْرُمات يُجابُ ... وإِليكمُ القَفْرُ القَواءُ يُجابُ أَنْتم لكلِّ فضيلة وصَنيعةٍ ... رُبَّتْ بأَعناق الورى أَربابُ ما دونُ نائلكم مِطال يُتَّقى ... أَبداً ولا دون الوُجوه حِجابُ آلَ الزُّرَيْع زرعتمُ العِزَّ الذي ... جادَتْهُ منكم للسَّماح سَحابُ لسنا نُبالي بعد طِيب أُصولكم ... وفروعكم خَبُثَ الوَرى أَم طابوا ومنهم: محمد بن عيسى الريمي منسوب إلى أعمال ريمة. له: لبس البهاءَ بِعسيك الإِسلامُ ... وتجمّلتُ بفَعالك الأَيامُ فُتَّ الملوكَ فضائلاً وفواضلاً ... وعزائماً عَزَّتْ فليس تُرامُ خطبوا العَلاء وقد بَذَلَت صَداقَها ... فنِكاحُها، إِلاّ عليك، حرامُ القاضي سليمان بن الفضل ولي الحكم بمدينة عدن فمن شعره قوله في الحداثة: عاطٍ النديمَ زُجاجةً بيضاءَ ... ودَعِ العَذولَ وأَلْغِه إِلغاءَ بِكْرٌ وقد نُكِحتْ بفضّ خِتامها ... أَعْجِبْ بها منكوحةً عذراءَ عيسى المسيحُ أحلَّها ومحّمدٌ ... يَأْبى أَأَحسنَ ذا وذاك أَساءَا وله: أَصبحتُ لا أَرهَبُ الأَيامَ والنُّوبَا ... لأَنَّني جارُ مَنصورٍ وجارُ سبا فإِن سطوتُ عَلَى الأَيام مقتدِراً ... أَو ارتقيْتُ إِلى الشِّعْرى فلا عجبا فقل لِمَنْ رام كَيْدي أَوْ مُعانَدتي ... أَقْصِر، ففي تعبٍ مَن عاند الشُّهُبا ابن الهبيني من شعراء تهامة، شاعر علي بن مهدي الخارج بزبيد وأولاده من بعده، وصفه عمارة بمتانة الكلام، وقوة النظام، قال وهو الذي يقول على لسان ابن مهدي: أَبْلِغْ قُرى تَعْكُرٍ ولا جَرَما ... أَنَّ الذي تكرهون قد دَهَمِا وهذه القصيدة تنسب إلى ابن مهدي وقد أوردتها في شعره. وله على لسان ابن مهدي أيضاً: ما بال خَوْلان لا تُوفي بما تَعِدُ ... يدنو أَبو حسنٍ منها وتَبتعدُ وما لِجَنْبٍ وسِنْحان وأُختِهما ... هَمْدان، تلك الأَعاريب التي حشدوا وله هذه القصيدة التي أوردنا من قبل للأديب أبي بكر العيدي على وزنها: العِزُّ في صَهَوات خيل الأَجْبهِ ... وطرادِها من مَهْمَهٍ في مَهْمَهِ مِنْ كلِّ صَهْصَلِقِ الوغى مَتَوَقِّدٍ ... وتراه عند قِيادِه كالأَبلهِ مُتَنَزِّهٍ ماضٍ على عِلاّته ... يعدو بِشِكَّةِ فارسٍ مُتَنَزَّهِ وبَياهِس تحت العَجاجِ فُوَيْقَها ... شُعْثُ الرؤوسِ مُكَلَّمات الأَوْجِه أُسْدٌ إِذا ما أَبصرتُ أُسدَ الشَّرى ... ورأَت حِياضَ الموتِ لم تَتَجَهْجَهِ آجامُها زَرَدُ الدِّلاص كأَنهُ ... بالصُبْح رقراقُ السحاب الأَمْرَه تعدو أَما مُتوَّجٍ مُتَبَلِّجٍ ... مُتَيقِّظٍ مُتوقّد مُتنبّه مُتفقِّهٍ في الدين لكنْ لم يكن ... مِنْ عند غيرِ الله بالمتفقّه مَلِكٌ إِذا اشتبه الملوكُ فما له ... في مُلكه وصَلاحه من مُشْبَه جَبّاهُ حقٍ من بني هودٍ متى ... تسأَلْه يَصْدَع بالبيان ويَجْبَهِ ومنزِّهُ الدين الحنيفيِّ الذي ... لولا الإِمامُ القطبُ لم يَتنزّهِ بصوارمٍ ولَهاذم وضراغمٍ ... وملاحمٍ بلغتْ به ما يشتهي ومقانبٍ وكتائب كالعارض ال ... متراكم المُتأَلَّق المُتَقَهْقِهِ هلاّ سأَلت الأَعجمْين كليهما ... من آل حامَ به وآل مُنَبِّهِ

стр. 494

ووقائعاً بين الحليب ومونص ... فإِلى مصينع أَو مقينع أَوجه ولربَّ يومٍ بالحُصَيْب ودربها ... بالقطب كان على الأَعاجم، أَكرَه وعواصف بحصيبة عَصفتْ على ... حُبْشانها وعَلَى الدّعيّ الوَهْوَه أَخبارُ أَيام الإِمام فواكهٌ ... فأَصِخْ بسمعك نحوها وتفكَّه سِيَرُ الإِمام قديمُها وحديثها ... فرَجُ القلوب وروضة المُتَنَزِّه أَشهى مِن الماءِ الزُّلالِ عَلى الظَّما ... وأَلَذُّ من عَصْرِ الشَّباب الأمْوَه فاليوم بَخْبِخْ للخليفة بعده ... بالقائمْين الهادِيَيْن وزَهْرِه سِبْطَيه قُطبيه اللذين إليهما ... شرفُ الخِلافة والإِمامة ينتهي ويقول مَنْ كالأَجْبَهَيْن مخبِّرٌ ... فيقول سائله ومَنْ كالأَجْبهِ يُسْتَثْقَلُ الشيء المُعادُ، وذكرهُ ... تُصْبي إِعادتُه الحليمَ وتَزدهي أمُجَشِّمِيها كلَّ ليلٍ حِندسٍ ... شُعْثاً، بنفسي كلّ مَرْتٍ أَجْلَهِ عرضتْ بعارضة ابن أَعرجَ فاغتدتْ ... عَرْجاء ناظرةً بِعيْني أَكْمهِ ابن الأعرج رجل حبشي، والعارضة معقل له، ومكرشة أيضاً معقل. ولوَتْ بمكرشةٍ فعضّت أَهلَها ... أَنيابُ نازِلةِ الخطوب العُضَّهِ وَرَمَتْ بسِجّيل العَذاب عبيدَها ... تركتْهمُ عَصْفاً بيومٍ أَتْوَهِ أَشبهتما قطبَ الملوك أَباكما ... قَوْلاً وفعلاً منه غير مُشَبَّهِ تالله إِنَّكما لأَكرمُ مَعشرٍ ... هُدِيتْ لهم خُوصُ الرِّكاب التُّيَّهِ وعبيد شعري شِعرُ رُؤْبةَ فيكمُ ... وأَبوه عَجّاجٌ وشِعْر الأَفوه وأَنا المُفوّه لا المُفهّه فيكم ... كم بينَ قَوْلِ مُفَوَّهٍ ومُفَهَّه صلّى عليكم بعد أَحمدَ ربُّنا ... ما طافَ ذِكركمُ براكب عَيْدَهِ الفقيه أبو بكر المحيرفي ذكره لي بعض عبيد أمير مكة بمصر فأثنى عليه وقال: كان يعلم أولاد الأمير. وأنشدني له من قصيدة في الأمير حسن بن يحيى: أَهدتْ إِليك على البِعاد سَلامَها ... مُستصْحِباً صادَ الصَّلاة ولامَها وتخيَّرَتْك مِن البريَّة مَلْجَأ ... نفسٌ أَبتْ من لا يرى إِكرامَها ومنها: تاه الزمانُ بدولة الحَسَنِ الذي ... ما زال مُنتظراً بنا أَيّامَها يا عِزَّ آل محمدٍ وهُمامَها ... ولسانَها فيما حوى وكلامَها وهذا آخر ما وقع إلي من شعراء اليمن إلى آخر سنة اثنتين وسبعين، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وأصحابه أجمعين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. بداية قسم شعراء الشام الجزء الرابع مقدمة العماد لقسم شعراء الشام

стр. 495

وشعر الشاميين أصح وزناً، وأسح مزناً؛ وأمتن صيغةً، وأحسن صبغةً، وأحكم صنعةً، وأسلم رقعةً؛ وأرفع نسجاً، وأنفع مزجاً، وأقوم معنىً، وأحكم مبنىً، فإن العراقيين، بغاية لطفهم، ونهاية ظرفهم، غلبت الرقة على كلامهم حتى اعتل نسيم نسيبهم، وانماعت في ماء اللطف صناعة ترتيبهم وتهذيبهم، فكأن نظمهم روحٌ بلا شبح، وراحٌ بلا قدح. وأما أهل الشام فإن جبلة جبلهم اقتضت لهم إحكام الحكم، وأفضت بهم إلى إتقان الكلم، وقصدوا الإمعان في المعاني، وخلوا للمجان حلاوة المجاني، فخشنوا ولانوا، وعزوا وهانوا، ودنوا وما دانوا، وبعدوا وما بانوا وأبدعوا، فأولئك رقوا، وهؤلاء دقوا، على أن أهل العراق إذا ندر فيهم من ملك من الرقة رقها، وأعطى الصنعة حقها فاق الكل وفات، وأرى في صورة نظمه من اللذات الذات، لكن الطبع للعرب أغلب، وأنبع من الغرب أصوب وأصلب، والعراق أعرب وأعرق، والشام أغرب وأغرق، وفضلاء الإقليمين أعيان، وملء قلائدهم درٌ وعقيان، وحشوُ فرائدهم لؤلؤٌ ومرجان، ولكل زند اقتداحٌ، ولكل قريحةٍ اقتراح، ولكل خاطرٌ خطرٌ، ولكل ناظرٍ نظرٌ، وصناعة الشعر مختلفةٌ، وأربابها متفاوتةٌ، وللشعراء فيما يحسنون مراتب، وللناس فيما يعشقون مذاهب، والغرائز من الله مواهب، ولشموس القرائح ورياضها مشارق ومشارب، والبواعث لمواضيها صياقل، والحوادث عن مراميها حوائل، والدواعي لها دواعم، والمعالي لأهلها معالم. ولقد كان مجد العرب العامري حين كان بأصفان في سنتي ثلاث وأربع وأربعين يثني على فصحاء الشام ويفضلهم على سواهم، وينجذب إلى جانب هواهم، ويظهر بإنشاد بدائعم، وإيراد صنائعهم ما فضلوا به من القوى في القوافي، وبعد المطار بقوادم القدرة فيها الخوافي، وينشر من مفصلات ابن الخياط كل وشيٍ مذهب الطراز، ويورد من قسيات القيسراني كل ما يشهد أعجاز صدور عصره بحسن صدوره والأعجاز، وينير لنا من محاسن ابن منير ما يترنح ويتملح له عطف الأهتزاز، وطرف الإعتزاز، ويعدد ويشدد، ويكرر التعصب لهم ويردد، ويعلل له وأنا أطالبه بالتأثير، ويبرز الإخالة والمناسبة بحسن التعبير ويقول: من كابن حيوس، لا سيما في متح معين المدح، وكابن سنان الخفاجي في إنارة سنا خاطره السمح، وهل للعراقيين رقة عبد المحسن الصوري المحسن في إبداع الصور، واختراع الغرر، ومن أدرك مغزى الغزي الذي ينظم الدرر، في سلك المعنى المبتكر، وهل كان البحتري إلا من الشام، وكذلك أبو تمام؟. فقلت إن له العراق أعدى بالرقة حبيباً والوليد، ومن يقاوم من أولئك أبا الطيب إذا أنشأ القصيد؟ وكيف رضيت بإهمال الرضي والمرتضى، والفضلاء المتقدمين الذين أفق زمانهم بهم أضأ، وإنما لكل عصرٍ عصارة، ولكل زمانٍ بأفاضل بنيه نضارة وغضارة، ولكل مكانٍ مكين، ولكل معانٍ معين، ولكل أرضٍ روض، ولكل فهم في حوض العلم خوض. وكنت مدة مقامي في بغداد أتشوق إلى تلقاء الشام، وأود لقاء أهل الفضل الكرام، حتى وصلت إلى دمشق في شعبان سنة اثنتين وستين وخمسمائة فوجدت الشام عادماً للعلماء والأعلام، وصادفته قد صدف عنه الفضل، وصدح به الجهل، خاوياً على عروشه، خالياً من نقوشه، لا يلفي به آلف، ولا يعرف لذوي المعرفة عارفٌ، فكدت أضيع، وكيف لا وقد اتضع الرفيع، وارتفع الوضيع، فنزلت بحجرة، وأويت من مدرسةٍ في دمشق إلى حجرة، وحصلت مما ذهبت به سرقة موجودي في غمرة، ومنيت بالكربة، في الغربة، وانسدت علي طريق الأوبة، للنبوة التي عرت في النوبة، فقصدت ملكها العادل نور الدين أبا القاسم محمود بن زنكي بن آق سنقر أنزل الله عليه رحمته، وبل برذاذ رضاه تربته، بقصيدةٍ موسومة على اسمه أولها: لَوْ حَفِظَتْ يَوْمَ النَّوَى عُهُودَها ... ما مَطَلَتْ بِوَصْلها وُعودَها

стр. 496

فلما تأملها وراقه حسن خطها قبلها، وسأل عني، فوصفت له فاستدعاني، وولاني عمله واستكتبني أولاً، ثم استكفاني فجعلني له في مملكته معتمداً عليه مولاً، وقلد السماع في حقي فقلدني، ورآني أسد سهمٍ لأغراض الإصابة فسددني، واعتقد أنه ظفر مني بمن ما له نظير، وافتقد مملكته فإذا روضها عندي بآثار البراعة واليراعة نضير، وكان يظن أن الشمس من أفقي بازغة، وأن حجة ملكه من خلقي بالغة، وما زلت معه من الله في زيادةٍ ونموٍ، وسعادةٍ وسمو إلى أن حج إلى كعبة الخلد، وزج في تربة اللحد، وطار من عش العيش إلى فناء الفناء، وانتقل من دائرة الدوائر إلى مركز البقاء، ودار الجزاء، وذلك يوم الأربعاء حادي عشر شوال سنة تسعٍ وستين وخمسمائة بدمشق، فضاعت المملكة، وذاعت الهلكة، ورفعت البركة، ونفعت لأمثالي في الانتقال الحركة، وانحلت حبي الأحقاد من الحساد، وتبدل بالاختلال السداد، وزمت نحوي ظعائن الضغائن، ونثلت لنضالي كوامن الكنائن، وعاد الحاسد للزرع، حاشداً للجمع، واختل النظام، واختلف اللئام، واستضعف الكرام، وطغى الطغام، وضعا الإسلام، ورعى الرعاع مراعي المراء، وبدت في ظلم الظلم أضواء الضوضاء، وحلبت حلب أخلاف الخلاف، وبغي البغاة إتلاف شخص الائتلاف، وعاد الشيطان الرجيم شهاباً راجماً، وأصبح مدمع أخي الفضل ساجماً، وأمسى شر أهل الجهل ناجماً، فعزمت على الترحل، وأزمعت السير إلى الموصل، ونويت العود إلى العراق، مأوى الرفاق، أهل الوفاء والوفاق، وسألني الكريم ابن الكريم جلال الدين ابن جمال الدين الوزير أن أقيم عنده شهراً، فأنست به ووجدته في المروءة والكرم والعلم بحراً ثم وصل إلي البشير بوصول الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب أعز الله سلطانه، ورفع بقمع شانيه شانه إلى الشام، وإعادته إلى أحسن حالاته وحلاه في النظام، وافترار ثغور الثغور الإسلامية عن ثنايا الثناء عليه، واضرار الجماعة لما كانوا فيه من الاضطراب إليه، وأنه قد هذب ما تشذب، وشعب صدع ما تشعب، وهضم من هضم، وقصم من خصم، وجمع ما تفرق، ورقع ما تخرق، وأطفأ الإحن المشبوبة، وعفى المحن المجلوبة، وأنه قد جل قدر جلق به، وهو حقاً سلطان الإسلام كما نزل من السماء في لقبه، فقلت لصاحبي هذا أوان سفور وجه الأمل، وزمان إسفار صبح الجذل، ولو كنت اليوم ببغداد وسمعت بوصوله، لأسرعت إلى قصده، وكرعت من ورده، وأترعت من عده، فأسرج الخيل، وأدلج الليل، وفارق الوشل واطلب السيل فإن العود أحمد، ومن يقعد يجمد، والجمر متى لم تهجه يخمد، والماء متى لم تجره يركد، والسيف وقت الحاجة لا يغمد، والقلب إن منعته السؤل يكمد، ثم ثنيت عناني راجعاً، وما ونيت فيما عناني مسارعاً، وجبت التنائف، وجزت المخاوف، وقطعت الغياهب إلى الفجر، والجداول إلى البحر، والثماد إلى الغمر، والنقاد إلى الهزبر، والظلماء إلى الصبح، والبخلاء إلى السمح، فربحت صفقتي، ونجحت سفرتي، وحليت حالتي، وتهللت هالتي، فتلقاني الملك الناصر برحبه، وبر حبه، ورفع حظوظي من الحضيض، وأهدى الصح لرجائي المريض، وأعاد المدرسة التي كنت مدرسها إلي، وحكمني في ديوانه وعول في سلطانه علي، ورعي في معرفة أسلافه لأسلافي، وجعل السعود في جميع المقاصد من أحلافي، ولقد كان قصدي في مبتدأ الأمر لوالده نجم الدين أيوب وعمه أسد الدين شيركوه، بوأهما الله رياض رضوانه، وغرفات غفرانه، لمعرفتهما بعمي صدر الصدر الشهيد عزيز الدين فإنه لما اعتقل بقلعة تكريت وكانت ولايتهما إليهما رداً عنه الردى، وذادا عن قصده العدى، وبقي عندها مدةً يجتهدان في الدفاع عنه، والعدو ينفذ إليهما في أمره وهما على الامتناع منه، حتى حضر بهروز الخصي صاحب القلعة بنفسه، وأحضر معه من الملاحدة من أظهر في غير الملأ حدة فرسه، وتم عليه المكروه وهما كارهان، وفارقا تكريت بعد ذلك الأوان، وكانا كلما ذكراه، رحمهما الله، يشيدان بذكر ما شاهداه من مشاهد كراماته، في شهود خلواته، وسجود صلواته.

стр. 497

فلما وصلت إلى الشام في سنة اثنتين وستين صادفت أسد الدين مشغولاً بفتح مصر في النوبة الثانية واتفق عوده، ورميم روض أملي من جودٍ جوده، وقد كان شغلني نور الدين نور الله روحه يشغله، ولقيت أسد الدين فغمرني بطوله، وتعرفت إلى صلاح الدين في تلك الأيام، وأهديت له من المدح غر الكلام، وما زلت به خصيصاً، وعلى التقرب إليه حريصاً، حتى سار مع عمه في النوبة الثالثة إلى مصر ففتحها وتملكها، وأجرى على مدار مراده فلكها، ومكثت في الشام بالخدمة النورية، وأنا بإحسانهم مشمول، وفي سلطانهم مقبول، فلما انتهى إليه الملك، واستوى على جودي جوده الفلك، حفظ العهود، وأحفظ الحسود، وفاء إلى الوفاء، وأبى غير الإباء، في إحياء موات الإنشاء؛ وما أشكر إلا أفضال سيدنا القاضي الأجل الفاضل أبي علي عبد الرحيم بن علي بن الحسن، دام بأنواء فواضله، وأنوار فضائله، حسنى القدر وحسن الزمن، فإنني لما عدت إلى دمشق وجدت جماعةً من الحساد، قد نفخوا بحكم غيبتي في ضرم الفساد، وخيلوا للسلطان أموراً، وجاءوا إفكاً وزوراً، وكاد كيدهم يكيد، وأيدهم في التزيد يزيد، فجاء حق الباطل وزهق باطلهم، ودحضت غواياتهم وغوائلهم، وبين للسلطان افتقاره إلى مثلي، واشتهاره بفضلي، فأنا إلى الآن في حمايته، وعنايته وتربيته، لا أعرف غير الفاضل مفضلاً، ولا أرى بعد الله على سواه معولاً، ولا أظن أن في الوجود، مثله في الفضل والمروءة والكرم والعلم والجود. وإنما ذكرت هذا الفصل في هذا القسم الثالث تنبيهاً على فضل الشام بفضل بني أيوب، المجيرين من الحوادث الكوارث، وكان قصدي لهم في السفر إليه من أكبر البواعث. وأقدم ذكر فضلاء دمشق، فإنها عين البلاد وحدقتها، وجنتها وحديقتها، ولقد قال نور الدين يوماً: ما أطيب دمشق، ولكني مشتغلٌ بالجهاد عن ملاذها، وراحتي في متاعب المملكة في النفاد، وأنا لا أجد راحة نفاذها، فنظمت له في الأبيات بديهةً: لَيْسَ في الدنيا جميعاً ... بلدةٌ مثلُ دِمشقِ ويُسَلِّينَي عنها ... في سبيل اللهِ عِشقي والتُّقى الأَصْلُ ومَنْ يَتْرُ ... كهُ يَشْقى ويُشْقى كم رَشيقٍ شاغلٌ عن ... هـ بسهم الغَزْوِ رَشقي وامْتِشاقُ البَيْض يُغْني ... عنه بالأَقلام مَشْقي شعر العماد في وصف دمشق ومدح ملوكها وقبل أن أشرع في ذكر شعراء الشام فأنا أورد مما قلته في وصف دمشق ومدح ملوكها، ما أنظم في عقود هذه الخريدة وسلوكها. فمن ذلك قصيدةٌ نظمتها حين فارقتها أتشوقها، وما تمت حتى عدت إليها فوصلتها بمدح الملك الناصر، وهي طويلة جداً أولها: أجِيرانَ جَيْرُونَ مالي مُجيرُ ... سِوى عَطفُكم فاعِدلوا أو فَجُورُوا وَمالي سِوى طيفكم زائرٌ ... فلا تمنعوه إذا لمْ تزوروا يَعِزّ عليَّ بأنَّ الفؤاد ... لديْكُم أسيرٌ وَعنكم أَسيرُ وَما كنتُ أَعلُم أَني أَعي ... ش بَعْد التفَرّق، إني صَبورُ ومنها: إلى ناسَ باناس لي صَبْوَةٌ ... لها الوجدُ داعٍ وَذِكْرى مُثيرُ يَزيدُ اشتياقي وينمو كما ... يَزيدُ يزَيدُ وَثَوْرَا يَثُورُ وَمِن بَرَدى بَرْدُ قلبي المَشُوق ... فها أنا مِن حَرِّه مُسْتَجيرُ وَبالمْرَجْ مَرْجُوُّ عَيْشي الذي ... على ذكره العذب عَيْشي مَريرُ نأَى بيَ عنكم عَدُوٌّ لَدودٌ ... وَدَهْرٌ خَؤون وَحظٌّ عَثورُ فَقَدْتكُم ففقدتُ الحياة ... وَيَوْم اللقاء يكون النُّشُورُ أيا راكبَ النِّضْو يُنْضي الرِّكابَ ... تَسيُر وَخطب سُراهُ يَسيرُ يَؤُمُّ دمشقَ وَمِنْ دونِها ... تُجاب سُهولُ الفَلا وَالوُعُورُ وَجِلَّقُ مَقْصِدُه المُسْتَجارُ ... لقد سَعِد القاصِد المُسْتجيرُ إذا ما بَلَغْتَ فبلِّغْهُمُ ... سلاماً تأَرَّجَ منه العبيرُ

стр. 498

تطاوَلْ بِسُؤْليَ عند الْقُصَيْر ... فَمِنْ نَيْله اليومَ باعي قَصيرُ وَكنْ لي بريداً بباب البْريد ... فأَنتَ بأخبارِ شوقي خَبيرُ أَعَنْوِنُ كُتبي بشكوى العناءِ ... وَفيهنّ من بثّ شَجْوي سُطُورُ ومنها أذكر المنازل من طريق الرقة إلى دمشق: مَتَى تَجِدُ الرِيَّ ّبالقَرْيَتَيْن ... خَوامِسُ أثَّر فيها الهَجْيرُ وَنحو الجُلْيَجْل أُزْجي المْطِيَّ ... لقد جَلَّ هذا المَرامُ الخَطيرُ تُراني أُنيخ بأَدْنى ضُمَيْرٍ ... مَطايا بَراها الوْجَاَ وَالضمُورُ وَعند القُطَيِّفَةِ المُشْتَهاةِ ... قُطوفٌ بها لِلأمَاني سُفورُ وَمنها بُكُورِيَ نَحْوَ القْصُيَرْ ... وَمُنْيَتُه عُمْرَي ذاكَ البُكُورُ ويا طِيبَ بُشْرايَ من جِلَّقٍ ... إذا جاءَني بالنَّجاحِ البَشيرُ وَيستبشرُ الأصدقاءُ الكرامُ ... هُنالك بي وَتُوَفَّي النُّذُورُ تُرَى بالسلامة يوما يكون ... بباب السلامة مني عُبُورُ وَأَنَّ جَوازِي بباب الصَّغير ... لَعَمْري من العُمْر حَظٌّّ كَبيرُ وما جَنَّةُ الخُلْدْ إلاّ دمشقُ ... وَفي القلب شوقاً إليها سَعيرُ مَيادِينُها الْخُضْرُ فِيحُ الرِّحاب ... وَسَلْساها العَذْب صافٍ نَميرُ وَجامعها الرَّحْبُ وَالقُبَّة الْمُني ... فَة وَالفلك المُستديرُ وَفي قُبَّةِ النَّسر لي سادةٌ ... بهم للمَكارم أُفقٌ مُنيرُ وَالارْزَةُ فالسَّهْمُ فالنَّيْرَبان ... فجنّاتُ مِزَّتِها فالكُفوُر وَبابُ الفْراديس فِرْدَوْسُها ... وَسُكانُّها أحْسَنُ الخَلْق حُورُ كأنّ الجْوَاسقَ مأْهولةً ... بروجٌ تَطَلَّعُ منها البدورُ بِنَيْرَبِها تَتَبّرا الهموم ... بِربُوْتَها يتربّى السُّرورُ وَما غَرَّ في الرَّبْوَة العاشقي ... نَ بالحُسْن إلا الرَّبيبُ الْغَريرُ وعند المُغَارة يَوْمَ الخميس ... أغارَ عَلَى القَلْب منّي مُغيرُ وعند المُنَيْبعِ عَيْنُ الحيَاة ... مَدَى الدَّهْر نابعةٌ ما تَغُورُ بجِسْر ابن شَواشٍ تَمَّ السُّكون ... لنفسي بنفسيَ تلك الْجُسورُ وما أَنسَ لا أَنسَ أُنسَ العُبور ... عَلى جِسر جِسْرين إني جَسورُ وكم بِتُّ أَلْهو بقرب الحبيب ... في بيت لِهْيا وَنام الغَيُورُ فَأَين اغتباطِيَ بالغُوطَتْيِن ... وتلك الليالي وتلك القُصورُ لِمُقْرِي مَقْرى، كقُمْرِيِّها ... غِناءٌ فَصيحٌ وَشْدوٌ جَهيرُ وأَشجارُ سَطْري بَدَتْ كالسُّطو ... ر نمَّقَهُنَّ البَليغُ البَصيرُ وأَينَ تأَمَّلْتَ فلكٌ يَدورُ ... وعَيْنٌ تفورُ وبحرٌ يَمورُ وأَيْنَ نظرْتَ نَسيمٌ يَرِقُّ ... وزْهرٌ يَرُوقُ ورَوضٌ نَضيرُ كأَنَّ كمائمَ نُوَّارِها ... شُنوفٌ تركَّبُ فيها شُذورُ ومثلُ الّلآلي سَقِيطُ النَّدى ... عَلَى كلَّ مَنْثُور نَوْرٍ نَثيرُ مَدارُ الحياةِ حَياها المُدِرُّ ... مَطارُ الثّراءِ ثراها المَطيرُ وَمُوعِدُها رَعْدُها المستطيلُ ... وواعِدُها بَرْقُها المستطيرُ إلامَ القْسَاوَة يا قاسِيُون ... وبين السَّنَا يتجلّى سَنِيرُ لَديك حبيبي ومنك الحُبا ... وعندك حبّي وفيك الحبورُ

стр. 499

فَيَا حَسْرَتا غِبْتُ عن بلدةٍ ... بها حَظِيتْ بالحُظوظِ الحْضورُ وُمْنذ ثَوى نورُ دينِ الإلا ... هِ لم يبق للشّامِ والدّين نورُ وَإِني لأَرجو من الله أَنْ ... يُقَدِّر بعد الأمور الأمورُ وللنّاسِ بالملك النّاصر الصّ ... لاحِ صلاحٌ ونصرٌ وخِيرُ لأجل تَلافيهِ لم يتلَفُوا ... لأجل حيا بِرِّه لم يَبُوروا بفَيْض أَياديه غيثُ النَّجاح ... لأَهلِ الرَّجاءِ سَحوحٌ دَرُورُ مَليكٌ بَجْدواه يَقْوَى الضَّعيفُ ... وَيَثْرَى المُقِلُّ وَيَغْنى الفَقْيرُ أَرَى الصِّدْق في ملكهِ المُسْتقيم ... ومَلُك سِواه ازْوِرارٌ وزُروٌ لِعِزِّ الْوَليّ وَذُلِّ العَدُوّ ... نَوالٌ مُبِرٌّ وبأْسٌ مُبيرُ بِنِعمتِه للعُفاةِ الحُبورُ ... بسَطوته للعُداةِ الثُّبُورُ إذا ما سَطا أَو حَبا واحْتَبى ... فما الْلَّيْثُ؟ مَنْ حاتمٌ؟ ما ثَبيرُ؟ هُو الشمسُ أَفلاكه في البلادِ ... ومَطْلَعُه سَرْجُه والسَّريرُ إيابُ ابْنِ أَيّوبَ نحو الشآمِ ... عَلَى كلِّ ما نرتجيه ظُهورُ بيوُسُفِ مصَرٍ وأَيامِهِ ... تَقَرُّ العُيونُ وَتَشفى الصُّدوُر مَليكٌ يُنادي رجائي نَداهُ ... ومَوْلًى جَدَاه بحمدي جَديرُ ومنها: وكم قد فَلَلْتَ جُموعَ الفرنجِ ... بِحَدِّ اعتزامٍ شَباهُ طَريرُ بضربٍ تَحذَّفُ منهُ الرُّؤوس ... وطَعنٍ تَخسَّفُ منهُ النُّحورُ وغادرتَ غادرهم بالْعَراءِ ... ومن دمِه كُلُّ قَطرٍ غَديرُ بِجُرْدٍ عليْها رجالُ الهِيْاج ... كأنّ صُقوراً عليها صُقُورُ مِن التُّرِك عند دَبابيسها ... صِحاحُ الطُّلى والهْوَادِي كُسورُ سهامُ كَنائها الطّائِرات ... لَهُنَّ قُلوبُ الأعادي وُكورُ وِعنَدهُم مثلُ صَيْد الصِوَّارِ ... إذا حاوَلوا الفْتَحَ صَيْدا وُصورُ بجيشك أَزْعجت جأْشَ العَدُوِّ ... فما نَفَرٌ منهُ إلاّ نَفورُ تركَتْ مَصَارع للمُشركين ... بُطونُ القْشَاعمِ فيها قُبورُ تُزاحِمُ فُرسانَها الضّارِبات ... فتصِدمُ فيها النُّسورَ النُّسُورُ وإِنَّ تَولُّدَ بِكْرِ الفْتُوحِ ... إذا ضُربَتْ بالذُّكورِ الذُّكورُ ومنها: إلَيَّ شَكا الفَضلُ نَقصَ الزَّمانِ ... وهل فاضِلٌ في زماني شَكورُ حَذارك مِنْ سطوة الجْاهلين ... وذُو العلم من كلِّ جهلٍ حَذورُ وهلْ يلِدُ الخْيَر أوْ يسْتَقيمُ ... زَمانٌ عَقيمٌ وَفَضلٌ عَقيرُ شكَتْ بِكْرُ فضْلَي تَعْنيسَها ... فما يجِلُبُ الودَّ كفؤٌ كُفورُ فقلتُ لفضلي أَفاقَ الزَّمانُ ... وَدَرَّ المُرادُ وَدارَ الأَثيرُ وَعاش الرَّجاءُ وماتَ الإِياسُ ... وسُرّ الحِجَا وأَنار الضَّميرُ ووافى المَليكُ الذَّي عَدْلُه ... لِذي الفَضلِ من كلِّ ضَيْمٍ يُجيرُ فلستُ أُباليِ بِعَيْث الذّئاب ... إذا ما انتحى ليَ لَيْثٌ هَصُورُ واقترح علي بعض الأكابر في الدولة النورية أن أعمل قصيدة في دمشق على وزن قصيدة أبي الحسين ابن منير التي أولها: حَيّ الديار على عَلْياء جَيْرونِ فعملت كلمة طويلة، منها: أَهْدَي النَّسيمُ لنا رَيّا الرَّياحينِ ... أمْ طِيبَ أخلاقِ جِيراني بجَيْرُونِ هَبَّتْ لنا نفَحةٌ من جِلَّقٍ سَحَراً ... باحَتْ بسرٍّ من الفردَوْسِ مَكنونِ

стр. 500

وَفاحَ بالعَرْفِ من أَرجائِها أرَجٌ ... نال المسرَّةَ منهُ كلُّ مَحْزونِ هبَّتْ تُنبّهُ أطرافي وَتبعثها ... مني وتوجبُ للتوهيم تهويني وَما دَرَيْنا أدارَيّا لنا أَرَجَتْ ... أم دارَ في دارِنا عَطّارُ دارِينِ نَسْري وَنْرتاحِ لاسْتنشاءِ رائحةٍ ... هَبَّضتْ سُحيراً عَلَى وَرْدٍ وَنْسرينِ وَرُبَّ هَمٍّ فقَدْناهُ برَبْوَتها ... وَرُبَّ قَلبٍ أصَبْناه بقُلْبينِ لولا جَسارَةُ قلبي ما ثبتُّ عَلَى الْعُ ... بور من طربٍ في جِسْر جِسرينِ دِمشقُ عنديّ لا تُحْصى فضائلُها ... عَدّاً وَحَصْراً وَيُحْصى رَمْلُ يَبْرِينِ وَما أَرى بلدةً أُخرَى تُماثلُها ... في الحسن من مصرَ حتَّى مُنتَهَى الصِّينِ في كلّ قُطرٍ بها وَكْرٌ لِمُنكَسِرٍ ... وَمَسْكَنٌ غيرُ مَمْلولٍ لِمِسكينِ وإنّ مَن باع كلَّ العمر مقتنعاً ... بساعةٍ في ذَراها غيرُ مَغْبونِ لما عَلَتْ همتي صَيَّرْتُها وطني ... وَليس يقنعُ غَيْرُ الدُّونِ بِالدُّونِ يُصْيبكَ مَيطْوُرهُا طَوْراً وََنيْرَبُها ... طوراً وتُوليك إحساناً بتَحْسينِ ترى جَواسِقَها في الجوّ شاهقةً ... كأَنهنَّ قُصُورٌ للسّلاطينِ دارُ النعيم وَمِنْ أَدنى محاسِنها ... ثمارُ تَمُّوزَ في أيامِ كانونِ نعيمُها غيرُ مَمْنُوعٍ لساكنها ... كالْخُلْدِ، وَالْمَنُّ فيها غَيْرُ ممنونِ كأنما هي للأبرار قدْ فتحتْ ... من الفراديس أبواب البساتينِ أزهارُها أبداً في الرَّوْض مُونِقَةً ... فحُسْنُ نَيْسان مَوْصولٌ بِتِشرينِ وَأَيُّ عَيْنٍ إِليها غَيْرُ ناظرةٍ ... وَأَيُّ قلبٍ عليها غَيْرُ مَفْتونِ أَهْوَى مقرِّي بمقَرْيَ والرياضُ بها ... للزَّهْرِ ما بين تَفْويف وتزيينِ هاجتْ بَلابلَ قلبي المُستهامِ بها ... بلابلُ الأَيْك غَنَّتْنا بتَلْحينِ تَتْلو بَسَطْرى أَساطير الغرام على ... صوامِعِ الدَّوْح وُرْقٌ كالرّهابينِ قُمْرِيُّها مُقريءٌ يشدو بنغمته ... آياً تَعَلَّمها من غَيْرِ تَلقينِ وَللحمائم في الأسحار أَدْعِيَةٌ ... مرفوعةٌ شُفِعَتْ منّا بتأْمينِ خافَتْ عَلى الرَّوْض من عَيْنٍ مُطَوَّقَةٍ ... أَضْحَتْ تُعوِّذُه منها بِياسينِ من كلّ مُطْرب صَوْتٍ غير مُضْطربٍ ... وَكُلّ مُعرب لفظٍ غير مَلْحونِ وَللبساتين أَنهارٌ جَداولُها ... تَسْتَنُّ في الْجَرْي أمثالَ الثَّعابينِ وَقد تراءَتْ بها الأَشجار تحسِبُها ... صُفوفَ خَيْلٍ صُفونٍ في الميادينِ كأَنما شَجر الرُّمّانِ ذو نَشَبٍ ... مُثْرٍ دنانيرُه مِلْءُ الهَماييِن وللِخْلاف لإِظهار الخْلاِف على ... أَتْرابه وَرَقٌ شِبْهُ السَّكاكينِ وكلُّ غُصْنٍ بِعَصْف الرِّيحِ مُمْتَحَنٌ ... كأنه عاقلٌ مُبْلىً بِمَجنونِ لِلأُقْحُوانِ ثُغورُ الغانياتِ كما ... للنَّرْجِسِ الغَضِّ ألحاظ المْهَا الْعِينِ وللبَنَفْسَج خالٌ للعِذار إذا ... ما الخْطَ بالخالِ حاكى عَطْفَةَ النُّونِ والْوَرْدُ خَدُّ من التَّوْريد في خَجَلٍ ... والغُصْنُ قَدٌّ تَثَنِّيِه من اللّينِ وللنسيمِ وَلوعٌ بالغَدير فما ... يَزالُ ما بين تَفْريكٍ وَتَغْضينِ والماءُ من نَكْبَةِ النكباءِ في زَرَدٍ ... مُضاعَفِ السَّرْدِ ضافي النَّسْجَ مَوْضُونِ

стр. 501

لكلّ جاريةٍ في كلّ ساقِيةٍ ... عَلَى الْتِواءِ بها إسْراعُ تِنِّينِ إنّ القلوبَ وَأَلحاظُ الحسِان بها ... لَكالْعصافير في أَيدي الشَّواهينِ من كل خاطِفةٍ للقلْب مُخْطَفَةٍ ... بالخْصَرْ تَمْطُلُني دَيْني وَتَلْوِيني من شادِنٍ مُتَثَنّي العِطْفِ مُعتدِل القَ ... وامُ مُستعذَب الأخلاق مَوْزونِ يا صاحِبَيَّ أَفيقا فالزَّمانُ صَحَا ... وَلانَ من بعد تَشْديدٍ وَتَخْشينِ حَرَسْتُما في حَرَسْتا العَيْشَ من شَظَفٍ ... دُوما بدُوما عَلَى حِفْظِ القَوانينِ دارُ المقامة قد أَضْحتْ مَحَّلكُما ... ونِلْتُما العِزَّ في أَمْنٍ من الْهُونِ وبالْمُنَيْبِع رَبْعٌ لِلْوَليِّ غَدا ... تأْسيسُ بُنيانِه العالي عَلَى الدِّينِ ولما وصلت إلى دمشق في مبدأ قصدي البلاد الشامية صادفت صلاح الدين وقد عاد مع عمه من الديار المصرية وهو إذ ذاك أميرٌ، وورد فضله نميرٌ فنظمت فيه مدحةٌ طويلة أولها: كيف قُلْتُمْ بمُقْلَتَيْهِ فُتُورُ ... واْرها بِلا فُتورٍ تَجُورُ لَو بَصُرْتُمْ بلحْظِهِ كَيفَ يَسْبى ... قُلتُمُ ذاكَ كاسِرٌ لا كَسيرُ مُوتِرٌ قَوْشَ حاجَبْيِه لِإصْما ... ءِ فُؤادي كأَنَّه مَوْتورُ لا تَسَلْني عن اللِّحاظِ فعَقَلْي ... طافحٌ منْ عقُارِهنَّ عَقيرُ كَيف يَصْحو من سُكْره مُستهامٌ ... مَزجَتْ كأْسَهُ العُيونُ الحْوُرُ أَوْرَثَتْهُ سَقامَها الْحَدَقُ النَّجْ ... لُ وَأهَدْتَ لَهُ النَّحولَ الخْصُورُ ما تَصيدُ الأُسْدَ الْخَوادِرَ إلَّا ... ظَبَياتٌ كِناسُهنَّ الخْدُورُ كُلُّ غُصْنِيَّةِ المُوَشَّحِ هَيْفا ... ءَ عَلَى البَدرِ جَيْبُها مَزْرُورُ وبِنَفسي مُعَنْبَرُ الصُّدْغِ والعا ... رِض فوْقَ العَبيرِ منهُ العَبيرُ مِقْطَعٌ لِلقُلوبِ يَقطَعُ فيها ... بِاقْتدارٍ وخَطُّهُ المَنشورُ مُنْثَني العِطْفِ مُنْتَشي الطَّرْفِ فِي في ... هِ الحْمُيَاَّ وطرْفُهُ المَخْمُورُ ومنها: أَلأَمْرِ المَلامِ يَنْقادُ قَلْبي ... وعَليه من الغَرامِ أَميرُ قُلْ لِحُلْوٍ حالٍ منَ الحُسْنِ في هج ... رِكَ حالي حَزْنٌ وَعَيْشي مَريرُ بِفؤادي حَلَلْتَ والنّارُ فيهِ ... فَبِهِ مِنْكَ جَنَّةٌ وَسَعيرُ نارُ قَلْبِي لِضَيْفِ طَيْفِكَ تَبدُو ... كُلَّ لَيلٍ فَيَهْتَدِي وَيَزُورُ وَأرَى الطَّيْفَ ليسَ يَشفي غَليلي ... كَيفَ يَشْفى الغَليلَ زَوْرٌ زُوْرُ ومنها: ما مُدامٌ يدُيرُها ثَمِلُ العْطِ ... فِ بِنَفْسي كُؤوسُها والْمُديرُ بِنْتُ كَرْمٍ تُجْلى عَلَى ابنِ كَريمٍ ... وَجْهُه مِنْ شُعاعها مُسْتَنيرُ مِنْ سَنا كأْسها الْمَعاصيمُ والأَنْ ... فُسُ فيها أَساوِرٌ وسُرورُ ولها في الكؤوس في حالة الز ... ج حباب وفي النفوس حبور وكأَنّ الحْبَابَ في الكأْس منها ... شَرَرٌ فوقَ نارِه مُسْتطيرُ طابَ للشّاربين منها الهوا ... ءانَِ فَلَذَّ المْمَدودُ والْمَقْصورُ مِنْ يَدَيْ ساحِر اللّواحظ قلبي ... بِهواهُ مُسْتَهْتَرٌ مَسْحُورُ لِلْحُمَيّا في فِيه طَعْمٌ وفي عَيْ ... نَيْه سُكْرٌ وَفوْقَ خَدَّيْه نُورُ من سجايا الصَّلاحِ أبْهى وهذا ... مَثَلٌ دون قَدْرِه مَذْكورُ ومنها: ما رِياضٌ بِنَوْرِها زاهِراتٌ ... غَرَّدتْ في غُصُونهنَّ الطَّيورُ

стр. 502

كلُّ غُصنٍ عليهِ مِنْ خِلَعِ النَّوْ ... رِ رِداءٌ ضافٍ ووَشْيٌ حَبيرُ ورُقْهُا في منابر الأَيْك منها ... واعِظاتٌ من شأْنها التَّذْكيرُ وكأَنّ الرَّوْضَ الأنيقَ كتابٌ ... وكأَنّ الأشجارَ فيه سُطورُ أَشبَهَ الشِّرْبُ فيه شارِبَ ألْمَى ... أَخْضر النَّبْت والرًّضابُ نَميرُ وكأَنّ الهْزَارَ راهبُ دَيْرٍ ... وبأَلحانه تَحَلَّى الزَّبورُ وكأَنّ الْقُمْرِيَّ مُقْرِيٌ آيٍ ... قد صَفا منه صَوْتُه والضَّميرُ كمعاني مَدْحِيكَ حُسْناً ومِنْ أَيْ ... نَ يُبارِي الْبحرَ الخْضِمَّ الغَديرُ ومنها في المدح: أَنتَ مَنْ لم يَزَلْ يَحِنُّ إليْهِ ... وَهو في الْمَهِد سَرْجُه والسَّريرُ فَضُله في يَدِ الزمان سِوارٌ ... مِثْلما رَايُه عَلَى المُلْك سُورُ كرَمٌ سابِغٌ وجُودٌ عَميمٌ ... ونَدّى سائِغٌ وفضلٌ غَزيُر راحةٌ أَمْ سَحابةٌ، وَبَنانٌ ... أمْ غَمامٌ وأنملٌ أمْ بُحورُ كلَّ يومٍ إلى عِداكَ من الدَّهْ ... ر عَداكَ المَخْوف والْمَحْذُورُ وتَولَّى وَلِيَّكَ الطّالِعُ السَّعْ ... دُ وعادَى عَدوَّك التَّقديرُ سار بالمكرُمات ذِكُرُك في الدُّنْي ... يا وإنّ الْيَسيرَ منها يَسيرُ لِلْحَيا والحْياء ماءان في كفِّ ... كَ والْوجِه سائِلٌ وعَصيرُ لَقدِ اسْتُعْذِبَتْ لدَيْكَ الْمَرارا ... تُ كما اسْتُسْهِلتْ إليْكَ الْوُعورُ وأَرى خاطِري لِمَدْحك إلفاً ... وإنّما يأْلَفُ الخْطيرَ الخطيرُ بِعقُودٍ مِنْ دُرِّ نَظْمِيَ في الْمَ ... دْح تحَلَّى بها الْعُلى لا النُّحورُ وَلَكَ المأْثُراتُ في الشَّرْق والْمَغْ ... رب يُرْوى حديثُها المأْثورُ ومنها أهنيه بالعود من مصر إلى والده نجم الدين أيوب ﵀: عادَ مِنْ مصرَ يُوسُفٌ وَإلى يَعْقو ... بَ بالتهنِئات جاء الْبشيرُ عادَ منها بالْحمدِ والحْمدُ لِلَّ ... هِ تعَالَى فإنه المْشْكورُ فِلأَيّوبَ من إيابِ صلاح الدّ ... ين يومٌ به تُوَفَّى النُّذورُ وكذا إذْ قَمْيصُ يُوسفَ لاقى ... وَجْهَ يَعْقوبَ عادَ وهْوَ بَصير ومنها: وَلَكَمْ أَرْجَفَ الأعادي فقُلْنا ... ما لما تَذْكُرونه تَأْثيرُ وَلَجَأْنا إلى الإلِه دُعاءً ... فَلِوَجْهِ الدُّعاءِ منهُ سُفُورُ وَعلِمنا أنّ البعيدَ قريبُ ... عنده والعسيرَ سَهْلٌ يَسيرُ وَرقَبْنا كالْعِيدِ عَوْدَكَ فالْيَوْ ... مَ بِه لِلأَنام عِيدٌ كبيرُ مثلَما يَرْقُب الشَّفاء سَقيمٌ ... أَو كما يَرْتَجى الثَّراءَ فَقيرُ ومنها أذكر أن القصد كان له من بغداد، وأنني جعلته الملاذ، وأشكو دمشق ولصوصها، وأصف سريرتي في ولائه وخلوصها: أَنا سَيَّرْتُ طالِعَ العَزْم مني ... وَإلى قَصِدكَ انتهى التَّسْييرُ وَببغدادَ قيلَ إن دِمَشْقاً ... ما بِها للرَّجا سِواك مُجيرُ ما يَرى ناظِرٌ نَظيرَكَ فيها ... فَهْيَ رَوْضٌ بما تَجودُ نَضيرُ لِمَطاوي الإقبال عندَكَ نَشْرٌ ... وَلِمَيْتِ الآمال منك نُشُورُ وَمن النّائباتِ أنّي مُقيمٌ ... بدِمشقٍ ولِلْمَقُام شُهورُ لا خَليلٌ يقولُ هذا نَزيلٌُ ... لا أَميرٌ يقول هذا سَميرُ لَسْتُ أَلقَى سوَى وُجوهٍ وَأَيْدٍ ... وَقُلوبٍ كأنَّهنَّ صُخورُ سُرِقَتْ كِسُوْتَي وَبان من الكلِّ ... تَوانٍ في رَدِّها وقُصورُ وَاعتِذارُ الجْميِع أنّ الذي تَمَّ ... قضاءٌ في لَوْحِه مَسْطورُ

стр. 503

وَلَعَمْري هذا صحيحٌ كما قا ... لوا ولكنْ قلبي به مكسورُ ولو سطرت مدائحي فيه ثقلت الخريدة بحليها، ولم تنهض بأعباء وشيها. وسنورد في القسم الرابع طرفاً من طرفها، ونعلي لحصن حسنه شرفاً من شرفها، ففي أهمال ذلك تقصيرٌ وتفريط، وفي تقريظ إحسانه للحسناء تقريط. ولما سار إلى مصر وملكها، وأدار على مراده فلكها، أقمت ونور الدين ﵀ لي مرتبط، وبي مغبوطٌ مغتبط، وأنا عطارد دواوينه، وعطار دارينه، ومشتري آفاقه، ومشتري وفاقه، وبرجيس برج سعده، وإدريس درس حمده وكيوان إيوانه، وسلمان بيته وديوانه، وأمين ملكه، وثمين سلكه، وخازن سره، ووازن أمره، وناظر ممالكه، وحاظر مسالكه، لا يراعي إلا بيراعي، ولا يذرع إلا بذراعي، ولا يقلع إلا في شراعي، ولا يتبع إلا أوضاعي لا سيما في المكاتبات، فإنه جعل الأجوبة إلى رايي، ورضي في مباديها وغاياتها بإنشائي فإذا تأملها وأعارها منه طرفا، لم يغير منها حرفا، وقال: رميت عن قوسي، وأعربت عما في نفسي، فلله درك ودرك، وكيف وافق سري سرك، ويقول: مافي خطٌ فلان خطأ ولا في قوله خطل، وما في داخله دخل، ولا في خلاله خلل، وكان يحلني في الذرى، ويجلني على الورى، ويكبرني عن الشعر، ويشتري مدحي بغالي السعر، فقيدني بهذا الإحسان عن اتباع الملك الناصر إلى مصر، فوفيت له إلى أن وفى مدته، وأبلى جدته، وأنجز الله من دار النعيم عدته، وكنت كموسى لازم شعيباً ﵉ حتى قضى الأجل ثماني حجج، ثم سار في أوضح نهجٍ بأضوإ حجج. ومما قلته في نور الدين ﵀ أنني في مبدإ وصولي إلى جنابه، تعذر لقائي له لشدة حجابه، فكتبت إليه: ما أَعْلَمُ والحظُّ عَزيزُ الدَّرَكِ ... لِمْ أُحْرَمُ تَقبيلَ يَمينِ المَلِكِ يا مَنْ بمُرادِه مَدارُ الفَلَكِ ... أَبْشِرْ بوقوع شاكرٍ في الشَّرَك وسألني قدس الله روحه إن أعمل على لسانه دوبيتيات في الغزو والجهاد، فقلت: أَقْسَمْتُ سِوى الجْهادِ مالي أَرَبُ ... والرّاحةُ في سِواهُ عِندي تَعَبُ إلاّ بالجْدّّ لا يُنالُ الطَّلَبُ ... والعيشُ بلا جِدّ جهادٍ لَعِبُ وقلت في المعنى: لا راحةَ في الْعَيْش سِوى أَن أَغْزُو ... سَيْفي طَرَباً إلى الطُّلى يَهْتَزُ في ذُلِّ ذوي الكُفْر يكونُ الْعِزُّ ... والقُدرةُ في غيرِ جهادٍ عَجْزُ وقلت في المعنى على لسانه: أَذْلَلْتُ ذَوِي الشِّرْكِ يِعزِّ الْعَزْمِ ... والكُفْر بهزِّ صارمي في عَزْمِ شَيّدْتُ بِنُيَ المْلُك بأَمِري الجْزَمْ ... والنَّصْر رَأَيْتُهُ قرينَ الحزمِ وقلت أيضاً: لِلْغَزْوِ نَشاطي وَإليه طَرَبي ... مالي في العيشِ غَيْرَه من أَرَبِ بالْجِدِّ وَبالجْهادِ نُجْحُ الطَّلَبِ ... والرَّاحَةُ مُسْتَوْدَعةٌ في التَّعب وقلت فيه بعد التباسي بديوانه، واستئناسي بإحسانه، من كلمةٍ: بالْمَلِكِ العادلِ مَحْمودِ ... أَنْجَزتِ الأيّامُ مَوْعودي أَسْكَنني الإِقبالُ في ظِلِّه ... وَعاد حَظِّي مُورِقَ الْعودِ مَنْ لم يَكنْ في ظِلِّهِ ساكناً ... فإِنه ليس بِمَسْعودِ وَكيف لا يَسْعَدُ عَبدٌ له ... أَقامَ بينَ الْعَدْل والجْودِ سَفائنُ الآمالِ من جُودِه ... قد اسْتَوَتْ مِنّا عَلَى الْجُودي آلاؤُه الْبِيضُ بِلأَلائها ... تُشْرِقُ في لَيْلاتِنا السُّودِ عَزْمَتُهُ مَشهورةٌ في الْوَرى ... وَسَيْفُه ليس بِمَغْمُودِ وَثَلْمُ ثَغْرِ الكفرِ عاداتُهُ ... لا لَثْمُ ثَغْرِ الغادَةِ الرُّودِ تَثْني مَثاني الذِّكر عِطْفَيْهِ لا ... لحنُ الْمَثاني والأغاريد وَفي مَطا الْجُرْدِ له راحةٌ ... تُنْسي وِصالَ الخْرُدَّ الْغِيدِ غَدَوْتَ لِلْإسلام رُكْناً وكم ... رُكْنِ ضلالٍ بِكَ مَهدودِ وَذُلّ لأَواءِ بَنِي الشِّرْك في ... لواءِ نَصرٍ لك مَعْقودِ

стр. 504

شَيَّدتَ بالشّام بِناءَ الهْدُى ... عَزْماً وَحَزْماً أيَّ تَشْييدِ لَوْلاك لم تَعْلُ بأَطرافِه ... راياتُ إِيمانٍ وتوحيدِ فلم تَدَعْ في أَرضه كافراً ... أَوْ مُلْحداً ليس بمَلحودِ وَلم تُغادِرْ منهمُ سَيِّداً ... يَغِدُرُ إلا طُعْمَةَ السِّيدِ وَلم تَزَلْ تُرْدي صنادِيدَهم ... بجُندِكَ الغُرِّ الصَّناديدِ ومنها: يا مُغْزِياً شَمْلَ العِدى واللُّهى ... في جَمعِه الحْمدَ بِتَبْديدِ أَجَدْتُ لما جُدْتَ لي فاغْتَدَى ... بِمُقْتضَى جُودِك تَجْويدي هُنِّي بكَ العْيِدُ وَقَوْلُ الْورَى ... هُنِّيتَ نورَ الدين بالْعيدِ ومما قلته بالرها، هائيةٌ موسومةٌ بها، في مدحه أولها: أَدْرَكتَ من كلِّ المعالي المُشْتَهى ... وَبَلَغْتَ مِنْ نَيْل الأماني المُنْتَهى وهي طويلة جليلة، والهاء في روي أبياتها أصيلة. ووصلت إلى الموصل فسام قطب الدين صاحبها، أخو نور الدين، كل شاعر هناك أن يعمل على وزنها ورويها، فما لحقوا غبارها، ولا كشفوا أسرارها. وحدثت بالشام زلزلةٌ عامةً بكرة يوم الاثنين ثاني عشر شوال سنة خمسٍ وستين وخمسمائة عم بلاؤها البلاد وساوى تلاعها الوهاد، فمدحته بكلمةٍ أولها: هَلْ لعاني الهْوى مِنَ الأسْرِ فادِ ... أوْ لِساري لَيْلِ الصَّبابِة هادِ قَوِيَ الشَّوْقُ فاسْتقادَ دُمُوعي ... وَوَهى الصِّبْرُ فاسْتقال فؤادي جَنِّبُوني خَطْبَ الْبِعاد فسَهْلٌ ... كلُّ خَطْب سِوَى النَّوَى والبعادِ كنتُ في غَفلةٍ من البَيْنِ حتى ... صاح يومَ الأَثيلِ بالبَيْن حادِ نابَ عنهمْ غَداةَ بانوا بقلبي ... رائحٌ من لواعج الوَجْد غادِ أيُّها الصّادِرون ريّاً عن الْوِرْ ... دِ أما تَنْقَعون غُلَّةَ صادِ لم يكن طَيْفُكُمْ يَضِنُّ بِوَصْلي ... لو سَمحتُمْ لنِاظري بالرُّقاد قد حَلَلْتُمِ مِنْ مُهْجَتي في السُّوَيْدا ... ءِ وَمِنْ مُقْلَتي مَحَلَّ السَّوادِ وَبَخِلْتُمْ من الْوِصالِ بإِسعا ... في أما كنتُمُ مِنَ الأجْوادِ وبَعَثْتُمْ نَسيمَكُمْ يتلَقّا ... ني فعادَ النَّسيمُ مِنْ عُوّادي أَبقاءً بعدَ الأحبَّة يا قَلْ ... بي ما هِذِه شُرُوطُ الْوِدادِ ذابَ قَلْبي وسال في الدَّمعِ لمّا ... دامَ مِنْ نارِ وَجْدِه في اتِّقادِ ما الدّموعُ التي تُحَدِّرُها الأَشْ ... واقُ إلاَّ فَتائتُ الأَكبادِ أَيْنَ أَحبابيَ الكرامُ سَقى اللَّهُ عُهودَ ... الأحباب صَوْبَ الْعِهادِ حَبَّذا ساكنوا فؤادي وعَهْدي ... بِهِمْ يَسْكُنون سَفْحَ الْوادي أَتمنَّى في الشّامِ أهْلي ببغَدْا ... دَ وأَيْنَ الشّآمُ مِنْ بَغْدادِ ما اعْتِياضي عن حُبِّهمْ يَعْلَمُ اللَّهُ ... تَعالى إلاّ بحُبِّ الْجهادِ واشْتغالي بِخدْمَةِ المَلِكِ العادِ ... لِ محمودٍ الكَريمِ الجْوَادِ أنا منهُ عَلَى سَريرٍ سُرُوري ... راتع العَيْش في مَرادِ مُرادي قَيَّدتنْي منه بالشّآمِ منه الأيادي ... والأيادي للحُرِّ كالأَقْيادِ قد وَرَدْتُ البَحرَ الخِضَمَّ وَخَلَّفْ ... تُ مُلوكَ الدّنْيا به كالثِّمادِ هُو نِعْمَ الْمَلاذُ من نائب الدَّهْ ... رِ وَنِعْمَ المَعاذُ عِنْدَ المَعادِ

стр. 505

الَغْزير الإِفضالِ وَالفَضْلِ والنا ... ئلِ والْعِلمِ والتُّقى والسَّدادِ باذلٌ في مَصالح الدّينِ طَوْعاً ... ما حَواهُ مِنْ طارفٍ وَتِلادِ وَتَراهُ صَعْبَ الْمَقالَة في الشرّ ... وَلكنْ في الخير سَهْل القِيادِ جَلَّ رُزْءُ الفِرْنْج فاسْتَبدلوا مْن ... هـ بِلُبْس الحْديدِ لُبْسَ الحْدِادِ فَرَّقَ الرُّعبَ منهُ في أَنْفُس الكُفّ ... ارِ بَيْنَ الأرواحِ والأجسادِ سَطوةٌ زَلْزلتْ بسُكّانها الأرْ ... ضَ وَهَدَّتْ قواعد الأطوادِ أَخَذَتْهُمْ بالحقِّ رَجْفةُ بأْسٍ ... تَركتْهُمْ صَرْعى صُروفِ العَوادي آيةٌ آثَرَتْ ذَوي الشِّرْك بالهُلْ ... كِ وَأَِهلِ الإيمانِ بالإرشادِ ومنها: أَنْتَ قُطْبُ الدُّنيا وَأَصحابُك الغُرُّ ... مَقام الأَبدالِ والأوتادِ لم يَجِدْ عندَك النِّفاقُ نَفاقاً ... فَلِسُوق الفَساد سُوءُ الْكَسادِ والْعَنُودُ الكَنُود ذو الغِشِّ غَشّا ... هُ رِداءَ الرَّدى عَناءُ الْعِنادِ ومنها معنى ابتدعته في الزلزلة غريب: وَبِحَقٍّ أُصيبتِ الأَرْضُ لمّا ... مَكَّنَتْ من مَقامِ أهْل الفسادِ عَلِمتْ أنّها جَنَتْ فَعَراها ... حَذَراً من سُطاك شِبْهُ ارْتِعادِ وقصد الموصل بعد موت أخيه قطب الدين مودود وأضافها إلى مملكته ثم سلمها إلى ابن أخيه سيف الدين غازي وعاد عنها منصوراً محبوراً إلى ولايته، فقلت ونحن في العود قد خيمنا على حلب، وفزنا بكل طلب، خامس عشر رجب، سنة ستٍ وستين: الْحَمدُ لِلِه فُزْنا ... وَللمَطالبِ حُزْنا حُزْنا السُّرورَ وَمات الحَ ... سُود غَماً وَحُزْنا وَعاد سَهلاً من الأمْ ... رِ كلُّ ما كانَ حَزْنا وَأَذْعَنَتْ وَاستقادتْ ... مُنًى لنا قد نَشَزْنا مَواعِدُ الله في كلّ ... سُؤْلِ نَفْسٍ يَجَزْنا إنّ الأعاديَ ذَلّوا ... بنَصْرِنا وَعزَزْنا كم ظَهْرِ شِرْكٍ قَصَمْنا ... وَعْطْفِ عِزٍّ هَزَزْنا وَجيشِ باغٍ هَزمْنا ... وَرأْسِ عاتٍ هَمَزْنا وَفُرْصَةٍ للأَماني ... مع النَّجاحِ انْتَهَزْنا وَكم مراكزِ ملكٍ ... فيها الرِّماحَ رَكَزْنا وَكم عَدّوٍ سَلبنا ... هُ ملكَه وَابْتَزَزْنا نِلْنا الذي قد رَجَوْنا ... بِالْحَوْطِ ممّا احترَزْنا وَلم يُجزْ من أُمورِ الدُّ ... نْيا سِوى ما أَجَزْنا ببأْسِ محمودٍ المَلْ ... ك لِلْخطوب بَرَزْنا وَبَيْنَ صَرْفِ الْعَوادي ... وَبيْننا قد حَجَزْنا لِلّه جَمُّ أَيادٍ ... عن شُكرها قد عَجزنا بكلِّ كنْزٍ سَمَحْنا ... والحمدُ مما كَنَزْنا إنّا لَأَصْفى وَأجَدْى ... في الخير وِرْداً وَمُزْنا ما ساجَلَ الناسُ إلاّ ... فُتْنا مَداهُمْ وَجُزْنا لنا خلائِقُ غُرٌّ ... عَلَى الوفاءِ غُرزْنا نُزِّهْن عن كلِّ سوءٍ ... وَبالْخَنا ما غُمْزنا نَضيقُ بالحال ذَرْعاً ... وَنُوسِعُ الْعِرْضَ خَزْنا وَلم نَدعْ للأَعادي ... في مَوْقِفِ الفَخْرِ وَزْنا

стр. 506

وخرج عظيم الفرنج في غرة ربيع الأول سنة ثمان وستين لقصد حوران في خيله ورجله، وبات ِبقريةٍ يقال لها سمسكين، وسار للقائه نور الدين، وكنت معه، فلما عرفوا رحلوا راجعين، ونزلوا بالفوار، ثم توجهوا إلى السواد لائذين بالفرار، فقال لي نور الدين: أما تصف ما نحن فيه بقصيدةٍ، فارتجلت عند النزول بالمخيم مدحةً مشتملةً على وصف الحال، وسميت فيها كل من كان حاضراً من الرجال، الأكابر الأبطال، وسأورد منها قطعةً، وأذكر من معاني أبياتها لمعةً، وأولها: عُقِدَتْ بِنَصِركَ رايَةُ الإْيمانِ ... وَبَدَتْ لِعَصرِكَ آيَةُ الإحْسانِ يا غالِبَ الغُلْبِش المُلوكِ وَصائِدَ الصِّ ... يدِ اللُّيوثِ، وَفارِسَ الفُرْسانِ يا سالِبَ التِّيجانِ من أَرْبابِها ... حُزْتَ الْفَخارَ على ذَوِي التّيجانِ مَحْمودٌ المْحَمْودُ ما بَيْنَ الْوَرى ... في كُلِّ إقْليمٍ بِكُلِّ لِسانِ يا واحِداً في الْفَضْلِ غَيْرَ مُشارَكٍ ... أَقْسَمْتُ مالَكَ في البْسَيطَةِ ثانِ أَحْلَى أَمانِيكَ الجْهادُ وإنَّهُ ... لَكَ مُؤْذِنٌ أَبَداً بِكُلِّ أمانِ كَمْ بِكْرِ فَتْحٍ وَلَّدَتْه ظُبَاكَ مِنْ ... حَرْبٍ لِقَمْعِ المُشْرِكينَ عَوانِ كَمْ وَقْعَةٍ لَكَ في الْفِرَنْج حَديثُها ... قَدْ سارَ في الآفاقِ، والْبُلْدانِ كَمْ مُصْعَبٍ عَسِرِ الْمَقَادةِ قُدْتَهُ ... نَحْوَ الرَّدى بِخَزائم الخْذُلانِ قَمَّصْتَ قَوْمَصَهُمْ رِداءً من رَدىً ... وَقَرَنْتَ رَأسَ بِرَنْسِهمْ بِسِنانِ وَمَلَكْتَ رِقَّ مُلوكِهمْ وَتَرَكْتَهُمْ ... بالْذُُّلِّ في الأقَيْاد والأسْجان وَجَعَلْتَ في أَعْناقِهمْ أَغْلالَهُمْ ... وَسَحْبَتهْم هوْناً على الأَذْقانِ إذْ في السَّوابِغِ تُحْطَمُ السُّمْرُ القْنَا ... والْبيضُ تُخْضَبُ بالنَّجيعِ الْقاني وعَلى غِناءِ الْمَشْرَفِيَةِ في الطُّلَى ... والْهامِ رَقْصُ عَوامِلِ المُرَّانِ وَكأَنَّ بَيْنَ النَّقْعِ لَمْعَ حَديدها ... نارٌ تَأَلَّقُ مِنْ خِلالِ دُخانِ غَطَّى العَجاجُ بِهِ نُجومَ سَمائِهِ ... لِتَنُوبَ عَنها أنْجُمُ الخْرِصانِ ومنها: يا خَيْبَةَ الإفْرَنْجِ حينَ تَجَمَّعوا ... في حَيْرَةٍ وأَتَوا إلى حَوْرانِ جاؤوا وَظَنُّهُمُ يُعَجِّلُ رِبْحَهم ... فأَعَدْتَهُمْ بالِخْزَي والْخُسْرانِ وَظُنونُهُمْ وَقُلوبُهُمْ قد أَيْقَنَتْ ... لِلرُّعْبِ بالإِخْفاقِ والْخَفَقانِ وَجَلَوْتَ نورَ الدِّينِ ظُلْمَةَ كُفْرهم ... لمّا صَدَعْتَ بِواضِحِ الْبُرهِانِ وَهَزمَتْهَمُ بالْرَّأْي قبلَ لقائِهمْ ... والرّأْيُ قَبْلَ شَجاعَةِ الشُّجْعانِ راحوا فباتوا تَحْتَ كل مَذَلَّةٍ ... وَضَرَبْتَ مِنهْم فَوْقَ كلِّ بَنانِ ما في النَّصارى الْغُتْمِ إلاّ مَنْ لَهُ ... في الصُّلْبِ، بانَ الكَسْرُ وَالصُّلْبانِ وَلَّوْا وَقَلْبُ شُجاعِهِمْ في صَدْرهِ ... كالسَّيْفِ يُرْعِدُ في يَمينِ جَبانِ فَارُوا مِنَ الفَوَّارِ عِنْدَ فِرارِهِمْ ... بِالْفَوْرِ وَامْتَدّوا إلَى المْدّانِ وَأَزارها الشَّلاّلَةَ الشَّلُّ الّذي ... أَهْدى لَهُمْ شَلَلاً إلَى الأَيْمانِ وَلّى وُجُوهَهُمُ سَوادُ وُجُوهِهْم ... نَحْوَ السَّوادِ، وَآذَنُوا بِهَوانِ ومنها: حَمَلَتْ عَلَيهِمْ مِنْ جُنودِكَ فِتْيَةٌ ... لمْ تَدْرِ غَيْرَ حَمِيَّةِ الفِتْيانِ زَخَرَتْ بهمْ أمْواجُ آجكَ في الوَغى ... غُزُراً وَطَمَّ بِهمْ عُبابُ طُمانِ

стр. 507

وَتَذَمَّموا مِنْ حَرِّ بَأْسِ مُحَمَّدٍ ... وَتَهَيَّبوا الْحَمَلاتِ مِنْ عُثمانِ وَبِسَيْفِ جُرْديكَ الْمُجَرَّدِ غُودِرُوا ... بِدِماء أَهْلِ الْنَدْرِ في غُدْرانِ وَبِعَيْنِ دَوْلَتِكَ الّذي قَدَّمْتَهُ ... فُقِئَتْ عُيونُ الْكُفْرِ وَالْكُفْرانِ وَاليارُقِيَّةُ أَرَّقَتْهُمْ في الدُّجى ... بِسِهامِ كُلِّ حَنِيَّةٍ مِرْنانِ أَجْفانُهُمْ نَفَتِ الغِرارَ كما انتْفَى ... ماضي الْغِرارِ بِهِمْ مِنَ الأجْفانِ بَعَلُوا مُعْسكَرَ بَعْلَبَكَّ وأَبْصَروا ... مِنْ جُنْدِ بُصْرى بَرْكَ كُلِّ جِرانِ وَكأَنَّما الأَكْرادُ فَوْقَ جِيادِها ... عِقْبانُ مُلْحَمَةٍ عَلَى عِقْبانِ وَلَطاَلما مَهَرَتْ عَلَى نَصْرِ الهُدى ... أَنْصارُكَ الأَبْطالُ مِنْ مهْرانِ لم يَتْرُكِ الأَتْراكُ فيهِمْ غايَةً ... بِالْفَتْكِ وَالْإْرهاقِ وَالإثْخانِ مِنْ كُلِّ رامٍ سَهْمُهُ مِنْ وَهْمِهِ ... أَهْدى إلى إنْسانِ عَيْنِ الرّاني وَلَكَ المْمَاليكُ الّذينَ بهِمْ عَنَتْ ... أَمْلاكُ مِصْرَ لِمالِكي بَغْدانِ هُمْ كَالصَّحابَةِ يَوْمَ بَدْرٍ حاوَلوا ... نَصْرَ النَّبِيِّ وَنُبْتُ عَنْ حُسّانِ الحائِزُونَ مِنَ السِّباقِ خِصالَهُ ... في مُلْتَقى حَرْبٍ وفي مَيْدانِ مِنْ كُلِّ مَبْسوطِ الْيَدَيْنِ يَمينُهُ ... ما تَمْتَلي إلاَّ بِقَبْضِ يَمانِ ومنها في تسمية من حضر من الفرنج الملاعين خذلهم الله تعالى: لَمّا رَأَى الدّاويُّ رَاوُنْداءَهُ ... وَلّى بِطاعونٍ بِغَيْرِ طِعانِ طَلَبَ الفَريرِيُّ الْفِرارَ بِطلْبِهِ ... مُتَباعِداً مِنْ هُلْكِهِ المُتَداني وَالهَنْفَري مُذْ هانَ فَرَّ مُؤَمِّلاً ... لِسَلامَةٍ، وَالهْوُن شَأْنُ الشّاني بارُوا فَبارُونِيُّهُمْ بِفِنائِهِ ... مُودٍ، وَسِيرُهُمُ أَسيرٌ عانِ ومنها وصف ما اعتمده نور الدين في ذلك اليوم، حيث أنفذ سريةً إلى بلاد القوم، فأحرقت ونهبت، وكبست أهلها وكسبت؛ وذلك من طريق مخاضة الأحزان: أَخْلَوْا بِلادَهُمُ فَحَلَّ بِأَهْلِها ... مِنْكَ الغَداةَ طَوارِقُ الْحِدثانِ أَنْهَضْتَ حينَ خَلَتْ إليها عَسْكَراً ... أَخْلى قَواعِدَها منَ البْنُيْانِ وَشَغَلْتَ جَأْشَهُمُ بِجَيْشٍ هَدَّهُمْ ... فَجَنى ثِمارَ النُّصْرَةِ الجَيْشانِ وَمَلَأتَ بالنّيرانِ أَرْبُعَ أَهْلِها ... فَتَعَجَّلوا الإحْراقَ بالنّيرانِ عادُوا حينَ رَأَوْا خَرابَ بُيوتِهِمْ ... يَئِسُوا مِنَ الأوْطارِ وَالأوْطانِ باؤوا بِأَحْزانٍ وخاضوا هَوْلهَا ... مِمَّا لَقُوا بِمَخاضَةِ الأحْزانِ وَقَدِ اسْتَفادَ المُشْرِكونَ تَعازيِاً ... وَالْمُسِلُمونَ تَهادِياً بِتَهانِ لمَ تَلْقَهُمْ ثِقَةً بِقُوَّةٍ شَوْكَةٍ ... لكِنْ وَثِقْتَ بِنُصْرَةِ الرَّحْمانِ ومنها: دانَتْ لَكَ الدُّنْيا فَقاصيها إذا ... حَقَّقْتَهُ لِنَفاذِ أَمْرِكَ دانِ فَمِنَ العِراقِ إلى الشَّامِ إلى ذرى ... مِصْرٍ إلى قُوصٍ إلى أُسْوانِ لَم تَلْهُ عَنْ باقي الْبِلادِ وَإَّنما ... أَلْهاكَ فَرْضُ الغَزْوِ عَنْ هَمَذانِ إعْزازُكَ الدّينَ الحْنَيفَ وَحِزْبَهُ ... قَدْ خَصَّ أَهْلَ الشِّركْ بالْإهْوانِ أَذْعَنْتَ لِلهِ المْهُيَمْنِ إذْ عَنَتْ ... لَكَ أَوْجُهُ الأَمْلاكِ بِالإْذعانِ أَنْتَ الّذي دُونَ المُلوكِ وَجَدْتُهُ ... مَلْآنَ مِنْ عُرْفٍ ومِنْ عِرْفانِ

стр. 508

عُمْرانُ عَدْلِكَ لِلْبِلادِ كأَنَّما ... قَدْ عاشَ في أيَّاِمَك العُمَرانِ خَلَّدْتَ في الآفاقِ ذِكْراً باقِياً ... أَبَدَ الزَّمانِ بِبِذْلِ مالٍ فانِ وسار إلى مرعش، وفارق دمشق في أطيب فصولها أيام المشمش فكتبت إلى بعض أصدقائي بها: كِتابي فَدَيْتُكَ منْ مَرْعَشِ ... وخَوْفُ نَوائِبِها مُرْعِشي وما مَرَّ في طُرْقِها مُبْصِرٌ ... صَحيح النَّواظِرِ إلاّ عَشِي وَما حَلَّض في أَرْضِها آمِنٌ ... مِنَ الضَّيْمِ وَالضُّرِّ إلاّ خَشِي تُرَنِّحُني نَشَواتُ الْغَرامِ ... كأَنَّيَ مِنْ كَأْسِهِ مُنْتَشِ أَبِيتُ وَنارُ الأَسى مَضْجَعي ... وَأُمْسي وَجَمْرُ الغَضا مَفْرَشي وَأُصْبِحُ وَلْهانَ وَجْداً بِكُمْ ... كَأَنَّي مُصابٌ عَلَيْهِ غُشِي أُسِرُّ وَأُعْلِنُ بَرْحَ الْجَوى ... فَقَلْبي يُسِرُّ وَدَمْعي يَشِي وَلَيْلِيَ مِنْ طُولِ من أُشْتَكي ... كَلَيْلِ اللَّديغِ منَ الْحِرْبِشِ وَلْيسَ سِوى ذِكْرِكُمْ مُؤْنِسي ... وَلكِنَّ بُعْدَكُمُ مُوحِشي بَذَلْتُ لَكُمْ مُهْجَتي رشْوَةً ... فحاكِمُ حُبِّكُمُ مُرْتَشِ وكَيْفَ إلى وَصْلِكُمْ أَهْتَدي ... وَخَطْبُ فِرِاقِكُمُ مُدْهِشي وَكَيْفَ يَلَذُّ الْكَرى مُغْرَمٌ ... بِنارِ الْغَرامِ حَشاهُ حُشِي بِمَرْعَشَ أَبْغي وَبَلُّوطِها ... مُضاهاةَ جِلِّقَ والْمِشْمِشِ فسارت هذه القصيدة؛ بل القطعة، ونمي إليه ثمر حديثها، فاستنشدنيها ونحن سائرون في وادٍ كثير الأشجار أثيثها، فقلت له: إنما قلتها في مدحك شكراً لصحبتك لا شكاية، وأنشدتها مع بيتين بدهت بهما في الحال وهما: وَبالْمَلِكِ الْعادِلِ اسْتَأْنَسَتْ ... نَجاحاً مُني كُلِّ مُسْتَوِحشِ وَمافي الأَنامِ كَريمٌ سِواهُ ... فَإنْ كُنْتَ تُنْكِرُني فَتِّشِ وعرفته أن وحشة الغربة بخدمته أنسٌ، وأن الفصحاء عن شكر معاليه خرسٌ. ولما شرع في ختان ولده الملك الصالح، ووافق ذلك عيد الفطر سنة تسعٍ وستين، وتوفي بعده بعشرة أيام، قلت فيه من قصيدةٍ أولها: عِيدانِ: فِطْرٌ وَطُهْرُ ... فَتْحٌ قَريبٌ، وَنَصْرُ ذا مَوْسِمٌ لِلأَماني ... بِالنُّجْحِ مُوفٍ مُبرُّ وَذاكَ مَوْسِمٌ نُعْمى ... أَخْلافُها تسْتدرُّ هذا مِنَ الصَّوْمِ فِطْرٌ ... وَذاكَ لِلصَّوْمِ تَدْرُ نَجْلٌ عَلى الطُّهْرِ نامٍ ... زَكا لَهُ مِنْكَ نَجْرُ وَكيْفَ يُعْمَلُ لِلطّا ... هِرِ المُطَهَّرِ طُهْرُ؟ ونطقت فيه بما كان في سر القدر حيث قلت: هذا الْخِتانُ خِتامٌ ... بِمِسْكِهِ طابَ نَشرُ وَذا الطّهورُ ظُهورٌ ... عَلَى الزَّمانِ وَأَمْرُ فالولد بكرة الخميس ختن، والوالد ضحوة الخميس الآخر دفن، وبالخير لهذا ابتدي ولذاك ختم، لكن بنيان ملكه هد وهدم. وكتبت عقيب وفاته إلى أصدقائي ببغداد قصيدةً أتشوقهم فيها، وأرثي نور الدين، أولها: تُرى يَجْتَمِعُ الشَّمْلُ؟ ... تُرى يَتَّفِقُ الوَصْلُ؟ تُرى الْعَيْش الّذي مَرَّ ... مَريراً بَعْدَهُمْ يَحْلو؟ تُرى مِنْ شاغِلِ الهَمِّ ... فُؤادي الْمُبْتَلي يَخْلو؟ بَغْيري شُغِلوا عَنّي ... وَعِنْدي بِهِمْ شُغْلُ وَكانوا لا يَمَلُّونَ ... فما باُلُهمُ مَلُّوا؟ وَراموا سَلْوَةَ الْمُغْرَ ... مِ والْمُغْرَمُ لا يَسْلُو إذا ما كُنْتُ لا أَسْلُوا ... فماذا يَنْفَعُ الْعَذْلُ؟ أَلاَ يا قَلْبُ إنَّ الْعِزَّ ... في شَرْعِ الهَوى ذُلُّ وَما دَلَّ عَلَى ذلكَ ... إلاّ ذلِكَ الدَّلُّ

стр. 509

أَلاَ يا حَبَّذا بِالِجْزْ ... عِ ذاكَ الْبانُ وَالأَثْلُ ومنها: إذِ الأَبْكارُ لِلآْصا ... لِ في بَهْجَتِها تَتْلُو وَأَنْفاسُ صَبا الأَسْح ... ارِ بِالصِّحَّةِ تَعْتَلُّ هَديلُ الوُرْقِ في مُورِ ... قَةٍ أَفْنانُها هُدْلُ وَأَكْنافُ الصِّبا خُضْرٌ ... وَأفْناءُ الْحِمى خُضْلُ وَلِلَّذّاتِ أَبْوابٌ ... وَما مِنْ دُونِها قُفْلُ تُرى يَرْجِعُ مِنْ طِيبِ ... زَماني ذلِكَ الفَصْلُ تَغَرَّبْتُ فَلا دارٌ ... ولا جارٌ ولا أَهْلُ أَخِلّايَ بِبَغدادَ ... وَهَلْ لي غَيْركمْ خِلُّ؟ سَقى مَغْناكُمُ دَمْعي ... إذا ما احْتَبَسَ الْوَبْلُ عَذابي فيكُمُ عَذْبٌ ... وقَتْلي لَكُمُ حِلُّ وَهذا الدَّمْعُ قَدْ أَعْرَ ... بَ عَنْ شَوْقَيِ فَاسْتَمَلُوا وَهذا الدَّيْنُ قَدْ حَلَّ ... فَلِمْ ذا الوَعْدُ وَالمَطْلُ أَعِيذُوني مِنَ الهَجْرِ ... فَهِجْرانُكُمُ قَتْلُ هَبُوا لي لِقُيْةَ مِنْكُمْ ... فَبِالْأَرْواحِ ما تَغْلو وإنْ شِئْتُمْ عَلى قَلْبي ... وَسُلْوانِكُمُ دُلُّوا ومنها في مرثية نور الدين: لِفَقْدِ الْمَلِكِ الْعادِ ... لِ يَبْكي الْمُلْكُ وَالْعَدْلُ وَقدْ أَظْلَمتِ الآفا ... قُ لا شَمْسٌ وَلا ظِلٌّ وَلمّا غابَ نُورُ الدّي ... نِ عَنّا أَظْلَمَ الْحَفْلُ وَزالَ الْخَصْبُ وَالْخَيْرُ ... وَزادَ الشَّرُّ وَالْمَحْلُ وَماتَ الْبَأْسُ وَالْجودُ ... وَعاشَ الْيَأْسُ وَالْبُخْلُ وَعَزَّ النَّقْصُ لَمّا ها ... نِ أَهْلُ الْفَضْلِ وَالْفَضْلُ وَهَلْ يَنْفُقُ ذُو الْعِلْمِ ... إذا ما نَفَقَ الْجَهْلُ وَإنَّ الْجِدَّ لا يُسْمِ ... نُ حَتّى يُسْمِنَ الْهَزْلُ وَمُذْ فارَقَ أَهْلَ الْخَي ... رِ ما ضُمَّ لَهُ شَمْلُ وَكادَ الدّينُ يَنْحَطُّ ... وَكادَ الْكُفْرُ أَنْ يَعْلو ومنها أصف تضعضع حالي بعده، وأذكر لفقده عدم سروري وفقده: عَلَى قَلْبي مِنَ الأيّا ... مِ في خِفَّتِها ثِقْلُ وَقَدْ حَطَّ عَلَى الْكُرْهِ ... مِنَ الْهَمِّ بِهِ رَحْلُ وَمنْ صُلْتُ بِهِ في الدَّهْ ... رِ أَضْحى وَهْوَ لي صِلُّ تَوَلّى دُونِيَ الدُّونُ ... وأَبْقى الْعِزَّ لي عَزْلُ وَأَوْلى بي مِنَ الِحْلَي ... ةِ ما بَيْنَهُمُ الْعَطْلُ وَماذا يَنْفَع الأَعْيُ ... نَ مِنْ بَعْدِ الْعَمى كُحْلُ ثم أردت أن أستدرك، وأداري الملك، فقلت: وَلوْلا الْمَلِكُ الصَّالِ ... حُ ما شَدُّو وَلا حَلُّوا وَلَمّا أَنْ زَكا النَّجْرُ ... زَكا في الْكَرَمِ النَّجْلُ وجاءَ الْفَرْعُ بِالْمَقْصو ... دِ لَمّا ذَهَبَ الأَصْلُ وَجُودُ الْبَعْضِ كَالْكُلِّ ... إذا ما فُقِدَ الْكُلُّ وَلَيْثُ الْغابِ إنْ غابَ ... حَمى مَوْضِعَهُ الشِّبْلُ وَما كانَ لِنُورِ الدِّي ... نِ لَوْلا نَجْلُهُ مِثْلُ تَوَكَّلْتُ عَلَى اللهِ ... إذا ضاقَتْ بِيَ السُّبْلُ وَعَلَّقْتُ بِحَبْلِ اللّ ... هِ كَفّي فَهُوَ الْحَبْلُ ولي في مرثيته قصيدةٌ أخرى طويلةٌ تقارب مائةً وعشرة أبياتٍ أولها: الدِّينُ في ظُلَمٍ لِغَيْبَةِ نُورِهِ ... وَالدَّهْرُ في غُمَمٍ لِفَقْدِ أَميرِهِ

стр. 510

وفي إيرادها تطويلٌ، ومالي على الإطالة تعويلٌ، وحيث عرفت حق إنعامه. قضيت قروضه، وأديت فروضه، بتخليد ذكره، وتجويد شكره، والتنبيه على قدره، والتنويه بأمره، فما أجزيه بغير الدعاء، وإثباته في أحياء الأموات السعداء الأحياء، وما وجدت بعده من أصحابه إلا من سعى في محو آثاره، وقابل معروفه بجحده وإنكاره، وتلاعبوا بملكه بعد هلكه، وتواثبوا على تركته بعد تركه، وكان قصده، ﵀، إعزاز الإسلام وإذلال الكفر، فعملوا بالضد، وانفرد كل واحدٍ برأيه المستبد، وطرت من بينهم بخافية الخوف من أهوال أهوائهم، وحيث لم ينجع طبي في مرضهم تركتهم بأدوائهم، وأقمت بالموصل ثلاثة أشهرٍ ملازماً للبيت أنتظر فرجاً، وأرتقب لقصد العراق منهجا، وكتبت إلى الوزير جلال الدين ابن جمال الدين من جملة ما كتبت إليه: مَوْلايَ ضَجِرْتُ من لُزوم الْبَيْتِ ... كَالْمَيْتِ وما أَوْحَشَ بَيْتَ الْمَيْتِ لا تَلْفِتُ من حَظّي لِيتاً لَيْتنْي ... هَلْ يَمْلأُ قِنْديلي يوماً زَيْتي حتى ورد الخبر بوصول الملك الناصر إلى دمشق ونزوله بالكسوة، وحلوله من الملك في الذروة، فكتبت إلى جلال الدين: قدْ صَحَّ أَنَّ صلاحَ الدِّينِ في الكُسْوه ... ومِنْ سُطاه رِجالُ الرَّوْعِ كالنِسُّوَه وَلي بِمَنْ أَمَّهُ في جِلَّقٍ أُسْوَه ... والآن يَرْفُل عاري الَحظِّ في كُسْوَه ثم سرت وسريت، وإلى منتهى الأمل انتهيت، وأقبل الإقبال وأدبر الإدبار، وانتعش العثار، واستوحش الأغمار وكبت العدو، وكتب السمو والحمد لله على البرء من ذلك السقم، والتبرؤ من تلك الأمم، والسلامة من العلل، والاستقامة بعد الميل، والتحلي بعد العطل، والتملي بنجح الأمل، فليخسإ الحاسد وليخسر، وليحسر عن تبابه وليتحسر، وليبشر المولى بما تسنى من الولاية وتيسر. وقد رجعنا الآن إلى ما هو من شرط الكتاب من ذكر محاسن ذوي الآداب وأنا وإن اجتهدت في جمعهم، فما قضيت واجب حقهم، فإن من أهل العصر جماعةً درجوا فدرسوا، وضاع بعدهم من فضلهم ما حرسوا، فمنهم من لم أعرفه، فلا لوم علي إذا لم أصفه، ومنهم من عرفته لكن لم يقع إليَّ من كلامه شيء، ولم يصلني من وارف ظل فضله فيءٌ، ومنهم من لم أتلقف شعره إلا من عامي لم يهتد إلى الأحسن، ولم يقتد إلا بالأرك الأهون، ومنهم من سارت له أبياتٌ، ديوانه ينبو عنها، وإحسانه يستنكف منها، وأنا لقطت حيث سقطت، وانتقيت تارةً وآونةً خلطت، فمن عثرت على ديوانه أوردت أحسنه، ومن سمعت شعره من روايةٍ ذكرت ما حفظه وأتقنه، فأنا في البعض ناقد، وفي البعضٍ ناقل، وللأنس عاقد، وللشارد عاقلٌ، ولكل نصلٍ على ما طبع عليه من فرنده وأثره صاقلٌ، وقد يتفق مع قسٍ في مأدبة الأدب باقلٌ، وربما ذكرت من نظم بيتين وهو عاميٌ لجودة طبعه فيهما، وأذكر بعد المبرز في العلم أمياً فلا يشعر ذلك بتساويهما. وقد خصصت الكتاب بذكر الفضائل والخصائص، ونزهته عما عثرت عليه من الرذائل والنقائص، وأسأل الله تصويب قصدي، وتقريب رشدي. شعراء بني أيوب ولما التزمت ذكر من له فضلٌ، ورياض الأدب به خضرٌ خضلٌ، فلا بد أن أذكر من تعرض للنظم من ملوك بني أيوب، وكشف بسنا خاطره عن أسرار المعاني الغيوب، ومن ألم منهم بتصريع شعرٍ أو ترصيع نظمٍ، فذلك عن نور بصيرةٍ وقوة فهم، فإن قولهم كطولهم غريزي، ولهم في مجالسة الفضلاء في كل علمٍ زينةٌ وزيٌ. الملك الناصر صلاح الدين

стр. 511

فالملك الناصر صلاح الدين أبو المظفر يوسف بن أيوب، أيد الله بالنصر سلطانه، وأيد بالشكر إحسانه، وإن كان لا يقول الشعر، لكنه ناقدٌ خبيرٌ، ونافذٌ بصيرٌ، بعجبه المعنى المعري، واللفظ السهل الأبي، وهو يحفظ من محاسن العرب ومزاين الأدب؛ وأعاجيب السير، وأساليب العبر؛ وقصائد القدماء، وشوارد الحكماء؛ ما يستشهد فيه لكل حادثٍ وحديثٍ؛ بما هو اللائق، ولا يجري في مجلسه ومأنسه إلا هو من الحكم والكلم الفائق الرائق، يحب الشعر الجيد ويحبوه بشعار جوده، ويكرم الفضل وينادي نداه إلى ناديه أهليه من تهائمه ونجوده، خرقٌ، صدره في الكرم أوسع من خرق فدفد، ولمحه من الحكم أسرع من برقٍ مرعد، ومجده في الأمم أرفع من فرق فرقدٍ؛ وكيف لا يتسم بالفضل من يستمد من ألفاظ الفاضل، ويستضيء برأيه الفاضل، ويعتمد على ركنه الأمنع، ويعتمد بيمنه الأمتع ويصول به على الخطوب المستطيلة فيقصر خطوها ويسطو بقلمه على الأهواء المضلة فيضعف سطوها، وما في بني أيوب من اشتغل بالأدب أو قرأ شيئاً من كلام العرب، لكنهم لمجالسة الأدباء، ومساجلة الألباء، ومذاكرة العلماء، ومكاثرة الحكماء، علموا فعملوا، وأقبلوا وقبلوا، وشملتهم السعادة من الملك الناصر، فنطقوا بكل غريبةٍ وسبقوا بكل رغيبةٍ. وقد أوردت منهم من تولع بالنظم طبعاً فاتفقت له أبياتٌ موزونةٌ، كأنها في السرد مضاعفاتٌ موضونةٌ. فمنهم: الملك الأجل تقي الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب بن شاذي، ابن أخي الملك الناصر صلاح الدين يوسف ذو السيف والقلم، والبأس والكرم، المشور في المشورة أري رايه، المشكور الشهامة في جميع أنحايه، وله العزم الماضي المضي، والخلق الراضي الأبي، يحل مشكلات الخطوب الحوادث بفكرته، ويحيل معضلات الصروف الكوارث بفطنته، ويساجل العظماء، ويجالس العلماء، ويثافن الألباء، وينافث الأدباء، ولكثرة امتزاجه بهم، نظم الشعر طبعاً، ولم يميزه خفضاً ونصباً ورفعاً، فأراد تاج الدين الكندي أن يتقرب إليه بتهذيبه فانتقى منه مئتي بيتٍ على حروف المعجم وترتيبه، وهو شهمٌ شديدٌ، وسهمٌ سديدٌ، وله فهمٌ حديدٌ. طالعت الذي جمعه من شعره التاج أبو اليمن زيد بن الحسن الكندي البغدادي. وقال في أوله: جمعت من شعر المولى تقي الدين ما عذب لفظه وراق معناه، وأخذ من الجزالة بطرفٍ، وتمسك من الرقة بأهدابٍ، فجرى من القلوب والأذهان، مجرى الدم في الأبدان، يلج الآذان، بلا استئذانٍ؛ هذا على أنه غير معنيٍ بقول الشعر عنايةً شاعر، بل هو فيض القريحة والخاطر، وما أشبهه إلا بسيف الدولة ابن حمدان وابن عمه، أو عضد الدولة ابن بويه وأقاربه، فإن هؤلاء الملوك كانوا على ما خصوا به من علو الشان، وأوتوه من سعة الملك والسلطان، يتفرغون للكتب، ويتشاغلون بالأدب، ويؤثرون مجالسة العلماء، على منادمة الأمراء، ويقولون الأبيات، فيما يعرض لهم من الحالات، ويتفق لهم من التشبيهات. ومثل هذا المعشر كان سبب قوله الشعر، فإنه لما استكثر من مجالسه الفضلاء، واستأثر بمعاشرة الأدباء وصلت إلى سوق رغبته من معادن المحاسن لطائف الطرف، وخدم من جواهر الخواطر بطوائف التحف، أحب أن يكشف لهم قناع الكتمان عن وجه المساهمة في الفضائل المتقرب بها إليه، وينخرط معهم في سلك المشاركة في نتائج القرائح المزلفة لديه، فجرى في هذا المضمار برهةً حلت مجانيها لجانيها، ولذت معانيها لمعانيها، ثم شغلته شؤون العلياء، بما عني به من إصلاح الدهماء، فترفع عن قول الشعر طبعه، ولم ينب عن استعذاب شربه فكره ولا سمعه، ولا كست بحمد الله لديه للفضائل سوقٌ، ولا ازدحمت على غير فنائه للرجاء سوقٌ. وهذه الملح تصلح أن تكون للحمام أطواقاً، وللبزاة الشهب صدوراً، وللطواويس أهلة جلوةٍ، وللظباء الغيد سوالف، وللعذارى الحسان نهوداً، وللحدق الملاح غمزاتٍ. إلى هاهنا من كلام التاج الكندي. وأنا أقول:

стр. 512

أي قدرٍ لنهود الخرائد، وعقود الفرائد، مع هذه القلائد والفوائد أين در الأصداف، من غرر الأوصاف؛ وأين نوار الحدائق، من أنوار الأحداق، وأين صدور الشهب من شهب الصدور؛ وأين جلوة الطاووس، من خلوة العروس، وأين مطوق الحمام، من ذوق الغرام، وأين السمك من السماك، وكم بين التوحيد والإشراك. إذا لاحت أدلة الدروج فما أهلة البروج، وإذا طلعت زهر الآداب فما زهر الشعاب، وما ظبي الجفون عند جفون الظباء، ولهى الأغنياء عند نهى الألباء. وأشعار الملوك ملوك الأشعار، وأحرار الفضائل فضائل الأحرار. قد كلل التاج تاج فضله بهذه الجواهر الزواهر، وسجل بإثبات نتائج خاطر هذا الملك الخطير أنه لا خطر لخواطر المعاني بالخواطر. وسنورد ذلك على ترتيب الحروف، والتهذيب المعروف. قافية الهمزة له من قصيدة: دَعْ مُهْجَةَ المُشْتاقِ مَعْ أَهْوائها ... يَا لائمي ما أَنْتَ مِنْ نُصَائِحها منها: مَنْ مُخْبِرٌ عَنّي نَضِيرَةَ أَنَّني ... أَزْجَيْتُ عِيْسَ الشَّوْقِ نَحْوَ لِقائها لِلهِ لَيْلَتُنا وقَدْ طَلَعْت لَنا ... وَضَّاحَةً كالْبَدْرِ بَيْنَ نِسائِها جاءَتْ بِكأْسٍ مِنْ شَهِيِّ رُضابِها ... تُزْري بِلَذَّتِها عَلَى صَهْبائَها ومنها: أَفْنَيْتُ نَفْسي حَسْرَةً وَتَلَدُّداً ... فيمَنْ تَزايَدَ بي أَليمُ جَفائها ومن مديحها: جاءَتْكَ أَرْضُ الْقُدْسِ تَخْطُبُ ناكِحاً ... يَا كُفْأَها مَا الْعُذْرُ عَنْ عَذْارئها زُفَّتْ إلَيْكَ عَرُوسَ خِدْرٍ تُجْتَلى ... مَا بَيْنَ أَعْبُدِها وبَيْنَ إِمائها إيهٍ صَلاحَ الدّينِ خُذْها غادَةً ... بِكراً مُلوكُ الأَرْضِ مِنْ رُقَبائِها كَمْ خاطِبٍ لِجَمالِهَا قَدْ رَدَّهُ ... عَنْ نَيْلِها أَنْ لَيْسَ مِنْ أَكْفائها قافية الباء وله: اِسْقِني راحاً أُريحُ بِها ... مُهْجَتي مِنْ شِدَّةِ التَّعَبِ نَشَأَتْ في حِجْرِ دَسْكَرَةٍ ... وَغَذَتْها دِرَّةُ السُّحُبِ وله: ذَخَرْتُكُمُ لي عُدَّةً عادَ كَيْدُها ... عَلَيَّ فكانَتْ لي أَشَدَّ مُصابِ ظَنَنْتُ بِكُمُ ظَنَّ الْفَتى بِشَبابِهِ ... فَخُنْتُمْ كما خانَ الْحَبيبُ شَبابي وِمنْتُمْ فِمْلُتمْ نَحْوَ غَيْري تَعَمُّداً ... فَحُبُّكُمُ شَهْدٌ يُدافُ بِصابِ أُعاتِبُكُمْ كيْ أشْتَفي بِعِتابِكُمْ ... وماذا عَسى يُجْديِه فَضْلُ عِتابِ وله: يُعاتِبُني قَوْمٌ يَعِزُّ عَلَيْهِمُ ... مَسيرِيَ: ما هذا السُّرى في السَّباسِبِ فَقُلْتُ لَهْمُ: كُفوا فمَا وَكَفَتْ لَكُمْ ... جُفونٌ وَلا ذُقْتُمْ فِراقَ الْحبائِبِ وله: قَدْ فَاز مَنْ أصْبَحَ يَا هذِهِ ... وَذَنْبُهُ وَصْلُكِ يَوْمَ الْحِسابْ كَأَنَّكِ الْجَّنةُ مَنْ حَلَّها ... نالَ أَماناً مِنْ أَليمِ الْعَذابْ وله: قَلْبي وَإنْ عَذَّبُوهُ لَيْسَ يَنْقَلِبُ ... عَنْ حُبِّ قَوْمٍ مَتى ما عَذَّبوا عَذُبُوا راضٍ إذا سَخِطوا دانٍ إذا شَحَطوا ... هُمُ الْمُنى لِيَ إنْ شَطّوا وإنْ قَرُبوا وله: ضَلالٌ لِهذا الدَّهْرِ كمَ زَاد ناقِصاً ... وَكمَ نابَ سَمْعي فيِه لَفْظُ مُؤَنِّبِ وَلا بُدَّ لي مِنْ وَقْفَةٍ عُمَرِيَّةٍ ... بِقَلْبٍ شَديدِ الأسْرِ غَيْرِ مُقَلَّبِ تَرى رَجُلاً لا كالرِّجالِ بِسَيْفِهِ ... يُطَهِّرُ وَجْهُ الأرْضِ مِنْ كلِّ مُذْنِبِ وله: وَلا ذَنْبَ لي إلّا مَحَبَّةُ مِثْلِهِمْ ... ولَوْ أَنْصَفوني لَمْ يَكُنْ حُبّهُمْ ذَنْبي وله: هات اسْقِني قَهْوَةً مُشَعْشَعَةً ... في كَأْسِها ذائِبٌ مِنَ الذَّهَبِ إنْ ناسَبُوها كيَمْا تُجيبَهُمُ ... قالَتْ: سَلُوا آدَماً عَنِ النَّسَبِ قافية التاء وله:

стр. 513

أًسالِمُ دَهْري ما حَيِيْتُ وَإنْ غَدا ... يُحارِبُني في خلَّتي وَأَخِلَّتي قافية الثاء وله: مَنْ لي بِأَسْمَرَ مَحْجوبٍ بِأَسْمَرِهِ ... وفي اللَّواحِظِ مِنْهُ السِّحْرُ مَنْفوثُ اَلحْسُن مَا اشْتُقَّ إلاَّ مِنْ مَحاسِنِهِوَفِعْلُهُ في الْهَوى بِالْقُبْحِ مَبْثوثُ إنْ كانَ يوسُفُ نَصَّ الْحُسْنَ في أَحَدٍ ... فَحُسْنُهُ مِنْهُ دُونَ الْخَلْقِ مَوْرُوثُ وله من قطعةٍ أولها: لِمَنْ دِمَنٌ بأِعْلى الخْيفِ شُعْثُ منها: إذا حَثُّوا مَطاياهُمْ لِبَيْنٍ ... فَسائِقُها لأَحْشائي يَحُثُّ ومنها: قَتيلُكُم وَحَقِّ الْوَصْلِ صالٍ ... جَحيمَ الهَجرِ فابْكُوه وَرَثُّوا جَديداً كان حبلُ الوَصْل دهراً ... فمُذْ هجروا فحَبلُ الصَّبْرِ رَثُّ فُؤادُ الصَّبِّش في الهجرانِ مَيْتٌ ... ووَصْلُكُم له نَشْرٌ وبَعْثُ قافية الجيم له وأنشدنيها لنفسه: إن خاضَ قَلْبٌ بِشَطِّ حُبِّكُمُ ... فإنَّ قلبي الغريقُ في اللُّجَجِ قلبي جَنى قَتْلَه بِغِرَّتِهِ ... فما على قاتِلِيه مِنْ حَرَج قافية الحاء وهَبْتُ جِنايةَ الْفعلِ القَبيحِ ... لِأَجْلِ شَفاعِة الْوَجْهِ الْمَليحِ ومنها: تقول إلى مَتَى بالصَّدِّ تُغْرى ... وهَجْري دائماً يا رُوحَ رُوحي فقلتُ نعم قبيحُك صَدَّ قلبي ... فقلت لمهجتي يا رُوحُ رُوحي وله: قد صاحَ حادي عِيسِهْم بالنَّوَى ... فَصَمَّ سَمْعي حين نادى وصاحْ صافحْتُهُ والقلْبُ في أَسْرِهِ ... فَسَلَّ باللحْظِ عَلَيَّ الصِّفاحْ وقال لي أَنتَ قتيلُ الْهوى ... قلتُ كذا أَثْخَنْتَني بالجراحْ وله من قصيدة: إني لَأَكْتُم لَوْعَتي وأَظنُّه ... يَوْمَ التَّفَرُّقِ بالمَدامع فاضِحى لا تَجْحَمُوا في هَجْركُمْ فلَرُبَّما ... خُشِيَ الِعثارُ عَلَى الْحِصانِ الجامحِ كم عَنَّفُوني في هَواكُمْ مَرَّةً ... فأَبى فؤادي أن يُصيخ لناصحِ ومنها: جَنَحوا إلى سِلْم الوِصالِ أَهِلَّةً ... هالاتُها يومَ الْوَدَاع جَوانِحي ومنها: أَمُبَرِّحي ما شئتَ كن بي فاعِلاً ... مَنْ حَلَّ في قلبي فليس يبارحِ قافية الخاء له: لنا منكُمُ غَدْرٌ ومنّا لكُم وَفا ... وما ذاك إّلا أنَّ حُبِّيَ راسخُ فلا تَحسُبوا أنّي تَغيَّرتُ بَعدَكُمْ ... ولا أَنني عَقْدَ المودَّة فاسخُ فيا لائمي فيمن أُحبُّ جَهالةً ... رُوَيْدَكَ لا أَسلو وفي الأرض نافخ قافية الدال وله: مَلَّكْتُها رِقّي وَقَدْ عَلِمَتْ ... أنّي أَسيرُ الخَدِّ والقَدِّ فَلأَجْلِ ذا مالتْ وما عَطَفَتْ ... يوماً عَلَى المأْسور بالقِدِّ وله من قطعة: أَوَما ترى صَبّاً صَحي ... ح الوِدِّ مُعتَلّ الفؤادِ هَجَرَ الْهُجوع كأنَّ بَيْ ... ن ضُلوعِهِ شَوْكَ القَتادِ وغدا الفؤادُ مُقَسَّماً ... بصُدوده في كلِّ وادِ فارْحَمْ فَديتُكَ مُهجةَ الْع ... بد المُعَذَّبِ بالبِعادِ وله: يا مالِكاً رِقّي بِرِقَّةً خَدِّه ... ومُعَذّبي دُونَ الأنامِ بصدِّه ومُكَذِّبي وأَنا الصَّدوق وهاجري ... وأَنا الْمَشُوق ومانِعي من رِفُده لما تَيَقَّن قلْبُه أَني أَرَى ... فَقْدَ الحياةِ أَلذَّ لي من فَقِده أَشتاقُه وأَنا الجريحُ بِلحظِه ... وأُحبّه وأَنا الطعين بِقَدِّه وله: ما كانَ تَرْكي وصدّي عن زيارتكمْ ... إلاّ لقُبْح فِعالٍ منكُمُ بادِ كَمْ ذا التَّجَنّي وقد جاد الزمانُ بكمْ ... كأَنكمْ ساءَكُمْ وَصْلي وإِسعادي

стр. 514

أَحْبَبْتُكمْ ثم أَحْبَبْتُهم سِوايَ فيا ... لَله من جائِرٍ في حُكمهِ عادِ وله: يا للَرّجال لقدْ أُصيبَ مُمَنَّعٌ ... يَعْلُو عَلَى الْعَيْوقِ ذُروةُ مَجْدِه إنْ قال أَوْفى بالمقالِ وإنْ سَطَا ... خِلْتَ البريَّةَ كلهَّا من جُنْدِه فاعْجَبْ لمملوكٍ تَمَّلك مالكاً ... وارْثُوا لِمَوْلىً في الهوى مِنْ عَبْدِه خرج من الواحد إلى الجمع في الخطاب وهذا جائز في الشعر. وله: عقَدَ القلوبَ بطَرْفه وَقَوامِهِ ... فأَنا الأَسيرُ بلَحظه وبقَدِّه يا ناظِريه على جَفاه ناظِرا ... عن حافظٍ عَهْداً لِناقِضِ عَهْده وله: أَرى الشَّبيبةَ زارَتْني عَلَى وَجَلٍ ... ثم انثَنَتْ وأَتاني الشَّيْبُ مُتَّئِدا ومنها: كم زارَنا في سَوادِ اللَّيْلِ غانِيةٌ ... وراعَهُنَّ بَياضُ الصُّبْحِ حينَ بَدا وله: كمْ بالْكَثيبِ الْفرْدِ لي مِن أَهْيَفٍ ... بعَذابِ قلبي الْمُسْتَهامِ تَفَرَّدا جَمَعَ الملاحَةَ والْخِيانَةَ في الهوى ... وَجَمْعُت فيِه تَحَرُّقاً وتَجلُّداً وله: إنْ كُنتَ واحِدَ ذا الْجَما ... لِ فإنَّني في الْحُزْنِ واحدْ كُلٌّ يَبوحُ بِحُبِّهِ ... وأَنا كَتومُ الْحُبِّ جاحِدْ وله من قصيدة: حَفِظْنا عُهودَ الغانِياتِ ولم يكنْ ... لهنَّ على طولِ الزَّمانِ عُهودُ ومنها: دِمَشْقُ سَقاكِ اللهُ صَوْبَ غَمامَةٍ ... فما غائِبُ عنها لَدَىَّ رَشيدُ عَسى مُسْعِدٌ لي أَن أَبِيتَ بأَرْضِها ... ألا إنَّني لَوْ صَحَّ لي لَسَعيدُ قافية الذال وله: أُعيذكُمْ مِنْ قَتْلِ مُضْنًي بِكُمْ ... مِنْكُمْ بكُمْ في الحُبِّ قدْ عاذا وله: مَطَرَتْ مدامِعُهُ عَلَى هِجرانِكُمْ ... وَبْلاً وكانت قبلَ ذاكَ رَذَاذا قافية الراء وله: أَخي كمْ أخٍ لي في هواكَ هَجَرْتُهُ ... ولم أَسْتَمِعْ منهُ مَقالَةَ زُورِ فَزُرْ غَيْرَ مُزْوَرٍ ولا مُتَجَنِّبٍ ... لِتُنْقِذَني مِنْ لَوْعَتي وزَفيري تُسامِرُ مَنْ تَهْواهُ نفْسُكَ في الدُّجى ... وذِكْرُكَ مِنْ دُونِ السَّمير سَميري وله: أَأَحْبابَنا شَطَّتْ بنا عنكُمُ الدّارُ ... وقلبي على بُعْدِ المَزارِ لكُمْ جارُ وإنّي عَلى ما تَعْهدونَ مِنَ الهوى ... مُقيمٌ وفائي أَنصَفونّي أَوجاروا وله: ما أَحْسَنَ الصَّبْرَ ولكنِنَّي ... أَنْفَقْتُ فيهِ حاصِلَ الْعُمْرِ فَلْيتَ دَهْري عاد لي مَرَّةً ... بِبَعْضِ عُمْرٍ ضاعَ في الصَّبْرِ وله: أَحْبابَنا والْهوى لا حُلْتُ بَعدَكُمُ ... عنِ الْعُهودِ ولا اسْتَهوانِيَ الْغِيَرُ فإِنْ أَحِلْ بَخِلَتْ كَفِّي بما مَلَكَتْ ... ولا أَجَبْتُ النَّدى إن قيلَ يا عُمَرُ ما أحسن إيقاعه الندى هاهنا من العطاء موضع النداء، من المناداة لأنه لا ينادي إلا للعطاء. وله في توديعٍ من موضعٍ يسمى شبرا: يقولونَ لي إنّا سَنرجِعُ من شَبْرا ... ومَنْ لي بأَنّي لا أُفارقُهمْ شِبرا وكيفَ احتيالي والْهَوى قائدٌ لهم ... فؤاداً أبى أن يَقْتَني بَعْدَهُمْ صَبرا فَرِقّوا لِقلبٍ قلَّبَتْهُ يَدُ النَّوى ... وعَيْنٍ عليكمْ بَعْدَ بُعْدِكُمُ عَبْري وله: يا كاسِياً قلبَ المحِبِّ صَبابةً ... أَقسمتُ أَنّي من سُلُوِّكَ عارِ وله: أَسْمَرٌ كالْرُّمْحِ مُعْتَدِلٌ ... لَيْتَني أَمْسَيْتُ من سَمَرِهْ قَمَرَتْ ألحاظُ مُقْلَتِه ... قلبَ مَنْ يَرْنو إلى قَمَرِهْ عُمَرٌ يشكو الغرامَ به ... وزماناً ضاع مِنْ عُمُرِهْ قافية الزاي وله: يا ناظِرَيْهِ تَرَفَّقا ... ما في الْوَرى لَكُما مُبارِزْ

стр. 515

هَبْكُمْ حَجَزْتُمْ أَن أَرا ... هُ فهل لِقْلبِ الصَّبِّ حاجِزْ قافية السين وله: حبائبَنا شَطَّ الْمزارُ وأَوْحَشَتْ ... دِيارٌ عَهِدْناها بكُنَّ أَوانِسا وحَقَّ الْهَوى لا غَيَّرَتْني يَدُ النَّوى ... ولا كنتُ ثَوبَ الْغَدْرِ فِيكُنَّ لابِسا قافية الشين وله من أبياتٍ: تأَخرتَ عن وقتِ الْعشاء تَعَمُّداً ... وما ذاك إلاّ لانتظارِك للرَّشا قافية الصاد وله: كلَّ يومٍ يَسْعى إلى المُلْكِ قَوْمٌ ... في ازْديادٍ وُعْمُرهمْ في انتقاصِ شَرَكٌ هذه الأماني فيا للَّ ... هِ كم واقعٍ بِغَيْرِ خَلاصِ قافية الضاد وله: أَنا راضٍ بالذي يُرْضِيهِمُ ... لَيْتَ شِعري بِتَلافي هل رَضُوا أَقْرَضُوني زمناً قُرْبَهُمُ ... واسْتعادوا بالنَّوى ما أَقْرَضوا قافية الطاء وله: لَئِنْ بانَ أَحْبابٌ لِقلبيَ أَوْ شَطُّوا ... فإنَّهُمُ في القلب مُذْ رَحَلوا حَطُّوا ومنها: لها روضةٌ من نفسها اجتَمَعتْ بها ... غرائبُ من حُسْنٍ أَحاطَ بها الْمِرْطُ فمِنْ قَدِّها غُصْنٌ ومن رِدْفها نَقاً ... ومن خَدِّها وَرْدٌ ومن ريقها اسْفِنْطُ قافية الظاء وله: أَرَى قوماً حَفِظْتُ لهم عُهوداً ... فَخانوني ولم يَرْعَوْا حِفاظا أَرِقُّ لهم مُحافَظَةً فأَلْقى ... لَهُمْ خُلُقاً وأَفئدةً غِلاظا قافية العين وله: أَما إنَّه لو كان غَيْرك جُرِّدَتْ ... صَوارمٌ بِيضٌ للرؤوسِ قواطِعُ وكنت جديراً بالفَعال وصَوْلة الْمَق ... ال إذا الْتَفَّتْ عليك الْمَجامعُ قافية الغين وله: شَغْلتُ بِحُبِّها قَلْبي إلى أَنْ ... تَمْنَّى القلبُ لو عَرَفَ الْفَراغا وكَم عَذَلوا لِأُقْصِرَ عنْ هَواها ... فلمْ يَجِدوا لِعَذْلِهِمُ مَساغا قافية الفاء وله في الملك الناصر عمه سلطان مصر: خَيْرُ الملوك أَبو المظفَّرِ يُوسُفٌ ... ما مِثْلُ سيرَتهِ الشَّريفةِ تُعْرَفُ لو سُطِّرَتْ سِيَرُ المُلوكِ رأَيتَها ... ديوانَ شعرٍ وهْي فيها مُصْحَفُ مَلكٌ يَبيتُ المُلْكُ يُرْعِدُ خيفَةً ... منهُ وليسَ يَخافُهُ من يُنْصِفُ وله: كلَّما زِدْتُمُ جَفا ... زاد قَلْبي تَلَهُّفا جارَ في يَوْم بَيْنِكُمْ ... حاكمٌ ما تَوَقَّفا ومن أخرى: ما لِرَبْعِ الْوِصالِ بالصَّ ... دِّ والبُعْدِ قد عَفا يا مُنى النَّفْس بالحْطَيِ ... م وبالرُّكْنِ والصَّفا لا تُكَدِّرْ بالْهَجْرِ ما ... كان بالْوَصْلِ قدْ صَفا فاغْتِفرْ ذَنْبِيَ الصَّغي ... رَ فكَمْ قادرٍ عفا وله: آهٍ من قومٍ بُليتُ بِهمْ ... أَدْمُعي من بُعَدْهِم تَكِفُ عَرَفوا أَني أُحِبُّهُمُ ... وبلائي أنَّهم عَرَفوا قافية القاف وله: واللهِ ما اسْتَوجَبْتُ هَجْرَكُمُ ... لكنْ سعيدٌ في الْهوى وَشَقي وله: أَلْم تَرَيَا نَفْسي وقد طَوَّحَتْ بها ... عُقابُ السُّرَى في الْبيدِ من رأْسِ حالِقِ تَسيرُ أَمام اليَعْمَلاتِ كأنّما ... حَكَتْ أَلِفاً قُدّام أَسْطُرِ ما شِقِ تَراها إذا كَلَّتْ تَئِنُّ صَبابةً ... إلى منزلٍ بَيْنَ الِّلوَى والأبارِقِ فقلْتُ لها سِيِري ولا تُظْهري وَجيً ... فَبَيْنَ ضُلوعي لاعِجُ الشَّوْقِ سائقي ومنها: وها أَنتَ قد فارَقتَ مِثْلي جَهالةً ... ستذكُرُ يوماً شِيمتي وخَلائقي قافية الكاف وله: عارضْتُهُ حينَ لاحَ عارِضُهُ ... يُحَيِّرُ الطَّرْفَ لونُه الْمِسْكي

стр. 516

فيا مُصابي من نَظرَةٍ عَرَضَتْ ... أَفْسَدتُ منها ما كان من نُسْكي وله: نَعِمَ الأَراكُ بما حَوَتْهُ شِفاهُها ... يا لَيْتَني أَصْبَحْتُ عُودَ أَراكِ سَعِدَتْ بكم تلكَ الْبِقاعُ وأَهلُها ... مَنْ لي بأَنْ أحتَلَّها لأَراكِ ومنها: زَعَموا بأَنِك قد كرهتِ وِصالَنا ... حاشاكِ ممّا رَجَّموا حاشاكِ مَنْ لي بأَيّامِ الشَّبيبَةِ والصِّبا ... أَيّامَ كنتُ من الزَّمانِ مُناك قافية اللام وله: وقد زَعَموا أَني سَلوْتُ وشاهِدي ... عَلَى فَرْطِ وَجْدي زَفْرَةٌ وعَويلُ وإنَّ دَواعي الشَّوْقِ وْهي خَفيفةٌ ... عليكمْ لها عِبءٌ عَليَّ ثقيلُ وله: ظَبْيٌ أَذَلَّ إذا أَدَلَّ بحُسْنِهِ ... يا حَبَّذا ذُلّي لِفَرْطِ دَلالِهِ كالْبَدْرِ أَهْيَفَ مَاسَ في بُرْدَيْ صِباً ... لا يَنْثَني عن هَجْرهَ وَمَلالِهِ في وَعْده وَلِحاظِهِ وَقَوامِهِ ... حُسْنٌ يَطيبُ بِه طَويلُ مِطالِهِ أَفْدِي الذي مارُمْتُ حُلْوَ وِصاله ... إلّا أَحال عَلَى خيالِ خَيالِهِ وله في الملك الناصر عمه: أَصلاحَ دينِ اللهِ أَمرُكَ طاعةٌ ... فَمُرِ الزَّمانَ بما تَشاءُ لِيَفْعَلا فكأَنما الدُّنْيا بِبَهْجَة حُسْنها ... تُجْلى عَليَّ إذا رأَيتُكَ مُقْبِلا وله: فلا يَتَعَرَّضْ بالهْوى غَيْرُ مَنْ يَرى ... مَماتَ الهْوى مَحْياً وَوَعْرَ الهوى سَهْلا ولا يَدْنُ إلّا مَنْ إذا فَوْقَ الْهَوى ... إليِه سِهامَ الموتِ يَسْتعِذبُ القَتْلا وله: هَبَّ النَّسيُم مِنَ الْمَطْيورِ آصالا ... فهَاجَ لي مِنْهُ عَرْفُ الْمِسْكِ بِلَبْالا تَأَرَّجَ الْجَوُّ مِنْ أَنْفاسِهِ عَبقاً ... كَأَنَّ نُصْرَةَ جَرَّتْ فيهِ أَذْيالا ومنها: إذا أَدَلَّتْ أَذَلَّتْ قَلْبَ عاشِقِها ... ما أَطْيَبَ الْحُبَّ إدْلالاً وَإذْلالاً تَرَنَّحَتْ بِنَسيمِ الْعَتْبِ مائِلَةً ... لَوْ لَمْ يَكُنْ قَدُّها غُصْناً لمَا مالا قافية الميم وله: لا تَأْخُذيني بِأَقْوالِ الْوُشاةِ فما ... سَعَوا بما قَدْ سَعَوْا إلّا بِسَفْكِ دَمي وله: تَحَمَّلَ الْقَلْبُ يَوْمَ ساروا ... فاقْرَ عَلَى قَلْبِيَ السَّلاما وله: عَدِمْتُكَ مِنْ فُؤادٍ ضَلَّ عَنْهُ ... رَشادٌ كانَ يَأْلَفُهُ قَديما عَدِمْتُ أَحِبَّةً فَعَدِمْتُ عَقلاً ... فَقَدْ أَصْبَحْتُ مَوْجوداً عَديما وله: أَشِيمُ الْبَرْقَ مِنْ عَلَمَيْ زَرُودٍ ... فَتَرْوى مِنْ مَدامِعِيَ الشَّآمُ فَيا لَلّهِ قَلْبٌ مُسْتَهامٌ ... بِنُصَرْةَ لا يُفارِقُهُ الْغَرامُ لهَا مِنْ قَدِّها رُمْحٌ رَشيقٌ ... ومِنْ أَلْحاظِ مُقْلَتها سِهامُ تُرِيكَ الْبَدْرَ إنْ سَفَرَتْ وتَحْكي ... هِلالاً حينَ يَسْتُرُها اللِّثامُ فَلي مِنْ خَدِّها وَرْدٌ جَنِيٌّ ... وَلي مِنْ طِيبِ رِيَقتِها مُدامُ إذا ما رُمْتُ أَنْ أَسْلو هَواها ... تَعَرَّضَ دونَ سَلْوَتيَ الْحِمامُ قافية النون وَكَمْ لي بِالْجُنَيْنَةِ مِنْ رُواقٍ ... وَراوُوقٍ يُريقُ دَمَ الْقَناني ورَيْحانٍ وراحٍ راحَ عَقْلي ... بها في عُقْلَةِ الْغِيدِ الْحِسانِ وله: كَمْ عَذَّبونِيَ ظُلْماً وَهْوَ يَعْذُبُ لي ... إنْ كانَ يُرْضِيهِمُ ظُلْمٌ وَعُدْوانُ وله أيضا: أَأَحْبابَنا إنْ تَسْأَلوا كَيْفَ حالُنا ... فَإنّا عَلَى حِفْظِ الْمَوَدَّةِ ما حُلْنا حَلَلْتُمْ بِقَلْبي والدِّيارُ بَعيدَةٌوَمِلْتُمْ عَنِ الْعَهْدِ الْقَديمِ وَما مِلْنا

стр. 517

وَأَنْساكُمُ حِفْظُ الْعُهودِ مَلاُلُكمْوَعُوِّضْتُمُ بِالْغَيِر عَنَّا وَما اعْتَضْنا وَإنّي لَأَرْعاكُمْ عَلَى بُعْدِ دارِكُمْوَإنْ كانَ مِنْكُمْ أَصْلُ ذَا الْغَدْرِ لامِنَّا وله: إنّي أَغارُ مِنَ النَّس ... يم إذا مَرَرْت عليهِ وَهْنا وأُراعُ منْ مَرِّ النَّس ... يمْ عليكَ يا مَنْ فاقَ حُسْنا باللهِ لِمْ تَنْسى زَما ... ناً كنتَ لي فيهِ وكُنّا لا تَتْرُكَنْ بالهجر حا ... سِدَنا يَرى ما قد تَمَّنى وَتَلافَني قبلَ التَّلا ... فِ فطالما قَدَّمتَ غَبْنا وله. واللهِ لا اعْتَضْتُ يا هذا بهمْ بَدَلاً ... ولا رَضِيتُ لِطَرْفي بَعدَهُمْ وَسَنا أَقْسَمتُ بالرُّكْنِ ثم المَشْعَريْنِ وَمَنْ ... رَمى الْجِمارَ ومَنْ نالَ المُنى بِمِنِى لَوْ قيلَ ما لَذَّةُ الدنيا لقُلتُ هُمُ ... أَوْ قيلَ مَنْ هامَ من شوقٍ لقلتُ أَنا باللهِ رفِقاً بقلْبٍ إنْ قسوتَ حَنا ... وإنْ تَجنَّيْتَ أَرْضي أَوْ بَعُدْتَ دَنا وله: ما هَزَّ صَعْدَةَ قَدِّهِ إلّا انْبَرى ... مِنْ طَرْفِه ولِسانِه نَصْلان مَنْ ذا يُناظِرُ ناظِرَيْهِ وقد غَدْا ... مِنْ ناظِرَيْهِ لِخَصمِه خَصمانِ كلٌّ لهُ مِنْ حُبّهِ سَهمٌ وَلي ... من حُبّهِ دُونَ الْوَرى سَهْمانِ السُّكْرُ سُكْرٌ واحدٌ لِمَنِ احْتَسى ... خَمراً ولي من ريقِهِ سُكرانِ وله: حَدِّثاني عَنِ الْحبيبِ حَديثاً ... فيهِ لي راحَةٌ مِنَ الْهِجْرانِ أَوْ دَعاني وَما حَواهُ فُؤادي ... مِنْ حَنينٍ وَذِلَّةٍ وَهَوانِ كُلمَّا رُمْتُ سَلْوَةً عَنْ هَواهُ ... هَيَّجَتْني مَلاعِبٌ وَمَغانِ وله: حَلَفْتُ بما يَحْوي منَ الدِّعْصِ مِرْطُهاوَبالْغُصْنِ غُصْنِ الْقَدِّ مِنْها إذا انْثَنى لقَدْ قَدَّ قَلْبي قَدُّها وَلِحاظُها ... فَلا تَطُلبوها بي فَطَرْفي الّذي جَنى وله: مَطَرَتْ لِلْحُسْنِ فيهْمِ دِيمَةٌ ... أَنْبَتَتْ في كلِّ دِعْصٍ فَنَنَا وله: يَا بائِناً أَبانَ عَنْ ... عَيْني لَذيذَ الْوَسَنِ ويَا مَريضَ المُقَلةِ الْكَ ... حْلاءِ كَمْ تُمْرِضُني ومنها: لَهْفي عَلَى الظَّلْمِ الّّذي ... بِمَنْعِهِ تَظْلِمُني يَجْني عَلَيَّ خَدُّهُ ... بِمَنْعِهِ الوَرْدَ الْجَنِي قافية الواو وله: أَتُراني مِنْ بَعْدِ بُعْدِكَ أَهْوى ... أَهْيَفاً فاتِرَ اللَّواحِظِ أَحْوى لا وَمَنْ سَلَّطَ الْغَرامَ عَلَى قَلْ ... بِ مُحِبّيكَ: لا سَلَوْتُ فَأَهْوى قافية الهاء وله: ما لُمْتُ قَلْبَي إلاّ لَامني فيها ... وقالَ: هَيْهاتَ أُثْني عَنْ تَثَنِّيها خَوْدٌ رَداحٌ يَكادُ اللَّحْظُ يَجْرَحُها ... مِنْ لُطْفِها وَنَسيمُ الرّيحِ يَثْنيها وله على قافية الياء وله: أَأَحْبابَنا! إنَّ الْوُشاةَ إلَيْكُمُ ... سَعَتْ لا سَعَتْ أَقْدامُ مَنْ باتَ واشِيا يَرومُونَ بَتَّ الْحَبِل بَيْني وَبَيْنَكُمْ ... فَلا بُلِّغوا فيما أَرادُوا الأْمانِيا هذا هو السحر الحلال لا كذب، والبحر الزلال الذي عذب، والقهوة المباحة، والروح الذي بقربه الروح والراحة، يضن بديوانه، ترفعاً عن شانه، فالشعراء من خدامه، والفضلاء من فواضله وإنعامه. أخوه: الملك عز الدين أبو سعد فرخشاه بن شاهنشاه بن أيوب بن شاذي ابن أخي الملك الناصر صلاح الدين يوسف ملك مصر، مولده دمشق.

стр. 518

غيث السماح، ليث الكفاح، غوث النجاح، طود الحجا، جود الندى، عود النهى، السديد الآراء، الشديد الإباء، فارس الجلاد، فارس الأجلاد، مطعان الهياج، مطعام المحتاج، عين إنسان الإحسان، وإنسان عين الزمان، معاذ الرجاء، وملاذ الفضلاء، يجل عن نظم الشعر قدره، ويزيد على فخر الأدب فخره، لكنه لكثرة مخالطة أهل الفضل قد خلص من الشوب، خلوص النضار غب الذوب، فما يفوه إلا بغريبةٍ، ولا يحبو إلا برغيبةٍ، ولا ينطف إلا ببديعةٍ، ولا يفهق إلا بصنيعةٍ، ينظم البيت والبيتين، ويرتجل القطعة والقطعتين، لتتم له الفضائل كلها. أنشدني بنفسه بقلعة دمشق، ونحن بين يدي السلطان الملك الناصر في ذي الحجة سنة سبعين: إذا شِئْتَ أَنْ تُعْطي الْأُمورَ حُقوقَهاوَتُوقِعَ حُكْمَ الْعَدْلِ أَحْسَنَ مَوْقِعِةْ فَلا تَصْنَعِ المْعَروفَ مَعَ غَيْرِ أَهْلِهِفَظُلْمُكَ وَضْعُ الشَّيْءِ في غَيْرِ مَوِضِعِهْ هذان البيتان ينبئان عن فضله، وكرم طبعه، فإنه مغرم بإكرام الفاضل ورفعه، مغرى بإهانة الجاهل ووضعه. قلت له: هلا قلت: فلا تضع المعروف في غير أهله، فإني أكره مع وهي ثقيلةٌ يمجها الطبع السليم والخاطر المستقيم؟ فقال: كذلك قلته. وأنشدني بيتين كتبهما بمصر إلى صديقٍ له: عَرَتْني هُمومٌ أَرَّقَتْني لِعُظْمِها ... كما يَأْرَقُ الصَّبُّ الْكَئيبُ مِنَ الْوَجْدِ وَلابُدَّ أَنْ أَدْعو شَقيقاً يُزيلُها ... فإنْ تَسْتَجِبْ يا بْنَ الرَّشيدِ فمِنْ رُشْدي شعره ظرف الظرف، وحسن الحسن، وملح الملاحة، وجادة الإجادة، ومائدة الفائدة، ومأدبة الأدب، وعلم العلم، وحكمة الحكمة، ونور الحدقة، ونور الحديقة. وله يداعب بعض أصدقائه وهو رجاء: رَجاءٌ كانَ قِدْماً مُسْتَهاماً ... بِأَخْبارِ الرَّسولِ وَبالسَّماعِ وَلا يَسْعى لِمَكْرُمَةٍ وَلكِنْ ... تَراهُ إلَى الْمَطاعِمِ خَيْرَ ساعِ وَلا يَرْوي مِن الأَخْبارِ إلّا ... أُجيبُ وَلَوْ دُعِيتُ إلى كُراعِ وله في مثل ذلك: هذا أَبو الْخَيِر قَدْ أَضْحى لَهُ خُلُقٌ ... كَمادِرٍ فَهْوَ لا يَخْلو مِنَ الْعارِ وَلَيْسَ يَرْوي مِنَ الأَشْعارِ قَطُّ سِوى ... قالوا لِأمِّهِمُ: بُولي عَلَى النَّارِ وقال يداعب بعض أصدقائه من ندمائه، وكان يخضب لحيته، فنظم على لسانه: بَكَيْتُ وَمِمَّا زادَني عِنْدَ سَفْرَتي ... مَلامُ الأعادي عَلَى صَبْغِ لِحْيَتي أَمُدُّ لِصَبّاغٍ يُجيدُ خِضابَها ... قَذالاً مَديدأً عَرْضَ شِبْرٍ وَخَمْسَةِ وَما صَبِغْهُا سَهْلٌ عَلَيَّ وإَنَّهُ ... يُقَوَّمُ عِنْدي كلُّ طاقٍ بِصَفْعَةِ وقال: مَنْ قالَ إنَّ رَجاءَ يَصْبغُ ذَقْنَهُ ... تَبّاً لَهُ بَلْ ذاكَ مِنْ خَدَّيْهِ مَا الصِّبْغُ سَوَّدَ عارِضَيْهِ وَإنَّما ... وَجَناتُهُ نَفَضَتْ عَلَى لَحْيَيْهِ وسألني أن أعمل في هذا المعنى، فارتجلت: كانَ عَهْدي بِفُلانٍ شائِباً ... قَدْ فَشَتْ شَيْبَتُه في شارِبَيْهِ وَأَراهُ الْيَوْمَ في صِبْغِ الصِّبا ... لَوْنُهُ الْحالِكُ قَدْ عادَ إلَيْهِ ما أُراهُ خَضَبَ اللِّحْيَةَ بَلْ ... وَجْهُهُ الأَسْوَدُ أَعْدى عارِضَيِه ولي في عز الدين فرخشاه قصائد، بعثني على نظمها فيه كرمه، ودعتني إليه مناقبه وشيمه، فإنني أول ما مدحته بقصيدةٍ مقضيةٍ موسومةٍ باسمه هائيةٍ أولها: جَلَّتْ عَنِ الأَوْصافِ وَالَأْشباهِ ... أَوْصافُ عِزِّ الدّينِ فَرُّخْشاهِ فاهتز لها واعتز، وهش لها وبش، وجاد وزاد، ورادف الرفد، وحالف المجد، واسترق ذخر الود، واسترق حر الحمد، وحفظ القصيدة حفظه للقصد، وصار ينشدها إنشاد المتبجح بها المعتد. وأنا أورد الآن قصيدةً أخرى هائيةٍ، موسومةً بخدمته، خدمته بها وقت وصولي إلى مصر، أتشوق فيها الجماعة بالشام، وأتندم على مفارقتهم، سنة اثنتين وسبعين، وهي: بَيْنٌ أَمَرَّ حَلاوَةَ الْعَيْشِ الشَّهِي ... وَهَوًى أَحالَ غَضارةَ الزَّمَنِ الْبَهِي

стр. 519

وَصَبابَةٌ لا أَسْتَقِلُّ بِشَرْحِها ... عَنْ حَصْرِها حَصَرُ الْبَليغِ الْمِدْرَهِ أَأَحِبَّتي إنْ غِبْتُ عَنْكُمْ فَالْهَوى ... دانٍ لِقَلْبٍ بالْغَرامِ مُوَلَّهِ أُنْهي إلَيْكُمْ أَنَّ صَبْرِيَ مُنْتَأً ... بَلْ مُنْتَهٍ، والشَّوْقُ لَيْسَ بِمُنْتَهِ أَما عُقودُ مَدامِعي فَلَقَدْ وَهَتْ ... وَأَبَتْ عُقودُ الْوُدِّ مِنِّيَ أَنْ تَهي وَلَقدْ دُهِيتُ بِيَنِكم فاشْتَقْتُكُمْ ... يا مَنْ لِمُشْتاقٍ بَبَيْنِكُمُ دُهِي ما زِلْتُ عِنْدَكُمُ بأَرْضى عِيشَةٍ ... وَبقيتُ بَعْدَكُمُ بِعَيْشٍ أَكْرَهِ أَبْدَتْ دُموعيِ مِنْهُ ما لَم أُبْدِهِ ... وَبُدِهْتُ مِنْهُ أَسًى بما لْم أُبْدَهِ أَمّا الْهَوى فَأَنا مُدِلٌّ عِنْدَكُمْ ... عُوفِيتُمُ مِنْهُ بِقَلْبِ مُدَلَّهِ أَرْعى نُجومَ اللَّيْلِ فِيكُمْ ساهِراً ... بِنُجومِ دَمْعٍ أَوْجُها في الأَوْجُهِ خَطْبُ الْفِراقِ شُدِهْتُ مِنْهُ وَإنَّني ... لِلنّائِباتِ أَشَدِّها لْم أُشْدَهِ نَظَري إلَيكُمْ كانَ إثْمِدَ ناظِري ... وَبَقِيتُ أَمْرِي خِلْفَ جَفْنٍ أَمْرَهِ وإَذا أَلَمَّ خَيالُكُمْ مُتَأَوِّباً ... لاقَيْتُه بِتَأَلُّمِ الْمُتَأَوِّهِ في شَوْقِكم أَبَدَ الزَّمانِ تَفَكُّري ... وَبِذِكْرِكُمْ عِندَ الْكِرامِ تَفَكُّهي لوْ قيلَ لي: ما تَشْتَهي مِنْ هذِهِ الدُّ ... نْيا؟ لَقُلْتُ: سِواكُمُ لا أَشْتَهي ما كانَ أَرْفَهَ عِيشَتي وَأَلَذَّها ... مَنْ ذَا الذَّي يَبْقى بِعَيْشٍ أَرْفَهِ وَمِنَ السَّفاهَةِ أَنَّني فارَقْتُكُمْ ... مِنْ أَيْنَ ذُو الْحِلْمِ الَّذي لمْ يَسْفَهِ وَعِقابُ أَيْلَةَ ما يُفارِقُ جِلَّقِاً ... أَحَدٌ إلَيها غَيْرُ غِرٍّ أَبْلَهِ حَلَبَتْ غُروبَ الشَّأْنِ مِنّي غُرْبَةٌ ... في بَلْدَةٍ شَأْني بها لمْ يَنْبُهِ ما لي وِمِصْرَ وَلِلْمطامِعِ إنَّما ... مَلَكَتْ قِيادي حَيْثُ لمْ أَتَنزَّهِ لا تَنْهَني يا عاذِلي فَأَنا الذَّي ... تَبِعَ الْهَوى وَأَتى بما عَنْهُ نُهي قَدْ قُلْتُ لِلْحادي وَقَدْ نادَيْتُهُ ... في مَهْمَهٍ: أَقْصِرْ وَصَلْتَ مَهٍ مَهِ حَتَّامَ جَذْبُكَ لِلزِّمامِ فَأَرْخِهِ ... فَلَقَدْ أَنَخْتَ إلى ذَرى فَرُّخْشَهِ قَدْ لُذْتَ بالْمُتَطَوِّلِ الْمُتَفَضِّلِ الْمُتَكَرِّمِ الْمُتَلَحِّمِ الْمتَنَبِّهِ نُجْحُ الرَّجاءِ جَوابُ قَصْدي بابَهُ ... مَهْما هَمَمْتُ لَهُ بِجَوْبِ الْمَهْمَهِ مَلكٌ يُجيبُ خِطابَ كلِّ مُؤَمِّلٍ ... وَيُجيرُ مِنْ عَضِّ الْخُطوبِ الْعُضَّهِ مَنْ لمْ يُجِبْ بِسِوى نَعَمْ سُؤَّالَهُ ... وَلِمُعْتَفيهِ بِلا وَلَنْ لمْ يَجْبَهِ مُتَكَرِّمٌ بالطَّبْعِ لا مُتَكَرِّهٌ ... شَتّانَ بَيْنَ تَكَرُّمٍ وَتَكَرُّهِ بِيَدَيْهِ نُجْحُ الْمُرْتَجيى وَإلَيْهِ قَصْدُ الْمُلْتَجى وَلَدَيْهِ رُشْدُ الْأَتْيَهِ إِحْسانُ ذي مَجْدٍ وَهِمَّهُ مُحْسِنٍ ... مُجْدٍ وَتَقْوى عابِدٍ مُتَأَلِّهِ ما بارِقٌ ذُو عارِضٍ مِنْ وَدْقِهِ ... وَرُعودِهِ في نادِبٍ وَمُثقْهَقِهِ هامٍ يَظَلُّ الرَّوْضُ مِنْ أَمْواهِهِ ... في الزَّهْرِ بَينَ مُذَهَّبٍ وَمُمَوَّهِ فالْأَرْضُ مِنْ حُلَلِ الرَّبيعِ أَنْيقَةٌوَالرَّوْضُ منْ حَلْيِ الشَّقائِقِ مُزْدَهِ أَجْدى وَأَسْمَحَ منْ يَدَيْهِ فَجُودُها ... عِنْدَ الْغُيوثِ إذا انْتَهَتْ لا يَنْتَهي

стр. 520

لا عِزَّ إلّا عِنْدَ عِزِّ الدّينِ مَوْ ... لايَ الأَجَلِّ أَخي الْفَخارِ الْأَنْبَهِ يَهَبُ الْأُلوفَ لِمُجْتَديهِ وَظَنُّهُ ... أَنْ قَدْ حَباهُمْ بِالْأَقَلِّ الأَتْفَهِ أَنْتُمْ بَني أَيُّوَب أَكْرَمُ عُصْبَةٍ ... هذا الزَّمانُ بِفَخْرِ سُؤْدُدِهِمْ زُهي وَأُولو وُجوهٍ بَلْ صُدورٍ منْ نَدى ... ماءِ الْبَشاشَةِ وَالسَّمَاحَةِ مُوَّهِ عَذُبَتْ مَوارِدُكُمْ وَطابَتْ لِلْوَرى ... وَصَفْت فلَمْ تَأْسَنْ وَلْم تَتَسَنَّهِ ما يَدَّعي مَلِكٌ بلُوغَ مَحَلِّكُمْ ... إلاّ تَقولُ لَهُ مَساعِيكُمْ: صَهِ وَالنّاصِرُ المَلِكُ الصَّلاحُ هُوَ الّذي ... إلاّ بهِ اللَّزَباتُ لمْ تَتَنَهْنَهِ لاهٍ عَنِ اللاّهي بِدُنْياهُ وَعَنْ ... إعْزازِ دِينِ اللهِ يَوْماً ما لَهي فاقَ المُلوكَ عُلًي وَإنْ لمْ يَظْفَروا ... مِنْها بغَيْرِ تَشَبُّثٍ وَتَشَبُّهِ إنَّ الْمُلوكَ تَخَلَّفُوا وَسَبَقْتُمُ ... أَيْنَ السَّوامُ مِنَ الْعِتاقِ الفُرَّهِ راجِيكُمُ منْ داءِ كُلِّ مُلِمَّةٍ ... يَشْفى وَعِدُّ سَماحِكُمْ لمْ يُشْفَهِ وَعَدُوُّكُمْ في مَهْرَبٍ لمْ يُنْجِهِ ... وَوَليُّكُمْ في مَطْلَبٍ لمْ يُنْجَهِ إنْ يَجْحَدِ الشّاني عُلاكَ فما تَرى ... إشْراقَ عَيْنِ الشَّمْسِ عَيْنُ الأَكْمَهِ وَلَرُبَّ مَجْرٍ رائِعٍ حَمَلاتُهُ ... وَتَخالُهُ في الزَّحْفِ سَيْلَ مُدَهْدِهِ يَقْرِي الْعَواسِلَ مِنْ فَرائِسِ أُسْدِهِ ... لَحْماً بِنارِ الْبِيضِ مُشْعَلَةً طُهِي مَتَحَتْ بِه قُلْبَ الْقُلوبِ ذَوابِلٌ ... أَشْبَهْنَ أَشْطاناً بِأْيدي مُتَّهِ فَالْأَسْمَرُ الْعَسّالُ يَحْكي ناحِلاً ... مُتَلَوِّياً مِنْ سُقْمِهِ لمْ يَنْقَهِ وَالْأبْيَضُ الرَّعَافُ يُشْبِهُ مُدْنَفاً ... أَلِفَ الضَّنى وَأَصابَهُ جُرْحٌ صَهِي وَهُوَ الّذي ترَكَ الْعِدى مِنْ رُعْبهِ ... يَوْمَ اللِّقاءِ بِصَدْمِهِ في وَهْرَهِ بِكَ أَصْبَحَتْ راياتُهُ مَنْصورَةً ... يا سَيِّداً عَنَتِ الْوُجوهُُ لِوَجْهِه لَكَ في الشَّهامَةِ وَالصَّرامَةِ مَوْقِفٌ ... لِصِفانِه إعْجازُ كُلِّ مُفَوَّهِ مَا الصّارِمُ الْهِنْدِيُّ غَيْرَ مُكَهَّمٍوَالْباسِلُ الصِّنْديدُ غَيْرَ مُنَفَّهِ؟ وَإذا عَزَمْتَ تَرَكْتَ أَعْداءَ الْهُدى ... مَا بَيْنَ هُلاَكٍ وَحْيرى عُمَّهِ يا حِلْفَ جُودٍ لِلْغُيوثِ مُخَجِّلٍ ... أَبداً وَبَأْس اللُّيوثِ مُجَهْجِهِ مَوْلايَ مِنْ مَدْحي سِواكَ تَوَجُّعي ... وإِلَيْكَ مِنْ دونِ الْمُلوكِ تَوَجُّهي أَهَبُ الثَّناءَ لَمِجْدِ بَيْتِكَ طائِعاً ... وَأَبيعُهُ لِسِواكَ بَيْعَ الْمُكْرَهِ مَدْحُ الْجميِع مُوَجَّهٌ وَمَديحُكُمْ ... في الصِّدْقِ وَالإخْلاصِ غَيْرُ مُوَجَّهِ يَفْديكَ مَغْرُورُ الزَّمانِ بلَهْوِهِ ... وَلَهاهُ غَرَّارُ السَّرابِ بلَهْلَهِ مَوْلايَ مِصْرٌ أَخْملَتْ قَدْري فكُنْ ... باسمي جُزيتَ الْخَيْرَ خَيْرَ مُنَوِّهِ شَرَهي عَلى العَلْياءِ جَرَّ مَعاطِبي ... أَمِنَ المَعاطِبَ كُلُّ مَنْ لمْ يَشْرَهِ وَلقَدْ تَملَّى بالسَّعادَةِ ذُو غِنىً ... عَنْ شَقِوْةِ الْمُتَطَلِّبِ الْمُتَطَلَّهِ أَيْنَ الْكَرامَةُ لِلأْفاضِلِ عِنْدَكُمْإنْ لمْ تكُنْ عِنْدَ الْكِرامِ فأَيْنَ هِيْ؟ لَبّى نِداءَ نَداكَ لُبُّ رَجائِه ... فازْجُرْ مُلِمَّ الْيَأْسِ عَنْهُ وَانْدَهِ

стр. 521

أَعْلَيْتَ في مِصْرٍ مَكاني بَعْدَما ... خَفَضَتْ بِه وَلِقَدْرِهِ لمْ يُؤْبَهِ طَلعَتْ نُجومُكُمُ الثَّواقِبُ لِلْوَرى ... زُهْراً وَإنّي كالسُّهى عَنْهُ سُهِي جَبرَتْ يَدُ الإفْضالِ مِنْهُ مَكاسِراً ... مِنْ فَضْليَ الْمُتكَسِّرِ الْمُتَكَدِّهِ عَرِّفْ بِعُرْفِكَ مِنْهُ ما لمْ يَعْرِفوا ... نَبّاً وَعَنْ سِنَةِ التَّغافُلِ نَبِّهِ فَضْلي خَلَوْتُ لأَجْلِهِ منْ حُظْوَةٍ ... هِيَ لِلْأرَيبِ كَنَبْتِ مَرْتٍ أَجْلَهِ الْفَضْلُ مُشْتَعِلٌ بِنارِ بَلائِه ... والْحَظُّ مُشتغِلٌ بِأَخْرَقَ أَوْرَهِ أَعِرِ التَّأَمُّلَ فِقْهَ شِعْري مُنْعِماً ... لا يَشْعُرُ الإِنْسانُ ما لمْ يَفْقَهِ وَتَمَّلها غَرّاءَ جامِعَةً لَكُمْ ... في النَّعْتِ بِيْنَ تَمَدُّحٍ وَتَمَدُّهِ يَهتَزُّ ذُو الْحُسْنى لِجَلْوَةِ حُسْنها ... وَتَجِلُّ عَنْ تَحْسينِ كُلِّ مُزَهْرِهِ أَفْواهُ أَهْلِ الْفَضْلِ ناطِقَةٌ لهَا ... بالْفَضْلِ إنْ قِيسَتْ بِشْعِر الأَفْوَهِ وَإنِ الْعُقولُ لهَتْ لهَا فَلأِنَّها ... مَحْمِيَّةٌ عَنْ كُلِّ مَعْنىً لَهْلَهِ صَهْباءُ تُودِعُ سامِعيها نَشْوَةً ... وَتُعيرُ عَرْفَ الْمِسْكِ لِلْمُسْتَنْكِهِ فَوَلِيُّها بِتَشَوُّقٍ وَتَشَوُّفٍ ... وَحَسودُها بِتَشَوُّرٍ وَتَشَوُّه دُمْ يَا بْنَ شاهِنْشاهَ مَلْكاً سَيِّداً ... مُتَوَشِّشحاً بِالسُّؤْدُدِ الشَّاهِنْشَهي مُتَمَلِّياً بهرامَ شاه مُمَتَّعاً ... مِنهُ بنَدْبٍ سَيِّدٍ شَهْمٍ شَهِيْ لَوْ شاهَدَ الْيَمَيِنيُّ جَبْهَة يُمْنِكُمْ ... ما ظَلَّ مُفْتَخِراً بِخَيْلِ الأَجْبَهِ هذه إشارةٌ إلى أنني نظمت هذه القصيدة على وزن قصيدةٍ أوردها لبعض شعراء اليمن في آخر القسم الثالث أولها: العز في صهوات خيل الأجبه ولما سمع تاج الدين الكندي القصيدة، عمل على وزنها في مدح عز الدين أيضاً: هَلْ أَنتَ راحِمُ عَبْرَةٍ وَتَوَلُّهِ ... وَمُجيرُ صَبٍّ عِنْدَ مَأْمَنِهِ دُهِيْ هَيْهاتَ يَرْحَمُ قاتِلٌ مَقْتُوَلهُ ... وَسِنانُهُ في الْقَلْبِ غَيْرُ مُنَهْنَهِ مَنْ بَلَّ منْ داءِ الْغَرامِ فإِنَّني ... مُذْ حَلَّ بي داءُ الهَوى لمْ أَنْقَهِ إنّي بُليتُ بِحُبِّ أَغْيَدَ ساحرٍ ... بلِحاظِه رَخْصِ الْبَنانِ بَرَهْرَهِ أَبْغي شِفاءَ تَدَلُّهي منْ دَلِّهِ ... وَمَتى يَرِقُّ مُدَلَّلٌ لِمُدَلَّهِ؟ كَمْ آهَةٍ ليَ في هَواهُ وَأَنَّةٍ ... لَوْ كانَ يَنْفَعُني عَلَيْهِ تَأَوُّهي وَمَآرِبٍ منْ وَصْلِهِ لَوْ أَنها ... تُقْضي لَكانَتْ عَنْدَ مَبْسَمِهِ الشَّهي يا مُفْرَداً بالْحُسْنِ إنَّكَ مُنْتَهٍ ... فيهِ كما أَنا في الصَّبابَةِ مُنْتَهِ قَدْ لامَ فيكَ مَعاشِرٌ أَفأَنْتَهي ... باللَّوْمِ عَنْ حُبِّ الْحياةِ وَأَنْتَ هِيْ أَبْكي لَدَيْهِ فإنْ أَحَسَّ بِلَوْعَةٍ ... وَتَشَهُّقٍ أَوْما بِطَرْفِ مُقَهْقِهِ أَنا منْ مَحاسِنِه وَحالي عنْدَهُ ... حَيْرانُ بَيْنَ تَفَكُّهٍ وَتَفَكُّهِ ضِدَّانِ قَدْ جُمِعا بِلَفْظٍ واحِدٍ ... لي في هَواهُ بِمَنْعَيَينِ مُوَجَّهِ لأُجَرِّدَنَّ مِنِ اصْطِباري عَزْمَةً ... ما رَبُّها في مَحْفِلٍ بِمُسَفَّهِ أَوَ لَسْتُ رَبَّ فَضائِلٍ لَوْ حازَ أَدْ ... ناها وَما أُزْهى بها غَيْري زُهي شَهِدَتْ لَها الأَعْداءُ وَاسْتَشْفَتَ بهَا ... عَيْنا حَسودٍ بالْغَباوَةِ أَكْمَهِ

стр. 522

أَنا عَبْدُ مَنْ شَهِدَ الزَّمانُ بِعَجْزِهِ ... عَنْ أَنْ يَجْيءَ لَهُ بِنِدٍّ مُشْبِهِ عَبْدٌ لِعزِّ الدِّينِ ذي الشَّرَفِ الّذي ... ذَلَّ المُلوكُ لِعزِّهِ فَرُّخْشَهِ الْمُوقِدِ الْحَرْبَ الْعَوانَ بِبَأْسِهِ ... وَالأُسْدُ بَينَ مُعَرِّدٍ وَمُوَهْوِهِ الَمْفُحْمِ الْفُصَحاءِ فَصْلُ خِطابهِ ... منْ ذي الرَّوِيَّةِ فِيهِمْ وَالْمِبْدَهِ فَكَأَنَّ قِرْناً يُبْتَلى بِنِزالِهِ ... يُرْمى بِطَوْدٍ فَوْقَهُ مُتَدَهْدِهِ وَكَذا الْبَليغُ مُلْجْلِجٌ في نُطْقِهِ ... حَصَراً كأَلْكَنَ في الْكلامِ مُتَهْتِه فَلْتَبْجَحِ الْعَلْياءُ منْهُ بِمِحْرَبٍ ... عِنْدَ الجْلِاد وفي الْجِدالِ بِمِدْرَهِ هو غُرَّةُ الزَّمن البَهيمِ وعِصْمَةُ الْمُ ... لِكْ العَقيمِ وَغوثُ كُلِّ مُؤَيِّهِ مَلِكٌ هُمامٌ حازِمٌ يَقِظٌ رِضى ... بَحْرٌ غَمامٌ عالمٌ نَدِسٌ نَهِي فَطِنٌ لأِخَذْ ِمَحامِدٍ خَفِيَتْ عَلَى ... فِطَنِ الْأُلى فَلِبَعْضِها لمْ يُوبَهِ مُتَنَبِّهٌ لِلْمَكْرُماتِ وَلمْ يَكُنْ ... عَنها يَنامُ فَيهْتَدي بِتَنَبُّهِ يُعْدي عَلَى جَوْرِ الزَّمانِ بِعَدْلِهِ ... وَيُجيرُ بِالنَّعماءِ كُلَّ مُوَلَّهِ وَإذا اسْتَغاثَ إليهِ منهُ مالُهُ ... كانَتْ إغاثَتُهُ لَهُ: صَهٍ أوْ مَهٍ وَعَلَى شمائِلِ مَجْدِهِ وَرُوائهِ ... لِلْمُلْكِ أُبَّهَةٌ بغَيْرِ تَأَبُّهِ مَا اللَّيْثُ أَوْغَلَ في التَّرائِبِ نابُهُ ... سَغَبِاً يَصولُ بأَهْرَتٍ مُتَكَهْكِه يَوْماً بِأَسْفَكَ لِلدِّماءِ لَدى الْوَغى ... مِنْهُ وَأَقْتَلَ لِلْعُداةِ وَأَعْضَهِ تَعِبَتْ أَسِنَّتُهُ عَلَى عَلْيائِهِ ... حَتّى تَفَرَّدَ بِالْمَحَلِّ الأَنْوَهِ فَغَدا وَراحَ بهِ رَعايا مُلْكِهِ ... في راحَةٍ تَتْهو بِسُودَدِهِ الْبَهي كَمْ في عَناءِ المُتْعَبينَ عَلَى الْعُلى ... مِنْ مُتْرَفٍ بِعَنائهمْ مُتَرَفِّهِ اُنْظُرْ إذا ازْدَحَمَ الْوُفودُ بِبابِهِ ... مِنْ كُلَّ ذي أَمَلٍ بِهِ مُتَوَجِّهِ إنْ شَطَّ لمْ يَشْطُطْ رِضاهُ وَإنْ سَطا ... فيما يُحاوِلُ عِنْدَهُ لمْ يُنْجِهِ طابَتْ مَوارِدُهُ فَغَصَّ فِناؤُهُ ... وَشَدا الْحُداةُ بِذِكْرِهِ في الْمَهْمَهِ كالْماءِ عِنْدَ وُرودِهِ ما لمْ يكُنْ ... عَذْباً نَميراً سائِغاً لمْ يُشْفَهِ يا خَيْرَ بانٍ بالشَّجاعَةِ وَالنَّدى ... فَخْراً يَهِي عُمْرُ الزَّمانِ ولا يَهي يَفْدِيكَ كُلُّ مُمَلَّكٍ مُتَيايِهٍ ... أَبَداً بِأَلْسِنَةِ الرَّعاعِ مُمَدَّهِ لا يَفْقَهُ النَّجْوى إذا حَدَّثْتَهُ ... وَإذا أَتى بِحَدِيثِهِ لمْ يُفْقَهِ إني عَلَى شَرَفِ الْقَريضِ لهَاجِرٌ ... لِلنَّظْمِ هِجْرَةَ آنِفٍ مُتَنَزِّهِ أَضْحى وَعُصْبَتُهُ كَمَمْدُوحِيِهمُ ... في جَهْلِ قِيمَةِ ذي الْحِجى وَالأَوْرَهِ أَبَداً عَرائِسُ مَدْحِهِ تُجْلى عَلَى ... دَنِسِ الْخَبيئَةِ بالْعُيوبِ مُشَوَّهِ قُلْ لِلْممُيَزِّ مُنْشِشداً أَوْ سامِعاً ... في النّاسِ بَيْنَ مُفَهَّهٍ وَمُفَوَّهِ آليْتُ لا أَوْلَيْتُ غَيْرَكَ مِدْحَةً ... شِعْراً وإنْ أَفْعَلْ فَمِدْحَةُ مُكْرَهِ أَصْبَحْتُ منْ نُعْماكَ صاحِبَ أَنْعُمٍ ... تُرْجى نَوافِلُها وَعَيْشٍ أَبْلَهِ

стр. 523

وَبَدا لَدَيْكَ صَريحُ فَضْلي مِثْلَ ما ... لا يَسْتَسِرُّ لدَيْكَ نَقْصُ مُمَوِّهِ حُزْتَ السَّعادَةَ مِنْ إِلاهِكَ ما سَرَتْ ... في الليَّلْ دَعْوَةُ عابِدٍ مُتَأَلِّهِ هذا آخرها، وهي تسعةٌ وأربعون بيتاً. الأجل تاج الملوك أبو سعيد بوري بن نجم الدين أيوب أصغر إخوة الملك الناصر ذو الكرم الظاهر، والمحتد الطاهر، والفخر الصادع فجره الصادق، والنجر السامي قدره السامق، طفل السن كهل السنا، أهل المدح والثنا، نشأ بالفضل متشبثاً، وبالفصل متحدثاً، وبالنبل متبعثاً، له الفطرة الزكية، والهمة العلية الجلية، والعزمة الماضية المضية، الحافظ من العلم ذماء الذمار، واللاحظ في الحلم وقاء الوقار، لم يبلغ العشرين سنة، ولم يورق ترعة الترعرع غصنه. وله نظمٌ لطيفٌ، وفهمٌ شريفٌ، وقد كتب لي ما أورده استحساناً، ولا أقيم على حسنه سوى معناه برهاناً. فمن ذلك قوله: يا حَياتي حينَ تَرْضى ... وَمَماتي حينَ تَسْخَطْ آهِ منْ وَرْدٍ عَلى خَدَّ ... يْكَ بِالْمِسْكِ مُنَقَّطْ بَيْنَ أَجْفانِكَ سُلْطا ... نٌ عَلَى ضَعْفي مُسَلَّطْ قَدْ تَصَبَّرْتُ وَإنْ بَرَّ ... حَ بي الشَّوْقُ فَأَفْرَطْ فَلَعَلَّ الدَّهْرَ يَوْماً ... بالتَّلاقي منْكَ يَغْلَطْ وقوله: يا مانِعي أَنْ أَجْتَني زَهَراً ... في رَوْضَتَيْ خَدَّيْهِ مَنْتِبُهُ لا تَبْخَلَنَّ عَلى الُمحِبِّ بما ... يَبْلى غَداً وَتَزولُ بَهْجَتُهُ وقوله: وَا شُؤْمَ بَخْتي يَضُمُّنا وَطَنٌ ... ولَيْسَ يُقْضي فيهِ لَنا وَطَرُ وَلا تَراني وَلا أَراكَ فَوَا ... طُولَ بَلائي حَتّى وَلا النَّظَرُ تِلْكَ لَعَمْري مُصيبَةٌ عَظُمَتْ ... وَخُطَّةٌ ما يُطيقُها بَشَرُ وقوله: أَيا حامِلَ الرُّمْحِ الشَّبيهِ بِقَدِّهِ ... وَيا شاهِراً سَيْفاً حَكى لَحْظَهُ عَضْبا ضَعِ الرُّمْحَ وَاغْمِدُ ما سَلَلْتَ فَرُبَّماقَتَلْتَ وَما حاوَلْتَ طَعْناً ولا ضَرْبا وقوله: لي في الأَنامِ حَبيبٌ ... يُنْمى إلَى الأَتْراكِ أَشْكو إليْهِ غَرامي ... فما يَرِقُّ لِشاكِ يَظَلُّ يَضْحَكُ عُجْباً ... وَالطَّرْفُ مِنِّيَ باكِ فَدَيْتُهُ منْ غزالٍ ... بِعَيْنهِ فَتَّاكِ ظَبْيٌ أَغارُ عَلَى رِي ... قِهِ منَ الْمِسْواكِ يا لَيْتَني كُنْتُ في كَفِّ ... هِ عُوَيْدَ أَراكِ وقوله: أَفْديهِ منْ رامٍ يُفَوِّقُ سَهْمَهُ ... عَنْ قَوْسِهِ فيُصيبُ قَلْبَ مَرامِهِ وَهُوَ الْغَنِيُّ بِحاجِبَيْهِ كِلَيْهِما ... وَلِحاظِهِ عَنْ قَوْسِهِ وسِهامِهِ وقوله: يا غَزالاً يُميتُ طَوْراً وَيُحْيي ... وَهُوَ بُرءُ السَّقيمِ سُقْمُ الصَّحيحِ هذِه الُمْعِجزاتُ لَيسَتْ لِظْبيٍ ... إنَّما هذِه فِعالُ الْمَسيحِ وأنا أستطرف منه هذه الفتاءة، وَطرو نشائه وانتشاءه، وأستبدعه ولا أستبعده، لأنه نازلٌ من بيت العلياء في سمائه، عالٍ على سمائه بسنائه. واستبعد أخوه الملك الناصر منه قول الشعر، فقال: أَيا مَلكاً ما زالَ يَفْعَلُ جُودُهُ ... عَلَى سائرِ الْحالاتِ ما يَفْعَلُ الْقَطْرُ أَتُنْكِرُ نَثْرَ الُّدِّر منْ بَحْرِ خاطريوَتعَلُم أنَّ الدُّرَّ مَسْكَنُهُ الْبَحْرُ باب في ذكر محاسن الشعراء بدمشق وأعمالها وفيه ذكر أعيان الساحل ابن الخياط الدمشقي هو أبو عبد الله أحمد بن محمدٍ، عاش على سمعته إلى آخر سنة سبع عشرة وخمسمائةٍ، وتوفي في سابع عشر رمضان منها، وكان قد سافر إلى بلاد العجم مع أبي النجم بن بديعٍ الأصفهاني، وبلغ الري، وعاد منها إلى دمشق. ومات بها بعد ذلك بمدةٍ.

стр. 524

وكان جيد الشعر رقيقه، وله فضله على شعر غيره، فلأجل ذلك قدمت ذكره، وفضلت شعره، ذكره مجد العرب العامري بأصفهان في جمادى الأولى سنة ستٍ وأربعين وخمسمائة قال: حدثني بعض الفضلاء بالشام مخبراً عن ابن الخياط في حداثه سنه. أنه قال: دخلت على الأمير أبي الفتيان محمد بن سلطان ابن حيوسٍ الشاعر في داره بحلب، وهو شيخٌ كبير القدر والسن، فوجدته متكئاً على فراشه، وعنده حلاوةٌ يأكلها، فما استوى لي جالساً وقال: من أين الرجل؟ فقلت: من دمشق. قال فما صناعتك؟ قلت: الشعر. قال هات مما أحدثت الآن من شعرك. فأنشدته، وذلك في سنة اثنتين وستين وأربعمائةٍ: لمْ يَبْقَ عِنْدي ما يُباعُ بِحَبَّةٍ ... وَكَفاكَ شاهِدُ مَنْظَري عَنْ مَخْبَري إلاّ صُبابةُ ماءِ وَجْهٍ صُنْتُها ... مِنْ أَنْ تُباعَ وَأَيْن أَيْنَ المُشَتري فقال: كرمت عندي، ونعيت إلي نفسي، فإن الشام لا تخلو عن شاعرٍ مجيدٍ، ولا يجتمع فيها شاعران، فأنت وراثي في هذه الصناعة، ولكن لا تنتفع بشعرك في هذه البلدة وفيها مثلي، فاقصد بني عمارٍ بطرابلسٍ، فإنهم يحبون هذا الفن. ووصلني ابن حيوسٍ بثيابٍ ودنانير. ومضيت إلى بني عمارٍ ومدحتهم، فأحسنوا إلي وألجأوني إلى إجادة شعري. وابن حيوسٍ كان أصنع من ابن الخياط، لكن لشعر ابن الخياط طلاوةٌ ليست لشعره. وله: يُحْتاجُ في الشِّعْرِ إلى طُلاوَهْ والشِّعْرُ ما لمْ يَكُ ذا حَلاوَهْ فَإنَّما سَماعُهُ شَقاوَهْ وكان من ينظر إلى ابن الخياط يعتقد أنه جمالٌ أو حمالٌ لشكله وطوله وعرضه وبزته، وما كانت صورته تنبئ عن ذكائه ولطفه وفضله وفطنته. ولم أذكر شعر ابن حيوسٍ في هذا المجموع، لكونه لم يكن في العصر الذي ذكرت شعراءه، لو أوردت شعره، لزمني أن أورد شعر معاصريه، فيطول الكتاب. فمن قلائد قصائد ابن الخياط، وفرائد فوائده، قصيدته في مدح عضب الدولة أبق بن عبد الرزاق أمير دمشق، حكي عنه أنه قال: صقلت هذه القصيدة أربعين سنةً، وهي: خُذا مِنْ صَبا نَجْدٍ أَماناً لِقَلْبِهِ ... فَقَدْ كادَ رَيّاها يَطيرُ بِلُبِّهِ وَإيّاكُما ذاكَ النَّسيمَ فإنَّهُ ... مَتى هَبَّ كانَ الْوَجْدُ أَيْسَرَ خَطْبِهِ خَليَليَّ لَوْ أَحْبَبْتُما لَعَلِمْتُمامَحَلَّ الْهَوى منْ مُغْرَمِ الْقَلْبِ صَبِّهِ تَذَكَّرَ وَالذِّكرى تَشوقُ وَذُو الْهَوى ... يَتوقُ ومَنْ يَعْلَقْ بهِ الْحُبُّ يُصْبِهِ غَرامٌ عَلَى يَأْسِ الْهَوى وَرَجائهِ ... وَشَوْقٌ عَلى بُعْدِ الْمَزارِ وَقُرْبِه وَفي الرَّكْبِ مَطْوِيُّ الضُّلوعِ عَلَى جَوًى ... مَتى يَدْعُهُ داعي الْغَرامِ يُلَبِّهِ إذا خَطَرَتْ منْ جانِبِ الرَّمْلِ نَفْحَةٌ ... تَضَمَّنَ منها داءَهُ دُونَ صَحْبهِ وَمُحْتَجِبٍ بَيْنَ الأَسِنَّةِ مُعْرِضٍ ... وَفي الْقَلْبِ مِنْ إعْراضِه مِثْلُ حُجْبِهِ أَغارُ إذا آنَسْتُ في الْحَيِّ أَنَّةً ... حِذاراً وَخَوْفاً أَنْ تكُونَ لِحُبِّهِ لم يسبقه أحدٌ إلى هذه المبالغة في الغيرة. وَيَوْمَ الرِّضى وَالصَّبُّ يَحْمِلُ سُخْطَهُ ... بِقَلْبٍ ضَعيفٍ عَنْ تَحَمُّلِ عَتْبِهِ جلاَ ليَ بَرّاقَ الثَّنايا شَتِيتَها ... وَحَلأَّني عَنْ بارِدِ الْوِرْدِ عَذْبِهِ كَأَنِّيَ لمْ أَقْصُرْ بهِ اللَّيْلَ زائِراً ... تَحولُ يَدي بَيْنَ الْمِهادِ وَجَنْبِهِ وَلا ذُقْتُ أَمْناً مِنْ سَرِارِ حُجُولِهِوَلا ارْتَعْتُ خَوْفاً مِنْ نَميمَةِ حُقْبهِ فَيا لَسَقامي مِنْ هَوى مُتَجَنِّبٍ ... بَكى عاذِلاهُ رَحْمَةً لِمُحِبِّهِ وَمِنْ ساعَةٍ لِلْبَيْنِ غَيْرِ حَميدَةٍ ... سَمَحْتُ بِطَلِّ الدَّمْعِ فيها وَسَكْبِهِ أَلاَ لَيْتَ أَنّي لَمْ يَحُلْ بَيْنَ حاجِرٍ ... وَبَيْني ذُرى أَعْلامِ رَضْوى وَهَضْبِهِ وَلَيْتَ الرِّياحَ الرّائِحاتِ خَوالِصٌ ... إلَيَّ وَلَوْ لاقَيْنَ قَلْبي بِكَرْبهِ أَهيمُ إلى ماءٍ بِبُرْقَةِ عاقِلٍ ... ظَمِئْتُ عَلى طُولِ الوُرودِ بِشُرْبهِ

стр. 525

وَأَسْتافُ حُرَّ الرَّمْلِ شَوْقاً إلى اللِّشوىوَقَدْ أَوْدَعَتْني السُّقْمَ قُضْبانُ كُثْبِهِ وَلَسْتُ عَلى وَجْدي بأَوَّلِ عاشِقٍ ... أَصابَتْ سِهامُ الْحُبِّ حَبَّةَ قَلْبهِ صَبَرْتُ عَلى وَعْكِ الزَّمانِ وَقَدْ أُرى ... خَبيراً بِداءِ الْحادِثاتِ وَطِبِّهِ وَأَعْرَضْتُ عَنْ غُرِّ الْقَوافي وَمَنْطِقي ... مَلِئٌ لِمُرْتادِ الْكَلامِ بِخِصْبِهِ وَما عَزَّني لَوْ شِئْتُ مَلْكٌ مُهَذَّبٌ ... يَرى أَنَّ صَوْنَ الْحَمْدِ عَنْهُ كَسَبِّه لَقَدْ طالمَا هَوَّمْتُ في سِنَةِ الْكَرى ... وَلا بُدَّ لي مِنْ يَقْظَةِ الْمُتَنَبِّهِ سَأَلْقي بِعَضْبِ الدَّوْلَةِ الدَّهْرَ وَاثِقاًبِأَمْضى شَباً مِنْ بِاتِرِ الْحَدِّ عَضْبِهِ وَأَسْمو عَنِ الآمالِ هَمّاً وَهِمَّةً ... سَمُوَّ جَمالِ الْمُلْكِ عَنْ كُلِّ مُشْبِه هُوَ الْمَلْكُ يَدْعُو المُرْمِلينَ سَماحُهُ ... إلى واسِعٍ باعَ الْمَكارِمِ رَحْبِهِ يُعَنَّفُ مَنْ لمْ يَأْتِه يَوْمَ جُودِهِوَيُعْذَرُ مَنْ لمْ يَلْقَهُ يَوْمَ حَرْبِهِ كَأَنّي إذا أَحَيَّيْتُهُ بِصِفاتِه ... أَمُتُّ إلى بَدْرِ السَّماءِ بِشُهْبِه هُوَ السَّيْفُ يُغْشي ناظِراً عِنْدَ سَلِّهِ ... بَهاءً وَيُرْضي فاتِكاً يَوْمَ ضَرْبِه يَرُوقُ جَمالاً أَوْ يَرُوعُ مَهابَةً ... كَصَفْحِ الْحُسامِ الْمَشْرَفِيِّ وَغَرْبِه همُامٌ إذا أَجْرى لِغَايَةِ سُؤْدُدٍ ... أَضَلَّكَ عَنْ شَدِّ الْجَوادِ وَخَبِّهِ تَخَطّى إلَيها وادِعاً فَكأَنَّهُ ... تَمَطّى عَلَى جُرْدِ الرِّهانِ وَقُبِّهِ وَما أَبَقٌ إلاّ حَياً مُتَهَلِّلٌ ... إذا جادَ لْم تُقْلِعْ مَواطِرُ سُحْبِهِ أَغَرُّ غِياثٌ لِلْأنَامِ وَعِصْمَةٌ ... يُعاشُ بِنُعماهُ وَيُحْمي بِذَبِّهِ يَقولونَ تِرْبٌ لِلْغمامِ وإَنمَّا ... رَجاءُ الْغَمامِ أَنْ يُعَدَّ كَتِرْبِهِ فَتىً لمْ يَبْتْ وَالْمَجْدُ مِنْ غَيْرِ هَمُهِوَلْم يَحْتَرِفْ وَالْحَمْدُ منْ غَيْرِ كَسْبِه وَلْم يُرَ يَوْماً راجِياً غَيْرَ سَيْفِهِ ... وَلمْ يُرَ يَوْماً خائِفاً غَيْرَ رَبِّهِ تَنَزَّهَ عَنْ نَيْلِ الْغِنى بِضَراعَةٍ ... وَلَيْسَ طَعامُ اللَّيْثِ إِلاّ بِغَصْبِهِ أَلاَ رُبَّ بِاغٍ كانَ حاسِمَ فَقْرِهِ ... وَباغٍ عَليْهِ كانَ قاصِمَ صُلْبِهِ وَيَوْمِ فَخارٍ قَدْ حَوى خَصْلَ مَجْدِه ... وَأَعْداؤُهُ فيما ادَّعاهُ كَحِزْبِهِ هُوَ السَّيْفُ لا تَلْقاهُ إلاّ مُؤَهَّلاً ... لإَِيجابِ عِزٍّ قاهِرٍ أَوْ لِسَلْبِهِ مِنَ الْقَوْمِ قادُوا الدَّهْرَ وَالدَّهْرُ جامِحٌفَراضوهُ حَتّى سَكَّنوا حَدَّ شَغْبِهِ بِحارٌ إذا أَنْحَتْ لَوَازِبُ مَحْلِهِ ... جِبالٌ إذا هَبَّتْ زَعازِعُ نُكْبِهِ إذا ما وَرَدْتَ الْعِزَّ يَوْماً بِنَصْرِهْمأَمَلَّكَ مِنْ رَشْفِ النَّميرِ وَعَبِّهِ أَجابَكَ خَطِّيُّ الْوَشيجِ بِلُدْنهِ ... وَلَبّاكَ هِنْدِيُّ الْحَدِيدِ بِقُضْبِهِ أُعيدَ لَهُمْ مَجْدٌ عَلَى الدَّهْرِ بَعْدَمامَضى بِقَبيلِ الْمَجْدِ مِنْهُمْ وَشَعْبِهِ بِأَرْوَعَ لا تَعْيا لَدَيْهِ بِمَطْلَبٍ ... سِوى شَكْلِهِ في الْعالَمِينَ وَضَرْبهِ تُرَوِّضُ قَبْلَ الرَّوْضِ أَخْلاقُهُ الثَّرىوَتَبْعَثُ قَبْلَ السُّكْرِ سُكْراً لِشَرْبِه وَتَفْخَرُ دارٌ حَلَّها بِمُقامِهِ ... وَتَشْرُفُ أَرْضٌ مَرَّ فيها بِرَكْبِهِ وَلَمَّا دَعَتْهُ عَنْ دِمَشْقَ عَزيمَةٌ ... أَبى أَنْ يَخِلَّ الْبَدْرِ فِيها بِقُطْبِه تَرَحَّلَ عَنْها فَهْيَ كاسِفَةٌ لَهُ ... وَعادَ إلَيْها فَهْيَ مُشْرِقَةٌ بِهِ

стр. 526

وَإِنَّ مَحَلاً أُوْطِئَتْهُ جِيادُهُ ... لَحَقٌّ عَلَى الأَفْواِه تَقْبيلُ تُرْبِه رَأَيْتُكَ بَيْنَ الْحَزمِ وَالْجُودِ قائِماًمَقامَ فَتى الْمَجْدِ الصَّميمِ وَنَدْبِهِ فَمِنْ غِبِّ رَأْيٍ لا تُساءُ بِوِرْدِهِ ... وَمِنْ وِرْدِ جُودٍ لا تُسَرُّ بِغِبِّهِ وَلَمَّا اسْتَطالَ الْخَطْبُ قَصَّرْتَ باعَهُفَعادَ وَجِدُّ الدَّهْرِ فيهِ كَلِعَبْهِ وَما كانَ إلّا الْعَرَّ دَبَّ دَبيبُهُ ... فأَمَّنْتَ أَنْ تُعْدَى الصِّحاحُ بِجُرْبهِ وَصَدْعاً مِنَ الْمُلْكِ اسْتَغاثَ بِكَ الْوَرىإلَيْهِ فما أَرْجَأْتَ في لَمِّ شَعْبِهِ فَغاضَ أَتِيٌّ كُنْتَ خائِضَ غَمْرِهِ ... وَأَصْحَبَ خَطْبٌ كُنْتَ رائِضَ صَعْبِه أوردت شعره، لزمني أو اورد شعر معاصريه، فيطول الكتاب. فمن قلائد قصاد ابن الخياط فوائد فوائده، قصيدته في مدح عضبٍ الدولة أبق بن عبد الرزاق أمكير حُبيتَ حَياءً في سَماحٍ كأَنَّهُ ... رَبيعٌ يَزينُ النَّوْرُ ناضِرَ عُشْبِه وَأَكْثَرْتَ حُسّادَ الْعُفاةِ بِنائِلٍ ... مَتى ما يُغرِ يَوْماً عَلَى الْحَمِد يَسْبِهِ مَناقِبُ يُنْسيكَ الْقَديمَ حَديثُها ... وَيَخْجَلُ صَدْرُ الدَّهْرِ فِيها بِعُقَبْهِ لَئِنْ خَصَّ مِنْكَ الْفَخْرُ ساداتِ فُرْسِهلَقَدْ عَمَّ مِنْكَ الْجُودُ سائِرَ عُرْبِه إذا ما هَزَزْتُ الدَّهْرَ باسْمِكَ مادِحاً ... تَثَنّى تَثَنِّي ناضِر الْعُودِ رَطْبهِ وَإِنَّ زَماناً أَنْتَ مِنْ حَسَناتِهِ ... حَقيقٌ بأَنْ يَخْتالَ مِنْ فَرْطِ عُجْبِهِ مَضى زَمَنٌ قَدْ كانَ بالْبُعْدِ مُذْنِباً ... وَحَسْبي بِهذا الْقُرْبِ عُذْرِاً لذَنْبِه وَما كُنْتُ بَعْدَ الْبيْنِ إلاّ كَمُعْدِمٍتَذَكَّرَ عَهْدَ الرَّوْضِ أَيّامَ جَدْبهِ وَعِنْدي عَلَى الْعِلّاتِ دَرُّ قَرائحٍ ... حَوى زُثبَدَ الأَشْعارِ ما خِضُ وَطْبِهِ وَمَيْدانُ فِكْرٍ لا يُحازُ لَهُ مَدًى ... وَلا يَبْلُغُ الْإسهابُ غايَةَ سَهْبِه يُصَرِّفُ فيهِ الْقَوْلَ فارِسُ مَنْطِقٍ ... بَصيرٌ بِإرْخاءِ الْعِنانِ وَجَذْبِه وَغَرَّاءُ مَيَّزْتُ الطَّويلَ بِخَفْضِها ... فَطالَ عَلَى رَفْعِ الْكَلامِ وَنَصْبِه مِنَ الزُّهْرِ لا يُلْفَيْنَ إلاّ كَواكِباً ... طَوالعَ في شَرْقِ الزَّمانِ وَغَرْبِه حَوالِيَ مِنْ حُرِّ الشَّناءِ وَدُرِّهِ ... كَواسِيَ مِنْ وَشْيِ الْقَريضِ وَعَصْبِه خَطَبْتَ فَلَمْ يَحْجُبْكَ عَنْها وَلِيُّها ... إذا رُدَّ عَنْها خاطِبٌ غَيْرَ خِطْبِه ذَخَرْتُ لَكَ الَمْدحَ الشَّريفَ وَإنَّماعَلَى قَدْرِ فَضْلِ الزَّنْدِ قَيمَةُ قُلْبِه فَجُدْهُ بِصَوْنٍ عَنْ سِواكَ وَحَسْبُهُمِنَ الصَّوْنِ أَنْ يُغْري السَّماحُ بِنَهْبِه وقصيدته في مدح فخر الملك أبي علي عمار بن محمد بن عمارٍ بطرابلس، وهي درةٌ يتيمةٌ، ما لها في رقة غزلها قيمةٌ، بألفاظٍ يكثف عندها الهواء ومعانٍ تقف عليها الأهواء، وهي: هَبُوا طَيْفَكم أَعْدي عَلَى النَّأْيِ مَسْراهُفَمَنْ لِمَشُوقٍ أَنْ يَهُوِّمَ جَفْناهُ وَهْلْ يَهْتَدي طَيْفُ الْخَيالِ لِناحِلٍإذا السُّقْمُ عَنْ لَحْظِ الْعَوائدِ أَخْفاهُ غِنًي في يَدِ الأَحْلامِ لا أَسْتَفيدُهُ ... وَدَيْنٌ عَلَى الأَيّامِ لا أَتَقاضاهُ وَما كُلُّ مَسْلوبِ الرُّقادِ مُعادُهُ ... ومَا كُلُّ مَأْسورِ الْفُؤادِ مُفاداهُ يَرى الصَّبْرَ مَحْمودَ الْعَواقِبِ مَعْشَرٌومَا كُلُّ صَبْرٍ يَحْمَدُ الَمْرءُ عُقْباهُ لِيَ اللهُ مِنْ قَلْبٍ يُجَنُّ جُنونُهُ ... مَتى لاحَ بَرْقٌ بِالْقَريَنْينِ مَهْواهُ أَحِنُّ إذا هَبَّتْ صَباً مُطْمَئِنَّةٌ ... حَنينَ رَذايا الرَّكْبِ أَوْشَكَ مَغْداهُ

стр. 527

خَوامِسَ حَلّاها عَنِ الْوِرْدِ مَطْلَبٌ ... بَعيدٌ على الْبُزْلِ الَمصاعِيبِ مَرْماهُ هَوًى كُلَّما عادَتْ مِنَ الشَّرْقِ نَفْحَةٌأَعادَلِيَ الشَّوْقَ الَّذي كَانَ أَبْداهُ وَما شَعَفي بالرّيحِ إلاّ لأِنَّضها ... تَمُرُّ بِحَيّ دُونَ رامَةَ مَثْواهُ أُحِبُّ ثَرى الْوادي الَّذي بانَ أَهْلُهُوَأَصْبُو إلى الرَّبْعِ الَّذي مَحَّ مَغْناهُ فَما وَجَدَ النِّضْوُ الطَّليحُ بِمَنْزِلٍ ... رَأَى وِرْدَهُ في ساحَتَيْهِ وَمَرْعاهُ كَوَجْديِ بِأَطْلالِ الدِّيارِ وَإنْ مَضى ... عَلَى رَسْمِها كَرُّ الْعُصورِ فَأَبْلاهُ دَوارِسَ عَفَّاها النُّحولُ كَأَنَّما ... وَجَدْنَ بِكُمْ بَعْدَ النَّوى ما وَجَدْناهُ أَلاَ حَبَّذا عَهْدُ الْكَثيبِ وَناعِمٌ ... مِنَ الْعَيْشِ مَجْرُورُ الذُّيولِ لَبِسْناهُ لَيِاليَ عاطَتْنا الصَّبابَةُ دَرَّها ... فَلَمْ يَبْقَ مِنْها مَنْهَلٌ ما وَرَدْناهُ وَلِلّهِ وادٍ دُونَ مَيْثاءِ حاجِرٍ ... يَصِحُّ إذا اعْتَلَّ النَّسيمُ خُزاماهُ أُناشِدُ أَرْواحَ الْعَشِيَّاتِ كُلَّما ... نَسَبْنَ إلى رَيَّا الأَحِبَّةِ رَيَّاهُ أَناشَتْ عَرارَ الرَّمْلِ أَمْ صافَحَتْ ثَرًى ... أَغَذَّ بهِ ذاكَ الْفَريقُ مَطاياهُ خَليَليَّض قَدْ هَبَّ اشْتِياقي هُبُوبُها ... حُسوماً فَهَلْ مِنْ زَوْرَةٍ تَتَلافاهُ؟ أَعِينا عَلَى وَجْدي فَلَيْسَ بِنافعٍ ... إِخاؤُكُما خِلاًّ إذا لَمْ تُعيناهُ أَمَا سُبَّةٌ أَنْ تَخْذُلا ذَا صَبابَةٍدَعا وَجْدَهُ الشَّوْقُ الْقَديمُ فَلَبَّاهُ؟ وَأَكْمَدُ مَحْزونٍ وَأَوْجَعُ مُمْرَضٍ ... مِنَ الْوَجْدِ شاكٍ لَيْسَ تُسْمَعُ شَكْواهُ شَرى لُبَّهُ خَبْلُ السَّقامِ وَباعَهُ ... وَأَرْخَصَهُ سَوْمُ الْغَرامِ وَأَغْلاهُ وَبالْجِزْعِ حَيٌّ كُلَّما عَنَّ ذِكْرُهُمْ ... أَماتَ الْهَوى مِنّي فُؤاداً وَأَحْياهُ تَمَنَيَّتْهُمُ بِالَّرْقَمَتْينِ وَدارُهُمْ ... بِوادي الْغَضا يا بُعْدَ ما أَتَمَنّاهُ سَقى الْوابِلُ الرَّبْعِيُّ مَا حِلَ رَبْعِكُمْ ... وَراوَحَهُ ما شاءَ رَوْحٌ وَغاداهُ وَجَرَّ عَلَيْهِ ذَيْلَهُ كُلُّ ماطِرٍ ... إذا ما مَشى في عاطِلِ التُّرْبِ حَلَّاهُ وَما كُنْتُ لَوْلا أَنَّ دَمْعِي مِنْ دَمٍ ... لِأَحْمِلَ مَنّاً لِلسَّحابِ بِسُقْياهُ عَلَى أَنَّ فَخْرَ الْمُلْكِ لِلأْرَضِ كافِلٌبِفَيْضِ نَدًى لا يَبْلُغُ الْقَطْرُ شَرْواهُ بَصُرْتُ بِأُمّاتِ الْحَيا فَحَسِبْتُها ... أَنامَلُه إنَّ السَّحائِبَ أَشْباهُ أَخُو الْحزْمِ ما فاجَاهُ خَطْبٌ فَكادَهُ ... وَذُو الْعَزْمِ ما عاناهُ أَمرٌ فَعَنّاهُ وَساعٍ إلى غاياتِ كُلِّ خَفِيَّةٍ ... مِنَ الْمَجْدِ ما جاراهُ خَلْقٌ فَباراهُ بِهِ رُدَّ نَحْوي فائِتٌ الْحظِّ راغِماًوَأَسْخَطَ فِيَّ الدَّهْرُ مَنْ كانَ أَرْضاهُ تَحامَتْنِيَ الأَيّامُ عِنْدَ لِقائِه ... كَأَنّيِ فِيها بَأْسُهُ وَهْيَ أَعْداهُ إِلَيْكَ رَحَلْتُ الْعِيسَ تَنْقُلُ وَقْرَها ... ثَناءً وَلِلْأَعلْى يُجَهَّزُ أَعْلاهُ وَلا عُذْرَ لي إنْ رابنَي الدَّهْرُ بَعْدَماتَوَخَّتْكَ بي يا خَيْرَ مَا تَتَوَخَّاهُ وَرَكْبٍ أَماطُوا الْهَمَّ عَنْهُمْ بِهِمَّةٍ ... سَواءٌ بها أَدْنى الْمَرامِ وَأَقْصاهُ قَطَعْتُ بِهْم عَرْضَ الْفَلاةِ وَطالمَا ... رَمى مَقْتَلَ الْبَيْداءِ عَزْمي فَأَصْماهُ وَسَيْرٍ كَإِيماضِ الْبُروقِ وَمَطْلَبٍ ... لَبِسْنا الدُّجى مِنْ دُوْنِه وَخَلَعْناهُ

стр. 528

إلى الْمَلِكِ الْجَعْدِ الْجزيلِ عَطاؤُهُ ... إلى الْقَمَرِ السَّعْدِ الْجميلِ مُحَيَّاهُ إلى رَبْعِ عَمّارِ بْنِ عَمّارٍ الَّذي ... تَكَفَّلَ أَرْزاقَ الْعِبادِ بِجَدْواهُ وَلَمّا بَلَغْناهُ بَلَغْنا بِه الْمُنى ... وَشِيْكاً وَأَعْطَيْناه الْغِنى مِنْ عَطاياهُ فَتىً لَمْ نَمِلْ يَوْماً بِرُكْنِ سَماحِهِ ... عَلَى حَدَثانِ الدَّهْرِ إلاّ هَدَمْناهُ مِنَ الْقَوْمِ ياما أَمْنَعَ الْجارَ بَيْنَهُمْوَأَحْلى مَذاقَ الْعَيْشِ فِيْهِمْ وَأَمْراهُ وَأَصْفى حَياةً عِنْدَهُمْ وَأَرَقَّها ... وَأَبْرَدَ ظِلاًّ في ذَراهُمْ وَأَنْداهُ أَغَرُّ صَبيحٌ عِرْضُهُ وَجَبينُهُ ... كَأَنَّهُما أَفْعالُهُ وَسَجاياهُ لَكَ الّلهُ ما أَغْراكَ بالْجودِ هِمَّةً ... سُروراً بما تَحْبُو كأَنَّكَ تُحْباهُ دَعَوْنا رَقُودَ الْحَظِّ باسْمِكَ دَعْوَةً ... فَهَبَّ كَأَنّا مِنْ عِقالٍ نَشَطْناهُ وَجُدْتَ فَأَثْنَيْنا بِحَمْدِكَ إِنَّهُ ... ذِمامٌ بِحُكْمِ الْمَكْرُماتِ قَضَيْناهُ مَكارِمُ أَدَّبْنَ الزَّمانَ فَقَدْ غَدا ... بها مُقْلِعاً عَمّا جَنى وَتَحَبّاهُ أَيَاً مَنْ أَذالَ الدَّهْرُ حَمْدي فَصانَهُوَفَلَّصَ ظِلَّ الْعَيْشِ عَنّي فَأَضْفاهُ وَعَلَّمَني كَيْفَ الْمَطالِبُ جُودُهُ ... وَما كُنْتُ أَدْري ما الْمَطالِبُ لَوْلاهُ لَأَنْتَ الَّذي أَغْنَيْتَني وَحَميْتَني ... لَياليَ لا مالٌ لَدَيَّ وَلا جاهُ أَنَلْتَنيَ الْقَدْرَ الَّذي كُنْتُ أَرْتَجيوَأَمَّنْتَني الْخَطْبَ الَّذي كُنْتُ أَخْشاهُ وَأَمْضَيْتَ عَضْباً مِنْ لِسانيَ بَعْدَما ... عَمِرْتُ وَحَدَّاهُ سَواءٌ وَصَفْحَاءُ وَسَرْبَلْتَني بالْعِزَّ حَتّى تَرَكْتَني ... بِحَيْثُ يرَاني الدَّهْرُ كُفْؤاً وَإيّاهُ فَدُونَكَ ذا الْحمدَ الَّذي جَلَّ لَفْظُهُوَدَقَّ عَلَى الأَفْهامِ في الْفَضْلِ مَعْناهُ فَلا طُلَّ إِلاّ مِنْ حِبائِكَ رَوْضُهُ ... وَلا باتَ إِلاّ في فِنائِكَ مَأْواهُ وقصيدته في أخيه جلال الملك علي بن محمد بن عمارٍ، يكاد يذهب له فيها بالألباب، وتعيد إلى الشيخ الفاني عهد الشباب، وفيها مدائح، لم تدرك شأوها القرائح، وهي: أُمَنّي النَّفْسَ وَصْلاً مِنْ سُعادِ ... وَأَيْنَ مِنّ المُنْى دَرْكُ الْمُرادِ؟ وَكَيْفَ يَصِحُّ وَصْلٌ مِنْ خَليلٍ ... إذا ما كَانَض مُعْتَلَّ الْوِدادِ تَمادى في الْقَطِيعَةِ لا لُجْرمٍ ... وَأَجْفى الهْاجِرينَ ذَوُو التمَّادي يُفَرِّقُ بَيْنَ قَلْبِيَ وَالتَّأَسّي ... وَيَجْمَعُ بَيْنَ طَرْفِيَ وَالسُّهادِ وَلَوْ بَذَلَ الْيَسيرَ لَبَلَّ شَوْقي ... وَقَدْ يَرْوى الظِّماءُ مِنَ الثِّمادِ أَمَلٌّ مَخَافَةَ الإْمْلالِ قُرْبي ... وَبَعْضُ الْقُرْبِ أَجْلَبُ لِلْبِعادِ وَعِندي لِلأحِبَّةِ كُلُّ جَفْنٍ ... طَليقِ الدَّمِع مَأْسُورِ الرُّقادِ فَلا تَغْرَ الْحَوادِثُ بي فَحَسْءبي ... جَفاؤُكُمُ مِنَ النُّوَبِ الشِّدادِش إذا ما النّارُ كانَ لهَا اضْطِرامٌ ... فمَا الدّاعي إلى قَدْحِ الزِّنادِ؟ أَرَى الْبِيضَ الْحِدادَ سَتَقْتَضيني ... نُزُوعاً عَنْ هَوَى الْبِيضِ الْخِرادِ فما دَمْعي علىَ الأَطْلالِ وَقْفٌ ... وَلا قَلْبي مَعَ الُّظعْنِ الْغَوادي ولا أبْقى جَلالُ الْمُلْكِ يَوْماً ... لِغَيْرِ هَواهُ حُكْماً في فُؤادي أُحِبُّ مَكارِمَ الأَخْلاقِ مِنْهُ ... وَأَعْشَقُُ دَوْلَةَ الْمَلكِ الْجَوادِ رَجَوْتُ فمَا تَجاوَزَهُ رَجائي ... وَكانَ الْماءُ غايَةً كُلِّ صادِ

стр. 529

إذا ما رُوِّضَتْ أَرْضي وَساحَتْ ... فمَا مَعْنى انْتِجاعِيَ وَارْتِيادي؟ كَفى بِنَدى جَلالِ الُمْلكِ غَيْثاً ... إذا نَزَحَتْ قَرارَةُ كُلِّ وادِ أَمَلْنا أَيْنُقَ الآمالِ مِنْهُ ... إلى كَنَفٍ خَصيبِ الُمْستَرادِ وَأَغْنانا نَداهُ عَلَى افْتِقارٍ ... غَناءَ الْغَيْثِ في السَّنَةِ الْجَمادِ فَمْن ذَا مُبْلِغُ الأَمْلاكِ عَنَّا ... وَسُوّاسِ الْحَواضِرِ وَالْبَوادي بِأَنّا قَدْ سَكَنّا ظِلَّ مَلْكٍ ... مَخُوفِ الْبَأْسِ مَرْجُوِّ الأَيادي صَحِبْنا عِنْدَهُ الأَيّامَ بِيضاً ... وَقَدْ عُمَّ الزَّمانُ مِنَ السَّوادِ وَأَدْرَكْنا بِعَدْلٍ مِنْ عَلِيٍّ ... صَلاحَ الْعَيْشِ في دارِ الفْسَادِ فمَا نَخَشى مُحارَبَةَ اللَّيالي ... وَلا نَرْجُو مُسالَمَةَ الأَعادي فَقُولا لِلْمُعانِدِ وَهْوَ أَشْقى ... بما تَحْبُوهُ عاقِبَةُ الْعِنادِ رُوَيْدَكَ مِنْ عَداوَتِنا سَتُرْدي ... نَواجِذَ ما ضِغِ الصُّمِّ الصِّلادِ وَلا تَحْمِلْ عَلَى الأَيّامِ سَيْفاً ... فَإنَّ الدَّهْرَ يَقْطَعُ بِالنِّجادِ فَأَمْنَعُ مِنْكَ جاراً قَدْ رَمَيْنا ... كَرِيمَتَهُ بِداهِيَةٍ نَآدِ وَمَنْ يَحْمي الْوِهادَ بِكُلِّ أَرْضٍ ... إذا ما السَّيْلُ طَمَّ عَلَى النِّجادِ هُوَ الرّامِيكَ عَنْ أَمَمٍ وَعُرْضٍ ... إذا ما الرَّأيُ قَرْطَسَ في السَّدادِ وَمُطْلِعُها عَلَيْكَ مُسَوَّماتٍ ... تَضيقُ بِهَمِّها سَعَةُ الْبِلادِ إذا مَا الطَّعْنُ أَنْحَلَها الْعَوالي ... فَدى الأَعْجازَ مِنْها بِالْهَوادي فِداؤُكَ كُلُّ مَكْبُوتٍ مَغيظٍ ... يُخافيكَ الْعَداوَةَ أَوْ يُبادي فَإنَّكَ ما بَقيتَ لَنا سَليماً ... فما نَنْفَكُّ في عِيدٍ مُعادِ أَبُوكَ تَدارَكَ الإسْلامَ لَمّا ... وَهى أَوْ كادَ يُؤْذِنُ بِانْهِدادِ سَخا بالنَّفْسِ شُحّاً بالْمَعالي ... وَجَاهَدَ بِالطَّريفِ وَبِالتِّلادِ كَيَوْمِكَ إذْ دَمُ الأَعْلاجِ بَحْرٌ ... يُرِيكَ الْبَحْرَ في حُلَلٍ وِرادِ عَزائِمُكَ الْعَوائِدُ سِرْنَ فِيهمْ ... بِما سَنَّتْ عَزائمُهُ الْبَوادي وَهذا الْمَجْدُ مِنْ تِلْكَ المَساعي ... وَهذا الْغَيْثُ مِنْ تِلْكَ الْغَوادي وَأَنتُمْ أَهْلُ مَعْدَلِةٍ سَبَقْتُمْ ... إلى أَمَدِ الْعُلى سَبْقَ الْجِيادِ رَعى مِنْكَ الرَّعِيَّةَ خَيْرُ راعٍ ... كَريمِ الذَّبِّش عَنْهُمْ وَالذِّيادِ تَقَيْتَ اللهَ حَقَّ تُقاهُ فِيهِمْ ... وَتَقْوَى اللهِ مِنْ خَيْرِ الْعَتادِ كَأَنَّكَ لا تَرى فِعْلاً شَريفاً ... سِوى ما كانَ ذُخْراً لِلْمَعادِ مَكارِمُ بِعْضُها فيهِ دَليلٌ ... عَلَى ما فيكَ مِنْ كَرَمِ الْوِلادِ هَجَرْتَ لَها الكَرى شَغَفاً وَوَجْداً ... وَكُلُّ أَخي هَوىً قَلِقُ الْوِسادِ غَنِيتُ بِسَيْبِكَ الَمْرجُوِّ عَنْهُ ... كمَا يَغْنَي الْخَصيبُ عَنِ الْعِهادِ وَرَوّاني سَماحُكَ ما بَدَا لِي ... فمَا أَرْتاحُ لِلْعَذْبِ الْبُرادِ إذا نَفَقَ الثَّناءُ بِأَرْضِ قَوْمٍ ... فَلَسْتُ بِخاِئفٍ فيها كَسادِي فَلا تَزَلِ اللَّيالي ضامِناتٍ ... بَقاءَكَ ما حَدا الأَظْعانَ حادِ ثَنائي لا يُكَدِّرُهُ عِتابي ... وَقَوْلي لا يُخالِفُهُ اعْتِقادي

стр. 530

وقصيدته في مدح أبي الذواد المفرج بن الصوفي بدمشق، مطلعها يبسم عن فجر اللطافة ويفجر ينبوع الرقة، ومخلصها يفتر عن ثغر الحصتفة ويخلص من التكلف والمشقة، وما سمعت بأعلق بالقلب من مطلعها، وهي: لَوْ كُنْتَ شاهِدَ عَبْرَتي يَوْمَ النَّقَالَمَنَعْتَ قَلْبَكَ بَعْدَها أَنْ يَعْشَقَا وَلَكُنْتَ أَوَّلَ نازِعٍ مِنْ خُطَّتي ... يَدَهُ وَلَوْ كُنْتَ الُمِحَّب المُشْفِقَا وَعَذْرتَ في أَنْ لا أُطيقَ تَجَلُّداً ... وَعَجِبْتَ مِنْ أَنْ لا أَذوبَ تَحَرُّقاً ناشَدْتُ حاديَ نُوقِهِمْ في مُدْنَفٍ ... أَبْكى الْحُداةَ بُكاؤُهُ وَالأيْنُقَا وَمَنَحْتُهُمْ جَفْناً إذا نَهْنَهْتُهُ ... رَقَأَتْ جُفونُ الثّاكِلاتِ وَما رَقَا يَا عمْروُ أَيُّ عَظيمِ خَطْبٍ لَمْ يَكُنْخَطْبُ الْفِراقِ أَشَدَّ مِنْهُ وَأَوْبَقَا كِلْني إلى عُنْفِ الصُّدُودِ فَرُبَّما ... كانَ الصُّدُودُ مِنَ النَّوى بي أَرْفَقَا قَدْ سالَ حَتّى قَدْ أَسالَ سَوادَهُ ... طَرْفي فَخالَطَ دَمْعَهُ المُتَرقْرِقَا وَاسْتَبْقِ لِلْأطْلالِ فَضْلَةَ أَدْمُعٍ ... أَفْنَيْتَهُنَّ قَطيعَةً وَتَفَرُّقَاَ أَوْ فَاسْتَمِحْ لي مِنْ خَلِيّ سَلْوَةً ... إنْ كانَ ذُو الإْثْراءِ يُسْعِفُ مُمْلِقَا إنَّ الظِّباءَ غَداةَ رامَةَ لَمْ تَدَعْ ... إلاّ حَشاً قَلِقاً وَقَلْباً شَيِّقاَ سَنَحَتْ فما مَنَحَتْ وَكَمْ مِنْ عارِضٍ ... قَدْ مَرَّ مُجْتازاً عَلَيْكَ وَما سَقى غِيدٌ نَصَبْتُ لِصَيْدِهِنَّ حَبائِلاً ... يَعْلَقْنَهُنَّ فَكُنْتُ فيها أَعْلقاَ وَلَكَمْ نَهَيْتُ اللَّيْثَ أَغْلَبَ بَاسِلاًعَنْ أَنْ يَرُودَ الظَّبْيَ أَتْلعَ أَرْشَقَا فِإذا الْقَضاءُ عَلَى الْمَضاءِ مُرَكَّبٌ ... وَإذا الشَّقاءُ مُوَكَّلٌ بِأَخي الشَّقَا وَلَقَدْ سَرَيْتُ إذا السَّماءُ َتخالُها ... بُرْداً بِراكِدَةِ النُّجومِ مُشَبْرَقَا َواللَّيْلُ مِثْلُ السَّيْلِ لَوْلا لُجَّةٌتَغْشى الرُّبَا بِأَعَمَّ مِنْهُ وَأَعْمَقَا وَمُشَمِّريَن تَدَرَّعُوا ثَوْبَ الدُّجى ... فَأَجَدَّ لُبْسَهُمُ الزَّماعُ وَأَخْلَقَا عاطَيْتُهُمْ كَأْسَ السُّرى في لَيْلَةٍ ... أَمِنَ الظَّلامُ بِفَجْرِها أَنْ يُشْرِقَا حَتّى إذا حَسَرَ الصَّباحُ كَأَنَّهُ ... وَجْهُ الْوَجيهِ تَبَلُّجاً وَتَأَلُّقَا حَطُّوا رِحالَ الْعِيسِ مِنْهُ بِخَيْرِ مَنْ ... هَزُّوا إِلَيْهِ رِقابَهَا وَالَأْسؤُقَا بِأَغَرَّ يَجْلو لِلْوُفودِ جَبينُهُ ... شَمْساً تَكونُ لهَا المَعالي مَشْرِقَا نَزَلُوا فما وَصَلوهُ مَهْجُوراً وَلا ... فَتحُوا إلى نُعماهُ باباً مُغْلَقَا إِنْ زُرْتَهُ فَتَوَقَّ فَيْضَ بَنانِهِ ... إنَّ الْبِحارَ مَلِيَّةٌ أنْ تُغْرِقَا وَإذا أَبُو الذَّوّادِ حاطَكَ ذائِداً ... فَلَقَدْ أَخَذْتَ مِنَ الليَّالي مَوْثِقاً يَشْتَدُّ مَمْنُوعاً وَيُكْرِمُ قادِراً ... وَيَطولُ مَحْقُوقاً وَيَصْفَحُ مُحْنَقا لَوْ أَنَّ مَنْ يَرْوي حَديثَ سَماحِهِ ... يَرْويهِ عن صَوْبِ الْحَيا ما صُدِّقا صَحِبَ الزَّمانَ وَكانَ يَبْساً ذاوِياً ... فسَقاهُ بالْمَعْروفِ حتّى أَوْرَقا لا تَذْكُرَنَّ له الْمَكارِمَ وَالْعُلى ... فتَهيجَ صَبّاً أَوْ تَشُوقَ مُشَوَّقاً عَشِقَ الْمحامِدَ وَهْيَ عاشِقَةٌ له ... وَكَذاكَ ما بَرِحَ الْجَمالُ مُعَشَّقاً يَجْري على سَنَنِ المَكارِمِ فِعُلهُ ... خُلُقاً إذا كانَ الْفَعالُ تَخلُّقا لا يَمْنَحُ الإحْسانَ إلّا كامِلاً ... خَيْرُ الْحَيا ما عَمَّ منهُ وَطَبَّقا
следующие страницы →