← Адаб

Адаб · id 12815

خريدة القصر وجريدة العصر - أقسام أخرى

العماد الأصبهاني الكاتب

Полный текст (895 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

وَإِنَّ مَحَلاً أُوْطِئَتْهُ جِيادُهُ ... لَحَقٌّ عَلَى الأَفْواِه تَقْبيلُ تُرْبِه رَأَيْتُكَ بَيْنَ الْحَزمِ وَالْجُودِ قائِماًمَقامَ فَتى الْمَجْدِ الصَّميمِ وَنَدْبِهِ فَمِنْ غِبِّ رَأْيٍ لا تُساءُ بِوِرْدِهِ ... وَمِنْ وِرْدِ جُودٍ لا تُسَرُّ بِغِبِّهِ وَلَمَّا اسْتَطالَ الْخَطْبُ قَصَّرْتَ باعَهُفَعادَ وَجِدُّ الدَّهْرِ فيهِ كَلِعَبْهِ وَما كانَ إلّا الْعَرَّ دَبَّ دَبيبُهُ ... فأَمَّنْتَ أَنْ تُعْدَى الصِّحاحُ بِجُرْبهِ وَصَدْعاً مِنَ الْمُلْكِ اسْتَغاثَ بِكَ الْوَرىإلَيْهِ فما أَرْجَأْتَ في لَمِّ شَعْبِهِ فَغاضَ أَتِيٌّ كُنْتَ خائِضَ غَمْرِهِ ... وَأَصْحَبَ خَطْبٌ كُنْتَ رائِضَ صَعْبِه أوردت شعره، لزمني أو اورد شعر معاصريه، فيطول الكتاب. فمن قلائد قصاد ابن الخياط فوائد فوائده، قصيدته في مدح عضبٍ الدولة أبق بن عبد الرزاق أمكير حُبيتَ حَياءً في سَماحٍ كأَنَّهُ ... رَبيعٌ يَزينُ النَّوْرُ ناضِرَ عُشْبِه وَأَكْثَرْتَ حُسّادَ الْعُفاةِ بِنائِلٍ ... مَتى ما يُغرِ يَوْماً عَلَى الْحَمِد يَسْبِهِ مَناقِبُ يُنْسيكَ الْقَديمَ حَديثُها ... وَيَخْجَلُ صَدْرُ الدَّهْرِ فِيها بِعُقَبْهِ لَئِنْ خَصَّ مِنْكَ الْفَخْرُ ساداتِ فُرْسِهلَقَدْ عَمَّ مِنْكَ الْجُودُ سائِرَ عُرْبِه إذا ما هَزَزْتُ الدَّهْرَ باسْمِكَ مادِحاً ... تَثَنّى تَثَنِّي ناضِر الْعُودِ رَطْبهِ وَإِنَّ زَماناً أَنْتَ مِنْ حَسَناتِهِ ... حَقيقٌ بأَنْ يَخْتالَ مِنْ فَرْطِ عُجْبِهِ مَضى زَمَنٌ قَدْ كانَ بالْبُعْدِ مُذْنِباً ... وَحَسْبي بِهذا الْقُرْبِ عُذْرِاً لذَنْبِه وَما كُنْتُ بَعْدَ الْبيْنِ إلاّ كَمُعْدِمٍتَذَكَّرَ عَهْدَ الرَّوْضِ أَيّامَ جَدْبهِ وَعِنْدي عَلَى الْعِلّاتِ دَرُّ قَرائحٍ ... حَوى زُثبَدَ الأَشْعارِ ما خِضُ وَطْبِهِ وَمَيْدانُ فِكْرٍ لا يُحازُ لَهُ مَدًى ... وَلا يَبْلُغُ الْإسهابُ غايَةَ سَهْبِه يُصَرِّفُ فيهِ الْقَوْلَ فارِسُ مَنْطِقٍ ... بَصيرٌ بِإرْخاءِ الْعِنانِ وَجَذْبِه وَغَرَّاءُ مَيَّزْتُ الطَّويلَ بِخَفْضِها ... فَطالَ عَلَى رَفْعِ الْكَلامِ وَنَصْبِه مِنَ الزُّهْرِ لا يُلْفَيْنَ إلاّ كَواكِباً ... طَوالعَ في شَرْقِ الزَّمانِ وَغَرْبِه حَوالِيَ مِنْ حُرِّ الشَّناءِ وَدُرِّهِ ... كَواسِيَ مِنْ وَشْيِ الْقَريضِ وَعَصْبِه خَطَبْتَ فَلَمْ يَحْجُبْكَ عَنْها وَلِيُّها ... إذا رُدَّ عَنْها خاطِبٌ غَيْرَ خِطْبِه ذَخَرْتُ لَكَ الَمْدحَ الشَّريفَ وَإنَّماعَلَى قَدْرِ فَضْلِ الزَّنْدِ قَيمَةُ قُلْبِه فَجُدْهُ بِصَوْنٍ عَنْ سِواكَ وَحَسْبُهُمِنَ الصَّوْنِ أَنْ يُغْري السَّماحُ بِنَهْبِه وقصيدته في مدح فخر الملك أبي علي عمار بن محمد بن عمارٍ بطرابلس، وهي درةٌ يتيمةٌ، ما لها في رقة غزلها قيمةٌ، بألفاظٍ يكثف عندها الهواء ومعانٍ تقف عليها الأهواء، وهي: هَبُوا طَيْفَكم أَعْدي عَلَى النَّأْيِ مَسْراهُفَمَنْ لِمَشُوقٍ أَنْ يَهُوِّمَ جَفْناهُ وَهْلْ يَهْتَدي طَيْفُ الْخَيالِ لِناحِلٍإذا السُّقْمُ عَنْ لَحْظِ الْعَوائدِ أَخْفاهُ غِنًي في يَدِ الأَحْلامِ لا أَسْتَفيدُهُ ... وَدَيْنٌ عَلَى الأَيّامِ لا أَتَقاضاهُ وَما كُلُّ مَسْلوبِ الرُّقادِ مُعادُهُ ... ومَا كُلُّ مَأْسورِ الْفُؤادِ مُفاداهُ يَرى الصَّبْرَ مَحْمودَ الْعَواقِبِ مَعْشَرٌومَا كُلُّ صَبْرٍ يَحْمَدُ الَمْرءُ عُقْباهُ لِيَ اللهُ مِنْ قَلْبٍ يُجَنُّ جُنونُهُ ... مَتى لاحَ بَرْقٌ بِالْقَريَنْينِ مَهْواهُ أَحِنُّ إذا هَبَّتْ صَباً مُطْمَئِنَّةٌ ... حَنينَ رَذايا الرَّكْبِ أَوْشَكَ مَغْداهُ

стр. 527

خَوامِسَ حَلّاها عَنِ الْوِرْدِ مَطْلَبٌ ... بَعيدٌ على الْبُزْلِ الَمصاعِيبِ مَرْماهُ هَوًى كُلَّما عادَتْ مِنَ الشَّرْقِ نَفْحَةٌأَعادَلِيَ الشَّوْقَ الَّذي كَانَ أَبْداهُ وَما شَعَفي بالرّيحِ إلاّ لأِنَّضها ... تَمُرُّ بِحَيّ دُونَ رامَةَ مَثْواهُ أُحِبُّ ثَرى الْوادي الَّذي بانَ أَهْلُهُوَأَصْبُو إلى الرَّبْعِ الَّذي مَحَّ مَغْناهُ فَما وَجَدَ النِّضْوُ الطَّليحُ بِمَنْزِلٍ ... رَأَى وِرْدَهُ في ساحَتَيْهِ وَمَرْعاهُ كَوَجْديِ بِأَطْلالِ الدِّيارِ وَإنْ مَضى ... عَلَى رَسْمِها كَرُّ الْعُصورِ فَأَبْلاهُ دَوارِسَ عَفَّاها النُّحولُ كَأَنَّما ... وَجَدْنَ بِكُمْ بَعْدَ النَّوى ما وَجَدْناهُ أَلاَ حَبَّذا عَهْدُ الْكَثيبِ وَناعِمٌ ... مِنَ الْعَيْشِ مَجْرُورُ الذُّيولِ لَبِسْناهُ لَيِاليَ عاطَتْنا الصَّبابَةُ دَرَّها ... فَلَمْ يَبْقَ مِنْها مَنْهَلٌ ما وَرَدْناهُ وَلِلّهِ وادٍ دُونَ مَيْثاءِ حاجِرٍ ... يَصِحُّ إذا اعْتَلَّ النَّسيمُ خُزاماهُ أُناشِدُ أَرْواحَ الْعَشِيَّاتِ كُلَّما ... نَسَبْنَ إلى رَيَّا الأَحِبَّةِ رَيَّاهُ أَناشَتْ عَرارَ الرَّمْلِ أَمْ صافَحَتْ ثَرًى ... أَغَذَّ بهِ ذاكَ الْفَريقُ مَطاياهُ خَليَليَّض قَدْ هَبَّ اشْتِياقي هُبُوبُها ... حُسوماً فَهَلْ مِنْ زَوْرَةٍ تَتَلافاهُ؟ أَعِينا عَلَى وَجْدي فَلَيْسَ بِنافعٍ ... إِخاؤُكُما خِلاًّ إذا لَمْ تُعيناهُ أَمَا سُبَّةٌ أَنْ تَخْذُلا ذَا صَبابَةٍدَعا وَجْدَهُ الشَّوْقُ الْقَديمُ فَلَبَّاهُ؟ وَأَكْمَدُ مَحْزونٍ وَأَوْجَعُ مُمْرَضٍ ... مِنَ الْوَجْدِ شاكٍ لَيْسَ تُسْمَعُ شَكْواهُ شَرى لُبَّهُ خَبْلُ السَّقامِ وَباعَهُ ... وَأَرْخَصَهُ سَوْمُ الْغَرامِ وَأَغْلاهُ وَبالْجِزْعِ حَيٌّ كُلَّما عَنَّ ذِكْرُهُمْ ... أَماتَ الْهَوى مِنّي فُؤاداً وَأَحْياهُ تَمَنَيَّتْهُمُ بِالَّرْقَمَتْينِ وَدارُهُمْ ... بِوادي الْغَضا يا بُعْدَ ما أَتَمَنّاهُ سَقى الْوابِلُ الرَّبْعِيُّ مَا حِلَ رَبْعِكُمْ ... وَراوَحَهُ ما شاءَ رَوْحٌ وَغاداهُ وَجَرَّ عَلَيْهِ ذَيْلَهُ كُلُّ ماطِرٍ ... إذا ما مَشى في عاطِلِ التُّرْبِ حَلَّاهُ وَما كُنْتُ لَوْلا أَنَّ دَمْعِي مِنْ دَمٍ ... لِأَحْمِلَ مَنّاً لِلسَّحابِ بِسُقْياهُ عَلَى أَنَّ فَخْرَ الْمُلْكِ لِلأْرَضِ كافِلٌبِفَيْضِ نَدًى لا يَبْلُغُ الْقَطْرُ شَرْواهُ بَصُرْتُ بِأُمّاتِ الْحَيا فَحَسِبْتُها ... أَنامَلُه إنَّ السَّحائِبَ أَشْباهُ أَخُو الْحزْمِ ما فاجَاهُ خَطْبٌ فَكادَهُ ... وَذُو الْعَزْمِ ما عاناهُ أَمرٌ فَعَنّاهُ وَساعٍ إلى غاياتِ كُلِّ خَفِيَّةٍ ... مِنَ الْمَجْدِ ما جاراهُ خَلْقٌ فَباراهُ بِهِ رُدَّ نَحْوي فائِتٌ الْحظِّ راغِماًوَأَسْخَطَ فِيَّ الدَّهْرُ مَنْ كانَ أَرْضاهُ تَحامَتْنِيَ الأَيّامُ عِنْدَ لِقائِه ... كَأَنّيِ فِيها بَأْسُهُ وَهْيَ أَعْداهُ إِلَيْكَ رَحَلْتُ الْعِيسَ تَنْقُلُ وَقْرَها ... ثَناءً وَلِلْأَعلْى يُجَهَّزُ أَعْلاهُ وَلا عُذْرَ لي إنْ رابنَي الدَّهْرُ بَعْدَماتَوَخَّتْكَ بي يا خَيْرَ مَا تَتَوَخَّاهُ وَرَكْبٍ أَماطُوا الْهَمَّ عَنْهُمْ بِهِمَّةٍ ... سَواءٌ بها أَدْنى الْمَرامِ وَأَقْصاهُ قَطَعْتُ بِهْم عَرْضَ الْفَلاةِ وَطالمَا ... رَمى مَقْتَلَ الْبَيْداءِ عَزْمي فَأَصْماهُ وَسَيْرٍ كَإِيماضِ الْبُروقِ وَمَطْلَبٍ ... لَبِسْنا الدُّجى مِنْ دُوْنِه وَخَلَعْناهُ

стр. 528

إلى الْمَلِكِ الْجَعْدِ الْجزيلِ عَطاؤُهُ ... إلى الْقَمَرِ السَّعْدِ الْجميلِ مُحَيَّاهُ إلى رَبْعِ عَمّارِ بْنِ عَمّارٍ الَّذي ... تَكَفَّلَ أَرْزاقَ الْعِبادِ بِجَدْواهُ وَلَمّا بَلَغْناهُ بَلَغْنا بِه الْمُنى ... وَشِيْكاً وَأَعْطَيْناه الْغِنى مِنْ عَطاياهُ فَتىً لَمْ نَمِلْ يَوْماً بِرُكْنِ سَماحِهِ ... عَلَى حَدَثانِ الدَّهْرِ إلاّ هَدَمْناهُ مِنَ الْقَوْمِ ياما أَمْنَعَ الْجارَ بَيْنَهُمْوَأَحْلى مَذاقَ الْعَيْشِ فِيْهِمْ وَأَمْراهُ وَأَصْفى حَياةً عِنْدَهُمْ وَأَرَقَّها ... وَأَبْرَدَ ظِلاًّ في ذَراهُمْ وَأَنْداهُ أَغَرُّ صَبيحٌ عِرْضُهُ وَجَبينُهُ ... كَأَنَّهُما أَفْعالُهُ وَسَجاياهُ لَكَ الّلهُ ما أَغْراكَ بالْجودِ هِمَّةً ... سُروراً بما تَحْبُو كأَنَّكَ تُحْباهُ دَعَوْنا رَقُودَ الْحَظِّ باسْمِكَ دَعْوَةً ... فَهَبَّ كَأَنّا مِنْ عِقالٍ نَشَطْناهُ وَجُدْتَ فَأَثْنَيْنا بِحَمْدِكَ إِنَّهُ ... ذِمامٌ بِحُكْمِ الْمَكْرُماتِ قَضَيْناهُ مَكارِمُ أَدَّبْنَ الزَّمانَ فَقَدْ غَدا ... بها مُقْلِعاً عَمّا جَنى وَتَحَبّاهُ أَيَاً مَنْ أَذالَ الدَّهْرُ حَمْدي فَصانَهُوَفَلَّصَ ظِلَّ الْعَيْشِ عَنّي فَأَضْفاهُ وَعَلَّمَني كَيْفَ الْمَطالِبُ جُودُهُ ... وَما كُنْتُ أَدْري ما الْمَطالِبُ لَوْلاهُ لَأَنْتَ الَّذي أَغْنَيْتَني وَحَميْتَني ... لَياليَ لا مالٌ لَدَيَّ وَلا جاهُ أَنَلْتَنيَ الْقَدْرَ الَّذي كُنْتُ أَرْتَجيوَأَمَّنْتَني الْخَطْبَ الَّذي كُنْتُ أَخْشاهُ وَأَمْضَيْتَ عَضْباً مِنْ لِسانيَ بَعْدَما ... عَمِرْتُ وَحَدَّاهُ سَواءٌ وَصَفْحَاءُ وَسَرْبَلْتَني بالْعِزَّ حَتّى تَرَكْتَني ... بِحَيْثُ يرَاني الدَّهْرُ كُفْؤاً وَإيّاهُ فَدُونَكَ ذا الْحمدَ الَّذي جَلَّ لَفْظُهُوَدَقَّ عَلَى الأَفْهامِ في الْفَضْلِ مَعْناهُ فَلا طُلَّ إِلاّ مِنْ حِبائِكَ رَوْضُهُ ... وَلا باتَ إِلاّ في فِنائِكَ مَأْواهُ وقصيدته في أخيه جلال الملك علي بن محمد بن عمارٍ، يكاد يذهب له فيها بالألباب، وتعيد إلى الشيخ الفاني عهد الشباب، وفيها مدائح، لم تدرك شأوها القرائح، وهي: أُمَنّي النَّفْسَ وَصْلاً مِنْ سُعادِ ... وَأَيْنَ مِنّ المُنْى دَرْكُ الْمُرادِ؟ وَكَيْفَ يَصِحُّ وَصْلٌ مِنْ خَليلٍ ... إذا ما كَانَض مُعْتَلَّ الْوِدادِ تَمادى في الْقَطِيعَةِ لا لُجْرمٍ ... وَأَجْفى الهْاجِرينَ ذَوُو التمَّادي يُفَرِّقُ بَيْنَ قَلْبِيَ وَالتَّأَسّي ... وَيَجْمَعُ بَيْنَ طَرْفِيَ وَالسُّهادِ وَلَوْ بَذَلَ الْيَسيرَ لَبَلَّ شَوْقي ... وَقَدْ يَرْوى الظِّماءُ مِنَ الثِّمادِ أَمَلٌّ مَخَافَةَ الإْمْلالِ قُرْبي ... وَبَعْضُ الْقُرْبِ أَجْلَبُ لِلْبِعادِ وَعِندي لِلأحِبَّةِ كُلُّ جَفْنٍ ... طَليقِ الدَّمِع مَأْسُورِ الرُّقادِ فَلا تَغْرَ الْحَوادِثُ بي فَحَسْءبي ... جَفاؤُكُمُ مِنَ النُّوَبِ الشِّدادِش إذا ما النّارُ كانَ لهَا اضْطِرامٌ ... فمَا الدّاعي إلى قَدْحِ الزِّنادِ؟ أَرَى الْبِيضَ الْحِدادَ سَتَقْتَضيني ... نُزُوعاً عَنْ هَوَى الْبِيضِ الْخِرادِ فما دَمْعي علىَ الأَطْلالِ وَقْفٌ ... وَلا قَلْبي مَعَ الُّظعْنِ الْغَوادي ولا أبْقى جَلالُ الْمُلْكِ يَوْماً ... لِغَيْرِ هَواهُ حُكْماً في فُؤادي أُحِبُّ مَكارِمَ الأَخْلاقِ مِنْهُ ... وَأَعْشَقُُ دَوْلَةَ الْمَلكِ الْجَوادِ رَجَوْتُ فمَا تَجاوَزَهُ رَجائي ... وَكانَ الْماءُ غايَةً كُلِّ صادِ

стр. 529

إذا ما رُوِّضَتْ أَرْضي وَساحَتْ ... فمَا مَعْنى انْتِجاعِيَ وَارْتِيادي؟ كَفى بِنَدى جَلالِ الُمْلكِ غَيْثاً ... إذا نَزَحَتْ قَرارَةُ كُلِّ وادِ أَمَلْنا أَيْنُقَ الآمالِ مِنْهُ ... إلى كَنَفٍ خَصيبِ الُمْستَرادِ وَأَغْنانا نَداهُ عَلَى افْتِقارٍ ... غَناءَ الْغَيْثِ في السَّنَةِ الْجَمادِ فَمْن ذَا مُبْلِغُ الأَمْلاكِ عَنَّا ... وَسُوّاسِ الْحَواضِرِ وَالْبَوادي بِأَنّا قَدْ سَكَنّا ظِلَّ مَلْكٍ ... مَخُوفِ الْبَأْسِ مَرْجُوِّ الأَيادي صَحِبْنا عِنْدَهُ الأَيّامَ بِيضاً ... وَقَدْ عُمَّ الزَّمانُ مِنَ السَّوادِ وَأَدْرَكْنا بِعَدْلٍ مِنْ عَلِيٍّ ... صَلاحَ الْعَيْشِ في دارِ الفْسَادِ فمَا نَخَشى مُحارَبَةَ اللَّيالي ... وَلا نَرْجُو مُسالَمَةَ الأَعادي فَقُولا لِلْمُعانِدِ وَهْوَ أَشْقى ... بما تَحْبُوهُ عاقِبَةُ الْعِنادِ رُوَيْدَكَ مِنْ عَداوَتِنا سَتُرْدي ... نَواجِذَ ما ضِغِ الصُّمِّ الصِّلادِ وَلا تَحْمِلْ عَلَى الأَيّامِ سَيْفاً ... فَإنَّ الدَّهْرَ يَقْطَعُ بِالنِّجادِ فَأَمْنَعُ مِنْكَ جاراً قَدْ رَمَيْنا ... كَرِيمَتَهُ بِداهِيَةٍ نَآدِ وَمَنْ يَحْمي الْوِهادَ بِكُلِّ أَرْضٍ ... إذا ما السَّيْلُ طَمَّ عَلَى النِّجادِ هُوَ الرّامِيكَ عَنْ أَمَمٍ وَعُرْضٍ ... إذا ما الرَّأيُ قَرْطَسَ في السَّدادِ وَمُطْلِعُها عَلَيْكَ مُسَوَّماتٍ ... تَضيقُ بِهَمِّها سَعَةُ الْبِلادِ إذا مَا الطَّعْنُ أَنْحَلَها الْعَوالي ... فَدى الأَعْجازَ مِنْها بِالْهَوادي فِداؤُكَ كُلُّ مَكْبُوتٍ مَغيظٍ ... يُخافيكَ الْعَداوَةَ أَوْ يُبادي فَإنَّكَ ما بَقيتَ لَنا سَليماً ... فما نَنْفَكُّ في عِيدٍ مُعادِ أَبُوكَ تَدارَكَ الإسْلامَ لَمّا ... وَهى أَوْ كادَ يُؤْذِنُ بِانْهِدادِ سَخا بالنَّفْسِ شُحّاً بالْمَعالي ... وَجَاهَدَ بِالطَّريفِ وَبِالتِّلادِ كَيَوْمِكَ إذْ دَمُ الأَعْلاجِ بَحْرٌ ... يُرِيكَ الْبَحْرَ في حُلَلٍ وِرادِ عَزائِمُكَ الْعَوائِدُ سِرْنَ فِيهمْ ... بِما سَنَّتْ عَزائمُهُ الْبَوادي وَهذا الْمَجْدُ مِنْ تِلْكَ المَساعي ... وَهذا الْغَيْثُ مِنْ تِلْكَ الْغَوادي وَأَنتُمْ أَهْلُ مَعْدَلِةٍ سَبَقْتُمْ ... إلى أَمَدِ الْعُلى سَبْقَ الْجِيادِ رَعى مِنْكَ الرَّعِيَّةَ خَيْرُ راعٍ ... كَريمِ الذَّبِّش عَنْهُمْ وَالذِّيادِ تَقَيْتَ اللهَ حَقَّ تُقاهُ فِيهِمْ ... وَتَقْوَى اللهِ مِنْ خَيْرِ الْعَتادِ كَأَنَّكَ لا تَرى فِعْلاً شَريفاً ... سِوى ما كانَ ذُخْراً لِلْمَعادِ مَكارِمُ بِعْضُها فيهِ دَليلٌ ... عَلَى ما فيكَ مِنْ كَرَمِ الْوِلادِ هَجَرْتَ لَها الكَرى شَغَفاً وَوَجْداً ... وَكُلُّ أَخي هَوىً قَلِقُ الْوِسادِ غَنِيتُ بِسَيْبِكَ الَمْرجُوِّ عَنْهُ ... كمَا يَغْنَي الْخَصيبُ عَنِ الْعِهادِ وَرَوّاني سَماحُكَ ما بَدَا لِي ... فمَا أَرْتاحُ لِلْعَذْبِ الْبُرادِ إذا نَفَقَ الثَّناءُ بِأَرْضِ قَوْمٍ ... فَلَسْتُ بِخاِئفٍ فيها كَسادِي فَلا تَزَلِ اللَّيالي ضامِناتٍ ... بَقاءَكَ ما حَدا الأَظْعانَ حادِ ثَنائي لا يُكَدِّرُهُ عِتابي ... وَقَوْلي لا يُخالِفُهُ اعْتِقادي

стр. 530

وقصيدته في مدح أبي الذواد المفرج بن الصوفي بدمشق، مطلعها يبسم عن فجر اللطافة ويفجر ينبوع الرقة، ومخلصها يفتر عن ثغر الحصتفة ويخلص من التكلف والمشقة، وما سمعت بأعلق بالقلب من مطلعها، وهي: لَوْ كُنْتَ شاهِدَ عَبْرَتي يَوْمَ النَّقَالَمَنَعْتَ قَلْبَكَ بَعْدَها أَنْ يَعْشَقَا وَلَكُنْتَ أَوَّلَ نازِعٍ مِنْ خُطَّتي ... يَدَهُ وَلَوْ كُنْتَ الُمِحَّب المُشْفِقَا وَعَذْرتَ في أَنْ لا أُطيقَ تَجَلُّداً ... وَعَجِبْتَ مِنْ أَنْ لا أَذوبَ تَحَرُّقاً ناشَدْتُ حاديَ نُوقِهِمْ في مُدْنَفٍ ... أَبْكى الْحُداةَ بُكاؤُهُ وَالأيْنُقَا وَمَنَحْتُهُمْ جَفْناً إذا نَهْنَهْتُهُ ... رَقَأَتْ جُفونُ الثّاكِلاتِ وَما رَقَا يَا عمْروُ أَيُّ عَظيمِ خَطْبٍ لَمْ يَكُنْخَطْبُ الْفِراقِ أَشَدَّ مِنْهُ وَأَوْبَقَا كِلْني إلى عُنْفِ الصُّدُودِ فَرُبَّما ... كانَ الصُّدُودُ مِنَ النَّوى بي أَرْفَقَا قَدْ سالَ حَتّى قَدْ أَسالَ سَوادَهُ ... طَرْفي فَخالَطَ دَمْعَهُ المُتَرقْرِقَا وَاسْتَبْقِ لِلْأطْلالِ فَضْلَةَ أَدْمُعٍ ... أَفْنَيْتَهُنَّ قَطيعَةً وَتَفَرُّقَاَ أَوْ فَاسْتَمِحْ لي مِنْ خَلِيّ سَلْوَةً ... إنْ كانَ ذُو الإْثْراءِ يُسْعِفُ مُمْلِقَا إنَّ الظِّباءَ غَداةَ رامَةَ لَمْ تَدَعْ ... إلاّ حَشاً قَلِقاً وَقَلْباً شَيِّقاَ سَنَحَتْ فما مَنَحَتْ وَكَمْ مِنْ عارِضٍ ... قَدْ مَرَّ مُجْتازاً عَلَيْكَ وَما سَقى غِيدٌ نَصَبْتُ لِصَيْدِهِنَّ حَبائِلاً ... يَعْلَقْنَهُنَّ فَكُنْتُ فيها أَعْلقاَ وَلَكَمْ نَهَيْتُ اللَّيْثَ أَغْلَبَ بَاسِلاًعَنْ أَنْ يَرُودَ الظَّبْيَ أَتْلعَ أَرْشَقَا فِإذا الْقَضاءُ عَلَى الْمَضاءِ مُرَكَّبٌ ... وَإذا الشَّقاءُ مُوَكَّلٌ بِأَخي الشَّقَا وَلَقَدْ سَرَيْتُ إذا السَّماءُ َتخالُها ... بُرْداً بِراكِدَةِ النُّجومِ مُشَبْرَقَا َواللَّيْلُ مِثْلُ السَّيْلِ لَوْلا لُجَّةٌتَغْشى الرُّبَا بِأَعَمَّ مِنْهُ وَأَعْمَقَا وَمُشَمِّريَن تَدَرَّعُوا ثَوْبَ الدُّجى ... فَأَجَدَّ لُبْسَهُمُ الزَّماعُ وَأَخْلَقَا عاطَيْتُهُمْ كَأْسَ السُّرى في لَيْلَةٍ ... أَمِنَ الظَّلامُ بِفَجْرِها أَنْ يُشْرِقَا حَتّى إذا حَسَرَ الصَّباحُ كَأَنَّهُ ... وَجْهُ الْوَجيهِ تَبَلُّجاً وَتَأَلُّقَا حَطُّوا رِحالَ الْعِيسِ مِنْهُ بِخَيْرِ مَنْ ... هَزُّوا إِلَيْهِ رِقابَهَا وَالَأْسؤُقَا بِأَغَرَّ يَجْلو لِلْوُفودِ جَبينُهُ ... شَمْساً تَكونُ لهَا المَعالي مَشْرِقَا نَزَلُوا فما وَصَلوهُ مَهْجُوراً وَلا ... فَتحُوا إلى نُعماهُ باباً مُغْلَقَا إِنْ زُرْتَهُ فَتَوَقَّ فَيْضَ بَنانِهِ ... إنَّ الْبِحارَ مَلِيَّةٌ أنْ تُغْرِقَا وَإذا أَبُو الذَّوّادِ حاطَكَ ذائِداً ... فَلَقَدْ أَخَذْتَ مِنَ الليَّالي مَوْثِقاً يَشْتَدُّ مَمْنُوعاً وَيُكْرِمُ قادِراً ... وَيَطولُ مَحْقُوقاً وَيَصْفَحُ مُحْنَقا لَوْ أَنَّ مَنْ يَرْوي حَديثَ سَماحِهِ ... يَرْويهِ عن صَوْبِ الْحَيا ما صُدِّقا صَحِبَ الزَّمانَ وَكانَ يَبْساً ذاوِياً ... فسَقاهُ بالْمَعْروفِ حتّى أَوْرَقا لا تَذْكُرَنَّ له الْمَكارِمَ وَالْعُلى ... فتَهيجَ صَبّاً أَوْ تَشُوقَ مُشَوَّقاً عَشِقَ الْمحامِدَ وَهْيَ عاشِقَةٌ له ... وَكَذاكَ ما بَرِحَ الْجَمالُ مُعَشَّقاً يَجْري على سَنَنِ المَكارِمِ فِعُلهُ ... خُلُقاً إذا كانَ الْفَعالُ تَخلُّقا لا يَمْنَحُ الإحْسانَ إلّا كامِلاً ... خَيْرُ الْحَيا ما عَمَّ منهُ وَطَبَّقا

стр. 531

كَتَمَ الصَّنائعَ فاسْتَشاعَ ثَناؤها ... مَنْ ذا يَصُدُّ الصُّبْحَ عَنْ أَنْ يُشْرِقا قَدْ حالَفَ الْعَزْمَ الْحَميدَ فَلَمْ يَخَفْ ... خَطْباً يُحاوِل فَتْقَهُ أَنْ يَرْتُقا وَرَمى إلى الْغَرَضِ البَعيدِ فلمْ يَبِتْ ... أَبَداً بِغَيْرِ المَكْرُماتِ مُؤَرَّقا سامي الْمَرامِ شَريفُهُ إِنْ تَدْعُهُ ... لا تَدْعُهُ لِلْخَطْبِ إلاَّ مُقْلِقا إِنْ جادَ في بِشْرٍ تُوُِّمَ عارِضاً ... أَوْ حَلَّ في نَفَرٍ تَرَاءَى فَيْلَقا تَلْقاهُ في هَيْجاءِ كُلِّ مُلِمَّةٍ ... بَطَلاً إذا شَهِدَ الْكَريهَةَ حَقَّقا كالْمَشْرِفَيِّ الْعَضْبِ إلاَّ أَنَّهُ ... أَمْضى شَباً مِنْهُ وَأَبْهى رَوْنَقا جارى عِنانَ الْفضلِ في أَمَدِ الْعُلى ... أَدْنى وَأَقْرَبُ شَأْوِهِ أَنْ يَسْبُقِاَ لا يُدْرِكُ الْجارونَ غايَةَ مَجْدِهِ ... مَنْ يَسَتطيعُ إلى السَّماءِ تَسَلُّقا هَيْهاتَ يَمْنَعُ ذاكَ حَقٌّ أَخْلَقٌ ... لا يُحْسِنُ الْعَيُّوقُ فيهِ تَحَلُّقا وَمِنَ التَّأَخُّرِ أَنْ يُقَدِّمَ وَاطِيٌ ... قَدَماً عَلَى دَحْضٍ أَزَلَّ وَأَزْلَقا ما كُلُّ مَنْقَبَةٍ يُحاوَلُ نَيْلُها ... تُحْوى ولا كُلُّ الْمَنازِلِ تُرْتَقى يَا سَيِّدَ الرُّؤَساءِ أَيُّ مُطاوِلٍ ... أَنْ يَسْتَطيعَ بكَ الَّلحاقَ فَيَلْحَقا ماذا يُحاوِله المُغامِرُ بعدَما ... وَجَدَ المَجالَ إلى قِراعِكَ ضَيِّقا إنَّ الرِّياسَةَ لا تَليقُ بِغَيْرِ مَنْ ... مُذْ كانَ كانَ بِثَدْيِها مُتَمَطِّقا بِغَنائِها مُتَكِّفلاً وَبِفَضْلِها ... مُتوَحِّداً وَبِمُلْكِها مُتَحَقِّقا كَمْ فيكَ مُجْتَمِعاً منَ الْحَسناتِش ما ... يُعْي ويُعْجِزُ في الوَرى مُتَفَرِّقا وَلِبَيْتِكَ الْفَخْرُ الذي لَوْ أَنَّهُ ... سامى السِّماكَ لَكانَ مِنهُ أَسْمَقا مَن كان يَفْخَرُ أَنَّهُ مِنْ أُسْرةٍ ... كَرُمَتْ وَيَضْرِبُ في الْكِرامُ مُعْرّقا فلَيْأَتْنِا بأَبٍ كَمِثْلِ أَبيكَ في الْعَلْي ... اءِ أَوْ جَدٍّ كَجَدِّكَ في التُّقى أَمّا دِمَشْقُ فَقَدْ حَوَتْ بكَ عزَّةً ... كَرُمَتْ بِها عْن أَنْ تكونَ الأبْلَقا حَصَّنْتَها بِسَدادِ رَأْيِكَ ضارِباً ... سُوراً عَلَيْها مِنْ عُلاكَ وَخَنْدَقا وَحَمَيْتَ حَوْزَتَها بِهِمَّةِ أَوْحَدٍ ... ما زالَ مَيْمونَ الفَعالِ مُوَفَّقا أَمْطَرْتَها مِنْ فَيْضِ كَفِّكَ أَنْعُماً ... لا تُعْدِمُ الرُّوَّادَ رَوْضاً مُونقِا إنْ أَظْلَمَتْ كُنْتَ الضَّحاءَ المْجْتَلىأَوْ أَجْدَبَتْ كُنْتَ الرَّبيعَ الُمْغِدقا وَأَنا الذي أَضْحى أَسيرَ عَوارِفٍ ... لكَ لا يَوَدُّ أَسيرُها أَنْ يُطْلَقا أَوْفى وَأَشَرفُ ما يُؤَمِّلُ آمِلٌ ... أنْ لا يُرى مِنْ رِقِّ جودِكَ مُعْتَقا أَجْمَمْتُ جُودَكَ فَاسْتَفاضَ سَماحَةً ... وَإذا حَبَسْتَ السَّيْلَ زادَ تَدَفُّقا وَحَمَيْتُ آمالي سِواكَ وَعاطِلٌ ... مَنْ كانَ مِنْ مَنِّ اللِّئامِ مُطَوَّقا لم يُبْقِ سَيْلُ ندَاكَ مَوْضِعَ نائِلٍ ... فَهَقَ الغَديرُ وَحَقُّهُ أَنْ يَفْهَقا وَلَئِنْ مَنَنْتَ فَواجِبٌ لكَ في النَّدى ... إمْا نَزَعْتَ بِسَهْمِهِ أَنْ يُغْرَقا أَثْني عَلَيْكَ بِحقِّ حَمْدِكَ صادِقاً ... حَسْبُ الْمَعالي أَنْ تَقولَ فَتَصْدُقا وَلَكَم يَدٍ لَكَ لايُؤَدَّي حَقُّها ... ما خَبَّ رَكْبٌ في الْفِجاج وَأَعْنَقا

стр. 532

أَعْيَتْ بِياني في الثَّناءِ وَأَوْجَبَتْ ... شُكْري فأَفْحَمَني نَداكَ وَأَنْطَقا خُذْها كما حَيّاكَ نَوْرُ خَميلَةٍ ... خَطَرَ النَّسيمُ بها ضُحىً فَتَفَتَقَّا تَأْبى عَلَى الْكِتمانِ غَيْرَ تَضَوُّعٍ ... مَنْ ذا يَصُدُّ الْمِسْكَ عَنْ أَنْ يَعْبَقا عَذْراءَ لا تَجُلو الثَّناءَ عَليْكَ إِطْر ... اءً وَلا تَصِفُ الْوَلاءَ تَمَلُّقا تَحْيي حَبيباً الْوَليدَ وَتَجْتَبي ... لِخُلودِ فَخْرِكَ أَخْطَلاً وَفَرَزْدَقا وَكَأَنَّ تَغريدَ اْلغَريضِ مُرَجَّعاً ... فيها وَعانِيَّ الرَّحيقِ مُعَتَّقا وَكَأَنَّ أَيّامَ الصَّبابَةِ رِقَّةً ... فيها وَمُفْتَرَقَ النَّوى واَلمُلْتَقى وَقَدِ اسْتَشادَ لَكَ الثَّناءَ فما تَرى ... إلاَّ بَليغاً بامْتِداحِكَ مُفْلِقا فَمَتى تَغَنَّى الرَّكْبُ يَوْماً أَوْ حَدا ... لم يَعْدُ مَدْحَكَ مُشْئِماً أو مُعْرِقا وَالدُّرُّ يَشْرُفُ قِيمَةً وَيَزيدُهُ ... شَرَفاً إذا ما كَانَ دُرّاً مُنْتَقى مَنْ باتَ يَسْأَلُ رَبَّهُ أُمْنِيَّةً ... فَاللَّهَ أَسْأَلُ أَنْ يُطيلَ لَكَ الْبَقا وقصيدته في الأمير أبي الحسن علي بن مقلد بن منقذٍ كلمةٌ غراء شاعرةٌ، وروضةٌ غناء ناضرةٌ، فاق بالمجانسة فيها الصوري، وشأي بمعانيها المبتكرة المعري، وتيم برقتها التهامي. وما أحسن إيراده قراع الليالي والحوادث، والمعنى الذي ذكره في البيت الثالث. وهي: يَقِيني يَقنين حادِثاتِ النَّوائِبِ ... وحَزْميَ حَزْمي في ظُهور النَّجائِبِ سُيْنِجُدني جَيشٌ من الْعَزْم طالَما ... غَلَبْتُ بِه الْخْطبَ الذّي هو غالبي وَمنْ جَرَّبَ الأيّامَ عوَّد نفَسُه ... قِراعَ اللَّيالي لا قِراع الكتائِبِ عَلى أَنّ لي في مَذْهَبِ الصَّبْرِ مَذْهباً ... يَزيدُ اتّساعاً عندَ ضِيقِ الْمَذاهبِ وما وَضَعَتْ منّي الْخُطوبُ بقدَرِ ما ... رَفْعَنْ وقد هَذَّبْنني بالتَّجارِب أَخَذْنَ ثَراءً غَيْرَ باقٍ عَلَى النَّدى ... وأَعْطَيْنَ فَضْلاً في النُّهَى غيرَ ذاهِب فَمالِيَ لا رَوْضُ الْمَساعي بِمُمْرِعٍ ... لَدَيّ وَلا ماءُ الأَماني بساكبِ كأَنْ لم يكنْ وَعْدي لَدَيْها بحائِنٍ ... زَماناً وَلا دَيْني عليها بِواجِبِ وَحَاجَةِ نَفْسٍ تَقْتَضِيها مخَايِلي ... وَتَقْضي بها لي عادلاتٍ مَناصِبي عَدَدْتُ لهَا بَرْقَ الغَمامِ هُنَيْدَةً ... وأُخْرى وما مِن قَطْرَةٍ في المَذانِبِ وَهلْ نافِعي شَيْمٌ منِ العَزم صادِقٌ ... إذا كنتُ ذا بَرْقٍ من الحظِّ كاذِبِ وَإِني لأَغْنَى بالْحَديثِ عَن الْقِرَى ... وَبالبَرْق عن صَوْبِ الْغُيوث السَّواكبِ قَناعَةُ عِزٍّ لا قَناعةُ ذِلَّة ... تزُهَدَّ في نَيْلِ الغِنَى خَيْرَ راغِب إذا ما امْتطى الأَقوامُ مَرْكَبَ ثَرْوَةٍ ... خُضوعاً رَأَيْتُ الُعْدمَ خَيْرَ مَراكبي وَلوْ رِكبَ النّاسُ الْغِنَى بِبَراعةٍ ... وفَضْلٍ مُبينٍ كُنتُ أَوَّلَ راكِبٍ وَقَدْ أَبْلُغُ الْغاياتِ لستُ بِسائرٍ ... وَأَظْفَرُ بالحاجاتِ لَستُ بِطالِبِ وَما كُلُّ دانٍ من مَرامٍ بظافرٍ ... وَلا كُلُّ ناءِ عن رَجاءٍ بخائِبِ وإنّ الْغِنَى مِنّي لأَدْنى مَسافةً ... وأَقَربُ ممّا بَيْنَ عَيْني وَحاجبي سأَصْحَبُ آمالي إلى ابنِ مُقَلَّدٍ ... فَتُنْجحُ ما أَلْوَى الزَّمانُ بصاحِبِ فما اشْتَطَّتِ الآمالُ إلاّ أَباحَها ... سَماحُ عَليٍّ حُكْمَها في الْمَواهِبِ

стр. 533

إذا كُنتَ يَوْماً آمِلاً آمِلاً لهُ ... فَكُنْ واهِباً كلَّ المُنَى كُلَّ واهِبِ وَإنّ امْرَءاً أَفْضى إِليهِ رَجاؤُهُ ... فَلمْ تَرْجُهُ الأَمْلاكُ إِحْدَى الْعَجائِبِ مِنَ الْقَوْمِ لَوْ أَنَّ اللَّيالي تَقَلَّدَتْبِأَحْسابِهِمْ لمْ تَحْتَفِلْ بالْكَواكِبِ من أحسن البيتين، وأبلغ المعنيين، فهما كدرتين توأمين. إذا أَظْلَمَتْ سبُلُ السُّراةِ إلى الْعُلا ... سَرَوْا فَاسْتَضاؤوا بَيْنَها بالْمَناسِبِ هُمُ غادَرُوا بالْعِزِّ حَصْباءَ أَرْضِهِمْ ... أَعَزَّ مَنالاً مِنْ نُجومِ الْغَياهِبِ تَرى الدَّهْرَ ما أَفْضى إلى مُنْتَواهُمُ ... يُنَكِّبُ عَنْهُمْ بالْخُطوبِ النَّواكِبِ إذا المُنْقِذِيُّونَ اعْتَصَمْتَ بِعِزِّهِمْخَضَبْتَ الْحُسامَ الْعَضْبَ مِنْ كُلِّ خاضِبِ أُولِئكَ لمْ يَرْضَوْا مِنَ الْعِزِّ وَالْغِنىسِوى ما اسْتَباحُوا بالْقَنا وَالْقَواضِبِ كَأَنْ لمْ يُحَلِّلْ رِزْقَهُمْ دِينُ مَجْدِهِمْبِغَيْرِالْعَوالي وَالْعِتاقِ الشَّوازِبِ إذا قَرَّبوها لِلِّقاءِ تَباعَدَتْ ... مَسافَةٌ ما بَيْنَ الطُّلى وَالتَّرائِبِ إذا نزلَوا أَرْضاً بها الْمَحْلُ رُوِّضَتْ ... وَما سُحِبَتْ فيها ذُيولُ السَّحائِبِ بِأَنْدِيَةٍ خُضْرٍ فِساحٍ رِباعُها ... وَأَوْدِيَةٍ غُزْرٍ عِذابِ المَشارِبِ أَرى الدَّهْرَ حَرْباً لِلْمُسالِمِ بَعْدَماصَحِبْناهُ دَهْراً وَهْوَ سِلْمُ المُحارِبِ فَعُذْ بِنَهارِيِّ الْعَداوَةِ أَوْحَدٍ ... مِنَ الْقَوْمِ لَيْليِّ النَّدى وَالرَّغائِبِ تَنَلْ بِسَديدِ الُمْلِك ثَرْوَةَ مُعْدِمٍ ... وَفَرْجَةَ مَلْهوفٍ وَعِصْمَةَ هارِبِ سَعى وارِثُ الَمْجدِ التَّليدِ فَلمْ يَدَعْ ... بِأَفْعالِهِ مَجْداً طَريفاً لِكاسِبِ يُغَطّي عَلَيْهِ الْحَزْمُ بالْفِكَرِ التَّي ... كَشَفْنَ لَهُ عَمّا وَراءَ العَواقِبِ وَرَأْيٍ يُري خَلْفَ الرَّدى مَنْ أَمامَه ... فما غَيْبُهُ الْمَكُنونُ عَنْهُ بِغائِبِ بَقِيتَ بَقاءَ النَّيِّراتِ وَمِثْلَها ... عُلُوّاً وَصَرْفاً عَنْ صُروفِ النَّوائِبِ وَدامَ بِنُوكَ السِّتَّةُ الزُّهْرُ إنَّهُمْ ... نُجومُ الْمَعالي في سَماءِ الْمَناقِبِ سَلَلْتَ سهِاماً مِنْ كِنانَة لمْ يَزَلْ ... يُقَرْطِسُ مِنْها في الْمُنى كلُّ صائِبِ فَأَدْرَكْتَ ما فاتَ الْمُلوكَ بِعَزْمَةٍ ... تَقومُ مَقامَ الْحَظِّ عِنْدَ الْمَطالِبِ وَما فُتْقَهُمْ حَتّى تَفَرَّدْتَ دُونَهُمْبِرَأْيِكَ في صَرْفِ الْخُطوبِ اللَّوازِبِ وَما شَرُفَتْ عَنْ قِيمَة الزُّبَرِ الظبَّي ... إذا لمْ يُشَرِّفْها مَضاءُ الْمَضارِبِ تَجافَيْتُ عَنْ قَصْدِ المُلوكِ وَعِنْدَهُمْ ... رَغائِبُ لمْ تَجْنَحْ إليْها غَرائِبي تَناقَلُ بي أَيْدي الْمَهاري حَثيثَةً ... كما اخْتَلفَتْ في الْعَقْدِ أَنْمُلُ حاسِبِ إذا الشَّوْقُ أَغْراني بِذِكْرِكَ مادِحاً ... تَرَنَّمْتُ مُرْتاحاً فَحَنَّتْ رَكائبِي بِمَنْظومَةٍ مِنْ خالِصِ الدُّرِّ سِلْكُها ... عُروضٌ وَلِكْن دُرًّها مِنْ مَناقِبِ تُعَمَّرُ عُمْرَ الدَّهْرِ حَتّى إذا مَضى ... أَقامَتْ وَما أَرْبَتْ عَلَى سِنِّ كاعِبِ شَعَرْتُ وَحَظُّ الشِّعْرِ عِنْدَ ذَوي الْغِنىشَبيهٌ بِحَظِّ الشَّيبِ عِنْدَ الْكَواعِبِ وَما بيَ تَقْصيرٌ عَنِ الْمَجْدِ وَالْعُلى ... سِوى أَنَّني صَيَّرْتُهُ مِنْ مَكاسِبي يُعَدُّ مَعَ الأَكْفاءِ مَنْ كانَ عَنْهُمُغَنِيّاً وَإِنْ لمْ يَشْأَهُمْ في الْمَراتِبِ وَلوْ خَطَرَتْ بي في ضَميرِكَ خَطْرَةٌ ... لَعادَتْ بِتَصْديقِ الظُّنونِ الْكَواذِبِ

стр. 534

وَأَصْبَحَ مُخْضَرّاً بِسَيْبِكَ مُمْرِعاً ... جَنابي وَمَمْنوعاً بِسَيْفِكَ جانبي وكلمته القافية في مدح أبق، التي عبارتها من عبرة الصب وأيام الصبا أرقٌ، ومعناها من سحر لحظ المحبوب أدق. قال مجد العرب العامري: قلت للرواية إذ أنشد البيت الأول: أين الشعر منه؟ فقال: هكذا سألني ابن الخياط عند إنشاده إياي، فقلت له: أنت أعرف. فقال: هو في العجز، قوله: أعند القلوب دمٌ للحدق؟ وصدر البيت دخل في شفاعة هذا العجز المعجز، المعلم بالسحر المطرز، المفدي بالقلوب والأحداق، الشهي ولا تشهي المحب لذيذ العناق، ولشغفي بها نظمت على وزنها ورويها قصيدةً في المولى الوزير عون الدين - ضاعف الله اقتداره على إسداء الأيادي، وإرداء الأعادي - وما قصرت عن شأوها؛ لكن الفضل للمتقدم. وقد أوردتها في الموضع الذي أوردت شعري فيه وما سبق إلى بيتي مدحه في أبق في إعطاء صناعة التجنيس حقها، لما ملك رقها، واختراع معناهما البكر الذي لم يقرع شأوه بالافتراع، ولهذه القطعة قبولٌ من القلوب والأسماع، وهي: سَلُوا سَيْفَ أَلْحاظِهِ الْمُمْتَشَقْ ... أَعِنْدَ الْقُلوبِ دَمٌ لِلْحَدَقْ؟ أَمَا مِنْ مُعينٍ وَلا عاذِرٍ ... إذا عَنُفَ الشَّوْقُ يَوْماً رَفَقْ! تَجَلّى لَنا صارِمُ المُقْلَتَ ... يْنِ ماضي المُوَشَّحِ وَالمُنْتَطَقْ مِنَ التُّرْكِ ما سَهْمُهُ إذْ رَمى ... بِأَفْتَكَ مِنْ طَرْفِهِ إذْ رَمَقْ تَعَلَّقْتُهُ وَكَأَنَّ الْجَمالَ ... يُضاهي غَرامي بِه وَالْعَلَقْ وَلَيَلَة وافَيْتُهُ زائِراً ... سَميرَ السُّهادِ ضَجيعَ الْقَلَقْ كَأَنّي لِرِقْبَتِهِ حابِلٌ ... دَنَتْ أُمُّ خِشْفٍ لَهُ مِنْ وَهَقْ دَعَتْني الْمَخافَةُ مِنْ فَتْكِهِ ... إلَيهِ وَكَمْ مُقْدِمٍ مِنْ فَرَقْ وَقَدْ راضَتِ الْكأْسُ أَخْلاقَهُ ... وَوُقِّرَ بالسُّكْرِ مِنْهُ النَّزَقْ وَحُقَّ الْعِناقُ فَقَبَّلْتُهُ ... شَهِيَّ الْمُقَبَّلِ وَالْمُعْتَنَقْ وَباتَتْ ثَناياهُ عانِيَّةَ الْمَرا ... شِفِ دَارِيَّضةَ الُمْنَتَشَقْ وَبِتُّ أُخالجُ شَكّي بِهِ ... أَزَوْرٌ طَرَا أَمْ خَيالٌ طَرَقْ أُفَكِّر في الْهَجْرِ كَيْفَ انْقَضَى ... وَأَعْجَبُ لِلْوَصْلِ كَيْفَ اتَّفَقْ فَلِلْحُبِّ ما عَزَّ مِنّي وَهانَ ... وَلِلْحُسْنِ ما جَلَّ مِنْهُ وَدَقّ لَقَدْ أَبِقَ الْعُدْمُ مِنْ راحَتَيَّ ... لَمّا أَحَسَّ بِنُعْمى أَبَقْ تَطاوَحَ يَهْرُبُ مِنْ جُودِهِ ... وَمَنْ أَمَّهُ السَّيْلُ خافَ الْغَرَقْ وقصيدته في حسان بن مسمار بن سنانٍ، أحسن رونقاً من الإحسان، وأفتن للعقول من طرفٍ فاترٍ وسنان. ذكر الرواية أنه كان إذا قيل له: أي قصائدك تختارها؟ يقول: الرائية. وهي: هِيَ الدِّيارُ فَعُجْ في رَسْمِها الْعاري ... إنْ كانَ يُغْنيكَ تَعْريجٌ عَلَى دارِ إِنْ يَخْلُ طَرْفُكَ مِنْ سُكاّنهِا فَبِهاما يَمْلأُ الْقَلْبَ مِنْ شَوْقٍ وَتَذْكارِ يا عَمْرُو ما وَقْفَةٌ في رَسْمِ مَنْزِلَةٍ ... أَثارَ شَوْقَكَ فيها مَحْوُ آثارِ أَنْكَرْتَ فيها الْهَوى ثُمَّ اعْتَرَفْتَ بهِ ... وَما اعْتِرافُكَ إلاّ دَمْعُكَ الْجاري تَشْجُو الدِّيارُ وَما يَشْجُو أَخا كَمَدٍ ... مِنَ الْهَوى مِثْلُ دارٍ ذاتِ إِقْفارِ يا حَبَّذا مَنْزِلٌ بالسَّفْحِ مِنْ إضَمٍ ... وَدِمْنَةٌ بِلِوى خَبْتٍ وَتِعْشارِ وَحَبَّذا أُصُلٌ يُمْسي يُجَرُّ بها ... ذَيْلُ النَّسيمِ عَلى مَيْثاءَ مِعْطارِ لَوْ كُنْتُ ناسِيَ عَهْدٍ مِنْ تَقادُمِهِ ... نَسِيتُ فيها لُباناتي وَأَوْطاري

стр. 535

أَيّامَ يَفْتُكُ فيها غَيْرَ مُرْتَقَبٍ ... ظَبْيُ الْكِناسِ بِلَيْثِ الْغابَةِ الضّاري يَصْبُو إلَيَّ وَيُصْبي كلَّ مُنْفِردٍ ... بالدَّلِّ والْحُسْنِ مِنْ بادٍ وَمِنْ قارِ لا أُرْسِلُ اللَّحْظَ إلاّ كانَ مُؤْقِعُهُ ... عَلَى شُموسٍ مُنيراتٍ وَأَقمارِ ما أَطْيَبَ الْعَيْشَ لَوْ أَنّي وَفَدْتُ بهِ ... عَلَى شَبابٍ وَدَهْرٍ غَيْرِ غَدّارِ آْلانْ قَدْ هَجَرَتْ نَفْسي غَوايَتَها ... وَحانَ بَعْدَ حُلولِ الشَّيْبِ إِقْصاري وَالْعَيْشُ ما صَحِبَ الْفِتيْانُ دَهْرَهُمُ ... مُقَسَّمٌ بَيْنَ إِحْلاءٍ وَإِمرارِ يا مَنْ بِمُجْتَمَعِ الشَّطَّيْنِ إنْ عَصَفَتْبِكُمْ رِياحي فَقَدْ قَدَّمْتُ إِعْذاري لا تُنْكِرُنَّ رَحِيلي مِنْ دِيارِكُمُ ... لَيْسَ الكَريمُ عَلَى ضَيْمٍ بِصَبارٍ يَأْبى ليَ الضَّيْمَ فُرْسانُ الصَّباحِ وَما ... حَبَّرْتُ مِنْ غُرَرٍ تُهْدى وَأَشْعارِ وَقَدْ غَدَوْتُ بِعزِّ الدّينِ مُعْتَصِماً ... إنَّ الْكِرامَ عَلَى الأيّامِ أَنْصاري مَلْكٌ إذا ذُكِرَتْ يَوْماً مَواهِبُهُ ... أَثْرى الرَّجاءُ بها مِنْ بَعْدِ إِقْتارِ يُعْطيكَ جُوداً عَلَى الإقْلالِ تَحْسِبَهُ ... وَافاكَ عَنْ نَشَبٍ جَمٍّ وَإكْثارِ رَيّانُ مِنْ كَرَمٍ مَلْآنُ مِنْ هِمَمٍ ... كَأَنَّهُ السَّيْفُ بَيْنَ الماءِ وَالنّارِ لَيْسَ الْجَوادُ جَواداً ما جَرى مَثَلٌ ... حَتّى يَكونَ كَحَسّانِ بْنِ مِسْمارِ الْواهِبُ الْخَيلَ إِمّا جِئْتَ زائِرَهُ ... أَقَلَّ سَرْجَكَ مِنْها كُلُّ طَيّارِ الَطّاعِنُ الطَّعْنَة الْفَوْهاءَ جائِشَةً ... تَرُدُّ طاعِنَها عَنْها بِتَيّارِ يَكادُ يَنْفُذُ فيها حَيْثُ يُنْفِذُها ... لَوْلا عُبابُ دَمٍ مِنْ فَوْرِها جارِ تَلْقى السِّنانَ بها وَالسَّرْدَ تَحْسِبَهُ ... ما ضلَّ مِنْ فُتُلٍ فيها وَمِسْبارِ في كَفِّهِ سَيْفُ مِسْمار الّذي شَقِيتْ ... هامُ الُملوكِ بِه أَيّامَ سِنْجارِ لا يَأْمُلُ الرِّزْقَ إلاّ مِنْ مَطالِبِه ... فَرْسَ الْهُمامِ بِأَنْيابٍ وَأَظْفارِ نِعْمَ الْمُناخُ لِشُعْثٍ فوْتِ مَهْلكَةٍ ... أَرْماقِ مَسْغَبَةٍ أَنْضاءِ أَسْفارِ لا يَشْتَكونَ إلِيهِ الْمَحْلَ في سَنَةٍ ... يَشْكو بها السَّغَبَ الْمَقْرِيُّ وَالْقاري سَحابُ جَوْدٍ عَلَى الرّاجينَ مُنْهَمِلٍ ... وَبَحْرُ جُودٍ عَلَى الّلاجينَ زَخّارِ إذا تَرَحَّلَ عَنْ دارٍ أقَامَ لَهُ ... مِنَ الصَّنائِع فيها خيْرُ آثارِ كالْغَيْثِ أَقْلَعَ مَحْموداً وَخَلَّفَ ما ... يُرْضيكَ مِنْ زَهرٍ غَضٍّ وَنُوّارِ تَبْقى الذَّخائِرُ مِنْ فَضْلاتِ نِائِلِه ... كَأَنَّها غُدُرٌ مِنْ بَعْدِ إِمْطارِ مُظَفَّرُ الْعَزْمِ ما تَأْلو مُوَفَّقةً ... آراؤُهُ بَيْنَ إِيرادٍ وَإصْدارِ سامٍ إلى الشَّرَفِ الْمَمْنوعِ جانِبُهُ ... نامٍ مِنَ الْحَسَبِ الْعاري مِنَ الْعارِ مُخَوَّلٌ في جَنابٍ بَيْتَ مَمْلَكَةٍ ... عَزّوا بِه وَأَذّلوا كلَّ جَبّارِ أَيّامَ ذَلَّتْ لها ما بَيْنَ خَرْشَنَةٍ ... وَبْيَن غَزَّةَ مِنْ رِيفٍ وَأَمْصارِ يَقودُها مِنْ سِنانٍ عَزْمُ مُتَّقِدٍ ... أَمامَها كَسِنانِ الصَّعْدَةِ الْواري يَرْمي بِأَعْيُنِها في كلِّ داجِيَةٍ ... مِنْهُ إلى كَوْكَبٍ بالسَّعْدِ سَيّارِ

стр. 536

يَبيتُ كُلُّ ثَقيلِ الرُّمْح حامِلهُ ... في سرْجِ كلِّ خَفيفِ اللِّبْدِ مِغْوارِ مَجْدٌ تَأَثَّلَ في نَجْدٍ أَوائِلُهُ ... وَشِيدَ بالشّام مِنْهُ الطّارِفُ الطّاري يَا بْن الْكِرامِ الألى ما زالَ مَجْدُهُمُ ... مُغْرًى بِقِلَّةِ أَشْباهٍ وَأَنْظارِ الَمْانِعينَ غَداةَ الْخَوْفِ جارَهُمُ ... وَالْحافِظَينَ بِغيْبٍ حُرْمَةَ الْجارِ بِيضُ الْعَوارِفِ أَغْمارٌ إذا وَهَبوا ... جُوداً وَلَيْسُوا إذا عُدّوا بِأَغْمار لا يَصْحَبُ الدَّهْرَ مِنْهُمْ طُولَ ما ذِكروا ... إلاّ الثَّناءُ وَإلّا طِيبُ أَخْبارِ إِنَّ الْعَشائِرَ مِنْ أَحْياءِ ذي يَمَنٍ ... لَمّا بَغَوْكَ جَرَوْا في غَيْرِ مِضْمارِ أَصْحَرْتَ إذْ مَدَّ بالْمَدّانِ سِيْلُهُمُوَاللَّيْثُ لا يُتَّقي مِنْ غَيْرِ إصْحارِ سالُوا فَأَغْرَقُهمْ قَطْرٌ نَضَحْتَ بِه ... ما كُلُّ سَيْلٍ عَلَى خيْلٍ بِجَرّارِ مالُوا فَقَوَّمَ فيهِمْ كلَّ مُنْأَطِرٍ ... طَعْنٌ يُعَدِّلُ مِنْهُمْ كلَّ جَوّارِ حَتّى إذا نَهَتِ الأُولى فما انْتَفعوا ... بالنَّهْيِ وَالبَغْيُ فيهِمْ شَرُّ أَمّارِ أَنَجْتَها وَحَمَيْتَ الشّامَ مُعْتِقداً ... أَنْ ليْسَ يَنْفعُ إلاّ كلُّ ضرّارِ قَدْ نابَك الدَّهْرُ أَزْماناً بِغَيْرِهِمُ ... فَظَلَّ يِغْمِزُ عُوداً غَيْرَ خوّارِ وَكَمْ أَبَتَّ عَلَى ثأْرٍ ذَوي ضَغَنٍ ... وَلْم تَبِتْ قطُّ مِنْ قَوْمٍ عَلَى ثارِ إِنْ زُرْتُ دارَكَ عَنْ شَوْقٍ فمَدْحُكَ بي ... أَوْلى وَما كلُّ مَدَّاحٍ بِزَوّارِ لَيْسَ المُطيقُونَ حِجَّ البْيَتْ ما تَركُوا ... فَريضَةَ الْحَجِّ عَنْ زُهْدٍ بِأَبْرارِ وَقَدْ أَتَيْتُكَ أَسْتَعْدي عَلَى زَمَنٍ ... لا يَشْرَبُ الْحُرُّ فيهِ غَيْرَ أَكْدارِ مُوَكَّلُ الْجَوْرِ بِالأَحْرارِ يَقْصِدُهُمْ ... كَأَنَّهُ عِنْدَهُمُ طَلاّبُ أَوْتارِ وَالْحَمدُ أَنْفَسُ مَذْخُورٍ تَفوزُ بهِ ... فَخُذْ بِحَظِّكَ مِنْ عَونٍ وَأَبكارِ مِنَ الْقَوافي الَّتي ما زِلْتُ أُودِعُها ... عُلاَلَة الرَّكْبِ مِنْ غادٍ وَمِنْ سارِ إنَّ السَّماَحَة أُولاها وَآخِرَها ... في كَفِّ كلِّ يَمانٍ يَا بْنَ مِسْمارِ لا تَسْقِني بِسِوى جَدْوى يَدَيْكَ فمَا ... يُرْوي مِنَ السُّحْبِ إلاّ كلُّ مِدْرارِ وَلَسْتُ أَوَّلَ راجٍ قادَهُ أَمَلٌ ... قَدْ راحَ مِنْكَ عَلَى شَقْراءَ مِحْضارِ وقصيدته في أبي الحسن علي بن عمارٍ، أعقر للعقول من كأس العقار، وأعذر إلى العذول من آس العذار. وهي: أَمَا وَالْهَوى يَوْمَ اسْتَقَلَّ فَريقُها ... لَقَدْ حَمَّلَتْني لَوْعَةً لا أُطيقُها تَعَجَّبُ مِنْ شَوْقي وَما طالَ نَأْيُها ... وَغَيْرُ حَبيبِ النَّفْسِ مَنْ لا يَشُوقُها فَلا شَفَّها ما شَفَّني يَوْمَ أَعْرَضَتْ ... صُدوداً وَزُمَّتْ لِلتَّرَحُّلِ نُوقُها أَهَجْراً وَبَيْناً شَدَّ ما ضَمِنَ الْجَوى ... لِقَلْبَي داني صَبْوَةٍ وَسَحيقُها وَكُنْتُ إذا ما اشْتَقْتُ عَوَّلْتُ في الْبُكا ... عَلَى لُجَّةٍ إنْسانُ عَيْني غَريقُها فَلمْ يَبْقَ مِنْ ذِي الدَّمْعِ إلاّ نَشيجُهُ ... وَمِنْ كَبِدِ المُشْتاقِ إلّا خُفوقُها فَيا لَيْتَني أَبْقى ليَ الْهَجْرُ عَبْرَةً ... فَأَقْضي بها حَقَّ النَّوى وَأُريقُها وَإِنّي لآبي الْبِرَّ مِنْ وَصْلِ خُلَّةٍ ... وَيُعْجِبُني مِنْ حُبِّ أُخْرى عُقوقُها

стр. 537

وَأُعْرِضُ عَنْ مَحْضِ الَمَوَّدِة باِذلٍ ... وقَدْ عَزَّني مِمَّنْ أَوَدُّ مَذِيقُها كَذلِكَ هَمّي واَلنُّفوسُ يَقودُها ... هَواها إلى أَوْطارِها وَيَسوقُها فَلْو سأَلَتْ ذاتُ الْوِشاحَيْنِ شِيمَتي ... لَخَبَّرَها عَنّي الْيَقينَ صَدُوقُها وَما نِكِرَتْ مِنْ حادِثاتٍ بَرَيْنَني ... وقَدْ عَلِقَتْ قَبْلي الرِّجالَ عَلُوقُها فَإمَّا تَرَيْني يابْنَةَ الْقَوْمِ ناحِلاً ... فَأَعْلى أَنابيبِ الرِّماحِ دَقِيقُها وَكُلُّ سُيوفِ الْهِنْدِ لِلْقَطْعِ آلَةٌ ... وَأَقْطَعُها يَوْمَ الْجِلادِ رَقيقُها وَما خانَني مِنْ هِمَّةٍ تَأْمُلُ الْعُلى ... سِوى أَنَّ أَسْبابَ الْقَضاءِ تَعوقُها سَأَجْعَلُ هَمّي في الشَّدائِدِ هِمَّتي ... فَكَمْ كُرْبَةٍ بِاْلَهِّم فُرِّجَ ضِيقهُا وَخَرْقٍ كَأَنَّ أَلْيَمَّ مَوْجُ سَرابِه ... تَرامَتْ بِنَا أَجْوازُهُ وَخُروقُها كَأَنّا عَلَى سُفْنٍ مِنَ الْعِيسِ فَوْقَهُ ... مَجاذِيفُها أَيْدي الَمطايا وَسُوقُها نُرَجّي الْحَيا مِنْ راحَةِ ابْنِ مُحَمَّضدٍ ... وَأَيُّ سَماءٍ لا تُشامُ بُروقُها؟ فَما نُوِّخَتْ حَتّى أَسَوْنا بِجُودِهِ ... جِراحَ الْخُطوبِ المُنْهَراتِ فُتوقُها وَإِنَّ بُلوغَ الْوَفْدِ ساحَةَ مِثْلِهِ ... يَدٌ لِلْمَطايا لا تُؤَدَّي حُقوقُها عَلَوْنَ بآفاقِ الْبِلادِ يَحِدْنَ عَنْ ... مُلوكِ بَني الدُّنْيا إلى مَنْ يَفوقُها إلى مَلِكٍ لَوْ أَنَّ نَور جَبينِهِ ... لَدى الشَّمْسِ لَمْ يُعْدَمْ بِلَيْلٍ شُروقُها هُمامٌ إذا ما هَمَّ سَلَّ اعْتِزامَهُ ... كما سُلَّ ماضي الشَّفْرَتَيْنِ ذَليقُها يَطولُ إذا غالَ الذَّوابِلَ قَصْرُها ... وَيَمْضي إذا أَعْيَا السِّهامَ مُروقُها نَهى سَيْفُهُ الأَعْداءَ حَتّى تَناذَرَتْ ... وَوُقِّرَ مِنْ بَعْدِ الْجِماحِ نُزوقُها وَما يُتَحامى اللَّيْثُ لَوْلا صِيالُهُ ... وَلا تُتَوَقّى النّارُ لَوْلا حَريقُها وَقى اللهُ فيكَ الدّينَ وَالْبَأَسَ وَالنَّدىعُيونَ الْعِدى ما جاوَرَ الْعَيْنَ مُوقُها عَزَفْتَ عَنِ الدُّنْيا فلَوْ أَنْ مُلكهَا ... لِمُلْكِكَ بَعْضٌ ما اطَّباكَ أَنِيقُها خُشُوعٌ وَإيمانٌ وَعَدْلٌ وَرَأْفَةٌ ... فَقَدْ حُقَّ بِالُّنعْمى عَلَيْكَ حَقيقُها عَلَوْتَ فَلمْ تَبْعُدْ عَلَى طالِبٍ نَدًى ... كَمُثْمِرَةْ يَحْمِي جَناها بُسُوقُها فَلا تَعْدَمِ الآمالُ رَبْعَكَ مُوْئِلاً ... بِه فُكَّ عانِيها وَعَزَّ طَليقُها سَبَقْتَ إِلى غاياتِ كُلِّ خَفِيَّةٍ ... وَما يُدْرِكُ الْغاياتِ إلاّ سَبُوقُها وَلَمّا أَغَرْتَ الْباتِراتِ مُخَنْدِقاً ... تَوَجَّعَ ماضِيها وَسِيىءَ ذَلوقُها وَيُغْنِيكَ عَنْ حَفْرِ الخْنَادقِ مِثْلُهامِنَ الضَّرْبِ إِمّا قاَم لِلْحَرْبِ سُوقُها وَلكِنَّها في مَذْهَبِ الْحَزْمِ سُنَّةٌ ... يَفُلُّ بها كَيْدَ الْعَدُوِّ صَديقُها لَنا كُلَّ يَوْمٍ مِنْكَ عِيدٌ مُجَدَّدٌ ... صَبوحُ التَّهاني عِنْدَهُ وَغَبُوقُها فَنَحْنُ بِهِ مِنْ فَضْلِ سَيْبِكَ في غِنًى ... وَفي نَشَواتٍ لمْ يُحَرَّمْ رَحيقُها وَقَفْتُ الْقَوافي في ذَراكَ فَلمْ يِكُنْ ... سِواكَ مِنَ الأَمْلاكِ مَلْكٌ يَرُوقُها مُعَطَّلَةٌ إلاّ لَديْكَ حِياضُها ... وَمَهجورَةٌ إلاّ إلَيْكَ طَريقُها وَما لِيَ لا أُهْدي الثَّناءَ لأَهْلِهِ ... وَلي مِنْطِقٌ حُلْوُ المَعاني رَشيقُها

стр. 538

فإنْ تَكُ أَصْنافُ الْقَلائِدِ جَمَّةً ... فما يَتَساوى دُرُّها وَعَقيقُها وقصيدته التي في أبي النجم هبة الله بن بديع الأصبهاني وزير الملك تتش، وكان قد سافر إلى العراق معه من دمشق، وورد الري، وأنشده إياها بها في سنةٍ ثمانٍ وثمانين وأربعمائةٍ، كل بيتٍ منها لؤلؤٌ في سمطٍ، وبيت المخلص واسطته، وما سمعت أحسن من مخلص هذه القصيدة، وهو: وَخَيْلٍ تَمَطَّتْ بي وَلَيْلٍ كَأَنَّهُ ... تَرادُفُ وَفْدِ الْهمِّ أَوْ زاخِرُ الْيَمِّ شَقَقْتُ دُجاهُ وَالنُّجومُ كَأَنَّها ... قَلائِدُ نَظْمي أَوْ مَساعي أَبي النَّجْمِ حكى لي مجد العرب العامري قال: كان عندنا بالشام كاتبٌ يعرف بابن القدوري، ذكر أنه لما رماه القدر، بالفقر الكاسر للفقر، فأعرق في أيام السلطان محمود بن محمد بن ملكشاه، سقاها الله، منتجعاً؛ وانتحل هذه القصيدة، وقصد الصدر الشهيد عزيز الدين أحمد بن حامدٍ، عمك؛ وهو حينئذٍ يتولى استيفاء المملكة، وأنشده إياها، فاهتز لها، فلما بلغ إلى المخلص وقد غيره بأبياتٍ ضعيفةٍ ركيكةٍ، أطرق العزيز ساعةً، وقام ودخل، ثم خرج وجلس، وأدناه إليه وقال: اصدقني لمن هذا الشعر؟ وفيمن قيل؟ حتى تنتفع؟ فحدثته بحديثي وقلت: ما عرفت إلى معروفك من وسيلةٍ، خيراً من ادعاء فضيلةٍ، وما أنا من أرباب النظم، وهذه القصيدة لابن الخياط في أبي النجم، وأنشدته المخلص، ونقدت على محك فضله الإبريز المخلص، فظهرت تباشيره، وأنارت أساريره، وأمر لي بمائة دينارٍ أميريةٍ، وجوائز سنيةٍ، وثوبٍ أطلس مذهبٍ، وبركان قصبٍ، وصار ينوه بذكري في العسكر، وينبه على قدري، ويقول: شاعرٌ مجيدٌ، وفاضلٌ مفيدٌ، حتى اكتسبت أموالاً، وحليت حالاً، ونعمت بالنعمة بالاً. وكان يقول: أنا إلى الآن في نعمة العزيز. ويناسب هذه الحكاية حكايةٍ أخرى سمعتها منه، وأرويها عنه، قال: كان من شعراء العصر، تاجرٌ سافر إلى مصر، فغرقت بضاعته في البحر، ونجا بنفسه حاملاً أعباء الفقر، فلم يمكنه قول الشعر، لضيق الصدر، فانتحل قصيدة عبد المحسن الصوري في الوزير المغربي التي جمع فيها بين الرقة واللطافة والجودة والصناعة. وهي: أَتُرى بِثأْرٍ أَمْ بِدَيْنِ ... عَلِقَتْ مَحاسِنُهُ بِعَيْني في لَحْظِها وَقَوامِها ... ما في الْمُهَنَّدِ وَالرُّدَيْني وَبِوَجْهها ماءُ الشَّبا ... بِ خَليطُ نارِ الوْجَنْتَيَنْ بَكَرَتْ عَلَيَّ وَقَالَتِ اخْ ... تَرْ خَصْلَةً مِنْ خَصْلَتَيْنِ إمّا الصُّدودَ أَوِ الْفِرا ... قَ فَلَيْسَ عِنْدي غَيْرُ ذَيْنِ لا تَفْعَلي إنْ حانَ حَيْنُ ... كِ أَوْ فِراقُكِ حانَ حَيْني فَكأَنَّني قُلْتُ انْهَضي ... فَمَضْت مُسارِعَةً لَبِيْني ثُمَّ اسْتَقَلَّتْ أَيْنَ حَلَّتْ ... عِيُسها رُمِيَتْ بِأيْنِ وَنَوائِبٍ أَظْهَرْنَ أَيّ ... امي إِلَّي بِصورَتَيْنِ سَوَّدْنَها وَأَطَلْنَها ... فَرَأَيْتُ يَوْماً لَيْلَتَيْنِ هَلْ بَعْدَ ذِلكَ مَنْ يُعَرِّ ... فُني النُّضارَ مِنَ اللُّجَيْنِ فَلَقَدْ جَهِلْتُهُما لِبُعْ ... دِ الْعَهْدِ بِيْنَهُما وَبَيْني مُتَصَرِّفاً بالشِّعْرِ يا ... بِئْسَ الْبِضاعَةُ في الْيَدَيْنِ كانَتْ كَذلِكَ قَبْلَ أَنْ ... يَأْتي عَلِيُّ بْنُ الْحَسْينِ فَالْيَوْم حالُ الشِّعْرِ ثا ... لِثَةً كَحالِ الشِّعْرَيَيْنِ إلى آخر القصيدة. قال: فمدح بها الشاعر كبيراً يدعى ذا المنقبتين، وزاد فيها بيتاً آخر وهو: وَلَكَ المْناقِبُ كُلُّها ... فَلِمَ اخْتَصَرْتَ عَلَى اثْنَتَينِ؟ فأحسن إليه وأكرمه، وأمر له بجائزةٍ سنيةٍ، فلامه بعض خواصه وقال: هذا شعر عبد المحسن الصوري، فقال: إنما أعطيته لهذا البيت الواحد، فإني أعلم أنه له.

стр. 539

وسمعت من مجد العرب ما يشبه هذا، أنه كان بآمد شاعرٌ مفلقٌ، يقال له ابن أسدٍ، فانتحل قصيدةً له رائيةً الكامل الطبيب اليزدي الأصفهاني عند كونه بالشام، في ريعان عمره، وعنفوان أمره، ومدح بها بعض أمراء العرب، فأمر له بمائة ناقةٍ، فقال له ندماؤه: أيها الأمير! إن هذه، قصيدة ابن أسدٍ، معروفةٌ سائرةٌ، فكتب الأمير إلى ابن أسدٍ بآمدٍ: قد أتانا شاعرٌ، ومدحنا بقصيدةٍ هي كذا، وزعم بعض خواصي أنها لك، فأخبرنا حتى لا نصله بشيءٍ، وإن كانت له حتى نزيد في صلته، فكتب إليه ابن أسدٍ يحلف بالأيمان أنه ما سمعها ولا قالها. فلما ارتقى أمر الكامل أيام نظام الملك، وانتظمت أموره من السعادة في سلكٍ، وتوجه ملكشاه إلى الشام، والكامل في خدمة النظام، وأمر السلطان بالقبض على ابن أسدٍ، لكونه استولى على آمد وبملكها استبد، فأحضر مكتفاً حاسراً حافياً، وظن أنه أصبح خاسراً خاسياً، فمر به الكامل راكباً، وكان عن عرفانه ناكباً، فقرب منه، فسأل عنه، فقيل له: هذا ابن أسد، ذئبٌ قد استأسد. فنزل عن دابته، ومنع الحواشي عن حاشيته، ثم تشفع إلى السلطان في حقه، وأخرجه من ساعته من الحبس بشفاعته، فقال له ابن أسدٍ: من أنت؟ ومن أين تعرفني، حتى أرى مثل هذا الجميل الذي يشملني ويكنفني؟ فقال له: أنا منتحل قصيدتك الرائية. قال: هي لك؛ فإني ما انتفعت بنظمها كما انتفعت بانتحالها و. وهي ثلاث حكاياتٍ متقاربةٍ، متلائمةٍ متناسبةٍ، في انتحال بعض الشعراء شعر بعضٍ، رأيت ذكرها مثل الفرض وإنما أوردتها عند ذكر انتحال قصيدة ابن الخياط التي في أبي النجم، السيارة سير النجم، وهي: أَيَا بَيْنُ ما سُلِّطْتَ إلاّ عَلَى ظُلْميوَيَا حُبُّ ما أَبْقَيْتَ مِنّي سِوى الْوَهْمِ فِراقٌ أتى في إثْرِ هَجْرٍ وَما أَذىً ... بِأَوْقَعَ مِنْ كَلْمٍ أَصابَ عَلى كَلْمِ لَقَدْ كانَ في الْوَجْدِ مَا يُقْنعُ الضَّنىوَفي الْهَجْرِ ما يَغْني بِه البْيَنْ عَنْ غَشْمي وَلكِنَّ دَهْراً أَثْخَتَنْتي جِراحُهُ ... إذا حَزَّ في جِلْدي أَلَحَّ عَلَى عَظْمي وَإنْ كُنْتُ مِمَّنْ لا يَذُمُّ سِوى النَّوىفإنَّ الْقِلى وَالصَّدَّ أَجْدَرُ بالذَّمِّ وَما مَنْ رَمى عَنْ غَيْر عَمْدٍ فَأَقْصَدَتْ ... نَوافِذُهُ كَمَنْ تَعَمَّدَ أنْ يَرْمي فَيَا قَلْبُ كَمْ تَشْقى بِدانٍ وَنَازِحٍ ... فَشاكٍ إلى خَصْمٍ وَبَاكٍ عَلَى رَسْمِ وَحَتّامَ أَسْشَفي مِنَ النّاسِ مَنْ بِهسَقَامي وأَسْتَرْوي مِنَ الدَّمْعِ مَا يُظْمي غَريمي بِدَيْنِ الْحُبِّ هَلْ أَنْتَ مُقْتَضًىوَهَلْ لِفُؤادٍ أَتْلفَ الْحُبُّ مِنْ غُرْمِ أَحِنُّ إلى سُقْمي لَعَلَّكَ عائِدي ... وَمِنْ كَلَفٍ أَنّي أَحِنُّ إلى السُّقْمِ وَبي مِنْكَ مَا يُرْدي الجْلَيدَ وَإَّنمَا ... لِحُبِّكَ أَهْوى أَنْ يَزيدَ وَأَنْ يَنْمي وَيَا لائمي أَنْ بَاتَ يُزْري بيَ الْهَوى ... عَلَيَّ سَفَاهي لا عَلْيكَ وَلي حِلْمي أَقْلبُكَ أمَ قَلْبي يُصَدَّع بالنَّوى ... وَجِسْمُكَ يَضْني بالْقَطيعَةِ أَمْ جِسْمي وَلا غَرْوَ أَنْ أَصْبَحْتَ غُفْلاً مِنَ الْهَوىفَأَنْكَرْتَ ما بي لِلصَّبابَة مِنْ وَسْمِ نُدوبٌ بِخَدّي للدُّموعِ كَأَنَّها ... فُلولٌ بِقَلْبي مِنْ مُقَارَعَةِ الْهَمِّ وَعاِئَبتي أَنَّ الخْطُوبَ بِرَيْنَني ... وَرُبَّ نَحيفِ الْجِسمِ ذُو سُؤْدُدٍ ضَخْمِ رَأَتْ أَثراً لِلنّائِبَاتِ كَما بَداعَلَى الْعَضْبِ ما أَبْقى بهِ الضَّرْبُ مِنْ ثَلْمِ فَلا تُنْكِري ما أَحْدَثَ الدَّهْرُ إِنَّما ... نَوائِبُهُ أَقْرانُ كلِّ فَتًى قَرْمِ وَلابُدَّ مِنْ وَصْلٍ تَسَهِّلُ وَعْرَهُ ... وَغًى تَنْتَمي فيها السُّيوفُ إلى عزِمي فَرُبَّ مَرامٍ قدْ تَعاطَيْتُ وِرْدَهُ ... فماَ ساغَ لي حَتّى أَمَرَّ لَهُ طَعْمي وَخَيْلٍ تَمَطَّتْ بي وَلَيلٍ كَأَنَّهُ ... تَرادُفُ وَفْدِ الْهَمِّ أَوْ زاخِرُ الْيَمِّ

стр. 540

شَقَقَتْ دُجاهُ وَالنُّجومُ كأَنَهَّا ... قَلائِدُ نَظْمي أَوْ مَساعي أَبي النَّجْمِ إِلَيْكَ يَمينَ الُمْلِك واصَلْتُ شَدَّها ... مُقَلْقَلَةَ الأَعْلاقِ جائِلَةَ الْحَزُمِ غَوارِبُ أَحْياناً طَوالِعُ كُلَّما ... هَبَطْنَ فَضا سَهْلٍ عَلَوْنَ مَطَا حَزْمِ تَميلُ بها الآمالُ عَنْ كُلِّ مَطْمَعٍ ... دَنِيءٍ وَتَسْمو لِلطِّلابِ الَّذي يُسْمي تَزُورُ امْرَأً لا يُجْتَني ثَمَرُ الْغِنىبِمِثْلِ نَداهُ الْغَمْرِ وَالنّائِلِ الْجَمِّ مَتى جِئْتَهُ وَالْمُعْتَفونَ بِبابِه ... شَهِدْتَ بنُعْمى كَفِّهِ مَصْرَعَ الْعُدْمِ إِلى مُسْتَبِدٍّ بالْفَضائلِ قاسِمٍ ... لِهِمَّتِهِ مِنْ نَفْسِهِ أَوْفَرَ الْقَسِمْ تُعَدَّ عُلاهُ مِنْ مَناقِبِ دَهْرِهِ ... كَعَدِّكَ فَضْلَ اللَّيْلِ بالْقَمَرِ التِّمِّ وَكَرَّمَهُ عَنْ أَنْ يُسَبَّ بِمِثْلِه الزَّ ... مانُ كمالٌ زَيَّنَ الْجَّد بالْفَهْمِ وَجُودٌ عَلَى الْعافي وَذَبٌّ عَنِ الْعُلىوَصَدٌّ عَنِ الْواشي وَصَفْحٌ عَنِ الْجُرْمِ وَرُتْبَةُ مَنْ لمْ يَجْعَلِ الْحَظَّ وَحْدَهُطَريقاً إلى الْعالي مِنَ الرُّتَبِ الشُّمِّ تَناوَلَها اسْتِحْقاقُهُ قَبْلَ حَظِّهِ ... وَحامى عَلَيْها، وَالَمقاديرُ لمْ تَحْمِ وَغَيْرُ بَديعٍ مِنْ بَديعٍ مُشَيِّدٌ ... لِما شادَهُ وَالْفَرْعُ يُنْمي إلى الجْذْمِ سَقى الّلهُ عَصْراً حافِظَ ابْنَ مُحَمَّدٍ ... بما في ثُغورِ الْغانِياتِ مِنَ الظَّلْمِ أَغَرُّ إذا مَا الْخَطْبُ أَعْشى ظَلامُهُتَبَلَّجَ طَلْقَ الرَّأْيِ في الْحادِثِ الْجَهْمِ تَرِقُّ حَواشي الدَّهْرِ في ظِلِّ جُودِهِوَتَظْرُفُ مِنْهُ شِيَمُة الزَّمَنِ الْفَدْمِ وَيَكْبُرُ قَدْراً أَنْ يُرى مُتَكَبِّراًوَيَعْظُمُ مَجْداً أَنْ يِتَيهَ مَعَ الْعُظْمِ وَيَكْرُمُ عَدْلاً أَنْ يميلَ بِه الْهَوى ... وَيَشْرُفُ نَفْساً أنْ يَلَذَّ مَعَ الإثْمِ وَيُورِدُ عَنْ فَضْلٍ وَيُصْدِرُ عَنْ نُهًيوَيَصْمُتُ عَنْ عِلْمٍ وَيَنْطِقُ عَنْ فَهْمِ بَديهَةٍ رَأْي في رَوِيَّةِ سُودَدٍ ... وَإقْدامُ عَزْمٍ في تَأُيُّدِ ذي حَزْمِ خَلائِقُ إِنْ تَحْوِ الثنَّاءَ بِأَسْرِهِفمَا الفْخَرُ إلّا نَهُبْةُ الشَّرَفِ الْفَخْمِ أَبَرُّ عَلَى الأَقْوامِ مِنْ وَابِلِ الْحَياوَأَشْهَرُ في الأَيّامِ مِنْ شَيْبَةِ الدَّهْمِ أَضاءَتْ بِه الأوقاتُ وَالشَّمْسُ لمْ تُنِرْوَرُوِّضَتِ السّاحاتُ وَالْغَيْثُ لمْ يَهْمِ وَشُدَّتُ أَواخي المُلْكِ مِنْهُ بِأَوْحَدٍبَعيدِ عُرى الْعَقْدِ الْوَكيدِ مِنَ الْفَصْمِ فَتىً لا تُصافي طَرْفَهُ لذَّةُ الْكَرى ... وَلا تَطَّبي أَجْفانَهُ خُدَعُ الْحُلْمِ يُسَهِّدُهُ تَشْييدُهُ الْمَجْدَ وَالْعُلى ... وَتَفْريجُ غَمّاءِ الْحَوادِثِ وَالغْمِّ وَغَيْرُ النُّجومِ الزُّهْرِ يَأْلَفُهَا الْكَرىوَيَعْدَمُهَا الإِشْراقُ في ظُلَمِ الْعُتْمِ لَقَدْ شَرَّفَ الأَقْلاَم مَسُّ أَنامِلٍبِكَفِّكَ لا تَخْلو مِنَ الْجُودِ وَاللَّثْمِ فَكُلُّ نُحولٍ في الظُّبي حَسَدٌ لهَا ... وَكُلُّ ذُبولٍ غَيْرَةٌ بِالْقَنَا الصُّمِّ وَكُنْتَ إذا طالَبْتَ أَمْراً مُمَنَّعاًأَفَدْتَ بهَا ما يُعْجِزُ الْحَرْبَ في السِّلْمِ كَفَيْتَ الْحُسَامَ الَعضْبَ فَلَّ غِرارِهِوَآمَنْتََ صَدْرَ السَّمْهَرِيِّ مِنَ الْحَطْمِ وَجاراكَ مَنْ لا فَضْلَ يُنْجِدُ سَعْيَهُوَأَيُّ امْرِيءٍ يَبْغي النِّضالَ بلِا سَهْمِ لَكَ الذَّرُوْةَ ُالْعَلْياءُ مِنْ كُلِّ مَفْخَرٍسَنِيّ، وَما لِلْحَاسِدِينَ سِوى الرُّغْمِ وَكَيْفَ يُرَجِّي نَيْلَ مَجْدَِ طالِبٌ ... وَبَيْنَهُما ما بَيْنَ عِرْضِكَ وَالْوَصْمِ

стр. 541

لَئِنْ أَوْحَدَتْني النّائِباتُ فإِنَّنيلَمِنْ سَيْبِكَ الْفَيّاضِ في عَسْكَرٍ دُهْمِ وَإِنْ لمْ أَفِدُ غُنْماً فَقُرْبُك كافِلٌ ... بِأَضْعافِهِ حَسْبي لِقاؤُكَ مِنْ غُنْمِ هَجَرْتُ إلَيْكَ الْعالَمينَ مَحَبَّةًوَمِثْلُكَ مَنْ يُبْتاعُ بِالْعُرْبِ وَالْعُجْمِ وَما قَلَّ مَنْ تَرْتاحُ نَظْمي صِفاتُهُ ... وَلكِنْ رَأَيْتُ الدرُّ َّألَيْقَ بالنَّظْمِ أَرى نَيْلَ أَقْوامٍ وَآبى امْتنِانَهُمْوَلَيْسَ تَفي لي لَذَّةُ الشُّهْدِ بِالسُّهِّم فَهَلْ لَكَ أَنْ تَنْتاشَنيِ بِصَنيعَةٍ ... يَلينُ بهَا عُودُ الزَّمانِ عَلَى عَجْمي تَحُلُّ مَحَلَّ الْماءِ عِنْدي مِنَ الثَّرىوَأَشْكُرُها شُكْرَ الرِّياضِ يَدَ الْوَسْمي أَقَرَّ ذَوُو الآدابِ طُرّاً لِمَنْطِقي ... وَغَيْرُهُمُ فيما حَكى كاذِبُ الزَّعْمِ فَلَسْتُ بِمُحْتاجٍ عَلَى ما ادَّعَيْتُهُ ... إلى شاهِدٍ بَعْدَ اعْتِرافٍ مِنَ الْخَصْمِ تُطيعُ الْقَوافي الآبِياتُ قَرائحي ... وَيَنْزِلُ فِيهنَّ الْكلامُ عَلَى حُكمْي وَسَيَّارَةٍ بِكْرٍ قَصَرْتُ عِنانَها ... فَطالَتْ بِه وَالْخَيلُ تَمْرَحُ في اللُّجْمِ نَمى ذِكْرُها قَبْلَ اللِّقاءِ وإَنَّما ... يَسُرُّكَ بَوْحي بالْمَحامِدِ لا كَتْمي كَمَخْتُومَةِ الدّارِيِّ نَمَّ بِفَضْلِها ... إلَيْكَ شَذاها قَبْلَ فَضِّكَ لِلْخَتْمِ حَديثَةُ عَصْرٍ كُلَّما امْتَدَّ دَهْرُها ... سَمَا فَخْرُها حَتّى تَطولَ عَلَى الْقُدْمِ وَما فَضْلُ بِنْتِ الْكَرْمِ يَوْماً بِبَيِّنإذا لمْ يَطُلْ عَهْدُ ابْنَةِ الْكَرْمِ بالْكَرْمِ ومن مراثيه البديعة، المسلية عن الفجيعة، قصيدةٌ استحسنتها وكثر بها إعجابي فأثبتها ولم يتعدها انتخابي، وهي قوله في قول ابن عثمان يعزي به أبق سنة إحدى وخمسمائةٍ: لَيْسَ الْبُكاءُ وَإِنْ أُطيلَ بِمُقْنِعي ... الْخَطْبُ أَعْظَمُ قِيمَةً مِنْ أَدْمُعي أَوَ كُلَّما أَوْدى الزَّمانُ بِمُنْفِسٍ ... مِنّي جَعَلْتُ إلى المَدامِعِ مَفْزَعي هَلاّ شَجاني أَنَّ نَفْسِيَ لمْ تَفِضْ ... أَسَفاً وَأَنَّ حَشَايَ لمْ تَتَقَطَّعِ مَا كانَ هذا الْقَلْبُ أَوَّلَ صَخْرَةٍ ... مَلْمومَةٍ قُرِعَتْ فَلمْ تَتَصَدَّعِ أَلْقى السِّلامَ عَلَى أَبَرَّ مُؤَمَّلٍ ... وَحَثَا التُّرابَ عَلَى أَغَرَّ سَمَيْدَعِ يا لَلرِّجالِ لِنازِلٍ لمْ يُحْتَسَبْ ... وَلحِادِيثٍ ما كانَ بالْمُتَوَقّعِ ما خِلْتُني أَلجْأ إلى صَبْرٍ عَلَى ... زَمَنٍ بِتَفْريقِ الأحِبَّةِ مُولَعِ تَاللهِ ما جارَ الزَّمانُ وَلا اعْتَدى ... بِأَشَدَّ مِنْ هذا المُصابِ وَأَوْجَعِ خَطْبٌ يُبَرِّحُ بالْخُطوبِ وَفادِحٌ ... مَنْ لمْ يَمُتْ جَزَعاً لَهُ لمْ يَجْزَعِ لا أَسْمَعَ النّاعي، فَأَيْسَرُ ما جنَى ... صَدْعُ الْفُؤادِ بِه وَوَقْرُ المِسْمَعِ يَا قُولُ قَوْلَةَ مُكْمَدٍ مُسْتَنْزِرٍ ... ماءَ الشُّؤونِ لَهُ وَنارَ الأَضْلُعِ شاكي النَّهارِ إذا تَأَوَّبَ لَيْلُهُ ... هَجَعَ السَّليمُ وَطَرْفُهُ لمْ يَهْجَعِ مَلآْنَ مِنْ حُزْنٍ فَلَيْسَ لِفَرْحَةٍ ... أَوْ تَرَْةٍ بِفؤادِهِ مِنْ مَوْضِعِ أَشْكُو إلى الأيّامِ فِيكَ رَزِيَّتي ... لَوْ تَسْمَعُ الأَيّامُ شَكْوى مُوجَعِ وَأَبِيتُ مَمْنوعَ الْقَرارِ كَأَنَّني ... ما راعَني الْحَدَثانُ قَطُّ بِأَرْوَعِ وَرَنينِ مَفْجُوعٍ لَديْكَ وَصَلْتُهُ ... بِحَنينِ باكِيَةٍ عَلَيْكَ مُرَجَّعِ غَلَبَ الأسى فيكَ الأُساةَ فَلا أَرى ... مَنْ لا يُكاثِرُ عَبْرَتي وَتَفُّجعي

стр. 542

فإِذا صَبَرْتُ فَقَدْتُ مِثْلِيَ صابراً ... وَإذا بَكَيْتُ وَجَدْتُ مَنْ يَبكي مَعي قَدْ غَضَّ يَوْمُكَ ناظِري بَلْ فَضَّ فَقْ ... دُكَ أَضْلُعي وَأَقَضَّ بُعْدُكَ مَضْجَعي أَخْضَعْتَني لِلنّائِباتِ وَمَنْ يُصَبْ ... يَوْماً بِمِثِلَك يَسْتَذِلَّ وَيَخْضَعِ وَأَهانَ خطَبْكُ ما بِقَلْبي مِنْ جَوًى ... كالسَّيْلِ طَمَّ عَلَى الْغَديرِ الْمُتَرِع يَا قُولُ ما خانَ الْبَقاءُ وَإِنَّما ... صُرِعَ الزَّمانُ غَداةَ ذاكَ الْمْصَرِع مَا كُنْتُ خائِفِهَا عَلَيْكَ جِنَايَةً ... لَوْ كَانَ هذا الدَّهْرُ يَعْقِلُ أَوْ يَعي صُلْ بَعْدَها يَا دَهْرُ أَوْ فَاكْفُفْ وَخُذْمَنْ شِئْتَ يَا صَرْفَ الْمَنِيَّةِ أَوْ دَعِ قَدْ بَانَ بِالْمَعْروفِ أَشْجى بَائِنٍ ... وَنَعى إلَيْنا الْجُودُ أَعْلى مَنْ نُعي غَاضَ الْحِمامُ بِزاخِرٍ مُتَدَفِّقٍ ... وَهَوى الْحُسامُ بِبِاذِخٍ مُتَمَنِّعِ مِنْ دَوْحَةِ الْحَسَبِ الْعَلِيِّ المُنْتَميوَسُلالَةِ الْكَرَمِ الْغَزيرِ المَنْبَعِ إِنْ أَظْلَمَتْ تِلْكَ السَّماءُ فَقَدْ خَلامِنْ بَدْرِها الْأَبْهي مَكانُ المَطْلَعِ أَوْ أَجْدَبَتْ تِلْكَ الرِّباعُ فَبَعْدَما ... وَدَعَّتْ تَوْديعَ الْغَمامِ المُقْلِعِ أَعْزِزْ عَلَيَّ بِمِثْلِ فَقْدِكَ هالِكاً ... خَلَعَ الشَّبابَ وَبُرْدَهُ لمْ يَخْلَعِ لوْ أُمْهِلَتْ تِلْكَ الشَّمائِلُ لمْ تَفُزْيَوْماً بِأَغْرَبَ مِنْ عُلاكَ وَأَبْدَعِ قُلْ لي لأَيِّش فَضيَلةٍ لَمْ تُبْكِني ... إنْ كانَ قَلْبي ما بَكاكَ وَمَدَمْعَي لِجَمالِكَ المَشْهِور أَمْ لِكماِلك المَذْ ... كُورِ أَمْ لِنَواِلكَ الْمُتَبِّرعِ ما خالَفَ الإجْماعَ فيكَ مَقالتَي ... فَأُقيمَ بَيِّنَةً عَلَى ما أَدَّعي أَيُضَيِّعُ الْفِتْيانُ عَهْدَكَ إنَّهُ ... ما كَانَ عِنْدَكَ عَهْدُهُمْ بِمُضَيَّعِ قَدْ كُنْتَ أَمْرَعَهُمْ لِمُرتادِ النَّدى ... كَفَّاً وأَسْرَعَهُمْ إلى المُسْتَفْزِعِ حَلِيَتْ مَجالِسُهُمْ بِذِكْرِكَ وَحْدَهُ ... وَعَطَلْنَ مِنْ ذاكَ الأبيِّ الأَرْوَعِ وَالدَّهْرُ يَقْطَعُ بَعْدَ طُولِ تَواصُلٍ ... وَيَشُتِ بَعدَ تَلاؤُمٍ وَتَجَمُّعِ قُبْحاً لِعَادِيَةٍ رَمَتْكَ فإَنَّها ... عَدَتِ الذَّليلَ إلى الأَعَزِّ الأَمْنَعِ مَا كُنْتُ أَحْسِبُ أَنَّ ضَيْماً وَاصِلٌ ... بِيَدِ الدَّنِيِّ إلى الشَّريفِ الأرْفَعِ قَدَرٌ تَرَفَّعَ يَوْمَ رُزْئِكَ هَمُّهُ ... فَرَمى إلى الْغَرَضِ الْبَعيدِ المْنَزْعَ كَيْفَ الْغِلابُ وَكَيْفَ بَطْشُكَ وَاحِداً ... فَرْداً وَأَنْتَ مِنَ الْعِدى في مَجْمَعِ عَزَّ الدِّفاعُ وَما عَدِمْتَ مُدافِعاً ... لوْلا مَقادِرُ ما لَها مِنْ مَدْفَعِ وَلَقْد لَقِيتَ الْمَوْتَ يَوْمَ لَقِيَتُه ... كَرَماً بِأَنْجَدَ مِنْهُ ثَمَّ وَأَشْجَعِ عِفْتَ الدَّنِيَّةَ وَالْمَنِيَّةُ دُونَها ... فَشَرَعْتَ في حَدِّ الرِّماحِ الشُّرَّعِ وَلوَ اَنكَّ اخْترْتَ الأَمانَ وَجَدْتَهُ ... أَنّى وَخَدُّ اللْيْثِ لَيْسَ بِأَضْرَعِ مَنْ كانَ مِثْلَكَ لمْ يَمُتْ إلاّ لَقيً ... بَيْنَ الصَّوارِمِ وَالْقَنا الْمُتَقَطِّعِ جَادَتْكَ واكِفَةُ الدُّموعِ وَلمْ تَكُنْ ... لَوْلاكَ مُخْجِلَةَ الْغُيومِ الْهُمَّع وَبَكاكَ مُنْهَلُّ الْغَمامِ فَإِنَّهُ ... ما كانَ مِنْكَ إلى السَّماحِ بِأَسْرَعِ وَتَعَهَّدَتْ مَغْناكَ سَارِيَةٌ مَتى ... تَذْهَبْ تَعُدْ وَمَتى تُفاِرقْ تَرْجِعِ

стр. 543

تَغْشَاكَ تائِقَةً تَزورُ وَتَنْثَني ... بِمُسَلِّمٍ مِنْ مُزْنِها وَمُوَدِّعِ تَحْبُوكَ مَوْشِيَّ الرِّياضِ وَإنِّما ... يُهْدَي الرَّبيعِ إلى الرَّبيع المُمْرِعِ لاَ يُطْمِعِ الأَعْداءَ يَوْمٌ سَرَّهُمْ ... إِنَّ الرَّدى في طَيِّ ذاكَ المَطْمَعِ الثَّأْرُ مَضْمونٌ وَفي أَيْمَانِنَا ... بِيضٌ كَخاطِفَةِ الْبُروقِ اللُّمَّعِ وَذَوابِلٌ تَهْوِي إلى ثُغَرِ الْعِدى ... تَوْقَ الْعِطاشِ إلى صَفاءِ المَشْرَعِ قَدْ آنَ لِلدَّهْرِ المُضِلِّ سَبيلَهُ ... أَنْ يَسْتَقيمَ عَلى الطَّريقِ الْمَهْيَعِ مُسْتَدْرِكاً غَلَطَ الليّالي فيكُمُ ... مُتَنَصِّلاً مِنْ جُرْمِها المُسْتَفْظَعِ أَفَغَرَّكُمْ أَنَّ الزَّمانَ أَجَرَّكُمْ ... طِوَلاً بِبَغْيِكُمُ الوَخيمِ الْمَرْتَعِ هَلّا وَمَجْدُ الدِّينِ قَدْ عَصَفْت بِكُمْ ... عَزَماتُهُ بالْغَوْرِ عَصْفَ الزَّعْزَعِ وَغَداةَ عَلْعَالَ التَّي رَوَّتْكُمُ ... بالْبِيضِ مِنْ سَمُ الضِّرابٍ المُنْقَعِ لا تَأْمَنُنَّ صَرِيمَةً عَضْبِيَّةً ... مِنْ أَنْ تُقيمَ الْحَقَّ عِنْدَ المَقْطَعِ بِقَناً لِغَيْرِ رَداكُمُ لَمْ تَعْتَقَلْ ... وَظُبيً لِغَيْرِ بَوارِكُمْ لمْ تُطْبِع يَا خَيْرَ مَنْ سُمِّي وَأَكْرَمَ مَنْ رُجي ... وَأَبَرَّ مَنْ نُودي وَأَشْرَفَ مَنْ دُعي إِنّا وَإِنْ عَظُمَ الْمُصابُ فَلا الأَسى ... فيهِ الْعَصِيّ وَلا السُّلُوُّ بِطَيِّعِ لَنَرى بَقاءَكَ نِعْمَةً مَحْقُوقَةً ... بالشُّكْرِ مَا سُقِيَ الأَنامُ وَما رُعِي وَلَقَدْ عَلِمْتَ وَلْم تَكُنْ بِمُعَلَّمٍ ... أَنَّ الأَسى وَالْوَجْدَ لَيْسَ بِمُنْجِعِ هَيْهَاتَ غَيْرُكَ مَنْ يَضيقُ بِحَادِثٍ ... وَسِوَاكَ مَنْ يَعْيا بِحَمْلِ المُضْلِعِ دانَتْ لَكَ الدُّنْيَا كَأَحْسَنِ رَوْضَةٍ ... شُعِفَ النَّسيمُ بِنَشْرِها المُتَضَوِّعِ لا زالَ رَبْعُ عُلاكَ غَيْرَ مُعَطَّلٍ ... أبَداً وَسِرْبُ حِمَاكَ غَيْرَ مُرَوَّعِ مَا تاقَ ذُو شَجَنٍ إلى سَكَنٍ وَمَا ... وَجَدَ المُقيمُ عَلاَقةً بالْمُزْمِعِ وقد أثبتت من مقطعاته لمعاً، ومن ملحه ملحاً، ومن طرفه طرفاً، وأوردتها بها شغفاً. والذي عنيت من شعره بإثباته منتخب قصائده، ومنتخل مقطعاته. فمن ذلك بيتان في مرثيةٍ، وهما: يَا قَبْرُ مَا لِلْمَجْدِ عِنْدَكَ فاحْتَفِظْ ... بِمُهَنَّدٍ مَا كُنْتَ مِنْ أَغْمَادِهِ تَشْتَاقُ مِنْهُ الْعَيْنُ مِثْلَ سَوادِها ... وَيَضُمُّ مِنْهُ الصَّدْرُ مِثْلَ فُؤادِهِ قال مؤلف الكتاب: وتذكرت، عند إثبات هذين البيتين، بيتين نظمتهما بديهياً في أخي عثمان ﵀، وقد اتصل بي خبر موته عند العود من سفر الحج تغمد في محرم سنة تسعٍ وأربعين وخمسمائة، فأثبتهما: سَقَى اللهُ إِنْساناً لِعَيْني دَفَنتُهُ ... عَلَى رَغْمِ أَنْفي جاِعلاً قَبْرَهُ قَلْبي فَلا تَحْسِبَو أَنَّ التُّرابَ ضَريحُهُ ... فَمْنزِلُهُ بَيْنَ التَّرائِبِ لا التُّرْبِ وما سمعت من المراثي أحسن من بيتين أوردهما الأديب الباخرزي في كتاب دمية القصر في شعراء أهل العصر: بْرِغَمي أَنْ أُعاتِبَ فيكَ دَهْراً ... قَليلٌ فِكْرُهُ لِمُعَنِّفيهِ وَأَنْ أَرْعى النُّجومَ وَلَسْتَ فِيها ... وَأَنْ أَطَأَ التُّرابَ وَأَنْتَ فيهِ وقوله في الغزل في غلامٍ يستخرج ماء الورد، وقد احمرت وجنتاه من حرارة الوقد: يَا مُوقِدَ النّارِ الذَّي لمْ يَأْلُ في اسْتِ ... خْراجِ ماءِ الوَرْدِ غايَةَ جَهْدِهِ أَوَ مَا تَرى الْقَمَرَ المُحَرِّقَ ظالِماً ... قَلْبي بِنَارٍ مِنْ جَفَاهُ وَبُعْدِهِ

стр. 544

انْظُرْ إلَيْهِ تَضَرَّجَتْ وَجَناتُهُ ... خَجَلاً وَقَدْ عاتَبْتُهُ في صَدِّهِ إنْ تَخْبُ نَارُكَ فَاقْتَبِسْ مِنْ مُهْجَتيأَوْ يَفْنَ وَرْدُكَ فاقْتَطِفْ مِنْ خَدِّهِ وبيتان عملهما ليكتبا على قائم سيفٍ وهما: أَنَا وَالنَّدى سَيْفَانِ في ... يَدِ مَاجِدٍ نَصَرَ الْمَكارِمْ هذا يَفُلُّ بهِ الْخُطو ... بَ وَذا يَقُدُّ بِه الْجِماجِمْ وقوله في الشوق: وَتَعْتَادُني ذِكْراكَ في كُلِّ ساعَةٍ ... فَتَشْتَفُّني حَتّى تَهَيِّجَ وَسْواسي وَأَشْتَاقُكُمْ وَالْيَاْسُ بَيْنَ جَوانِحيوأَبْرَحُ شَوْقٍ مَا يَكُونُ مَعَ الْيَاسِ وَلوْلا الرَّدى مَا كانَ بِالْعَيْشِ وَصْمَةٌوَلوْلا النَّوى مَا كانَ بِالْحُبِّ مِنْ بَاسِ وقوله وقد أدنى إليه غلامٌ شمعةً فوقعت قطرةٌ منها عليه، فأحرقته: يا مُؤْذِياً بالنّارِ جِسْمَ مُحِبِّهِ ... نارُ الْجَوى أَحْرى بِأَنْ تَؤُذِيِه وَلِحَرِّهَا بَرْدٌ عَلَى كَبِدي إذا ... أَيْقَنْتُ أَنَّ تَحَرُّقي يُرْضيهِ عَذِّبْ بهَا جَسَدي فدِاكَ مُعَذَّباً ... وَاحْذَرْ عَلَى قَلْبي فَإنَّكَ فيهِ وقوله في الخمر ويصف شراباً أصفر: يا حُسْنَهَا صَفْراءَ ذاتَ تَلَهُّبٍ ... كالنّارِ إلاّ أَنَّهَا لاَ تَلْفَحُ عاطَيْتَنيهَا وَالمِزاجُ يَرُوضُها ... وَكَأَنَّهَا في الْكأْسِ طِرْفٌ يَجْمَحُ وَتَضَوَّعَتْ مِسْكِيَّةً فَكأَنَّهَا ... مِنْ نَشْرِ عِرْضِكَ أَوْ ثَنَائِكَ تَنْفَحُ وقوله وهو متوجهٌ من خراسان إلى دمشق: أَلاَ لَيْتَ شِعْري هَلْ أَبْيتَنَّ لَيْلِةً ... يُرَوِّحُني بالْغُوطَتَيْنِ نَسيمُ وَهَلْ تَجْمَعَنَّ الْكأْسُ شَمْلي بِفِتْيَةٍعَلَى الْعَيْشِ مِنْهُمْ نَضْرَةٌ وَنَعيمُ وقوله في يوم مطرٍ زاره فيه محبوبه: لِلهِ يَوْمٌ سَقَانا اللَّهْوُ وَالمَطَرُ ... بِه وَأُحْمِدَ مِنّا الْوِرْدُ وَالصَّدَرُ يَوْمٌ كَفَانَا مِنَ اللَّذّاتِ أَنَّ بِهلمْ تَطْلُعِ الشَّمْسُ حَتّى زَارنا الْقَمَرُ في قامَةِ الْغُصْنِ إلاّ أَنَّهُ رَشَأٌ ... في طَلْعَةِ الْبَدْرِش إلّا أَنَّهُ بَشَرُ زِيَارَةٌ لَيْتَ يَوْمي لا يَكُونُ لَهُ ... فيها عِشاءٌ وَلَيْلي ما لَهُ سَحَرُ وقوله: بِنَفْسِيَ مَنْ تُضيءُ بِه الدَّياجي ... وَيُظْلِمُ حينَ يَبْتَسِمُ النَّهَارُ وَمَنْ أَمَلي لِزَوْرَتِه غُرورٌ ... وَمَنْ نَوْمي لِفُرْقَتِهِ غِرارُ وقوله في جواب كتابٍ: وافى كِتابُكَ أَسْنى ما يَعودُ بِهِ ... وَفْدُ الْمَسَرَّةِ مِنّي إذْ يُوافيني فَظَلِتْ أُطْويهِ مِنْ شَوْقٍ وَأَنْشُرُهُ ... وَالشَّوْقُ يَنْشُرُني فيهِ وَيَطْويني وقوله في قدحٍ وقع من يد الساقي فانكسر: أَتُرى أَبْصَرَهُ مِثْلي الْقَدَحْ ... فَغَدا زَنْدُ حَشَاهُ مُقْتَدَحْ فَانْثَنى مُنكَسِراً مِنْ وَجْدِهِ ... بكَسِيرِ الطَّرْفِ كالظَّبْيِ سَنَحْ قَمْرٌ يَسْعَدُ أَنْ يُشْبِهَهُ ... قَمْرُ اللَّيْلِ إذا الليَّلْ ُجَنَحْ لَبِسَ الْحُسْنَ كَشَمْسِ الدَّوْلَةِ المَلْ ... كِ إذْ يَلْبَسُ مَعْشوقَ الْمِدَحْ وقوله في مجلس شراب: قُلْتُ لِلساقّي وَقَدْ طافَ بها ... قَهْوَةً مَصْبوغَةً مِنْ وَجْنَتَيْهِ أَتُرى مِنْ دَنِّةِ أَتْرَعَها ... أَمْ تُرى أَتْرَعَها مِنْ مُقْلَتَيْهِ أَمْ تُراهُ شارِباً مِنْ رِيِقِهِ ... ضِعْفَ ما يَشْرَبُ قَوْمٌ مِنْ يَدَيْهِ فأَرى أَعْطافَهُ شاهِدَةً ... أَنَّهُ قَدْ جارَتِ الْكأْسُ عَلَيْهِ مَنْ يَكُنْ هَامَ مِنَ الْوَجْدِ بِهِ ... فَلَقَدْ ذُبْتُ مِنَ الشَّوْقِ إلَيْهِ

стр. 545

وذكر أنه كان مولعاً بالنرد واللعب به، وكان أبداً مقموراً، فنظم هذه المقطعة في صفة النرد، وأثبتها لانفرداها بفنها، ولم أسمع في هذا المعنى أحسن منها: أَقُولُ وَالْيَوْمُ بَهيمٌ خَطْبُهُ ... مُسْوَدُّ أَوْضَاحِ الضُّحى دَغُوشُها يُظْلِمُ في عَيْنَيَّ لا مِنْ ظُلْمَةٍ ... بَلْ مِنْ هُمومٍ جَمَّةٍ غُطوشُها وَالنَّرْدُ كالنَّاوَرْدِ في مَجالَهِا ... أَوْ كالْمَجُوسِ ضَمَّهَا ماشُوشُها كَأَنَّهَا دَساكِرٌ لِلُّشرْبِ أَوْ ... عَسَاكِرٌ جائِشَةٌ جُيوشُها وَلِلْفُصوصِ جَوْلَةٌ وَصَوْلَةٌ ... تُحَيِّرُ الأَلْبابَ أَوْ تَطيشُها قاتَلَها اللهُ! فَلا بِنُوجُها ... تَرْفَعُ بي رَأْساً وَلا شُشُوشُها أُرْسِلُها بِيضاً إذا أَرْسَلْتُها ... كَأَنَّها قَدْ مُحِيَتْ نُقوشُها كَأَنَّنِي أَقْرَأُ مِنْها أَسْطُراً ... مِنَ الزَّبورِ دَرَسَتْ رُقُوشُها كَأَنَّ نُكْراً أَنْ أَبيتَ لَيْلَةً ... مَقْمُورُهَا غَيْرِيَ أَوْ مَقْمُوشُها تُطيعُ قَوْماً عَمَّهُمْ نَصُوحُهَا ... وَخَصَّني مِنْ بَيْنِهِمْ غَشُوُشها يُجيبُهُمْ مَتى دَعَوْا أَخْرَسُها ... وَإِنْ يَقولوا يَسْتَمِعْ أَطْرُوشُها مَدَيْدِ بينَ دَأْبُهُمْ غَيْظي فما ... تَسْلَمُ مِنْهُمْ عِيشَةٌ أَعِيشُها كَأَنَّ رُوحي بِيْنَهُمْ أَيْكِيَّةٌ ... رَاحتْ وَكَفُّ أَجْدَلٍ تَنُوشُها يَبْتِكُ مِنْهَا لَحْمَها وَتارَةً ... تَكادُ تَنْجُو فَيُطارُ رِيشُها إذا احْتَبى أَبُو المُرَجّا فيِهُم ... فَهامُنَا مائِلَةٌ عُرُوشُها كَأَنَّما شَنَّتْ قُشَيْرٌ غارَةً ... عَجْلانُها الْحَرّابُ أَوْ حَريشُها كَأَنَّ تِلْكَ الْخَمْسَ مِنْهُ قُطِّعَتْ ... خَمْسَ أَفاعٍ مُرْعِبٌ كَشيشُها أَظْفارُها أَنْيابُها وَطالَما ... نَيَّبَ قَلْبي وَيَدي نَهُوشُها لا يَأْتَلي مِنْ ذَهَبٍ يَلُفُّهُ ... مِنّي وَمِنْ دَراهِمٍ يَحُوشُها وَمِنْ خِرافٍ لَهُمُ مِنْها الَّذي ... طابَ وَلي ما ضَمِنَتْ كُروشُها وَمِنْ دَجاجاتٍ إذا ما كُرْدِنَتْ ... كَأَنَّما شَكَّ فُؤادي شِيشُها وقوله: أَتَظُنُّني لا أَسْتَطيعُ ... أُحيلُ عَنْكَ الدَّهْرَ وُدّي مَنْ ظَنَّ أَنْ لا بُدَّ مِنْهُ ... فَإنَّ مِنْهُ أَلْفَ بُدِّ وتوفي ابن الخياط في رمضان سنة سبع عشرة وخمسمائةٍ. سني الدولة أبو محمدٍ الحسن بن يحيى بن محمدٍ بن الخياط الكاتب. هو ابن أخي الشاعر، وكتب لملوك دمشق الأتابكية. ولقيت ولده بدمشق، فاستنشدته شيئاً من شعر والده، فذكر أن يده في النظم قصيرةٌ، وأن غرر رسائله ودرر فضائله عنده كثيرةٌ، وكتب لي من نثر والده ما ذكرته. فصلٌ: ورد كتابه على عبد المجلس السامي، فلبس من مدارع الشرف أضفاها، وأحرز بمكانه من مزايا الجمال أوفاها، وكأنما صافحته أيدي الآمال، واحتفت به السعادة عن اليمين والشمال، ووفاه واجبه من الإعظام والإجلال. فصلٌ من منشور: والشريف فلانٌ ينتمي إلى أفخر المناسب، ويعتزي إلى أكرم المغارس والمناصب، وينزع إلى تلك الأرومة الشريفة، والدوحة العالية المنيفة، والأسرة التي فضلها الله تفضيلاً، وجعلها علماً يهتدي به الأرشدون سبيلاً، وقد تقيل مذاهب أسلافه الذين عرفوا بالأمانة، وعلموا الناس سنن الزهد والصيانة. فصلٌ في جواب مهزومٍ، كتب يتوعد بإقدام منه وقدومٍ.

стр. 546

وصل كتابه، فأما سلامته التي أخبرنا بها، وأرسل كتابه قاصداً ليقف على حقيقتها، فلم نستبعدها ولا تعجبنا منها، إذ لم يقتحم الحرب، ولا باشر الطعن والضرب، ولا لبث في حومتها إلا بقدر ما شاهد المنايا الحمر والسود، ورجالاً تفترس الأسود، حتى عاذ بالفرار، وطار به الخوف كل مطارٍ، وتجلل ملابس الخزي والعار، وأسلم من كان معه لأيدي الحتوف، وأنياب الصروف، وظبي السيوف، لو كان بذلها دونهم، وسمح بها لهم، أو كان فيها معهم، أو واسى بها نفوسهم، لكان ذلك له أزين، وبمثله أحسن، وكانت تلك الخطايا والذنوب التي ذكر أنها كانت السبب في الظفر، تمحص عنه، وتغفر له، ولكن ما لمحب الحياة، إلا أن يمعن في طلب النجاة، وما علم أن وفاة عزيزٍ خيرٌ من حياة ذليلٍ. وأما دليل الوعيد والتهديد، فأينا أحق بأن يطول ويصول، ويتوعد بالإقدام والوصول؟ من منحه الله عقائل النصر وصفاياه، وخصائصه ومزاياه؟ أم من راح مهزوماً مكلوماً، معنفاً بين جماعته ملوماً. وكان الأولى أن يبدي ما عنده من العول والعويل، والأسف الطويل، وأن يندب من ذهب من أسيرٍ وقتيلٍ، وإن كان عنده بقيةً لنوبةٍ أخرى: فإنَّ الْحُسامَ الصَّقيلَ الَّذي ... قُتِلْتُمْ بهِ في يَدِ الْقاتِلِ فَإنْ كانَ أَعْجَبَكُمْ عامُكُمْ ... فَعودُوا إلى حِمْصَ مِنْ قابِلِ وقد شاهدنا بالأمس ما تغني شواهده عن التطويل، وجملته عن التفصيل. فصل في منشور: لما كان فلانٌ حقيقاً بما يتظاهر عليه من الإحسان، خليقاً بما يولاه من عارفةٍ وامتنان، ويجدد عنده من صنيعةٍ لا تخلقها يد الزمان، ويبوأ من رتبةٍ لا تعلق بها فوارع الآمال، ومنزلةٍ لا تبلغها همم النظراء والأمثال، ومكاناً لما نؤهله من التعويل عليه في سد الثغور، ورم الأمور، وسياسة الجمهور، وإيالة الصغير والكبير، وتصريف أعنة الرأي والتدبير، وكفاية الملم إذا حدث، ومساورة الملم إذا كرث. فصلٌ وصل كتابه الكريم بما بشر به من الظفر الهني الذي نقع الغليل، والفتح السني الذي وقع الموقع الجميل، وأبان عن لطائف الصنع الجزيل، حين أبى فلانٌ الغوي الشقي إلا الاستمرار في مذاهب الضلال، والاغترار بكواذب الآمال، والاستجرار لجوالب الوبال والنكال، كأن لم يمض له ما فيه معتبرٌ لو اعتبر، وزاجرٌ عن المعاندة لو ازدجر، لكن أطاع وسواس النفس، وتناسى ما كان بالأمس، وساقه إلى خطة كذا سائقٍ الخسران، وحاول من استعادتها مالا تصل إليه يد الزمان، وحين علم بخفوف المواكب، ودلوف الكتائب، انقلب عنها بخيبة الأماني، ونفض يديه منها والرماح دواني، وتسرعت الخيول المنصورة، فأوقعت به الوقعة التي أجلت عن فراره، وكشفت عن سوء رأيه واختياره، وحصل عسكره ما بين هاربٍ مسلوبٍ، وهائمٍ على وجهه مطلوبٍ، وأسيرٍ أوبقته سوالف الذنوب. فصلٌ من أخرى: وصل كتابه معرباً عن حال فلانٍ، وما استهواه من غرور الشيطان، وأماني الزور والبهتان، وحدث نفسه بمقاومةٍ تضعف عنها قواه، وتقصر دونها خطاه، ولا تثبت لها قدماه، لكن اتبع هواه فأضله عن الهدى، ولم يتذكر ما مضى في النوبة الأولى، بل ران على قلبه ما ران، وأطبق جفونه عما وعظته به مواعظٍ الزمان، حتى صار إلى عواقب الندامة والخسران: (وإذا أراد الله بقومٍ سوءاً فلا مرد له وما لهم من دونه من والٍ) ، وقصد موضع كذا ينازله، ويروم استعادته ويحاوله، حتى إذا أحس بدنو المسافة، طار بأجنحة المخافة، ولحقته الخيول المنصورة مسرعةً، ولآثاره متبعةً، فلبث قليلاً، وولى ذليلاً، ولم يغن فتيلاً، واقتسم عسكره، فما ترى إلا أسيراً أو قتيلاً. فصل من أخرى: وصل كتاب مولانا، فوقف عليه، واعتد بنعمة الله فيما أبان عنه من رأيه الجميل، ورعايته التي لا تستحيل، وحلوله من منازل الاختصاص بألطافها، ومن رتب ذوي الإخلاص بأبعدها غايةً وأشرفها، بحيث تقصر عنها يد المتطاول، وتضؤل همة المتناول، ولا ينبعث لها أمل آملٍ، وقام بالشكر عنها، واستحفظ بما أفاضه منه بها، وأحسن المجاورة لها، وأخذ بأسباب الخدمة وسلك سبيلها، وتمسك بالطاعة وتفيأ مقيلها، وحافظ على فريضتي الوفاء والولاء محافظة من هدي لرشده، وأري مكان قصده، ووثق بسعادة جده، ونظر مكان الحيرة فيما اعتمده، فألقى به عصاه، وأطاع رأيه الصحيح وما عصاه. فصلٌ:

стр. 547

وليس ذلك بغريبٍ من مثله، ولا بعجيبٍ مع فضله، مع ما عم من إحسانه، واشتهر من محاسن أمانه، وظهر من سيرته العادلة، وسياسته المتكاملة، وما حسنه الله من أخلاقه، وشرف أعراقه، أوزعه الله من النعم التي خوله إياها، واختصه بعقائلها وصفاياها، شكراً يحرسها من الزوال، ويؤنسها بالدوام والاتصال. فصلٌ وصل كتابه، فأنار من مواضع السرور ما كان أظلم، وجلا من معاهد الأنس ما كان استبهم، وسرحت طرفي في رياض سطوره، وأمتعت سمعي بمحاسن منظومه ومنثوره، وتهت عجباً بقراءة عقوده وشذوره، ووجدته قد أدالني من وحشةً القطيعة، وأعراني عن نكايتها الفظيعة، فكم منةٍ تقلدتها، وعارفةٍ تحملتها، ومحمدةٍ أبدأتها وأعدتها، وحقوقٍ لوروده قضيتها، ونذورٍ لوصوله وفيتها، ومجاراةٍ توخيتها، وخدمةٍ في ذلك التزمتها وأقمتها. فصلٌ: قلدناه تقليداً أطعنا به الواجب ودعاويه، وأقمنا دعائم الحق وسواريه. فصل من منشور القضاء: الشهود قواعد الأحكام، وبهم تدرأ الحدود وتقام، وبشهادتهم تثبت الحقوق وتنتزع، وعلى أقوالهم يعتمد الحاكم فيما يفصل ويقطع، وكاتبه لسانه، وحاجبه وجهه وعيانه، ويحتاج كلاهما أن يكون للصواب معتمداً، وفيما جملة وزين مكانه مجتهداً: (وما كنت متخذ المضلين عضداً) . فصلٌ من منشور بالوزارة: لما كان محله عندنا خطيراً، ومكانه لدينا مسكيناً أثيراً، لا قرين يجاريه، ولا نظير يماثله ويباريه، ولا متطاول يطمع في إدارك معاليه، شددنا بركنه أركانها، وسددنا به مكانها، وعولنا عليه فيها، واستنهضناه لتوليها، ورأيناه كفأها وكافيها، وإن كان له فيها سلفٌ قد مضى، فإنه لا يعول إلا على ما شيد وبنى، وقدم من المساعي التي نال بها ما تمنى: (ومن يقترف حسنةً نزد له فيها حسناً) . تم الجزء السادس من خريدة القصر وجريدة أهل العصر بتاريخ السادس والعشرين من رمضان من سنة اثنتين وأربعين وستمئةٍ. والحمد لله وحده وصلى الله على سيدنا محمدٍ وآله وصحبه وسلم. قسم شعراء مصر الجزء الأول بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ القسم الرابع في ذكر محاسن فضلاء مصر وأعمالها وبلاد المغرب وإيراد ما لهم من النظم المطرب والنثر المعجب وهو منقسم: الأول مصر وأنا مبتدىء بالديار المصرية لامتزاجي بأهلها، وابتهاجي بفضلها، وحصول مداري في فلكها، ووصول مرادي إلى ملكها، وإطلاعي على فضائلها، واضطلاعي بفواضلها، ودخولي إليها في خدمة سلطانها، وخروجي منها بشكر إحسانها، ومقامي فيها أترفرف على محاسنها، وأترشف من عذبها وآسنها، وأتحلى بعقود جواهرها، وأتملى من سعود زواهرها، نازلاً من المولى الأجل الفاضل في ظل إفضاله الوافر الوارف، واصلاً من ذرى المحل الكامل في ذيل إقباله الكافي إلى أبهج الرفارف، حاصلاً من الملك الناصر في المنى بالملك والنصر، حاملاً في سلطانه الباهر على العدا بالهلك والقهر.

стр. 548

ومصر مربع الفضلاء، ومرتع النبلاء، ومطلع البدور، وموضع الصدور، وأهلها أذكياء أزكياء، يبعد من أقوالهم وأعمالهم العي والعياء، لاسيما في هذا الزمان المذهب، والوقت المهذب، بدولة مولانا الملك الناصر، جامع كلمة الإيمان، قامع عبدة الصلبان، صلاح الدنيا والدين، سلطان الإسلام والمسلمين، أبي المظفر يوسف بن أيوب محيي دولة أمير المؤمنين، ففي أيامه الزاهرة، ودولته القاهرة، أشرقت الأرض بنور ربها، وهبت الأرياح من مهبها، ورفعت معالم العدل والعلم، وخضعت دعائم الجهل والظلم، وأثبتت أمالي الآمال في دفاتر النجاح، وكتب أمان الأماني بمهارق الفلاح، واستدر جود الجود، واستقر طود الوجود، وزف هدي الهدى على خاطبي النصر، وحف ندي الندى بطالبي الوفر، واتضح الحق، واتضع الباطل، وعز العالم وذل الجاهل، وأفاض الأفاضل في الشكر، وراض الأماثل قرح القرائح في النظم والنثر، وعاد الرجاء مفتوح الرتاج، ممنوح النتاج، حالي التاج بيواقيت الفوز، علي السراج في مواقيت العز، أرج الآفاق بذائع البدائع، رائج الأسواق بضاع البضائع، بوجود المولى الفاضل، وجده المولى إلى الأفاضل، وكفى مصر فخراً سمو سناء فضله في ذراها، ودنو جنى أفضاله لذراها، فإنه ذو السؤدد الظاهر، والمحتد الطاهر، والسلف الكريم، والشرف الصميم، والعرف الزكي، والعرف الذكي، والفتوة الراجحة، والمروة الناجحة، والظن المخمر بالدين، واليقين المؤزر بالصدق المبين، والحق المتين، والبلاغة التي لم يبلغ إلى شأنها قسٌ والرأي الذي لم يهتد إلى سننه قيس، والبراعة التي نسخت شريعتها بالإعجاز شرائع الفصحاء، وبذخت صنعتها بالإحراز لبدائع البلغاء. وهو الذي راش نبل نبلي، وأعاش شخص فضلي، وأقام جاه أملي بعد الخمول، وأنام عين وجلي عند الذهول، وثبت عرش حفظي، ونبت غرس حظي، ونشرني وقد كاد يطوى اسمي، وأنشرني وقد كرب يبلى رسمي، ورغبني في قصد مصر عند توجه مولانا الملك الناصر من دمشق إليها عائداً وحقق عندي أنه يكون لي مساعفاً مساعداً، فسرت في أول شهر ربيع الأول من دمشق في الخدمة الناصرية، ووصلت آخر الشهر إلى القاهرة الصلاحية، فقابل وفادتي بوافر رفادته، وموافاتي بوافي إفادته، ونوه بذكرى، ونبه على قدري، ونظم أمري، واغتنم شكري، وخفف ثقلي، ورادف نهلي وعلي. وحين ملكت مادة بره، سلكت جادة شكره، وصار حمدي الحر له مسترقاً، ونفسي المستعبدة لآمالها بنجح آماله قد صادفت عتقاً. ومما نظمته في طريق مصر قصيدةٌ ذكرت فيها المنازل على ترتيبها، والشوق إلى دمشق وطيبها، ووصلتها بمدح الملك الناصر، وتلوى المولى الفاضل نعش جدها العاثر، وترويج حظها الكاسد، وسعرها القاصر، أولها هجرتكمُ لا عن مَلاَلِ ولا غَدرِ ... ولكن لمقدورٍ أُتيحَ من الأَمْر وما كنتُ أَدري أَن يُتَاحَ فراقكمْ ... ومن يعلمُ الأَمرَ المقدَّرَ أو يدري وأَعلمُ أَني مخطىءٌ في فراقكم ... وعذريَ في ذنبي وذنبيَ في عذرِي أَرى نُوَباً للدهر تُخْصَى وما أَرى ... أَشدَّ من الهجران في نُوَبِ الدهر بعيني إلى لُقْيَا سواكمْ غَشاوَةٌ ... وسمعي إلى نجوى سواكمْ لَذُو وَقْر وقلبي وصدري فارقاني لِبُعْدكمْ ... فلا صدرَ في قلبي ولا قلبَ في صدري وإِني على العهدِ الذي تعهدونَهُ ... وسرى لكم سرى، وجهري لكم جهرِي تجرعتُ صِرْفَ الهمِّ من كأْسِ شوقكمْ ... فها أَنا في صَحْوي نزيفٌ من السكر وإنَّ زماناً ليس يَعْمُرُ موطِني ... بسكناكمُ فيه فليس من العمر وأُقْسِمُ لو لم يَقْسِم البينُ بيننا ... جوى الهمِّ ما أمسيتُ مُنْقَسِمَ الفكر أَسيرُ إِلى مصرٍ وقلبي أسيرُكُمْ ... ومن عَجَبٍ أَسْرِي وقلبيَ في أَسْرِ أَخِلاَّيَِ قد شَطَّ المزارُ فأَرْسِلوا ... الخيالَ وزوروا في الكرى وارْبحُوا أَجْري تذكرتُ أَحبابي بجلَّقَ بعد ما ... ترحلتُ والمشتاقُ يأْنَسُ بالذكر

стр. 549

أخلايَ فَقْرِي في التنائي إليكمُ ... بحقِّ غِنَأكُمْ بالتداني ارْحَمُوا فَقْري ومنها في وصف المنازل: ولما قصدنا من دمشقَ غباغباً ... وبتنا من الشوق الممضِّ على الجمر نزلنا بصحراءِ الفَقيع وغُودِرَتْ ... فواقعُ من فيضِ المدامعِ في الغُدْرِ ونهنهتُ بالفُوّارِ فَوْرَ مدامعي ... ففاضتْ وباحتْ بالمُكَتَّم من سِرِّي سرينا إلى الزرقاءِ منها ومن يُصِبْ ... أُوَاماً يَسِرْ حتى يرى الوِرْدَ أَوْ يَسِرِ أَعَادَتْكِ يا زرقاءُ حمراءَ أَدْمُعِي ... فقد مَزَجَتْ زُرْقَ المواردِ بالحُمْرِ وَسُودُ هُمومي سَوَّدَتْ بيضَ أَزْمُنِي ... فيومي بلا نُورٍ وليلى بلا فجر أيا ليلُ زِدْ ما شئتَ طُولاً وظُلْمةً ... فقد أَذْهبَتْ منك السنا ظلمةُ الهَجْرِ تذكرتُ حَمَّامَ القُصَيْرِ وأَهْلَهُ ... وقد جُزْتُ بالحمَّامِ في البلدِ القَفْرِ ومنها: وردنا من الزيتون حِسْمَى وأَيْلَةً ... ولم نَسْتَرِحْ حتى صَدَرْنَا إلى صَدْرِ غَشِينَا الغَوَاشِي وهي يابسةُ الثَّرَى ... بعيدةُ عَهْدِ القُطر بالعَهْدِ والقَطر وَضَنَّ علين بالندى ثَمَدُ الحصى ... ومن يرتجي رِيّاً من الثمد النَّزْرِ فقلت اشرحي بالخِمْسِ صدراً مطيتِي ... بصَدْرٍ وإلا جادكِ النيلُ للعِشْر رأينا بها عينَ المواساة أَنَّنَا ... إلى عين موسى نبذلُ الزادَ للسَّفْر وما جسرتْ عيني على فيضِ عبرةٍ ... أَكَفْكِفُهَا حتى عَبَرْنَا على الجسر وملتُ إِلى أَرضِ السَّدِيرِ وجَنَّةٍ ... هنالك من طلحٍ نضيدٍ ومن سِدْر وجُبْنَا الفَلاَ حتى أَتَيْنَا مباركاً ... على بركة الجُبِّ المُبَشِّرِ بالقَصْرِ ولما بدا الفسطاطُ بَشَّرْتُ ناقِتي ... بمن يَتَلَقَّى الوفدَ بالوَفْرِ والبِشْر ولم أَنْسَ يومَ البينِ بالمَرْج نَشْرَنَا ... مطاويَ سِرٍ في الهوى أَرِج النَّشْرِ وقد أَقبلت نُعْمٌ وأَترابُها كما ... تَطَلَّعَ بَدْرُ التمِّ في الأَنجمِ الزُّهْر وقفنا وحادينا يحثُّ وناقتِي ... تَزُمُّ ولاَحِينَا لِمُغْرَمِنا مُغْرِ وكلُّ بَنَانٍ فوق سِنٍ لنَادِمٍ ... وكلُّ يدٍ فوق التريبةِ والنحر وبيعَ فؤادي في مناداةِ شوقهم ... فسُمْتُهُمُ أَنْ يأَخذوا الرُّوحَ بالسِّعْرِ بكت أُمُّ عمرٍو من وشيكِ تَرَحُّلِي ... فيا خجلتا من أُمِّ عمرٍو ومن عمرو تقولُ إلى مصرٍ تسيرُ! تعجباً ... وما الذي تَبْغي ومَنْ لَكَ في مصر تُبَدِّدُ في سَهْلٍ من العيش شَمْلَنَا ... وتنظمُ سِلْكَ العيشِ في المَسْلَكِ الوَعْرِ فقل أيما عُرْفٍ حَدَاكَ على النوى ... ومن ضَلَّةٍ أَنْ تطلب العُرْفَ بالنُّكْرِ ومن فارقَ الأَحبابَ مستبدلاً بهم ... سواهمْ فقد باعَ المرابحَ بالخُسْرِ فقلتُ ملاذي الناصرُ الملكُ الذي ... حصلتُ بجدواه على المُلْكِ والنَّصْر فقالت أَقِمْ لا تَعْدَمِ الخير عندنا ... فقلت وهل تُغْنِي السواقي عن البحر فقالتْ صلاحُ الدين قلت هو الذي ... به صارَ فضلي عاليَ الحظِّ والقَدْر ثِقِي برجوعٍ يَضْمَنُ اللهُ نُجْحَهُ ... ولا تَقْنَطِي أَن نُبْدِلَ العُسْرَ باليُسْرِ وإِنَّ صَلاحَ الدينِ إِنْ راحَ مُعْدِمٌ ... إِليه غَدا من فَيْضِ نَائِلهِ مُثْرِي نَعِزُّ بأفضال العزيزِ وفَضْلِهِ ... ونَحْسِبُ نفعاً كلَّ ما مَسَّ من ضُرِّ عطيته قد ضاعَفَتْ مُنَّةَ الرَّجَا ... ومِنَّتُهُ قد أَضْعَفَتْ مُنَّةَ الشكر

стр. 550

وماذا يحد المدح منه فإنما ... مناقِبُهُ جَلَّتْ عن الحدِّ والحَصْرِ ولي في الملك الناصر بعد مملكته مصر قصائد موسومة على اسمه ونعته، فمن جملة الموسومات على اسمه قصيدة نظمتها في سنة خمس وستين أنفذتها إليه بمصر، وهي هذه: يَرُوقُنِي في المَهَا مُهَفْهَفُهَا ... ومن قُدُودِ الحِسَانِ أَهْيَفُهَا ومن عيونِ الظباء أَفْتَرُهَا ... ومن خُصورِ المِلاحِ أَنْحَفُهَا ما سَقَمِي غَيْرُ سُقْمِ أَعْيُنِهَا ... ثُمَّ شِفائي الشفاهُ أَرشُفُهَا يُسْكِرني قَرْقَفُ يُشَعْشِعُهَا ... لحظُ الطَّلاَ لا الطِّلا وقرقفها يا ضَعْفَ قلبي من أَعْيُنٍ نُجُلٍ ... أَقْتَلُها بالقلوب أَضْعَفُهَا ومن عِذَارٍ كأَنَّهُ حَلَقٌ ... أَحْكَمَ في سَرْدِهِ مُضَعِّفُهَا ومن خدودٍ حُمْرٍ مُوَرَّدَةٍ ... أَدْوَمُهَا للحياءِ أَطْرَفُها في سَلْبِ لُبِّي تَلَطَّفَتْ فأَتى ... نحوي بِخَطِّ الصِّبا مُلَطِّفُهَا يا مُنكراً مِنْ هَوىً بُلِيتُ به ... علاقةً ما يكادُ يَعْرِفُها دَعْ سِرَّ وجدي فما أَبوحُ به ... وخلِّ حالي فلستُ أكشفها واصرف كؤوسَ الملام عن فِئَةٍ ... عن شرعةِ الحب لستَ تصرفها مِنْ شَرَفِ الحب حلَّ في مُهَجٍ ... أَقْبَلُهَا للغرام أَشْرَفُهَا لا يستطيِبُ السلوَّ مُغْرَمُهَا ... ولا يَلَذُّ الشفاءَ مُدْنَفُهَا فالقلبُ في لوعةٍ أُعالِجُهَا ... والعينُ في عَبْرَةٍ أُكَفكِفُهَا كأنَّ قلبي وَحُبَّ مَالِكُهُ ... مِصْرٌ وفيها المليكُ يُوسُفُهَا هذا بسَلْبِ الفؤاد يظلمني ... وهو بقتل الأَعداء يُنْصِفُهَا الملكُ الناصرُ الذي أَبَداً ... بعزِّ سلطانه يُشَرِّفُهَا بعدله والصَّلاحِ يَعْمُرُهَا ... وبالندى والجميلِ يكنفُهَا وِإنَّ مصراً بمُلْكِ يوسفِها ... جنةُ خُلْدٍ يَرُوقُ زُخْرُفُهَا وإنَّهُ في السَّمَاح حَاتِمُهَا ... وإنَّهُ في الوقارِ أَحْنَفُهَا كم آملٍ بالندى يُحَقِّقُهُ ... ومُنْيَةٍ بالنجاح يُسْعِفُهَا وليس يُوليك وَعْدَ عَارِفَةٍ ... إلاَّ وعندَ النجازِ يُضْعِفُهَا حَكَّمَ في مالهِ العفاةَ فما ... يَنْفُذُ فيه إلا تَصَرُّفُها وإن شَمْلَ اللُّهَا يُفَرِّقُهُ ... لِمَكْرُمَاتٍ له يُؤَلِّفُها ذو شرفٍ مكرماتُهُ سَرَفٌ ... ويستحقُّ الثناءَ مُسْرِفُها وعزمةٍ بالهدى تَكَفَّلَهَا ... وهمةٍ للعُلَى تَكَلُّفُهَا يوسفُ مصرَ التي مَلاحِمُها ... جاءَتْ بأَوْصافهِ تُعَرِّفُهَا كُتْبُ التواريخِ لا يُزَيِّنُهَا ... إلاَّ بأَوْصَافِهِ مُصَنِّفُهَا ومن يَمِيرُ العفاةَ في سَنَةٍ ... أَسْمَنُهَا للجدُوبِ أعْجَفُهَا آياتُ دين الإلهِ ظاهرةٌ ... فيكَ ويُثنِي عليكَ مُصْحَفُهَا ومنها أصف اجتهاده وجهاده للفرنج عند نزولهم على دمياط: كم جحفلٍ بالعراءِ ذي لَجَبٍ ... بالصفِّ منه يضيق صَفْصَفُهَا كالبحر طامِي العُبَابِ لاعبةٌ ... بموجه للرياح أَعْصَفُهَا كتيبة مُنْتَضَىً مُهَنَّدُهَا ... إلى الردى مُشْرَعٌ مُثَقَّفُهَا غَادَرْتَها للنسورِ مَأْكَلَةً ... حيث بأشلائها تُضَيِّفُهَا منتصفاً من رءوسِ طاعنةٍ ... بباتراتِ الظُّبَا تُنَصِّفُهَا وحُطْتَ دمياطَ إذ أَحاطَ بها ... مَنْ بِرُجُومِ البلاءِ يَقْذِفُهَا لاقَتْ غواةُ الفرنج خَيْبَتَهَا ... فزادَ مِنْ حسرةٍ تَأَسُّفُها

стр. 551

فرَّ فَرِيرِيُّهَا وأَزْعَجَها ... نِداءٌ دَاوِيِّهَا تَلَهُّفُهَا يُمْطَرُ مُطْرَانُها العذابَ كما ... يُرْدَى بهدِّ السقوفِ أُسْقُفُها تَكْسِرُ صُلْبَانَهَا وتَنْكِسُها ... لقصمِ أَصْلاَبها وتَقْصِفُهَا أوردْتَ قُلْبَ القلوب أَرْشِيَةً ... من القنا للدماءِ تَنْزِفُهَا وَلَّيْتَهَا سَفْكَهَأ فعامِلُهَا ... عَامِلُهَا والسِّنَانُ مُشْرِفُهَا تعسَّفَتْ نحوكَ الطريقَ فما ... أَجدى سوى هُلْكِهَا تَعَسُّفُها وحسبها في العمى تَهَافُتُهَا ... بل لسهامِ الرَّدَى تَهَدُّفُهَا يُمْضي لك اللهُ في قتالهمُ ... عزيمةً للجهادِ تُرْهِفُهَا إِنْ أَظْلَمتْ سُدْفَةٌ أَنَرْتَ لها؛ ... أَبْهَى ليالي البدورِ مُسْدَفُهَا بشائرُ الدينِ في إزالته ... مواعد الله ليسَ يُخْلِفُهَا ومنها: أدركتَ ما أَعْجَزَ الملوكَ وقد ... بات إلى بَعْضِهِ تَشَوُّفُهَا جاوزتَ غاياتِ كلِّ منْقَبَةٍ ... يعز إلاَّ عليك مَوْقِفُهَا وإنَّ طُرْقَ العَلاَء واضحةٌ ... آمِنُها في السلوكِ أَخْوَفُها صلاحَ دين الهُدى لقد سَعِدَتْ ... مملكةٌ بالصلاحِ تُتْحِفُها عندي بشكر النُّعْمى ثِمارُ يدٍ ... زاكيةُ الغرسِ أنت تقطفها فاقبلْ نقوداً من الفضائلِ لا ... يُصَابُ إلا لديكَ مَصْرَفُها أصدافُ دُرِّي إليكَ أَحملها ... وعن جميع الملوك أَصْدِفُها إن لم تُصِخْ لي فهذه دُرَرِي ... لأيِّ مَلْكٍ سِواكَ أَرْصُفُها وهل لآمالنا سوى مَلِكٍ ... يَنْقُدُها بِرَّهُ ويُسْلِفُها دنيا من الفضلِ قد خَلَتْ وبدا ... للنَّقْصِ في أهله تَعَيُّفَها وكلُّ سوقٍ للفضلِ كاسدةٍ ... بانَ لأعدائه تَحَيُّفُها وهل يروج الرجاءُ في نَفَرٍ ... كُلُّهُمُ في العُلاَ مُزَيَّفُها قد عَطَفَتْ لي فضائلي وَوَفَتْ ... لكنْ حظوظي أَعيا تَعَطُّفُها وفضلىَ الشمسُ في مطالعها ... لكنَّ جهلَ الزمانِ يَكْسِفُها قد أَعْرَبَتْ فيك بالثنا كَلِمي ... وحاسدي ضَلَّةً يُحرَِفُها أَسْدَى لنا شِيرَكُوهُ عارفةً ... يوسفُ من بعدها سيخلفها أَنت قَمِينٌ بكلِّ تالدةٍ ... إنَّكَ يا ابنَ الكرامِ تُطْرِفُها ومنها قصيدة أخرى موسومة باسمه أنفذتها إليه من دمشق إلى مصرَ في شهر صفر سنة سبع وستين، أولها: مُتَثَنِّي العِطْفِ أهيفُهُ ... كيفَ لا يُرْجَى تَعَطُّفُهُ زادَ في قَتْلي تَسَرُّعُهُ ... ثم في وصلي تَوَقفُه يا ضنى جسمي لقد خطفَ ... القلبَ مُضْنَى الخصرِ مُخْطَفهُ وبنفسي من أراقَ دمي ... منه جَفْنٌ سُلَّ مُرْهَفُه وبلائي من مُقَبَّلِهِ ... وشفائي حين أَرْشُفهُ ولقلبي مالكٌ أبداً ... يتلافاهُ ويُتْلفه من لمهجورٍ يدومُ على ... وصلِ من يهوى تأَسُّفُهُ ومن البلوى تَلَهُّبُهُ ... ومن الشكوى تَلَهُّفهُه وسقيمُ الطرف يُسْقمه ... ونحيفُ الخصرِ يُنْحِفُه يتناهى في تَظَلُّمِه ... من حَبيبٍ ليسَ يُنْصِفُه حَبَّذا ليلُ الشبابِ وقد ... طاب للسمَّارِ مُسْدَفُه وزمانٌ بالعراقِ لنا ... رقَّ لما راقَ زُخْرُفُه حين يُصيبني مُقَرْطَقُه ... ويُصَافيني مُهَفْهَفُه ويُنَاجيني مُقَرَّطُهُ ... ويُنَاغيني مُشَنَّفُهُ

стр. 552

ويعاطيني المُدَامَ وقد ... لانَ عند الوصل معْطَفُه كاد يُرْديني تَشَدُّدُه ... ثم أحياني تَلَطُّفُهُ ونجيٍ باتَ يُتْحِفني ... بشكاويه وأُتحِفُه قال إنَّ الدهرَ ليس على ... وفقِ ما نهوى تَصَرُّفُهُ وكسادُ الفضلِ في زمنٍ ... رائجٍ فيه مُزَيَّفُه أَترى في الناس كلِّهِمُ ... من لمعروفٍ تَشَوُّفُهُ قلتُ ما في الدهرِ غيرُ فتىً ... كلُّ ما قد فاتَ يُخْلِفُه إنْ يَسُدْ في الدهرِ ذو كرمٍ ... فصلاحُ الدين يُوسُفُه ومنها قصيدة مدحته بها في سنة اثنتين وسبعين بمصر وأنا في خدمته، أولها: فديتكَ من ظالمٍ مُنْصِفِ ... وناهيكَ من باخلٍ مُسْعِفِ بلقياكَ يُشْفَى سقامي الممضُّ ... ولكن بسفكِ دمي تَشْتَفي وتُخْلِفُ وعدكَ لي بالوصالِ ... حنانيكَ من واعدٍ مُخْلِفِ وتستحسنُ الغدر طبعاً ومَنْ ... وَفَى مِنْ ذوي الحسنِ حتى تَفِي! أَمِثْلكَ كلُّ حبيبٍ جَفَا ... ومِثْلِيَ كلُّ حبيبٍ جُفِي أيا لَيِّنَ العطفِ قاسي الفؤادِ ... بعيشك بالله لِنْ واعْطِفِ فما ترك الوجدُ لي مُسْكَةً ... ولا مُنَّةً ليَ لَمْ تَضْعُفِ تلافَ فصدُّكَ لي مُتْلِفٌ ... فُؤَادِي من الأَسفِ المتْلِفِ وإن كنتَ لابدَّ لي قاتلاً ... بما صنعَ الوجدُ بي فاكتفِ تناهيتَ في قَتْلَتِي عامداً ... فحيثُ انتهيتَ بقتلي قِفِ ثناياكَ بُرْئِيَ في رَشْفِها ... وقد طالَ سُقْمي ولم أَرْشُفِ أأنجو ومن قدِّك السمهريُّ ... لِجَيْنِي وفي جَفْنِكَ المَشْرَفي أيا مُسْرفاً في عذابي اقتصدْ ... أُعيذكَ من شَطَطِ المُسْرِفِ نُحُوليَ من خصركَ الناحلِ السَّقيم ... كعاشقِكَ المُدْنَفِ ومن سُقْمِ لحظكَ ذاكَ المريضِ ... شفائي وأُشْفِي أَنا لو شُفِي على خَطْفِ قلبي يحل الشباكَ ... عقدُ وشاحك في مُخْطَفِ أنا المستهامُ بذاك القوامِ ... وذاك المُوَشَّحِ والمِعْطَفِ وذاك المقبَّلِ والمبسمِ ... المفدَّى المفدَّمِ والقَرْقَفِ بخدِّكَ من وَهَجٍ شُعْلَةٌ ... أَحاطتْ بقلبي فما تَنْطَفي فإن تُخْفِ ألحاظُكَ القاتلاتُ ... دمي فبخديك ما يَخْتَفي غدا عاذلي عاذراً مُذْ رَأَى ... عِذاركَ كالقمرِ الأَكلَفِ وقال أَرَى خَدَّه مُرْهَفاً ... ولا عيبَ في خَصْرِه المُرْهَفِ أَقاحٍ وآسٌ ووَردٌ لها ... اجتماعٌ على غُصُنٍ أَهْيَفِ تَرَفَّقْ رفيقي فليتَ الذي ... يُعَنِّفُ في الحب لم يَعْنُفِ غرامٌ عَرَا وزمانٌ عَدَا ... فهلْ ظالمٌ منهما مُنْصِفي زمانٌ خلا من جميلٍ فليسَ ... لغير ذوي نَقْصِهِ يَصْطَفي جَنَى ظُلْمَةَ الفضلِ حظي المنيرُ ... ولولا سنا الشمس لم تُكْسَف ويا ليت دهري إذا لم يكن ... بسُؤْليَ يُسْعِفُ لم يَعْسُفِ أَيبلغُ دهريَ قصدي وقد ... قصدت بِمصرَ ذُرَى يُوسُفِ وهي قصيدة طويلة تبلغ مائة بيت، والموسومات بنعته كثيرة، فمنها قصيدة أولها: لو أَن عُذْرِيَ لكَ يا لاحِ لاحْ ... ما كنتُ عن سكريَ يا صاحِ صاحْ ومنها قصيدة في التهنئة، بكسر عسكر حلب والموصل، بتل السلطان يوم الخميس عاشر شوال سنة إحدى وسبعين، أولها:

стр. 553

يومٌ أَهبَّ صَبَا الهِبَاتِ صَبَاحُهُ ... وروى حديثَ النصر عنكَ رَواحُهُ فالسَّعْدُ مُشْرِقَةٌ لنا آفاقُهُ ... والنصرُ باديةٌ لنا أَوْضَاحُه أَوفى على عُودِ الثناءِ خطيبَهُ ... وشَدَا على غُصْنِ المُنَى صَدَّاحُه فالشامُ مُبْتَلُّ الثَّرَى ميمونُهُ ... والعامُ مُنْهَلُّ الحَيَا سَحَّاحُه والمحلُ زالَ كبارقٍ مُتَهَلِّل ... لمَّ الشعوبَ بوَمْضِهِ لَمَّاحُه فالحمدُ لله الذي إِفْضَالهُ ... حُلْوُ الجَنا عَالِي السَّنَا وَضّاحُه عاد العدوُّ بِظُلْمَةٍ من ظُلْمِهِ ... في ليلِ ويلٍ قد خَبَا مِصْبَاحُه رَكَدَتْ قَبولُ قُبولِهِ مِن بَعْدِ أَنْ ... هَبَّتْ غُروراً بالرياءِ رِيَاحُه ومنها: أَوفى يريدُ له بجرِّ جُنودِهِ ... ربْحاً فجرَّتْ خَسْرَةً أَرْبَاحُه حملَ السلاحَ إلى القتالِ وما درى ... أنَّ الذي يَجْني عليه سِلاحُه وَلَّى بكسرٍ لا يُرَجَّى جَبْرُه ... وبِقَرْحِ قَلْبٍ لا تُبِلُّ جِرَاحُه ونجا إلى حلبٍ ومِن حَلَبِ الردى ... دَرٌّ وفيه نجاتُهُ وفَلاَحُهُ ومنها: إن أَفْسَدَ العصاةُ بِحِنْثِهِمْ ... فالناصرُ المَلِكُ الصلاحُ صَلاَحُه ومنها: فَرِحَ العدوُّ بجمعه وَلَقيتَهُ ... فتحوَّلَتْ أَحزانَهُ أفراحُه صَحَّتْ على ضربِ الكَماةِ كُسُورُهُ ... وَتَكَسَّرَتْ عند الطِّعَانِ صِحَاحُه وافى بسَرْحٍ للنِّقَادِ فكانَ في ... لُقيا الأُسودِ الضارياتِ سَرَاحهُ مَجْرٌ كبحرٍ دَارِعُو فرسانِهِ ... حيتاتُهُ وزعيمُهُمْ تِمسَاحُه شَحْنَاؤُهُ شَحَنَتْ جواريَ فُلْكِهِ ... جَوْراً ومالَ بِهُلْكِهِ مَلاَّحُه عَدِمُوا الفلاحَ من الرجالِ فجاءَهم ... من كلِّ صوبٍ مُكْرَهاً فَلاَّحُه فهمُ لحرثٍ لا لحربٍ حِزْبُهُمْ ... أَيُثيِرُ قُرْحاً من يُثَار قَرَاحُهُ قد فاظَ لما فاضَ جيشُكَ جأْشُهُ ... غيظاً وغاضَ لبحركمْ ضَحْضَاحُه كم سابِقٍ بِِرَادَه يُرْدَى سابحٍ ... في بَحْرِ هُلْكٍ ما نجا سَبَّاحُه ومنها: كم عَيْنِ عَيْنٍ غَوَّرَتْ غُوَّارُهُ ... وقليبِ قَلْبٍ عَوَّرَتْ مُتَّاحُه إن آذنَتْ بالنتن ريحُ قتيلهم ... فالنصرُ نفَّاحُ الشَّذَا فَوَّاحُه كم مارقٍ من مأزقٍ دَمُهُ على ... مَسْحِ الحسام مُرَاقُهُ مسَّاحُه يُصْبيكَ نَهْدٌ إن سباتهُ نَاهِدٌ ... ولديك جِدٌّ إن أباهُ مزَاحُه ولك الكعوبُ مُقَوَّمَاتٌ للردى ... وله الغَداةَ كَعَابُهُ ورَدَاحُه راحُ النجيعِ بها صحافُ صِفَاحِكُمْ ... مَلأَى وتَمْلأُ كلَّ كاس رَاحُه وتجولُ في صَهَواتِهَا فُرْسانُكُمْ ... وتدورُ في خَلَواتِهِ أَقدَاحُهُ ويروقُهُ الخمرُ الحرامُ وعندَكُمْ ... مما يُرَاقُ من الدِّماءِ مُبَاحُهُ ضَرْبُ الطُّلَى بالمشرفيِّ طِلاَبُكُمْ ... وبراحِ مَنْ شَربَ الطِّلا طُلاَّحُه محمرُّ خدِّ صقيِلةٍ تُفَّاحُكمْ ... وأسيلُ خدِّ عقيلةٍ تُفَّاحُهُ ومنها: للهِ جَيشٌ بالمُرُوجِ عَرَضْتَهُ ... أُسْدُ العرين رجالهُ ورماحُه ومن الحديدِ سوابغاً أَبْدانُهُ ... ومن المضاءِ عزائماً أَرْوَاحُه وله فوارسُ بالنفوس سَمَاحُهَا ... أَتُعَادُ بالعِرْضِ المصونِ شحَاحُهُ روضٌ من الصُّفْرِ البنودُ وحُمْرِها ... والبيضِ، يُزْهَى ورْدُهُ وَأَقَاحُهُ من كل ماضي الحدِّ طَلَّقَ غِمْدَهُ ... فَتْكاً لأغمادِ الرقابِ نِكَاحُهُ

стр. 554

قد كان عزمُكَ للإلهِ مُصَمِّما ... فيهمْ فلاحَ كما رأيتَ فَلاَحُه ومنها: وكأَنني بالساحل الأقصى وقد ... ساحَتْ ببحرِ دمِ الفرنجةِ ساحُهُ فاعْبُرْ إِلى القوم الفراتَ ليشربوا ... الموتَ الأُجَاجَ فقد طَمَا طَفَّاحُهُ لِتَفُكَّ من أيديهمُ رَهْنَ الرُّهَا ... عَجلاً ويدركَ لَيْلَها إِصْبَاحُهُ وابغوا الحرَّانَ الخلاصَ فكم بها ... حرَّانُ قلبٍ نحوكم مُلْتَاحُهُ نَجُّوا البلادَ من البلاءِ بِعْدَلكم ... فالظلمُ بادٍ في الجميع صُرَاحُهُ وَاسْتَفْتِحُوا ما كانَ من مُسْتَغْلِقٍ ... فيها فربُّكمُ لكمْ فَتَّاحُهُ قُولوا لأَهلِ الدينِ قَرُّوا أَعينا ... فلقَدْ أَقَام عَمُودَهُ سَفَّاحُهُ بشرايَ فالإسلامُ من سلطانِهِ ... جَذِلُ الفؤادِ بنصره مُرْتَاحُهُ مَلِكٌ لِيُمْنِ المعتفينَ يمينُهُ ... ولراحةِ الرَّاجينَ تُبْسَطُ رَاحُهُ لما اجتداهُ من الرَّجَاءِ رجالُهُ ... أَوْفَى على قَطْرِ السَّمَاءِ سَمَاحُهُ فاقصدْ بِبَرْح الفقرِ رَحْبَ جَنَابِهِ ... فبِراحِهِ يومَ النَّوالِ بَرَاحُهُ مَلِكٌ تَمَلَّكَ جَدُّهُ من جِدِّهِ ... فالمجدُ مَجْدٌ والمَراحُ مِرَاحُهُ ملكٌ يُحبُّ الصفحَ عن أَعدائِهِ ... فلذاك تَصْفَحُ عن عِداهُ صِفَاحُهُ ومنها: لك بيتُ مجدٍ ليس يُدْرَكُ حَدُّهُ ... يعيا بذرع عُرُوضِهِ مَسَّاحُهُ المُلْكُ غابٌ أَنتمُ أَشْبَالُهُ ... والدين رُوحٌ أَنتمُ أَشْباحُهُ ما شَرْحُ صَدْرِ الشَّرْع إِلاَّ مِنْكُمُ ... ولذاكَ مِنْكُمْ للهدى إِيضَاحُهُ فخراً بني أَيوبَ إِنَّ مَحلَّكُمْ ... ضاقَتْ على كلِّ الملوك فِسَاحُهُ لولا اتساعُ جَنَابكم لعَدَدْتُه ... خَصْراً، وفودُ المُعْتَفِينَ وِشَاحُهُ أنتمْ ملوكُ زمانِنا وسَرَاتُهُ ... وكِرامُهُ وعِظَامُهُ وفِصَاحُهُ عظماؤُهُ كبراؤهُ فضلاؤُه ... ورِزَانُهُ ورِصَانُه وصِبَاحُهُ أقمارُهُ وشموسُهُ ونجومُه ... وبحارُه وجبالُه وبطاحُه أنتمْ رجالُ الدهرِ بل فرسانُه ... ولذي الحلومِ الطائشاتِ رِجاحُه فُتَّاكُهُ نُسَّاكُهُ ضُرَّارُهُ ... نُفَّاعُهُ مُنَّاعُهُ مُنَّاحُهُ وأبو المظفرِ يوسفٌ مِطْعَامُهُ ... مِطعانهُ مِقْدَامُه جَحْجَاحُه وإذا انتدى في مَحْفَلٍ فَحَيِيُّهُ ... وإذا غدا في جَحْفلٍ فَوَقَاحُه أَسْجَحْتَ حين ملكتَ عفواً عنهمُ ... إنَّ الكريمَ مُؤَمَّلٌ إسْجَاحُه ومنها قصيدة أخرى أنفذتها إليه من دمشق إلى مصر قبل مملكة الشام، أولها: سكرانُ باللحظِ صاحِ ... نشوانُ من غيرِ راحِ بوجنةِ الورد يَفترُّ ... عن ثنايا الأَقَاحِ وقامةِ الغصنِ يهتز ... في مَرَاحِ المِرَاح وعارضِ المسك مثل المساءِ ... فوق الصباح نمَّ العذارُ عليهِ ... فتَمَّ فيه افتضاحي وردُ الحياء جَنِيٌّ ... في ذلك التفاح والريقُ كالراحِ شُجَّتْ ... بعذبِ ماءٍ قَرَاح من كأسِ فيه اغتباقي ... مُنَعَّماً واصطباحي وفي الأمورِ اختتامي ... على اسمه وافتتاحي أَهوى طلوعَ صَباحي ... على وُجُوهِ صِبَاح ولثمَ أَحورَ أَحْوَى ... وضمَّ رُودٍ رَدَاح ورِيَّ قلبي الصدى من ... عناقِ ظامي الوشاح

стр. 555

وفتنتي من عيونٍ ... حورٍ مِرَاضٍ صحاح يا صاحِ إني نزيفٌ ... سُكْراً وإنك صاحِ وبرحُ وجدي مقيمٌ ... فما لَهُ من بَرَاح دَعني فما أنتَ يوماً ... مؤاخذٌ بجُنَاح وما أطعتُ غَرامي ... حتى عصيتُ اللَّوَاحي وَفَى الحبيب وَتَمَّتْ ... بوصلهِ أفراحي وزادَ قِدْحي ودارت ... بمُنْيَتِي أَقْدَاحي أُعطى الكؤوسَ مِلاءً ... على أَكُفِّ الملاح ورضتُ بالصبر دهري ... وكان صعبَ الجماح قد استقرّت أُموري ... فيه بحَسْبِ اقتراحي كما استقرَّ صلاحُ الدنيا ... بملْكِ الصَّلاَح تنيرُ شمسُ مساعيه ... من سماءِ الصَّبَاح وأمرهُ مستفادٌ ... من الفَضَاء المُتَاح ذو المفخَرِ المُتَعالي ... والنائلِ المُسْتَمَاح وللحقيقةِ حامٍ ... وللدنية ماحِ غيثُ السماحة طَوْدُ ... الْوقار لَيْثُ الكفاح صدرٌ بجدواه صَدْري ... مُذْ لم يزل في انشراح من قَدْحِ زندِ الأماني ... به وَقُودُ القداح أَمَّلْتُهُ لِمُلِمِّي ... فلاحَ وجهُ فَلاَحي آمالُنا بلُهَاهُ ال ... أَجْسَامُ بالأرْوَاح نَدَى كريمٍ حييٍ ... وبأسُ ذِمْرٍ وَقَاح يَفْديكَ أَهلُ اجتراءٍ ... على رُكُوبِ اجْتِرَاح بالمالِ غيرُ كرامٍ ... بالعِرْضِ غيُ شِحَاحِ رأيتَ صونَ المعالي ... في بذلِ مالٍ مباح إن طالَ ليلُ مُلِمٍ ... وافيتَ بالإِصْبَاح ومنها: مُلِّيتَ يوسفُ مِصْراً ... جِدّاً بغير مزاح مُلكاً بغيرِ انتزاعٍ ... عزّاً بغير انتزاح يا من أياديه تُبْدي ... بالحَصْر عِيَّ الفِصَاحِ ومَنْ مُرَجَّى نَداهُ ... مُبَشِّرٌ بالنجاحِ عدوه في اتِّضَاعٍ ... ومَجْدُه في اتِّضَاح ومنها: صريحُ مدحي لعَلْيَا ... كَ عن وَلاَءٍ صُرَاح بقَيْدِ شُكْري عطايا ... كَ مُطْلَقَاتُ السَّرَاحِ ولي فيه قصيدة طائية عند وصوله إلى الشام واتصالي بخدمته أَحببت إثباتها في الخريدة، وإيداعها في الجريدة، لأجل ذكر أخواتها من نظم شعراء العصر في الأقاليم، وهي هذه: عَفَا الله عنكم مالكم أيها الرهطُ ... قسطتمْ ومن قلب المحبِّ لكم قِسْطُ شَرَطْتُمْ له حفظَ الوداد وخُنْتُمُ ... حنانيكمُ ما هكذا الوُدُّ والشَّرْطُ جعلتمْ فؤادَ المستهامِ بكم لكُمْ ... مَحَطّاً فعنه ثِقْلَ هَمِّكُمُ حُطُّوا إذا كنتمُ في القلبِ والدارُ قد نَأَتْ ... فسيَّانِ مِنْ أحبابه القربُ والشَّحْطُ ثوى هَمُّهُ لما ثَوَى الوجدُ عنده ... مقيماً وشطَّ الصبرُ في جيرةٍ شَطُّوا وأَرَّقَهُ طيفٌ طَوَى نحوه الدُّجَى ... وقد كاد جيبُ الليل بالصبح يَنْعَطُّ تشاغلتمُ عنه وثوقاً بوده ... كأَنَّ رضاكم عن محبكمُ سُخْط جزعت غداةَ الجِزْع لما رحلتمُ ... وأَسْقطني من بينكمْ ذلك السِّقْطُ ملكتمْ فأنكرتمْ قديمَ مودَّتي ... كأَنْ لم يكن في البين معرفةٌ قَطُّ فَدَتْ مهجتي مَنْ لا يُذَمُّ لمهجتي ... إِذا حاكَمَتْهُ وهو في الحُكْمِ مُشَتَطُّ يريكَ ابتساماً عن شتيتِ مُقَبَّلٍ ... كأَنَّ نظيمَ الدرِّ أَلَّفَهُ السِّمْطُ

стр. 556

وما كنت أَدري قبل سطوةِ طرفه ... بأَنَّ ضعيفاً فاتراً مِثْلَهُ يَسْطو وهبْ أن بالقُرْطَيْنِ منه مُعَلَّقٌ ... لذنبِ الهوى قلبي فَلِمْ عُلِّقَ القُرْط وأَهيفَ للإشفاقِ من ضعفِ خصره ... محلُّ نطاقٍ للقلوبِ به رَبْط على قُرْبِه في الحالتين مُحَسَّدٌ ... من الثَّغْرِ والشَّعْرِ الأراكةُ والمشْط بوجنتهِ نورُ المُدامةِ مُشْرِقٌ ... ومقلته نَشْوَى وفي فيه إسْفِنْطُ تزينُ عِذارَيْهِ كتابةُ حُسْنِهِ ... ومِنْ خَالِهِ في وجنتيه لها نَقْط فؤادكَ خالٍ يا خليلي فلا تَلُمْ ... فؤاداً سباه الخالُ والخدُّ والخَطُّ يلازمُ قلبي في الهوى القبضُ مثلما ... يلازم كفَّ الناصرِ الملكِ البسطُ مليكٌ حوى الملكَ العقيمَ بضبطه ... كريمٌ وما للمالِ في يده ضَبْطُ ومولىً سريرُ الملكِ حفَّ بشخصه ... كما حفَّ بالإنسان من ناظرٍ وَسْط مليكٌ لنجم النجح من أُفْقِ عِزِّهِ ... سَناً ولطيرِ السَّعْدِ في وكره قَمْط إذا لُثِمَتْ أَيدي الملوك فعنده ... مدى الدهرِ إجلالاً له تُلْثَمُ البُسْط لنوم الرعايا وادعين سهادُهُ ... إذا وَادِعُوا الأَملاك في نومهم غَطُّوا أكفُّ ملوكِ العصر لا وَكْفَ عندها ... وكفُّ المليك الناصرِ البحرُ لا الوقْطُ عطايا نقودٌ لا نَسَايَا فكلُّهَا ... تُعَجَّلُ لا وعدٌ هناك ولا قَسْطُ أَغرُّ لكفِّ الكفرِ كفٌّ ببأْسِهِ ... كما لفقارِ الفَقْر من جُوده وَهْط أَياديه غرٌّ وهي غيرَ مُغِبَّةٍ ... وإحسانه غَمْرٌ وليس له غَمْطُ يحبُّ ضجيجَ الشاكرين إذا دَعَوْا ... ويهوى سؤَال المعتفين إذا أَطُّوا ويَعْبَقُ عَرْفُ العُرْفِ والقِسْطِ عندهونَدُّ النَّدَى لا البانُ والرَّنْدُ والقُسْطُ إلى طَوْلِهِ المعروف طُولُ يدِ الرجا ... وفي بحر جدواه لأمالنا غَطُّ صنائِعُهُ رُبْطُ الكرامِ وإنها ... لوفد أَياديه المصانعُ والرُّبْط يَمُرُّ ويحلو حالةَ السخط والرضا ... فنعمته دأْبٌ ونقمته فَرْط من القوم تلقاهم عن النكر إن دُعُوا ... بطاءً وإن يُدْعَوْا إلى العُرْفِ لا يُبْطوا همُ رَضَعُوا دَرَّ الحجى في مُهودِهِمْ ... أَمَاجدُ وانضمتْ على السؤددِ القُمْطُ يصيبونَ فيما يقصدون فكم رَمَوْا ... بسهم الثراءِ المملقين فلم يُخْطوا متى يَقْدِروا ويَعْفوا وإن يَعِدُوا يَفُواوإن يَبْذُلُوا يُغْنُوا وإن يَسْأَلُوا يُعْطُوا يصيبُ الذي يصبو إلى قصدِ بابهم ... وفي غيرِ هذا القصدِ يُخْطِي الذي يَخْطُو وما أَسْعَدَ المَلْكَ الذي نَحْوَ بابه ... مطايا بأبناءِ الرجاءِ غدت تَمْطو وما روضةٌ غناءُ حُسْناً كأَنَّما ... لوارِفِها من نَسْجِ نُوَّارِها مِرْطُ إِذا قادني للنرجس النضرِ ناظرٌ ... تلاه عذارٌ للبنفسج مُخْتَطٌّ وللوردِ خدٌّ للحياءِ مُوَرَّدٌ ... ولِلبانِ قَدٌّ جيدُهُ أبداً يَعْطو تلوحُ به الأشجارُ صَفَّاً كأَنَّها ... سطورُ كتابٍ والغديرُ لها كَشْط تُغَنِّي على أَعوادها الوُرْقُ مِثْلَمَا ... يرتِّل للتوراةِ ألحانَها سِبْطُ كأَنَّ سقيطَ الطلِّ عبرةُ مُغْرَمٍ ... وبارِقَهُ من نارِ لوعته سِقْطُ ترى لِمُحَيَّا الشمسِ من هامرِ الحيا ... لثامَ حياءٍ دونه ليسَ يَنْحَطُّ بأزكى وأذكى منك حُسْناً وإِنما ... بحسناكَ لا بالروضِ للعائذِ الغَبْط

стр. 557

لك الصدرُ والباعُ الرحيبان في العلا ... وذاك المحيا الطلْقُ والأنملُ السُّبْطُ لراجيكمُ ماءُ البشاشةِ والنَّدَى ... جميعاً وحظُّ الحاسد النارُ والنَّفْط عَنَا لَكَ طوعاً نيلُ مصرٍ ودجلةُ ... العراق ودان العُرْبُ والعُجْمُ والقِبْطُ وللنيل شطٌّ ينتهي سيبُهُ به ... ونَيْلُكَ للراجينَ نِيلٌ ولا شَطُّ وعفوكَ وَرْدٌ والجناةُ جُناتُهُ ... وبِيضُكَ شوكٌ في العداةِ لها خَرْط فِداؤَك ممتدُّ المِطالِ مُحَجَّبٌ ... وحاجِبُهُ للكبرِ والعُجْبِ مُمْتَطُّ فداؤُكَ قومٌ في النديِّ وفي النَّدَى ... وجوهُهُمُ سُهْمٌ وأَسْهُمُهُمْ مُرْطُ لتبكِ دماً عين العدو فقد جرى ... على الأَرضِ من أَوْداجهِ دَمُهُ العَبْط ومنها: منعتَ حمى الإسلام للنصر معطياً ... غداةَ عوت من دونه الأَذْؤُبُ المُعْطُ وصُلْتَ وكم فرَّجْتَ عَنَّا مُلِمَّةً ... بسهم الرزايا في الكرامِ لها لَهْطُ بَعَوْدِكَ عادَ الحقُّ واتَّضَحَ الهدى ... وهبَّ نسيمُ النصر وانفرجَ الضَّغْطُ وأنتَ أَجَرْتَ الشامَ من شُؤْمِ جاره ... ولم يكفِ رهطُ الكفرِ حتى بغى رهطُ أَجَرْتَ وقد جارُوا ودِنْتَ وقد عَدَوا ... وصُلْتَ وقد خَارُوا ولِنْت وقد لَطُّوا فلا يعبإِ المولى بمن مِلْءُ جَأْشِهِ ... هَوىً وبقومٍ حَشْوُ جيشهِمُ زُطُّ كثيرٌ تَعَدِّيهِمْ قليلٌ غَنَاؤُهُمْ ... وهمْ لا أَصابوا رشدهم هملٌ رَهْطُ عَدَلْتَ فلا ظلمٌ وطُلْتَ فلا مَدىً ... وقُلْتَ فلا مَيْنٌ وجُدْتَ فلا قَحْطُ فميِّزْ مكانَ المخلصين فإِنَّما ال ... أَعادي أُنَأسٌ في رءوسهمُ خَلْط وَقَرِّبْ وَلِيّاً صحَّ فيك ضميرُهُ ... ولا يأمنِ التمساحَ مَنْ دَأْبُهُ السَّرْطُ نَبَا بِي مقامُ الجاهلينَ فعِفْتُهُ ... وقد نَضْنَضَتْ للنهش حَيَّاتُهُ الرُّقْطُ همُ مَنعُوا رِفْدَيْ قبولٍ ونائلٍ ... وذا وَشَلٌ بَرْضٌ وذا أُكُلٌ خَمْطُ وكم مُطْمعٍ في خيره بِشْرُ وجهه ... ومشتملٍ منه على شَرِّهِ الإِبْط لأَبدى بلا عذر حظوظَ فضائلي ... نفارُ العَذَارى من عِذارٍ به وَخْط وجئتكَ أَلقى العزَّ عندك مُلْقياً ... قلائدَ للأسماع من دُرِّهَا لَقْط أَعِرْني جميلاً واصْطَنِعْنيَ واصْفُ لِي ... جميلَكَ حتى يشمتَ الحاسدُ المِلْط أعِنِّي فعينُ الفضلٍ عانٍ مُقَيَّدٌ ... بعُقْلةِ حرمانٍ نَدَاك لها نَشْط وأَوْعِزْ بتشريفي ورسمي فإنَّهُ ... لحمدي جزاءٌ قد تَقَدَّمَهُ الشَّرْط إِلامَ زماني لا يزال مُسَلِّطاً ... على نابهٍ من أَهْله نَابُهُ السَّلْط سَعَتْ نحوكم مِنِّي مَطَايَا مطالبٍ ... لأَنْسُعِهَا في النجح عندكم مَغْط فدُمْ ظافراً أَبا المظفر بالعِدَى ... حليفَ قبولٍ لا يكون لها حَبْط بقيتَ ولا زالتْ عداكَ مُفِيدَةً ... سعوداً ولا تُحْسِنْ صعوداً ولاهبط ولو كنتَ جاراً للمعريِّ لم يَقُلْ ... لمن جيرةٌ سيموا النوالَ فلم يُنْطُوا ومدائحه كثيرة، ومنائحه غزيرة، وليس شرط هذا الكتاب، بسط هذا الباب؛ فاقتصرت على ما أوردته، وحصرت ما أفردته؛ فإن مللته أو استطلته، فاستمل ما استطبته، واستحل ما أحببته؛ واستحل سناه، وتخل عما سواه؛ فلعل غيرك يستمرىء ما تستمره، ويعرف بفهمه الثاقب وفكره الصائب ما تنكره؛ فقف حيث ينتهي إليه فكرك، وطف حول ما يشتمل عليه زكنك، نبه ذكرك ووجه قدرك.

стр. 558

وأنا الآن موفٍ حق هذا القسم الرابع، بذكر ما أثبته من البدائع، ومورد كل ما يهتز له عطف السامع، ويتنزه فيه طرف الراتع، فانظم من درٍ ماشيت ولا تلم ببحره إن خشيت؛ فإن در البحر يجلبه من يلازم الغوص، ودر الفكر يحلبه من يداوم الفحص. شعراء مصر وقبل شروعي في ذكر أعيان مصر وأحاسنها، ومزايا فضائلها ومزاينها، أقدم ذكر من جميع أفاضل الدهر، وأماثل العصر، كالقطرة في تيار بحره، بل كالذرة في أنوار فجره، وهو: المولى الأجل القاضي الفاضل الأسعد أبو علي عبد الرحيم بن القاضي الأشرف أبي المجد علي بن الحسن بن الحسن بن أحمد ابن البياني صاحب القران، القديم الأقران، وواحد الزمان، العظيم الشان، رب القلم والبيان، واللسن واللسان، والقريحة الوقادة، والبصيرة النقادة، والبديهة المعجزة، والبديعة المطرزة، والفضل الذي ما سمع في الأوائل بمن لو عاش في زمانه لتعلق بغباره، أو جرى في مضماره. فهو كالشريعة المحمدية التي نسخت الشرائع ورسخت بها الصنائع، يخترع الأفكار، ويفترع الأبكار، ويطلع الأنوار، ويبدع الأزهار. وهو ضابط الملك بآرائه، ورابط السلك بآلائه، إن شاء أنشأ في يوم واحدٍ بل في ساعةٍ واحدة ما لو دون لكان لأهل الصناعة خير بضاعة. أين قسٌّ عند فصاحته وأين قيسٌ في مقام حصافته، ومن حاتمٌ وعمرو في سماحته وحماسته. فضله بالإفضال حالٍ، ونجم قبوله في أفق الإقبال عالٍ، لا من في فعله، ولا مين في قوله، ولا خلف في وعده ولا بطء في رفده. الصادق الشيم، السابق بالكرم، ذو الوفاء والمروة، والصفاء والفتوة، والتقى والصلاح والندى والسماح. منشر رفات العلم وناشر راياته، وجالي غيابات الفضل وتالي آياته. وهو من أولياء الله الذين خصوا بكرامته، وأخلصوا لولايته، قد وفقه الله للخير كله. وفضل هذا العصر على الأعصار السالفة بفضله ونبله؛ فهو مع ما يتولاه من أشغال المملكة الشاغلة، ومهامه المستغرقة في العاجلة، لا يغفل عن الآجلة، ولا يفتر عن المواظبة على نوافل صلاته، وحفظ أوراده ووظائفه، وبث أصفاده وعوارفه، ويختم كل يوم ختمةً من القرآن المجيد، ويضيف إليه ما شاء من المزيد. وأنا أوثر أن أفرد بنظمه ونثره كتاباً فإنني أغار من ذكره مع الذين هم كالسها في فلك شمسه وذكائه، وكالثرى عند ثريا علمه وذكائه؛ فإنما تبدو النجوم إذا لم تبد الشمس حاجبها، ولا حجب نور الغزالة عند إشراقها كواكبها؛ ولأنه لا يؤثر أيضاً إثبات ذلك، فأنا متمثلٌ لأمره المطاع ملتزم له قانون الاتباع؛ واضعٌ أذني لإذنه قابضٌ يميني على يمنه، راكنٌ بأملي إلى ركنه، قاطنٌ برجائي في ظل منه، أقترض رضاه، ولا أحكم على ما يحكم به ويراه، ولا أقوم إلا حيث يقيمني، ولا أسوم إلا ما يسومني، ولا أعرف يداً ملكتني غير يده، ولا أتصدى إلا ما جعلني بصدده، وأسأل الله التوفيق للثبات على هذا السنن وانتهاج جدده. وهو أحق ممدوحي بمدحي، وأقضاهم لحقه، وأسماهم في أفقه، وأولاهم بصدقه، وأهداهم إلى طرقه، ولي فيه مدائح منظومةٌ ومنثورة، ومقاصد معاهدها بفضله معمورة، وقصائد قلائدها على مجده موفورة. فمن ذلك من قصيدة كتبت بها إليه عند وصوله إلى الشام في الخدمة الملكية الناصرية سنة سبعين واتصالي به: قد أُهْدِيَ الإِثراءُ في الإِيفاضِ لي ... مذ فاضَ لي بالرَّحْبِ بحرُ الفاضل قد عاضَ لي مَلْقَاهُ من فقري غنىً ... ما زالَ صَرْفُ الدهر منه عاضِلي كم من مُنىً ضَلَّتْ وعاودتِ الهدى ... بلقائه حتى غَلَبْتُ مناضلي عاينتُ طَوْدَ سكينةٍ ورأيتُ شمسَ ... فضيلةٍ ووردت بَحْرَ فواضل ولقيتُ سَحْبانَ البلاغةِ ساحباً ... ببيانه ثوبَ الفخارِ لوائل أَبصرتُ قُسّاً في الفصاحةِ معجزاً ... فعرفتُ أني في فهاهةِ باقل حلفُ الفصاحةِ والحصافةِ والسما ... حةِ والحماسةِ والتقى والنائل بحرٌ من الفضلِ الغزيرِ خِضَمُّهُ ... طامي العُبابِ وما لَهُ من ساحلِ ومنها: في كفِه قلمٌ يُعَجِّلُ جَزْيُهُ ... ما كان من أجلٍ ورزقٍ آجل يجري ولا جَرْيَ الحسام إذا مَضَى ... حَدَّاهُ بل جَرْيَ القضاءِ النازل

стр. 559

نابَتْ كِتابتُهُ مَنَابَ كتيبةٍ ... كُفِلَت بهزمِ كتائبٍ وجحافل كم جادَ إسعافاً لعافِيهِ وكم ... أَمْلَى النجاجَ على رجايَ الآمل بيراعهِ أبداً يُرَاعي عالِمٌ ... في سِرْبه ويُرَاعُ سِرْبُ الجاهل فعَدُوُّهُ في عَدْوِهِ، وَوَلِيُّهُ ... في عَدْلِهِ، يا حُسْنَ عادٍ عادل ريَّانُ من ماءِ التقى، صادٍ إلى ... كَسْبِ المحامدِ، وهْي خيرُ مناهل غَطَّتْ فضيلتُهُ نقيضةَ دهرنا ... عنا وأذهب حقه بالباطل كفلت كفايته بكل فضيلة ... أَكْرِمْ بكافٍ للفضائلِ كافل أكْرِمْ به من خِدْنِ إفضالٍ وذي ... فَضْلٍ لأهل الشام شافٍ شامل ما حلَّ في بلدٍ فكان مَحلُّهُ ... إلا محلَّ حَياً بروضٍ ماحل ففداءُ حزمِكَ كلُّ غاشٍ غاشمٍ ... وفداءُ فضلكَ كلُّ غافٍ غافلِ يا أَوحدَ العصرِ الذي بَزَّ الورى ... فضلاً بغير مُشَاكهٍ ومُشَاكلِ يا أفضلَ الفصحاءِ بل يا أفصحَ ... الٍبلغاءِ منفرداً بغيرِ مُسَاجل يا حالياً بالفضل حَلِّ تفضلاً ... مني بجَدِّكَ جيدَ حظٍ عاطل كم ناقصٍ إدبارُه قد ردَّني ... لكنَّما إقبالُ فضلِكَ قابلي قد كان هذا الشامُ لولا أنتمُ ... روعَ المقيم به وروحَ الراحل كيف السبيلُ إلى نجاح مقاصدي ... ومحاسني وهي العيوبُ وسائلي مالي وجاهَ الجاهلين فأَغْنِني ... عنهمْ كُفِيتَهُمُ وجُدْ بالجاهِ لي جُدْ لي بِمنَّتِكَ الضعيفةُ مُنَّتي ... عنها وأَثْقِلْ من جميلك كاهلي أرجوكَ معتنياً لدى السلطانِ بي ... كَرَماً فمثُلكَ يَعْتَنِي بأَمَاثِلِي تُوفِي وليَّكَ دَيْنَ مَجْدٍ عاقَهُ ... ليُّ الوعودِ من الزمانِ الماطل قَرِّرْ ليَ الشغلَ المُنَخَّلَ مُخْلِياً ... بالي من الهمِّ المقيمِ الشاغل لا زلتَ غيثَ مكارمٍ وبقتَ غَوْ ... ثَ أَكارمٍ وسلمتَ لَهْفَ أَفاضل ومدحته بمصر وذلك في شهر رمضان من سنة اثنتين وسبعين بقصيدة أولها: بِحَيَاتِكمْ ما عندكمْ بَعْدي ... فَسِوَى الأَسَى ما بَعْدَكُمْ عندي جُودُوا بِرِفْدٍ من خيالكمُ ... فخيالكمْ لي غايةُ الرفد أَسْدُوا إِليَّ يداً لأَشْكُرَهَا ... فالشكرُ لا يعدو يدَ المُسْدِي مالِي مجيرٌ غيرُ طَيْفِكُمُ ... يُهدي إليَّ القربَ في البعد والعينُ قد دَمِيَتْ وليس لها ... إلا مَعينُ الدَّمعِ مِنْ وِرْد والسمعُ في وَقْرٍ لعاذِلِهِ ... فيكمْ ونارُ الشوقِ في وَقءد مَنْ غَيْركم للوصلِ أَسْتَدْعي ... أو مَنْ على الهِجْرَانِ أَسْتَعْدِي ما كنتُ أَعلمُ قبلَ فرقتنا ... أنَّ الهوى يومَ النوى يُرْدي سَقَمِي شفائي في مودَّتَكُمْ ... وضلالتي في حُبِّكُمْ رُشْدِي بالروح يفديكم مُحِبُّكُمُ ... والروحُ أَكرمُ ما به يَفْدي يا مالِكي رِقِّي أَمَا لَكُمُ ... من رِقَّةٍ يا حافظي وُدِّي يا جاحدي حقَّ الودادِ وهلْ ... حقُّ الودادِ يضيعُ بالجَحْد يا دمعُ لا تتركْ مساعدتي ... فقد استقالَ الصبرُ من وجدي طلبَ التصبرَ جاهداً فأَبى ... قلبٌ من الأشواقِ في جَهْد وتكحَّلَتْ ليلاً بإِثْمِدِهِ ... عينٌ لهُ مَرِهَتْ من السُّهْد

стр. 560

مُتَفَرِّدٌ بِتَجَرُّعِ الأَسفِ ... المُظْمِي لشوقِ الأَجرعِ الفَرْد شَهِدَ الوداعَ فزاده أَلما ... لمَّا أَصابَ الصابَ في الشَّهدِ إنْ أَنتَ لم تُهْدِ الشفاءَ له ... وهواكَ مُمْرِضُهُ فمن يُهْدِي أَمَّلْتُ نجحكَ لا تُخِبْ أَمَلِي ... وقصدتُ حِفْظَكَ لا تُضِعْ قَصْدِي رَحَلُوا وقلبي في رحالِهِمُ ... يشكو صدىً ويُشَاكُ من صَدِّ أَلقيتُ عند مَثَارِ عِيسِهمُ ... نفسي، وقلتُ خِدِي على خَدِّي ناديتُ حاديهمْ بعيشكَ قِفْ ... للبين من حَدْوٍ على حَدِّ رفقاً بعيشهمُ أَمَا لَهُمُ ... مِمَّا بَدَا للبينِ من بُدِّ فاهدأْ هُدِيتَ فمذ حدوتَ رَمَوْا ... جَلَدي الضعيفَ الأسِّ بالهَدِّ وَجْدي بمصرَ يَهِيجُ ساكنَهُ ... شَغَفِي بذكرى ساكني نجد والوجدُ في الأَحزان كامنةً ... عندي خلافُ النار في الزَّنْدِ ما للأَحِبَّةِ لا عَدِمْتُهُمُ ... رَغِبُوا عن الإسعادِ في الزُّهْد أَوَ ليسَ أَحبابي بنو زمني ... لا غَرْوَ إنْ لم يحفظوا عهدي إنْ لم يَفُوا فلقد وفى كرماً ... عبدُ الرحيم بذمَّةِ المجد الفاضلُ المفضالُ والنَّدِسُ ... المُسْدِي الندي والماجدُ المُجْدِي ما إنْ يضلُّ بقاصدٍ أَمَلٌ ... إلا ويضمنُ أَنه يَهْدي يُسْدِي إليَّ منيرَ أَنْعُمِهِ ... وأُنير مِدْحَتَهُ كما أُسْدِي العُرْفُ معتادٌ له خلقٌ ... وبه تراه غيرَ مُعْتَدِّ بجنابه يدنو جَنَى أَملي النائي ... وراحةُ حظِّيَ المُكْدِي أبداً تَوَالَى مِنْ عوارفِهِ ... طُرفٌ تضافُ لنا إلى تُلْدِ ويرى رجائي من مكارمه ... في النجح طَرْفٌ غيرُ مُرْتَدِّ زاكي النِّجَارِ أَخُو الفخارِ وذو ... المجد الأَثيرِ الطاهرِ البُرْد ذو الرتبة الشمَّاءِ والشرفِ العالي ... السَّنَا والسؤْدُدِ العِدِّ الناسُ كلهمُ له تَبَعٌ ... في فضلهِ والدهرُ كالعَبْد والبحرُ ذو جَزْرٍ وراحتُهُ ... بحرٌ مدى الأَيامِ في مَدِّ ومنها في وصف القلم: وله اليَرَاعُ وَلِيُّهُ أبداً ... يُرْعَى به ويُراعُ ذو الحِقْدِ كم غاض بحرُ بَنَانِه فغدا ... دُرُّ البيانِ يُساق في العِقْد إن سوَّد البيضاءَ بَيَّضَ مِنْ ... ثوبِ الليالي كلَّ مُسْوَدِّ قَلَمٌ أقاليمُ البلادِ به ... وثغورُها في الضَّبْطِ والشَّدِّ بهُزَالِهِ سِمَنُ العُلاَ وكذا ... في الهَزْلِ منه حقيقةُ الجِدِّ لِلِسَانِهِ حُجَجٌ يَرُدُّ بها ... جزماً قضايا الألْسُنِ اللُّدِّ ظمآنُ يُرْوى كلَّ ذي ظمإٍ ... فاعجبْ لذي وِرْدٍ بلا وِرْد مَلِكٌ كتيبتُهُ كِتابتُهُ ... فَرْدٌ بجيشِ النصرِ في جُنْد الأسمر الخَطِّيُّ تابِعُهُ ... في حُكْمِهِ والأبْيَضُ الهندي والنائباتُ بحَدِّهِ أَبَداً ... مثلومةٌ مفلولةُ الحَدِّ كم مأْزقٍ نَقَّى الغرارُ به ... للرعب من جَفْنٍ ومن غِمْدِ نَفَذَتْ به اللاماتُ طاعنةً ... أَلفاتِ خُرِصانِ القَنَا المُلْدِ والسُّمْرُ داميةٌ مطاعِنُها ... كمراودٍ في أعْيُنٍ رُمْد

стр. 561

فَرَّجْتَهُ بِشَبا مُلَطِّفَةٍ ... وَرَدَتْ بِقَسْرِ القَسْوَرِ الوَرْد بلطيفِ تدبيرٍ يَرِقُّ له ... لصفائهِ قلبُ الصَّفَا الصَّلْدِ عُرْفٌ يُبَدِّلُ بالرجاءِ لنا ... في الأزْمِ نُكْرَ الأَزْمُنِ النُّكْدِ ناديكَ من نَدِّ النَّدَى عَطِرٌ ... يا مَنْ يَجِلُّ نَدَاهُ عن نَدِّ من سَبْيِ سَيْبِكَ كلُّ مَحْمَدَةٍ ... فَلأَنْتَ حقّاً مالِكُ الحمدِ وتُعيدُ ما تُبدي وتُضْعِفُهُ ... ومَنِ المعيدُ سواكَ والمُبْدي يا مَنْ وجدتُ بلاغتي حَصَراً ... في حَصْر ما يُوليهِ والعَدِّ من كلِّ مَنْ عقدَ النوائبَ عن ... حَظِّي عُرىً مُوثَقَةَ الشّدّ فَرَّقْتَ اعدائي غداةَ هُمُ ... للشرِّ في حَشْرٍ وف حَشْدِ ورفعتَني فوقَ اليَفَاعِ ولو ... لم تُسْمِني لمكثتُ في الوَهْد فَضْلِي، طرادُ الدهر غادره ... وحظُوظُهُ كَلَّتْ من الطَّرْد غدرَ الزمانُ بكلِّ ذي حَسَبٍ ... يأْبَى الوفاءَ بعَيْشِهِ الرَّغْد ومنها: زِدْ غَرْسَ رِيِّكِ رِيَّةُ فلقد ... أَضحى بعيدَ العَهْدِ بالعَهْدِ عَدْوُ العدوِّ يهونُ أَصْعَبُهُ ... ما دمتَ دمتَ عليه لي مُعْدِي والشوكُ لا يشكو جِنَايَتَهُ ... من كانَ مطلبَهُ جَنَى الورد أخفى بنو زمني محاسنَهُ ... وعتابُ أَيامي معي وَحْدِي ومنها: هذا أَوانُ نِجَازِ وعدِكَ لي ... إنَّ الكريمَ لَمُنْجِزُ الوعد من شدَّ ظهرَ رجائِهِ بِكَ هل ... يبقى بأَمرٍ غيرِ مشتد أيكونُ زبدةُ ما أُؤَمِّلُهُ ... عدمَ التَّمَخُّضِ فيه عن زُبْد أَرْغِمْ بفضلك ضِدَّ مَنْقَبَتِي ... لا زالَ فَضْلُكَ مُرْإِمَ الضد ساعدْ بِجِدِّكَ لِي بقيتَ على ... رغم الأعادي صاعد الجَدِّ والقصيدة أكثر مما أوردته. وحيث أوردت من نظمي في مدحه، وحققت به عجزي عن شكر منحه، فلا بد من إيراد بعض رسائلي التي خدمته بها، وتعلقت عنده بسببها. وأنا موردٌ رسالةً جامعةً مانعةً ناصعةً، كتبتها في جواب مكاتبة له إلي وقد أهدى لي تسع مجلدات من الكتب النفيسة، تشتمل على أشعار أهل العصر المغربيين وآدابهم وهو يثني فيها على إعرابهم، عن المعاني المبتكرة وإغرابهم فيها وإعجازهم وإعجابهم، فكتبت جواباًز وهذه الرسالة قد وفيتها حقها من التجنيس والتطبيق والترصيع، والمقابلة والموازنة والتوشيع، وقد ذكرت الجماعة الذين أهدى إلي من شعرهم ومصنفاتهم، وهي:

стр. 562

ما ظفر مدجج الإظلام بالسنا، ومحوج الإعدام بالغنى، ومزعج الغرام من وصل حبيبه المفارق بنجح المنى، ومخرج السقام من وصف طبيبه الحاذق ببرء الضنا، والمعوز المعور بتبر الجده بعد الإملاق، والمنهج المبهج بعز الجدة غب الإخلاق، بل ما فوز الآمل المشفى على مرض اليأس بالشفاء في النجاح، والخامل المستعفي من مضض الإفلاس بالإثراء والفلاح، والماحل الثرى بما حل في ربع تربه من ثرة الحيا الربعي فأحياه، والناحل المضنى بما نحل من صنع ربه في الإبلال من الجوى الذي أبلاه، والناهل المظمى في عذاب الهاجرة الخشناء بعذاب المناهل من مجاورة مورد السلسال، والذاهل المعنى في عذاب الهاجرة الحسناء برحاب المنازل من نجاز موعد الوصال، كظفر الخاد وفوزه، بشرفه وعزه، وسعادة جده وجد سعده، وحياة روحه، وروح حياته، وحسنى حاله، وحلية حسناته، ونور حدقة فخره الناظرة، ونور حديقة ذخره الناضرة، وسنا سنائه المشرق في أرجاء رجائه من سماء السماح السامية، ولألاء آلائه المتألق برق ودقه لإرواء الأراح الظامية، عند إسفار صبح أمله، وسفور وجه جذله، واجتلاء أنوار جلالة الكمال، واجتناء ثمار دلالة الإقبال، بورود المثال الممثل، المقبل المقبل، المفضل المفضل، عن المجلس العالي، الأجلي، الفاضلي الأسعدي الأشرفي، لا زال شمس جلاله، وبدر فضله وإفضاله، في أوج السعادة، وبرج الزيادة، من مشرقي الشرف والسيادة مشرقين، وعلم العلم بكتائب كتبه ومقانب مناقبه وقلب الشانىء بعلو شانه وسمو سلطانه في الخافقين خافقين، ولا فتىء حكم الشرع في شرعة الحكم بفتياه فتيا، وروض الولي بولي رضاه وجوده مجوداً مولياً، وفضاء الفضائل بأنوار جدواه وأضواء علياه مستهلاً متهللاً، وجاه الجاهل بتأرج نبإ نباهته الفائح النشر وتبلج وجه وجاهته اللائح البشر متبطلاً متعطلاً، ولا برح كاشحه يطوي الكشح وبرح جوى جوه بالغم مغيم، ومناصحه تحوي المنى صحة عقيدته وعقد صحته مبرمٌ قويم؛ مارن مارن المعادي العادي بنغم الرغم، وطن وطن الموالي الوالي بنعم النعم، وسار ظعن ألى الضغن إلى لقم النقم، وحار ركب المضل الضال من ليل الويل في ظلل الظلم. فإن الخادم ما اكتحل بالتشريف حتى احتل ذرى السعد المنيف، وحل حبى الحب لاجتباء حبائه، وأحله من العين في سواده ومن القلب في سويدائه، وشرع من مشرعه في ترشف شفاه التشرف بسقائه، وأطفأ أوار أوامه بامتثال مراسمه، واستشرف في مراد المراد معالم معاليه من مغاني مغانمه، وختم بالشكر عليه وشكر على خاتمه، لما أمن حوادث المكاره ببواعث مكارمه، واستملى من أمالي آماله سورة النجاح بمطالع بيانه، واستجلى من حوالي أحواله صورة الصلاح بطلعة إحسانه، وقام إجلالاً بعظمته، وسجد إقبالاً على قبلته، ومرى ضرع الضراعة لمرآه، وجلا محيا المحيا لمجتلاه، وعلا أفق التوفيق لدنياه ودينه، وتلا " فأما من أوتي كتابه بيمينه " وفاز من حبل العصمة بمتينه، ومن در الحكمة بثمينه، وفاء إلى تأملٍ ضمنه فألفى بتأميل آلاء منه وفاء ضمينه، ورأى نفسه بمنزلة الذرة ذرت عليها الشمس من أعلى مكان. وما قدر خامةٍ لخامل أو باقةٍ لباقلٍ، في مساحب ذيول سيول سحبان وما قيمة قطرةٍ عند الديمة المدرار وهل يبدو سها السهى، لدى قمر النهى للبصير ذي الأبصار وما أثر مدرة الفلاة في مدار الفلك الأثير وما خطر خطل ألكن العجم لخاطر خطيب العرب الألسن الخطير وهل يسع ذا حصرٍ قاس أيادٍ يضيق عن خصر خصرها نطاق نطق قس إياد وهل يسعى ذو قصرٍ لمطاولة الأطواد ولا غرو أن غاض وشل الناقص إذا فاض بحر الفاضل! وأين الثريا من يد المتناول وكيف بلاغ حمد العبد إلى بلاغة عبد الحميد عبد حمدها، والصابئان صاديان إلى وردها، والطائيان مطأطئان خجلاً بل وجلاً من نقدها وردها، وهل هم إلا نجوم ذكاءٍ غيبها طلوع ذكائه، ورسوم مضاءٍ غيرها سطوع ضيائه، وجداول جدلٍ غيضها عباب فيوضه، ونوافل عملٍ أغمضها لباب قروضه.

стр. 563

ما أقبل الخادم وهو مخدوم الإقبال، بإقبال المولى الفاضل عليه لخلوص موالاته بخصوص موالاة الإفضال! وما أحرى العبد بمباهاة الأحرار وأبره بمضاهاة الأبرار!. لقد أربى بفواضل مولاه على أرباب الفضائل، وربا بفائد جدواه قدر المتضائل، ورفع حظوظه من حضيض الخمول والخمود، إلى يفاع الارتفاع بالسعود والصعود، وأوضع به إذ وضع له ميزان ميزاينةٍ في جدد الجدود. وما أشكره للمجلس العالي الصدري وقد صدره في مجالس العلاء كاتباً، ولمعاطس الأعداء كابتاً! وأقدره بمنائحه، وأعجزه عن مدائحه! فأصبح ناطقاً صامتاً قانطاً قانتاً، قائلاً ساكتاً. إن قال، فلأن حجة الحمد أنطقته، وإن استقال، فلأن لجة الرفد أغرقته وقد خاف الغرق من أمه السيل، وضاف الفرق من ضمه الليل فإن عجز بياناً، فلإعجازه بإيراء ذلك البيان؛ وإن أحرز رهاناًن فلإعزازه بالإجراء في هذا الميدان. ووصلت الكتب، كأنها الشهب، يهديها شمس نهار الفضل إلى ساري ليل طلبه، ليهديه بنورها في غيهبه، ويقيمه بسناها على سنن مذهبه. وهي تسع مجلدات، بل تسع آياتٍ بينات، آتاه عبده كليم الفصاحة المتوحد باختراع الكلام الحر، وكريم السماحة المتفرد باختراع الإنعام البكر، وطرف الفصاحة المزين عمه بالحلم، وإلف الحماسة المبين عزمه بالحزم. وكيف يوصل بوسائط المركبات الأربع من العناصر إلى البسائط التسع! وهل يقطع إلى النجم الطارق الطريق الشاسع بطراق الشسع ولكنها صحف الفصح الأولين الأولين، وكرام الكتب الكرام الكاتبين، وخرائد فوائد لمحدثين المحدثين وأبكار أفكار المقدمين. بيد أن منزلتها من الألفاظ الفاضلية منزلة الكتب المنزلة من الذكر المبين. وكم بينها وبين الفرقان من فرقان، وما هي وإن جلت وجلت للقرآن بأقران. كذلك ما لغرائب المغربيين، وأحاديث المحدثين طلاوةٌ، ولا حلاوةٌ، ولا إطراءٌ ولا طراوةٌ، ولا رونق ولا رواء، ولا بهجة ولا بهاء، مع فيض شروق صنائعه البديعة، وومض بروق بدائعه الصنيعة. ومن ابن رشيقٍ عند رشق سهامه ومشقه أقلامه ولو امتد عمره إلى مدته، لعمد إلى إخفاء عمدته، وكان خاملاً في حاشيته، حاملاً لغاشيته. وإن أبا الصلت لو رأى راية رويه لأبى صلت صارم صرامته، غاضاً حدقة حديقته، عاضاً على إبهامه لما أبهم عليه من حقه وحقيقته. ودع ودع قياس القيسي يمرثه الطفل، وقلب القول القسي يغرثه الحفل، فقد قلى يد الإحسان، وفقد قلائد العقيان. هل ابن خيران إلا حيران في ميدان هذا البيان ولقد شخب وريد ابن أبي الشخباء ورد إلى خباء الاحتباء. ولو حيي ابن خفاجة لجاء حيياً إلى جهة الاختفاء. فهؤلاء الذين خص المولى عبده بخصائصهم، وأخلصه للاطلاع على علم مطالعهم ومخالصهم. وإن صاغت خواطرهم من إبريز التبريز تيجاناً مرصعةً مرجاناً، وصغت زواهرهم للمغارب بنواصع الدرر ولوامع الغرر شهبانا متجمعةً ووحدانا، وكانوا عيون الناس الأعيان، وأناسي عيون الزمان، متممين بحسن الخواتم حسن الفواتح، محكمين سود الصحائف في بيض الصفائح، فإنهم ناقصون إقصاراً لكماله، شاخصون إبصاراً لجماله، لم يكتحلوا بتراب قدمه، ولم يدخلوا من باب حرمه، وكل الصيد في جوف الفرا، ومن قال غير هذا قيل له أطرق كرا. فهذه الكتب المهداة، والسحب المنشاة، فروعها المصنفة ستة أصنافٍ وأصلها كتابه الكريم، وأجزاؤها المؤلفة تسعة أصدافٍ وكلها دره اليتيم. تلك عشرةٌ كاملةٌ في المشايعة، أذعنت عونها لفضيلة بكرها كعشيرة الصحابة في المبايعة، أغضيت عيونها لفضل أبي بكرها، فهل كانت عدةً أتمها بعشرٍ لإكمالها، أو حسنةً جزاؤها بعشرة أمثالها

стр. 564

ولما زف المولى هدي هداياه إلى كفؤها الكافي عنده صف إماءها أمامها على مثالها، فيا له غرساً ما تم به إلا للمتحترش الحاسد مأتمٌ، وأنساً ما تم منه إلا للمستوحش الجاحد مأثمٌ. وقد غني بالغانية عن وصف وصائفها ولهاً ولها، وعني بمعانيها الرائقة الرائعة ولم ينظر لنضارها شبهاً شبهاً، وإذ أفردها فضلها على فرائد فضلاء المشرقين والمغربين أبصر وسمع لساني العرب والعجم بتفضيل جميلها على تفصيل جملتها معجمين معربين. وأما المغاربة فعلى مشارع المشارقة مغار حبلها، ومن مشاربها معار خيلها، ومن مغانمها مغارمها، ومن صرائمها صوارمها، وحسبها أن الغزالة الراتعة في رياض الفلك، الكارعة ف حياض الملك، إذا وصلت إلى وردها توردت بالشفق، واصفرت للفراق من الفرق، وأصابت عينها عين العين الحامية، وعانقتها يد العنقاء المغرب العادية، ووقعت في قبضة طفل الطفل كالعصفور، وقضت هنالك نحبها ومعادها من المشرق غداة يوم النشور. إن الله يأتي بالشمس من المشرق حجةً بالغةً ومحجةً واضحةً للمحق المحقق، فإن تعلق المغربيون بأذيال أسمال الأنوار آخراً، فالمشرقيون اجتابوا حللها القشب أولاً، وإن تسلقوا على أسوار أسآرها فالعراقيون فتحوها معقلاً معقلاً، ولا لوم على العراق العراقي إذا استلأم ليحمي بحميته حماه، ويغار حين يغار على علاه. أما مصر فهي الآن عراقية الدولة، عباسية الدعوة، يوسفية العزة، فاضلية الحوزة، ناصرية النصرة، عادلية الحظوة، صلاحية السيرة، سيفية الهزة. فالفضل لها في عصرنا لا قبله، وفخرها فاضلها الذي ما رأى الزمان مثله، وهو معتق عبده، ومسترق حمده، وناعشه من عثار الجد، ورائشه بدثار المجد، فالخادم عراقي المنشأ والمربى، مصري المنحى والملجا، ناصري العلاء فاضلي الولاء. وأما الشام فلا يذكر ولا يشكر، وكيف يعرف ولا ينكر، ومعروف حلبة حلبه ذات المنكر. وقد دل نص الكتاب الكريم الواصل من المولى على أن سيآتها كثيرة، ولكنها لحسنات سلطانها مغفورة: قد طال دَنِّي لكم فطوِّلْ ... طَوْلاً بجاهي العريضِ كُمِّي أصبحتُ في مصرَ ذا رجاءٍ ... إلى النَّدَى الجمِّ منك جَمِّ أصابَ قَصْدي وتمَّ أَسْري ... وبان نُجْحي وفازَ أَمِّي وإنني قد وجدتُ وَجْدي ... منك كما قد عَدِمْتُ عُدْمِي نعشتني من عثارِ دهري ... فخِرْتَ حَمْدي وحازَ ذَمِّي ومنها: نتيجةُ النجح منك تقضي ... أنَّ المواعيدَ غيرُ عُقْمِ ومنها: قضاءُ دَيني ونيلُ سُولي ... وحفظُ جاهي وجريُ رسمي وضَيْعَةٌ لا يضيع فيها ... عَزْمي كما لا يفوتُ غُنْمي وحرمةٌ تستنيرُ منها ... سعودُ قدري في أُفْقِ عُظْمِ يممتُ يَمّاً ولستُ أَرضى ... تيمماً في جَنَابِ يَمِّ لِمْ أَمَلى لَمْ يُزَنْ بنجح ... لِمْ شَعَثْي لَمْ يُعَنْ بِلَمِّ رُمْ رَمَّ أَمري وحلِّ حالي ... ما كَرَمٌ في الورى كَرَمِّي رُثَّ رجائي بكل طرز ... وعُثَّ جاهي بغير سُحْمِ مضارعُ الفعل حظُّ فضلي ... وعائقُ الصرفِ حرفُ جَزْم ناهيكَ من مُخْوِلٍ مُعِمّ ... يحنو على المُخول المُعم كل عدوٍ شَنَاكَ يَلْقَى ... في الناسِ طَمْسَ اسمه كَطَسْمِ شَمْلُ العِدَا والعروضُ منهم ... ما بين شتٍ وبين شَتْم ونلتَ عزّاً بغير صَرْفٍ ... ووصلَ مُلْكٍ بغير صَرْمِ تَمَلَّهَأ فهي بكرُ فكري ... شهيةٌ من نتاجِ شَهْم حدوت عِيسِي بها فجاءَتْ ... شقشقةً من هديرِ قَرْم ومنها: لي خاطرٌ مُجْبِلٌ، لهمِّي، ... فَنَحْتُهُ من صَفاً أَصمِّ أَقْدَمَ رَغْباً فجابَ رُغْباً ... لقدرِ فخرٍ لديك فَخْم إليكَ يا كعبةَ المعالي ... حَجَّ حجاهُ بلُطْفِ حَجْم أَجْرِ على الوهمِ عُظْم شاني ... واجبرْ على الوَهْنِ عظْمَ نَظْمي

стр. 565

بصفحةِ الصفح منكَ يبدو ... جِرْمُ قصوري بغير جُرْم باسمكَ للشكر باسماتٌ ... مِنِّي مُنىً سُقْتهُنَّ باسمي أَقبِلْ وأَفضِلْ عليَّ واقبَلْ ... عُرْبَ معانٍ لديك عُجْم ما دمتَ عوني فليس يَغْدو ... جميلُ وسمي قبيحَ رَسْم القاضي المؤتمن ابن كاسيبويه الكاتب من صدور كتاب مصر الذين يثنى عليهم الخنصر، ويقوى باعتدال طبائع خواطرهم من البراعة العنصر. ولم يزل في الدولة المصرية مقدماً مصدراً، وبكر فضله خلف حجاب الصدور مخدراً. ما أحسن أثر يراعته خطاً، وما أمكن خاطره المنير في سماء النظم لفلك المعالي قطباً. ولما زال عن مصر ببشر الدولة العباسية عبوسها، وبدا كل يوم يحل خمارها ويقلع بوسها، حار ابن كاسيبويه، وكاد يخفي ولو أنه في العلم سيبويه، فآواه القاضي الفاضل وغمرته منه الفواضل، وناضل عنه حين دون المنى ضل المناضل، وصيره الملك عز الدين فرخشاه بن شاهنشاه بن أيوب وزيره، وأسمعه من غناء الغنى بجاه خدمته بمه وزيره. وهو الآن ذو جاهٍ عريض، وروض قشيب أريضٍ، سهل العبارة سلسها، مبتدع الاستعارة مختلسها، كنايته حلوة معسولة، من تكلف الصنعة مغسولة. وله نظم يناسب نثره سلاسةً ونهجاً، ويلائم وشي رسائله سلامة ونسجاً؛ فمن ذلك أني ملت لحضرة الملك عز الدين فرخشاه في داره بالقاهرة ليلة الثاني من رجب سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة، والمؤتمن بن كاسيبويه حاضر، وقد كتب له من شعره في مدحه ورقة قد أودعت من لطائفه، فأخذتها ناظراً في ناضر زهرها، ومنها قوله: وسَمَتْ محاسنَك الزمانُ فلم تَدَعْ ... وَقْتاً من الأوقات إلا مَوْسِمَا أَزْرتْ خلالُكَ بالحسام إذا مَضَى ... عند الضَّريبةِ والغمامِ إذا هَمَى لا غرو أن جَرَّ الجيوش مُقَدَّماً ... من كان مذ شَهِد الوقائع مُقْدِما قسماً لقد هجر الكرَى جَفْني فلا ... يعتاده حتى يَعُودَ مسلِّما وله، صدر كتاب: لا زلت منصور اللواءِ مظفراً ... والسَّعْدُ يرحلُ إن رحلتَ وينزلُ والنجح مقرونٌ بقصدك دائماً ... والدهر يتبعُ ما تقولُ وتفعل وإذا قَفَلْتَ فَوَاجَهتْكَ مَيَامِنٌ ... تبدو بشائرها وجَدٌّ مقبل أنت الذي جاهدتَ عن دين الهدى ... فأَعزَّ نصركَ ناصرٌ لا يُخْذَل وَأَزَرْتَ أَرْضَ الشركِ أَطرافَ القَنَا ... حتى غَدَتْ من خيفةٍ تتزلزل وبِأَلْسُنِ الأَغمادِ خاطبتَ العدا ... فأجابها فتحٌ أغرُّ محجَّل نرْجى الجيادَ إلى الجهاد جحافلاً ... تَغْشَى البلادَ وأنت وحدك جحفل فَلْيَهْنِكَ الفتح الذي سَبَقَتْ به البُشْرَى ... وأشرقَ بِشْرُهُ المتهللُ يا من يُجَلِّي كلَّ خطبٍ مُعْضلٍ ... قولٌ له فَصْلٌ وسيف فَيْصَلُ عَقَدَ الوقارُ عليك تاجَ سكينةٍ ... بالنور لا دُرِّ العقود يُكَلَّلُ أحرزتَ من فضل الكمال خصائصاً ... عنها أحاديثُ المكارم تُنْقَل فاسلْم لملْكٍ قد حفظتَ نظامَه ... وسما بعزك مجدُهُ المتأَثِّلُ يحوي مقاليدَ البلادِ فسابقٌ ... أَعطى القيادَ ولاحقٌ مُتَمَهِّلُ عدة في الديوان الفاضلي السرير علم الرؤساء أبو القاسم عبد الرحمن بن هبة الله بن حسن بن رفاعة من أهل مصر، المعروف ب كاتب الأمير ناصر الدولة
следующие страницы →