Полный текст (895 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.
стр. 561
فَرَّجْتَهُ بِشَبا مُلَطِّفَةٍ ... وَرَدَتْ بِقَسْرِ القَسْوَرِ الوَرْد
بلطيفِ تدبيرٍ يَرِقُّ له ... لصفائهِ قلبُ الصَّفَا الصَّلْدِ
عُرْفٌ يُبَدِّلُ بالرجاءِ لنا ... في الأزْمِ نُكْرَ الأَزْمُنِ النُّكْدِ
ناديكَ من نَدِّ النَّدَى عَطِرٌ ... يا مَنْ يَجِلُّ نَدَاهُ عن نَدِّ
من سَبْيِ سَيْبِكَ كلُّ مَحْمَدَةٍ ... فَلأَنْتَ حقّاً مالِكُ الحمدِ
وتُعيدُ ما تُبدي وتُضْعِفُهُ ... ومَنِ المعيدُ سواكَ والمُبْدي
يا مَنْ وجدتُ بلاغتي حَصَراً ... في حَصْر ما يُوليهِ والعَدِّ
من كلِّ مَنْ عقدَ النوائبَ عن ... حَظِّي عُرىً مُوثَقَةَ الشّدّ
فَرَّقْتَ اعدائي غداةَ هُمُ ... للشرِّ في حَشْرٍ وف حَشْدِ
ورفعتَني فوقَ اليَفَاعِ ولو ... لم تُسْمِني لمكثتُ في الوَهْد
فَضْلِي، طرادُ الدهر غادره ... وحظُوظُهُ كَلَّتْ من الطَّرْد
غدرَ الزمانُ بكلِّ ذي حَسَبٍ ... يأْبَى الوفاءَ بعَيْشِهِ الرَّغْد
ومنها:
زِدْ غَرْسَ رِيِّكِ رِيَّةُ فلقد ... أَضحى بعيدَ العَهْدِ بالعَهْدِ
عَدْوُ العدوِّ يهونُ أَصْعَبُهُ ... ما دمتَ دمتَ عليه لي مُعْدِي
والشوكُ لا يشكو جِنَايَتَهُ ... من كانَ مطلبَهُ جَنَى الورد
أخفى بنو زمني محاسنَهُ ... وعتابُ أَيامي معي وَحْدِي
ومنها:
هذا أَوانُ نِجَازِ وعدِكَ لي ... إنَّ الكريمَ لَمُنْجِزُ الوعد
من شدَّ ظهرَ رجائِهِ بِكَ هل ... يبقى بأَمرٍ غيرِ مشتد
أيكونُ زبدةُ ما أُؤَمِّلُهُ ... عدمَ التَّمَخُّضِ فيه عن زُبْد
أَرْغِمْ بفضلك ضِدَّ مَنْقَبَتِي ... لا زالَ فَضْلُكَ مُرْإِمَ الضد
ساعدْ بِجِدِّكَ لِي بقيتَ على ... رغم الأعادي صاعد الجَدِّ
والقصيدة أكثر مما أوردته. وحيث أوردت من نظمي في مدحه، وحققت به عجزي عن شكر منحه، فلا بد من إيراد بعض رسائلي التي خدمته بها، وتعلقت عنده بسببها.
وأنا موردٌ رسالةً جامعةً مانعةً ناصعةً، كتبتها في جواب مكاتبة له إلي وقد أهدى لي تسع مجلدات من الكتب النفيسة، تشتمل على أشعار أهل العصر المغربيين وآدابهم وهو يثني فيها على إعرابهم، عن المعاني المبتكرة وإغرابهم فيها وإعجازهم وإعجابهم، فكتبت جواباًز وهذه الرسالة قد وفيتها حقها من التجنيس والتطبيق والترصيع، والمقابلة والموازنة والتوشيع، وقد ذكرت الجماعة الذين أهدى إلي من شعرهم ومصنفاتهم، وهي:
стр. 562
ما ظفر مدجج الإظلام بالسنا، ومحوج الإعدام بالغنى، ومزعج الغرام من وصل حبيبه المفارق بنجح المنى، ومخرج السقام من وصف طبيبه الحاذق ببرء الضنا، والمعوز المعور بتبر الجده بعد الإملاق، والمنهج المبهج بعز الجدة غب الإخلاق، بل ما فوز الآمل المشفى على مرض اليأس بالشفاء في النجاح، والخامل المستعفي من مضض الإفلاس بالإثراء والفلاح، والماحل الثرى بما حل في ربع تربه من ثرة الحيا الربعي فأحياه، والناحل المضنى بما نحل من صنع ربه في الإبلال من الجوى الذي أبلاه، والناهل المظمى في عذاب الهاجرة الخشناء بعذاب المناهل من مجاورة مورد السلسال، والذاهل المعنى في عذاب الهاجرة الحسناء برحاب المنازل من نجاز موعد الوصال، كظفر الخاد وفوزه، بشرفه وعزه، وسعادة جده وجد سعده، وحياة روحه، وروح حياته، وحسنى حاله، وحلية حسناته، ونور حدقة فخره الناظرة، ونور حديقة ذخره الناضرة، وسنا سنائه المشرق في أرجاء رجائه من سماء السماح السامية، ولألاء آلائه المتألق برق ودقه لإرواء الأراح الظامية، عند إسفار صبح أمله، وسفور وجه جذله، واجتلاء أنوار جلالة الكمال، واجتناء ثمار دلالة الإقبال، بورود المثال الممثل، المقبل المقبل، المفضل المفضل، عن المجلس العالي، الأجلي، الفاضلي الأسعدي الأشرفي، لا زال شمس جلاله، وبدر فضله وإفضاله، في أوج السعادة، وبرج الزيادة، من مشرقي الشرف والسيادة مشرقين، وعلم العلم بكتائب كتبه ومقانب مناقبه وقلب الشانىء بعلو شانه وسمو سلطانه في الخافقين خافقين، ولا فتىء حكم الشرع في شرعة الحكم بفتياه فتيا، وروض الولي بولي رضاه وجوده مجوداً مولياً، وفضاء الفضائل بأنوار جدواه وأضواء علياه مستهلاً متهللاً، وجاه الجاهل بتأرج نبإ نباهته الفائح النشر وتبلج وجه وجاهته اللائح البشر متبطلاً متعطلاً، ولا برح كاشحه يطوي الكشح وبرح جوى جوه بالغم مغيم، ومناصحه تحوي المنى صحة عقيدته وعقد صحته مبرمٌ قويم؛ مارن مارن المعادي العادي بنغم الرغم، وطن وطن الموالي الوالي بنعم النعم، وسار ظعن ألى الضغن إلى لقم النقم، وحار ركب المضل الضال من ليل الويل في ظلل الظلم. فإن الخادم ما اكتحل بالتشريف حتى احتل ذرى السعد المنيف، وحل حبى الحب لاجتباء حبائه، وأحله من العين في سواده ومن القلب في سويدائه، وشرع من مشرعه في ترشف شفاه التشرف بسقائه، وأطفأ أوار أوامه بامتثال مراسمه، واستشرف في مراد المراد معالم معاليه من مغاني مغانمه، وختم بالشكر عليه وشكر على خاتمه، لما أمن حوادث المكاره ببواعث مكارمه، واستملى من أمالي آماله سورة النجاح بمطالع بيانه، واستجلى من حوالي أحواله صورة الصلاح بطلعة إحسانه، وقام إجلالاً بعظمته، وسجد إقبالاً على قبلته، ومرى ضرع الضراعة لمرآه، وجلا محيا المحيا لمجتلاه، وعلا أفق التوفيق لدنياه ودينه، وتلا " فأما من أوتي كتابه بيمينه " وفاز من حبل العصمة بمتينه، ومن در الحكمة بثمينه، وفاء إلى تأملٍ ضمنه فألفى بتأميل آلاء منه وفاء ضمينه، ورأى نفسه بمنزلة الذرة ذرت عليها الشمس من أعلى مكان. وما قدر خامةٍ لخامل أو باقةٍ لباقلٍ، في مساحب ذيول سيول سحبان وما قيمة قطرةٍ عند الديمة المدرار وهل يبدو سها السهى، لدى قمر النهى للبصير ذي الأبصار وما أثر مدرة الفلاة في مدار الفلك الأثير وما خطر خطل ألكن العجم لخاطر خطيب العرب الألسن الخطير وهل يسع ذا حصرٍ قاس أيادٍ يضيق عن خصر خصرها نطاق نطق قس إياد وهل يسعى ذو قصرٍ لمطاولة الأطواد ولا غرو أن غاض وشل الناقص إذا فاض بحر الفاضل! وأين الثريا من يد المتناول وكيف بلاغ حمد العبد إلى بلاغة عبد الحميد عبد حمدها، والصابئان صاديان إلى وردها، والطائيان مطأطئان خجلاً بل وجلاً من نقدها وردها، وهل هم إلا نجوم ذكاءٍ غيبها طلوع ذكائه، ورسوم مضاءٍ غيرها سطوع ضيائه، وجداول جدلٍ غيضها عباب فيوضه، ونوافل عملٍ أغمضها لباب قروضه.
стр. 563
ما أقبل الخادم وهو مخدوم الإقبال، بإقبال المولى الفاضل عليه لخلوص موالاته بخصوص موالاة الإفضال! وما أحرى العبد بمباهاة الأحرار وأبره بمضاهاة الأبرار!. لقد أربى بفواضل مولاه على أرباب الفضائل، وربا بفائد جدواه قدر المتضائل، ورفع حظوظه من حضيض الخمول والخمود، إلى يفاع الارتفاع بالسعود والصعود، وأوضع به إذ وضع له ميزان ميزاينةٍ في جدد الجدود. وما أشكره للمجلس العالي الصدري وقد صدره في مجالس العلاء كاتباً، ولمعاطس الأعداء كابتاً! وأقدره بمنائحه، وأعجزه عن مدائحه! فأصبح ناطقاً صامتاً قانطاً قانتاً، قائلاً ساكتاً. إن قال، فلأن حجة الحمد أنطقته، وإن استقال، فلأن لجة الرفد أغرقته وقد خاف الغرق من أمه السيل، وضاف الفرق من ضمه الليل فإن عجز بياناً، فلإعجازه بإيراء ذلك البيان؛ وإن أحرز رهاناًن فلإعزازه بالإجراء في هذا الميدان.
ووصلت الكتب، كأنها الشهب، يهديها شمس نهار الفضل إلى ساري ليل طلبه، ليهديه بنورها في غيهبه، ويقيمه بسناها على سنن مذهبه. وهي تسع مجلدات، بل تسع آياتٍ بينات، آتاه عبده كليم الفصاحة المتوحد باختراع الكلام الحر، وكريم السماحة المتفرد باختراع الإنعام البكر، وطرف الفصاحة المزين عمه بالحلم، وإلف الحماسة المبين عزمه بالحزم. وكيف يوصل بوسائط المركبات الأربع من العناصر إلى البسائط التسع! وهل يقطع إلى النجم الطارق الطريق الشاسع بطراق الشسع ولكنها صحف الفصح الأولين الأولين، وكرام الكتب الكرام الكاتبين، وخرائد فوائد لمحدثين المحدثين وأبكار أفكار المقدمين. بيد أن منزلتها من الألفاظ الفاضلية منزلة الكتب المنزلة من الذكر المبين. وكم بينها وبين الفرقان من فرقان، وما هي وإن جلت وجلت للقرآن بأقران. كذلك ما لغرائب المغربيين، وأحاديث المحدثين طلاوةٌ، ولا حلاوةٌ، ولا إطراءٌ ولا طراوةٌ، ولا رونق ولا رواء، ولا بهجة ولا بهاء، مع فيض شروق صنائعه البديعة، وومض بروق بدائعه الصنيعة. ومن ابن رشيقٍ عند رشق سهامه ومشقه أقلامه ولو امتد عمره إلى مدته، لعمد إلى إخفاء عمدته، وكان خاملاً في حاشيته، حاملاً لغاشيته. وإن أبا الصلت لو رأى راية رويه لأبى صلت صارم صرامته، غاضاً حدقة حديقته، عاضاً على إبهامه لما أبهم عليه من حقه وحقيقته. ودع ودع قياس القيسي يمرثه الطفل، وقلب القول القسي يغرثه الحفل، فقد قلى يد الإحسان، وفقد قلائد العقيان. هل ابن خيران إلا حيران في ميدان هذا البيان ولقد شخب وريد ابن أبي الشخباء ورد إلى خباء الاحتباء. ولو حيي ابن خفاجة لجاء حيياً إلى جهة الاختفاء. فهؤلاء الذين خص المولى عبده بخصائصهم، وأخلصه للاطلاع على علم مطالعهم ومخالصهم. وإن صاغت خواطرهم من إبريز التبريز تيجاناً مرصعةً مرجاناً، وصغت زواهرهم للمغارب بنواصع الدرر ولوامع الغرر شهبانا متجمعةً ووحدانا، وكانوا عيون الناس الأعيان، وأناسي عيون الزمان، متممين بحسن الخواتم حسن الفواتح، محكمين سود الصحائف في بيض الصفائح، فإنهم ناقصون إقصاراً لكماله، شاخصون إبصاراً لجماله، لم يكتحلوا بتراب قدمه، ولم يدخلوا من باب حرمه، وكل الصيد في جوف الفرا، ومن قال غير هذا قيل له أطرق كرا.
فهذه الكتب المهداة، والسحب المنشاة، فروعها المصنفة ستة أصنافٍ وأصلها كتابه الكريم، وأجزاؤها المؤلفة تسعة أصدافٍ وكلها دره اليتيم. تلك عشرةٌ كاملةٌ في المشايعة، أذعنت عونها لفضيلة بكرها كعشيرة الصحابة في المبايعة، أغضيت عيونها لفضل أبي بكرها، فهل كانت عدةً أتمها بعشرٍ لإكمالها، أو حسنةً جزاؤها بعشرة أمثالها
стр. 564
ولما زف المولى هدي هداياه إلى كفؤها الكافي عنده صف إماءها أمامها على مثالها، فيا له غرساً ما تم به إلا للمتحترش الحاسد مأتمٌ، وأنساً ما تم منه إلا للمستوحش الجاحد مأثمٌ. وقد غني بالغانية عن وصف وصائفها ولهاً ولها، وعني بمعانيها الرائقة الرائعة ولم ينظر لنضارها شبهاً شبهاً، وإذ أفردها فضلها على فرائد فضلاء المشرقين والمغربين أبصر وسمع لساني العرب والعجم بتفضيل جميلها على تفصيل جملتها معجمين معربين. وأما المغاربة فعلى مشارع المشارقة مغار حبلها، ومن مشاربها معار خيلها، ومن مغانمها مغارمها، ومن صرائمها صوارمها، وحسبها أن الغزالة الراتعة في رياض الفلك، الكارعة ف حياض الملك، إذا وصلت إلى وردها توردت بالشفق، واصفرت للفراق من الفرق، وأصابت عينها عين العين الحامية، وعانقتها يد العنقاء المغرب العادية، ووقعت في قبضة طفل الطفل كالعصفور، وقضت هنالك نحبها ومعادها من المشرق غداة يوم النشور. إن الله يأتي بالشمس من المشرق حجةً بالغةً ومحجةً واضحةً للمحق المحقق، فإن تعلق المغربيون بأذيال أسمال الأنوار آخراً، فالمشرقيون اجتابوا حللها القشب أولاً، وإن تسلقوا على أسوار أسآرها فالعراقيون فتحوها معقلاً معقلاً، ولا لوم على العراق العراقي إذا استلأم ليحمي بحميته حماه، ويغار حين يغار على علاه. أما مصر فهي الآن عراقية الدولة، عباسية الدعوة، يوسفية العزة، فاضلية الحوزة، ناصرية النصرة، عادلية الحظوة، صلاحية السيرة، سيفية الهزة. فالفضل لها في عصرنا لا قبله، وفخرها فاضلها الذي ما رأى الزمان مثله، وهو معتق عبده، ومسترق حمده، وناعشه من عثار الجد، ورائشه بدثار المجد، فالخادم عراقي المنشأ والمربى، مصري المنحى والملجا، ناصري العلاء فاضلي الولاء. وأما الشام فلا يذكر ولا يشكر، وكيف يعرف ولا ينكر، ومعروف حلبة حلبه ذات المنكر. وقد دل نص الكتاب الكريم الواصل من المولى على أن سيآتها كثيرة، ولكنها لحسنات سلطانها مغفورة:
قد طال دَنِّي لكم فطوِّلْ ... طَوْلاً بجاهي العريضِ كُمِّي
أصبحتُ في مصرَ ذا رجاءٍ ... إلى النَّدَى الجمِّ منك جَمِّ
أصابَ قَصْدي وتمَّ أَسْري ... وبان نُجْحي وفازَ أَمِّي
وإنني قد وجدتُ وَجْدي ... منك كما قد عَدِمْتُ عُدْمِي
نعشتني من عثارِ دهري ... فخِرْتَ حَمْدي وحازَ ذَمِّي
ومنها:
نتيجةُ النجح منك تقضي ... أنَّ المواعيدَ غيرُ عُقْمِ
ومنها:
قضاءُ دَيني ونيلُ سُولي ... وحفظُ جاهي وجريُ رسمي
وضَيْعَةٌ لا يضيع فيها ... عَزْمي كما لا يفوتُ غُنْمي
وحرمةٌ تستنيرُ منها ... سعودُ قدري في أُفْقِ عُظْمِ
يممتُ يَمّاً ولستُ أَرضى ... تيمماً في جَنَابِ يَمِّ
لِمْ أَمَلى لَمْ يُزَنْ بنجح ... لِمْ شَعَثْي لَمْ يُعَنْ بِلَمِّ
رُمْ رَمَّ أَمري وحلِّ حالي ... ما كَرَمٌ في الورى كَرَمِّي
رُثَّ رجائي بكل طرز ... وعُثَّ جاهي بغير سُحْمِ
مضارعُ الفعل حظُّ فضلي ... وعائقُ الصرفِ حرفُ جَزْم
ناهيكَ من مُخْوِلٍ مُعِمّ ... يحنو على المُخول المُعم
كل عدوٍ شَنَاكَ يَلْقَى ... في الناسِ طَمْسَ اسمه كَطَسْمِ
شَمْلُ العِدَا والعروضُ منهم ... ما بين شتٍ وبين شَتْم
ونلتَ عزّاً بغير صَرْفٍ ... ووصلَ مُلْكٍ بغير صَرْمِ
تَمَلَّهَأ فهي بكرُ فكري ... شهيةٌ من نتاجِ شَهْم
حدوت عِيسِي بها فجاءَتْ ... شقشقةً من هديرِ قَرْم
ومنها:
لي خاطرٌ مُجْبِلٌ، لهمِّي، ... فَنَحْتُهُ من صَفاً أَصمِّ
أَقْدَمَ رَغْباً فجابَ رُغْباً ... لقدرِ فخرٍ لديك فَخْم
إليكَ يا كعبةَ المعالي ... حَجَّ حجاهُ بلُطْفِ حَجْم
أَجْرِ على الوهمِ عُظْم شاني ... واجبرْ على الوَهْنِ عظْمَ نَظْمي
стр. 565
بصفحةِ الصفح منكَ يبدو ... جِرْمُ قصوري بغير جُرْم
باسمكَ للشكر باسماتٌ ... مِنِّي مُنىً سُقْتهُنَّ باسمي
أَقبِلْ وأَفضِلْ عليَّ واقبَلْ ... عُرْبَ معانٍ لديك عُجْم
ما دمتَ عوني فليس يَغْدو ... جميلُ وسمي قبيحَ رَسْم
القاضي المؤتمن ابن كاسيبويه الكاتب
من صدور كتاب مصر الذين يثنى عليهم الخنصر، ويقوى باعتدال طبائع خواطرهم من البراعة العنصر. ولم يزل في الدولة المصرية مقدماً مصدراً، وبكر فضله خلف حجاب الصدور مخدراً. ما أحسن أثر يراعته خطاً، وما أمكن خاطره المنير في سماء النظم لفلك المعالي قطباً. ولما زال عن مصر ببشر الدولة العباسية عبوسها، وبدا كل يوم يحل خمارها ويقلع بوسها، حار ابن كاسيبويه، وكاد يخفي ولو أنه في العلم سيبويه، فآواه القاضي الفاضل وغمرته منه الفواضل، وناضل عنه حين دون المنى ضل المناضل، وصيره الملك عز الدين فرخشاه بن شاهنشاه بن أيوب وزيره، وأسمعه من غناء الغنى بجاه خدمته بمه وزيره. وهو الآن ذو جاهٍ عريض، وروض قشيب أريضٍ، سهل العبارة سلسها، مبتدع الاستعارة مختلسها، كنايته حلوة معسولة، من تكلف الصنعة مغسولة.
وله نظم يناسب نثره سلاسةً ونهجاً، ويلائم وشي رسائله سلامة ونسجاً؛ فمن ذلك أني ملت لحضرة الملك عز الدين فرخشاه في داره بالقاهرة ليلة الثاني من رجب سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة، والمؤتمن بن كاسيبويه حاضر، وقد كتب له من شعره في مدحه ورقة قد أودعت من لطائفه، فأخذتها ناظراً في ناضر زهرها، ومنها قوله:
وسَمَتْ محاسنَك الزمانُ فلم تَدَعْ ... وَقْتاً من الأوقات إلا مَوْسِمَا
أَزْرتْ خلالُكَ بالحسام إذا مَضَى ... عند الضَّريبةِ والغمامِ إذا هَمَى
لا غرو أن جَرَّ الجيوش مُقَدَّماً ... من كان مذ شَهِد الوقائع مُقْدِما
قسماً لقد هجر الكرَى جَفْني فلا ... يعتاده حتى يَعُودَ مسلِّما
وله، صدر كتاب:
لا زلت منصور اللواءِ مظفراً ... والسَّعْدُ يرحلُ إن رحلتَ وينزلُ
والنجح مقرونٌ بقصدك دائماً ... والدهر يتبعُ ما تقولُ وتفعل
وإذا قَفَلْتَ فَوَاجَهتْكَ مَيَامِنٌ ... تبدو بشائرها وجَدٌّ مقبل
أنت الذي جاهدتَ عن دين الهدى ... فأَعزَّ نصركَ ناصرٌ لا يُخْذَل
وَأَزَرْتَ أَرْضَ الشركِ أَطرافَ القَنَا ... حتى غَدَتْ من خيفةٍ تتزلزل
وبِأَلْسُنِ الأَغمادِ خاطبتَ العدا ... فأجابها فتحٌ أغرُّ محجَّل
نرْجى الجيادَ إلى الجهاد جحافلاً ... تَغْشَى البلادَ وأنت وحدك جحفل
فَلْيَهْنِكَ الفتح الذي سَبَقَتْ به البُشْرَى ... وأشرقَ بِشْرُهُ المتهللُ
يا من يُجَلِّي كلَّ خطبٍ مُعْضلٍ ... قولٌ له فَصْلٌ وسيف فَيْصَلُ
عَقَدَ الوقارُ عليك تاجَ سكينةٍ ... بالنور لا دُرِّ العقود يُكَلَّلُ
أحرزتَ من فضل الكمال خصائصاً ... عنها أحاديثُ المكارم تُنْقَل
فاسلْم لملْكٍ قد حفظتَ نظامَه ... وسما بعزك مجدُهُ المتأَثِّلُ
يحوي مقاليدَ البلادِ فسابقٌ ... أَعطى القيادَ ولاحقٌ مُتَمَهِّلُ
عدة في الديوان الفاضلي السرير
علم الرؤساء أبو القاسم عبد الرحمن بن هبة الله بن حسن بن رفاعة من أهل مصر، المعروف ب
كاتب الأمير ناصر الدولة
стр. 566
دخلت على القاضي الأجل مستهل المحرم سنة إحدى وسبعين في المخيم بمرج الصفر أهنيه بجديد العام العام الجدوى، وأستهديه الفوائد التي بها أحيا وأقوى، فوجدت بيده كتاباً لأبي القاسم المذكور إليه، والقاضي الفاضل يقضي بفضله ويثني عليه، فوقفت على رسالته وطالبته بكلمته، فأراني قصيدته، وأقراني فقرته، وقال إنه أفضل من بمصر نظماً ونثيراً. هذا وقد جمع من رسائله عشر مجلدات. فأما الرسالة فهي: قد جعل الله المجلس العالي الفاضلي الأسعدي زاده الله من اصطفائه أبكار المناقب وعونها، وواصل إلى جنابه حمولات المثوبات وظعونها، واستجاب من أوليائه في طول بقائه وهلاك أعدائه صالح الدعوات التي يدعونها خير ما ينادى قريباً ويناجى بعيداً، وأفضل منعمٍ يحقق وعداً ويخلف وعيداً، وعم الخلق جميعاً بنعمته، وشرف القلب بصواب حكمه وصوب حكمته، وألهج أقلامه بتوزيع إفضال المال والجاه، وقسمته، وخصه في إهداء الهدى بهديٍ أقربه على الساعين أبعده، وأثل له مجداً لا يتناهى مصعده، أو يكون فوق النجم مقعده. ولم يزل إقباله على المملوك يريه وجه الإقبال وسيماًن ويعيد عنده سموم اليأس بأرواح النجاح نسيماً، ولا يضيع جريه في ميدان اعتناق تنفيذ مرامه عنقاً ورسيما. وقد كان أكبر مولاه عن مكاتبة تليق بالأكابر، وتنحط أصاغر الخدام عن درجة المحافظ عليها المثابر، وسأل ابن حيون إحساناً إليه بذكر هذه الجملة في كتبه وإجمالاً، وأن يقلده بالإعراب عنه منة لا يسأم لها على مر الزمان احتمالاً. وحين أكدت مطالبه، وأحاطت بجوانبه دواعي الندم وجوالبه، وصار الإجلال وجلا، وعاد الإخلال خجلا، ثاب إليه من علم شرف خلق المولى وكرم طبعه، وتواضعه إقداراً للمعالي بحسن وضعه، ما حمله على نظم قصيد خدم بها مجلسه الكريم، مع تحققه أن لمدحه جادة جدٍ تعجز جلة الشعراء عن سلوكها، وتيقنه أن مناقبه لا تحتاج إلى المدائح إلا كحاجة عقود الجواهر إلى سلوكها، وضراعته في إجرائه في تقبلها على مألوف عادة الإحسان ومعروفها، واغتفار خطلها الذي كفارته ما يواصله هو وعائلته من أدعية صالحة للمولى بعدد حروفها. والمملوك مستمرٌ على عادته في ملازمة الخدمة والمواظبة عليها، وإدامة البكور إليها، مع ما يلحقه من النزلات التي تظلم مطالع محياه وغيرها من أمراض شاهدها اصفراراً محياه. والله تعالى يزيد في علو محل المولى المؤسس على التقى، ويجمل الدنيا بمفاخره الموفية على ناصع الجوهر المنتقى، ولا زال أفواج الرفاق لاقيةً إذا حطت بجنابه أفضل ملتقى.
وأما القصيدة فإنها تنيف على مائة بيت فأثبت منها ما عقدت خنصر الاختيار عليه، ومطلعها:
تالله ما عاشق الدُّمَى عاقلْ ... كلاَّ ولا عاذلٌ له عادِلْ
ذا مُغْرَمٌ مُرْغَمٌ أخو حُرَقٍ ... وذا مطيلٌ ما عنده طائل
لم يخشَ من ناقدٍ وقد جاء بالنُّكْسِ ... إلى ناقِهِ الهوى ناقل
ومنها:
غانيةٌ عن حليِّ غانيةٍ ... بحسنِ عاطٍ من جيدها عاطل
وأسمرٍ غادرتْ لدونَتُهُ ... ماءً لها فيه جارياً جائل
سنانُه طَرْفُهُ ومن عَجَبٍ ... سيفٌ علا لهذماً على ذابل!
أهلَّه ضارباً وأَعملَ للطعن ... سواهُ من نهده عامل
ومنها:
وحالةُ المستهانِ أَنفعُ ما ... عاذَ به المستهامُ مِن عاذل
خبا سناهُ وخابَ مقصده ... أَيَّةُ حالٍ لخامدٍ خامل
ومنها في ذم الدنيا:
وزاد حُبُّ الهوى عليه فما ... ينفكُّ في هُوَّة الهوى نازل
يريد منها خفضاً فيرفعه ... مِن نَصْبِه للعَنَا بها فاعل
أَين من الدَّرِّ كف حالبها ... المكفوف منها بكُفَّةِ الحابل
يُظْهِرُ تكذيبُ سلْمِ باطِنِها ... عنوانَ عدوانِ خاثرٍ خاتل
أنصارُها عصبةُ التتابع في الجهلِ ... وأحزابُ طالبي الباطل
وما يَنِي مُذْكِراً بخطبتها ... حُكْمُ التناسي لحكمها الحائل
يكونُ منها أمرُ الولاءِ وما ... ثَمَّ لها عاضلٌ سوى الفاضِل
стр. 567
عبد الرحيم الذي لرَحمته ... ظلٌّ على الخلق وارفٌ شامل
القابلُ القصدَ والمعيذُ من المنِّ ... أُلوفاً في العامِ والقابل
وجاعل الرسمِ في سماحته ... تحبيسَ مِلْكِ الغِنَى على السائل
ومنها:
وما الغنيُّ المعزُّ للوفْرِ بالْمنعِ ... ولكن مُذِلُّهُ الباذل
بديهةُ البِرِّ منه مُوفِيَةٌ ... أيدٍ عوادي الردى بها زائل
لعروةِ الجهل والقَضيَّةِ إِذْ ... تُعْي ذوي العلمِ فاصمٌ فاصل
إِن يظهرِ المدحُ فيكَ مُنْتَقَصاً ... فمنه في النفسِ كامنٌ كامل
لأَنَّه في فَعَالِ همته ... لغايةِ العجز قائدُ القائل
ومنها:
ومعجزُ السيفِ فضلُ جوهره ... ومائِهِ لا عنايةُ الصاقل
ومنها:
وكم حبا السامعين فائدةً ... إِذا احتبى من نديِّه الحافل
وكم أَقام القسطاسَ حتى رأى ... الإِقساط عادٍ عن عدله عادل
وكم له من وساطةٍ مَنَعَتْ ... صائبَ سهمٍ من حادثٍ صائل
يشبُّ منه الوليدَ أو يُعجز الكهلَ ... احتمالٌ منه على الكاهل
وسادرٍ في الضلال غادرَهُ ... لثوبِ إِيناس رشده سائل
ومنها في وصف كتابته ومنطقه:
يعرب عن حكمة يظلُّ لها ... يُعْرِبُ عن لُكْنَةٍ به باقل
ما حاقَ مذ حَقَّ كُلَّ منطقهِ ... حرامُ سحرٍ يُعْزَى إلى بابل
يرسلُ من نثره لآلئَهُ ... نَبْلاً فأَعْظِمْ بناثرٍ نابل
فيقذف الدرَّ بحرُ حكمته ... الخضمُّ من طِرْسِهِ إلى الساحل
كم ظلَّ أَعلى الكُتَّابِ منزلةً ... لديه عنها في حالة النازل
يعجز عن نقلهِ المثالُ مع الْ ... إعجاز ما دام عنده ماثل
والخاطرُ الأسعديُّ يخطر في ... بلاغةٍ ذيلُ فضلها ذائل
يَحْصُرُ إِنشاؤه غرائبَ أَقوالٍ ... بها ربعُ ذكره آهل
أَوجدهُ الدهرُ عالماً فَضَلَ ... العالِمَ فضلَ العالي على السافل
ومنها:
صنعاً من الله للأجلِّ غدا ... بكفِّ عَدْوَى أَعدائِهِ كافِلْ
ما فاءَ يوماً إِلى استشارته ال ... مَلْكُ فألفى من رأيه قائل
لكنْ بَلاَ منه خيرَ ذي قلمٍ ... مُؤَازِراً خيرَ مالكٍ دائل
حتى توافَتْ منائحُ النصر ... للدولةِ تسري في منهجٍ سابل
لهنَّ من عدله ورحمته ... أَمٌّ ولودٌ ووالدٌ ناجل
وضوعفت للجنود قوة إض ... عافِ الأَعادي فبأسُهُمْ باسل
أَقْصَرُ سهمٍ حوت كنانتهم ... مزرٍ بطول المثقَّفِ العاسل
ومنها:
يا سيداً قُيِّدَتْ عقائلُ نُعْمَاهُ ... بشكرٍ منه لها عاقل
إِذا أَخو الحاج ضلَّ عن سَنَنِ ... الحجِّ إِليه ضلالةَ الذاهل
أَرَتْهُ أَنْوَارُهُ الطريقَ له ... كأَنما مِيلهُ لها كَاحِل
ومنها:
ينحلنا شهدَه بلا إبرٍ ... للنحل مِنْ مَنِّ باجلٍ ناحل
والبُسْر لولا لونٌ يباشره ... الليلَ لما كان صِبْغُهُ حائل
يا صادراً نحو صدرِ بغيتنا ... مرآكَ من صوبِ أَيْلَةٍ آيل
وكلهمْ فيكَ لازمٌ شرعةَ ال ... قافي لآثارِ رجعة القافل
مَطَرْتَ جُوداً محلَّ مَحْلِهِمُ ... عهادَ رزقٍ ما عهدُهُ حائل
ومنها:
أَقسمت أنِّي ما لم أُمَجِّدْكَ تَعْلُوني ... من الهمِّ خبلةُ الخابل
فأغتدي في الدَّنِيْ من القولِ أَخ ... تارُ كما اشتار أَرْيَهُ العاسل
مجتنياً تافهاً من المدح جمُّ ... المَنْحِ في وجهِ نقصه تافل
стр. 568
وذكر القاضي الفاضل أن له شعراً حسناً وأنشد منه أبياتاً من قصيدة طويلة في وصف القلم، هي قوله:
لعادة كفٍ إِنْ أَلَمََّتء بجلمدٍ ... عدا مورقاً أو معشباً حلَّهُ الخصبُ
عجبتُ له أَنْ ظلَّ جاراً لسُحْبها ... وما فعلتْ فيه كما تفعل السحب
وأَحْسبهُ حيَّا الطروسَ بنَبْعه ... وأَصبحَ مسلوباً وأَثمرتِ الكُتْب
قال ابن كاسيبويه الكاتب، وكان حاضراً عند القاضي الفاضل: وله أبيات في القطائف المقلوة وهي قوله:
أَهلاً بشهرٍ غدا فيه لنا خَلَفٌ ... أكلُ القطائف عن شربِ ابنةِ العنب
من كل ملفوفةٍ بيضٍ إلى أُخَرٍ ... حُمْرٍ من القَلْي تَشْفِي جِنَّة السَّغَب
كأنهنَّ حُروزٌ ذاتُ أَغشيةٍ ... من فضةٍ وتعاويذٌ من الذهب
وله بيتان أنشدتهما:
الصمتُ سَمْتُ سلامةٍ ... طوبى لندبٍ يقتفيه
عرفَ المُنَكَّر للزما ... نِ فِدامَ فيه فَدَام فيه
وله في القطائف المقلوة:
وافى الصيامُ فوافتنا قطائفُهُ ... كما تَسَنَّمتِ الكُثْبانُ من كَثَبِ
والبيتان الآخران هما المذكوران.
وله في شمعة مذهبة:
كأنها من بناتِ الهند مُثْقَلَةٌ ... بالحَلْي تُجْلَى لكي تُهْدَى إِلى النار
ولما دخلت القاهرة في سنة اثنتين وسبعين اجتمعت به في دار السلطان ثم استنشدته شعره فأنشدني ما سبق ذكره من الأبيات وأنشدني لنفسه من قصيدة:
وذي هَيَفٍ إن راحَ للرَّاح ساقياً ... غدا سائقاً للصبِّ رَكْبَ حِمَامِهِ
يبيحُك إثماً من مُدار مُدامِهِ ... ويمنعُ لثماً من مُدارِ لثامهِ
فما بالُهُ في كفِّهِ عَدْلُ حُكْمِهِ ... وفي طرفه الفتان جورُ احتكامهِ
وكيف أضاءتْ أَنجمٌ من كؤوسهِ ... وقد أشرقتْ ما بينها شمس جامهِ
ومنها في الثغر:
وحقَّ له أنْ كان حُقَّ جواهرٍ ... إذا صِينَ من مسك اللَّمَى بختامه
وله:
وغادةٍ غرَّني بغُرَّتِها ... رُوَاءٌ حسنٍ يدعو لرؤيتها
أَودُّ من وصلها نسيمَ رضاً ... يُبْرِدُ عني هجيرَ هجرتها
شممتُ إذ شِمْتُ برقَ مبسمها ... أَطيبَ طيبٍ أمام ضَمَّتها
فقلتُ هذا دخان عنبرةٍ ... للخالِ تَصْلَآ بنار وجنتها
وله:
نَظَرَتْ بطَرْفِي في شَخْصَها فتشكَّكتْ ... إذ قلتُ إنّكِ في الحشا المتوهِّج
فحكى الذي في العَيْن ما في خاطري ... فأَرَيْتُها إِيَّاهُ في أُنمُوذَج
السعيد أبو القاسم
هبة الله بن الرشيد جعفر بن سناء الملك
كنت عند القاضي الفاضل في خيمته بمرج الدلهمية ثامن عشر ذي القعدة سنة سبعين، فأطلعني على قصيدة له كتبها إليه من مصر، وذكر أن سنه لم تبلغ إلى عشرين سنة، فأعجبت بنظمه. والقصيدة هذه نسختها من خطه:
فراقٌ قضى للهمِّ والقلبِ بالجَمْعِ ... وهَجْرٌ تولَّى صُلْحَ عيني مع الدمع
ووصلٌ سعى في قطْعه من أُحِبُّهُ ... ولا عجباً قد يهلك النجم بالقَطْعِ
ورَبْعٌ لذات الخال خالٍ وربما ... شُغِلْتُ بهمِّي من مُساءَلَةِ الرَّبْعِ
فسبحان ربي قد سَمَت هِمَّةُ النَّوَى ... وطالت إلى أن فَرَّقَت ساكني جمْعِ
وفي الحيِّ مَن صَيَّرْتثها نُصْبَ خاطري ... فما أَذِنَتْ في نازل الشوق بالرفع
من العربيّات المصونات بالذي ... أثارتْهُ خَيْلُ الغائرينَ من النَّقْعِ
وممن يرى أن الملالة مِلَّةٌ ... وتلك لعمرُ الله من طَبَع الطَّبْع
تتيه بفَرْعٍ منه أَصْلُ بليَّتي ... ولم أر أصْلاً قطُّ يُعْزَى إلى فَرْعِ
وتبسِم عما يُكْسَفُ الدُّرُّ عنده ... فكيف تَرَى من بعده حالة الظَّلْع
فكم تركَتْ في ذلك الحيّ ميتاً ... وكم حُمِلَت فيها الضلوعُ على ضلْع
стр. 569
وكم ذابَ من حَرِّ التعانق بيننا ... قلائدها حتى افترقنا من اللَّذْعِ
سَقَى الله أيامَ الوصال مدامعي ... عليها وإن أَسْرَفْنَ في الهطل والنَّبْع
زماناً تقود اللهوَ فيه يَدُ المُنَى ... ويُدْمِي التراضي صِحَّةَ الصدِّ بالصَّدْعِ
ولا نائلُ الحسناءِ نَزْرٌ ولا النَّوَى ... تجاهرُ فينا دَوْلَةَ الوَصْل بالخَلْع
إذا شئتُ غنَّاني غزالٌ مُغازِلٌ ... نَشِيطُ التثني فاترُ الخُلْفِ والمَنْعِ
يغنِّي فتحمرُّ المدامةُ خَجْلَةً ... ليَقْصُرَها عن سَلْبَةِ العقْل بالخدعِ
فأصرفُ راحي حين يُكْسَفُ بالها ... وأشربُ منه راحةً بفم السَّمْعِ
وأَطربُ حتى لا أُفيق كأنَّما ... أَتانيَ في عبد الرحيم هَنَا الرَّجْعِ
وما ذاك من فعلِ الإله بمنكرٍ ... ولا عَوْدُهُ من قدرة الله بالبِدعِ
نأَى فدنا من كل طَرْفٍ سهادُهُ ... وسار فأَبقى كلَّ قلب على فَجْع
إذا نظرت عينٌ سواه تَلَثَّمَت ... حياءً بعنوان الوفاءِ من الدمع
وإِنْ عَزَمَت نفسٌ على قصدِ غيره ... ففي أَيِّ دِرْعٍ تلتقي أَسهمُ الرّدع
أياديه يُشْجي الناسَ تذكيرُها به ... فأَعْجِبْ بضُرٍ جاءَ من جهةِ النفع
وقد ضاق ذَرْعُ الصبر منا لفقده ... فيا حبذا من فقده ضِيقَةُ الذَّرْع
فلولا اصطبارٌ فيه أَعْدَى بلادَهُ ... لسارت إليه واستجارتْ من القطع
لِكُتْبِ الأجلِّ السيدِ الفاضلِ اغتدتْ ... رقابُ الأَعادي ناكساتٍ من الهَطْع
ومن قَلَمٍ في كفه أصبحت به ... حدادُ المواضي عاجزاتٍ عن القطعِ
ومن فكره أضحتْ أَفاعي يراعِهِ ... مع البعد منها قادراتٍ على اللَّسْعِ
متى خطَّ حرفاً أُوهِمَتْ كلُّ قلعةٍ ... ولم تُخْط وهماً أَنها في يدِ القَلْع
فلله كُتْبٌ منه إِن أَبصرَ العِدَى ... لها مطلباً لم يدفعوها عن الدفع
وإِنْ قيل عُقْبَى خَلْعِهَا كلَّ مفسد ... لقد زِدْتِ قالتْ ذا اختصاري وذا قَنْعي
لو ادَّرَعَ المرءُ الجبانُ ببعضها ... لأَصْبَحَ في الجُلَّى غنياً عن الدِّرْع
لئن شوركتْ في فتح حمصٍ بأَسْهم ... مضت من قِسيٍ لَسْنَ يُخْطين في النّزْعِ
فقد أَوْهَمَتْ تلك السهام بأَنها ... مُنَصَّلةٌ مما يحوكُ من السَّجع
فتباً لمن ظنَّ السيوفَ ككتبه ... لقد ظنَّ ظناً فاسدَ الأَصلِ والوَضْع
تُشَبِّعُ هاتيك الطيورَ وهذه ... من الأَمن تملأ أنفسَ الناسِ بالشِّبْع
ومن لفظها الماءُ المَعينُ فلو جرى ... لريَّانَ أَفنى منه ما سال بالجِزْعِ
لتهنِكَ يا عبدَ الرحيم سعادةٌ ... بها شاسعُ الآمال أَدنى من الشِّسْع
ولا خاب من يرجو نداك ولا خبا ... شهابُ ردىً يرمي أَعَاديكَ بالسَّفْعِ
فيا سيدي أَللهُ يعلمُ أَنَّنَا ... خصوصاً بضُرٍ مؤلمٍ صائبِ الوقع
بُلينا بحسادٍ كثيرٍ أَذاهمُ ... يظنون أَنَّ الشَّرْعَ قد نُصَّ في الشرع
ولا يَجْنِ بل لا يُجْرِ فيَّ اعتقادهم ... من الشرِّ وِتْراً أَوْ يعزَّزَ بالشَّفْع
ولو أننا في نعمةٍ يحسدونها ... لهان ولكن عُذْرُهُمْ كَرَمُ الطبع
فللناس حزنٌ من فراقك واحد ... وأَحزاننا قد أَوْهَنَتْ نَفَرَ الجمع
لقد خاطرتْ من خاطري خَطَراتُهُ ... لشكوايَ حالاً ضاقَ عن كتمها وُسْعِي
стр. 570
فأُقسِمُ أَنَّ الطرسَ قد خافَ منهم ... وهذا دليلٌ أن كاتِبَهُ مَرْعِي
فطوبى لعينٍ أَبصرتكَ وحبذا ... مَقَرُّكَ من ربعٍ وصُقْعُكَ من صُقع
فلو فارقتْ جسمي إِليك حياتُهُ ... لقلتُ أَصابتْ غيرَ مذمومةِ الصُّنْع
ثم وصل إلى الشام في شهر رمضان سنة إحدى وسبعين في الخدمة الفاضلية فوجدته في الذكاء آية، أحرز في صناعة النثر والنظم غاية، يتلقى عرابة العربية له باليمين راية، قد ألحفه الإقبال الفاضلي في الفضل قبولاً، وجعل طين خاطره على الفطنة مجبولاً، وأنا أرجو أن تترقى في الصناعة رتبته، وتعزر عند تمادي أيامه في العلم نغبته، وتصفو من الصبا منقبته، وتروى بماء الدربة رويته، وستكثر فوائده، وتؤثر قلائده.
ومن جملة ما كتبه لي بخطه، وأملعنيه بنقطه، وأبرزه لي من سمطه، قصيدٌ يمدح بها الأجل الفاضل أبا علي عبد الرحيم بن علي البيساني، ويذكر مسيره صحبته للكتابة بين يديه، ويهنئه بعيد الفطر:
إِن كنتَ ترغبُ أَنْ ترانا فالْقَنا ... يومَ الهياجِ إِذا تشاجرتِ القَنَا
تلقَ الأُلى يُجنيهمُ ثمرَ العلا ... قُضُبٌ يلذُّ بها الجنى ممن جنى
لا يشربون سوى الدماءِ مُدامةً ... إذ ينشقونَ من الأسنة سوسنا
وإِذا الحسامُ بمعركٍ غنَّى لهمْ ... خلعوا نفوسهمُ على ذاك الغِنَا
متورعين فإن بدتْ شمسُ الضحى ... جعلوا العَجَاجَ لها رداءً أَدكنا
يشكو النهارُ خيولَهُمْ من نقعها ... والليلُ يشكو من وجوههمُ السنا
ويكادُ يُعْدِي القِرنَ شدةُ بأسهم ... فيكادُ يومَ الروع أَن لا يَجْبُنَا
وإذا رأى الخطِّيُّ حدةَ عزمِهمْ ... نكرَ القناةَ وكاد أَن لا يطعنا
إني وإن أصبحتُ منهم إِنهمْ ... ليرون لِي خُلُقاً أَرقَّ وألينا
أهوى الغزالةَ والغزالَ وربما ... نهنهتُ نفسِي عفَّةً وتدينا
وأَهُمُّ ثم أخافُ عقبي معشرٍ ... أخنى عليهم سوءُ عاقبةِ الخَنَا
ولقد كففت عنان عيني جاهداً ... حتى إذا أعييت أَطلقتُ العِنَا
فجرتْ ولكن في الحقيقة عبرةً ... أَبقتْ على الخدين وسماً بيّنا
يا جَوْرَ هذا الحبِّ في أحكامه ... خدٌّ يُحَدُّ ولحظُ طَرْفٍ قد زنا
وأظنه قصد الجناسَ لأنه ... طرفٌ زنا لما رأى طَرْفاً رنا
يا قاتلَ الله الغواني ما لنا ... عنهم غِنَىً بل كم لنا ِّعنهم غنى
ومليحةٍ بخلت فكانت حُجَّةً ... للباخلاتِ وقلن هذي عُذْرُنا
كالبدر إِلا أنها لا تُجْتَلَى ... والغصنِ إِلا أَنها لا تُجْتَنَى
ضنَّتْ بطرفٍ ظلَّ يُعدى سقْمُهُ ... أَرأَيتمُ من ضنَّ حتى بالضنا
قالتْ تُعَيِّرُ من يكون مُبَخَّلاً ... فعلامَ أسموه البخيل بودِّنا
وإذا تشكَّى القلبُ إِسراعَ النوى ... ظلَّتْ تَشَكَّى منه إِفراط الوَنَى
وإذا بكت عيني تقولُ تبسمتْ ... إِنَّ الدموعَ لها ثغورٌ عندنا
يا عاذلين جهلتُمُ فضلَ الهوى ... فعذلتمُ فيه ولكنِّي أَنا
إني رأيتُ الشمسَ ثم رأيتها ... ماذا عليَّ إِذا عشقتُ الأَحسنا
وسألتُ من أيِّ المعادنِ ثَغْرُهَا ... فَوَجَدْتُ من عبد الرحيم المعدنا
أبصرتُ جوهرَ ثغرها وكلامَهُ ... فعلمتُ حقاً أَنَّ هذا من هنا
ذاك الكلام من الكمالِ بمنزلٍ ... لا يدركُ الساعي إليه سوى العنا
يدنو من الأَفهام إِلا أنها ... تلقاه أبعدَ ما يكون إذا دنا
ويسير وهو لحفظها مستوطِنٌ ... فاعجبْ لذلك سائراً مستوطنا
стр. 571
والجيدُ أَحسنُ ما يكون لمُسْمِعٍ ... أَضحى بجوهره النفيس مُزَيَّنا
وإذا حواه الطرسُ فتَّحَ أعينا ... من زهره تُصْبِي إليه الأَعينا
فالطِّرسُ ساحةُ فضةٍ وسطورُهُ ... مِسْكٌ تُفَرِّعُهُ اليراعةُ أَغصنا
لله من عبد الرحيم يراعةٌ ... تَذَرُ الحسامَ من الفلولِ مُؤَنَّنَا
فلسانه قد صار لولا شكرُهُ ... لجميل نعمتها لساناً أَلْكَنا
وكتابهُ للمُلْكِ منه كتيبةٌ ... تدع العدوَّ مُحَيَّراً ومُجَبَّنا
هو سورُهُ حيث السطورُ بروجُهُ ... فلذاك صار مُحَصَّناً ومحسَّنا
ولقد علا بأبي عليٍ جدُّ من ... جعل الرجاءَ إليه أَنْفَسَ مُقْتَنَى
يدعوه حين يُخيفُهُ إِقْتَارُهُ ... فإذا دعا كان النوالُ مُؤَمَّنا
إنْ يأْتِهِ يَلْقَ النزيل مُعَزَّزَاً ... ويصادفُ الذهبَ النضارَ مُهَوَّنا
والوجهَ أَبلجَ والفناءَ مُوَسَّعَاً ... والعزَّ أَقعسَ والعلاءَ مُمَكَّنَا
أَغنى وأَقنى قاصديه فكلُّهُمْ ... يُثْني ولا يَثْني عِنَاناً للثَّنَا
تُثْني القلوب على نداه وربما ... ركبَ النفاقُ مع الثناءِ الأَلْسُنَا
كم عاذلٍ في الجود قال له اتَّئِدْ ... لا تَلْحَنَا فيه لئلا تَلْحَنَا
يفديه من تلقاه قاصدَ رِفْدِهِ ... مُتَلَوِّياً في رِفْدِهِ مُتَلَوِّنَا
أصبحتُ في مدح الأجلِّ مُوَحِّداً ... ولكم أتتني من أياديه ثُنَى
وغدوتُ في حبي له متشيعاً ... من ذا أى متشيعاً مُتَسَنِّنَأ
ورأيتُ صحبته نعيماً عاجلاً ... فرأيتُ بذلَ النفسِ فيه هينا
وأَرادني فظننتُ غيري قصدَهُ ... فوجدت دهري مذ عَنَاني مُذْعِنَا
يا ليت قومي يعلمون بأنني ... أدركتُ من كفيكَ نادرةَ المنى
أَوْلَيْتَ حسادي بما أَوليتني ... علموا يقيناً أَنَّ أَيْسَرَهُ الغنى
فملأتُ كفي منك جوداً فائضاً ... وملأتُ سمعي منك قولاً لَيِّنا
أَنْسَيْتَنِي أهلي على كَلَفِي بهم ... وذكرتُ أَني قد نسيتُ الموطنا
وعلمتُ من سفري بأني لم أَزلْ ... متغرباً لما لزمتُ المسكنا
كم والهٍ يبكي عليَّ ويشتكي ... أَلماً من البينِ المُفَرِّقِ بيننا
وإذا رأى أَثَري بَكَى فكأنه ... طَلَلٌ تقادم عهده بالمُنْحَنَى
ويظنُّ دهري قد أَساءَ ولو دَرَآ ... حالي لأَيْقَنَ أَنَّه قد أَحسنا
لا زال رأيك لي يزيدُكَ ضنَّةً ... في صحبتي ويزيد حسادي ضَنَا
وَهَناكَ عيدٌ أنت عيدٌ عنده ... ولذاك أضحى فيك أَوْلَى بالهنا
وبقيتَ ما بقيَ البقاءُ فإن دنا ... منه الفناءُ بقيتَ أو يَفْنَى الفَنَا
وقال يمدحه
أَبَى أنْ يَسُرَّ العاشقين إيابُ ... وأن يردعَ البينَ المشتَّ عتابُ
وما العشقُ إلا موتُ جسمٍ إذا دعا ... فإن نفوسَ العاشقين جواب
ومن صحَّ من داء الصبابة قلبُهُ ... رأَى أَنّ رأْيَ العاشقين صواب
رعى الله قوماً رَوَّعُوا بفراقهم ... فؤاداً حماه من حِجاهُ حِجاب
تضاعفَ ضعفي حين شُدَّتْ قِبابُهم ... وقد زاد كربي حين سار ركابُ
عبرنا فكم من عبرةٍ في ديارهم ... تُذَالُ ونفسٍ بالحنين تُذَاب
ومنها:
وغانيةٍ لم تَعْدُ عشرين حجةً ... أقولُ لها قولاً لديه ثوابُ
عليكِ زكاةٌ فاجعليها وصالَنَا ... لأنّكِ في العشرين وهي نِصَاب
стр. 572
وما طلبي إلا قبولٌ وقُبْلَةٌ ... وما أَرَبِي إلا رضىً ورُضاب
ومنها:
تذكرت دهراً ليس ينسيه لَذَّةٌ ... ولم يُسلِ قلبي عن هواه شرابُ
وحجي إلى حانوتِ راحٍ وحانةٍ ... وكعبةُ لهوي أَغْيَدٌ وكعاب
وإفراطُ حبي للعجوز التي غدتْ ... عروساً تَهادَى والعقودُ حَبَابُ
تُعيدُ شبابَ العقل ضعفاً وكبرةً ... ويرجع منها للكبير شبابُ
إذا قتلوها بالمزاج تبسمت ... كشاربها يرتاحُ وهو مُصَابُ
ومن عجبٍ أَنَّا نصيرُ بشربها ... شياطينَ تردي الناس وهي شهاب
ومنها في المدح:
فتى أشرقت منه خصالٌ شريفةٌ ... كما أغرَبَتْ في الفضل منه رِغابُ
وقد صادقَ الإِنجازَ منه مواعدٌ ... كما جَانَبَ الإِخلافَ منه جَنَاب
على مالِهِ منه عذابٌ أَصَارَهُ ... مواردَ جُودٍ كلُّهُنَّ عذاب
أَيادٍ له بيضٌ حسانٌ سختْ بها ... يدٌ لم يَشُبْها في العطاءِ حساب
مواهبُهُ عِتْقُ النفوسِ أَقَلُّهَا ... إذا صَافَحَتْ بيضَ الصفاحِ رقابُ
وآراؤهُ تَثْنِي النصولَ بفيضها ... إذا لم يكن إلاّ الدماءَ خضابُ
ومنها في كتابته وكتبه:
تَجُذُّ معانيها الرقابَ فقد غدا ... يُخَيِّلُ لي أنّ الكتاب قِرَابُ
وقال يمدحه:
لقد عَتِيَتْ أيدي النوى بالنواهد ... وقد عَبَثَتْ كفُّ البِلى بالمعاهد
وقد صادرتنْي في البدور يدُ السُّرى ... فصار سروري صادراً غير وارد
وكم ليلةٍ ق سرني الدهرُ منهمُ ... بأقمار خِدْرٍ لُقِّبَت بالخرائد
بكل فتاةٍ تتركُ العقلَ شارداً ... على أنها بالحسن أصْيَدُ صائد
ومحسودةِ العقد المعانَقِ جيدُهُ ... وإني له والله أكبرُ حاسد
تتيهُ بفرعٍ فوق خَدٍ مورَّدٍ ... وتسطو بوردٍ تحت أَجْعَدَ وارد
ومن صونها عن كل راءٍ ولامسٍ ... غدا صَدْرُها يُبْدِي قِلىً للقلائد
وقد أَشْبَهتها الشمسُ حتى خيالُها ... يشابِهُ ما قد طَوَّلَتْ من مواعد
سلِ القلبَ هل مرَّ السلوُّ بباله ... وهل حُزْنُهُ من بعدِكُمْ غيرُ زائد
يَقَرَّ بما قد قَرَّ فيه من الأسى ... ويأتي إليكم من سَقَامي بشاهد
فبَعدكَ ما أبصرتُ دمعيَ راقئاً ... وهذا دليلٌ أنني غير راقد
ولما هجرت الكُحْل قلتُ أَمِنْ غِنىً ... بتكحيلها أَم مِنْ قِلىً للمَراود
ومنها
لأنِّيَ أَحكيها نحولاً وصفرةً ... وقد تُتْرَكُ الأشياءُ من غير واحد
بعينيك لا تستعجل البين والنوى ... فلا بدّ يوماً من فراق الفراقد
ولابد لي أن أترك الهمَّ آخذاً ... لكاسٍ تُلاقي كل همٍ بطارد
وتتركُ منها زاهياً كلَّ زاهدٍ ... ويرجع منها ماجناً كل ماجد
ومنها في صفة الخمر:
ترى أبداً منها الأباريقَ سُجَّداً ... فشُرَّابُها أَضحَوْا بها في مساجد
يطوفُ بها حلوُ المراشفِ أوْطَفٌ ... دَمَت مقلتاه كلَّ قلب بقاصد
ولم يُبْقِ وجهاً وجهُهُ غيرَ ساهمٍ ... ولم يُبْقِ طَرْفاً طرفُهُ غيرَ ساهد
يضن ببَرْدٍ من وصالٍ وقد بدا ... عذاراه في خديه مثل المَبَاردِ
له الحسْنُ عبدٌ لا يخالف أمرَهُ ... وللفاضلِ المحمودِ حُرُّ المحامد
غدا مُسْتَقِلاً بالرياسةِ والعُلاَ ... ومستكثراً من مُتْعِبات الحواسد
ومستحمداً من بذله كلَّ مادح ... ومستمدحاً من فضله كلَّ حامد
ومنها:
وقد فاق من توفيقه كلَّ سائس ... كما ساد من تسديده كل سائد
أَقَلُّ الوَرى مَنّاً على بذل مِنَّةٍ ... وأكثرُ ما تلقاه عند الشدائد
стр. 573
علا ابنُ عليٍ فوق كلِّ مُطاوِلٍ ... بِطيبِ السجايا بعد طيب المحامد
وفضلٍ حباه الله منه بمعجزٍ ... ترى أبداً يَرْويه كل معَاند
وجَدٍ بما يهواه خيرِ مساعفٍ ... وسعدٍ لما يبغيه خيرِ مساعد
فيا حاسديه غيظكمْ غيرُ نافذٍ ... ويا حامديه جوده غير نافد
ويا عاذليه في الندى إنّ عذلكم ... كبَهْرَج نَقْدٍ زافَ في عين ناقد
ومنها:
إِذا كَذَبَتْ آراءُ قوم فرأيُهُ ... على مشكلاتِ الغيبِ أصدقُ رائد
وإِن كَتَبَت أقلامُه أَقْصَدَ العدى ... سهام المنايا من سمامِ الأساود
فيحمي سماءَ الملك منها ثواقبٌ ... بكل شهابٍ واردٍ نحو مارد
فيا مشتري وُدَّ القلوبِ وحبَّها ... رويدكَ قد أَسْقَطْتَ نجمَ عُطَارِدِ
كأن العدى عينٌ وكُتْبُكَ عُوذَةٌ ... وقد أَخَذَتْ من صَرْفِهِمْ بالمَراصِدِ
ومنها في توديعه
أَيا راحلاً والدمعُ بي غير واقفٍ ... ويا سائراً والوجدُ بي غيرُ قاعد
يعزّ على ظمآن ملتهبِ الحشا ... فراقُ فراتٍ منك عذبِ المنوارد
تسير فكم باكٍ بأجفان والهٍ ... عليك وكم باكٍ بأجفانِ والد
أُودِّع منك العيشَ عيشَ شبيبتي ... وأقطعُ مني العمرَ عمرَ قصائدي
وأهجرُ إن فارقتني كلَّ لذة ... وأُعربُ من وجدي على كل واجد
فقصَّرَ ربي عُمْرَ ما قد نوى النوى ... ومن لي بتقريبِ النوى المتباعد
وقال يمدحه من قصيدة مضى عنه أولها:
ليالٍ عيونُ الدهرِ عنها نواعسٌ ... تنعَّمْتُ فيها من حسان نواعمِ
وعانقتُ فيها بدرَهَا في معاجرٍ ... على إِثرِ مَن عانقتُهُ في عمائم
وبرَّدْتُ فيها لوعتي من مراشفٍ ... فما زلت أستشفي بلثمِ المباسم
ومنها:
ولما بدا جيدٌ لها ومعاصمٌ ... رأيتُ حبالُ الصبر غيرَ عواصم
وعاوَنَها عينايَ في سفكِ مهجتي ... فمن ذا أُسمِّي عاذلاً غيرَ ظالم
وهدَّ هواها من نُهايَ معاقلاً ... وعهدي بها لا ترتقي بالسلالم
وبعتُ فؤاداً واشتريتُ مَذَلَّةً ... وأُرْبحتُ علمي أنني غيرُ حازم
ومنها في المديح:
من الوارثينَ المجدَ لا عنْ كلالةٍ ... إذا ما ادَّعاهُ أَدعياءُ الأعاجم
ترى ما لَهُ من بذله في مكارهٍ ... وتلقاهُ مسروراً بجمع المكارم
إذا أَوْجَعَت قلبَ امرىءٍ كفُّ حارمٍ ... رأَى من عطايا كفه قلبَ راحم
غرامٌ قديمٌ فيه بالجودِ والندى ... إذا أَثقل الأعناقَ حملُ المغارمِ
ومنها في صفة كتابته:
ويطربُ حُسناً من غدا فيه حتفه ... وقد يُطرب المحزونَ نوحُ الحمائم
ومنها في تهنئته بالصوم:
تَهنَّ بهذا الصومِ يا خيرَ صائرٍ ... إلى كلِّ ما يهوى ويا خيرَ صائم
ومن صام عن كل الفواحشِ عمرَهُ ... فأهونُ شيءٍ هجرُهُ للمطاعم
ومنها:
ولولا نداكَ الغَمرُ لم أَكُ شاعراً ... وقد يشكر الأنهارَ صوتُ العُلاجم
ولا عجباً أنْ صرتُ في خيرِ ناثرٍ ... لدرِّ كلامٍ رائقِ غيرَ ناظم
وقال يمدح أباه ويودعه عند مسيره مع الأجل الفاضل إلى الشام:
أَناخَ بها البارقُ الممطرُ ... ومرَّ النسيمُ بها يخطرُ
وأحيا مسيحُ الحيا نشرَها ... فأصبحَ مَيِّتُها يُنْشَرُ
وأُضْرِمَتِ النارُ من فوقها ... ففاح لها النَّدُ والعنبر
ونبَّهَ فيها صهيلُ الرعودِ ... لواحظ ما خلتُها تسهر
وطاشَ النباتُ فهل راقه ... ليركَبَهُ ذلك الأشقر
وما حملتْ منةً للسحاب ... إلا ومنتُها أكبر
متى جاء من دمعِهِ زائرٌ ... تَلَقَّاه من زهرها مَحْجِرُ
стр. 574
ولو حلَّ في رغده خاطبٌ ... لوافاه من سَرْوِها منبر
فكم مقلةٍ ثَمَّ مغضوضةٍ ... وكم وجنةٍ بالحيا تقطر
وكم من غديرٍ غدا صفْوُهُ ... بأسرارِ حصبائه يُخْبر
وكم قد نهاه هبوبُ الرياح ... فظلَّ بتجعيده يستر
زكم فيه للقطر من خوذةٍ ... تدلُّ على أنه مِغْفَر
فيا روضةَ الحسن إِني شُغِلْتُ ... بروضةِ حسنٍ لمن ينظر
ويا خَضِرَ اللون قد ضاع فيك ... كما ضعتَ شاربك الأخضر
أنا لا أُبينُ لفرطِ السَّقام ... وذاك لكونك لا تظهر
تأَطَّرَ والرمحُ في كفه ... فلم ندر أيهما الأسمر
ومرَّ الغزال على إِثرهِ ... فلم ندر أيهما الجؤذر
وألبس خاتَمَهُ خصرَه ... فقد صحَّ من خَصْرِهِ الخنصر
ولما تعمَّمَ قام الدليلُ ... على نقصِ مَنْ زِيُّها المِعْجَرُ
وحسبك أَنَّ لها معجراً ... وأَسعدُ منه لهُ مئزر
وقد غار منه على أَننِي ... وغيريَ من قبله أَغْيَرُ
فيا معدناً دُرُّهُ سالمٌ ... ويا روضةً وردُهَا أَحمر
ويا من بفيه لنا سُكَّرٌ ... ولكنه سُكَّرٌ يُسْكِرُ
تحلل جَهْراً عقود الرجال ... فمن أجله حُرِّمَ المُسْكِرُ
أَصومُ عن الوصل دهرِي وقد ... رأيتُ الهلال ولا أُفْطِرُ
وأنت الهلالُ وأنت الهلاكُ ... بِقَتْلِيَ تُفْنِي ولا تَفْتُرُ
ومنها:
وأَعجبُ من كلِّ ما قد جرى ... عجوزٌ أَتتنِي بها مُعْصِر
وهذي القضيةُ معكوسةٌ ... أَرَى العقلُ من مثِلهَا يَنْفِرُ
فواصلتها في كؤوس ظَنَنْتُ ... بها أَنَّ حارسنا يُبْصر
وأَحرقتُ منها ظلامَ الدجى ... لِمَا صحَّ من أَنَّه يَكْفُر
وبات نديميَ لا ليلُه ... يطولُ ولا شُرْبُهُ يَقْصُرُ
وقام المؤذِّنُ ينعيَ الظلامَ ... فهذاك يَنْعَى وذا يَنْعَرُ
وحُطَّ لديَّ قناعُ الصباحِ ... وأسفرَ لي وجهُك المُسْفِر
فلا يعجبِ الصبحُ من نوره ... فوجهُ الرشيدِ أبى أنْورُ
واخبارُ سؤدده من سناه ... أبهى ومن حسنه أبهر
هو السيد المشتري للثناءِ ... وقد عجز القومُ أن يشتروا
ومانِحُ من جاء يمتارُهُ ... فهمْ في معاليهِ لن يَمْتَرُوا
ويفتر مُدَّاحُهُ من لهاه ... فهم في المدائح لن يَفْتُرُوا
وراحتهُ قبلةُ الآملينَ ... على أنها ديمةٌ تمطر
فللجود باطنها مَشْرَعٌ ... وَلِلَّثْمِ ظاهرها مَشْعَرُ
فإن شئتَ قل إِنه جنةُ النعيمِ ... وراحتُهُ الكوثر
تُقَصِّرُ إِنْ سابقَتْهُ الرياحُ ... وتوجدُ في إِثره تَعْثُر
ويُنسي الرشيدُ لذكر الرشيد ... ويُحقر من جعفرٍ جعفر
وكيف يُسَمُّونَه جعفراً ... ومن فيض راحته أَبحر
وكيف يلومون حسَّادَه ... وقد حسدت عصرَه الأَعْصُر
من القوم لا رفدُهُمْ للعفا ... ةِ يُحْصَى ولا مَجْدُهُم يُحْصَر
فرفدهمُ منهمُ مُرْبِحٌ ... ووفرهمُ بهمُ مُخْسِرُ
بدورٌ إِذا انتسبوا للأَنامِ ... فزُهْرُ النجومِ لها مَعْشَر
ولا مثلَ هذا الرئيسِ الذي ... له مَفْهَرٌ ما له مفخر
ومنها:
وتوردُ في مَنْهَلِ المكرماتِ ... وتصدْرُ عن أَمل يصدر
стр. 575
فِداهُ من السوءِ حسَّادُه ... جميعاً على أَنَّهم أَحقر
فكم قَدَّرُوا الوضعَ من قدره ... وتأبى المقاديرُ ما قدَّرُوا
وكم آثروا ثلمَ عليائه ... فما ثلموها ولا أَثَّرُوا
يحلِّقُ نحو سماءَ العلا ... وهم قبل تحليقه قصَّرُوا
فلله منه فَتى عزمةٍ ... تجيءُ الليالي بما يَقْدُرُ
ونظَّامُ مجدٍ يُرى نَفْيُهُ ... لأَعْرَاضِه أَنه الجوهر
وعدليُّ فعلٍ يقولُ الزمانُ ... لإِجباره إِنَّهُ مُجْبرُ
وبحرُ علومٍ يُرَى موجُهُ ... يُعَبِّرُ عنه ولا يُعْبَرُ
لك الله ماذا عسى أن يقولَ ... لساني وماذا عسى يذكر
فقد صرتُ أَشعر إِن رمتُ نظمَ ... مديحك أَنيَ لا أَشعر
وإِني عزمت على سفرةٍ ... أَرى وجه إِقبالها يسفر
وأحببتُ خدمةَ مَن دهرُنا ... لأَغراضه خادمٌ أَصغر
وآثرتُ صحبة مولى الأنامِ ... لأبلغَ منه الذي أُوثِرُ
ستغبطني فيه شمسُ الضحى ... ويحسدني القمر النيِّر
وأصبحُ لا عيشتي عنده ... تُذَمُّ ولا ذمتي تُخْفَر
وأُبصرُ دهريَ من ذنبه ... يتوبُ إلَيَّ ويستغفر
أودِّعُ منك الحيا والحياةَ ... وأُودِعُ قلبي لظىً يَسْعر
وأَرحلُ عنك ولي خاطرٌ ... بتذكار غيركَ لا يخطر
ومن كان مثلي سعى في البلاد ... فيكسى من العز أو يكسر
وما طلبي غير نيل العلا ... ومثلي على مثلها يعذر
فلا تنسني من مجاب الدعا ... فإني وليدك يا جعفر
وقال وقد اقترح عليه أن يذم الخال:
يا من غدت تختال في خالها ... وخالُها يقضي بتهجينها
كأنما خدُّكِ تفاحةٌ ... وخالُها نقطة تَعْيِبنِهَأ
وقال فيه:
لا تُجْرِ دمعاً على سعادٍ ... فإن هِجْرَانَها سَعَادَهْ
زهتْ على قومها بخالٍ ... أَكسبها منهمُ زَهَادَه
وما درت أَنَّ كلَّ خالٍ ... بغضتُهُ للظريفِ عاده
إني لأختصه بمَقْتِي ... لمّا تَخَيَّلْتثهُ قُرَاده
وقال في قواد:
لي صاحبٌ أَفديه من صاحبٍ ... حلوِ التأنِّي حَسَنِ الإِحتيالْ
لو شاءَ من رقةِ ألفاظِهِ ... ألَّفَ ما بين الهدى والضلالْ
يكفيك منه أنه رُبَّما ... قاد إلى المهجورِ طيفَ الخيال
وقال:
وَغادةٍ عندها وَغادَهْ ... صارت لها سُنَّةً وعادَه
إن هام بها جنوناً ... جعلتُ ساقاتِها قِلاَدَه
وقال يهجو:
وشاعرٍ كاتبٍ أَديبٍ ... منظَّمِ العقدِ والقياس
قلتُ له والفضول داءٌ ... وهو كما قيل كالعُطَاس
لِمْ صِرْتَ تَبْغي وصرتَ تَبْغُو ... قالَ من العشقِ للجناس
وقال:
لا أَصْرِفُ الوَجْهَ عن إِنسانِ غانيةٍ ... ولستُ أصرف عنها وجْهَ إِنساني
ولا أُريدُ لقوَادٍ مُسَاعدةً ... إن الشبيبةَ من أَعْيانِ أَعوانِي
وقال موشحاً يمدح به أباه:
أَخْمَلَ ياقوتَ الشفقْ ... دُرُّ الدراري
وساح في أُفْقِ الغَسَقْ ... نَهْرُ النهارِ
وفتَّ كافورُ الصباحْ ... مسكَ السماءِ
وفاح من نشرِ الأَقاحْ ... نشرُ الكَبَاءِ
وهبَّ من جسم الرياحْ ... مثلُ الهباءِ
ولاح من زَهْرِ البطاحْ ... نَدُّ الهواءِ
وسار في بَدْرِ الأُفُقْ ... سِرُّ السِّرارِ
وقد وقى الشمسَ الغَرَقْ ... منه سماري
стр. 576
فاترك لعيدانِ الطلولْ ... تَنْدُبُ مَيَّا
واشربْ على رغمِ العذولْ ... من الحُمَيَّا
وانثرْ على أُفق الشَّمُولْ ... عِقْدَ الثريا
وقل لساقيك العجولْ ... باللَّهِ هَيَّا
أَما ترى نورَ الفَلَقْ ... شيبَ بنارِ
لعلَّهُ قد استرقْ ... شمسَ العُقَار
لا شمسَ إلا من مدامْ ... ذاتِ وقودِ
تجلو بتمزيقِ الظلامْ ... وجهَ الرشيد
نفسُ العلا معنى الأنامْ ... سرُّ الوجود
وهو إِذا عُدَّ الأنام ... بيتُ القصيدِ
تخلَّفوا وقد سَبَقْ ... إلى الفَخَارِ
فليس فيهم من لَحِقْ ... غيرَ الغبارِ
أغنى وأقنى باللُّهَى ... وما تَعَسَّرْ
وقاده فضلُ النُّهَى ... فما تعثَّر
ورام أعلى ما اشتهى ... فما تَعَذَّر
وحاز مقدارَ السُّهَا ... فما تكَبَّر
فجلَّ ربٌّ قد خَلَقْ ... بالاقتدارِ
هذي المعالي من عَلَقْ ... بلا تَمَارِ
عمري ببقياهُ شبابْ ... والعيشُ صافي
وليس لي فيه شرابْ ... غيرُ السُّلافِ
وكعبتي خودٌ كَعَابْ ... لها طوافي
قالت برغم الاجتنابْ ... والانحرافِ
جِي يا حبيبي واستبِقْ ... واحْلُلْ إِزاري
فإن زوجي ما غَلَقْ ... ذا اليومَ داري
وقال موشحاً يرثي أمه:
يا مَا عَرَا قلبي وما دهاهْ ... مضى نُهَاهْ
لما نهاهُ الوجد مَعْ مَنْ نَهاهْ
ما زال لي مذ دهاني الزمانْ
أُنْسٌ شجاعٌ واصطبارٌ جَبَانٌ
وعَبْرَةُ خالِعَةٌ للعِنَانْ
لا تقبلُ الصونَ وترضى الهوانْ
وناظري قد غاب عنه كراهْ ... تُرى سَرَاه
أَو يُفْسِحُ الدهرُ له في شِرَاهْ
صبراً جميلاً أين صبرٌ جميلْ
ذاك سبيلٌ ما إليه سبيلْ
وقتي قصيرٌ وحديثي طويلْ
حسبكَ مَنْ راحتُهُ في العويلْ
وجُلُّ ما يبغيه لُقْيَا الوفاهْ ... وهي شِفَاهْ
تَبْرِي خطوباً خاطَبَتْهُ شِفَاهْ
حزني على أُمِّيَ حزنٌ شديدْ
تَبْلَى الليالي وهو غَضٌّ جديدْ
فقلْ لنارِ القلب هل مِنْ مَزِيدْ
وقل لصَرْفِ الدهر هل من مَحِيدْ
غلطتُ دعْ دهري وما قد نواهُ ... فهل عساهْ
يأتي إِلا دون ما قد أَتَاهْ
لهفي على من شطَّ منها المزارْ
وأَظلمتْ من بعدها كلُّ دار
وصار للمقدارِ فيها الخيارْ
وقد بكى الليلُ لها والنهارْ
هذا لفقدِ العُرْفِ ما قد شجاه ... وللصلاه
هذا أطالَ الوجدُ فيها بكاه
يا ليتني سابِقُهَا للمماتْ
ولا أَرى نفسي بشر الصِّفاتْ
منتزَعَ الصبرِ عديمَ الثبات
فكم ثكالى قُلْنَ مستعجلاتْ
هذا المسيكينْ ما بَقَى لَهُ حَيَاهْ ... هَدَّ قُواهْ
واهاً عليه ثم واهاً وواهْ
وقال يذكر ليلة وصال:
ظبيٌ بحسماءَ حالي الجيدِ بالعَطَلِ ... لكنه قد جَلاَهُ الحسنُ في حُلَلِ
موشّحاتٌ ولكن من ذوائبهِ ... لما رآه مُحَشَّى الطرف بالكَحَلِ
أتى إِليَّ وأَهدى خدَّهُ لفمي ... فقمتُ أَقْطُفُ منه وردةَ الخجل
والليلُ قد مَدَّ سِتْراً من سحائبه ... لمّا تخيَّلَ أنّ الزَّهْرَ كالمُقَلِ
стр. 577
قمنا ولا خطرٌ إلا إلى خَطَرٍ ... دانٍ ولا خطوةٌ إلا إلى أجل
والعينُ تسحبُ ذيلاً من مدامعها ... والقلبُ يسحبُ أَذْيالاً من الوجل
أُكلِّفُ النفسَ معْ علمي بعزّتها ... وَطْئاً على البيضِ أو حَمْلاً على الأسَل
لكنني بالمواضي غيرُ مكترثٍ ... وبالأَسنَّةِ فيه غيرُ محتفل
وكاد يهلك لولا الصبرُ من فَرَقٍ ... وكدت أهلك لولا الحَزْمُ من جَذَل
حتى أتينا إلى ميعادِ مَأْمنةٍ ... يا صاحبيَّ فلو أبصرتما عملي
أواصلُ اللَّثْمَ من فَرْعٍ إلى قدمٍ ... وأُوصلُ الضمَّ من صَدْرٍ إلى كَفَل
وجَيَّبَ الشوقُ ثوباً من معانقةٍ ... منَّا علينا فلم يَقْصُرْ ولم يطل
وبات يُسْمعني من لفظِ منطقه ... أَرقَّ من كلمي فيه ومن غَزَلي
وددتُ أعضايَ أسماعاً لتسمعَهُ ... ولو تحمَّلْتُ فيه وطْأَةَ العَذَل
ودمعةُ الدَّلِّ يُجريها على جسدي ... فهل رأيت سقوط الطلِّ في الطّلَل
ونلتُ ما نلتُ مما لا أَهُمُّ به ... ولا ترقَّتْ إليه هِمَّةُ الأمل
ومرَّ والليلُ قد غارتْ كواكبه ... لما نوى الصبحُ تطفيلاً على الطّفَلِ
لم أَسْحَبِ الذيلَ كي أَمحو مواطِئَهُ ... لكنني قمتُ أمحو الخَطْوَ بالقُبَلِ
يا ليلةً قد تولَّتْ وهي قائلةٌ ... لا تظلمنِّيَ مع أيَّامِكَ الأُوَلِ
وقال عند خروجه من مصر وتوجهه إلى الشام:
لما دعا في الركب داعي الفراقْ ... لبَّاهُ ماءُ الدمع من كل ماقْ
يا دمعُ لم تَدْعُ سوى مهجتي ... فلِمْ تطفَّلْتَ بهذا السباقْ
إن كنتَ قد خفت لظى زفرتي ... فأنت معذورٌ بهذا الإباق
وإِن تكن أسرعتَ من جِنَّةٍ ... إنّ لها من أَنتي أَلفَ راق
مهلاً فما أنت كدمعٍ جرى ... وراقَ بل أنت دماءٌ تُرَاقْ
فقمتُ والأجفانُ في عَبْرَةٍ ... والدمعُ من مَسْألتي في شقاق
أَسقى بمُزْن الحزن روضَ النَّوى ... يا قُرْبَ ما أَثمرَ لي بالعناق
وأسلفَ التوديع شكري لكي ... يخدعَ قلبي بتلاقي التَّرَاق
وما عناقُ المرء محبوبَهُ ... إِلا بأنْ يلتفَّ ساقٌ بساق
لله ذاك اليوم كم مقلةٍ ... غَرْقَى وقلبٍ بالجوى ذي احتراق
ومعشرٍ لاقوا وجوه النوى ... وهي صِفاقٌ بوجوهٍ رِقَاق
ووالدٍ بل سيدٍ والهٍ ... سقاه توديعيَ كأساً دهاق
كأنّ ذاك اليومَ كأسٌ له ... الهمُّ شُرْبٌ ويدُ البعد ساق
يقول لي أَتعَبْتَ قلبي فلا ... لقيتَ من بعديَ ما القلبُ راق
أيقنتُ أنْ أَلْبَسَ في بلدة ... أخلاقَ قومٍ ما لهم من خَلاَقْ
هُمْ معشرٌ دقٌّ ومن أجل ذا ... أَضحتْ معاني اللؤم فيهم دقاق
لما سرتْ خيلي بهمْ عنهمُ ... أسميتُ قلبي بِعتاقِ العتاق
وبدرِ تِمٍ قال لي عاتباً ... فَلَلْتَ صبري يا كثيرَ النفاق
خدعَتني حتى إذا حُزْتَني ... سلَّطتَ بالبينِ عليَّ المِحَاق
قلت بدورُ التم أَسْرَى السُّرَى ... فارضَ بأني لك يا بدرُ واق
وابقِ طليقاً ما نأَتْ داره ... وَدَعْ أسيراً سائراً في وثاق
وربما كانَتْ لنا عودةٌ ... فإن تكنْ كان إليك المَسَاق
مذ صُعِقَ القلبُ لتوديعهم ... وخرَّ لم يَتْلُ، فلما أفاق
إن كان وجدي غيرَ فانٍ به ... فإن جسمي بعده غيرُ باق
والله ما يَسْوَى وإن كابروا ... يومَ النوى عندي غيرُ التلاق
стр. 578
ومما قال بحماه:
من للغريب هَفَتْ به الفِكَرُ ... لا العينُ تؤنسُهُ ولا الأَثَرُ
لا تلتقي أَجفانُ مقلته ... فكأنما أَهْدَابُهُ إِبَرُ
من طولِ ما يُرْمَى بغُرْبَتِهِ ... يبكي البكاءُ ويسهر السهر
يا طولَ ليلٍ لا صباحَ له ... سَحَروا الظلام فما له سَحَرُ
ولقد تحَّلأَ عن منازله ... طيفٌ لطولِ سُرَاه مُنْبَهِر
يأتي إليَّ لنقع غُلَّته ... فيصدُّهُ مِنْ مَدْمَعي نَهَر
وعهدْتُ قلبي جِسْرَ مَعْبَرةٍ ... لكنَّ ذاك الجسرَ مُنْكسِرُ
مذ نِمتُ لكن في كَرَى وَلَهي ... خُيِّلْتُ أن خيالَهُ القمر
يا دهرُ يا من لا حُنُوَّ له ... أَوَ ما علمتَ بأنني بَشَرُ
لو كنتَ تنطق قلت لِمْ بَطَراً ... فجميع ما بك أَصْلُهُ البَطَرُ
تأتي حماةَ وتشتكِي كدراً ... أو ما علمت بأنها كَدَرُ
وبقيتَ لا أهلٌ ولا ولدٌ ... فيها ولا وطَنٌ ولا وَطَرُ
صه يا زمانُ فإِنني رجلٌ ... لَيْسَتْ تُغَيِّرُ صَبْرَهُ الغِيَرُ
ماءُ البشاشة ملءُ صفحته ... والقلبُ فيه النارُ تَسْتَعِرُ
ولربما هطلتْ مدامعُهُ ... ومُراده أن يَغْرَقَ الحَوَرُ
فالخدُّ ميدانٌ صوالجُهُ ... هُدْبٌ لها من دمعه أُكَرُ
والنبعُ قالوا ما له ثَمَرٌ ... أنا نبعةٌ والدمع لي ثمر
ولأَرْكبنَّ الصعبَ غُرَّتُهُ ... غَرَرٌ وخَطْرَةُ عِطْفِهِ خَطَرُ
إمَّا وإما وهي واحدةٌ ... فيها مُرادُ النفس يَنْتَظِرُ
ريحَ الجنوبِ أَراكِ ناحلةً ... هل شفَّ جسمَكِ مثلِيَ السفر
وأركِ طيِّبَةً مُعَطَّرَةً ... هل أنتِ من أحبابنا خَبَرُ
تلك الأحبة روضُ ودِّهِمُ ... خَضِلٌ وماءُ صَفَائهم خَصِرُ
ومنها:
فارقتهم فتمايلوا أسفاً ... حتى ظننا أَنهمْ سَكِروا
فكأَنهمْ لدموعهم شربوا ... وكأَنهم بأَنينهم نَعَروا
كم فيهمُ مَن غَضَّ ناظرَهُ ... لما خلا من شخصيَ البصر
ويظن ظناً أن مقلته ... لولاي لم يُخْلَقْ لها نظر
يا ويحَ طرفٍ بعد فرقتهمْ ... لم يَجْرِ دمعٌ بل جرى قَدَر
كم كنت أَحذرُ من فراقهمُ ... فإذا دهى قَدَرٌ فلا حَذَرُ
لهفي على عيشٍ بنعمته ... كانت ذنوبُ الدهر تغتفر
ومنازلٍ باللهو آهلةٍ ... تُزْهَى بها الآمالُ والفِكَر
ومنازهٍ من حُسْنِ حيلتها ... يُنْسَى الحبورُ وتُنثَرُ الحِبَرُ
ومنها:
تلك الغصون شعورها وَرَقٌ ... متكلِّلٌ وعقودها زَهَرُ
تحت النهودِ كأنها بِدَرٌ ... سُرَرٌ تُفَرَّغُ فيهمُ صُرَرُ
آهاً لثغرٍ لو ظفرتُ به ... وكذا الثغور بها يُرَى الظَّفَر
من شادنٍ طرفي لفرقته ... زَنْدٌ وحُمْرُ مدامعي شَرَرُ
متحيرٌ في طرفه الحَوَرُ ... متبرِّجٌ في وجهه الخَفَر
لو لم يكنْ في الجفن عَسْكَرُهُ ... ما قيل إنَّ الجفنَ يَنْكسِرُ
حَفَّتْ مواردَهُ قلائِدُهُ ... وَيْلاهُ ذا خَصِمٌ وذا خَصِرُ
لم أُحْصِ كم عانقتُ قامته ... فتكسرت من ضمِّيَ الدُّرَرُ
أَصَبَرْتَ حتى يوم فرقته ... يا قلبُ! والتحقيقُ يا حَجَرُ
وورد إليه الخبر بوفاة الأسعد ولد الشيخ الأجل السديد علم الرؤساء، فقال يرثيه ويعتذر إلى والده من تأخير الرثاء بحكم اشتغاله بأحوال السفر، ونفذ إليه من حلب:
أصبحتُ بعدك في الحياة كفانِ ... وقد اكتفيتُ ولا أقولُ كفانِي
أَبكي فتجري مهجتي في عبرتي ... فكأنَّ ما أجريتُهُ أجراني
стр. 579
وتَحِمُّ أَنفاسي ولمَّا يُنْجِهَا ... دمعٌ هو البحرانُ بل بحرانِ
نسخت وفاتُكَ أدمعي فلكم جرت ... كالدرِّ وهي اليوم كالمرجان
لا بل هي العِقْيَانُ سالَ وإنما ... أَبْكي العزيزَ عليَّ بالعِقيان
قد سِلنَ ألواناً ليعلمَ أنني ... في حمل فرض الحزن غيرُ الواني
وافانيَ الناعي لكي ينعاكَ لي ... ومضى على أَدراجه ينعانِي
وغَزا وجيشُ الرزءِ من أَعوانه ... وبرزتُ والإِعْوَالُ من أعواني
لا أدَّعي أن النعيَّ أصمَّنِي ... فيمنْ أصمَّ وإنما أَصْمَاني
يا ثالثَ القمرين حُسْناً قد بكى ... حُزْناً لأجلِ مُصابك القمران
دينارُ وجهك حين أُهْبِطَ في الثرى ... كادت تفرُّ الشمس للميزان
وسيوفُ برقِ الجوِّ لما أُغمدت ... صفحاتُ ذاك الوجه في الأكفان
وَدَّتْ لو انغمدتْ ولكن تغتدي ... هامُ العدا بدلاً من الأجفان
يا تُرْبُ ما أنصفتَ نضرةَ غصنه ... أكذا صنيعُ الترب بالأغصان
غُصْنٌ فنونُ الطرفِ في أفنانه ... تعلو على الجاني وهنَّ دَوَاني
تستوقفُ الرائي معاني حسنه ... عجباً بها فكأَنهنَّ مغاني
كم مادَ من سكرِ الشباب فهل دَرَى ... أَنَّا نميد بسَكْرَةِ الأشجان
قد كان يرفل في ثيابِ شبيبةٍ ... أردانُها طَهُرَتْ من الأدْرَانِ
جمعت خلائقُهُ له وصفاتُهُ ... حِلْمَ الكهول ويَقْظَةَ الشبّان
ومنها:
أصبحتُ مثلَكَ مُفْرَداً متغرباً ... مُقصىً عن الأحبابِ والأوطان
والفرقُ أنك في الجِنَانِ وأنني ... من أجلِ فقدك صرتُ في النيران
قد كنت أحملُ همَّ بينٍ واحدٍ ... فأَتت وَفَاتُك لي ببينٍ ثان
كيف اصطباري من فراقٍ واحدٍ ... وقد افتضحتُ من الفراقِ الثاني
وتسوءُ فرقةُ من تحبُّ ولا يُرَى ... شيءٌ يسوءُ كفرقة الأقران
صبري وموتُكَ في حشاي كلاهما ... مُرَّانِ مثلُ أسنَّةِ المُرَّان
أوسعتُ فيك الدهر عتباً مؤلماً ... فأجابني بالبَهْتِ والبُهْتَان
قلبي يحاسِبُهُ على إجرامِهِ ... ويَعُدُّها بأَنامل الخفَقَان
غيري هو السالي وإني قائلٌ ... ما أقبحَ السلوان بالإخوان
فلئن سلوْتك ناسياً لا قاصداً ... فالذنب للنسيانِ لا السلوان
ومنها:
يأيها المولى السديدُ ومَنْ غدا ... أَوْلى الورى بالصبرِ والإيمان
صبراً جميلاً يَقْتدي قلبي به ... فهو المُعَنَّى بالهموم العاني
واللهُ يعلمُ ما حوته جوانحي ... مما دهاك وما أَجَنَّ جناني
ولئن غدا مني الرثاءُ مؤخراً ... من أجلِ شغلِ القلب والأحزان
فلقد رَثَتْ عيني بنظمِ مدامعي ... وأرى الدموعَ مراثيَ الأجفان
لم يرْثه مني لسانٌ واحدٌ ... لكن رَثَتْ بمدامعي عينان
خدي كطرسي والمدامعُ فوقه ... شِعْري وإنساني كمثل لساني
ولقد علمتُ قصورَ ما قد قُلْتُهُ ... فأردت أُودِعُهُ حَشَا كتماني
ولا نذكر البيت الأخير لأن فيه نقص دين وضعف إيمان وقلة توفيق، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وقال مستوحشاً من صديق جرت عادته بالاجتماع معه في متنزهٍ له:
جلستُ ببستانِ الجليسِ ودارِهِ ... فهيَّجَ لي ممن تناسيتُهُ ذِكْرا
وسُقِّيتُ شمسَ الكاسِ ساعةَ ذكره ... فلم تستطع في ليل همِّيَ من مَسْرَى
فيا ساقيَ الكاسِ التي قد شربتُها ... رويدكَ إنّ القلب من أُمَّةٍ أُخرى
стр. 580
ولو وُصِلَتْ سودُ الليالي بشَعْره ... لما خَشِيَتْ من غير غُرَّتِهِ فجرا
تذكرتُ وَرْداً للمليحِ مُحَجَّباً ... يمدُّ عليه ظلُّ أهدابه سِتْرا
فصرتُ أُجازي القلبَ من أجلِ ذكره ... فيقتلني ذكرى وأقتُلُهُ صبرا
أُقبُّلُ ذاك الظلَّ أحسبه اللَّمَى ... والثم ذاك الزهرَ أحسبه الثغرا
وكم لائمٍ لي في الذي قد فعلته ... وكم قائلٍ دَعْهُ لعلَّ له عذرا
لأجلك يا من أوحش العينَ شخصه ... أَنِسْتُ لسُهْدٍ يمنع العينَ أن تَكْرَى
وقاسيتُ منك الغدرَ والهجرَ والقِلَى ... وأنفقتُ فيك الشِّعر والعمر والدهرا
وأَفلَسَ طرفي حين أَنفَقَ دَمعَهُ ... فأجرى فمي دمعاً يُسَمُّونَه شِعرا
وفارقتُ عِزّاً بالشآم لألتقي ... بمصرَ الذي من أجله فَضَّلوا مصرا
لئن طبتُ في مُسْتَنْزَهٍ لم تكن به ... فلا زلتُ أَلقى عندك الصدَّ والهَجْرا
ولو كنتُ في عَدْنٍ وكنتَ بغيرها ... وحوشيتَ آثرتُ الخروج إِلى بَرَّا
ولو كنتَ في بُصْرى وحبِّكَ لم أَقُلْ ... أيا بَصَري لا تنظرنَّ إلى بُصْرى
وهذا المصرع الأخير هو مبتدأ أبيات كان عملها عند عبوره على بصرى:
أيا بَصَري لا تنظرنّ إِلى بُصْرَى ... فإِني أَرى الأحبابَ في لبدة أَخْرَى
وما بلدةٌ لم يسكنوها ببلدةٍ ... ولو أنها بين السِّماكين والشِّعْرَى
وما القفرُ بالبيداءِ قفرٌ وإنما ... أَرى كلَّ دار لم يكونوا بها قفرا
تذكرتُ أحبابي وإِني لمؤمنٌ ... ولكن أَراني ليس تنفعني الذكرى
لقد ضرَّني البين المُشِتُّ وَمزَّني ... فيا لكَ بيْناً ما أَضرَّ وما أَضْرَى
أأهبطُ من مصرٍ وقدما قد اشتهى ... على الله أقوامٌ فقال اهبطوا مِصْرَا
وكم لي بها دينارُ وجهٍ تركتُهُ ... ورائي فعيني بعده تشتكي الفقرا
فوالله ما أشرى الشآمَ ومُلْكَهُ ... وغوْطَتَهُ الخضرا بشِبْرَيْنِ من شُبْرا
فإن عدتُ والأيامُ عُوجٌ رواجعٌ ... لقد أنشأتْني قبلَها النشأةَ الأخْرى
وقال:
يا عاطلَ الجيد إِلا من محاسِنِهِ ... عَطَّلْتُ فيكَ الحشا إلا مِن الحَزَن
في سلكِ جسميَ دُرُّ الدمع منتظمٌ ... فهل لجيدك في عِقْدٍ بلا ثمن
لا تخشَ مني فإني كالنسيمِ ضَناً ... وما النسيمُ بمخشيٍ على غُصُنِ
وقال:
ظبيٌ بمصْرَ نسيتُ مِنْه ... عناقَ غزلانِ العراقِ
ورشفتُ راحَ رُضَابِهِ ... لكنّه حلوُ المَذَاقِ
فإذا أتانيْ عاطلاً ... حَلَّتْهُ لي دُرَرُ المآقي
وِإذا تأَطَّرَ قَدُّهُ ... فأنا المثقِّفُ بالعناق
يا حسنَ أيامي به ... لو أن أيامي بَوَاقي
بالله يا قمرَ الورى ... مَن خصَّ خَصْرَكَ بالمحاق
وعلامَ يَغْلُظُ سِلْكُ خُلْقِكَ ... معْ حواشي الرقاق
كم يعذلون على انخلا ... عي في وصالك وانهِرَاقي
ودواءُ ما تصبو إليْهِ ... النفسُ تعجيلُ الطلاق
وقال:
كم لنا من خُلَسٍ في الغَلَسِ ... خُلَسٌ تَمَّتْ برغم الحَرَسِ
نلتُ فيها عَسَلاً من لَعَسٍ ... آه واشوقي لذاك اللعس
قد تنفسْتُ فهل عندكمُ ... أَنَّ نَفْسي خَرَجَتْ من نَفَسي
وقال في بستانه:
يا أيها البستانُ إِنْ حصَّلْتَ لي ... من صرتُ مخموراً بكاس مِكاسه
لأحلِّيَنَّكَ من بهاءِ جبينه ... ولأَخْلَعَنَّ عليك من أَنْفَاسه
وقال في الخمر:
عروسكمُ يا أيها الشَّرْبُ طالقٌ ... وإِن فَتَنَتْ من حسنها كلَّ مجتلِي
стр. 581
دفعتُ لها عقلي وديني مقدماً ... فقالت وجنَّات النعيمِ مُؤَجَّلِي
وقال في جارية في خدها ماسور:
بنفسي فتاةٌ يكتبُ الغصنُ إِن مَشَتْ ... إِلى قَدِّها المياس: من عبد عبدها
ولي جَسَدٌ ما زال مأسورَ صدها ... إلى أن حكى في السقم ماسورَ حدِّها
أُشَبِّهُ ذاك الخدَّ منها بحمرة ... وشابورة الماسور طابَعُ نَدِّها
وقال يمدح الأجل الفاضل ويشكره على عيادته له في مرضه:
رأيتُ طَرْفَكَ يوم البين حين هَمَى ... والدمع ثَغْراً وتكحيلَ الجفون لمَىَ
فاكففْ ملامك عني حين أَلْثمه ... فما تشككتُ أني قد رأيتُ فما
لو كان يعلمُ مَعْ علمي بقسوته ... تألُّمَ القلبِ من وخزِ الملام لَمَا
رنا إِليَّ فقال الحاسدون رنا ... وما أقول رنا لكنْ أَقولُ رمى
رمى فأصمى ولو لم يرمِ متُّ هوى ... أما ترونَ نحولي في هواه أَما
وبات يحمي جفوني من طروقِ كَرَىً ... ولم أَرَ الظبي منسوباً إليه حِمَى
وصاد طائرَ قلبي يومَ ودَّعني ... يا كعبةَ الحسن مُذْ أَحْلَلْتِهِ حَرُمَا
يا كعبةً ظلَّ فيها خالُها حجراً ... كم ذا أَطُوفُ ولا ألقاه مُسْتَلما
مذ شفَّ جسميَ من نار الغرامِ ضَناً ... لاح الشعاعُ على خديه مُضْطَرِمَا
وشفَّ كأسُ فَمٍ منه لرقَّتِهِ ... فلاح فيه حبابُ الثغر منتظما
يا كسرةَ الجفن لِمْ أَسْمَوْكِ كسرته ... وجيشُهُ بك للأرواحِ قد غنما
وكم أَغَرْتِ على الأرواح ناهبةً ... إن كان ذلك عن جُرْمٍ فلا جَرَمَا
مولاكِ فاق ملاحَ الخلق قاطبةً ... فهو الأَميرُ وقد أَضْحَوْا له حَشَما
أقولُ والريحُ قد شالت ذؤابتهُ ... أصبحتَ فيهم أميراً أمْ لهم علما
شكرتُ طيفك في إِغبابِ زورته ... لأَن مثليَ لا يستسمنُ الوَرَما
ولستُ أَطلبُ منه رِفْدَهُ أَبداً ... لأَنَّ ذا الحِلْم لا يسترفد الحُلُمَا
لكنَّ عهداً قديماً منكَ أطلبه ... وربما نُسِيَ العهدُ الذي قَدُمَا
وازداد حبُّك أضعافاً مضاعفةً ... وربما صَغُرَ الشيءُ الذي عظما
ولستُ أُنكرُ لا رَيْباً ولا تُهَماً ... من يعرفِ الحب لا يستنكرِ التُّهَما
ولستُ أُتْبِعُ حبي بالملام كما ... لا يُتبعُ ابنُ عليٍ برَّهُ ندما
ذاك الأجلُّ الذي تلقى منازله ... فوق السماء وتلقى دارَه أَمَمَا
أَغنى وأقنى وأَعطى سُؤْلَ سائله ... وأَوجدَ الجود لما أَعدم العَدَمَا
وقصَّرَ البحرُ عنه فَهْوَ مكتئبٌ ... أما تراه بكفيْ موجِهِ الْتَطَمَا
وولَّتِ السحبُ إِذْ جارتْهُ باكيةً ... أما ترى الدمعَ من أَجفانها انْسَجَمَا
ولو رأى ابنُ أَبي سُلْمى مواهبَهُ ... رأى جَدَا هَرِمٍ مثلَ اسمه هَرِما
ولو أعارَ شماماً من خلائقه ... حِلْماً لأبصرت في عرنينه شمما
ومذ رأيتُ نفاذاً في يراعته ... رأيتُ بالرمح من أَخبارها صمما
إذا امتطى القلمُ العالي أَنامِلَهُ ... حلَّى الطروس وجلَّى الظُلْم والظُّلَمَا
قضى له الله مذ أَجرى له قلماً ... بالسَّعْدِ منه وقد أَجرى به القلما
ذات العماد يَمينٌ قد حوت قلماً ... هو العماد لمُلْكٍ قد حوى إِرَمَا
يُريكَ في الطرس زُهْر الأفقِ زاهرةً ... وقد ترى فيه زَهْرَ الروضِ مبتسما
ويرقمُ الوشيَ فيه من كتابتهِ ... وما سمعنا سواه أَرقماً رقما
سطورُهُ ومعانيه وما استترتْ ... هُنَّ الستورُ وهذي خَلْفَهُنَّ دُمَى
стр. 582
تبرَّجَتْ وهي أبكارٌ ومن عجبٍ ... أَن التخفُّرَ من أَمثالها ذُمِمَا
فخراً لدهرٍ غدا عبدُ الرحيم به ... بالأَمرِ والنهي يبدي الحكم والحِكَمَا
أسمى الورى وهو أسناهم يداً وندىً ... وأوسع الناس صدراً كلما سئما
وأَعْرَقُ الخلقِ في استيجاب رتبته ... وأَقدمُ الناس في استحقاقها قدما
كساه ربُّكَ نوراً من جلالته ... يَلقى العدوَّ فيكسو ناظرَيْه عَمَى
يلوحُ في الصدر منه البدرُ حين سما ... والغيثُ حين همى والبحرُ حين طما
يُغضي حياءً ويُغْضَى من مهابته ... فما يُكَلَّمُ إِجلالاً إذا ابتسما
هذا البيت تضمين:
لما عَلِقْتُ بحبلٍ من عنايته ... صالحت دهري ولم أَذْمُمْ له ذِمَمَا
وحين طالع طرفي سعدَ طلعتِهِ ... رأيتُ نجميَ في أُفْقِ العُلاَ نَجَما
وكان قدماً ذوو الأقدارِ لي خَدَماً ... فصرت منه أَرى الأقدارَ لي خدما
يا أيها الفاضلُ الصدِّيقُ منطقُهُ ... إِني عتيقك والمقصودُ قد فُهِمَا
أَعَدْتَ للعبدِ لما جئتَ عائدَهُ ... روحاً وأهلكتَ من حساده أُمَما
تركتهمْ ليَ حُسَّاداً على سَقَمي ... وكم تَمَنَّوْا ليَ الأَدواءَ والسَّقَما
نقلتَ شاني إِليهمْ ثم قلتَ لهمْ ... لا تَسْلَمُوا إن هذا العبدَ قد سلما
تفضُّلٌ منكَ أعلى بينهمْ قِيَمي ... ومنةٌ منك أَعْلَتْنِي لهمْ قمما
هبْ لي مِنَ القولِ ما أُثني عليكَ به ... أَوْ كُفَّ كَفَّكَ عن أَنْ تُشكِيَ الديما
ومنها:
شكري لنعماك دينٌ لي أَدينُ به ... والكفرُ عنديَ أَنْ لا أشكرَ النِّعَمَا
وقال:
إنه مالَ وملاّ ... فأتى الطيفُ وسَلَّى
عاطلاً حتى لقد عا ... دَ من اللثم مُحَلَّى
كنتُ في تقبيليَ الطي ... يفَ كمنْ قبَّلَ ظِلاَّ
وله من قصيدة:
عثرتُ ولكنْ في ذيولِ دموعي ... ونمتُ ولكنْ عن لذيذ هجوعي
وكاد فؤادي أن يطيرَ صبابةً ... لقانِصِه لولا فِخاخُ ضلوعي
وقال يهجو:
عبدٌ لعبد الله أَعرفه ... ما زال مسكُ صُنَانِهِ صَائِكْ
يخلو به فيودُّ من كلَفٍ ... لو أنَّهُ استه لائك
ولقد يكونُ بينهما ... والله يعلمُ من هو
وقال:
أما وهواك لولا خوف سخطكْ ... لهان على محبك أمر رهطكْ
ملكت الخافقين فتهت عجبا ... وليس هما سوى قلبي وقرطك
الأسعد أبو المكارم
أسعد بن الخطير بن مهذب بن زكريا بن مماتي
أحد الكتاب في الديوان الفاضلي، ذو الفضل الجلي، والشعر العلي، والنظم السوي، والخاطر القوي، والسحر المانوي، والروي الروي، والقافية القافية أثر الحسن، والقريحة المقترحة صورة اليمن، والفكرة المستقيمة على جدد البراعة، والفطنة المستمدة من مدد الصناعة. شابٌ للأدب رابٌّ، وعن الفضل ذابٌّ؛ وهو من شملته العناية الفاضيلة، وحسنت منه البديهة والروية: اجتمعت به في القاهرة وسايرني في العسكر الناصري وأنشدني من نظمه المعنوي، ما ثنيت به خنصر الاستحسان، وأذنت لجواده في الإجراء في هذا الميدان. واثبت منه كل ما جلا وحلا، وأشرق في منار الإحسان وعلا، وراج في سوق القبول وغلا. فمن قوله يصف الخليج يوم فتحه بالقاهرة:
خليجٌ كالحسام له صِقَالٌ ... ولكن فيه للرائي مَسَرَّهْ
رأيت به المِلاحَ تجيدُ عوماً ... كأنهمُ نجومٌ في المجرَّهْ
وقوله في غلام نحوي:
وأهيفٍ أَحدثَ لي نحوُهُ ... تعجباً يُعْرِبُ عن ظَرْفِهِ
علامة التأنيثِ في لفظه ... وأَحْرُفُ العلة في طَرْفِهِ
وقوله في غلام خياط:
وخَيَّاطٍ نظرتُ إلي ... هـ مفتوناً بنظرتِه
أسيل الخدِّ أَحمره ... بقلبي ما بوجنته
стр. 583
وقد أمسيتُ ذا سَقَم ... كأني خيط إبراه
وأحسدُ منه ذاك الخي ... طَ فازَ برِيِّ رِيقتهِ
قال: هذا البيت الأخير للسديد أبي القاسم الكاتب. ولابن مماتي هذا في قصيدة عملها هذا السديد لاميةٌ مفيدة أوردتها في شعره:
تبكي قوافي الشعر لاميةً ... بَيَّضْتَهَا من حيث سَوَّدْتَهَا
لما علا وسواسُ ألفاظها ... ظننتَها جُنَّتْ فقيدْتَهَا
وقال:
أراكمُ كحباب الكأسِ منتظماً ... فما أرى جمعكمْ إِلا على قَدَحِ
وقال:
لقد مرَّ لي في مصرَ يومٌ وليلةٌ ... هما في مُحَيَّا الدهرِ كالسِّحْر في الطَرْفِ
وما فيهما والله عيبٌ وإنما ... تولاهما عُجْبٌ فذابا من الظَّرْف
وقال:
ما صرت أَجسرُ أن أبكي لفرقتهمْ ... لأنهم زعموا أن البكا فَرَجُ
وقال:
أحبابَنا والذي يقضي بأُلفتِنَا ... بعد الفراقِ ويُخْلِينَا من الفَرَق
ما زلتُ أخبط في عشواءَ مظلمةٍ ... من بعدكمْ وأبيعُ النومَ بالأرق
حتى ثويتُ بنارِ الشوق في حُرَقٍ ... وصرت أُشْرِفُ من دمعي على الغَرَقِ
فمتعوني ولو ليلاً بطيفكمُ ... ما دمتُ أقدرُ من روحي على رَمَقِ
وقال في ذم العذار:
إذا طلع العذارُ فقد فقدنا ... لذاذةَ عيشنا الأَرِجِ البهيج
لأَنَّ الغصنَ لا يخضرُّ حتى ... يصيرَ بأصله مثلُ الوشيج
وقال يصف البق:
تكاد بقرصِ البقِّ تتلفُ مهجتي ... إذا لم أُجِدْ من ثوب جلدي التخلُّصَا
ومن أعجب الأشياءِ في البقِّ أنها ... على الجسم سُمَّاقٌ وتُنبِتُ حِمَّصَا
ونظمتني وإياه سفرة في خدمة الملك الناصر إلى ثغري دمياط والإسكندرية فوصلنا إلى ترعٍ وخلجان ومخاضاتٍ وغدرانٍ فقال بديهاً:
لو أطلق الدمعَ مشتاقٌ ومدَّكِرُ ... لمن يحب لأَشْفَيْنَا على الغرَقِ
لكنما هذه الخلجانُ مُتْأَقَةٌ ... لأنها رَشْحُ ما يَعْصِي من الْحدَقِ
وأنشدني لنفسه أيضاً قوله وقد ألم بذم العذار:
يا عاذلي، جلُّ ناري ... من خدِّه الجلّنَارِي
وريقه كشرابٍ ... معتَّقٍ ذي شرار
ولحظه فيَّ أَمضى ... من الْحِرَابِ الْحِراَر
كالريم ريمَ لصيدٍ ... فصارَ حِلْفَ حِذَارِ
يهوى الدنانير لما ... تشابهتْ بالبهار
وإن رأى قلبَ صبٍّ ... رعاه رعي العَرَار
وليس ربَّ عذارٍ ... يطولُ فيه اعتذاري
إن الغرام صَغَارٌ ... ما لم يكن بالصِّغَار
ومنها في المدح:
له يسارُ يمين ... إزاء يُمْن يسارِ
وقال في وصف مخدة في بيت ابن سناء الملك:
وسادةٍ لَمَحَتْ عيني بدارهمُ ... وِسَادةَ رُقِمَتْ أَمناً من الأَرَقِ
حكمُ السرور بها يقضي السكونَ لها ... كأنها عُوذَةٌ من جِنَّةِ الفلق
أَحْسِنْ بها روضةً ليس النسيم بها ... ولا المياهُ سوى الأنفاسِ والعَرَقِ
يحيا بناظرها إنسانُ ناظرها ... ففي حديقتها مَنٌّ عَلَى الحدق
لو لم تكن سَرَقَتْ من وجه مالكها ... محاسناً ظهرت، لمْ تُدْعَ بالسَّرَق
وقال مما كتبه إلى السديد علم الرؤساء أبي القاسم، وكان قد اقتضى منه ديوان رسائله، فاعتذر إليه بالخوف من نقده:
إن قلبي من شقة البين يخشى ... وفؤادي من شِقْوَة البين يَخْشَعْ
ومقامي يقضي بطولِ سقامي ... إذْ لحاظي من قبلِ تطمحُ تَطْمَعْ
وغُدُوِّي فيما يَسُرُّ عدوّي ... ويُريه من القِلَى ما توقَّعْ
ولقد عِيلَ في الصبابة صبري ... فإلى كم أسيرُ في غير مَهْيَع
أنا صبٌّ بغادةٍ تشبه الطا ... ووس إذ كان حسنها يتنوَّع
стр. 584
ذاتُ لفظ كأنه ثغرها الأشنبُ ... لو أنّ دره يتجمع
لي من عُجْبها رقيبٌ قريبٌ ... فهي في كلِّ حالةٍ تتمنع
مَنَعَتْ طيفها الزيارةَ حتى ... صرتُ من منعها له لستُ أَهجع
واستقلَّتْ دمعي غداةَ استقلّتْ ... بجمالٍ فقلت لو كان ينفع
هو مني دمٌ جرت معه العينُ ... فقالوا دمعٌ لأنيَ أجزع
ثم وَلَّت سُقْماً عليَّ وولَّت ... وفؤادي مما تصدَّى تصدَّع
قلت إلا وقفتِ يا شمسُ للصبِّ ... فقالت هيهاتِ ما أنت يوشَعْ
وغرامي بها كفضلِ أبي القا ... سم في كلِّ ساعة يتفرَّع
كم أرانا الرياضَ في لفظه النثر ... فخلنا دروجه تتوشع
وسقانا مُدامَ معنىً بديعٍ ... في قريضٍ مُصَرَّع بل مرصَّع
فشكرنا لما سكرنا فلم يلو ... علينا لأنه قد تَرَفَّع
ولثمنا التراب بين يديه ... وسألناه حاجةً فتمنَّع
فلحى الله واشياً وعذولاً ... وبغيضاً وكاذباً يتصنَّع
وإذا صار بالجفاء مُضيعاً ... من عقودِ الولاء ما صانَ أَجمع
فخطابُ العتاب بالكافِ كافٍ ... لو تدانى أو كان يسمحُ يسمع
أنت يأيها السديد أبا القا ... سم في بَذْلِكَ الندى لست تقنع
فلأيِّ الأمور تبخلُ باللفظِ ... على خادمٍ يناديك يخضع
وهو نورٌ يسعى أمامك كالصبح ... ونارٌ في وجهِ ضِدِّك تَشْفَع
وحسامٌ مُهنَّدٌ مُطْلَق الحدِّ ... جُرازٌ متى تُجَرِّدْهُ يقطع
لم يزل ثابتاً على الود جَلْداً ... وخطيباً بشكر فضلك مِصْقَع
وهو ممن إذا عراه مُلِمٌّ ... ما له غير حسنِ رأيك مَفْزَع
أتوهَّمْتَهُ يُغِيرُ على لف ... ظك معْ أنّ غيرَهُ منه أوسع
وعلى أَنه وحقِّكَ لم ير ... ض بما لم يكن له يَتَشَيَّع
وعصيتَ الودادَ في طاعة العذ ... ل ولم تُلْفِ عنده قط مطمع
فإذا كنتَ قد وصلتَ لهذا ... وهو مما يصيِّرُ القلبَ بَلْقَع
لا تكنْ للعدا نصالَ سهامٍ ... مصمياتٍ فليس في القَوْسِ منزع
وتفضَّلْ بسَتْر ما ساقه الوز ... نُ بهذي القصيدِ يا خيرَ أرْوع
فهْيَ قد قُيِّدَتْ لتثبت في الطر ... سِ لئلا تسيرَ من قبلِ تسمع
ولو انّ العتابَ أُطْلِق فيها ... لغدَتْ أَجْبُلُ القُوَى تتصدع
وعلى كل حالةٍ فأنا العبدُ ... الذي مَلْكُ حسنه فيه يشفع
ونزلنا ببركة الجب لقصد الجهاد، وعرض الأجناد، فكتب الأسعد ابن مماتي إلي أبياتاً في الملك الناصر، وتعرض للشطرنج فإنه كان يشتغل به في ذي القعدة سنة اثنتين وسبعين:
يا كريمَ الخِيم في الخَيِمِ ... أهيفٌ كالرئم ذو شمم
عَجَبي للشمس إذ طلعتْ ... منه في داجٍ من الظُّلَم
كيف لا تُصْمي لواحظه ... ورماةُ الطرف في العجم
لا تصدْ قلبَ المحب لكم ... ما يحلُّ الصيدُ في الحَرَم
يا صلاحَ الدين يا ملكاً ... مذ براهُ الله للأُمَم
أضحتِ الكفارُ في نِقِمٍ ... وغدا الإسلامُ في نِعَمِ
إن يكُ الشِّطْرِنْج مشغلةً ... للعليِّ القدْرِ والهمم
فهْيَ في ناديك تذكرةٌ ... لأمورِ الحرب والكرم
فلكم ضاعفتَ عِدَّتَها ... بالعطاءِ الجمِّ لا القلم
ونصبت الحرب نصبتها ... فانثنتْ كفّاك بالقمم
فابقَ للإِسلام ترفَعُهُ ... وَأْمُرِ الأقدارَ كالخدم
стр. 585
وقال في الملك الناصر:
إن كنتَ تنكر ما أقولُ ... فالسهدُ يشهدُ والنحولُ
وهما لديك من العذو ... لِ فكيف يمكنك العدول
يا صعدةً أنفاسيَ الصُّ ... عَداءُ منها والذبولُ
ومهنداً في القلب من ... هـ على محبته فلولُ
إن كثَّرَ الواشون في ... ك ففي شمائله الشَّمُول
أو صرت معتزليْ فإنَّ ... الفكرَ يُعجبه الحلولُ
إنَّ الغزالةَ كالغزا ... ل وكالنفورِ هو الأُفول
فإلامَ لا يَشْفي الغلي ... لَ بزورةٍ منك العليل
والصبرُ أَقصر ما يكو ... ن إذا الصدودُ بدا يطول
كم حِيلَ بين تجلُّدي ... والقلب إذ حضر الرحيل
وهَمَتْ جفوني بالنجي ... ع كأنما طرفِي قتيل
فاعجب لدمعٍ كيف يظ ... هرُ والنفوس به تسيل
يا قاضياً بهواه فيَّ ... وذلك الدَّلُّ الدليل
فيك الجمالُ كما ملي ... كُ زمانِنَا فيه الجميل
الناصرُ الملك الرءو ... فُ الأروعُ الوَرِعُ المُنِيلُ
مَلِكٌ إذا عَصَتِ الحصو ... نُ سواه كان له الحصول
حَسْبُ العساكِر والعِدا ... أَن النّصولَ به تَصُولُ
ويمينُه سِلْماً تجو ... دُ كما غدت حَزْماً تجول
طالت فروعُ الحمد فيه ... كما زكَتْ منه الأصول
راياته تحكي الأصيلَ ... فرأيه الرأْيُ الأصيل
حيث الخيولُ على الوعو ... رِ كماتُها فيها الوعول
أَمَّا وقد قصدَ الغَزاةَ ... وهنَّتِ القربَ النصول
وبكت به أمُّ الصليبِ ... وشدوُ صارمه الصليلُ
وبدت له أرض الشآ ... مِ تهون إذ كانت تهول
فلسوف يفتحُ قُفْلَهَا ... من قبلِ أَنْ يقع القُفُول
ويعيد ما فَضَّ العِدَا ... بكراً تزف لها الفحول
يا أيها الملك الجليُّ ... الأَمْرِ والملكُ الجليل
كم مِنَّةٍ لك تستطيرُ ... ومُنة بك تستطيل
ولكم صفحتَ عن الغَرو ... رِ وقد تبطَّنَهُ الغلول
وسرت عطاياك الجسا ... مِ كأنك السيفُ الصقيل
أو لا فإنك جوهرٌ ... في الخلق والعَرَضُ العقول
أنت المُقِيلُ من الخطو ... ب وظلُّ دولتك المَقيل
وأنا الفقيرُ إلى ندا ... ك ومن بوارقه السيول
ولقد أضرَّنِيَ الخمو ... دُ كما أضرَّ بيَ الخمول
وقال على لسان إنسان في حاسد، أعان عليه، ثم توجع له:
لا تُصِخْ للحسود في ندبه النع ... مةَ معْ كَوْنِهِ العجولَ إليها
فهو مثلُ السحابِ إذ يسترُ الشم ... سَ عن العينِ ثم يبكي عليها
ومن نور نثره البديع، ونور فجره الصديع، وغرر درره النصيعة، ودراري غرره الصنيعة، ما تحذى له بهائم التمائم، وتحدى به كرائم المكارم، ويربع الحسن في روضه، وتكرع الحسناء في حوضه، وتغتبط الآداب بدابه، وترتبط الألباب ببابه، من مكاتبة:
стр. 586
فصلت عنه في أخريات النهار، وقد ظهر في أطراف الجدران لفرق فراق الشمس اصفرار، فلما ذهب ذهب الأصيل بنار الشفق، ولبست المشارق السواد لما تم في المغارب على الشمس من الغرق، وأقبلت مواكب الكواكب في طلب الثأر، كدراهم النثار، وتشابهت زواهرها وإن اختلفت في الأشجان بالأزهار في الأشجار، وتكلف القمر الموافقة فظهر على وجهه الكلف، ومرت به طوالع النجوم فلم يستخبرها حسداً فأعرب عن غدر الخلف بالسلف، وظهر الوجوم في وجوه النجوم، وعيل صبر النسرين فواحد طائرٌ يحوم، وآخر واقع لا يقوم، ولم تزل متلاحقةً متسابقةً لتقفو الأثر وتسمع الخبر، إلى أن بدا سوسن الفجر ولاح، وابتسم ثغر الصباح عن الأقاح، وكاد ثعلبه يأكل عنقود الثريا، وبرزت الغزالة من أس الكناس طلقة المحيا، وتراءت الوجوه، وزال ما زال بغيبتها من المكروه، وأخذت النجوم بالحظ من الطرب، بمقدار ما قدمته من الحض في الطلب، وانخرطت في سلوك شعاعها نظاماً، وزاد خوفها منها على رجائها فيها فذابت إكباراً لها وإعظاماً.
ومن صدر مكاتبة:
لم يزل العبد لما عرض من إعراض المجلس لا زالت أوامره نافذه، والآمال بكعبة كرمه لائذة، ويده العالية بزمام الزمان آخذة، وكتبه الكرائم لعزائم كتائب الإسلام شاحذة وحدث من هجره له، وظهر من قلة احتفاله به، وخاض فيه المعارف من تغيره عليه، وتناقله الوشاة من أمر صده عنه، وتقارضه الشامت من سوء رأيه فيه، ذا زفراتٍ سوام تتضرم، وعبرات هوامٍ تتصرم، وعبارات عن بسط عذره تعثر بالكلام عيا فيتذمم بالصمت عن أن يتحرر ويتحرم، وأفكارٍ تتنزه عن إساءة الظن بمودته فما يتكدر حتى يتكرم، فكم تناول القلب جلدهُ فجلده بالقلق لما تجاوز حده وحده، وأجرى من سوابق دموعه عسكراً فجرى فشق خده وخده، وأوجده السبيل إلى أن أبدى صحيفة وجه صبره مسوده، وتمنى لو كان الموت قبل إخلافه وعده وإخلاقه وده ووده، حتى جنى ورد ورود كتابه الكريم من انتظام شوك انتظاره، ورفع ناظره بقدومه عليه على كافة أمثاله وأنظاره، فعلم أن علم المودة قد رفع، وموصول حبل الجفوة قد قطع، وكاد القلب يخرج لمصافحته لو استطاع نفاذاً، واجتمعت فيه أماني النفس فاتخذته دون جميع الملاذ ملاذا، وتناوله بيد الإجلال، وقصه بيد الإِدلال، الذي أَباحَ له الإِخلادَ إِلى الإِحلال، فوجده منظوماً على خطٍ كالكؤوس المرصعة، لما لاح مِدَادُه مُدَاماً ونَقْطُه حَبَباًن وألفاظٍ تبيح للمناظر طلباً، وتتيح للخواطر طرباً، ومعانٍ ما حلت في ميدان البيان حتى جلت فحسب الأفكار بها حسباً، وتعريضات لو كان التصريح فضةً لكانت ذهباً، أو كان شرراً لكانت لهباً، ومنن ما لاحت سحائبها حتى وكفت، وأياد ما استكفت فواضلها حتى عمت وكفت، فرفع إلى السماء يديه وهي قبلة الدعاء، وعفر في الأرض خديه وهو جهد الضعفاء.
وله من فصول جواب مكاتبة إلى صديق له سافر إلى الشام:
إلامَ يصيرُ القلبُ للخطب مِنْبَرَا ... ويصبر للجُلَّى وإن كان مُنْبَرَا
وكيف يُلامُ الصبُّ في صبِّ دمعه ... عقيقاً على مصفرِّ خديه أحمرا
وَقَدْ وَقَدَ البَرْحُ المبرِّحُ في الحشا ... فراع دخانُ الوجد في الوجه منظرا
وزادت دواعي الشوقِ إذ زالت القُوَى ... فأصبح معروفُ التجلُّدِ منكرا
فلو شامَ طَرْفُ الشامِ برقَ تنفسي ... لتذكار مَنْ فيه إذنْ لتَفَطَّرا
على أَنَّ من أَمسى رفيقَ تفرق ... ومن قَصَّدَ الأشعارَ في الشوق قَصَّرا
وبعد فما ضاق الصدر، وضاع الصبر، وضعف الجلد، وتضاعف الكمد، وادلهم ليل الهم بفراق الحضرة السامية حتى طلبع بدر كتابها فاهتدت ضوال الأفكار الشاردة، ولمع شهاب خطابها فاحترقت شياطين الظنون الماردة، ولله الحمد على ما أعرب عنه من سلامة ركابها، والرغبة في تقوية أسباب استتباب نعمتها وتعجيل إيابها، وأن يكون ذلك بحسب ما تورثه وتقرره، بتلك الأعمال من الأعمال الصالحة وتؤثره.
ومنها:
стр. 587
وإن الكتب الكريمة الواردة إلى القاضي الرشيد ما فاحت أزاهيرها حتى لاحت زواهرها، ولا تأرج نورها حتى تبلج نورها، ولا فتنت بها الخاصة، حتى جنت العامة، فكم نثرت من عقود عقولٍ كانت متسقة النظام، وحقرت من منقول مقول كان ملحوظاً بالإعظام، وعلى الجملة فلم يبق أحدٌ من الفقهاء والحكام، وأرباب السيوف والأقلام، حتى استشرف لرؤيتها وتشرف لروايتها.
وأنشدني لنفسه من قصيدة:
كيف واصلتَ قطعَ رشفِ رُضابهْ ... وبدا السخطُ منك بعد الرِّضَى به
وهجرتَ المنام كي يرجعَ الطيفُ ... لئلا ترقَّ عند عتابه
لَتَوَخَّيْتَ أَنْ ترى صورةَ الصبر ... عليه من قبلِ حينِ ذهابه
ولعمري لقد أسأْتَ به الظنَّ ... فَعُذِّبْتَ باجتنابِ عذابه
وقال في رافضيٍّ متهم الخلوة:
اختصرْ واقتصرْ على هُزْئك النا ... سَ ولا تدّعي الحِجَى والكتابهْ
واحتسبْ وانتصبْ لضرب نِعالٍ ... دامغاتٍ من أجل سبِّ الصحابه
واقتصدْ في البغاء يابن فعالٍ ... وتوقَّ انتصابه والتهابه
فهو داءٌ كما تقولُ ولكن ... أنت صَبٌّ برشف تلك الصُّبَابه
وقال في مدح الأجل الفاضل من قصيدة:
لا تلم في اضطرابنا لاحمرارهْ ... جُلُّ نار القلوب من جُلّنَاره
وهو حدٌّ يكاد يُقْبَضُ منه ... كل طَرْف لولا اعتذارُ عِذاره
ما رأى منكراً رُضابَ مدامٍ ... مذ روى طرفه حديثَ خُمَارِه
ليس فيه من راحةٍ لمريدٍ ... قبلة تُطْفِىءُ اضطرام اضطراره
غير أن الحياءَ فيه مُضَاهٍ ... للحَيَا في انهماله وانهماره
أوْجَدَا الفاضلِ الذي أوجد الجو ... د فمن كفِّهِ انفجارُ بحاره
ذلك السيدُ المشَيِّدُ للمجدِ ... إلى أن أَتى على إيثاره
من غدا الدهرُ باسمه باسمَ الزهرِ ... ضحوكاً به بهارُ نهاره
لم يطفنا من بِرِّهِ وردَ وعدٍ ... لم يَشِنْهُ انتظامُ شوكِ انتظاره
والده
الخطير بن مماتي
لقيته بالقاهرة مستولى ديوان الملك الناصر ديوان الجيش فيه أدب. كان هو وجماعته نصارى، فأسلموا في ابتداء الملك الصلاحي، وحصلوا على الجاه والحرمة الوافرة والعيش الرخي.
سايرته في الطريق مرة فأنشدني لنفسه هذا البيت في وصف الخمر إذا صبت من الإبريق:
إذا انبَرَتْ من فم الإبريقِ تحسبها ... شهابَ ليلٍ رمى في الكاس شيطانا
قال: ولأبي طاهر بن مكنسة في المعنى:
إبريقنا عاكفٌ على قدحٍ ... كأنه الأمُّ ترضعُ الولدا
أو عابدٌ من بني المجوس إذا ... توهَّمَ الكاسَ شعلةً سَجَدَا
وأبو المليح في ممدوح ابن مكسة الذي يرثيه بقوله طويت سماء المكرمات جد ابن مماتي.
وأنشدني الخطير لنفسه في كتمان السر:
وأكتمُ السرَّ حتى عن إعادتِهِ ... إلى المسرِّ به عن غير نسيانِ
وذاك أنّ لساني ليس يُعْلِمُه ... سمعي بسرِّ الذي قد كان ناجاني
وأنشدني لنفسه من قصيدة، وكتبه بخطه:
لم يَبْقَ من جسدي لفرطِ صبابتي ... إِلا الأَسى وتردُّدُ الأنفاسِ
وأَغَنّ معسولِ الثنايا أَشنبٍ ... أَلمى المراشفِ كالقضيب الآسِ
ينَادُ من هَيَفِ القوامِ كأنه ... غصنٌ يجاذبه كثيبُ دهاسِ
لولا توقدُ جمرِ نارِ خُدُودِهِ ... في نار وجنته حَسَاهُ حاسي
من خده وعِذاره ورُضابهِ ... وردي وريحاني الجنيُّ وكاسي
وله:
يظلمني العاذلون في رشإٍ ... إنْ قيلَ كالشمس كان مظلوما
مذ حلَّ رسمُ الصليبِ في يده ... حلَّ بقلبي هواهُ مرسوما
وله:
أعاذلتي إن الحديثَ شجونُ ... مكانُ سُلَيْمَى في الفؤادِ مكينُ
أأسمع عَذْلاً في التي تملك الحشا ... وأَتْبَعُهُ إني إِذنْ لخؤُون
ومنها:
стр. 588
هل العيشُ إلا قربُ دارِ أحبةٍ ... هل الموتُ إلا أن يخفَّ قَطِين
وهل لفؤادي منذ شطَّ مزارها ... من الوجدِ إلا زفرةٌ وأَنين
أبيت رقيبَ النجمِ منها كأنما ... عيونيَ لم يُخْلَقْ لهنَّ جفون
ومنها:
كأنّ ظلامَ الليل إذ لاحَ بدرُه ... دَجُوجيُّ شَعْرٍ لاح منه جبينُ
كأنّ الثريا ترقُب البدر غَيْرَةً ... فقد هجرتْ منها المنامَ عيون
كأن سهيلاً في مطالع أُفقه ... فؤادُ مَرُوعٍ خامرتُهُ ظنون
كأن السها تبدو أواناً وتجتلى ... لدى الليل سرّاً في حشاه مصونُ
وقد مالت الجوزاءُ حتى كأنها ... كميٌّ بخطِّيِّ السماكِ طعين
ومنها في المخلص:
كأن صلاحَ الدين للشمس نورها ... ولولاه ما كان الصباحُ يَبِين
وقال:
لو كانت الأمراض محمولةً ... يحملها العبدُ عن المَوْلَى
حملتُ عن جسمك كل الأذى ... وكان جسمي بالضَّنا أولى
وقال:
إلى الله أشكو نارَ شوقي كما شكا ... إلى الله فقدَ الوالديْنِ يتيمُ
رحلتمْ فسار القلبُ أنَّى رحلتمُ ... ولكنَّ وجدي ثابتٌ ومقيم
ولمّا بكتْ عيني دماءً لفقدكمْ ... تيقنتُ أن القلبَ فيه كلوم
وقال في العذار:
وشادنٍ لما بدا مقبلاً ... سبَّحْتُ ربَّ العرش باريهِ
ومذ رأيتُ النملَ في خدّهِ ... أيقنتُ أنّ الشَّهْدَ في فيه
وقال:
يا ربَّ خَوْدٍ زرتُهَا ... في الليل بعد هُجودِهَا
فاجأتها فتبالهتْ ... فلزمت ضمَّ نهودها
ورشفتُ خمرَ رضابها ... وجنيتُ وردَ خدودها
وأَمنتُ في قِصَرِ الوصا ... لِ حياةَ طولِ صدودها
حتى إذا ولَّى الدجى ... في عدِّها وعديدها
وبدت جيوشُ الصبح في ... أَعلامِها وبنودِها
فارقتُها ومدامعي ... تحكي جُمَانَ عقودِها
وقال من قصيدة في المدح:
مُرْدِي الكتائبِ بذَّالُ الرغائبِ فَضَّاحُ ... السحائبِ بَرُّ القولِ والعَمَلِ
والغافرُ الذنبِ عفواً عند قدرته ... والرائعُ الخطبِ قَسْراً غيرَ محتفل
إذا طَوَتْ خيلُهُ في السير مرحلةً ... طَوَى الردى من عداه مُدَّةَ الأجل
بكل قَرْمٍ يلاقي الموت مبتهجاً ... كأنما الموتُ ما يرجو من الأمل
يلذُّ في السلم تقبيلَ اللمى شغفاً ... لحبِّهِ في القَنَا سُمْر القَنَا الذُّبُل
الشريف النقيب النسابة بمصر
شرف الدين أبو علي محمد بن أسعد بن علي بن معمر أبي الغنائم بن عمر ابن علي ابن أبي هاشم الحسين النسابة بن أحمد النسابة بن علي النسابة ابن إبراهيم بن محمد بن الحسن الجواني الحسيني كان نقيب مصر في الأيام المصرية. والآن فهو ملازم مشتغل بالتصنيف في علم النسب، وهو فيه أوحد، وله فيه تصانيف كثيرة.
قرأت بخطه كتاباً إلى بعض الأشراف بدمشق في سنة إحدى وسبعين، قد صدره بهذه الأبيات:
أَحنُّ إلى ذكراك يابنَ مُحَسَّنٍ ... وأَرجُو من الله اللقاءَ على قُرْب
لما لَكَ في قلبي من الموضعِ الذي ... يرى فيه كل الحب مُبْراً من الخِبِّ
وللمفخر السامي الذي قد حويتَهُ ... وسار مسيرَ الشمسِ في الشرق والغرْبِ
فأصبحتَ تاجاً للفخار ومَفْرِقاً ... وقطبَ المعالي بل أَجلَّ من القطب
فلا عَدِمَتْ روحي الحياةَ فإنها ... قرينةُ ما يأتي إلي من الكتب
وقرأت أيضاً بخطه من كتاب كتبه إلى الأمير عز الدين حارن لما قصده بالشام، في أوله هذه القصيدة:
تُرَى هاجكم ما هاجني من جوى البعدِ ... وهل كَرْبُكُمْ كربي وهل وجدكم وجدي
لئن جَلَّ ما أبديه شوقاً إليكم ... فإنَّ الذي أُخفيه أَضعافُ ما أبدي
стр. 589
جَوىً في فؤادي كامنٌ ليس ينطفي ... عليكم كمونَ النار في الْحَجَرِ الصَّلْد
وما الدمعُ ما يجري عليكم وإِنما ... نفوسٌ أَسَلْنَاهَا مع الدمع في الخد
إذا لفَّ بُرْدُ النومِ أَجفانَ راقدٍ ... لففتُ جفوني في رداءٍ من السهد
نهاريَ ليلٌ مدلهِمٌّ لفقدكم ... وليلي نهارٌ من خيالكمُ عندي
ومنها:
ألا يا رياحَ الشوق سيري فبلِّغِي ... سلامَ محبٍ صادقِ الحبِّ في الود
إلى المَلْكِ عزِّ الدين ذي المفخرِ الذي ... مناقبُهُ تعلو الكواكبَ في العَدِّ
ومنها:
مليكٌ إذا أطنبتُ في وصفِ فضله ... علمتُ بأَنِّي لم أَنَلْ غايةَ الجهد
فما العنبرُ الشَّحْرِيُّ في أَنفِ ناشقٍ ... بأَطْيبَ من ذكراه في سَمْعِ مُسْتَجْدِي
ومنها:
أَيا مَنْ إِذا سارتْ وفودٌ لبابه ... ترى عندهمْ وفداً إِلى ذلك الوفد
وقد علم القُصَّادُ قَصْدَ جَنَابِهِ ... فنوَّلَهُمْ قبلَ التفوُّهِ بالقَصْد
والده
الشريف القاضي سناء الملك
أبو البركات أسعد بن علي الحسيني النحوي
موصلي الأصل مصري الدار هاجر إليها واتخذها مسكناً، ورضي بها وطراً ووطناً؛ وكان كبير القدر، نابه الذكر. وجدت له شعراً في الصالح بن رزيك في نوبة قتل عباس: أما والهوى النجدي ما سئمت إلفا.
ومنها:
لئن كنتَ قد نَحَّبْتَ عباسَ من ظُبَا ... فَرَنْجَةَ لما لم يجدْ عنك مُسْتَعْفَى
وأنقذْتَهُ من أَسره وهو ذاهلٌ ... يَرُدُّ عن الأهوال في المأزق الطَّرْفَا
فقد سُقْتَه إذ فَرَّ منك إلى مَدىً ... تمد مُدَاهُ نحو مُقْلَتِهِ الحَتْفَا
وما فرَّ من وَقْعِ الأسنَّةِ صاغراً ... وجدِّكَ إلا حين لم يَرَ مُسْتَخْفَى
وملَّ الطعانَ المرَّ للمَلِكِ الذي ... يراه حَييّاً عندما يَهَبُ الألْفا
وقال في مدحه:
صاحِ إنْ أَهْجُرْ سليمى والرَّبابا ... فلقد بُدِّلْتُ من غيٍ صوابا
ولقد واصلتُ من بعدهما ... مدحَ من أَغْرَآ بجَدْواهُ انتسابا
إِنَّ في كفِّ ابن رزِّيكٍ لمنْ ... يبتغي الرفدَ لآمالاً خِصَابا
وبيمنى فارسِ الإسلام قد ... أُجْرِيَ البحرُ الذي عَبَّ عُبَابا
كم له في الشام من معجزةٍ ... ومقامٍ لم يكن إلا احتسابا
جرَّبَ الإفرنج من أفعاله ... في صناديدهمُ أمراً عُجابا
وله من أخرى:
ومن يهوَ إدراكَ المعالي فإنه ... يَعُدُّ المنايا من ملابسه طِمْرا
قريع الرزايا والقنا يقرع القنا ... خطير العطايا يَسْتَقِلُّ الْجَدَا خَطْرا
يخطِّطُ بالخطيّ في النقعِ موطناً ... يحوز العلا والموتُ يلحظهُ شَزْرا
ومنها:
إذا اهتز بالفساط غرباه لم يَدَعْ ... فؤاداً بأقصى روضةٍ لم يَمُتْ ذُعْرَا
وحيث ذكرت الشرفاء فقد تعين ذكر الشريف أبي جعفر، وهو:
الشريف أبو جعفر
محمد بن محمد بن هبة الله العلوي الحسيني
من طرابلس ومن الواجب إيراده في شعراء الشام. كان في مصر في عهد أفضلها، وحظي من مننه بأجزلها. أهدى إلى ديوان شعره بمصر القاضي الفاضل، في جملة ما أسداه إلي من الفواضل، فأثبت منه ما استجدته مما وجدته، واستطبته مما استعذبته. فمن ذلك من قصيدة أعدها لمدح الأفضل للتهنئة بعيد الفطر سنة خمس عشرة وخمسمائة، فقتل الأفضل عشية سلخ شهر رمضان من السنة، وعاش الشريف، ومدح الوزير بعده، وأولها:
قد تجاوزتَ في العلا الجوزاءَ ... واستمدَّتْ منك البَهَا والبَهَاءَ
ومنها:
لم تَزلْ للعيونِ منذ تراءَتْكَ ... جِلاءً وللقلوب رجاَ
ومنها:
وجيوشاً كأنما قد كساها البرقُ ... فوق الدروع منها رداءَ
في مجالٍ سالتْ ظباه على الأيدي ... كأن الغُمودَ فَجَّرْنَ ماءَ
стр. 590
ومنها في وصف سفن أنفذها إلى مكة، وفيها غلة:
بجوارٍ تنسابُ في البحر كالأعلام ... تجري بها الرياحُ رُخَاء
حملَ الماءُ كلَّ سوداءَ منها ... حَمَّلَتْ وقرَها يَداً بيضاء
وله من قصيدة في ابن عمار بطرابلس:
جعلنا التشاكي موضع العَتْبِ بيننا ... فأَصدُقُ في دعوى الغرامِ وتكذبُ
ذريني أَصِلْ ليلَ الغرام بعزمةٍ ... تكفَّلُ بالإقبال عنها فتَغْرُب
فلا والعوالي إنها قسَم العلا ... أُقيمُ ولي عن ساحةِ الذلِّ مذهب
ومنها:
ومن كان فخرُ الملك مَرْمَى رجائهِ ... أصاب من الحظّ الذي يَتَطَلَّبُ
بعيدُ مناطِ السيف لو طاول القنا ... تساوى لدى الهيجا لواءٌ ومنكب
ومنها يصف داره:
ويوم ابتدرنا الإذنَ نُرْعَدُ هيبةً ... وقد غصَّ بالرفد الرواقُ المحجَّبُ
وصلنا وسلَّمنا على البدرِ جادَهُ ... سماءٌ لها من ذائبِ التِّبْرِ هَيْدَبُ
وقد نَمْنَم الكفُّ الصَّنَاعُ بأُفْقِها ... رياضاً كأنَّ الجوَّ منهنَّ مُعْشِبُ
ومصقولةِ الأرجاءِ ملثومةِ الثرى ... إلى جنة الفردوسِ تُعْزَى وتنسَبُ
نخالُ بأُولى نظرةٍ أنَّ دُرَّها ... يُنَثَّرُ أو عِقْيانها يَتَصَوَّبُ
وقال من قصيدة:
ذَرَفَتْ مقلةُ الحَيَا بالحَبَابِ ... وانتشى الروضُ حاليَ الجلباب
وتمشَّتْ به الصَّبا وإزارُ ... المُزْن فيه مُجَرَّرُ الهُدَّاب
ومنها:
لم أَنَمْ بعدهم سُلُوّاً ولكنْ ... طمعاً أَن يزورَ طيفُ الرَّبَابِ
يا خليليَّ في الذؤابة من فِهْرٍ ... أَميلا معي صدورَ الرِّكَابِ
وَقِفَا العيسَ كي نُجَدِّدَ عهداً ... للهوى في معاهدِ الأَحْبَابِ
أسقمَ البينُ رَسْمَهَا سقْمَ جسمي ... فكلانا خافٍ عن الطُّلاَّبِ
يا لُواةَ الديون من غير عُسْرٍ ... عُذْرُكُمْ لم يكنْ لنا ي حساب
طال رَعْيي روضَ الأَماني لديكمْ ... ورجوعي عنكمْ بغير ثواب
أتقاضاكمُ وماذا عليكمْ ... لو سمحتمْ لسائلٍ بجواب
ما لقلبي أراحني الله منه ... كيف يهوى من لا يرقُّ لما بي
مَسَحَتْ صبغةَ الشبابِ يدُ الهمِّ ... وأَبْدَتْ نصولَ ذاك الخضاب
ومنها:
وإذا كان ضائري حكم ذي الشيب ... فواوحشتا لجهلِ الشباب
وقال:
أأحبابنا لو سرتمُ سيرةَ الهوى ... لكنتمْ لقلبي مثلَ ما لكمُ قلبي
عتبتمْ وما ذنبي سوى البعد عنكمُ ... وإني لأهواكم على البُعْدِ والقرب
فلا تجمعوا بين الفراق وعتبكم ... ولا تجعلوا ذنب المقادير من ذنبي
وله من قصيدة في الأفضل أولها:
أُجِلُّ هواكَ عن مِنَنِ العتابِ ... وإن أَبعدْتَنِي بعد اقتراب
ومنها:
أَما وهواكَ لو خُبِّرتَ عني ... لِمَا أَلقاه عزَّ عليك ما بي
ولا تسأَلْ سواك فليس يخفى ... عذابي عن ثناياك العِذاب
ولولا أَنْ تقولي خان عهدي ... قرعتُ على سُلُوِّي كلَّ باب
رضيتُ وصال طيفكِ وهْوَ زُورٌ ... وعند الشيب يُرْضَى بالخضاب
ومنها:
ودون ثنيَّةِ الصَّنَمين ظبيٌ ... وقورُ الحِجْل طيَّاشُ الحِقَابِ
سقيمُ الطرف نشوانُ التثنّي ... صقيلُ الثغِ معسولُ الرضاب
ومنها:
وقفتُ بها سراةَ اليومِ صحبي ... وقوفَ القُلْب في زَنْد الكَعَاب
وقد أخفتْ معالمَها الليالي ... كما درست سطورٌ من كتاب
فدع ذكراك أياماً تقضَّت ... إِذا ذهب الصِّبَا قَبُحَ التصابي
ولي بمديح شاهنشاهَ شُغْلٌ ... يُسَلِّي عن هوى ذاتِ السِّخَاب
يُؤَذِّنُ جودُه فيما حواه ... من الأَموالِ حيَّ على الذهاب
ومنها:
стр. 591
ويوم بعثَتها شُعْثَ النواصي ... تسيلُ بهنَّ أفواه الشعاب
لقيتَ هَجِيره والخيل تردى ... ولا ظلٌّ سوى ظلِّ العُقَابِ
أثرتَ الليل في رَهَجِ المذاكي ... وأطلعتَ النجوم من الحِراب
مواقفُ لم تزلْ فيهن أَمضى ... من الهنديِّ زلَّ عن القِرَابِ
وله من أخرى:
تجاوز العتبُ حدَّ السخط والغَضَبِ ... وأورث القلبَ صدعاً غيرَ مُنْشَعِبِ
إِن كان ذنبٌ فإني منه معتذرٌ ... يكبو الجوادُ وينبو السيفُ ذو الشُّطَبِ
أو كان ذا منك تاديباً على زَلَلٍ ... منِّي فحسبك قد أَسرفتَ في أدبي
هل عهدُ وصلك مردودٌ لعاهده ... يا هاجري شهوةً من غير ما سبب
ومنها:
أو لا وعيشٍ مضت منا بشاشته ... لمحاً وسالفِ عيش غيرِ مُؤْتَشِب
ومبسم كأَقاح الروضِ بانَ به ... فضلُ الرُّضاب على الصهباءِ والضَّرَب
ومستديرِ وشاحٍ جال في هَيَفٍ ... حيث التقى خيرُزَانُ الخصْر بالكُثُب
ما إِنْ أَذِنتُ إلى الواشي كما أَذِنَتْ ... فاعْجبْ له اليومَ لم يظفر ولم يخب
لم يبق عندي اصطبارٌ أَستعينُ به ... على تمادي صدودٍ منك بَرَّحَ بي
بيني وبين صروف الدهر معتبة ... وليس عتبي على الأَيام بالعجب
إن سرَّكُمْ مسٌّ من نوائبه ... إِني إِذنْ لقريرُ العين بالنُّوَب
ومنها:
إن كنتُ أضمرت غدراً في الوفاءِ لكمْ ... فلا وصلتُ بآمالي إلى أربى
وخانني عنك شاهنشاهُ ما وَعَدَتْ ... به صنائِعُهُ من أَشرف الرتب
ومنها:
تجلو عليك التهاني كلُّ شاكرةٍ ... يداً سَبَقْتَ إليها عزمةَ الطلب
كالماءِ رقَّتها والخمرِ نَشْوَتها ... فابنُ الغمامةِ فيها وابنةُ العِنَبِ
وقال فيه:
خاطِرْ بها فالجدُّ مصحوبُ ... واسرِ فظهرِ الغيبِ مركوبُ
واطلبْ عناقَ العِزِّ تحت الظُّبَا ... فالعزُّ محبوبٌ ومطلوب
واصحبْ إلى العلياءِ سُمْرَ القنا ... ما صَحِبَتْهُنَّ أنابيب
ليس يروضُ الصعبَ مَن دِرْعُهُ ... مُحْقَبَةٌ والسيفُ مقروب
ولا يخوضُ الغمراتِ الفتى ... وطِرْفُه في الحيِّ مجنوب
وثِقْ بما تُملي عليكَ المنى ... فالنجح مرجوٌّ ومرقوب
ولا تَقُلْ يا بعدها غاية ... ففي المقادير أعاجيب
لا تبعدُ العلياءُ عن طالبٍ ... له من الأفضلِ تقريب
وقال فيه:
إِذا ما ابتدوا شَدُّوا حُبيَ الحلم للنَّدَى ... وإِن ركبوا سدُّوا القَنا بالمراكبِ
كفيلون في دار الضحى لصريخةٍ ... بوجهِ نهارٍ بالعجاجةِ شاحب
همُ سَطَّروا بالبيضِ والسمر ذكرَهُمْ ... فأَصبحَ عُنوانَ العُلا والمناقب
صدورُ رماحٍ لم تَرِدْ حومةَ الوغى ... فتصدرَ إلا عن صدورِ الكتائب
ومنها:
إذا شَهِدَ الجُلَّى أضاءَتْ برأْيهِ ... دُجُنَّةُ خَطْبٍ مُدْلَهمِّ الجوانب
وقال أيضاً:
بادِرْ بإحسانك الليالي ... فإنَّ من شأنها البتاتا
كم شمْلِ مَلْكٍ عَدَتْ عَليْهِ ... فصيَّرَتْ جمعَهُ شتاتا
وفَرَّكَتْ قبلُ من عظيمٍ ... فطلَّقَتْ غيرها ثلاثا
وقال من قصيدة:
وكم للحُبِّ مثلي من صريعٍ ... بحدِّ البيض والسمر الملاحِ
وأَغيَدَ من ظباءِ الحسن حَيَّا ... بوردٍ أوْ تبسَّمَ عن أَقاحي
شربنا من شمائله شَمُولاً ... لنشوان التثني وهْوَ صاحِ
لقلبي الثأرُ فيه عند عيني ... فبعضُ جوارحي أَدْمَى جراحي
стр. 592
لئن عاصيتُ عذَّالي عليه ... ولم يَقْتَدْ ملامُهُمُ جماحي
فإنَّ نوالَ شاهنشاهَ قبلي ... عَصَى عَذْلَ العواذلِ في السماح
إذا أعطى تبلَّج في العطايا ... كما يفترُّ مبتسَمُ الصباح
ومنها:
ملوكٌ إنْ دجا ليلٌ جَلَوْهُ ... بلألآءِ الترائك والصِّفَاح
كأنّ الخيلَ تحت النقع منها ... شققنَ الأرضَ عن بَيْض الأَدَاحي
نثرنَ عجاجةً في كل فجٍ ... كأنّ الأُكْمَ تنفسها المساحي
مناقبُ سطَّرَتْهُنَّ المواضي ... فما يسمو إليها كفُّ ماحي
وقال:
ما خلتُ والأيامُ ذاتُ عجائبٍ ... أنى أُعَدُّ من المتاعِ الكاسدِ
وأكونُ للدهر الخؤونِ عقيرةً ... وأُعاضُ مِنْهُ شامتاً من حاسد
فأسالمُ الخصم الذي لا يُتَّقَى ... وأثيب عذالي ثواب الحامدِ
وقال:
أُحبُّ من الفتيانِ كلَّ مشيَّع ... ركوبٍ إلى العلياءِ ظهرَ الشدائدِ
يضمُّ على فضل العفاف ذيولَهُ ... ويرغبُ عن ضمِّ الثُّدِي والنواهد
ومنها:
إذا دَحَرَتْ فيه النعامى حسبتَه ... حبيبكَ دروعٍ أَو متونَ قلائدِ
ينمّ بسرِّ القاع حتى تخاله ... استعارَ حصاهُ من عقودِ الخرائد
نزلنا به والشمسُ يُهدى شُعاعُها ... له التبرَ إِلا أنه غير جامد
لدى روضةٍ قد نَشَّر العَصْبَ نبْتُهَا ... ونَثَّر فيها النَّوْرُ دُرَّ القلائد
ومنها:
كأن ذيولَ الأفضل انسحبتْ بها ... يُضَمِّخُها منه أَريجُ المحامد
كريمٌ أَعدَّ المالَ وقفاً على الجَدَا ... فأضحى نداهَ قاصداً كلَّ قاصد
إِذا مدَّ يومَ الفخر باعاً لمفخرٍ ... حَوَى طَرَفَيْهِ من طريفٍ وتالد
ومنها:
جمعتَ سعود المشتري ووقارَهُ ... إِلى بأس بَهْرامٍ وحذقِ عُطَارد
ومنها:
وما نمتَ عن شاني وقد نام دونَهُ ... رجالٌ فلم أنبذ حياةً لراقدِ
ولو كنت ممن يجعل الفحش لفظه ... لنبَّهَهُمْ مني عقابُ القصائد
وعَضَّ لحاظَ القوم في كل مجمع ... قوافٍ كأَطرافِ الرماح الحدائد
أَأُغْضِي على ضيمٍ وعزُّكَ ناصري ... وأُخْفِقُ في مجد ونُجْحُكَ رائدي
وقال من قصيدة في محمد بن قابل وقد أنفذ إليه رافداً:
من منجدي بالشكر أَمْ مَنْ مُسْعِدي ... أَوفَتْ على شكري يدٌ أَغنتْ يدي
نام الورى عني فلم أُوقِظْهُمُ ... أَنَفاً لمجدي من مقام المُجْتَدِي
ورأيت عز الفقر من نيل الغنى ... بالذل أولى بالعُلا والسؤدد
ورددتُ ما يهبُ اللئامُ عليهمُ ... زهداً ولا مجدٌ لمنْ لم يزهد
وكذاك نفسُ الحر تحتملُ الظَّمَا ... إن فاته يوماً كريمُ المَورِدِ
وتداركتني مِنةٌ من مُنْعِمٍ ... يقظانَ عن بذلِ الندى لم يرْقُدِ
ملأَ الزمانُ بها مسامعَ أهلهِ ... من شكر آل محمدٍ لمحمد
يعطيك مسؤولاً فيعجل رِفْدَهُ ... وتعوق هيبتُهُ السؤولَ فيبتدي
ومنها:
أرسلتها فوق الرجاء تبرعاً ... أحلى الندى ما لم يكن عن موعد
لما سالتُ الغيثَ يُسقى بالغنى ... جوداً بَعَثْتَ بديمةٍ من عسجد
ومنها:
ولَتَنْصُرَنَّكَ باللسان ونصرُهُ ... أَبْقَى على الأيام من نصرِ اليد
ومنها:
وإليكمُ أرسلتُها تُرْضِي العُلا ... فيكمْ وتقطعُ في قلوب الحُسَّد
بسهولةٍ عنها المياه ترقرقت ... وجزالةٍ منها متون الجلمد
كالمسكِ من طيب الثناءِ عليكمُ ... فيكادُ يَعْبَقُ عَرْفُها بالمنشد
وقال:
عصيتُ هوايَ حين وَفَى لغرٍ ... إباءٌ صار من خُلُقي وعادي
فبلِّغ حاكمَ العشاق أَني ... عفافاً قد حَجَزْتُ على فؤادي
وقال:
стр. 593
ألا يا خليليَ من وائلٍ ... أَعِنِّي على ليليَ الساهرِ
إلى كم أُسَوَّفُ عطفَ الزمانِ ... وعَزَّ النتاجُ من العاقر
وعزَّ على المجد أني قنعتُ ... بأيسرِ من حَسْوَةِ الطائر
وما ذلَّ في الخطب عونايَ من ... لسانيَ والمِخْذَمِ الباتر
لياليَ لا أنا شاكي الصحابِ ... ولا غدرُهُمْ شاغلٌ خاطري
وإني على شَغَفِي بالقريضِ ... لآنفُ من همةِ الشاعرِ
سرى رَجَبٌ يستحثُّ الشهور ... نزاعاً إلى فضلك الباهر
أَتاكَ يجدِّدُ عهدَ المشوق ... على كاهلِ الفَلَكِ الدائرِ
وله من قصيدة:
وقورٌ متى يستطلق الجهلُ حَبْوةً ... تبيَّن في صَدْر النَّدِيِّ وقارُه
ويطربُه ذكرُ النَّذَى فتخالُهُ ... أَخا نشوةٍ جارتْ عليه عُقَارُهُ
إذا اكتحلتْ بالطعن أَجفانُ خيله ... فإثمدها في كلِّ فج غباره
إذا انبجست كفاه والمزن ممسك ... فما ضرَّنَا إلا بصوبٍ قِطَارُه
وله من أخرى:
يا صاحبي قمْ ترى برقاً كما نُشِرَتْ ... مُلاءَةُ الفجر هاج الوجدَ والذِّكَرَا
وسَلْ نسيمَ صبا نجدٍ لعلَّ به ... عن العذَيْبِ وجيران الغَضَا خَبرا
تضوَّعَتْ من ثرى واديه إذ خَطَرَتْ ... رَيَّا فما زالَ من أَردانها عَطِرا
تجنى وَيعْذُرُها حسنٌ تُدِلُّ به ... فكلُّ ما فعلتْهُ كان مُغْتَفَرَا
وله من أخرى:
خلعنا الصِّبَا ولبسنا الوقارا ... وكان الشبابُ رداءً مُعَارا
ويا ربما ليلةٍ قد خَطَرْتُ ... إلى اللهو يُرْخي مَراحي الإزارا
أَردُّ مشورةَ رأْي النُّهَى ... عليه وأَرْضَي الهوى مستشارا
ليهنِكَ يا عاذلي أَنني ... ملكتُ على صَبَواتي الخيارا
رَقَتْ دمعةُ الشوق من ناظري ... وخلَّفْتُ غيريَ يبكي الديارا
ولم تُنْسِني عِفَّتي غادةٌ ... تَزينُ المعاصمُ منها السِّوَارا
إذا انتقبتْ قلتَ بدرُ التما ... م لاثَ عليه الغمامُ الخِمَارا
ولا أغيدُ الجيدِ أَمسى يديرُ ... من طَرْفِهِ ويديه العُقَارا
إذا هو أَرْعَفَ إِبريقه ... كستْ يدُهُ كأسَه الجُلَّنارَا
تخالُ فَوَاقِعَها لؤلؤاً ... وَهَى سِلْكُهُ ودموعاً غزارا
إذا الماءُ عاتبَ أَخلاقها ... رأيتَ الشقائقَ منها بَهَارا
تضيءُ لنا فَحَماتِ الظلا ... م من قبل أنْ يقبسَ الفجرُ نارا
وبين الوشاحين منه القضيبُ ... وتحت الحقاب نقاً حيثُ دارا
وله من أخرى وهي طويلة:
سل بني نبهان هل زهدوا ... في ثناءٍ من فتى قُرَشِي
صار كالكَمُّونِ بينهمُ ... بالمُنى يُرْوَى من العَطَشِ
وابتلاه الدهر بينهمُ ... بعدوٍ مُرْتَشٍ وَيَشِي
وله من أخرى:
هل أنت باليأسِ المُريح مُخَلِّصِي ... من أَسْر ميعادِ المُنى المُتَخَرِّصِ
وإِليك أَشكو سوءَ حظٍ مُشْرِقي ... أَنَّي شربتُ وإِن أَكَلْتُ مُغَصِّصِي
ماذا على الأيامِ لو هيَ أحسنتْ ... أَوْ سامحتْ بالعيش غيرَ منغَّصِ
وأشدُّ ما لاقيتُ من أَحداثها ... ما قد تجدَّدَ في جفاءِ المُخْلِصِ
وعدُ الزيادة قد تطاولَ عمره ... حتى مللت ترقُّبي وتربُّصِي
ما كنتُ أولَ مستزيدٍ لم يُزَدْ ... وأنا السعيدُ اليوم إن لم أُنْقَصِ
وقال:
أَغرى به الشوقَ اللجوجَ وحَرَّضَا ... برقٌ أَضاءَ له على ذات الأَضَا
متبسِّماً منه الغمامُ كأنَّمَا ... هزَّ القيون به الحسامَ المنتضى
стр. 594
وعصى الفؤادُ سُلُوَّه لما غدا ... طوعَ الوشاةِ فصدَّ عنه وأَعرضا
هيهات إِبراء السقيم من الضَّنَا ... يوماً إِذا كان الطبيب المُمْرِضَا
ما كان لولا حبُّ مَنْ سَكَنَ الغضا ... يُخْشَى حَشاه لذكره جمرَ الغضا
زمنٌ مضى فوق المنى فكأنه ... حكمٌ تقاضى حسرةً ثم انقضى
خالفتُ يومَ البين حكمَ تجلدي ... لما قضى فيه الفراق بما قضى
وبمهجتي رشأٌ أَغَنُّ بطرفِهِ ... مَرَضٌ وصحةُ طَرْفِهِ أَنْ يَمْرَضَا
قد صرَّح الهجران فيه لمدْنف ... خاف الرقيبَ على هواه فعرَّضا
كم يقتضيني الدهرُ حقِّي عنده ... الدَّيْنُ لي وأنا الغريمُ المُقْتَضَى
وله على وزنها من أخرى:
كان الشبابُ وقد خَلَعْتُ رداءَهُ ... طيفاً سَرَى وخضابَ داجيةٍ نَضَا
ومنها في الاعتذار عن مدح غير هذا الممدوح:
شَعْرٌ حَمَلْتُ سوادَه وبياضه ... فوجدت أثقلَ ما حملتُ الأبيضا
ما إِنْ مدحتُ سواك إِلا رِقْبَةً ... مني لصِلِّ حماطة قد نضنضا
فمسحتُ بالأشعارِ عِطف عُرامِهِ ... وحملت عذرَ زمانه حتى انقضى
والآن عُدْت وكنت عُوداً ذاوياً ... نبتاً بصوب نداكمُ قد روَّضا
وحُسِدت ما شَرَّفْتَني بِسَماعِهِ ... حتى تمنَّى مُفْحَمٌ أن يَقْرِضَا
وقال:
كلَّ يومٍ نَلْقَى ببابكَ غَيْظاً ... أملاً خائباً وسَعياً مضاعا
ووجوهاً يُغَضُّ من دونها الطر ... فُ كما قابلَتْ عيونٌ شعاعا
ليتهمْ إِذ حموكَ من كلفة الإذ ... ن لنا أَوصلوا إِليك الرقاعا
وقال:
لعذلِ العواذل أَلاّ أَعي ... وألاّ أُصِيخَ له مسْمَعي
ويا لائمي في غرامي بها ... أَضَعْتَ الملام فخذْ أو دَعِ
أتطمعُ للقلب في سلوةٍ ... وهيهات في ذاك لا تَطْمَعِ
أطعتُ الهوى وعصيتُ النصيحَ ... وقال العذولُ فلم أسمع
وقد أنكَرَتْ أنّ حبي لها ... جسرِّيَ في غير مُسْتَوْدَعِ
فلو جاز حكمي لدعْوَى الهوى ... جعلتُ اليمينَ على المدَّعي
أما عَلِمتْ أنّ لي بعدها ... هموماً تُكاثِرُها أَدْمُعي
أَبى لي تَنَاسِيَ ما قد مضى ... خيالٌ لها لازمٌ مَضْجَعي
ومنها:
وزارَ برغْمِ الكَرَى هاجعين ... نَشاوى بكاسِ الهوى المُتْرَعِ
وأشعثَ أخفاه برحُ السقامِ ... فنمَّتْ به أَنَّةُ المُوجَعِ
فيا منَّةً قد شكرت الرقاد ... لو أني انتبهت وقلبي معي
ومنها:
وقد علم الحرصُ أَنِّي برئْتُ ... إلى راحةِ اليأسِ من مَطْمَعي
وكم لي مع الدهر من وقعةٍ ... تبلَّجْتُ في وجهها الأسفع
وقال:
دعِ المطامعَ لا تحللْ بساحتها ... وارضَ القليلين من ريٍ ومن شِبَعِ
لا تخضعنَّ لأَمرٍ عزَّ مطلبه ... لا خيرَ في العيش ما أَدناك من ضَرَع
وقال:
غريمُ فؤادي في الهوى غيرُ منصف ... وماطلُ وعدي قد أبى الغدْر أن يفي
تكلَّفَ بي يومَ اللقاءِ بشاشةً ... وأقبحُ ما استَحْسَنْتَ بشرُ التكلف
ومنها:
رضيت وإن لم تسمحوا برضاكمُ ... على عزِّ قومي في الهوى ذلَّ موقفي
لِيَهْنِ حَسوُدي أن يُقَدَّمَ ناقصٌ ... فأَصبحَ فضلي علةً لتخلُّفي
ولو أنصفَ الدهرُ الكرامَ لما غدا ... يطيلُ على حظِّ اللئام تلهفي
ليَ اللهُ من قلبٍ لجوجٍ بصبوةٍ ... إلى العزِّ ما يزداد غير تغطرف
ركوبٍ لأَثباجِ المخاوفِ دونها ... ومَنْ طلبَ العلياء لم يتخوَّف
أَأُرْمَى بعيش الخاملين وقد أَبَى ... ليَ اللهُ أن يَرْضى فراسي وخندفي
ومنها في القلم:
стр. 595
له القلم الماضي الشَّبَا فكأنما ... تهز به أعرافُهُ صدرَ مُرْهَف
إذا ما سقاه المزنُ صوبَ قطاره ... كسا الطرسَ أثوابَ الربيع المُفَوَّف
وله من أخرى:
حَيِّ من رَيَّا خيالاً طَرَقَا ... عاد جُنحُ الليلِ منه فَلَقَا
سارياً يُذْكِرُنَا عهدَ الحمى ... نقصَ البيد وقصَّ الطُّرُقا
حبذا الطيفُ تَعَلَّلْنَا به ... واصفاً في البين أيام اللقا
قد رضينا من أباطيل الكرى ... ردَّ ما موَّهَهُ واختلقا
المُنَى إن لم يكن إلا المنى ... إنها لَهْيَ النعيم في الشقا
هل مُعاد والأماني ضَلَّةٌ ... موقفٌ بين المصَلَّى فالنَّقَا
يا نسيم الريح إما جِئْتهمْ ... فاشكُ عن قلبي الجوى والْحُرَقَا
وتعرَّضْ لملولٍ منهمُ ... مستجدٍ كلّ يومٍ خُلُقَا
وطموحِ العينِ مذَّاقِ الهوى ... قلَّ ما مازح إلا عشقا
آه والشكوى إليكم خَوَرٌبعد ظنٍ في هواكم أخفقا
يا لهيفاءَ وقلبي كلما ... قلتُ قد أَفْلَتَ منها عَلِقَا
ولخلٍ كالشَّجَي معترضٍ ... ما محضْتُ الودّ إلا مَذَقَا
وله من قصيدة:
أتمنَّاهَا على بُعْد المَنَالِ ... وأسومُ الصبرَ عنها وهو غالي
وأُرجِّي عطفةَ السالي وقد ... تَعْلَق الأطماعُ أسبابَ المُحَالِ
وعلى ما سَرَّني أو سَاءَني ... فَهْوَ محبوبُ التجني والدلالِ
ولقلبي من أحاديث المُنَى ... ما لعيني من سُرَى طَيْفِ الخيالِ
ومنها:
لستُ بالفائت حظِّي منكمُ ... رب عتبٍ كان باباً لملال
مذهبٌ ما ابتَدَعَتْهُ غادةٌ ... يُبْذَلُ العذرُ لربات الحجال
أَنْكَرَتْنِي أَنْ رأتْنِي عاطلاً ... ربَّ جيدٍ عاطلٍ بالحُسْن حالي
من عذيري اليومَ من أيد خطو ... بٍ رعى البادنُ منها في هزالي
هممُ العلياء ضرَّاتُ الغِنَى ... وجيوشُ الفقر إِكثار العيال
فارضَ بالأدنى إذا لم ترقَ في ... درجاتٍ من ذرا المجد عوالي
أو فكن جارَ شهنشاهٍ تَصِفْ ... مُغْرماً بالجود فَيَّاضَ النوال
كَفَل الملك بأطرا القَنَا ... والمعالي في كَفَالات العَوَالي
ومُطاعُ الرمح في يوم الوَغَى ... نافذُ الحكم على الأرواح وَالي
عَلَّقَ الأرزاقَ من أَسْمَرِهِ ... مَعْلَقَ الرمح بأطراف النصال
يَنْفُضُ العِثْيَرَ عن أعطافه ... نفضةَ الأَجْدَلِ أَنداءَ الظلال
وله من أخرى:
لولا الحظوظ التي في بعضها بَلَهٌ ... لما علا الشمسَ بهرامٌ ولا زحلُ
همٌّ لبستُ له ثوبَ الضَّنَا كمداً ... والهمُّ يفعل ما لا تفعلُ العلَلُ
ومنها:
من كلِّ أروعَ في الهيجاءِ يصحبه ... عَزْمٌ فَتِيٌّ ورأيٌ منه مُكْتَمِلُ
الأرقمُ الصِلُّ إِلاَّ أَنه بَطَلٌ ... والأَغلبُ الوَرْدُ إلا أنَّهُ رَجُل
ومنها:
وصاحبٍ مثلِ حُمَّى الرِّبْعِ أرقبها ... مُغْرىً بذمِّيَ منه المنطقُ الخَطِلُ
رَمَى ولو أنني أرضيه قلت له ... خذها إِليك لكفِّ المخطىءِ الشَّلَلُ
وله من أخرى:
يا هل جَنَتْ أعينٌ مراضٌ ... كالخمر تسطو على العقولِ
أصابتِ القلبَ يوم سَلْعٍ ... بنافذاتٍ بلا نصولِ
فقلْ إذا جئتَ آل سهمٍ ... ما فعل السهمُ بالقتيل
ويا نسيمَ الصَّبا تَعَرَّضْ ... لحاضرٍ بالغَضَا حُلُولِ
بلِّغْ فإنّ القبولَ أوْلى ... في طاعةِ الصبِّ بالقَبُول
وصفْ غرامي وأَجْرِ فيهمْ ... ذكرىَ للهاجر المَلُولِ
واحرَّ قلباه من قضيبٍ ... رَيَّانَ لم يدرِ ما غليلي
стр. 596
لو أَنصَفَ الحِبُّ ما طلبت ... الوصالَ من طيفه البخيل
ومنها في المدح:
من أسرة النجم في المعالي ... وإخوةِ الغيث للنزيل
تشابهوا واحداً ونَجْلاً ... ما أشبه الكُثْبَ بالسهول
وقال من أخرى:
رعى الله المنازَ من غميم ... وحيا يومنا بلوى الصَّريم
وروَّى أرضَها حَلَبُ الغوادي ... وصافح روضَها وَلَعُ النسيم
وقفتُ بها فيا نثرى لدمعٍ ... أَرَقْتُ على ثَرَى تلك الرسوم
وما خِلْتُ المعالمَ قبلَ يومي ... بها صهباءُ تهفو بالحُلُوم
متى تدنو لمشتاقٍ مُنَاهُ ... ويصحو من معاقرةِ الهموم
ومنها:
ومن ناداكَ من قلبٍ سليمٍ ... كمن دَاجاك بالودِّ السقيم
فلا تغررْك صِحَّةُ صَفْحَتيه ... فتحت ثيابه نغل الأديم
فداؤك كلُّ مغرورِ الأماني ... يُرَجِّي مُنْتَجَ الأملِ العَقيمِ
وقال:
ركبوا قوادمَ رَوْعِهمْ فكأنما ... طارت بهمْ حَذَرَ الحِمَام حَمام
إن لذَّ عندك طيبُ عيشٍ باردٍ ... قلْنا وعزمُكَ في عُلاكَ ضِرَامُ
وله في مريض:
أما لو أنَّ أغراضيَ ... لا يخرجنَ عن حكمي
نقلت الداء من جسمك ... مختاراً إلى جسمي
وله من أخرى:
كالغصن أطلع بدرَ تِمٍ باسماً ... بالأُقحوان ملثَّماً بالعَنْدَمِ
يا عاذلي أَقصرْ فسمعي في الهوى ... سَلْمُ الغرام وحربُ لوْمِ اللوَّمِ
لو كنتُ أَعلَمُ أَنَّ نجداً قصدُهُمْ ... يومَ استقلَّ فريقُهُمْ لم أُتْهِمِ
ووراءَ أقمارِ الهوادج غِلمةٌ ... تحمي المحرَّمَ بالأقبّ الملجم
كتبوا بأيدي الخيل خلف مطيِّهم ... عِين الحواجر بِلْوُها لمتيم
ومنها:
أَفنَتْ شجاعته السِّلاحَ فسيفه ... يبكي الدماءَ لرمحه المتحطِّمِ
ومنها:
لو أَشْهَدتْ رزق الوَرَى شَهِدَتْ به ... نِعَمٌ إلى نَفَحاتِ سيلٍ تنتمي
وله من قصيدة أولها:
أَثِرْهَا فقد طالَ هذا مُقَامَا ... وَرَاخِ لِها إِنْ جَذَبْنَ الزماما
تقصُّ من الغيث آثارَهُ ... فترعى جَمِيماً وتُسْقَى جِمَامَا
ومنها:
أَضاءوا شموساً، وتمُّوا بدوراً ... ولاحوا نجوماً، وجادوا غماما
ومنها:
يا بائعي بالدونِ إِنَّ العُلاَ ... لا ترتضي بيعَكَ أَعْلَى بدونْ
وعْدُك قد أصبحتُ أَتلو له ... هيهات هيهات لما توعدونْ
إن كان حظِّي منك ما قد أَرَى ... فقل لحساديَ ما تحسدون
وله من قصيدة:
وكم ذُدْنا الكرى عنا بليلٍ ... كعَيْنِ الظَّبْيِ أو فَرْعِ الغواني
وقد نثرت كواكبُهُ عقوداً ... نقوداً صُبْحُها لقْطُ الجمان
صحبنا فيه ملءَ القلب رعباً ... بخرق كالملاءَة صحصحان
على مثل الأَهِلَّةِ طامحاتٍ ... إلى قمر المعالي الإِضْحِيان
ومنها:
كأن البيض في رَهَجِ المذاكي ... ضرامٌ تحت أردية الدخان
وله من قصيدة يصف خيمة ونقوشها:
ضَرَبْتَ عين رواقٍ في مقرِّ عُلاً ... أوفى على عَذَبات الطَّوْد ذي القُنَنِ
جَازَتْ مدى الطرفِ حتى خلتُ ذِرْوَتها ... تأْوي من الفَلَكِ الأعلى إلى سَكَنِ
أقطارُها ملئت من منظرٍ عجبٍ ... يُهْدي إليك ذَكَاءَ الصانع الفَطنِ
فمن رياضٍ سقاها الفكرُ صيِّبَهُ ... فما ظمأٌ يوماً إلى المُزُن
وجامحٍ في عنانٍ لا يجاذبُهُ ... وطائرٍ غيرِ صدَّاحٍ على فَنَنِ
وأرقمٍ لا تمجُّ السمَّ ريقتُهُ ... وضيغمٍ ليس بالعادي ولا الوَهنِ
ومائلين صفوفاً في جوانبها ... لو يستطيعون خَرَّ الجمع للذَّقنِ
زِينَتْ بأَرْوَعَ لا تُحْصَى فضائله ... ماضٍ من المجد والعلياءِ في سَنَن
стр. 597
وأطلع الدستُ فيها شمسَ مملكةٍ ... تُرِي التأمُّلَ فضلَ العين للأذن
وعدٌ على السَّعْدِ أَنَّ النصرَ يضربها ... بالصين بعد فتوح الهند واليمن
وله من أخرى:
زالت ببيضك هامٌ عن مناكبها ... فنابت السمرُ فيها عن هواديها
أُعطيتُ ملءَ رجائي من غنىً وعُلاً ... فصرتُ أَسأل نفسي عن أَمانيها
وله من أخرى أولها:
ليت دارَ الحيِّ إذ شَطَّتْ بها ... حمَّلَتْ ريحَ الصَّبَا نشرَ ثراها
لا عداها الريُّ من صَوْب حياً ... ينظمُ الروضَ لأَعناقِ رُبَاها
دارهُمْ بالغورِ إذ همْ جيرةٌ ... والنوى ما صدعتْ شملاً يداها
وسميري في الدياجي غادةٌ ... فخر البدر بها لما حكاها
ومنها:
خَلَواتٌ لم تكن في ريبةٍ ... أكرمُ الصبوةِ ما عفَّ هواها
سلْ عفافي دونَها لو لم يكنْ ... ريقُها من خمرةٍ قبَّلْتُ فاها
آهِ من بينٍ وشوق لم يدعْ ... حسرةً تعتادني إلا اقتضاها
ليت شعري ما الذي غَيْرَهَا ... أو أَراها حَسَناً أَنْ لا أَراها
شَدَّ ما أَجرتْ دموعي فرقة ... لا أَرى عوناً على قتلي سواها
ومنها:
ما عليكمْ أنَّه زاركُم ... فسمعتمْ بعضَ ما يشكو شِفاها
لا تذودوا عينَه عن نظرةٍ ... قد علمتمْ أنها تجلو قَذَاها
وَعِدُوا بالطيفِ إن عادَ كَرى ... مقلةٍ مذ غبتمُ غاب كراها
أو فَمَنُّوه المنى من قربكمْ ... حالَ يأسٌ بين نفسي ومناها
قل لمن دبَّت أفاعي كيدِهِ ... لستُ أَخشاها وكيدي من رُقَاها
لا تجاذبْنِي فإني مُمْسِكٌ ... ذِمَّةً للمجد لم تُفْصَمْ عراها
ما أُبالي سُخْطَ أَيامي إذا ... فاز سهمي برضى شاهنَّشاها
وله من قصيدة:
وغضبانَ أَعدى بالتجني خيالَه ... فمن لي بأن ألقاه في الحلم رَاضِيَا
ومنها:
أحب ثرى الوادي الذي نَزَلَتْ به ... وإن لم يكنْ ما بيننا متدانيا
وأُكْبِرُ أنفاسَ النسيم إذا سرى ... فصادف جرعاءَ الحمى والمحانيا
ومنها:
فيا ليت قومي جَنَّبونيْ عقوقهمْ ... وليتَ صديقي لا عليَّ ولا ليا
أَسَرُّوا حِذارَ الشامتين تأَوهاً ... ومن ذا من الأيام لم يُلْفَ آسيا
وأَظْمَا فأَرْوَى بالنسيم تعللاً ... عن الماء كيلا يعلمَ الماءُ ما بيا
ومنها:
وهاجرةٍ تُذْوِي الوجوهَ ارتديتها ... وقد عمَّمَتْ صُلْعَ الرُّبيِّ القباطيا
ومنها:
وليل كأطمار الثَّكَالى ذَرَعْتُهُ ... بصحبٍ يُضَاهُون النجومَ الدراريا
وخَرْقٍ كراح المُجْتَدِينَ قطعتُه ... بمنأَطِراتٍ كالقِسِيِّ نواجيا
بممقورةٍ مثلِ الهلالِ كأنما ... طَلى السَّيْر منها بالكُحَيْلِ الذواريا
ينازع من أعقابها الجذْبُ بالبُرَى ... أَفاعيَ حِقفٍ لا تجيبُ الرواقيا
الأعز أبو الفتوح المعروف ب
ابن قلاقس
وهو نصر الله بن عبد الله بن علي بن الأزهري ذكر لي نجم الدين بن مصال أنه كان من أهل الإسكندرية وقاد الخاطر، ذا الفضل الوافر، مات بعيذاب عند رجوعه من اليمن ولم يبلغ عمره ثلاثين سنة.
أنشدني له من أبيات يصف أمراضه:
نُكِّسْتُ في الأمراض بع ... دَ إفاقتي نكسَ الهلالِ
والراسُ مثل الكاس لو ... لا علة نالَتْهُ خالي
وأنشدني له من قصيدة:
لا تثنِ خدَّكَ إن الروض قد جِيدَا ... ما عطَّرَ القطرُ من نوَّارهِ جِيدا
ومنها:
وقف أَبُثُّكَ ما لان الحديدُ له ... فإن صدقتَ فقل: هل صرتَ داودا
ومنها:
يا ثعلبَ الصبح لا سرحانَ أَوَّلِهِ ... خذِ الثريَّا فقد صادفْتَ عُنْقُودا
وله:
ما ضر ذاك الريمَ أن لا يَريمْ ... لو كان يرثي لِسَليمٍ سَلِيمْ
стр. 598
ومنها:
تراهُ لما أن غدا روضةً ... أعلَّ جسمي كي أكونَ النسيم
رقيمُ خدٍ نامَ عن ساهرٍ ... ما أَجدرَ النومَ بأَهلِ الرقيم
وله من أخرى:
فهمتُ عن البارق الممطر ... حديثاً ببالكَ لم يَخْطُرِ
يقول سهرتَ فأجرِ الدموعَ ... وإِلا فإنَّكَ لم تسهرِ
ومنها:
فيا عَبْلَةَ الساقِ لا أَشتكي ... إليك سوى وجديَ العَنْتَري
ثم ظفرت بكتاب الزهر الباسم من أوصاف أبي القاسم، وهو بعض القواد بجزية صقلية فاطلعت فيه وأطلعت في فلك الخريدة نجوم معانيه. فأول ما بدأ فيه بوصف الكتاب، كلامٌ أصفى ديمةً من در السحاب، وأوفى قيمةً من در السخاب. فمن ذلك: هذا كتابٌ نظمت فريده في عقد الكرم، وجلوت فرنده في عضب الهمم، واستخلصت بنار الطبع تبره، وشحذت من لسن الذهن نبره، وأنبت في روض الشرف أزاهره؛ وأثبت في سماء العز زواهره، ووسمت عواتق المجد بحمائله، ورقمت دمائث الحمد بخمائله، ناضرة مشرقة اللألاء، بل مشرفة الآلاء. وهذا السيد الأيد وإن عظم سوره، وكبر صوره؛ وشرف نسبه، وظرف نصبه، واجتلى من مجالس الفضل، ومغارس النبل منتدى صدور إيوانها، ومبتدأ سطور ديوانها، فإن مثلي وإياه كراعي سنين عجاف، وداعي مسبتين لا يجاف، طواه إدقاع، وأجراه صفصف قاع، فاحتل بوهد، رهين جهد، ما له بالسحاب وأذيال السحاب من عهد، قد لفته النكباء في شملتها، وأتلفته بتفصيلها وجملتها؛ فلما يبست مراتعه، ويئست مطامعه، أتت أكيلة ليثٍ فسامها، وعنت مخيلة غيثٍ فشامها، وأصاخ ليستمع أين موقعه، وينتجع ما ينفعه، وإذا هو نبتٌن في رمل خبتٍ، قد أرضعته بدرها الأمطار، ورصعته بدرها الأزهار، واندفقت أنهاره، وسجعت أطياره، بما خرق له مخارقٌ جيب الإبداع وانحط به ابن جامعٍ عن درجة الإجماع، فوقع اختياره بما أداه إليه اختباره، على شجرةٍ أصلها في الماء، وفرعها في السماء:
يَصيفُ إلى مُرتقىً مُنْتَقَى ... ويُشْتي إلى مُجْتَلىً مُجْتَنَى
وتأتي على حالتيْ سَوْمها ... لذا بالمَنُونِ وذا بالمُنَى
وهو أيده الله تلك النخلة ذات الظل المديد، والثمر الجديد، من الطلع النضيد، وأنا ذلك الراعي الذي هجر ملأه ووجد كلأه. وسائر الكرام وإن كانوا كنبقة في تلك الحديقة الأنيقة، ففي كل شجر نار، واستمجد المرخ والعفار.
ومنها: والعصر، إن في المصر ملكاً استملك رق المدح، واستهلك المحن بالمنح، نقل الدهر إلى نقش خاتمه، وجعل موطىء كعبه همة كعبه وباهى بنهضة من عمره نهضات عمره، وكن نقى مثار عثيره، ممن يصول كعنتره، وكم استبله في باسه ممن يضحك بإياسه. فما زال مرتع آمالي في ذراه خصيباً، وسهم مطالبي في ثغر النجاح مصيباً، وأماني لا تجد لابن ليلى دونه في بيت نصيب نصيباً.
وإنما لقيت من وعثاء السفر، ولقاء الخطر، وابتغاء الظفر، قبل حلولي بهذه الحضرة النضرة حضرة القائد أبي القاسم الأجل الذي إن ألبس قلمه المداد، عري من الفصاحة قس إياد، وأنطق طرسه الرسائل، أخرس عن الخطابة سحبان وائل. يلزم لديه ابن العميد سمت العبيد، ويغدو عليه عبد الحميد غير حميد، ويقول له الصاحب أنا عبد لا صاحب، ونهاية الصابىء أنه بألفاظه صابىء؛ حتى لو انقلب الديوان ديوان شعر، والقرطي أقراط شذر، لكان هو المقرط المعلى والمقرظ المحلى ما أوجب ذاك الشكو الذي دخل بهذا الشك، وجاء بهذا الشكر. فالحمد لله حمداً تقصر الألفاظ عن حصر معانيه، ويعيي النية منتهاه عن قدر وسعها فتعانيه، وصلى الله على محمد وآله ما خفق آل، وحقق الآمال في هذا الحساب مال ومآل.
ومنها في وصف البحر إني لما تسنمت الأمواج في ذات الألواح، وتنسمت الإزعاج من ذات الأرواح، قلت السلامة إما ميلاد ومعاد، أو يوم معاد، وعجبت من حالي، في حلي وترحالي، فتشوقت الوطن والوطر، وكلفت الخاطر وصف ذلك الخطر، فقال:
لو لم يحرَّم على الأيام إِنجادي ... ما واصلتْ بين إِتهامي وإِنجادي
طوراً أسيرُ مع الحياتن في لجج ... وتارةً في الفيافي بين آساد
إما بطائرةٍ في ذا ورازمةٍ ... أو في قتادٍ على هذا وأَقْتاد
والناس كُثْرٌ ولكنْ لا يقدَّرُ لي ... إلا مرافقةُ الملاَّحِ والحادي
стр. 599
هذا وَلَيْتَ طريقَيْ ما رُميتُ به ... مسلوكتان لرُوَّاد ووُرَّاد
وما أسيرُ إلى رومٍ ولا عربٍ ... لكنْ لريحٍ وإِبراقٍ وإِرعاد
أقلعتُ والبحرُ قد لانت شكائمه ... جداً وأقلعَ عن موجٍ وإزباد
فعَادَ لا عادَ ذا ريحٍ مُدَمِّرةٍ ... كأنها أختُ تلك الريح في عاد
ولا أقولُ أَبى لي أن أفارقكم ... فحيثما سرتُ يلقاني بمرصاد
وقد رأيتُ به الأَشراطَ قائمةً ... لأن أمواجه تجري بأطواد
تعلو فلولا كتابُ الله صحَّ لنا ... أن السمواتِ منها ذاتُ أَعماد
ونحن في منزلٍ يَسْري بساكنه ... فاسمعْ حديثَ مقيمٍ بيتُه غادِي
ومنها:
لا يستقرُّ لنا جنبٌ بمضجعه ... كأن حالاتنا حالاتُ عُبَّاد
فكم يُعَفَّر خَدٌّ غر مَنْعَفِرٍ ... وكم يخرُّ جبين غير سَجَّادِ
حتى كأنا وكف النَّوْء تُقْلقنا ... دراهمٌ قَلْبَتْها كفُّ نَقَّاد
وإنما نحنُ في أَحشاءِ جاريةٍ ... كأنما حَمَلت منَّا بأولاد
ومنها:
يا إِخوتي ولنا من ودِّنَا نَسَبٌ ... على تباين آباءٍ وأجداد
نقرا حروفَ التهجِّي عن أَواخرها ... ونحنُ نخبطُ منها في أَبي جاد
ولا تلاوةَ إلا ما نكرره ... من مبتدا النحلِ أَو من منتهى صاد
متى تُنَوِّرُ آفاقُ المنارة لي ... بكوكبٍ في ظلام الليل وقَّاد
وأَلْحَظُ المُشرِفاتِ البيضُ مشرقةً ... كالبيضِ مشرفةً في عامِ أنجاد
وأستجدُّ من الباب القديم هَوىً ... عن الكنيسة فيه جلُّ إِسنادي
بحيث أَنْشُدُ آثاراً وأُنْشِدُهَا ... فيُبْلغ العذْر نشداني وإنشادي
القصرُ فالنخلُ فالجمَّاءُ بينهما ... فالأثلُ فالقصباتُ الخضرُ في الوادي
متى أروحُ وأغدو في معاهدها ... كما عهدتُ سماها الرائحَ الغادي
متى تقرُّ ديارُ الظاعنين بهمْ ... والبينُ يطلبهمْ بالماءِ والزاد
ومن النثر في وصف المركب وأهله: ثم إن البحر تخبطه شيطان الموج من مسر الريح، فلو رأيته وقد شاب في عنفوان شبابه، وشابه فروع الأطواد بأصول هضابه، والحنية تدوي بأهلها، كالخلية بنحلها، ونحن نصلي لمؤنس يونس وعلى لوح نوح، لاسترشدت رأي من آثر الجبل في العصمة وما لحقت بأبيه لولا وحي الله ولقلت الصخر، يقي أنى حضر. هل غنى لمجنوبته عليه إلا المنية ولم يزل يدنو كالمجنون، ونداريه من الجنون، حتى كسته الرخاء ثوب وقارها، وأمسكت الزعزع عنه كاس عقارها، فصح وصحا بعد جنونه وسكره، ونطق منا بلسان المجاز بالحقيقة بعد المجاز، فوصلنا طرف الجزيرة بمسين غرة شعبان سنة ثلاث وستين وخمسمائة.
بلدٌ أعارته الحمامةُ طوقها ... وكساهُ حُلَّةَ ريشه الطاووسُ
فكأنما الأنهارُ منه سلافةٌ ... وكأَن ساحاتِ الديارِ كؤوسُ
ومن شعره في الزهر الباسم قصيدة مطلعها:
رافقها مطربُ الأَغاريدِ ... فاسْتَرَقَتْ هِزَّةَ الأماليدِ
ودَبَّ خمرُ السُّرى بأذرعها ... فَهْي على البيدِ في عرابيد
وغادرتْها الصبا بمهلكةٍ ... تفجِّرُ الماءَ في الجلاميد
تحملُ على روضِ عالجٍ خبراً ... تسنده عن ظبائه الغيد
أجرى عليه السحابُ دمع شَجٍ ... ومزَّقَ البرقُ جَيْبَ مَعْمود
فأغرق الريحَ بين أربعها ... موجُ وجيفٍ ببحر توحيد
ومنها:
في ذمة الشوق مهجةٌ ركضتْ ... تتبعُ زُوراً من المواعيد
أَهْدَوْا إليها الخيالَ إِذ كَحَلُوا ... جفونَ أحداقِها بتسهيد
وانعطفوا للأَراكِ وَهْيَ عَلَى ... عهدٍ من البانِ غيرِ معهود
عذرٌ يهزُّ الجفاءُ دوحتَه ... تحت صَدوح الملالِ غِرِّيد
стр. 600
وناصحٍ يمحض المودةَ لي ... وليس في نصحه بمودود
ظنَّ فؤادي مع فأَنبَهَهُ ... وَهْوَ من الوجدِ غيرُ موجود
سار وجيشُ الغرامِ يتبعه ... تحت لواءٍ عليه معقود
ومنها:
عَرَّجَ عنها الصباحُ منطلقاً ... وغادرَ الليلَ رهنَ تقييد
لا يعرف الثعلبُ المقيم بها ... لولا الثريا مكانَ عنقود
من عُلِّقَ البيضَ صارمَتْ يَدَهُ ... حبالُ تلك الغدائر السود
وَعِمَّةُ الشيبِ لا خُدِعْتَ بها ... أَخلقُ شيءٍ أوانَ تجديد
واللهوُ خدنُ الصبا فَمُذْ فُقِدَتْ ... أَيامُهُ لم يكنْ بمحمود
وأَغبنُ الناس من أَلَمَّ به ... فَقْدُ سوادٍ وفوْتُ تسويد
وفى بني الدهر كلُّ مُعْضِلَةٍ ... من الذي فات والمواجيد
إن أَسكروني بخمر لومهمُ ... فقد رَموا عِرْضَهمْ لعربيد
ومُوعِدٍ صاح بي فقلتُ له ... ربَّ وعيدٍ يَطيحُ في البيد
قد أقسم الحمدُ لا يسيرُ إلى ... غيرِ أبي القاسم بن حَمُّودِ
في يده للنوالِ معركةٌ ... أَرَى بها البخلَ صارِمَ الجيد
وعنده للضيوفِ نارُ قِرىً ... تعرفها البُزْلُ كلما يُودي
ومنها:
وتلتقي كُتْبُه الكتائبَ في ... جيشٍ من الخطِّ صائدِ الصيد
بكلِّ لفظٍ كأنه نَفَسٌ ... غيرُ مُمِلٍ بطولِ ترديد
صحَّتْ معانيه فاقتسمنَ إلى ... فضلِ ابتكار وحسن توليد
وربما استضحك الخميسُ به ... عن أَهرت الماضغين صنديد
يهوى قَوامَ القناة ذا هَيف ... ووجنةَ العَضْب ذات توريد
ومنها:
دوحةُ مجدٍ تميدُ ناضرةً ... لمحسناتٍ بحسنِ تجديد
عرضتُ منها لنار تجربتي ... عوداً ففاحت روائحُ العود
ومن قصيدته الموردة الثانية كلمة مطلعها:
نَعَمْ هُوَ البرقُ على الأَنعُمِ ... فاشقَ به إن شئت أَو فانْعِم
لاح بأعلى هضبة خافقاً ... خَفْقَ لواءِ البطل المُعْلَمِ
وزلَّ عن صَهْوَةِ طِرْفِ الدجى ... سقطةَ جُلِّ الفَرَسِ الأَدْهَم
حتى إذا قابلَ وادي الغَضا ... أَغضى على مدمعه المثجم
واستقبلَ السفحَ وكم فوقه ... من مقلةٍ سافحةٍ بالدمِ
فحينما شقَّ كنوز الربى ... عن ذلك الدينار والدرهم
قام نساءُ الحي يَجنِينَهُ ... بين فرادى منه أو توأمِ
فأشكل النُّوران من مَبْسِمٍ ... تَعْبَق رَيَّاه ومن مَنْسِم
واشتبه الروضان في نضرة ... إلى حياءٍ وحَياً ينتمي
ما بين جناتٍ إلى أعينٍ ... وبين خيْرِيٍ إلى حَيْرَم
ومعركٍ بينهما لم يزلْ ... يفتكُ فيه الظُبى بالضيغم
بين حِمىً بات كليبٌ به ... مجرَّداً من شملهِ المحتمي
يمنعُ ضيفَ العين منه القِرَى ... وهو مباحُ ليَدٍ أو فم
يا عاقري النيبِ لضيفانهم ... غلطتمُ في كبدِ المغرم
أتلفتمُ قلبي فماذا الذي ... خفَّفَ عنكمْ ثِقَلَ المَغْرَم
كم من دمٍ باتَ به حيُّكم ... كأنه ملتقط العندم
وكم عيونٍ أصبحت عندكم ... معدودةً من جملة الأسهم
لا طَرَقَتْ ربعَكُمُ غارةٌ ... يَسْأَلُ فيها معشري عن دمي
ولا سرتْ نحوكمُ أُسْرةٌ ... تأْسِرُ بالداهيةِ الصيلم
من كل من تصدُرُ أسيافُهُ ... بضربةٍ مثل دم الأهتم
يقول إِن جرَّ كعوبَ القنا ... تأَبَّطَ الضيغمُ بالأرقم
لو لم تكنْ من فَتَكاتِ الهوى ... شَقَّتْ على الحافرِ والمنْسم
следующие страницы →