← Адаб

Адаб · id 12815

خريدة القصر وجريدة العصر - أقسام أخرى

العماد الأصبهاني الكاتب

Полный текст (895 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

لو أَنصَفَ الحِبُّ ما طلبت ... الوصالَ من طيفه البخيل ومنها في المدح: من أسرة النجم في المعالي ... وإخوةِ الغيث للنزيل تشابهوا واحداً ونَجْلاً ... ما أشبه الكُثْبَ بالسهول وقال من أخرى: رعى الله المنازَ من غميم ... وحيا يومنا بلوى الصَّريم وروَّى أرضَها حَلَبُ الغوادي ... وصافح روضَها وَلَعُ النسيم وقفتُ بها فيا نثرى لدمعٍ ... أَرَقْتُ على ثَرَى تلك الرسوم وما خِلْتُ المعالمَ قبلَ يومي ... بها صهباءُ تهفو بالحُلُوم متى تدنو لمشتاقٍ مُنَاهُ ... ويصحو من معاقرةِ الهموم ومنها: ومن ناداكَ من قلبٍ سليمٍ ... كمن دَاجاك بالودِّ السقيم فلا تغررْك صِحَّةُ صَفْحَتيه ... فتحت ثيابه نغل الأديم فداؤك كلُّ مغرورِ الأماني ... يُرَجِّي مُنْتَجَ الأملِ العَقيمِ وقال: ركبوا قوادمَ رَوْعِهمْ فكأنما ... طارت بهمْ حَذَرَ الحِمَام حَمام إن لذَّ عندك طيبُ عيشٍ باردٍ ... قلْنا وعزمُكَ في عُلاكَ ضِرَامُ وله في مريض: أما لو أنَّ أغراضيَ ... لا يخرجنَ عن حكمي نقلت الداء من جسمك ... مختاراً إلى جسمي وله من أخرى: كالغصن أطلع بدرَ تِمٍ باسماً ... بالأُقحوان ملثَّماً بالعَنْدَمِ يا عاذلي أَقصرْ فسمعي في الهوى ... سَلْمُ الغرام وحربُ لوْمِ اللوَّمِ لو كنتُ أَعلَمُ أَنَّ نجداً قصدُهُمْ ... يومَ استقلَّ فريقُهُمْ لم أُتْهِمِ ووراءَ أقمارِ الهوادج غِلمةٌ ... تحمي المحرَّمَ بالأقبّ الملجم كتبوا بأيدي الخيل خلف مطيِّهم ... عِين الحواجر بِلْوُها لمتيم ومنها: أَفنَتْ شجاعته السِّلاحَ فسيفه ... يبكي الدماءَ لرمحه المتحطِّمِ ومنها: لو أَشْهَدتْ رزق الوَرَى شَهِدَتْ به ... نِعَمٌ إلى نَفَحاتِ سيلٍ تنتمي وله من قصيدة أولها: أَثِرْهَا فقد طالَ هذا مُقَامَا ... وَرَاخِ لِها إِنْ جَذَبْنَ الزماما تقصُّ من الغيث آثارَهُ ... فترعى جَمِيماً وتُسْقَى جِمَامَا ومنها: أَضاءوا شموساً، وتمُّوا بدوراً ... ولاحوا نجوماً، وجادوا غماما ومنها: يا بائعي بالدونِ إِنَّ العُلاَ ... لا ترتضي بيعَكَ أَعْلَى بدونْ وعْدُك قد أصبحتُ أَتلو له ... هيهات هيهات لما توعدونْ إن كان حظِّي منك ما قد أَرَى ... فقل لحساديَ ما تحسدون وله من قصيدة: وكم ذُدْنا الكرى عنا بليلٍ ... كعَيْنِ الظَّبْيِ أو فَرْعِ الغواني وقد نثرت كواكبُهُ عقوداً ... نقوداً صُبْحُها لقْطُ الجمان صحبنا فيه ملءَ القلب رعباً ... بخرق كالملاءَة صحصحان على مثل الأَهِلَّةِ طامحاتٍ ... إلى قمر المعالي الإِضْحِيان ومنها: كأن البيض في رَهَجِ المذاكي ... ضرامٌ تحت أردية الدخان وله من قصيدة يصف خيمة ونقوشها: ضَرَبْتَ عين رواقٍ في مقرِّ عُلاً ... أوفى على عَذَبات الطَّوْد ذي القُنَنِ جَازَتْ مدى الطرفِ حتى خلتُ ذِرْوَتها ... تأْوي من الفَلَكِ الأعلى إلى سَكَنِ أقطارُها ملئت من منظرٍ عجبٍ ... يُهْدي إليك ذَكَاءَ الصانع الفَطنِ فمن رياضٍ سقاها الفكرُ صيِّبَهُ ... فما ظمأٌ يوماً إلى المُزُن وجامحٍ في عنانٍ لا يجاذبُهُ ... وطائرٍ غيرِ صدَّاحٍ على فَنَنِ وأرقمٍ لا تمجُّ السمَّ ريقتُهُ ... وضيغمٍ ليس بالعادي ولا الوَهنِ ومائلين صفوفاً في جوانبها ... لو يستطيعون خَرَّ الجمع للذَّقنِ زِينَتْ بأَرْوَعَ لا تُحْصَى فضائله ... ماضٍ من المجد والعلياءِ في سَنَن

стр. 597

وأطلع الدستُ فيها شمسَ مملكةٍ ... تُرِي التأمُّلَ فضلَ العين للأذن وعدٌ على السَّعْدِ أَنَّ النصرَ يضربها ... بالصين بعد فتوح الهند واليمن وله من أخرى: زالت ببيضك هامٌ عن مناكبها ... فنابت السمرُ فيها عن هواديها أُعطيتُ ملءَ رجائي من غنىً وعُلاً ... فصرتُ أَسأل نفسي عن أَمانيها وله من أخرى أولها: ليت دارَ الحيِّ إذ شَطَّتْ بها ... حمَّلَتْ ريحَ الصَّبَا نشرَ ثراها لا عداها الريُّ من صَوْب حياً ... ينظمُ الروضَ لأَعناقِ رُبَاها دارهُمْ بالغورِ إذ همْ جيرةٌ ... والنوى ما صدعتْ شملاً يداها وسميري في الدياجي غادةٌ ... فخر البدر بها لما حكاها ومنها: خَلَواتٌ لم تكن في ريبةٍ ... أكرمُ الصبوةِ ما عفَّ هواها سلْ عفافي دونَها لو لم يكنْ ... ريقُها من خمرةٍ قبَّلْتُ فاها آهِ من بينٍ وشوق لم يدعْ ... حسرةً تعتادني إلا اقتضاها ليت شعري ما الذي غَيْرَهَا ... أو أَراها حَسَناً أَنْ لا أَراها شَدَّ ما أَجرتْ دموعي فرقة ... لا أَرى عوناً على قتلي سواها ومنها: ما عليكمْ أنَّه زاركُم ... فسمعتمْ بعضَ ما يشكو شِفاها لا تذودوا عينَه عن نظرةٍ ... قد علمتمْ أنها تجلو قَذَاها وَعِدُوا بالطيفِ إن عادَ كَرى ... مقلةٍ مذ غبتمُ غاب كراها أو فَمَنُّوه المنى من قربكمْ ... حالَ يأسٌ بين نفسي ومناها قل لمن دبَّت أفاعي كيدِهِ ... لستُ أَخشاها وكيدي من رُقَاها لا تجاذبْنِي فإني مُمْسِكٌ ... ذِمَّةً للمجد لم تُفْصَمْ عراها ما أُبالي سُخْطَ أَيامي إذا ... فاز سهمي برضى شاهنَّشاها وله من قصيدة: وغضبانَ أَعدى بالتجني خيالَه ... فمن لي بأن ألقاه في الحلم رَاضِيَا ومنها: أحب ثرى الوادي الذي نَزَلَتْ به ... وإن لم يكنْ ما بيننا متدانيا وأُكْبِرُ أنفاسَ النسيم إذا سرى ... فصادف جرعاءَ الحمى والمحانيا ومنها: فيا ليت قومي جَنَّبونيْ عقوقهمْ ... وليتَ صديقي لا عليَّ ولا ليا أَسَرُّوا حِذارَ الشامتين تأَوهاً ... ومن ذا من الأيام لم يُلْفَ آسيا وأَظْمَا فأَرْوَى بالنسيم تعللاً ... عن الماء كيلا يعلمَ الماءُ ما بيا ومنها: وهاجرةٍ تُذْوِي الوجوهَ ارتديتها ... وقد عمَّمَتْ صُلْعَ الرُّبيِّ القباطيا ومنها: وليل كأطمار الثَّكَالى ذَرَعْتُهُ ... بصحبٍ يُضَاهُون النجومَ الدراريا وخَرْقٍ كراح المُجْتَدِينَ قطعتُه ... بمنأَطِراتٍ كالقِسِيِّ نواجيا بممقورةٍ مثلِ الهلالِ كأنما ... طَلى السَّيْر منها بالكُحَيْلِ الذواريا ينازع من أعقابها الجذْبُ بالبُرَى ... أَفاعيَ حِقفٍ لا تجيبُ الرواقيا الأعز أبو الفتوح المعروف ب ابن قلاقس وهو نصر الله بن عبد الله بن علي بن الأزهري ذكر لي نجم الدين بن مصال أنه كان من أهل الإسكندرية وقاد الخاطر، ذا الفضل الوافر، مات بعيذاب عند رجوعه من اليمن ولم يبلغ عمره ثلاثين سنة. أنشدني له من أبيات يصف أمراضه: نُكِّسْتُ في الأمراض بع ... دَ إفاقتي نكسَ الهلالِ والراسُ مثل الكاس لو ... لا علة نالَتْهُ خالي وأنشدني له من قصيدة: لا تثنِ خدَّكَ إن الروض قد جِيدَا ... ما عطَّرَ القطرُ من نوَّارهِ جِيدا ومنها: وقف أَبُثُّكَ ما لان الحديدُ له ... فإن صدقتَ فقل: هل صرتَ داودا ومنها: يا ثعلبَ الصبح لا سرحانَ أَوَّلِهِ ... خذِ الثريَّا فقد صادفْتَ عُنْقُودا وله: ما ضر ذاك الريمَ أن لا يَريمْ ... لو كان يرثي لِسَليمٍ سَلِيمْ

стр. 598

ومنها: تراهُ لما أن غدا روضةً ... أعلَّ جسمي كي أكونَ النسيم رقيمُ خدٍ نامَ عن ساهرٍ ... ما أَجدرَ النومَ بأَهلِ الرقيم وله من أخرى: فهمتُ عن البارق الممطر ... حديثاً ببالكَ لم يَخْطُرِ يقول سهرتَ فأجرِ الدموعَ ... وإِلا فإنَّكَ لم تسهرِ ومنها: فيا عَبْلَةَ الساقِ لا أَشتكي ... إليك سوى وجديَ العَنْتَري ثم ظفرت بكتاب الزهر الباسم من أوصاف أبي القاسم، وهو بعض القواد بجزية صقلية فاطلعت فيه وأطلعت في فلك الخريدة نجوم معانيه. فأول ما بدأ فيه بوصف الكتاب، كلامٌ أصفى ديمةً من در السحاب، وأوفى قيمةً من در السخاب. فمن ذلك: هذا كتابٌ نظمت فريده في عقد الكرم، وجلوت فرنده في عضب الهمم، واستخلصت بنار الطبع تبره، وشحذت من لسن الذهن نبره، وأنبت في روض الشرف أزاهره؛ وأثبت في سماء العز زواهره، ووسمت عواتق المجد بحمائله، ورقمت دمائث الحمد بخمائله، ناضرة مشرقة اللألاء، بل مشرفة الآلاء. وهذا السيد الأيد وإن عظم سوره، وكبر صوره؛ وشرف نسبه، وظرف نصبه، واجتلى من مجالس الفضل، ومغارس النبل منتدى صدور إيوانها، ومبتدأ سطور ديوانها، فإن مثلي وإياه كراعي سنين عجاف، وداعي مسبتين لا يجاف، طواه إدقاع، وأجراه صفصف قاع، فاحتل بوهد، رهين جهد، ما له بالسحاب وأذيال السحاب من عهد، قد لفته النكباء في شملتها، وأتلفته بتفصيلها وجملتها؛ فلما يبست مراتعه، ويئست مطامعه، أتت أكيلة ليثٍ فسامها، وعنت مخيلة غيثٍ فشامها، وأصاخ ليستمع أين موقعه، وينتجع ما ينفعه، وإذا هو نبتٌن في رمل خبتٍ، قد أرضعته بدرها الأمطار، ورصعته بدرها الأزهار، واندفقت أنهاره، وسجعت أطياره، بما خرق له مخارقٌ جيب الإبداع وانحط به ابن جامعٍ عن درجة الإجماع، فوقع اختياره بما أداه إليه اختباره، على شجرةٍ أصلها في الماء، وفرعها في السماء: يَصيفُ إلى مُرتقىً مُنْتَقَى ... ويُشْتي إلى مُجْتَلىً مُجْتَنَى وتأتي على حالتيْ سَوْمها ... لذا بالمَنُونِ وذا بالمُنَى وهو أيده الله تلك النخلة ذات الظل المديد، والثمر الجديد، من الطلع النضيد، وأنا ذلك الراعي الذي هجر ملأه ووجد كلأه. وسائر الكرام وإن كانوا كنبقة في تلك الحديقة الأنيقة، ففي كل شجر نار، واستمجد المرخ والعفار. ومنها: والعصر، إن في المصر ملكاً استملك رق المدح، واستهلك المحن بالمنح، نقل الدهر إلى نقش خاتمه، وجعل موطىء كعبه همة كعبه وباهى بنهضة من عمره نهضات عمره، وكن نقى مثار عثيره، ممن يصول كعنتره، وكم استبله في باسه ممن يضحك بإياسه. فما زال مرتع آمالي في ذراه خصيباً، وسهم مطالبي في ثغر النجاح مصيباً، وأماني لا تجد لابن ليلى دونه في بيت نصيب نصيباً. وإنما لقيت من وعثاء السفر، ولقاء الخطر، وابتغاء الظفر، قبل حلولي بهذه الحضرة النضرة حضرة القائد أبي القاسم الأجل الذي إن ألبس قلمه المداد، عري من الفصاحة قس إياد، وأنطق طرسه الرسائل، أخرس عن الخطابة سحبان وائل. يلزم لديه ابن العميد سمت العبيد، ويغدو عليه عبد الحميد غير حميد، ويقول له الصاحب أنا عبد لا صاحب، ونهاية الصابىء أنه بألفاظه صابىء؛ حتى لو انقلب الديوان ديوان شعر، والقرطي أقراط شذر، لكان هو المقرط المعلى والمقرظ المحلى ما أوجب ذاك الشكو الذي دخل بهذا الشك، وجاء بهذا الشكر. فالحمد لله حمداً تقصر الألفاظ عن حصر معانيه، ويعيي النية منتهاه عن قدر وسعها فتعانيه، وصلى الله على محمد وآله ما خفق آل، وحقق الآمال في هذا الحساب مال ومآل. ومنها في وصف البحر إني لما تسنمت الأمواج في ذات الألواح، وتنسمت الإزعاج من ذات الأرواح، قلت السلامة إما ميلاد ومعاد، أو يوم معاد، وعجبت من حالي، في حلي وترحالي، فتشوقت الوطن والوطر، وكلفت الخاطر وصف ذلك الخطر، فقال: لو لم يحرَّم على الأيام إِنجادي ... ما واصلتْ بين إِتهامي وإِنجادي طوراً أسيرُ مع الحياتن في لجج ... وتارةً في الفيافي بين آساد إما بطائرةٍ في ذا ورازمةٍ ... أو في قتادٍ على هذا وأَقْتاد والناس كُثْرٌ ولكنْ لا يقدَّرُ لي ... إلا مرافقةُ الملاَّحِ والحادي

стр. 599

هذا وَلَيْتَ طريقَيْ ما رُميتُ به ... مسلوكتان لرُوَّاد ووُرَّاد وما أسيرُ إلى رومٍ ولا عربٍ ... لكنْ لريحٍ وإِبراقٍ وإِرعاد أقلعتُ والبحرُ قد لانت شكائمه ... جداً وأقلعَ عن موجٍ وإزباد فعَادَ لا عادَ ذا ريحٍ مُدَمِّرةٍ ... كأنها أختُ تلك الريح في عاد ولا أقولُ أَبى لي أن أفارقكم ... فحيثما سرتُ يلقاني بمرصاد وقد رأيتُ به الأَشراطَ قائمةً ... لأن أمواجه تجري بأطواد تعلو فلولا كتابُ الله صحَّ لنا ... أن السمواتِ منها ذاتُ أَعماد ونحن في منزلٍ يَسْري بساكنه ... فاسمعْ حديثَ مقيمٍ بيتُه غادِي ومنها: لا يستقرُّ لنا جنبٌ بمضجعه ... كأن حالاتنا حالاتُ عُبَّاد فكم يُعَفَّر خَدٌّ غر مَنْعَفِرٍ ... وكم يخرُّ جبين غير سَجَّادِ حتى كأنا وكف النَّوْء تُقْلقنا ... دراهمٌ قَلْبَتْها كفُّ نَقَّاد وإنما نحنُ في أَحشاءِ جاريةٍ ... كأنما حَمَلت منَّا بأولاد ومنها: يا إِخوتي ولنا من ودِّنَا نَسَبٌ ... على تباين آباءٍ وأجداد نقرا حروفَ التهجِّي عن أَواخرها ... ونحنُ نخبطُ منها في أَبي جاد ولا تلاوةَ إلا ما نكرره ... من مبتدا النحلِ أَو من منتهى صاد متى تُنَوِّرُ آفاقُ المنارة لي ... بكوكبٍ في ظلام الليل وقَّاد وأَلْحَظُ المُشرِفاتِ البيضُ مشرقةً ... كالبيضِ مشرفةً في عامِ أنجاد وأستجدُّ من الباب القديم هَوىً ... عن الكنيسة فيه جلُّ إِسنادي بحيث أَنْشُدُ آثاراً وأُنْشِدُهَا ... فيُبْلغ العذْر نشداني وإنشادي القصرُ فالنخلُ فالجمَّاءُ بينهما ... فالأثلُ فالقصباتُ الخضرُ في الوادي متى أروحُ وأغدو في معاهدها ... كما عهدتُ سماها الرائحَ الغادي متى تقرُّ ديارُ الظاعنين بهمْ ... والبينُ يطلبهمْ بالماءِ والزاد ومن النثر في وصف المركب وأهله: ثم إن البحر تخبطه شيطان الموج من مسر الريح، فلو رأيته وقد شاب في عنفوان شبابه، وشابه فروع الأطواد بأصول هضابه، والحنية تدوي بأهلها، كالخلية بنحلها، ونحن نصلي لمؤنس يونس وعلى لوح نوح، لاسترشدت رأي من آثر الجبل في العصمة وما لحقت بأبيه لولا وحي الله ولقلت الصخر، يقي أنى حضر. هل غنى لمجنوبته عليه إلا المنية ولم يزل يدنو كالمجنون، ونداريه من الجنون، حتى كسته الرخاء ثوب وقارها، وأمسكت الزعزع عنه كاس عقارها، فصح وصحا بعد جنونه وسكره، ونطق منا بلسان المجاز بالحقيقة بعد المجاز، فوصلنا طرف الجزيرة بمسين غرة شعبان سنة ثلاث وستين وخمسمائة. بلدٌ أعارته الحمامةُ طوقها ... وكساهُ حُلَّةَ ريشه الطاووسُ فكأنما الأنهارُ منه سلافةٌ ... وكأَن ساحاتِ الديارِ كؤوسُ ومن شعره في الزهر الباسم قصيدة مطلعها: رافقها مطربُ الأَغاريدِ ... فاسْتَرَقَتْ هِزَّةَ الأماليدِ ودَبَّ خمرُ السُّرى بأذرعها ... فَهْي على البيدِ في عرابيد وغادرتْها الصبا بمهلكةٍ ... تفجِّرُ الماءَ في الجلاميد تحملُ على روضِ عالجٍ خبراً ... تسنده عن ظبائه الغيد أجرى عليه السحابُ دمع شَجٍ ... ومزَّقَ البرقُ جَيْبَ مَعْمود فأغرق الريحَ بين أربعها ... موجُ وجيفٍ ببحر توحيد ومنها: في ذمة الشوق مهجةٌ ركضتْ ... تتبعُ زُوراً من المواعيد أَهْدَوْا إليها الخيالَ إِذ كَحَلُوا ... جفونَ أحداقِها بتسهيد وانعطفوا للأَراكِ وَهْيَ عَلَى ... عهدٍ من البانِ غيرِ معهود عذرٌ يهزُّ الجفاءُ دوحتَه ... تحت صَدوح الملالِ غِرِّيد

стр. 600

وناصحٍ يمحض المودةَ لي ... وليس في نصحه بمودود ظنَّ فؤادي مع فأَنبَهَهُ ... وَهْوَ من الوجدِ غيرُ موجود سار وجيشُ الغرامِ يتبعه ... تحت لواءٍ عليه معقود ومنها: عَرَّجَ عنها الصباحُ منطلقاً ... وغادرَ الليلَ رهنَ تقييد لا يعرف الثعلبُ المقيم بها ... لولا الثريا مكانَ عنقود من عُلِّقَ البيضَ صارمَتْ يَدَهُ ... حبالُ تلك الغدائر السود وَعِمَّةُ الشيبِ لا خُدِعْتَ بها ... أَخلقُ شيءٍ أوانَ تجديد واللهوُ خدنُ الصبا فَمُذْ فُقِدَتْ ... أَيامُهُ لم يكنْ بمحمود وأَغبنُ الناس من أَلَمَّ به ... فَقْدُ سوادٍ وفوْتُ تسويد وفى بني الدهر كلُّ مُعْضِلَةٍ ... من الذي فات والمواجيد إن أَسكروني بخمر لومهمُ ... فقد رَموا عِرْضَهمْ لعربيد ومُوعِدٍ صاح بي فقلتُ له ... ربَّ وعيدٍ يَطيحُ في البيد قد أقسم الحمدُ لا يسيرُ إلى ... غيرِ أبي القاسم بن حَمُّودِ في يده للنوالِ معركةٌ ... أَرَى بها البخلَ صارِمَ الجيد وعنده للضيوفِ نارُ قِرىً ... تعرفها البُزْلُ كلما يُودي ومنها: وتلتقي كُتْبُه الكتائبَ في ... جيشٍ من الخطِّ صائدِ الصيد بكلِّ لفظٍ كأنه نَفَسٌ ... غيرُ مُمِلٍ بطولِ ترديد صحَّتْ معانيه فاقتسمنَ إلى ... فضلِ ابتكار وحسن توليد وربما استضحك الخميسُ به ... عن أَهرت الماضغين صنديد يهوى قَوامَ القناة ذا هَيف ... ووجنةَ العَضْب ذات توريد ومنها: دوحةُ مجدٍ تميدُ ناضرةً ... لمحسناتٍ بحسنِ تجديد عرضتُ منها لنار تجربتي ... عوداً ففاحت روائحُ العود ومن قصيدته الموردة الثانية كلمة مطلعها: نَعَمْ هُوَ البرقُ على الأَنعُمِ ... فاشقَ به إن شئت أَو فانْعِم لاح بأعلى هضبة خافقاً ... خَفْقَ لواءِ البطل المُعْلَمِ وزلَّ عن صَهْوَةِ طِرْفِ الدجى ... سقطةَ جُلِّ الفَرَسِ الأَدْهَم حتى إذا قابلَ وادي الغَضا ... أَغضى على مدمعه المثجم واستقبلَ السفحَ وكم فوقه ... من مقلةٍ سافحةٍ بالدمِ فحينما شقَّ كنوز الربى ... عن ذلك الدينار والدرهم قام نساءُ الحي يَجنِينَهُ ... بين فرادى منه أو توأمِ فأشكل النُّوران من مَبْسِمٍ ... تَعْبَق رَيَّاه ومن مَنْسِم واشتبه الروضان في نضرة ... إلى حياءٍ وحَياً ينتمي ما بين جناتٍ إلى أعينٍ ... وبين خيْرِيٍ إلى حَيْرَم ومعركٍ بينهما لم يزلْ ... يفتكُ فيه الظُبى بالضيغم بين حِمىً بات كليبٌ به ... مجرَّداً من شملهِ المحتمي يمنعُ ضيفَ العين منه القِرَى ... وهو مباحُ ليَدٍ أو فم يا عاقري النيبِ لضيفانهم ... غلطتمُ في كبدِ المغرم أتلفتمُ قلبي فماذا الذي ... خفَّفَ عنكمْ ثِقَلَ المَغْرَم كم من دمٍ باتَ به حيُّكم ... كأنه ملتقط العندم وكم عيونٍ أصبحت عندكم ... معدودةً من جملة الأسهم لا طَرَقَتْ ربعَكُمُ غارةٌ ... يَسْأَلُ فيها معشري عن دمي ولا سرتْ نحوكمُ أُسْرةٌ ... تأْسِرُ بالداهيةِ الصيلم من كل من تصدُرُ أسيافُهُ ... بضربةٍ مثل دم الأهتم يقول إِن جرَّ كعوبَ القنا ... تأَبَّطَ الضيغمُ بالأرقم لو لم تكنْ من فَتَكاتِ الهوى ... شَقَّتْ على الحافرِ والمنْسم

стр. 601

ما هذه أَوَّل ما ردَّني ... عنه بلا أَجرٍ ولا مغنم فخلِّ عن عتبك لي إِنها ... شِنْشِنَةٌ تُعْرَفُ من أَخْزَم أقسمتُ بالله ولولا عُلا ... مجدِ أبي القاسم لم أُقْسم إن ابنَ حمَّودٍ له راحةٌ ... تستجلب الحمدَ من المِرزَمِ المجمِلُ المنعمُ إن حُبِّرَتْ ... مدائحٌ في المجمل المنعم والكعبةُ الغراء لكنها ... تُحِلُّ ما يَحْرُمُ للمحرم في كل يومٍ لوفود الندى ... ببابه مُجْتَمَعُ الموسم للمالِ من راحته عندهم ... أضعافُ ما للماء من زمزم يفيض بحرُ الجود من كفِّهِ ... فَيَزْدَرِي بالزاخر الخِضْرِمِ سائِلْهُ أَو سَلْهُ تجد عندهُ ... هُدَى جهولٍ وغِنَى مُعْدِم ومنها: ولو أَعارَ الليلَ آراءَه ... ما احتاج ساريه إِلى الأَنْجم فضائلٌ كادتْ لإِفراطِها ... تُنْطِقُ بالشكرِ فمَ الأبكم ما بدأَ الإحسانَ فاحتاج أَن ... يقول راجيه لهُ تَمِّم يا من يجاريه إلى غايةٍ ... سالِمْهُ وارْجعْ دونَه تَسْلَم لا يرتقي للنجم ذو سُلَّمٍ ... فكيف من كانَ بلا سلم يا سيداً أَفعالُهُ غُرَّةٌ ... فوق جبينِ الزمن الأَدهم صُمْ وافرَ الأَجْرِ وصِمْ حاسداً ... يشجوه قولي لك صُمْ أو صِم وابقَ وزدْ واعلُ وسُدْ واصطنعْ ... واردفْ وجُدْ وابدأْ وعِدْ واسْلَمِ وله من قصيدة: زَهَرْنَ فاعجب لروضٍ ما له زَهَرُ ... إلا المباسمُ والألحاظُ والطرَرُ ولا تقلْ لهبُ الوجْناتِ يَحْرِقُهَا ... فللعذارِ على أَرجائها نَهَرُ أَحْسِنْ غُرَراً قالت محاسنها ... بالنفسِ يُحْمدُ في أَمثاليَ الغَرَرُ سفرْنَ والليلُ طِرفٌ أدهمٌ فَجَرَتْ ... فيه الحجولُ من الأَنوارِ والغُرَرُ وقُمْنَ يَحْمِلْنَ في الأَجفانِ مرهفةً ... لو كانت البيضَ قلنا إنها البُتُرُ وكان من فعلها بالسحرِ أَنْ فعلتْ ... على العِشَاءِ بما يأتي به السَّحَر فما ارتقبتُ الدراري إذ سهرت لها ... إلا كأصدافِ يَمٍ حشوُهَا دُرَر ولا اجتليتُ بدورَ الأفق عن كَلَفٍ ... إلا بمن أُتْلِفَتْ في صَوْنِهِ البِدَرُ وفي الحشا والحشايا صبوةٌ كَبرتْ ... فزادها عنفواناً ذلك الكبر توري زنادَ اشتياقٍ ما استطارَ به ... لي من مشيبيَ بل من أَدمعي شَرَر وفي فؤاديَ لا فَوْدِي قتيرُ هوىً ... لم يُخْفِهِ الشَّعْرُ إن لم يبده الشَّعَر ومنها: أنا المحبُّ وما بي من يقالُ له ... أَولى لك العذلُ لا أَولى لك العُذُر إن قلتُ ماسَ فما قصدي به غُصُنٌ ... أو استنارَ فما قصدي به قَمَرُ المالُ عند ذوي الإِقْتارِ مُحْتَقَبٌ ... والمالُ عند ذوي الأَقْدَارِ محتقر فإن عدمتُ الذي صاروا به عُدُماً ... فما افتقرتُ وعندي هذه الفِقَرُ ولم أُقَلْقِلْ ركابي أَنْ نأى وطَنٌ ... ولا أطلتُ اغترابي أن نبا وطر لكن بنو الْحَجَر استدعت مكارِمُهُمْ ... عَزْمي وقد كاد يُسْتَدعَى بها الْحَجَر نادى لسانُ الندى منهم فأسمعني ... فقمتُ أعبر بحراً كله عِبَر ومنها: ترى المواخرَ تجري في زواخرِهِ ... فترتقي في أَعاليه وتَنْحَدِرُ من كل سوداءَ مثلِ الخال يحملها ... بوجنةٍ منه فيها للضحى خَفَرُ لذاك جادوا نَدىً فيه أَجَدْتَ بنا ... فليس يُعْرَفُ لا حَصْرٌ ولا حَصَرُ ومنها: والشعرُ منه قصيرٌ عمره زَهَرٌ ... يَذْوي ومنه طويلٌ عمره زُهُرُ

стр. 602

وكالمواعظِ سهلٌ صَوْغُها زُبُرٌ ... وكالحديدِ ثَقيلٌ وزنه زُبَرُ أو كالعيونِ فهذي حظُّها حَوَلٌ ... يَغُضُّ منها وهذي حظُّها حَوَرُ ومنها: لله درُّ حَياءٍ حزته وحِباً ... كأَنك العَضْبُ منه الأَثْرُ والأَثَر وفي يمينك يجري كيف تأمره ... ما يحسد الذكر عنه الصارمُ الذَّكَر ومنها: أنالني في اغترابي كلَّ مُغْربة ... فما النفيرُ بمعدومٍ ولا النَّفَر وشد أَزري فما أَحْفَى بنائبةٍ ... تقولُ أبياتها هيهات لا وَزَرُ من بعد ما قَرَعَتْني كلُّ قارعة ... أَيامها الحمرُ من أَعيانها الحُمُرُ وبت أضب بالأشعارِ طائفةً ... لو أَنهمْ ضُربوا بالسيف ما شعروا إذا نحتُّ القوافي من مقاطعها ... قالوا تكلفْ لنا أَنْ يَفْهمَ البَقَرُ وقال من قصيدة يصف فيها البحر وركوبه وقصده أيام وفوده: سَفَرَتْ عنكَ أَوجُه الأَسْفَارِ ... وجَرَتْ بالمنى إليك الجواري فرفعنا لكَ الكواكب يا بد ... رَ الدياجي على الهلالِ الساري وركبنا على عَذَاب بحارٍ ... أنزلتنا على عِذَابِ بحار واعتسافُ الأخطار يجْمُلُ ما كا ... ن طريقاً إلى ذوي الأخطار ما امتطينا أخت السحائب إِلا ... لتوافي بنا أخا الأمطار كل نونٍ من المراكب فيها ... أَلِفَاتٌ مصفوفة للصواري تَقْسِمُ الماء والهواءَ لساقٍ ... وجناحٍ من عائمٍ طيار وهي ضِدَّانِ من جوانح ليلٍ ... قد أُقيمَتْ ومن جناحَيْ نهار صُوِّرت كالفيولِ لولا قلوعٌ ... أبرزتها في صورةِ الأطيار عَوَّضَتْنَا الأوطانَ عندك والأو ... طارَ بعد الأَوطانِ والأَوطار فاستحقَّتْ بأن تُعَوَّضَ عوداً ... بعد عُود وعنبراً من نار ومنها: وأياديك إنهنَّ ثمارٌ ... حَمَلَتْهَا معاطفُ الأحرار ومساعيك إنهنَّ نجومٌ ... مشرقاتٌ على سماء الفخار أَنْتَ في الفضل في بني الحجر السا ... دةِ مثلُ الياقوتِ في الأحجار ومنها في القلم: وبيمناك طَيْرُ يُ نٍ وسَعْدٍ ... أصفرُ الظهر أَسودُ المنقار قلمٌ دبَّرَ الأقاليم فالكتْ ... بُ به من كتائب المقدار يا طرازَ الديوان والملكِ أصبح ... تَ طرازَ الديوان في الأشعار وبنوكَ الذين مهما دجا الخط ... بُ أَرَوْنَا مطالعَ الأقمار فأبو بكرٍ الذي أحرز المجدَ ... بسعي الرَّواحِ والإبْتِكَار وتلاه فيما تلاه أخوه ... عُمَرٌ عاش أَطولَ الأعمار ولعثمانَ حظُّ عثمانَ إلا ... في الذي دار من حديث الدار ومنها: وإذا شئت فالمجرَّةُ بَحْرٌ ... ليَ فيه بناتُ نعشٍ سَمارِي وبكفِّي من النجومِ كثيرٌ ... هُوَ مَا قَدْ وهبتَ من دينار ومن نثره فيه: ولما أذن لشوالٍ في أن تشال الكؤوس، ويوضع في طاعة الخمر بالرءوس، خلعنا عن سوالف الخلاعة عذار العذل، وركبنا خيل الفتك والمجون على أرض الجذل، وقلبنا لبطن العفة ظهر المجن، وسرنا نبعج تحت عجاج النذر وداج الدن. وله في وصف بركة: بركةٌ بوركتْ فنحنُ لديها ... نَسْتَفِيدُ الغِمارَ في ضخضاحِ قطرتْ من قرارها بعيونٍ ... غادرتْنا بأسرع الإلتماحِ تسرق اللحظة اختلاساً وتمضي ... نظرةَ الصبِّ خافَ إنكارَ لاحِ قد صَفَتْ واعتلى الحَبَابُ عليها ... فَهْيَ سيان مَعْ كؤوسِ الراحِ أيُّ درعٍ مصونةِ النسجِ تمتد ... السواقي فيها بمثل الصفاح ومنها: ومغنٍ تناولتْ يدهُ العو ... دَ فعادت بنا إلى الأفراح

стр. 603

جَسَّ أوتارَهُ فأصلح منَّا ... صالحاً صارَ في يدِ الإصلاح بين ريحٍ من المزامير أَسْرَى ... بين أَجسامنا من الأرواح وصِبَاحٍ قد عقَدُوا طُرُزَ الليل ... جمالاً على الوجوه الصِّبَاح يبعثُ الروضُ منهمُ حركاتٍ ... سَرَقَتْ بعضها طوالُ الرماح هكذا هكذا وإلا فلا لا ... طُرُقُ الجِدِّ غيرُ طُرْقِ المِزاح وله في وصف مغن: لا أَشربُ الراحَ إلاَّ ... ما بين شادٍ وشادنْ وإن فَنِيتُ فعندي ... إلى مَعَادٍ مَعَادنْ قمْ يا نديمي فأَنْصِتْ ... والليلُ داجٍ لداجن غنَّى وناح فَنَزَّعْ ... تُ ثوبَ خاشٍ مُخَاشِنْ طاوِعْ على القصفِ والعزْ ... فِ كلَّ حاسٍ مُحَاسِن وانهض بطيشك عن سَمْ ... تِ ذي وقارٍ وَقَارِنْ هاتِ الكميتَ وأهلاً ... منها بصافٍ وصافن أَثورُ من ذي ومن ذا ... بكل غابٍ بغابن وإن رمتني الليالي ... يوماً بداهٍ أُدَاهِن وله في ذم زامر: تعبتَ وما أَتيتَ لنا بشيءٍ ... فكيف تكون ساعةَ تَسْتَرِيحُ فلا تُكْثِرْ علينا في مُحَالٍ ... بِزَمْرِكَ، صَحَّ أَن الزمرَ ريح وله: ينافرُ إيقاعُهُ صوتَهُ ... فهذا يزيدُ وذا ينقصُ ويتبعه زامرٌ مثلُهُ ... تبيعٌ له نَفَسٌ أَوْقَص فإن قامَ ما بيننا راقصاً ... فكلٌّ إِلى بيتهِ يرقص وله في مغن: تَثَنَّى فلا مَيْسَ الغصونِ ولينها ... ورجَّعَ أصواتاً فلا تَذْكُرِ الوُرْقَا وأَعجبُ إذ تحتثُّ يمناهُ طارةً ... فتسمعها رعداً وتبصرها برقَا له القصيدة السيارة التي مطلعها: ألْحِقْ بنفسجَ فجري وَرْدَتَيْ شَفَقي ... كافورة الصبح فتَّتْ مسكةَ الغَسَقِ قد عُطِّلَ الحسنُ من أسمار أَنجمه ... فاعقدْ بخمرك فينا حِلْيَةَ الأُفُقِ قم هاتِ جامك شمساً عند مصطبح ... وخلِّ كاسكَ نجماً عند مغتبق واقسمْ لكل زمان ما يليقُ به ... فإن للزَّنْد حلياً ليس للعنق هبَّ النسيمُ وهبَّ الريمُ فاشتركا ... في نكهةٍ من نسيم الروضة العَبِق واستَرْقَصَتْنِيَ كاستِرْقاصِ حاملها ... فخضْرَةُ الوُرْقِ في مخضرَّة الوَرَقِ وبتُّ بالكأس أَغْنَى الناسِ كلِّهِم ... فالخمرُ من عسجدٍ والماءُ من وَرق كم وَرَّدَت وجنات الصِّرفِ في قَدَحٍ ... فتحْت بالمزج ما تعلوه من حدق يسعى بها رشأٌ عيناه مذ رمقت ... لم يُبْقِ فيَّ ولا فيها سوى الرمق حبابُها وأحاديثي ومبسِمُه ... ثلاثةٌ كلها من لؤلؤٍ نَسَق حتى إذا أخذتْ مني بسَوْرتها ... ما يأخذُ النوم من أجفان ذي أرق ركبتُ فيه بحاراً من عجائبها ... أَنِّى سلمتُ ولم أشعُر من الغرق ولم أزل في ارتشافي منه ريقَ فمٍ ... أَطفَأْتُ في بَرْده مَشْبوبةَ الحُرَق يا ساكنَ القلب عما قد رميت به ... من ساكني الجزع مَعْ ما فيه من قلق لا تعجبنَّ لكل الجسم كيف مضى ... وإِنما اعجب لبعض الجسم كيف بقي لم أَسترِق بمنامي وصلَ طيفهمُ ... فما له صار مقطوعاً على السَّرَق من شعر أبي محمد بن سنان الخفاجي حيث يقول: إِذا سكنتمْ فقلبي دائمُ القلق ... وإن رقدتمْ فطرفي دائمُ الأَرَق سرقتُ بالنوم وصلاً من خيالكمُ ... فصار نوْمِيَ مقطوعاً على السَّرَق ومن قصيدة ابن قلاقس: في الهندما قيل أسيافُ الحديدِ ولو ... لا هندُ ما قيلَ أسيافٌ من الحَدَقِ

стр. 604

وبتُّ بالجزع في آثارهم جَزِعاً ... إن جُرِّدَ البرقُ إيماضاً على البُرَق في نارِ وجديَ معنىً من تلهبه ... وفي فؤاديَ ما فيه من الوَلَق وله من قصيدة في مدح وزير صاحب صقلية: جرت خيلُ النسيمِ على الغديرِ ... ورُدَّت تحت قسطلة العَبيرِ وعبَّ الصبحُ في كأس الثريا ... وكان براحةِ القمرِ المنير وقام على جبين الشمس يهفو ... كما يهفو اللواءُ على أمير ودارَ بهِ على يده فكانت ... كطَوْق الجام في كفِّ المدير ومَجَّتْ في زجاج الماء لوناً ... هيَ انتزعته من حَلَب العصير فقمنا نستقيم إلى قلوبٍ ... تناجَتْ تحت أستار الصدور نُحَقِّقُ بالمنى عِدَةَ الأماني ... ونملأُ بالرضى حُبُّ السرور إلى أن غادَرَتنا الكأسُ صرعى ... نفرُّ من الكبير إلى الصغير ومنها: وجرَّدنا المدائح فاستقرتْ ... على أوصاف جُرْدَنَّا الوزيرِ فنظَّمْنا المفاخرَ كاللآلي ... وحلَّينا المعاليَ كالنحور وقمنا في سماءِ العز نرعى ... جبين الشمس في اليوم المطير وأعجبُ ما جرى أنَّا أَمِنَّا ... ونحن بجانب الليثِ الهَصُور وأَرسلنا من الأقداح ريحاً ... نهزُّ بها المعاطفَ من ثَبِير وقلدناهُ دُرّاً جاء منه ... كذاك الدُّرُّ جاء من البحور ومنها: لهيبُ صواعقِ العَزَماتِ منه ... يكادُ يذيبُ أفئدةَ الصخور وماءُ مكارم الأخلاقِ منه ... يكادُ يردُّ صاعدةَ الزفير وأغراسُ الأماني في يديهِ ... تهزُّ معاطفَ الدَّوْحِ النضير الشيخ أبو الحسن علي بن أبي الفتح بن خلف الأموي لا شك أنه من ساكني صقلية فإن ابن قلاقس أورده في الزهر الباسم، وقال: هو حدقة العلم الناظرة، وحديقة الأدب الناضرة. وإنما ذكرته أنا في أهل مصر حيث اقتضاه هذا الموضع للمكاتبات التي جرت بينه وبين ابن قلاقس. قال: كتب لي أبو الحسن علي بن خلف الأموي رقعة أنفذها لما أردت الرحيل عن صقلية: يا ماجداً طَبْعُه أَحلى من الماذِي ... ومن يفوقُ ذكاءً أهلَ بغداذ وَهِمْتُ في رُقْعَةٍ سيَّرْتُها عجِلاً ... إليك ما بين تلميذٍ وأُستاذ فابسُطْ ليَ العُذْرَ واعلم أنني قَلِقٌ ... ذو خاطرٍ لنواكم آلِمٌ هاذي قال: فأجبت، ولو أطعت الخجل لاحتجبت: هذي المحاسنُ قد أُوتيتَها هذي ... فكلُّ شخصٍ تعاطى شأوَها هاذي أقسمتُ بالنحل إنَّ النحل قائلةٌ ... ما ذي الحلاوةُ مما يُحْسِنُ الماذي أنفذتَ شعراً فأنفَدْتَ القوى فجرى ... شكوٌ وشكرٌ لإنفادٍ وإنفاذ وقمتَ لي من جفاءٍ من صَقَلِّيَةٍ ... بلطفِ مصرَ عليهِ ظَرْفُ بَغداذ إن كان طبعُك من ماءٍ ورقَّته ... فإن ذاك فِرِنْدٌ بينَ فُولاذِ وما وهمتُ وفي التلميذ معرفتي ... حقّاً لأنك معروفٌ بأُستاذي الله يعلمُ لولا أنتَ ما جُعِلَتْ ... يدي على كبدٍ للبين أَفلاذِ قال: وفاض بحر آدابه فيضاًن فكتب إلي أيضاً: أيا شمسَ الجلالِ على اقتصادِ ... ويا بدر الكمال لدى اتِّقادِ ويا من بذَّ في الأشعار مَن قد ... أَبادَ الدهرُ مِن أزمانِ عادِ لقد أصبحتَ لي خلاً صَفِيّاً ... وحبُّك قد تمكَّن في فؤادي ومنها: يعزُّ عليّ أن تنأَى وأَبقى ... فريداً مستهاماً للبعاد وإن حكَمَتْ بفرقتنا الليالي ... وقِدْماً فرَّقضتْ أهلَ الوداد فودِّي ثابتٌ أبداً مقيمٌ ... على مرّ الليالي في ازدياد ولولا طِيرَةٌ للبين تُخْشَى ... لبستُ لذاك أثوابَ الحداد قال: فأجبت، وليتني أنجبت:

стр. 605

هو النادي وأنت به أُنادي ... فيا مُرْوي الحَيَا مُورِي الزناد لسانُكَ أمْ سنانُك دارَ فيما ... أَراه من الجدالِ أو الجلاد تُبرِّزُ في اضطلاع واطلاع ... وتَبْرُزُ في انتقادٍ واتِّقاد وكم لك في الفصاحة من أَيادٍ ... مَلَكْت بها الفخار على الإيادي ومنها: مِنَ الشعراء قلبي منك أضحى ... يهيمُ صبابةً في كل واد تَخِذْتُكَ من صَقَلِّيَةٍ خليلاً ... فكنتَ الوَرْدَ يُقْطَفُ من قَتَاد وَشِمْتُكَ بين أَهليها صَفِيّاً ... فكنت الجمرَ يُقْبَسُ من زِناد فإن وَسِعَتْكَ حيزومٌ وإلاّ ... فما ضاقت حيازيمُ البلاد فديتك كلنا فيها غريبٌ ... وذا نسَبٌ يضاف إلى الوداد مُرَادي أن أراك ولست أشدو ... عذيرَكَ من خليلِكَ من مُرَاد ومنها: وإني عنك بعد غدٍ لغَادٍ ... وقلبي عن فِنائكَ غيرُ غاد فأبعدُ بعدنا بُعْدُ التداني ... وأقربُ قربنا قربُ البعاد وذكر غير هذا مما كتبه والجواب عنه. ابن المنجم نشو الدولة علي بن مفرج المنجم سمعت القاضي أبا القاسم حمزة بن عثمان سنة إحدى وسبعين بدمشق، وقد وفد إليها بمهمة، يقول: بمصر شاب مبرز في الشعر مجيد وقد وخطه الشيب، وانتفى عن أدبه العيب، وله بديهة مليحة، وفكرة صحيحة، وذكاء وقريحة، وإنما أفسد حاله أنه ضمن الصابون والملاهي، وارتكب في عسف الناس المناهي، فاستغاثوا منه واستعدوا عليه، وامتدت ألسنتهم فيه، فعذب بالنفي إلى عيذاب، وهذب بها الأهداب، ثم وصل إلى الشام في خدمة الملك المعظم تورانشاه ابن أيوب من اليمن فلقيته، واستنشدته من شعره فأنشدني كثيراً منه، وعرفني أن القصيدة العينية التي كتب بها شمس الدولة من تيماء منصرفه من اليمن إلى أخيه الملك الناصر بدمشق هي له. وتسايرنا في طريق مصر فأنشدني لنفسه من قصيدتين بيتين في الخضاب، وهما: وما خضب الناسُ البياض لقبحهِ ... فأقبحُ منه حين يظهر ناصِلُهْ ولكنما مات الشبابُ فسُخِّمَتْ ... على الرسم من حُزْنٍ عليه مَنازِلُهْ وأما العينية التي كتبها عن شمس الدولة إلى أخيه فهي: ولما تمادتْ مُدَّةُ البين بيننا ... ونازعني قلبٌ إلى الشام نازعُ ركبت اشتياقاً مُوضِعاً حين شاقني ... هوى ساكنيها لم تَسَعْني المواضع فهل لأخي بل مالكي علم أنني ... إليه وإن طالَ التردُّدُ راجع وإني بيومٍ واحدٍ من لقائه ... لمُلْكي على عُظم البريَّةِ بائع ركبتُ إليه الليلَ وهْو غياهبٌ ... وجُبْتُ إليه الأرضَ وهْيَ بلاقع ولبَّيته لما دعاني مسارعاً ... بنفسي ومالي والمشوقُ مسراع فيا برقُ طالِعْهُ بأنِّيَ واصلٌ ... إليه ونجمُ القُرْبِ بالوصلِ طالع ولم يبقَ إلاّ دون عشرين ليلةً ... وتَجْنِي المُنَى أبصارُنا والمسامع لدى مَلِكٍ تعنو الملوكُ لبأسِهِ ... وتخشعُ إعظاماً له وهْو خاشع ومنها: وتضطربُ الدنيا لبثِّ جنوده ... سوى ما حواهُ مُلْكُه فَهْو وَادِعُ الفقيه البليغ أبو عمران موسى بن علي السخاوي من الأعمال الغربية بمصر، وسكنه الإسكندرية. ذكره لي الأمير عز الدين محمد بن مصال في سنة سبعين وأثنى على فضائله وقرظها، وأنشدني من أشعاره التي حفظها، وذكر أنه الآن شاعر تلك المدرة، وبسماع قلائده جلاء الأفهام الصدئة وصفاء القرائح الكدرة. فمن قصيدة له قوله: هذي ديارهمُ وتلك نوارُ ... نأت النوى وتدانت الأوطارُ فأَرِحْ متونَ العيسِ من دَوِّيَّةٍ ... تسري الرياحُ بأرضها فتحار يتجشَّم المشتاقُ شمَّ ترابها ... ويضلُّ فيها الكوكبُ السَّيار ومنها: ولرب موحشةٍ قطعتُ ومؤنسي ... طِرْفٌ أَغَرّ وكوكبٌ غَرَّار وذكر بعد ذلك ليلة، ووصفها إلى أن قال:

стр. 606

حتى استجاشَ على نَجَاشيِّ الدُّجى ... من قيصريِّ السُّدْفَةِ الإِسْفَارُ وأتى بزي الترك يَرْفُلُ في قَبَا ... والشهبُ حول جيوبه أَزْرَارُ ومنها: هذا هو الخبرُ اليقينُ فإن تُرِدْ ... عِلْماً فعند جُهَيْنَةَ الأَخبارُ وكان الممدوح قد أوقع بعرب الصعيد ومن جملتهم جهينة. ولما وصلت إلى القاهرة سنة اثنتين وسبعين دخلت إلى القاضي الفاضل يوماً وعنده للبليغ السخاوي قصيدة قد مدحه بها في جمادى الأولى وهي جامعة للإحسان فتأملتها، وهي: أَغْضَى وأَذْعَنَ حين عَنَّ الرَّبْرَبُ ... حتى تَصَيَّدَهُ الغزالُ الأَشْنَبُ فطوى حشاه على جَوَى جَمْرِ الغَضَا ... مما جنى من جمرةٍ تتلهَّبُ وصَبَا فأشْرَاه الغرامُ وذاده ... عن وِرْدِه وهو الهزبرُ الأَغْلَبُ وصبتْ إِليه من الصبابة لوعةٌ ... تُغْرِي بكلِّ مُحَرَّبٍ لا يُغْلَبُ وهي التي ما زال يجنى حُلْوَهَا ... من مُرِّها فعذابُها مُسْتَعْذَبُ ويمدها من كل أَحْوَى أَحْوَرٍ ... ما منه يرتاع الكميُّ المُحْرَبُ إِني على أَنِّي الأبيُّ فؤادُهُ ... فالرعبُ مما ليس منه يَقْرُبُ أدنو وأشجع إذ دَنَتْ أُسْدُ الشرى ... وتعنُّ لي العِينُ الحسان فأَرْهَب وأَميلُ من خجل إِلى وجلٍ به ... أُضْنَى فذا يكسو وهذا يَسْلُبُ وأهابُ من أهوى فأستجدِي كما ... اسْتَجْدَى لفضلِ الفاضلِ المُسْتَصْعِبُ المستبدُّ بكل فضلٍ فضلُهُ ... فجنابه المأمولُ أخضرُ مُخْصِبُ والمسترقُّ حرائرَ الشِّيَمِ التي ... أبداً تُصَانُ عن الأَنام وتُحْجَبُ مُتَحَسَّدٌ من لفظهِ وبلاغةٍ ... طَفِقَتْ بأبكار المعاني تَثْعَبُ كالنارِ إلا أنها لا تنطفي ... والبحر إلا أنه لا يَنْضَبُ وعليه من نورِ السكينةِ حُلَّةٌ ... وَثِقَ الزمانُ بأَنَّها لا تُسْلَبُ يَسِمُ اليراعة بالبراعةِ وَسْمَةً ... عند الخطوب وحين يُعْرِرُ يُغْرِبُ ويقولُ إلا أنه القولُ الذي ... أَعيا وأعجزَ فَهْوَ لا يُتَعَقَّبُ أَضحى على سحبانَ يسحَبُ ذيلَهُ ... تيهاً وعن إعراب يَعْرُبَ يُعرِبُ وحسامهُ القلمُ الذي لم يُمْضِهِ ... إلا وذلَّ له الحسام المِقْضَب عارٍ وليس بمُحْرِمٍ، ومُنَطَّقٌ ... تلقاه وَهْو أصمُّ أبكمُ يَخطُبُ يَقْرِي بريقته المنايا والمنى ... أبداً ويُرْضِي إذ يُهَزُّ ويُغْضِبُ كالحية النضناضِ إلا أنه ... يَسْعَى فيُرْجَى حيث كانَ ويُرْهَب وتراه يصمتُ حين يُرجى راجلاً ... أيداً وينطق راكباً إذ يَشْرَبُ ويظلُّ ينظرُ من ظلامٍ في ضُحىً ... فكأنما لحظُ النهار الغيْهَبُ واشٍ بمكنون الضمير وعلمُهُ ... عنه وعن فِطَنِ الأنام مُغَيَّبُ فإذا وَشَى وشَّى المهارقَ أحرفاً ... هن الرياض أصابهن الصَّيِّب ومنها: وإِذا الكرام الكاتبون تصفحُّوا ... صفحاتهِ كُتِبَتْ رَضُوا ما يكْتُبُ وتشرَّفَ الخطُّ الأَصيلُ بأنَّهُ ... يُعْزَى إِلى عبد الرحيم ويُنْسَبُ فلذاك سالَمَهُ الزمانُ ولم يكن ... إلا على أحكامه يتقلَّبُ وتقاصرت هممُ الرجالِ عن الذي ... لم يرضَ مركبَه وعما يَرْكَبُ وعَنَتْ له الدنيا ودانت وهْيَ إذْ ... مَلأَتْ يَدَيْهِ بعضُ ما يَسْتَوْجِبُ وذكرها جميعها وهي طويلة. قال: وسمعت الملك الناصر يثني على بلاغته، وبديهته في براعته، وأنه سمي بليغاً لنثره الذي هو أحسن من شعره. وتوفي فجأة وجد ميتاً في فراشه في منزله في ذي الحجة سنة اثنتين وسبعين.

стр. 607

الصالح أبو الغارات طلائع بن رزيك سلطان مصر في زمان الفائز وأول زمان العاضد. ملك مصر، واستولى على صاحب القصر، ونفق في زمانه النظم والنثر، واسترق بإحسانه الحمد والشكر وقرب الفضلاء، واتخذهم لنفسه جلساء، ورحل إليه ذوو الرجاء، وأفاض على الداني والقاصي بالعطاء. وله قصائد كثيرة مستحسنة أنفذها إلى الشام، يذكر فيها قيامه بنصر الإسلام. وما يصدق أحدٌ أن ذلك شعره لجودته، وإحكام مباني حكمته، وأقسام معاني بلاغته، فيقال إن المهذب بن الزبير كان ينظم له وإن الجليس بن الحباب كان يعينه؛ وله ديوان كبير، وإحسان كثير. ملك سنة تسع وأربعين، وفتك به في دهليز القصر في سنة ست وخمسين وخمسمائة بالقاهرة؛ وانكسفت شمس الفضائل الزاهرة، ورخص سعر الشعر، وانخفض علم العلم، وضاق فضاء الفضل، واتسع جاه الجهل، وانحل نظام أهل النظم، وانتثر عقد ذوي النثر، واستشعر الفاقة الشعراء، وعدم البلغة البلغاء، وعد الفضل فضولا، والعقل عقولا. وظل الفحل القارح من قريحة الحباب مقروحاً مجنوباً، وطلب المهذب مذهباً في الذهاب محبوباًن ومركباً في النجاة مجنوبا، وأضل الرشيد طريق رشده فاحترق بشرار شر شاور من بعده، وعاد ابن الصياد إلى حرفة أبيه، ونبا المقام بالنبيل النبيه، وعجل ابن رواحة الرواح، حين تأمل دفتر تأميله فلاح أن لا فلاح. وعضل المهذب بالشام أخت الكافية الكافية لما عدم كفؤها الأيد، وحص الحصكفي الكفي عدة قصائد فلم يسقها من قريته لقطر مصر البعد، وطفق فضلاء الحضرة يغيبون لحضور الناقصين، وكرب أدباء تلك المدرة يذوبون لجمود الغامضين الغامصين، وعاد السر شورى، والعيد عاشورا، والسخف منشورا، والعسف مأثورا، والقريض مقروضا، ويد الرفض مقبوضة، وعين الحمد مغضوضة، وعم رزء ابن رزيك، وملك صرف الدهر ذلك المليك، فلم تزل مصر بعده منحوسة الحظ منسوخة الجد، منكوسة الراية، معكوسة الآية، إلى أن ملكها يوسف الثاني، وجعلها مغاني المعاني، وأنشر رميمها، وعطر نسيمها، وأرج رياها، وبلج محياها، وأعلى سناها، وأحلى جناها، وأعاد ماءها، وأباد أعداءها، وافترع عذرتها، وفرع ذروتها، ونفى سودها، وعفى أسودها، وخلص فتوحها، ولخص شروحها، وتسلم قصرها، والتزم خصرها. فليفتح الصالح عينه ليعاين ملك الصلاح، ناهضاً بجناح النجاح، خافقاً في الخافقين بقوادم الإقدام، طائراً من قدام بأسه بخوافي الخوف قلب الباسل الهمام. قال: جرى لي جود الخاطر في جودا البيان، ومضمار هذا الميدان، وأخرجني من شرط الكتاب، إلى بسط هذا الباب، فلنقطع أطناب الإطناب، ولنورد ما نلقطه من الأشعار المنسوبة إليه، فمن جيده القصيدة الطائية التي كتبها إلى الأمير مؤيد الدولة في جواب قصيدة طائية كتبها إليه، ومطلعها في غاية الحسن، وهي قوله: هي البدرُ لكنَّ الثريا لها قُرْطُ ... ومن أَنجُمِ الجوزاءِ في نَحْرِها سِمْطُ مشتْ وعليها للغمامِ ظلائلٌ ... تُظِلُّ ومن نَسْجِ الربيع لها بُسْط تؤم صريعاً في الرجال كأنه ... من السقم، والأيدي تقلِّبُهُ، خَطُّ فما اخضرَّ ثوبُ الأرض إلا لأنها ... عليه إذا زارت بأقدامها تخطو ولا طابَ نشرُ الأرض إلا لأنه ... يُجَرُّ عليه من جلابيبها مِرْط ولا طار ذكر الظَّبْيِ إلا وقد غدا ... يصدُّ كما صَدَّتْ ويَعْطو كما تعطو من البيضِ مثلُ الصبح ما للظلام في ... محاسنها لولا ذوائبها قِسْط إلى العَرَبِ الأَمحاض يُعْزَى قبيلها ... وقد ضمها في الحسْنِ مَعْ يوسفٍ سِمْطُ ولما غدت كالعاج زُيِّنَ صَدْرُها ... بحُقَّيْنِ منها قد أَجادهما الخَرْط وأُرْسِلَ فوق الخدِّ صُدْغٌ مُكلَّلٌ ... كما أُرْسِلَتْ في الروض حَيَّاتُهُ الرُّقْطُ ذوائبُ زان الخصرَ منهنَّ فاحمٌ ... تحدَّرَ لا جعدُ النَّباتِ ولا سَبْط ومنها وهي طويلة: وظلماءَ للشهب الدراري إذا سَرَتْ ... هناك مع السارين في جُنْحها خَبْطُ كما أوَّلُ الفجرين سَقْطٌ يُسَلُّ مِن ... حشاها كذاك البرق في جوّها سَقْط

стр. 608

سللنا بها البيضَ السيوفَ فلاح في ... شباب الدجى لما بدا لَمْعُها وَخْطُ سيوفٌ لها في كل دِرْعٍ وجُنَّةٍ ... إذا ما اعتلت قدٌّ أو اعترضت قَطُّ ومنها: وحربٌ لها الأرواح زاهقةٌ لِمَا ... تُعايِنُ والأصوات من دَهَشٍ لَغْطُ إِذا أرسلت فرعاً من النقع فاحماً ... أثيثاً فأسنانُ الرماح لها مُشْط كأن القنا فيها أَناملُ حاسب ... أَجدَّ بها في السرعة الجمعُ واللقْط ومنها في القطع وذكر القصيدة: على أَنها تشتط إن هي ساجلت ... أحبَّة قلبي إن تدانَوْا وإن شَطوا يشير إلى مطلع قصيدة مؤيد الدولة. ومن شعر الصالح في الغزل: ومهفهفٍ ثملِ القوام سَرَتْ إلى ... أعطافِهِ النَّشَواتُ من عينيهِ ماضي اللحاظِ كأنما سَلَّتْ يدي ... سيفاً غداةَ الروع من جفنيه الناسُ طوع يدي وأمري نافذٌ ... فيهمْ وقلبي الآن طوعُ يديه فاعجبْ لسلطان يَعُمُّ بعدله ... ويجورُ سلطانُ الغرام عليه قد قلتُ إذ كتَبَ العذارُ بخَدِّهِ ... في وَرْدِهِ أَلِفَيْهِ لا لاميه ما الشَّعْرُ لاح بعارضيه وإنما ... أصداغه نفَضَت على خدَّيْه والله لولا اسمُ الفرار وأَنّه ... مستقبحٌ لفررتُ منه إليه وقال في الزهد: خُضْ بحار الموتِ في النُّقْلةِ ... من دارِ الهوانِ وحملِ النفسَ من الصبر ... على حدِّ السنانِ واجتهد أَلاّ يراك الناس ... مبسوطَ البَنَانِ فعسى الرحمن يُغْني ... عن فلانٍ وفلانِ ونقلت من دَرْج بخط الصالح بن رزيك قصيدة له أعارنيه ابن أخته مما نظمه سنة خمس وخمسين، أولها: أبى الله إلا أن يكون مؤيّداً ... مدى الدهر منصورَ الديين على العِدَا وكم جاهلٍ قد زاده الحلمُ عزةً ... على غيره لما فَسَحْتُ له المَدَى فأوردته من راحتي موردَ الندى ... ولما أَسرَّ الغَدْرَ أوردتْهُ الرَّدَى وهاجَرَ فاستدرجتُه ودفعتُه ... بحلمي أَناةً وانتظاراً به غَدَا عسى هو أن يَصْحو من الجهل أَو يُرَى ... عليه الحسامُ المشرفيُّ مُعَرْبِدَا ومنها في وصف حسام: فعاجَلَهُ مستحكِمُ الرأيِ قد غَدَا ... لقَهْرِ الأعادي في الحروبِ مُؤَيَّدَا رميتُ به سهماً مصيباً وإنه ... لدى الحرب ما زال القويمَ مُسَدَّدَا هو الأَسَدُ الوَرْدُ الذي عاد سَبْقُهُ ... إِلينا من الضربِ الدراك الموردا فلا يغتررْ بي بعدها ذو جهالة ... فليثُ الشَّرى يُخْشَى وإِن كان مُلْبِدَا وأعارني درجاً فيه بخط الصالح قصيدة أخرى منها: توالت علينا في الكتائب والكُتْبِ ... بشائرُ من شرقِ البلاد ومن غَرْبِ بشائرُ تهدى للمُوَالي مَسَرَّةً ... وتُحْدِثُ للباغين رُعباً على رعب ففي كبدٍ من حرها النارُ تلتظى ... وفي كبد أحلى من البارد العذب ومنها: جعلنا جبالَ القدس فيها وقد جَرَتْ ... عليها عتاقُ الخيل كالنفنفِ السُّهْبِ فقد أصبحتْ أوعارُها وحُزُونها ... سهولاً تُوَطَّا للفوارس والركب ولما غدتْ لا ماءَ في جنباتها ... صببنا عليها وابلاً من دمٍ سَكْبِ وجادت بها سُحْبُ الدروعِ من العِدَا ... نَجِيعاً فأَغْنَتْهَا الغَداةَ عن السُّحْبِ وأَجْرَتْ بحاراً منه فوق جبالها ... ولكنْ بحارٌ ليس تَعْذُبُ للشرب فقد عمَّها خِصْبٌ به من رءوسهم ... بها ولكم خصْبٍ أَضَرّ من الجَدْبِ وقد روَّعَتْها خيلنا قبل هذه ... مراراً وكانت قبلُ آمِنَةَ السِّرْبِ وأخفى صهيلُ الخيل أَصواتَ أهلها ... فعاقَتْ نواقيسَ الفرنج عن الضَّرْبِ ومنها:

стр. 609

وأبطالِ حربٍ من كُتَامة دَوَّخُوا ... بلادَ الأعادي بالمسوَّمَةِ القُبِّ وعادوا إلينا بالرءوس على القنا ... وأغناهمُ كسبُ الثناءِ عن الكسب ومنها: وإِنا بنو رزِّيكَ ما زالَ جارُنَا ... يحُلُّ لدينا بالكرامة والخِصْبِ ونفتِكُ بالأموال في السَّلْمِ دائماً ... كما نحن بالأَعداءِ نفتك بالحرب وذكر عمارة اليمني قال دخلت عليه السادس عشر من شهر رمضان سنة ست وخمسين قبل موته بثلاثة أيام بعد قيامه من السماط فدخل وخرج وفي يده قرطاس قد كتب فيه بيتين من شعره قد عملهما في تلك الساعة: نحن في غفلةٍ ونومٍ وللموْ ... تِ عيونٌ يقظانةٌ لا تنامُ قد رحلنا إلى الحِمَامِ سِنيناً ... ليت شعري متى يكون الحِمَامُ قال عماة: ومن عجيب الاتفاق أنني أنشدت ولده في تلك الليلة قصيدة منها: أبوك الذي تسطو الليالي بحده ... وأَنْتَ يَمِينٌ إن سطا وشمالُ لرتبته العُظْمَى وإِنْ طالَ عمره ... إليكَ مصيرٌ واجبٌ ومآلُ تخالسك اللحظ المصون ودونها ... حجاب شريفٌ لا انْقَضَى وحِجَالُ فانتقل الملك إليه بعد ثلاثة أيام ومن شعر الصالح في مملوك له رآه يوم العيد، في السلاح لابس الحديد: لبس الحديدَ فزاد في إِعجابِهِ ... بدرٌ تَظَلُّ الشمس من حُجَّابهِ لا مطمعٌ في أَنْ يرقَّ وقلبُهُ ... أَقسى على العُشَّاق من جلبابه قد كان يُغْنِيهِ سيوفُ لحاظه ... عن حمل صارمهِ ليوم ضِرَابه لو جاد لي فوق اللثام بقبلةٍ ... تشفي فؤادَ الصبِّ من أَوصابه رَوَّيْتُ ظامئةَ الرماحِ من العِدَا ... وضَنيِتُ من ظمإٍ لبَرْدِ شَرَابهِ وقال: عاذلي عذلُكَ سهمٌ في الحَشَا ... كيف كتماني وسرِّي قد فَشَا صار ما بي من غرام كامنٍ ... ظاهراً ينقله واشٍ وَشَى من رأى قبليَ يا رِيمَ الفَلاَ ... أسداً يقْنِصُهُ لحظُ رَشَا ومنها: وجهُكَ الرَّوْضة آتَتْ نَرْجِساً ... وجَنيُّ الوَرْدِ فيها فُرِشَا خفتَ أن يُجْنَى فَوَكَّلْتَ بها ... عَقْرَباً طوراً وطوراً حَنَشَا وقال: أَلا إن أَشواقي بقلبي برَّحَتْ ... فأصبحتُ في بحرٍ بعيدٍ من الشاطي قَلِقْتُ وقد جدَّ الفراق لبُعْدِكُمْ ... كأَني على جمرِ الغَضَا بَعْدَكمْ واطي ولا غروَ فيكم أن أُقِضَّتْ مضاجعي ... وقد بانَ في حُبِّي لكمْ وجهُ إِفْرَاطي وقال: وفاتر الطرف في الخدِّ الأَسيلِ له ... وردٌ جَنِيٌّ حَمتْهُ أَسْهُمُ المُقَلِ نَهْبْتُهُ بفَمِي لَثماً وقد غَلَلَتْ ... عينُ الرقيب وكلَّتْ أَلْسُنُ العَذَل وخاف أَنْ يفطنَ الواشي بنا وبه ... فعادَ يُخْلِفُ ما قد مَنَّ بالخجل إن مال عني فقد مال النعيمُ وإن ... يَمِلْ إليَّ أَجِدْه غايةَ الأمل هابتْ سطَايَ ليوثُ الغاب غاديةً ... ورحت من لحظاتِ الظَّبْيِ في وَجَلِ فرَّجْتُ ضَنْكَ الوغى في كلِّ معركةٍ ... بحدِّ سيفي وضاقَتْ في الهوى حِيَلي وقال: ظبي يُحَيِّرُ في الملاحةِ كلما ... كرَّرْتُ طرفي في بديعِ فنونهِ أَشكو إليه صبابتي فيجيبني ... وِرْدٌ يُبَرِّدُ لوعتي بمَعِينهِ قسماً به وبوردةٍ في خده ... وتمامِ قامته وسحر جفونه لو أن ركباً في الفلاة تحيروا ... لسَرَوْا بضوءٍ من هلالِ جبينه وأنشدني زين الدين بن نجا الواعظ الدمشقي له في غلام سابق على حصان أخضر أشقر: ولما حضرنا للسباق تبادرتْ ... خيولٌ ومن أَهواه أُقْدَمُهَا سَبْقَا على أشقرٍ شبهِ اللهيبِ توقداً ... ولوناً فقلنا البدرُ قد رَكِبَ البَرْقَا

стр. 610

وأنشدني زين الدولة الحسين بن الوزير أبي الكرام قال: كتب الصالح ابن رزيك إلى والدي بعد عوده من مصر إلى الشام سنة إحدى وخمسين: أَحبابَ قلبيَ إن شطَّ المزارُ بكمْ ... فأنكم في صميم القلب سكَّانُ وإِن رجعتمْ إِلى الأوطانِ إنَّ لكمْ ... صدورَنا عِوَضَ الأَوطانِ أَوطانُ جاورتمُ غيرنا لما نأتْ بكمُ ... دارٌ وأنتم لنا بالودِّ جيران وكيف ننساكمُ يوماً لبعدكمُ ... عنا وشخصكمُ للعين إنسان وأنشدني له: وإذا تشبُّ النارُ بين أَضالعي ... قابلتُها من أَدمعي بسيول فأنا الغريقُ بل الحريقُ أموت في ... هذا وذا كذبالة القنديل وكان قد ذكر عنده بيتاً من نظم عوام بغداد من كان وكان وهو: النارْ بين ضلوعي ... وأنا غريقْ مدامعي كأني فتيلة قنديلْ ... أَموتْ حريقْ غريق فأنشد ابن الحباب أبو المعالي الجليس في المعنى: هل عاذرٌ إن رمتُ خلعَ عذاري ... في شمِّ سالفةٍ وفثم عِذار تتآلفُ الأضدادُ فيه ولم تزلْ ... في سالفِ الأيام ذاتَ نِفَارِ فله من الزفرات لفحُ صواعقٍ ... تُرْدي وبالعبرات سحُّ بحار كذبالة القنديل قُدِّرَ هُلْكُهَا ... ما بين ماءٍ في الزجاج ونار فقال المهذب بن الزبير في المعنى: كأَني وقد فاضتْ سيولُ مدامعي ... فَشَبَّتْ حريقاً في الحَشا والترائب ذبالةُ قنديلٍ تعومُ بمائها ... وتُشْعَل فيها النارُ من كل جانب وحدثني أبو الذكاء البعلبكي، وكان رسولاً بمصر، قال: لما جلس الصالح بن رزيك في دست الوزارة نظم هذه الأبيات: انْظُرْ إلى ذي الدار كمْ ... قد حلَّ ساحَتَها وزيرُ ولكمْ تبخترَ آمناً ... وَسْطَ الصفوفِ بها أَميرُ ذهبوا فلا والله ما ... بقيَ الصغيرُ ولا الكبيرُ ولمثلِ ما صاروا إليه ... من الفناءِ غداً نصيرُ قال زين الدين الواعظ: عمل فارس المسلمين أخو الصالح له دعوةً في شعبان من السنة التي قتل فيها فعمل هذه الأبيات وسلمها إلي: أنست بكمْ دهراً فلما ظَعَنْتُمُ ... استَقَرَّتْ بقلبي وَحْشَةٌ للتفرق وقال: وأَعجبُ شيءٍ أَنني يومَ بينكمْ ... بقيتُ وقلبي بين جَنْبَيَّ ما بقي أَرى البعدَ ما بيني وبين أحبتي ... كبُعْدِ المدى ما بين غربٍ ومَشْرِقِ أَلا جَدِّدي يا نفسُ وجداً وحسرةً ... فهذا فراقٌ بعْدَهُ ليس نلتقي قال: فلم يبق بعدها لهم اجتماعٌ في مسرة، وقتل في شهر رمضان. قال: ومما نظمه: يا دهرُ حَسْبُكَ ما فعلتَ بنا ... أَتُرَاكَ تَطْلُبُ عندنا إِحَنَا كم نَتَّقِيك بكل سابغةٍ ... وسهامُ كيدك تخرق الجُننا ما تنفعُ الدرع الحصينةُ مَنْ ... عَمَّا قليل يَلْبَسُ الكفنا كلا ولا الأيام تَقْبَلُ عن ... أَرواحنا رَشْواً ولا ثمنَا لو بالثُّرَيَّا حلَّ مُعْتَصِمٌ ... منها لكانَ له الثَّرَى وَطَنا ولقد يهوِّنُ ما أصابكمُ ... فقدُ الحسينِ الطهرِ والحَسَنَا وبَينهمُ إذ طوَّحَتْ بهمُ ... أيدي زمانهمُ هُنا وهُنا وأرى الأئمةَ جار دهرهمُ ... في فعله بهمُ فكيف أنا لي أسوةٌ بهمُ الغداةَ إِذا ... أصبحتُ في الأَجداثِ مُرْتَهَنا وقال: يا راكباً ظَهْرَ المعاصي ... أَوَمَا تخافُ من القصاصِ أَوَمَا ترى أسباب عمرك ... في انتقاضٍ وانتقاصِ وقال: يا نائماً في هذه الدنيا ... أما آن انتباهُكْ المالُ لا يُغْنيك في ال ... أخرى ولا يُنْجِيكَ جاهُكْ وقال: مشيبُكَ قد نَضَا صبغَ الشبابِ ... وحلَّ البازُ في وَكْرِ الغُرَابِ تنامُ ومقلة الحدثانِ يَقْظَى ... وما نابُ النوائبِ عنك نابِ

стр. 611

وكيف بقاءُ عمرك وهْوَ كنزٌ ... وقد أنفقتَ منه بلا حساب وقال: أيا دهرُ أًينَ الملوكُ الذين كانوا ... فأَضْحَوْا كأَنْ لمْ يكونوا وكانت قصورهمُ لا ترامُ ... فتلك قبورهمُ لا تَبينُ وقال: أيها المغرورُ لا تَغْتَرْ ... فمرعاكَ خبيثُ سائقُ الموت وإن طا ... ل بنا العمرُ حثيثُ إنَّ من جادت على ... الخلق بجدواه غيوثُ وأولو المجد القديم ... العهد منهم والحديثُ أصبحَ اليوم حديثاً ... وغداً نحن حديثُ الأمير أبو المهند حسام بن مبارك بن فضة العقلي لم يكن في مصر أفخم منه شأناً، وأعظم سلطاناً، أيام سلطنة ابن رزيك وهو ابن أخت الصالح، كان مقدم عسكره، في مورده ومصدره، وحسامه الفاصل. من شعره أبيات عاتب بها خاله: أُجِلُّكَ أَنْ يُلِمَّ بك العِتَابُ ... وأن يَخْفَى وحاشاكَ الصَّوَابُ ومنها: وإنّي في يَمينِكَ حين تَسْطُو ... حُسَامٌ لا يُفَلِّلُهُ الضِّرَابُ وكمْ أرْسَلْتَني سَهْماً مُصِيباً ... فأَحْرَقَ ضِدَّكم منّي شهابُ أبو القاسم هبة الله بن عبد الله بن كامل كان داعي الدعاة بمصر للأدعياء، وقاضي القضاة لأولئك الأشقياء، يلقبونه بفخر الأمناء، وهو عندهم في المحلة العلياء، والمرتبة الشماء، والمنزلة التي في السماء، حتى انكدرت نجومهم، وتغيرت رسومهم، وأقيم قاعدهم، وعضد عاضدهم، وأخليت منهم مصرهم، وأجلي عنهم قصرهم، فحرك ابن كامل ناقص الذب عنهم والشد منهم، فأمال قوماً على البيعة لبعض أولاد العاضد، ليبلغوا به ما تخيلوه من المقاصد، وسولوه من المكايد، فأثمرت بجثثهم الجذوع، وأقفرت من جسومهم الربوع، وأحكمت في لحومهم النسوع. وهذا أول من ضمه حبل الصلب، وأمه فاقرة الصلب، وهذا صنع الله فيمن ألحد، وكفر النعمة وجحد، وذلك غرة رمضان سنة تسع وستين وخمسمائة. سمعت الملك الناصر صلاح الدين يذكره وقد ذكروه عنده بالفضل والأدب ونسبوا إليه هذين البيتين في غلام رفاء وأنشدهما الملك الناصر وذكر أنه كان ينكرهما: يا رافياً خَرْقَ كلِّ ثَوْبٍ ... ويا رَشاً حُبُّهُ اعتِقَادي عَسَى بكفِّ الوصال تَرْفُو ... ما مَزَّقَ الهَجْرُ من فؤادي الوجيه ابن الذروي أبو الحسن علي بن يحيى شاب نشأ في هذا الزمان، موصوف بالإجادة والإحسان، له في أحدب: يا أخي كيف غَيَّرَتْكَ الليالي ... وأحالتْ ما بيننا بالمِحَال حاشَ لله أن أُصَافي خليلاً ... فيرانيْ في ودِّه ذا اختلال زعموا أنني أتيتُ بهجوٍ ... معرب فيك عن شَنيعِ المقال كذبوا إنما وصَفْتُ الذي فيك ... من النُّبْلِ والسَّنَا والكمالِ لا تظنَّنَّ حَدْبَةَ الظهر عَيْباً ... فَهْي للحسْنِ من صفات الهلال وكذاك القسيُّ مُحْدَوْدِبَاتٌ ... وهْيَ أنكى من الظُّبَا والعوالي ودناني القُضاةِ وهْيَ كما تَعْلَمُ ... كانتْ موسومةً بالجمال وأَرَى الإِنحناءَ في مَنْسِر الكا ... سر يُلْفَي ومِخْلَبِ الرِّنبالِ وأبو الغُصْنِ أنت لا شك فيه ... وهْوَ رب القوام والإعتدال كَوَّنَ الله حَدْبَةً فيك إن شئ ... تَ مِنَ الفضل أو من الإفضالِ فَأَتَتْ ربوة على طود حلمٍ ... منك أو موجة ببحر نوالِ ما رأتْها النساءُ إلا تمنَّتْ ... لو غَدَتْ حِلْيَةً لكل الرجالِ وإذا لم يكن من الهجر بُدٌّ ... فعسى أن تزورني في الخيالِ وهذه الأبيات لم يقل مثلها في أحدب وهي في ابن أبي حصينة الذي أصله من المعرة. وله في المهذب جعفر المعروف بشلعلع: لا تَصْحَبَنَّ سوى المهذَّب جَعْفَرٍ ... فالشيخُ في كل الأمور مُهَذَّبُ طَوْرَا يُغَنِّي بالرَّبَاب وتارةً ... تأتي على يده الرَّبَابُ وزينبُ

стр. 612

القاضي الجليس أبو المعالي عبد العزيز بن الحسين ابن الحباب الأغلبي السعدي النميمي جليس صاحب مصر، فضله مشهور، وشعره مأثور، وقد كان أوحد عصره في مصره نظماً ونثراً، وترسلاً وشعراً، ومات بها في سنة إحدى وستين، وقد أناف على السبعين. ومن شعره: لا تعجبي من صَدِّهِ ونفارِه ... لولا المشيبُ لكنت من زُوّارِهِ لم تترك الستون إذ نزلتْ به ... من عهد صبوتهِ سوى تذكارِه وله: حَيَّى بتفاحةٍ مخضَّبةٍ ... من فَفَّني حبُّهُ وتَيَّمَني فقلتُ ما إن رأيتُ مشبهها ... فاحمرَّ من خجلة فكذَّبني ومن شعره: وسما يكفُّ الحافظُ ... الْمنصورُ عنا المَحْلَ كَفَّا آواهمُ كرماً وصا ... نَ حريمهمْ فعفَا وعَفَّا وأنشدني له الأمير نجم الدين بن مصال من قصيدة يقول فيها: ومن عجبٍ أن السيوف لديهمُ ... تحيضٌ دماءً والسيوفُ ذكورُ وأعجب من ذا أنها في أكفهمْ ... تأجَّجُ ناراً والأكفُّ بحور وأنشدني له الشريف إدريس الإدريسي قصيدة سيرها إلى الصالح بن رزيك قبل وزارته يحرضه على إدراك ثأر الظافر، وكان عباس وزيرهم قتله وقتل أخويه يوسف وجبريل، يقول فيها: فأين بنو رزيك عنها ونصرهم ... وما لهمُ من منعة وزياد فلو عاينتْ عيناك بالقصر يومهمْ ... ومصرعهمْ لم تَكْتَحِلْ برُقَادِ تداركْ من الإيمان قبلَ دُثُورِه ... حُشَاشَةَ نَفْسٍ آذنت بنَفَاد فمزِّقْ جموعَ المارقين فإنها ... بَقَايا زُرُوعٍ آذنت بحصَادِ وله فيه من أخرى في هذه الحادثة: ولما ترامى البربريُّ بجهلهِ ... إلى فتكةٍ ما رامَها قَطُّ رائمُ ركبْتَ إليه مَتْنَ عزمتك التي ... بأمثالها تلقَى الخطوبُ العظائم وقُدْتَ له الجُرْدَ الخِفَافَ كأنما ... قوائمُها عند الطِّرَادِ قَوادِم وتنصُلُ منها والعَجاجُ خضابُها ... هواد لأركان البلادِ هَوادِمُ تجافتْ عن الماء القَرَاحِ فريُّها ... دماءُ العِدَا فهي الصواديْ الصوادم وقمتَ بحقِّ الطالبيِّينَ طالباً ... وغيرُكَ يُغْضِي دونه ويُسالِمُ أَعدت إليهمْ مُلْكَهُم بعد ما لوى ... به غاصبٌ حقَّ الأمانةِ ظالِمُ فما غالبٌ إلا بنصرك غالبٌ ... وما هاشمٌ إلا بسيفك هاشم فأدْرِكْ بثأرِ الدِّين منه ولم تزلْ ... عن الحقِّ بالبيضِ الرِّقاقِ تُخَاصِمُ وأنشدني الأمير العضد مرهفٌ للجليس يخاطب الرشيد بن الزبير في معنى نكبة خاله الموفق: تسمَّعْ مقاليَ يا ابن الرشيدِ ... فأنت حقيقٌ بأن تَسْمَعَه بُلينا بذي نَشَبٍ سائلٍ ... قليلِ الجَدَا في أَوانِ الدعَه إذا ناله الخيرُ لم نَرْجُه ... وإن صفعوه صُفِعْنا معه وأنشدني بعض فضلاء مصر لابن الحباب: سيوفُكَ لا يُفَلُّ لها غِرارُ ... فنومُ المارقين بها غِرارُ يُجَرِّدُها إذا أُحْرِجْتَ سُخْطٌ ... على قومٍ ويُغْمِدُها اغتفار طَرِيدُكَ لا يفوتُكَ منه ثارٌ ... وخصمك لا يُقالُ له عِثار وفيما نلتَه من كلِّ باغٍ ... لمن ناواك لو عَقَلَ اعتبار فمرْ يا صالحَ الأملاكِ فينا ... بما تختارُه، فلَكَ الخيارُ فقد شَفَعَتْ إلى ما تَبْتَغيهِ ... لك الأقدارُ والفَلَكُ المُدَار ولو نوتِ النجومُ له خِلافاً ... هَوَتْ في الجو يذروها انتثارُ ومنها: عدلتَ وقد قَسَمْتَ وكم ملوكٍ ... أرادوا العدلَ في قَسْمٍ فجاروا ففي يدِ جاحدِ الإحسانِ غُلٌّ ... وفي يد حامدِ النعْمى سِوَار لقد طَمَحَتْ بطرخانٍ أمانٍ ... له ولمثله فيها بوار

стр. 613

وحاول خطةً فيها شماسٌ ... على أمثاله وبها نِفار هل الحسبُ الفتيُّ بمستقلٍ ... إذا ما عزَّهُ الحسب النضار أتتك بحائنٍ قدماه سعياً ... كما يَسْعَى إلى الأَسدِ الحمار وشان قرينَه لما أتاه ... كما قد شان أَسرته قُدَارُ وأنشدني بمصر ولده القاضي الأشرف أبو البركات عبد القوي لوالده الجليس من قطعةٍ كتبها إلى ابن رزيك في مرضه يشكو طبيباً يقال له ابن السديد على سبيل المداعبة: وأَصْلُ بليتي من قد غزاني ... من السقم المُلِحِّ بعَسْكَرَيْنِ طبيب طِبُّهُ كغرابِ بين ... يفرِّقُ بين عافيتي وبيني أَتى الحمى وقد شاخَتْ وباخَتْ ... فردَّ لها الشباب بنسختين ودبرَها بتدبيرٍ لطيفٍ ... حكاهُ عن سنانٍ أو حُنين وكانت نوبةً في كلِّ يومٍ ... فصيَّرها بحِذْقٍ نوبَتين وأنشدني أيضاً لوالده في مدح طبيب: يا وارثاً عن أَبٍ وجَدٍ ... فضيلةَ الطبِّ والسدادِ وكاملاً ردَّ كلَّ نفسٍ ... هَمَّتْ عن الجسم بالبعاد أُقسمُ أَنْ لو طببتَ دهراً ... لعادَ كوناً بلا فسادِ ورأيت من كلامه في خطبة ديوان الصالح بن رزيك: هو الوزير الكافي والوزير الكافل، والملك الذي تلقى بذكره الكتائب، وتهزم باسمه الجحافل، ومن جدد رسوم المملكة، وقد كاد يخفيها دثورها، وعاد به إليها ضياؤها ونورها: وقد خَفِيَتْ من قبله معجزاتُها ... فأَظهرها حتى أَقرَّ كَفُورُهَا أَعَدْتَ إلى جسمِ الوزارة روحَهُ ... وما كان يُرْجَى بعثُها ونُشُورُها أقامتْ زماناً عند غيرك طامثاً ... وهذا أوانُ قُرْئها وطَهُورها من العدلِ أَن يحيا بها مُسْتَحِقُّها ... ويخلعها مردودةً مُسْتَعيرها إذا خطبَ الحسناءَ من ليس أَهلَهَا ... أشارَ عليه بالطلاق مُشِيرُهَا فقد نشرت أيامه مطوي الهمم، وأنشرت رفات الجود والكرم، ونفقت بدولته سوق الآداب بعد ما كسدت، وهبت ريح الفضل بعد ما ركدت. إذا لها الملوك بالقيان والمعازف، كان لهوه بالعلوم والمعارف، وإن عمروا أوقاتهم بالخمر والقمر، كانت أوقاته معمورةً بالنهي والأمر: مليكٌ، إذَا أَلْهَى الملوكَ عن اللُّهَا ... خُمَارٌ، وخمرٌ، هاجَر الدَّلَّ والدَّنّا ولم تُنْسه الأوتادَ أَوتار قينةٍ ... إِذا ما دعاه السيفُ لم يَثْنِهِ المَثْنَى ولو جادَ بالدنيا وعادَ بضعفها ... لظنَّ من استصغاره أَنه ضَنَّا ولا عيبَ في إِنعامه غيرَ أنّهُ ... إذا مَنَّ لم يُتْبِعْ مواهِبَهُ مَنَّا ولا طعنَ في إقدامه غيرَ أنه ... لَبُوسٌ إلى حاجاته الضربَ والطَّعْنَا لا شك أن هذه الأبيات لغيره. ومن أبياته في الغزل: ربَّ بيضٍ سللن باللحظ بيضاً ... مرهفاتٍ جفونُهُنَّ الجفونُ وخدودٍ للدمعِ فيها خدودٌ ... وعيونٍ قد فاض منها عيونُ وله: تُرَى أَخْلَسَتْ فيه الفَلاَ بعضَ رَيَّاها ... ففاتَ فتيتَ المسكِ نشْرُ خُزَامَاها أَلَمَّتْ بنا والليلُ يُزْهَى بلمة ... دجوجيَّةٍ لم يكتحلْ بعدُ فَوْدَاها فأشرقَ ضوءُ الصبحِ وهْو جبينها ... وفاحتْ أزاهيرُ الرُّبا وهْيَ ريَّاها إذا ما اجتنتْ من وجهها العينُ روضةً ... سَفَحْتُ خلالَ الروض بالدمع أمواها وإني لأَستسقي السحابَ لربعها ... وإن لم تكن إلا ضلوعيَ مأْوَاها إذا استعرتْ نارُ الأسى بين أضلعي ... نضحتُ على حرِّ الحشا بردَ ذكراها وما بيَ أَنْ يَصْلَى الفؤادُ بحرِّهَا ... ويُضْرَمَ لولا أَنَّ في القلب مأواها وله في غلام تركي: ظبيٌ من الأَتراكِ أَجفانُهُ ... تسطو على الرامحِ والنابلِ

стр. 614

سيان منه إنْ رَمَى أَو رَنَا ... ليس من السهمين من وائل يفرُّ منه القِرْنُ خوفاً كما ... يفرُّ ظبيُ القاعِ من حابلِ يا ويحَ أعدائك ما هالَهُمْ ... من غُصُنٍ فوقَ نقاً هائل لا تَفْرَقُوا صَوْلَةَ نُشَّابِهِ ... فربَّ سَهْمٍ ليس بالقاتل وحاذروا أًسْهُمَ أَجفانه ... فسحرُ ذا النابلِ من بابل وله في النرجس: وَفَدَ الربيعُ على العيونِ بنرجسٍ ... يحكي العيونَ فقد حباها نَفْسها علقَتْ على استحسانِه أبصارُنَا ... شغفاً إِذِ الأَشياءُ تعشقُ جنسها يلهِي ويُؤْنِسُ مَنْ جفاهُ خليلهُ ... كم مِنَّةٍ في أُنْسِهِ لم أَنْسَها فارضَ الرياض بزورةٍ تلهو بها ... واحْثُثْ على حَدَقِ الحدائقِ عَكْسَها وله: زارَ وجنح الليلِ مُحْلَوْلِكٌ ... داجٍ فحيَّاه مُحَيّاهُ مُلْتَثِماً يُبْدِيه لألآؤُهُ ... والبدرُ لا يكتمُ مَسْرَاهُ نمَّ عليه طِيبُ أَنْفَاسِهِ ... كما وَشَى بالمِسْكِ رَيَّاهُ وله: قد طُرِّزَتْ وَجَنَاتُهُ بعذارِهِ ... فكساه روضُ الْحُزْنِ من أَزْهَارِهِ وتآَلَّفَتْ أضداده فالماءُ في ... خَدَّيْهِ لا يُطْفِي تَلَهُّبَ نَارِهِ وحكيتُهُ فمدامعي تَهْمِي على ... نارِ الحَشَا وتزيد في استسعارِهِ ومنها: وإِذا بدا فالقلبُ مشغولٌ بهِ ... وإِذا انثنى فالطرفُ في آثاره متى أُعانُ على هواه بنَصْرَةٍ ... وجوانحي للحَيْنِ من أَنْصَارِه وله من قصيدة: وكم طامحِ الآمال همَّ فقصَّرَتْ ... خُطَاهُ به إن العلا صَعْبَةُ المَرْقَى وظنَّ بأن البُخْلَ أَبقى لوَفْرِهِ ... ولو أَنه يدري لكانَ النَّدَى أَبْقَى ظهرتَ فكنتَ الشمسَ جلَّى ضياؤُها ... حنادسَ شِرْكٍ كان قد طَبَّقَ الأفْقَا علوتَ كما تعلو، وأشرقتَ مثلما ... تضيءُ، ونرجو أَنْ ستبقى كما تبقى وهُنِّئَتِ الأَعيادُ منك بماجدٍ ... تباهتْ به العَلْيا، وهامتْ به عِشْقا مواسمُ قد جاءَتْ تباعاً كأنما ... ترى الفجرَ في لُقْيَاكَ يا خيرَ من يُلْقَى توالتْ بدارٍ تعتفيكَ كأَنَّما ... ترومُ لفرط الشوق أن تُحْرِزَ السبقا وكان لها الأَضحى إماماً أَمَامَها ... فأرهقه النوروزُ يَمْنَعُهُ الرفقا وكم همَّ أنْ يعدو مراراً فَرُعْتَهُ ... فأَبقى، ولولا فَرْقُ بأَسِكَ ما أبقى أَبى اللهُ في عصرٍ تكونُ عميدَهُ ... وسائسَهُ أن يسبق الباطلُ الحقَّا فجاءَك هذا سابقٌ جالَ بَعْدَهُ ... مُصَلٍ وكانا للذي تبتغي وفْقَا وأعقبه عيدُ الغديرِ فلم نَخَلْ ... لِقُرْبِ التداني أَنَّ بينهما فَرْقَا وقوله: خُذْهَا إِليكَ بماءِ الطبعِ قد شَرِقَتْ ... لو مازجَ البحرَ منها لفظة عَذُبَا جوَّالةٌ بنواحي الأَرضِ مُمْعِنَةٌ ... في السير لا تشتكي أَيْناً ولا نَصَبَا ألفاظُها الدُّر تحقيقاً ومن عَجَبٍ ... تُمْلِي على البحرِ درَّ البحر مُجْتَلَبَا وقوله من قصيدة أولها: دعِ البينَ تحدونا حثاثُ ركابه ... فغيريَ من يشجوه صوتُ غرابِهِ سأركبُ ظهرَ العزْمِ أو أَرْجِعَ المنى ... برجعةِ موفورِ الرجاءِ مُثَابِهِ فإمَّا حياةٌ يسحبُ المرءُ فوقَها ... ذيولَ الغنى والعزِّ بين صحابه وإِما مماتٌ في العُلا يتركُ الفتى ... يقالُ ألا للهِ درُّ مُصَابِه ومنها: وأروعَ يشكو الجودَ طولَ ثَوَائِهِ ... لديه، ويشكو المالُ طول اغترابِهِ

стр. 615

تَصُدُّ الملوكُ الصيدُ عن قصدِ أَرْضه ... فَيَرْجعُهَأ محروبةً بحرابه ويَعْطِفُهَا ميلَ الرِّقَابِ مهابةً ... ولم تكتحل أَجفانُهُ بترابهِ وأَغْزُو بأبكارِ القصائدِ وَفْرَهُ ... فأرجعُ قد فازتْ يَدِي بنِهَابِه وقوله: أما وجيادِك الجُرْدِ العَوَادي ... لقد شَقِيَتْ بِعَزْمَتِكَ الأَعادي رأَوا أَن الصعيدَ لهم ملاذٌ ... فلم يُحْمَ الصعيدُ من الصِّعَادِ ورامُوا من يَدَيْكَ قِرىً عتيداً ... فأَهْدَيْتَ الحُتوفَ على الهوادي وقوله وقد جمع ثمان تشبيهات في بيت واحد: بدا وأَرانا منظراً جامعاً لِمَا ... تفرَّقَ من حُسْنٍ على الخلق مُونِقا أَقاحاً وراحاً تحت وردٍ ونرجسٍ ... وليلاً وصُبْحاً فوق غصن على نَقَا وقوله يصف الخمر: معتقةٌ قد طالَ في الدنِّ حَبْسُهَا ... ولم يَدْعُهَا شُرَّابُها بنتَ عامها وقد أشبهتْ نارَ الخيلِ لأَنها ... حكتا لنا في بَرْدِها وسَلاَمِها وذكر ابن الزبير في كتابه أنه كتب إليه مع طيبٍ أهداه: بعثتُ عِشاءً إلى سيدي ... بما هو مِن خُلْقهِ مُقْتَبَسْ هديةَ كلِّ صحيحِ الإِخاءِ ... جرى منه وُدُّكَ مجرَى النَّفَس فَجُدْ بالقَبولِ وأَيقِنْ بأنَّ ... لفَرْطِ الحياء أتَتْ في الغَلَس وله يصف خيلاً: جنائبُ: إنْ قِيدَتْ فأُسْدٌ، وإن عَدَتْ ... بأبطالها فَهْيَ الصَّبَا والجَنَائبُ أثارتْ بأكنافِ المُصَلَّى عجاجةً ... دَجَتْ وَبَدَتْ للبيضِ منها كواكب وله يهجو: وكم في زَبيدٍ من فقيه مُصَدَّرٍ ... وفي صَدْرِه بحرٌ من الجهل مُزْبِدُ إذا ذابَ جسمي من حَرُورِ بلادكم ... عَلِقْتُ على أَشعارِكم أَتَبَرَّدُ وله يصف معركة: تكادُ من النقعِ المثارِ كُمَاتُها ... تَنَاكَرُ أحياناً وإِن قَرُبَ النَّحْرُ عجاجٌ يظلُّ الملتقى منه في دُجىً ... وإن لمعَتْ أسيافُه طَلَعَ الفجر وخيل يلف النشْرَ بالتربِ عَدْوُهَا ... وقتلَى يعافُ الأكلَ من هامِها النسر ومن شعره يرثي بعض أهله: ما كان مِثْلَكَ من تغتالُهُ الغِيَرُ ... لو كان ينفع من ضَرْبِ الرَّدَى الحَذَرُ ومنها: قد أَعلن الدهرُ، لكن غالنا صَمَمٌ ... عنه، وأنذرنا، لو أَغْنَتِ النُّذُرُ يَغُرُّنا أَمَلُ الدنيا ويخدعنا ... إن الغُرور بأَطماعِ المُنَى غَرَرُ ومنها: قد كان أنفسَ ما ضنَّتْ يداهُ بهِ ... لو كان يعلمُ ما يأتي وما يَذَرُ أغالبُ القولَ مجهوداً وأيسرُ ما ... لَقِيتُه مِن أَذاه العِيُّ والحَصَرُ وقال يرثي أباه، ومات غريقاً في البحر لريح عصفت: وكنتُ أُهدِي مع الريح السلامَ لهُ ... ما هبت الريحُ في صُبْحٍ وإمساءِ إحدى ثقاتي عليه كنتُ أَحسبُها ... ولم أَخَلْ أنها من بعضِ أعدائي ومن شعره في العتاب والاستبطاء والشكوى قوله: كم من غريبةِ حكمةٍ زارَتْكَ مِن ... فكري فما أَحْسَنْتَ قطُّ ثَوَابَها جاءَتْكَ ما طَرَقَتْ وفودُ جَمَالِها ال ... أَسماعَ إِلاّ فُتِّحَت أَبوابُها فَتَنَتْكَ إِعجاباً فحين هَمَمْتَ أَنْ ... تَحْبو سويداءَ الفؤادِ صَوابَها وافَتْكَ من حَسدٍ وساوسُ حكمةٍ ... جعلت لعينك كالمشيب شبابها فَثَنَيْتَ طَرْفَكَ خاشياً لا زاهداً ... ورددتها تشكو إِليَّ مآبها وأَراكَ كالعنِّينِ همَّ بكاعبٍ ... بِكْرٍ وأعجزه النكاحُ فعابَها وله في الغزل: أُشَجِّعُ النفسَ على حربكم ... تقاضياً والسلمُ يَزْويِها أسومها الصبرَ وأَلحاظكم ... قد جَعَلَتْها من مراميها

стр. 616

وكيفَ بالصبرِ على أَسْهُمٍ ... نَصَّلَها بالجمْرِ راميها القاضي الرشيد أحمد بن علي بن الزبير من أهل أسواق الساكن بمصر كان ذا علمٍ غزيرٍ، وفضلٍ كثيرٍ. أنشدني الأمير نجم الدين بن مصال بن سليم بن مصال له، ونحن في المخيم الملكي الناصري بظاهر بعلبك في ثاني رمضان سنة سبعين وخمسمائة، من قصيدة: إِذا ما نَبَتْ بالحُرِّ دارٌ يَوَدُّها ... ولم يرتحلْ عنها فليس بذي حَزْمِ وَهَبْهُ بها صَبّاً أَلم يَدْرِ أنها ... سيزعجه منها الحِمَامُ على رغْمِ ولولا الأجلُّ الكاملُ المَلْكُ أَرْقَلَتْ ... بيَ العيسُ في البيداءِ والسفْنُ في اليَمِّ ولم تكنِ الدنيا تضيقُ على فتىً ... يرى الموتَ خيراً من مقامٍ على هَضْم لم يعمل بشعره، ولم يرحل من ضره، وهذا ممدوحه الكامل ولد شاور الذي لم ينج من شره، فغن شاور قتله صبراً في سنة اثنتين وستين ونسب إليه أنه شارك أسد الدين شيركوه في قصده، فكافأه مكافأة التمساح وجعل قتله له مقام رفده. وله الرسالة التي أودعها من كل علم مشكلة، ومن كل فنٍ أفضله. ذكره لي محمد بن عيسى اليمني ببغداد سنة إحدى وخمسين وقال: وفد اليمن رسولاً وأقام بها سنتين قال: وهو أستاذي في علم الهندسة. وأنشدني لنفسه باليمن: لئن خاب ظني في رجائك بعد ما ... ظننتُ بأني قد ظفرتُ بمنصفِ فإنَّكَ قد قلَّدْتني كلَّ مِنَّةٍ ... ملكتَ بها شُكرِي لدى كلِّ موْقِفِ لأنّكَ قد حَذَّرتني كلَّ صاحبٍ ... وأعلمتني أنْ ليْسَ في الأرض من يفي وأنشدني الشريف إدريس الإدريسي الحسني بدمشق سنة إحدى وسبعين للقاضي الرشيد بن الزبير في مدح الصالح بن رزيك من قصيدة أولها: ما للغصون تميدُ سكرا ... هل سُقِّيَتْ بالمُزْنِ خمرا منها في المدح: جاري الملوكَ إلى العلا ... لكنهمْ ناموا وأَسْرَى سائلْ به عَصبَ النفا ... ق غداةَ كان الأَمرُ إمْرا أيامَ أضحى النكرُ معروفاً ... وأمسى العُرْفُ نكرا ومنها: قسماً بمن طافَ الحجيج ... ببيته شُعْثاً وغُبرا لولا طلائعُ لم نكنْ ... نرجو لمَيْتِ الدينِ نَشْرا وأنشدني ابن أخته القاضي محمد بن القاضي محمد بن إبراهيم المعروف بابن الداعي من أسوان وقد وفدت إلى دمشق سنة إحدى وسبعين قال: أنشدني خالي الرشيد ابن الزبير لنفسه من قصيدة: تواصَى على ظلمي الأنامُ بأَسْرِهِمْ ... وأَظْلَمُ من لاقيتُ أَهلي وجيراني لكل امرىءٍ شيطانُ جِنٍ يَكيدُهُ ... بسوءٍ ولي دون الورى أَلْفُ شَيْطانِ وقد صنف كتاب جنان الجنان ورياض الأذهان، وذيل به اليتيمة، وطالعت منه جزءاً، ذكر فيه شعراً. ولده علي بن أحمد بن الزبير رأيته في الحضرة السلطانية في القاهرة سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة وقد وقف ينشد الملك الناصر قصيدة قد اتخذها لقصده ذريعة وجر بها وفود النجح إلى آماله في تلك الشريعة شريعة، وكشفت بحواره حوار أدبه، وفصمت بسراره سوار أربه، فما أحاطت معرفتي له بمعرفة، ولا حصل لي من قدر قدره مرق رمقٍ في مغرفة. لكنني لكونه ولد ذاك الكبير، أوردت من القصيدة التي أحضرها أبياتاً تناسب عرف العبير. مطلعها: شيَّدْتَ بالبيضِ والعسَّالةِ الذُّبُلِ ... مجداً أنافَ على النَّسْرَيْن والحَمَلِ ومنها: تَخْضَرُّ أكناف أَرضٍ إن نَزَلْتَ وإن ... نازلْتَ تَحْمَرُّ أَرضُ السهل والجبَلِ ما زلتُ أفرى دجى ليلِ التمام سُرىً ... ونورُ وجهك يَهْديني إلى السُّبُل بكل مهمهةٍ يبكي الغمامُ بها ... خوفاً ويخفق قلبُ البرق من وَجَل تخشى الرياحُ الذواري من مهالكها ... فما تهبُّ بها إلا على مهل حتى أَنَخْتُ المطايا في ذُرَى مَلِكٍ ... يبشِّرُ النجح في تأميله أَمَلي ومنها:

стр. 617

خدمتكم ليكونَ الدهرُ من خَدَمِي ... فما أَحَالَهُ عن حالاته الأُوَلِ إنْ لم تَكُنْ بكمُ حالِي مُبَدَّلَةً ... فما انتفاعي بعلم الحالِ والبَدَلِ المهذب أبو محمد الحسن بن علي بن الزبير هو أخو الرشيد، محكم الشعر كالبناء المشيد، وهو أشعر من أخيه، وأعرف بصناعته وإحكام معانيه. توفي قبل أخيه بسنة، لم يكن في زماتنه أشعر منه أحد وله شعر كثير، ومحلٌ في الفضل أثير. أنشدني له نجم الدين بن مصال ببعلبك في رمضان سنة سبعين من قصيدة في الصالح بن رزيك يعرض بشاعره المعروف بالمفيد: لقد شكَّ طرفي والركائبُ جُنَّحُ ... أأنت أم الشمسُ المنيرة أمْلَحُ ومنها في الغزل: يَظلُّ جَنَى العُنَّابِ في صحنِ خدِّهِ ... عن الوردِ ماءَ النرجِسِ الغضِّ يَمْسَحُ ومنها: فيا شاعراً قد أَلفَ قصيدةٍ ... ولكنها من بيته ليس تَبْرَحُ ليهنِكَ لا هُنِّئْتَ أنّ قصائدي ... مع النجم تسري أو مع الريح تَسْرَحُ أنشدني زين الحاج أبو القاسم قال: أرسلني نور الدين إلى مصر في زمان الصالح بن رزيك فلقيت المهذب بن الزبير فأنشدني لنفسه: وشادنٍ ما مثله في الجنانْ ... قد فاق في الحسن جميع الحسانْ لم أَرَ إلا عينه جعبةً ... للسيف والنصلِ وحَدِّ السِّنانْ ووجدت في بعض الكتب له من قصيدة في مدح الصالح طلائع بن رزيك بمصر: وتلقى الدهرَ منه بليث غابٍ ... غَدَتْ سمرُ الرماح له عَرِينا تخالُ سيوفَه إمَّا انتضاها ... جداولَ والرماحَ لها غصونا وتحسبُ خيلَهُ عِقْبانَ دَجنٍ ... يَرُحْنَ مع الظلام ويغتدينا إِذا قَدَحَتْ بجنح الليل أوْرَتْ ... سناً يُعْشي عيونَ الناظرينا وإن جَنَحَتْ مع الإصباح عَدْواً ... أَثارَتْ للعجاجِ به دُجُونا كأنّ الشمس حين تُثير نقعاً ... تحاذرُ من سطاهُ أن تبينا وما كُسِفَتْ بدورُ الأُفْقِ إلاّ ... مخافةَ أن يُحَطِّمَها مُبينا وما تندقُّ يومَ الرّوْعِ حتى ... يَدُقَّ بها الكواهلَ والمتونا عجبتُ لها تصافحُ مِنْ يَدَيهِ ... وتوصَفُ بالظَّمَا بحراً مَعِينا ويورِدُها ولا يُخْطِي برأْيٍ ... نِطافاً من دروعِ الدارعينا وهل يَشْفَى لها أبداً غليلٌ ... وقد شَرِبَتْ دماءَ الكافرينا إذا لَقِيَتْ عيونَ الروم زُرْقاً ... حسبْتَ نِصالَها تلك العيونا وقائعُ في العُداةِ له تُبَارى ... صنائعَ في العُفاة المجتدينا وإرغامٌ به أبكى عيوناً ... وإنعامٌ أَقَرَّ به عيونا وله فيه قصيدة: أَقْصِر فَدَيْتُكَ عن لَوْمي وعن عَذَلي ... أوْ لا فخذ لي أماناً من يد المقلِ من كلِّ طَرْفٍ مريض الجفنِ تنشدنا ... ألحاظُه رُبَّ رامٍ من بني ثُعَل إنْ كان فيه لنا وهْو السقيمُ شِفاً ... فربما صحَّتِ الأجسامُ بالعِلَل إن الذي في جفونِ البيضِ إذ نَظَرَتْ ... نظيرُ ما في جفون البيض والخِلَل كذاك لم يشتبه في القول لفظهما ... إلا كما اشتبها في الفعل والعمل وقد وقفتُ على الأطلال أحسبها ... جسمي الذي بعدَ بُعْدِ الظاعنين بُلِي أَبكي على الرسم في رسم الديار فهلْ ... عجبتَ من طَلَلٍ يبكي على طلل وكلّ بيضاءَ لو مَسَّت أَناملُها ... قميصَ يوسفَ يوماً قُدَّ من قُبُل يُغني عن الدُّرِّ والياقوت مَبْسِمُها ... لِحُسْنِها فلها حَلْيٌ من العَطَل بالخدِّ مِنِّيَ آثارُ الدموع كما ... لها على الخدِّ آثارٌ من القُبَل كأنّ في سيفِ سيفِ الدين من خَجَلٍ ... من عزمه ما به من حُمْرة الخجل

стр. 618

هو الحسامُ الذي يسمو بحاملهِ ... زهواً فيفتكُ بالأسياف والدول إذا بدا عارياً من غِمدِهِ خَلَعَتْ ... غِمْدَ الدماءِ عليهِ هامةُ البطل وإن تقلَّدَ بحراً من أَناملهِ ... رأَيتَ كيف اقترانُ الرزقِ بالأجل من السيوفِ التي لاحتْ بوارقُها ... في أَنْمُلٍ هي سُحْبُ العارضِ الهَطِل فجاءنا لبني رُزِّيكَ مُعْجِزُها ... بآيةٍ لم تكن في الأعْصُرِ الأُوَلِ تبدو شموساً همُ أقمارُها وتَرَى ... شُهْبَ القَنَا في سماءِ النقع لم تَفِل قد غايَرَت فيهمُ السمرَ الرقاقَ رقا ... قُ البيض خلفَ سُجوف النقع في الكلَل إن عانقوا هذه في يوم معركةٍ ... لاحتْ لهم بتلظّي تلك كالشُّعَل وقد لقوا كلَّ من غاروا بمُشْبِهِه ... حتى لقوا النُّجْلَ عند العَرْضِ بالنُّجُلِ وضارب الرومَ رومٌ من سيوفهمُ ... وطاعَنَ العُرْبَ أَعْرابٌ من الأَسَلِ وهزَّهم لصهيل الخيل تحت صهيل ... البيضِ ما هزَّ أعطاف القَنَا الخَطِل فالدمُ خَمْرٌ وأصواتُ الجيادِ لهمْ ... أصوات مَعْبَد في الأَهزاج والرَّمَل والخيلُ قد أَطرَبَتْها مثلما طربوا ... أفعالُهمْ، فهي تمشي مِشْيَةَ الثَّمِل من كل أجردَ مختالٍ بفارسِهِ ... إلى الطِّعان جريحِ الصَّدْرِ والكَفَل وكلِّ سَلْهَبَةٍ للريح نِسْبتُها ... لكنها لو بَغَتْها الريح لم تُنَل أَفارسَ المسلمين اسمعْ فلا سَمِعَتْ ... عِدَاك غيرَ صليل البيض في القُلَل مقالَ ناءٍ غريبِ الدار قد عدم ال ... أَنصارَ لولاك لم يَنْطِق ولم يَقُل يشكو مصائبَ أَيامٍ قد اتسعتْ ... فضاقَ منها عليهِ أوسعُ السُّبُل يرجوكَ في دفعها بعد الإله وقد ... يُرْجَى الجليلُ لدفع الحادث الجَلَل وكيفَ أَلقى من الأيام مَرْزِئَةً ... جَلَّتْ ولي من بني رزِّيك كلُّ وَلي لولاهمُ كنتُ أَفري الحادثات، إذا ... نابت، بنهضة ماضي العزم مُرْتجل وكيف أخلع ثوبَ الذلِّ حيث كَفِيلُ ... الحرِّ بالعزِّ وَخْدُ الأيْنُقِ الذُّلُلِ فما تخافُ الردى نفسي وكم رضيَتْ ... بالعجز خوفَ الردى نفسٌ فلم تُبَل إِني امرؤٌ قد قتلتُ الدهر معرفةً ... فما أَبيتُ على يأْسٍ ولا أَمَل إِن يُرْوِ ماءُ الصِّبا عودي فقد عَجَمَتْ ... مني طَروقُ الليالي عُودَ مُكْتَهِل تجاوزتْ بي مَدَى الأشياخِ تجربتي ... قِدْماً وما جاوزتْ بي سنَّ مُقْتَبِل وأولُ العمر خيرٌ من أواخره ... وأين ضَوْءُ الضحى من ظلمة الأُصُل دوني الذي ظنَّ أني دونَه فلهُ ... تعاظمٌ لينال المجد بالحِيَلِ والبدرُ تَعْظم في الأبصار صورتهُ ... ظنّاً ويَصْغُرُ في الأفهام عَنْ زُحَلِ ما ضرَّ شِعْرِيَ أني ما سَبَقْتُ إلى ... أَجابَ دمعي وما الداعي سوى طلل فإن مدحي لسيف الدّين تاهَ بهِ ... زَهْواً على مَدْحِ سَيْف الدّولة البَطَل للشعراء المهذبين المذهبين امذهب، على هذا الوزن المعجز المعجب، قصائد، فرائد، قلائد. وهذا مهذب مذهبهم إذ هو وحيد العصر، مجيد النظم والنثر. واستعرت من الأمير عز الدين حسام جزءاً فيه قصيدة بخط المهذب بن الزبير مدح بها الصالح بن رزيك سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة ويصف أسطوله ونصرته في البحر على الروم: أَعَلِمتَ حين تجاورَ الحيانِ ... أَنَّ القلوبَ مواقدُ النيران وعرفْتَ أَنَّ صدورنا قد أَصبحتْ ... في القومِ وهْيَ مَرابضُ الغزْلان

стр. 619

وعيوننا عِوَضَ العيون أَمَدَّها ... ما غادروا فيها من الغُدْران ما الوَخْدُ هزَّ قِبَابهم بل هَزَّها ... قلبي عشيةَ سار في الأَظعان وبمهجتي قمرٌ إذا ما لاح للسّاري ... تضاءَلَ دونه القَمَران قد بانَ للعشاق أَنَّ قَوامَهُ ... سَرَقَت شمائِلَهُ غصونُ البان وأراك غصناً في النعيم تميل إِذا ... غُصْنُ الأَراك يميدُ في نَعْمَانِ للرمح نصلٌ واحد ولقَدِّهِ ... من ناظريه إِذا رَنَا نَصْلانِ والسيفُ ليس له سوى جَفْنٍ وقد ... أَضحى لصارم طَرْفه جَفْنَأنِ والسهمُ تكفي القوسُ فيه وقد غدا ... من حاجبيه للحظهِ قوسان ولربَّ ليلٍ خلتُ خاطفَ بَرْقهِ ... ناراً تَلَفَّعُ للدُّجَى بدخان كالمائلِ الوسنان من طول السُّرَى ... جَوْزاؤهُ، والراقصِ السكران ما بانَ فيه من ثُرَيَّاهُ سوى ... إِعجامِها والدَّالُ في الدَّبَران وترى المجرةَ في النجوم كأَنَّها ... تَسْقِي الرياضَ بجدولٍ ملآن لو لم يكنْ نهراً لما عامت به ... أبداً نجومُ الحوت والسرطان نادمتُ فيه الفرقدين كأنني ... دون الورى وجَذيمةً أَخَوَان وترفعتْ هِمَمِ فما أَرْضَى سوى ... شُهْبِ الدجى عِوَضاً من الخلاَّن وأَنِفْتُ حين فُجعت بالأَحبابِ أن ... أَلْهُو عن الإخوان بالخَوَّان واعتضتُ من جود الوزير مواهباً ... أَسْلَتْ عن الأَوطارِ والأَوطان ومنها يحثه على قصد شام الفرنج: يا كاسرَ الأصنام قُمْ فانهض بنا ... حتى تصيرَ مُكَسِّرَ الصُّلبان فالشامُ مُلككَ قد ورثت تُرَاثَهُ ... عن قَوْمِك الماضين من غَسَّان فإذا شككتَ بأنها أَوطانُهُمْ ... قدماً فسل عن حادثِ الجَوْلانِ أَوْ رُمْتَ أن تتلو محاسِنَ ذكرهم ... فاسندْ روايتها إلى حَسَّان منها في وصف الزلزلة: ما زلزلتْ أرضُ العِدا بل ذاك ما ... بقلوبِ أَهليها من الخَفَقَان وأَقولُ إنَّ حصونهم سجدتْ لِما ... أُوتيت من مُلْكٍ ومِنْ سلطان والناسُ أَجدرُ بالسجود إذا غدا ... لعُلاكَ يسجدُ شامخُ البُنْيَان ولقد بعثتَ إلى الفرنج كتائباً ... كالأُسْدِ حين تصولُ في خَفَّان لَبسوا الدروع ولم نَخَل مِنْ قَبْلِهِمْ ... أَنَّ البحار تَحُلُّ في غُدْران وتيمَّموا أرضَ العدو بقَفْرَةٍ ... جرداءَ خاليةٍ من السكان عشرين يوماً في المُغَار وليلةً ... يَسْرونَ تحت كواكبِ الخِرْصَأن حتى إِذا قطعوا الجفارَ بجحفل ... هو في العديد ورمٍلُهُ سِيَّانِ أغريتهمْ بحمى العِدَا فجعلْتَهُ ... بسطَاكَ بعد العزِّ دارَ هوان عَجَّلْتَ في تلك العجول قِراهُمُ ... وهمُ لك الضيفانُ بالذِّيفَان لما أَبَوْا ما في الجفان قَرَيْتَهُمْ ... بصوارمٍ سُلَّتْ من الأَجفان وثللتَ في يوم العريش عًروشَهُمْ ... بشَبَا ضِرابٍ صادقٍ وطعان أَلجأْتَهُمْ للبحر لما أَنْ جَرَى ... مِنْهُ ومن دمهمْ معاً بَحْرَان مُدِحَ الورى بالبأسِ إِذْ خضبوا الظُّبَ ... في يومِ حربهمُ من الأَقران ولأَنتَ تخضب كلَّ بحرٍ زاخرٍ ... ممن تحاربُ بالنَّجِيعِ القاني حتى ترى دمهمْ وخضرةَ مائه ... كشقائقٍ نُثِرَتْ على الرَّيْحَان في وصف الأسطول:

стр. 620

وكأنَّ بحرَ الرُّوم خُلِّقَ وَجْهُهُ ... وطَفَتْ عليه منابتُ المَرْجَان ولقد أتى الأسطولُ حين غزا بما ... لم يأتِ في حينٍ من الأحيان أَحْبِبْ إليَّ بها شوانِيَ أَصْبَحَتْ ... من فتكها ولها العُدَأةُ شواني شُبِّهْنَ بالغربانِ في ألوانها ... وفعلن فعل كواسر العْقبان أوقرْتَها عُدَدَ القتالِ فقد غَدَتْ ... فيها القَنَا عِوضاً من الأَشْطَان فأتتكَ مُوقَرَةً بسبيٍ بينه ... أَسْرَاهُمُ مغلولةَ الأذقان حربٌ عَوَانٌ حَكَّمَتْكَ من العدا ... في كلِّ بكرٍ عندهمْ وعَوَان وأعدتَ رُسْلَ ابنِ القسيم إِليه في ... شعبانَ كي يتلاءَمَ الشعبان والفالُ يشهد باسمه أَن سوف يغدو ... الشامُ وهو عليكما قِسْمَانِ منها في مدح نور الدين: وأَراكَ من بعد الشهيدِ أباً له ... وجعلتَه من أَقربِ الإِخوان وهو الذي ما زال يفْعَلُ في العدا ... ما لم يكنْ لِيُعَدُّ في الإمكان ومنها في وصف قتله البرنس ويصف رأسه على الرمح بمعنى بديع: قَتَلَ البِرِنْسَ ومن عَسَاهُ أَعانه ... لما عَتَا في البغي والعُدْوان وأرى البريَّةَ حين عادَ برأسه ... مُرَّ الجَنَى يبدو على المُرَّان وتعجبوا من زقةٍ في طرفه ... وكأنَّ فوق الرمح نصلاً ثاني فليهنه أَنْ فازَ منك بسيدٍ ... أَوْفَى برتبته على كيوان قد صاغَ من أَرماحه لمسامع الأ ... ملاك أقراطاً من الخِرْصَانِ والخيلُ تعلمُ في الكريهةِ أَنَّه ... قد حط هيكلها على الفرسان عَجَباً لجودِ يديه إِذْ يبني العلا ... والسيلُ يَهْدِمُ ثابتَ الأَرْكَانِ ومنها يصف شعر الصالح: وَلَنَارُ فظنته تُرِيكَ لشعره ... عذباً يُرَوِّي غُلَّةَ الظمآن وعقودَ درٍ لو تجسَّمَ لفظها ... ما رُصِّعَتْ إلا على التيجان وتنزهتْ عن أن تُرَى أَفْرَادُهَا ... لمواضعِ الأَقراط والآذان من كل رائقةِ الجمال زَهَتْ بها ... بين القصائدِ عِزَّةُ السلطان سيارةٌ في الأرض لا يعتاقها ... في سيرها قَيْدٌ من الأَوْزَأن يا مُنْعِماً ما للثناء ولو غلا ... يوماً بما تُولي يداهُ يَدَان قَلَّدْتَ أَعناقَ البرية كلَّهَا ... مِنَناً تحمَّلَ ثِقْلَهَا الثَّقَلاَن حتى تَسَاوَى الناسُ فيكَ أصْبَح ... القاصي بمنزلةِ القريب الدَّاني ورحِمْتَ أَهْلَ العجز منهمْ مثلما ... أصبحتَ تَغْفِرُ للمسيءِ الجانِي وأنشدني الشريف إدريس الحسني للمهذب بن الزبير من قصيدة في مدح ابن رزيك أيضاً أولها: أَمَجْلِسٌ في محلِّ العِزِّ أَمْ فَلَكُ ... هذا وهل مَلِكٌ في الدَّسْتِ أَم مَلَكُ منها في المدح: أغنى عيانُ معانيه النواظرَ عن ... قولٍ يُلَفَّقُ في قومٍ ويُؤتَفَكُ يا واحدَ الدهر لا ردٌّ عليَّ إذا ... ما قلتُ ذلك في قولي ولا دَرَك ما كان بعدَ أمير المؤمنين فتىً ... فيه الشجاعة إلا أنت النُّسُكُ فالفعلُ منه ومنك اليوم مُتَّفِقٌ ... والنعتُ منه ومنك اليومَ مُشْتَرَك يُدْعَى بصالح أهل الدين كلِّهِمُ ... وأنت صالحُ من بالدين يَمْتَسِك لم ترضَ أَسماءَ قومٍ أصبحوا رِمماً ... كأَنَّ أَلْقَابَهُمْ من بعدهم تُرُكُ ومنها: وَافَى فأَرْدَى رجالاً بعد ما نَعِموا ... دَهْراً وأَحيا رجالاً بعد ما هَلَكوا

стр. 621

ليس في هذا البيت مدح ولا ذم، ولا له في الثناء والإطراءِ سهم، فإنه كما أحسن بالإحياء، أَساءَ بالإِرداء، فكفر بهلاك أولئك حياة هؤلاء، ولو قال: أردى لئاماً بعد ما نعموا، وأحيا كراماً بعد ما هلكوا، لوفى الصنعة حق التحقيق، وأهدى ثمرة المعنى على طبق التطبيق. طلعتَ والبدرَ نصف الشهر في قَرَنٍ ... فأشرقتْ بكما الأرضُونَ والفَلَكُ وأسفرَ الجوُّ حتى ظَنَّ مبصرُهُ ... بأنَّ لَمْعَ السَّنَا في أُفْقهِ ضَحِكُ يقودُ كلُّ مُجِنٍ ضِغْنَ ذي تِرَةٍ ... يكادُ من حَرِّه الماذيُّ ينْسَبِكُ حتى أعادَ بحد السيفِ مُلْك بني الزهراءِ ... واستُرْجِعَ الحقُّ الذي تَركوا فلو يكونُ لهم أمثالُهُ عَضُداً ... فيما مضى ما غدت مغصوبةً فَدَكُ لقد أبطل في هذا القول المؤتفك، وغفل عن سر الشريعة في فدك، وفضل ممدوحه على السلف في الشرف، وأدت به المبالغة في الضلال إلى السرف. وأنشدني الأمير مرهف بن أسامة بن منقذ للمهذب بن الزبير من أبيات: بالله يا ريحَ الشما ... ل إذا اشتملتِ الليل بُرْدا وحملتِ من نَشْرِ الخُزَا ... مَى ما اغتدى للنَّدِ نِدَّا ونسجت في الأشجار بين ... غصونهنَّ هَوىً ووُدَّا هُبِّي على بَرَدَى عَساهُ ... يزيدُ من مَسْراك بَرْدَا أَحبابنا ما بالكُمْ ... فينا من الأَعداءِ أَعْدَى وحياةِ ودكمُ وتُرْ ... بة وَصْلِكُمْ ما خُنْتُ عهدا وأنشدني له من قصيدة أولها: رَيعَ الفؤادُ خلالَ تلك الأَرْبَعِ ... فكأنها أَولى بها من أضلعي منها في المديح في ابن رزيك الصالح وكان يغري الشعراء بعضهم بالبعض: يا أيها المَلِكُ الذي أوصافُهُ ... غُرَرٌ تجلَّتْ للزمانِ الأَسْفَعِ لا تُطْمِعِ الشعراءَ فيَّ فإنَّني ... لو شئتُ لم أجبن ولم أَتَخَشَّع إنْ لم أكن مِلْءَ العيون فإنني ... في القول يا ابن الصِّيد ملءُ المسمع فليمسكوا عني فللا أنني ... أُبْقي على عِرْضي إذنْ لم أَجْزَع وأَهَمُّ من هجوي لهم مَدْحُ الذي ... رفعَ القريضَ إلى المحلِّ الأرفع ولو انَّه نَاجى ضميريَ في الكَرَى ... طيفُ الخيال بريبةٍ لم أَهْجَع وإذا بدا لِي الهجرُ لم أَرَ شخصه ... وإذا يقالُ ليَ الخنا لم أسمع والناسُ قد علموا بأني ليس لي ... مذ كنتُ في أَعراضهم من مَطْمَع ومنها في صفة الشعر: فلأكسونّ عُلاكَ كلَّ غريبةٍ ... وَلَجَتْ بلطفٍ سَمْعَ مَنْ لم يَسْمَعِ خُتمت بما ابتُدِئَتْ به فتقابلتْ ... أطرافها بمُوشَّعٍ ومُرَصَّع والشعر ما إنْ جاء فيهِ مَطْلَعٌ ... حَسَنٌ أُضيفَ إليه حُسْنُ المَقْطَع كالوردِ: أوَّلهُ بزهرٍ مُونِقٍ ... يأتي، وآخرهُ بماءٍ مُمْتِع وأنشدني له القاضي الأشرف أبو القاسم حمزة بن القاضي السعيد بن عثمان، قال أنشدني والدي علي بن عثمان المخزومي، قال أنشدني المهذب بن الزبير لنفسه في ابن شاور المعروف بالكامل: وخاصمني بدرُ السَّما فخَصَمْتُهُ ... بقوليَ، فاسمعْ ما الذي أنا قائلُ أتى في انتصاف الشهر يحكيك في البَهَا ... وفي النورِ لكن أين منك الشمائل! فقلتُ له يا بدرُ إنك ناقصٌ ... سوى ليلةٍ، والكاملُ الدهرَ كاملُ وأنشدني بعض المصريين له من قصيدة أولها: أَغارت علينا باللحاظِ عيونُ ... لها الحسنُ من خَلْف النِّقابِ كمينُ وسَلَّتْ علينا من غُمُودِ جفونِها ... كذلك أسماءُ الغُمودِ جُفُونُ ومنها: أَعِرْ نظمَ شعري منك عَيْناً بصيرةً ... ففي طيِّهِ للكِيمياءِ كُمُونُ

стр. 622

فقد شاركَتْنا فيه كَفُّكَ إذ غَدَتْ ... عليه لنا عند العطاءِ تُعِين تجودُ لنا بالبِرِّ ثم تردُّهُ ... لها وهْوَ دُرٌّ بالمديحِ ثمين وأنشدني له أيضاً: لقد جَرَّدَ الإسلامُ منك مهنَّداً ... حديداً شَبَاهُ لا يُداوَى له جُرْحُ إقامةُ حَدِّ الله في الخلقِ حَدُّهُ ... إِذا سَلَّهُ، والصفحُ عنهمْ له صَفْحُ وله وذي هَيَفٍ يُدعى بموسى، بطرفِهِ ... بقيةُ سحرٍ تأخذ العين والسمعا وحيَّاتُهُ أَصداغه، وعِذَارُهُ ... يُخَيِّلُ لي في وجهه أنها تَسْعَى وله في غلام له خال بين عينيه: ومهفهفٍ أَسيافُ مقلته ... أبداً تُريق من الجفون دما عيناهُ في قلبي تنازعتا ... فسوادُهُ قد ظَلَّ بينهما وله في غلام تغرغرت عيناه عند الوداع: ومرنَّح الأعطاف تحسبُ أنَّه ... رُمْحٌ ولكنْ قدَّ قلبيَ قَدُّهُ إن قلتُ إنّ الوَجْهَ منه جَنَّةٌ ... أَضحى يكذِّبني هنالك خَدُّه ولئن ترقرقَ دمعه يومَ النوى ... في الطَّرْفِ منه وما تناثرَ عِقْدُهُ فالسيفُ أقطعُ ما يكون إذا غدا ... مُتَحَيِّراً في صفحتيه فِرِنْدُه وله هُمْ نصب عيني: أنجدوا أو غاروا ... وَمُنَى فؤادي: أَنصفوا أو جاروا وهمُ مكانَ السرِّ من قلبي وإن ... بَعُدَتْ نوىً بهمُ وشَطَّ مَزَار فارقتهم وكأنهم في ناظري ... مما تُمَثِّلُهُمْ ليَ الأفكار تركوا المنازلَ والديار فما لهم ... إلا القلوب منازلٌ وديار واستوطنوا البيدَ القفارَ فأصبحتْ ... منهم ديارُ الإِنس وهْيَ قفار فلئن غَدَتْ مصرٌ فلاةً بعدهم ... فلهمْ بأجواز الفَلاَ أمصار أو جاوروا نجداً فلي من بعدهمْ ... جاران: فيضُ الدمع والتذكار أَلِفوا مواصلةَ الفلا والبيدِ مُذْ ... هجرتهمُ الأوطان والأوطار بقلائصٍ مثل الأهلَّةِ عندما ... تبدو، ولكنْ فوقها أقمار وكأنما الآفاقُ طراً أَقْسَمَتْ ... أَلاَّ يقر لهم عليه قرار والدهرُ ليلٌ مذ تناءت دارهمْ ... عنِّي، وهلْ بعد النهار نهار لي فيهمُ جارٌ يمتُّ بحرمتي ... إن كان يُحْفَظُ للقلوبِ جِوَارُ لا بل أَسِيرٌ في وَثَاقِ فائه ... لهمُ فقد قتل الوفاءَ إِسار ومنها: أمنازلَ الأحباب غيَّرَكِ البلى ... فلنا اعتبارٌ فيك واستعبار سَقْياً لدهرٍ كان منك تشابهتْ ... أَوقاتُهُ فجميعه أَسحار قَصُرَتْ ليَ الأعوامُ فيه فمذ نأَوْا ... طالتْ بي الأَيَّامُ وهي قِصَار يا دهرُ لا يَغْرُرْكَ ضَعْفُ تجلدي ... إِني على غير الهوى صَبَّار وله كأنَّ قدودهمُ أَنبتتْ ... على كُثُبِ الرَّمْلِ قُضْبَانَها حججنا بها كعبةً للسرورِ ... ترانا نُمَسِّحُ أَرْكَانَها فطوراً أعانقُ أَغصانها ... وطوراً أُنادم غزلانها على عاتقٍ إن خَبَتْ شَمْسُنَا ... فَضَضْنَا عَنِ الشمس أَدْنَانَها وإن ظهرَتْ لكَ محجوبةً ... قرأت بأَنْفِكَ عُنْوَانَها كُمَيْتٌ من الراح لكنما ... جعلنا من الروح فرسانَها إذا وجدت، حلبةٌ للسرور ... وكان مَدَى السُّكر مَيْدَانها يطوفُ بها بابليُّ الجفونِ ... تفضحُ خَداهُ ألوانها إذا ما ادَّعَتْ سَقَماً مُقْلَتَاهُ ... أَقمتُ بجسميَ بُرْهَانها بكأس إذا ما علاها المزاجُ ... أَحالَ إلى التبر مَرْجَانها

стр. 623

كأنَّ الحَبابَ وقد قُلِّدَتْهُ ... دُرٌّ يُفَصِّلُ عِقْيانها ومُسْمِعَةٍ مثل شمس الضحى ... أَضافت إلى الحسن إِحسانها وراقصةٍ رَقْصُها لِلُّحُونِ ... عَرُوضٌ تُقَيِّدُ أوزانها ولما طَوَى الليلُ ثوب النهار ... وجَرَّتْ دَيَأجيه أَرْدَانَها جلونا عرائسَ مثل اللُّجَيْنِ ... صنعنا من النار تيجانها وصاغَتْ مدامعها حِلْيَةً ... عليها تُوَشِّحُ جُثْمَانَها رماحاً من الشمع تفري الدجى ... إذا صقلَ الليلُ خُرِصانها بها ما بأفئدةِ العاشقينَ ... فليستْ تفارقُ نيرانها وقد أشبهتْ رُقَبَاءَ الحبيب ... فما يدخل الغُمْضُ أَجفانَها وفيها دليلٌ بأَنَّ النفو ... سَ تَبْقَى وتُذْهِبُ أَبْدَانَها ومن شعره ما أورده أخوه في الجنان وهو قوله: لم تنلْ بالسيوف في الحرب إِلا ... مثلما نلتَ باللواحظ مِنَّا وعيونُ الظِّبا ظُباً وبهذا ... سُمِّيَ الجفْنُ للتشابه جَفْنا وقوله: وقد أنكروا قتلي بسيف لحاظه ... ولو أنصفوني ما استطاعوا له جحدا وقالوا دع الدعْوى فما صحَّ شاهدٌ ... عليها ولسنا نقبلُ الكفَّ والخدا ولو كان حقاً ما تقولُ وتدعي ... على مقلتيه عاد نَرْجسها وردا وما علموا أن الحسامَ بِسَفْكِهِ ... دمَ القِرْنِ يوماً عُدَّ أَمْضَى الظُّبَا حَدَّا وقوله: لقد طال هذا الليل بعد فراقه ... وعهدي به لولا الفراقُ قصيرُ وكيف أُرَجِّي الصُّبْحَ بعدهُمُ وقَدْ ... تَوَلَّتْ شموسٌ منهمُ وبدور وقوله: ليت شعري كيفَ أنْتمْ بَعْدَنا ... أَترى عندكم ما عندنا بنتمُ والشوق عنَّا لم يَبِنْ ... وظعنتمْ والأَسى ما ظَعَنا ومنها: قلْ لمسرورين بالبين وقد ... شفَّنَا من أَجلهمْ ما شفنا لم يَهُنْ قطُّ علينا بُعْدُكُمْ ... مثلما هانَ عليكم بُعْدُنا ولقد كُنَّا نعزِّي النفسَ لو ... كنتمُ قبلَ التنائي مثلنا لم تُبالوا إِذْ رحلتمْ غدوةً ... أيَّ شيءٍ صَنَعَ الدهرُ بنا سهرتْ أَجْفَانُنَأ بعدكمُ ... فَكَأَنَّا ما عَرَفْنَا الوسنا لا رَأَتْ عينٌ رأتْ من بَعْدِكُمْ ... غيرَ فيضِ الدمع، شيئاً حسنا ومنها: واخدعوا العينَ بطيفٍ مثلما ... تخدعُ القلبَ أَحاديثُ المُنَى وقوله: ويا عجباً حتى النسيمُ يخونني ... ويُضرمُ نيرانَ الأسى بهبوبِهِ تُحَمِّلُهُ سَلْمَى إِلينا سَلاَمَها ... فيكتُمُهُ أَلاَّ يَضُوعَ بطيبه وقوله من قصيدة: أَترى بأيِّ وسيلةٍ أَتَوَسَّلُ ... لمْ تُجْمِلوا بي في الهوى فتجمَّلُوا أشكو وجَوْرُكُمُ يزيدُ وما الذي ... يُغني المُتَيَّمَ أَن يقول وتفعلوا إنْ أَصْبَحَتْ عيني لدمعي مَنْهَلاً ... فالعينُ في كل اللغات المَنْهَلُ وقوله في المديح من قصيدة: عَضَدْت النَّدَى بالبأسِ تُقْضي على العِدَا ... سيوفُكَ، أو تَقْضي عليكَ المكارمُ سحائبُ جودٍ في يديك تضمَّنَتْ ... صواعقَ ظَنُّوا أَنهنَّ صوارِمُ إذا ما عَصَتْ أمراً لهنَّ قلوبُهُمْ ... ضَلالاً أَطاعتْ أَمْرَهُنَّ الجماجم ومنها: وغُرٍ على غُرٍ جيادٍ كأنما ... قوائمها يوم الطِّرَاد قَوَادِمُ إذا ابتدروا في مَأْقِطٍ فَرِحَتْ بهم ... صدورُ المذاكي والقنا والصوارم ومنها في صفة السيوف: تريك بروقاً في الأكف تدلُّنَا ... على أَنَّ هاتيك الأَكفَّ غمائمُ ومنها في صفة الرماح:

стр. 624

وسُمْرٍ عوالٍ زَيَّنَتْهَا أَكُفُّهُمْ ... فقد حَسَدَتْ منها الكعوبَ اللهاذمُ إذا عقلوها خِلْنَهُمْ مُتَوَشِّحِي ... سلوخٍ وفي الأَيْمَانِ منهمْ أَراقم تلوحُ نجوماً، في النحور غروبها ... إذا جَنَّها ليلٌ مع النقعِ قاتم ومنها في المدح: إذا صُلْتَ قال الدينُ والعدلُ: منصفٌ ... فإن جُدْتَ قال الجودُ والمالُ: ظالمُ وقوله: مالُهُ من فَتْكِ راحتِهِ ... كأعاديه على وَجَلِ أبداً تتلو مواهِبُهُ ... خُلِق الإنسان من عَجَلِ وقوله في الوزير رضوان بن ولخشى: إذا قابَلَتْهُ ملوكُ البلا ... دِ خَرَّتْ على الأرضِ تيجانُها ولله في أرضه جنَّةٌ ... بمصرَ ورضوانُ رضوانها وقوله من قصيدة في المدح: وقَبْلَ كَفِّكَ لا زالتْ مُقَبَّلَةً ... ما إنْ رأينا سحاباً قَطْرُهُ بِدَرُ أَحْيَت وأَرْدَتْ فمن أَنوائها أبداً ... صوبُ الندى والردى في الناسِ مُنهمر أُعْيَت صفاتُكَ فكري وهي واضحةٌ ... كالشمس يَعْجِزُ عن إدراكها البَصَر وقوله من قصيدة: جَمَع الفضائل كلَّها فكأنما ... أَضحى لشخص المَكْرُماتِ مِثالا ما كان يُبْقي عدلُهُ متظلِّماً ... لو كان يُنْصِفُ جُودُهُ الأموالا لا يرتضي في الجُودِ سَبْقَ سؤال مَنْ ... يرجوهُ حتى يَسْبِقَ الآمالا وقوله من المراثي في كبير، عقب موته نزول مطرٍ كثير: بنفسيَ من أَبكى السمواتِ موتُهُ ... بغيثٍ ظَنَنّاهُ نوالَ يمينهِ فما اسْتَعْبَرَتْ إلا أَسىً وتأسُّفاً ... وإلا فماذا القطر في غير حينه وقوله: فإن تكُ قد غاضَ بجودِ أَكُفِّكمْ ... عيونٌ، وفاضتْ بالدموع عيونُ وخانتكُمُ والدّهْرُ يُرْجَى ويُتَّقَى ... حوادثُ أَيامٍ تَفِي وتخونُ فلا تيأسوا إِنَّ الزمان صَروفَهُ ... وأَحداثَهُ مثل الحديثِ شُجون وقوله من قصيدة: هو الدهرُ، فانظرْ أَيَّ قِرْنٍ تحاربهْ ... وقد دهمتنا دُهْمُهُ وأَشَاهِبُهْ ليالٍ وأيامٌ يُغَرُّ بها الوَرَى ... وما هي إلا جُنْدُهُ وكتائبه ومنها: وما سُمُّهُ غيرُ الكرام كأنما ... مناقِبُهُمْ عند الفَخَارِ مثالبُهْ ومنها: لقد غابَ عن أُفْقِ العلا كلُّ ماجدٍ ... له حاضرُ المجدِ التليدِ وغائبه إِذا ذكرتْهُ النفسُ بتُّ كأنَّنِي ... أَسِيرُ عِداً سُدَّتْ عليه مذاهبه وكم ليلةٍ ساهَرْتُ أَنْجُمَ أُفْقِهَا ... إذا غابَ عني كوكبٌ لاح صاحبه يطولُ عليَّ الليلُ حتى كأنما ... مشارقُهُ للناظرين مغاربه وقد أسلمَ البدرُ الكواكبَ للدجى ... وفاءً لبدرٍ أَسْلَمَتْهُ كواكبه يُخَيَّلُ لي أَنَّ الظلامَ عجاجةٌ ... وأَنَّ النجومَ السارياتِ مواكبه وأَن البُروقَ اللامعاتِ سيوفُهُ ... وأن الغيوثَ الهامعاتِ مواهبه ومنها: فقلْ لليالي بعد ما صَنَعتْ بنا ... أَلا هكذا فليَسْلُبِ المجدَ سالبه وقوله في العتاب والهجاء من قصيدة: خليليَّ إن ضاقتْ بلادٌ بِرُحْبِها ... ورائي فما ضاق الفضاءُ أماميا يظنُّ رجالٌ أنني جئتُ سائلاً ... فأسخطني أَنْ خابَ فيهمْ رجائيا وما أنا ممن يُسْتَفَزُّ بمطمعٍ ... فيُخْلِفُهُ منه الذي كان راجيا ولكنني أَصْفَيْتُ قوماً مدائحي ... فأصبحَ لي تقصيرُهُمْ بيَ هاجيا فإن كنتُ لا أُلْفَى على المَنْع ساخطاً ... كذلك لا أُلْفَى على البَذْلِ راضيا محاسنُ لي فيهمْ كثيرٌ عديدُهَا ... ولكنها كانتْ لديهم مساويا

стр. 625

تُقَلِّدُهُمْ من دُرِّ نحري قلائداً ... ولو شئتُ عادت عن قليلٍ أفاعيا ومنها: ولو كنتُ أنصَفْتُ المدائح فيهمُ ... لصيَّرْتُها للأَكرمينَ مراثيا وقوله: لا ترجُ ذا نقصٍ ولو أصبحتْ ... من دونه الرتبةِ، الشمسُ كيوانُ أَعلى كوكبٍ موضعاً ... وهو إذا أَنْصَفْتَهُ نَحْسُ وقوله في ذم الزمان: كم كنت أسمع أن الدهرَ ذو غِيَرٍ ... فاليومَ بالخُبْرِ أَستغني عن الخَبَرِ ومنها: تشابَهَ الناسُ في خَلْقٍ وفي خُلُقٍ ... تَشَابُهَ الناسِ والأصنامِ في الصُّوَرِ ولم أَبِتْ قطُّ من خَلْقٍ على ثِقَةٍ ... إلا وأصبحتُ من عقلي على غَرَر لا تخدَعَنِّي بمرئيٍ ومُسْتَمعٍ ... فما أُصُدِّقُ لا سمعي ولا بَصَري وكيف آمَنُ غيري عند نائبةٍ ... يوماً إذا كنتُ مِنْ نفسي على حَذَر تأبى المكارمُ والمجدُ المؤثَّلُ لي ... من أَنْ أُقيم، وآمالي على سَفَرِ إني لأَشْهَرُ في أَهلِ الفصاحة مِنْ ... شمسٍ وأَسْيَرُ في الآفاق من قمرِ وسوف أَرْمي بنفسي كلَّ مهلكةٍ ... تَسْرِي بها الشهبُ إن سَارَتْ على خَطَرِ إِمَّا العُلاَ، وإليها مُنْتَهَى أَملي ... أَو الرَّدَى، وإِليهِ مُنْتَهَى البَشَرِ وقوله: لا تُنْكرَنَّ من الأَنَامِ تَفَاوُتاً ... إذ كان ذا عَبْداً وذلك سَيِّدَا فالناسُ مثلُ الأرض منها بُقْعَةٌ ... تَلْقَى بها خَبَثاً وأُخْرَى مَسْجِدا وقوله: ومن نكد الأيام أَنِّي كما تَرَى ... أُكابدُ عيشاً مثلَ دهريَ أَنْكَدَا أَمِنْتُ عِداتي ثمَّ خِفْتُ أحبَّتي ... لقد صدقوا، إِنَّ الثقاتِ هُمُ العِدَا ومن شعره في عدة فنون قوله: لا تَطْمَعَنْ فيَّ أرضٌ أَنْ أُقيمَ بها ... فليس بيني وبين الأَرضِ من نَسَبِ حيث اغتربتُ فلي من عفَّتي وَطَنٌ ... آوي إِليه وأهلٌ من ذوي الأدبِ لولا التنقلُ أَعْيَا أن يَبينَ على ... باقي الكواكب فضلُ السَّبْعَة الشُّهُب وقوله في شمعة: ومصفرَّةٍ لا عن هَوىً غير أَنَّها ... تحوزُ صفاتِ المستهام المُعَذَّبِ شجوناً وسُقْماً واصطباراً وأَدْمُعاً ... وخَفْقاً وتسهيداً وفرطَ تَلَهُّبِ إذا جَمَّشَتْها الريحُ كانت كمِعْصَمٍ ... يردَّ سلاماً بالبَنانِ المُخَضَّب وقوله: لئن زادني قُرْبُ المَزَارِ تَشَوُّقاً ... للقياك، آذى فِعْلَهُ عَدَمُ الحسِّ فما أنا إلا مثلُ ساهرِ ليلةٍ ... بدا الفجرُ فازداد اشتياقاً إلى الشمس القاضي أبو الفتح محمود بن إسماعيل بن حميد الفهري وأصله من دمياط وذكره أبو الصلت في رسالته وقال: محمود بن إسماعيل الدمياطي كاتب الإنشاء بالحضرة المصرية. قال القاضي الفاضل توفي سنة إحدى وخمسين، وأنشدني له أشعاراً محكمة النسج كالدر في الدرج. علق بحفظي من قصدية هائية هذا البيت: أَثَرُ المشيبِ بفَوْدِه وفُؤَادِه ... ألجاه أَنْ يَبْغي لديها الجاها وأنشدني له في ابن الزبير وكان أسود: يا شبه لقمانَ بلا حكمةٍ ... وخاسراً في العلم لا راسخا سلخت أَشعارَ الورى كلِّهِمْ ... فصرتَ تُدْعَى الأَسْوَدَ السالخا وأنشدني الأمير مرهف بن مؤيد الدولة أسامة بن منقذ لأبي الفتح ابن قادوس في رجل كان يكبر كثيراً في الصلاة: وفاترِ النيَّةِ عِنِّينِهَا ... معْ كَثْرَةِ الرِّعْدَة والهِزَّهْ مُكَبِّرٌ سبعينَ في مَرَّةٍ ... كَأنَّهُ صلَّى على حَمْزَهْ وأنشدني قوله أيضاً: ولائمٍ يلومني ... يريدُ مِنِّي تَوْبتي يقولُ لي: الموتُ غداً ... فقلت: هذا حُجَّتِي وأنشدني قوله أيضاً في طبيب:

стр. 626

عليلهُ منه عَلَى ... حالَيْ خسارٍ يَحْصُلُ تُؤْخَذُ منهُ دِيَةٌ ... وبَعْدَ هَذَا يُقْتَلُ وأنشدني قوله في الهجو: قد كنتَ علقاً نفيساً ... سمحاً تجودُ بنفسكْ إِذْ جاءك الحظُّ فافخرْ ... على أُبَيْنَاءِ جنسك وإنْ تذكَّرَ قومٌ ... حديثَ أَمْسِكَ أَمْسِكْ وله من قصيدة: قمْ قبلَ تأذين النواقيسِ ... واجلُ علينا بنتَ قسِّيسِ عروسَ دَنٍ لم يَدَعْ عِتْقُهَا ... إلا شُعَاعاً غيرَ ملموس تُجْلَى علينا باسماً ثغرُهَا ... فلا تقابِلْها بتَعْبِيس مُذْهَبَةُ اللونِ إذا صُفِّقَتْ ... مُذْهِبَةٌ للهمِّ والبُوس نارٌ إلى النارِ دعا شُرْبُهَا ... وشَرَّدَتْ بالعقلِ والكيس لا غروَ ما تأتيه من ريبةٍ ... لأنها عُنْصُرُ إليس ليس لها عيبٌ سوى أَنها ... حسرةُ أَقوامٍ مفاليسِ في روضةٍ كانت أزاهيرُهَا ... كأنَّها ريشُ الطواويس فاغتنمِ اللذاتِ في دولةٍ ... صافيةٍ من كل تَعْكيس بقيتَ في عمرٍ فيسح المدى ... من كلِّ ما تَحْذَرُ محروسِ وله من قصيدة: خلعتُ عذاري والتُّقَى في هواكمُ ... فأصبحتُ فيكم مُعْجَباً بذنوبي ومامِثْلُ هذا الحبِّ يُحْمَلُ بَعْضُهُ ... ولكنَّ قلبي في الهوى كَقُلُوبِ وله لما تَعَلَّقَ ظبيةً ... رُوداً وظبياً أَهْيَفَا وتآلفا بفؤادِهِ ... صار الفؤاد مُصَحَّفَا وله وليلةٍ كاغتماضِ الطَّرْفِ قَصَّرَهَا ... وصلُ الحبيبِ ولم نُقْصِرْ عَنِ الأَملِ بِتْنَا نجاذبُ أَهْدَابَ الظلامِ بها ... كفَّ الملامِ وذكرَ الصدِّ والملل وكلما رامَ نُطْقاً في معاتبتي ... سَدَدْتُ فاهُ بطيبِ اللثم والقُبَلِ وبات بدرُ تمامِ الحُسْنِ مُعْتَنِقي ... والشمسُ في فَلَكِ الكاساتِ لم تَفِلِ ومنها البيت الذي سار له: فبتُّ منها أرى النارَ التي سجدتْ ... لها المجوسُ، من الإبريق تسجدُ لي راحٌ إذا سَفَك النَّدْمَانُ من دمها ... ظَلَّتْ تقهقهُ في الكاساتِ من جَذَل فقلْ لمنْ لامَ فيها إنني كلِفٌ ... مُغْرىً بها مثلما أُغْرِيتَ بالعَذَلِ وله أَأَحْمدُكمْ لك عندي يدٌ ... كما انبعثَ الماء من جَلمَدِ قَصَرْتُ على شكرها مَنْطِقاً ... رَطيبَ اللسانِ نَدِيَّ النَّدِى فلا تقطَعَنْها فإني أخافُ ... تَطيُّرَ قومٍ بقطعِ اليد وأنشدني الأمير مرهف بن أسامة بن منقذ له: أَكْرِمْ بقلبي للأحبَّةِ منْزِلا ... رَبَعُوا به أَم أَزْمَعُوا مَتَرَحَّلا جادتْهُ أَنواءُ الدموعِ فما اغْتَدَى ... يوماً لِمنَّاتِ الحَيَا مُتَحَمِّلا حفظي لعهدِ الغادرين أَضاعَ لي ... قلباً أَقامَ غرامُهُ وتَرَحَّلا لا يَبْعُدَنْ زمنٌ مضى لو تُشْتَرى ... ساعاتُهُ بالعمر أَجمعَ ما غَلاَ أَيَّامَ أَغصانُ القدودِ، قطوفُهَا ... تُجنى، وأَقمارُ الملاحة تُجْتَلَى ومهفهفٍ لولا سهامُ جفونه ... تُصْمِي لأَدْرَكَ عاشقٌ ما أَمَّلا كالبدرِ وجهاً والغزالِ تلفُّتاً ... والحِقْف ردفاً والقضيب تَمَيُّلا ويكادُ من طيبِ المُقَبَّلِ يَنْثَني ... عود الأَراك من الثنايا مُبْدلا إن كان يحكي البدرَ وجهاً إنه ... يحكيه أَيضاً في البروجِ تَنَقُّلاَ ولقد أُديلُ من الصبابة همتي ... وأَشيمُ من شِيَمِي عليها مُنْصُلا وأَصونُ عقدَ بلاغةٍ نَظَّمْتُهُ ... عن أَن يُرَى بسِوَى عُلاكَ مُفَصَّلا

стр. 627

يا من تساوتْ في العلا أَقسامُهُ ... وسما بهمته فكانَ الأَفْضَلا أَرضٌ سعتْ قدماك فيها لا تزلْ ... لذوي الممالك قِبْلةً ومُقَبَّلا ونداك، كل مؤمِّلٍ ما أَمَّلا ... إلا تَجَهَّمَ للعُفاةِ وأَمَّلا مَلِكٌ يلاقي الطيفَ وهْوَ مُدَرَّعٌ ... حزماًن ويقتنصُ الفوارس أَعزلا وأنشدني أيضاً لابن قادوس في الرشيد بن الزبير وكان أسود: إنْ قلتَ من نارٍ خُلِقْ ... تَ وفُقْتَ كل الناسِ فَهْما قلنا صدقتَ فما الذي ... أَطفاكَ حتى صِرْتَ فحما وله مليكٌ تَذِلُّ الحادثاتُ لعزِّه ... يُعيدُ ويُبدي والليالي رواغمُ وكم كربةٍ يوم النزالِ تكشَّفَتْ ... بِحَمْلاَتِه وهْيَ الغَوَاشي الغَواشِمُ تَشِيدُ بناءَ الحمدِ والمجدِ بِيضُهُ ... وهنَّ لآساس الهوادي هوادم رقاقُ الظُّبَا تجري بآجالِ ذي الوَرَى ... وأرزاقِهِمْ، فَهْي القواسي القواسم ومن قصيدة في صفة زاهد: إذا قائمُ السيف انثنى في مُلِمَّةً ... عن الفعل أَغنى وحدَهُ وهْو قائمُ فما صَدَرَتْ عن موردِ النفس خِلْتَهَا ... بأَغمادها وَهْي العواري العوارم ومنها مخاطباً للزاهد: صحائفُ أَعداها الشباب بصبغةٍ ... فهل أنت ماحٍ ما تخطُّ المآثم ومن محاسن ابن قادوس، في شعره العلق بالنفوس، ما استخرجته من ديوانه قوله في صفة كتاب: مدادُهُ في الطِّرْسِ لمَّا بدا ... قَبَّلُه الصبُّ ومَنْ يزهدُ كأنما قد حلَّ فيه اللَّمَى ... أو ذاب فيه الحجرُ الأَسود وقوله: مَنْ عاذري مِنْ عاذلٍ ... يلومُ في حُبِّ رَشَا إذَا نَكِرْتُ حُبَّهُ ... قال كَفَى بالدمع شا أي شاهد. وقوله في صبي لم يدرك: سالمُ الفكر من تَخَالُجِ شَكٍ ... مُصْبِحُ الرأي في الملمِّ البَهيمِ يُولجُ الليلَ في النهارِ من الخ ... طِّ بلفظٍ كمشرقاتِ النجومِ وله من قطعة: لقد كان جاهي عريضاً بكم ... فَلِمْ صار كالخطِّ لا عَرْضَ لهْ وكم من يدٍ لك مشكورةٍ ... وما ليَ فيها ولا أُنْمُلَهْ وقوله في ابن العلاني المعري: هذا ابن علاَّنيكمُ شِعْرُهُ ... ينوب في الصيف عن الْخَيْشِ إنْ لم يكن مثل امرىء القيس في ... أَشعاره فَهْو امرؤُ الفَيْشِ وله في أقلفٍ: وقيتَ قفاك من وقعِ القوافي ... وأَلفاظٍ خفافٍ كالحِقافِ متى تُرْجى لنفعٍ أو لدفعٍ ... وقلبُكَ مثل في غِلاَفِ وله لام العواذلُ مغرماً ... في حبِّ مُلْهِيَةٍ وَقَيْنَهْ ولو انهنَّ رأين تأْ ... ثيرَ الغرام به وَقَيْنَهْ وله في مرثية: يا فجعةً هي في الجنانِ مَسَرَّةٌ ... لقدومهِ تختال في غُرفَاتها إِنْ كان في الدنيا عليهِ مأتمٌ ... فأراه عُرْس الحورِ في جَنَّاتِها وله يا من يكرُّ على جريح ... اللحظ منه مُجْهزُ ديباج خدَّيه بسنْدُسِ ... عارضَيْهِ مُفَرْوَزُ وبخدِّهِ خالٌ لدا ... ثِرَةِ الملاحةِ مَرْكَزُ قل لي ولحظُكَ صَارِمٌ ... في أيِّ دِرْعٍ أبْرُزُ أَبداً بسلطان الجما ... ل وبالهوى يَتَعزَّزُ ويقول غِرٌّ بالتجني ... وهْو فيه مُبَرِّزُ ويَسُومني ما لا يجو ... زُ من الأذى فأُجَوِّزُ لولا الوزيرُ وعدلُهُ ... لم يُغْن فيه تَحَرُّزُ عدلٌ يَفِيض وهمةٌ ... تَنْهَى العذولَ وتَحْجِزُ وله يا أَمرداً أَرمد العينَ ... من دماءِ الجراحِ يقول طرفِيَ شاكٍ ... صدقتَ، شاكي السلاح وله يهجو شاعراً:

стр. 628

لو كان ينصفُ حين ينْشِدُ ... شعرَهُ وَسْطَ المَلاَ صفعوه عِدَّةَ كلِّ حرْ ... فٍ فيه لكنْ جُمَّلاَ وله يهجو: إِذا قال لا يعدو كلامَ ابن فاعلٍ ... على أَنَّ مَحْضَ الجهل حشْوُ دماغهِ وليس كلاماً ما يقول وإنما ... يجيب الصَّدا من رأسه من فراغه وله في جارية سوداء: وعاذلٍ محتفلٍ ... مجتهدٍ في عَذَلي يلومُني في ظبيةٍ ... مخلوقةٍ من كَحَل إنّ السَّوَادَ عِلَّةٌ ... من نورِ هذي المُقَل والحَجَرُ الأسودُ لم ... يُخْلَقَ لغير القُبَلِ والقارُ مذ كان وعا ... ءُ السلسبيلِ السَّلْسَلِ وله فإن عدتُ إلى وصلك ... فالألطاف مَرْجُوَّهْ وإن لجَّ بك الهجرُ ... فلا حولَ ولا قُوَّه وله حوله اليومَ أُناسٌ ... كلُّهُمْ يُزْهى برَائِهْ وهْو مثلُ الماء فيهمْ ... لونُهُ لونُ إنائِهْ وله ابنُ فلانٍ رجلٌ صالحٌ ... فامتحنوه واقبلوا رأئي ارموهُ في البحرِ لكي تنظروا ... فإنه يمشي على الماءِ وله في ذم السواد: أَهْوِنْ بلونِ السواد لوناً ... ما فيه من حُجَّةٍ لناسِبْ لستَ ترى حُمْرَةً لخدٍ ... فيه ولا خُضْرَةً لشارِبْ وله في فرس يستعمل في الماء: أَأَرَدْتَها تَبْقَى وقدْ ... كلَّفْتَها بالماءِ قُوتَا لكنْ لشدَّةِ ضَعْفِها ... ما كان فيها أن تموتا وله يهجو: عِرْسُ هذا الفعيل مذ غرس النا ... كةُ فيها ... وهْي مُبَاحَهْ أثمَرَتْ رأسُه قروناً طوالاً ... إنَّ هذا لمِنْ غريبِ الفِلاَحَهْ وله يقظانُ ملتهبُ النَّدَى فكأنّه ... مُغْرىً بإتلافِ النُّضَارِ مُسَلَّطُ ومن شعره: ذو عارضٍ كالغُرَابِ لوْناً ... وشاربٍ مثل ريشِ بَبْغَا وله يهجو أنفاً كبيراً: أنفُ الشريفِ دونه الآنافُ ... كأنما الدنيا له غِلاَفُ ومن شعره: قل لمن قد مَحَضتُهُ خالص الحبِّ ... فلم يَجْزِنِي على قدر حُبِّي قد قَنِعْنَا بمنظرٍ يُطفْىءُ الوجْدَ ... ولفظٍ يُلْهِي الفؤاد ويُصْبِي ما أُحِبُّ الوصالَ إلا لهذا ... فبقلبي أحبكم لا..... وله في رجل كبير الأنف: عليك لا لك أنفٌ ظلَّ مُشتَرِفا ... حتى غَدَا بنجوم الأُفْقِ مُلتَصِقَا فلا تقُلْ خلقةُ الله ازدريْتَ بها ... فقد يعاذُ به من شرِّ ما خَلَقا وله في المعنى: كأنه السدُّ الذي بيْنَنا ... وبيْنَ يأْجوجٍ ومأْجوجِ وله في المعنى أيضاً: ورُبَّ أنفٍ لصديقٍ لنا ... تحديدهُ ليس بمعلومِ ليس على العرشِ له حاجبٌ ... كأنه دعوة مظلوم الموفق أبو الحجاج يوسف بن محمد المعروف ب ابن الخلال هو ناظر ديوان مصر وإنسان ناظره، وجامع مفاخره، وكان إليه الإنشاء، وله قوة على الترسل يكتب كما شاء، عاش كثيراً وعطل في آخر عمره وأضر، ولزم بيته إلى أن تعوض منه القبر، وتوفي بعد تملك الناصر مصر بثلاث أو أربع سنين. وأنشدني مرهف بن أسامة بن منقذ، قال أنشدني الموفق بن الخلال لنفسه من قصيدة: عَذُبَتْ ليالٍ بالعُذَيب خَوَالي ... وحلَتْ مواقِفُ بالوصالِ حَوَالي ومضتْ لذا ذاتٌ تَقَضَّى ذكرُها ... تُصْبِي الحليم وتَسْتَهيمُ السالي وجَلَتْ مورَّدة الخدود فأَوْثَقَتْ ... في الصَّبْوةِ الخالي بحُسْنِ الخالِ قالوا سراةُ بني هلالٍ أصْلُها ... صَدَقوا كذاك البدرُ فرع هِلال ونقلت من كتاب جنان الجنان ورياض الأذهان من شعر ابن الخلال قوله: وأغنَّ سيفُ لحاظِهِ ... يَفْري الحُسامَ بحدِّهِ فَضَحَ الصوارمَ واللِّدَا ... نَ بقدِّه وبقدِّه

стр. 629

عجبَ الوَرَى لما حييت ... وقد منيت ببعده وبقاء جسمي ناحلاً ... يصلي بوقدة صدِّه كبقاء عنبرِ خالِهِ ... في نارِ صَفْحةِ خَدِّه وقوله في شمعة: وصحيفةٍ بيضاءَ تَطْلُعُ في الدجى ... صبحاً وتشفي الناظرين بدائها شابتْ ذوائبها أَوانَ شبابها ... واسودَّ مَفْرِقُها أَوانَ فنائها كالعين في طبقاتها ودموعِها ... وسوادِها وبياضِها وضيائها وقوله في الشمعة أيضاً: وصَعْدَةٍ لدنةٍ كالتبر تَفْتُقُ في ... جنحِ الظلامِ إذا ما أَبْرَزَتْ فَلَقَا تدنو فيَخْرِقُ بُرْدَ الليل لَهْذَمُها ... فإِنْ نأَتْ رَتَقَ الإظلامُ ما فَتَقَا وتستهلُّ بماءٍ عند وَقْدَتِها ... كما تأَلَّقَ برقُ الغيثِ فاندَفَقَا كالصبِّ لوناً ودَمْعاً والتظاً وضناً ... وطاعةً وسهاداً دائماً وشَقَا والحِبِّ أُنساً وليناً واسْتِواً وشَذاً ... وبهجةً وطُرُوقاً واجْتِلاً وَلِقَا وقوله: أما اللسانُ فقد أَخْفَى وقد كتما ... لو أَمكن الجفنُ كفَّ الدمع حين هَمَا أصبتمُ بسهامِ اللحظِ مُهْجَتَهُ ... فهل يلامُ إذا أجرى الدموع دَمَا قد صارَ بالسقم من تعذيبكم عَلَماً ... ولم يَبُحْ بالذي من جَوْرِكم عَلِمَا فما على صامتٍ أَبْدَى لصدِّكُمُ ... في كلِّ جارحة منه السقامُ فما وقوله في مرثيه بالعظات مثرية: شِيَمُ الأيَّامِ سدٌّ بعد وُدِّ ... والليالي عهدها أَهْوَنُ عَهْدِ إن أَعَانَتْ عَدَلَتْ أَوْ خَذَلَتْ ... سَلَبَتْ أَوْ وجدت راعت بفَقْدِ أُفِّ للدُّنْيا فكم تخدعنا ... من حِبَاهَا بمُعَارٍ مُسْتَرَدِّ ما وَفَتْ أَعوامُ قُرْبٍ بالذي ... جَنَتِ اللوعةُ من ساعةِ بُعْدِ يا أَخا الغِرَّةِ حَسْبُ الدهر من ... عِظَةِ المغرور ما أَصبح يُبْدِي تؤثرُ الدنيا فهل نلتَ بها ... لحظةً تخلصُ من همٍ وكَدِّ الشيخ أبو الحسن علي بن الحسن المؤدب قرأت في مجموع له: وأهيفٍ كالقضيبِ مُعْتَدِلاً ... باتَ بروضِ الجمال مَغْرُوسَا أَثمر بالشمسِ والظلامِ وهلْ ... يجتمع الصبحُ والحناديسا سُمِّيَ باسم المسيح وهْوَ على ... ضدِّ الذي كانَ فاعلاً عيسى فذاك يُحْيي وذا يميتُ ضَناً ... صبّاً عليلاً لديه لا يُوسَى تَحَكُّمٌ في النفوسِ يملكها ... مثل سليمانَ عرشَ بلقيسا يلتقفُ السحرَ سحرُ ناظره ... كأنما لحظهُ عَصَا موسى وله في ذم العذار: انْقَعْ غليلَ الأَسَى بدمعٍ ... تُقْرِحُ أَسرابُهُ الجفونا محا اسمَكَ الشَّعْرُ من خُدودٍ ... أثبتَّ في صحنها شُجُونَا ما دبَّ في عارِضيك حتى ... بذلتَ من نفسك المصونا فلا عدمنا اللحى فإنَّا ... بها نروضُ الفتى الحَرُونا الشريف أبو الحسن علي بن محمد الأخفش المغربي الشاعر كنت أسمع التجار من أهل مصر وغيرهم من أهل الشام يصفونه ويطرونه، وعلى من بمصر من الشعراء يقدمونه، فإذا استنشدهم أحدٌ شعره قالوا ما نحفظه؛ لكنا لقبوله بمصر بعين الفضل نلحظه، حتى أنشدني الشريف أحمد ابن حيدرة الزيدي الحسيني شعره، فوجدت موافقاً لخبرهه خبره. أنشدني له من قصيدة في المنبوز بالآمر: سَقَى دِمَنَ السَّفْحين للقطرِ صيِّبُ ... وحَيَّا رُبَى حَيٍ رَبَا فيه رَبْرَبُ فهل لي إِلى شَهْدِ اللواعسِ مَشْهَدٌ ... وهل لي إلى شِعْب الأَحِبَّةِ مَشْعَب وما ليَ عن شرعِ الصبابةِ مَشْرَعٌ ... وما ليَ إلاَّ مذهبَ الحبِّ مَذْهَبُ وفي الحيِّ رودٌ في عِذابِ وُرودِهَا ... عَذابٌ يُذيب العاشقين ويَعْذُبُ

стр. 630

على نحره يَطْفُو على الماء جوهرٌ ... وفي خَدِّهِ تَسْعَى على النار عَقْرَبُ إذا غَرَبَتْ في فيه شمسُ مُدَامَةٍ ... فمشرقها من خدِّه حين تغرب بروضٍ بديعِ الحسن أَمَّا شقيقُهُ ... فخدٌّ وأما الأُقحوانُ فأَشْنَبُ سَمَاءُ كَلاً للماءِ فيه مَجَرَّةٌ ... وللوردِ شَمْسٌ والشقائقِ كوكبُ كأَنَّ غصونَ الأيْكِ عادت منابراً ... بها وكأنَّ الطيرَ فيهنَّ تخطبُ وغنَّتْ على الأوراقِ وُرْقٌ كأنها ... قيانٌ بأوتارِ المعازفِ تضرب بليلٍ من البدرِ المنير مفضَّصٍ ... يُنَاطُ به شمسٌ من الصُّبْحِ مذهب تعسَّفْتُهُ لمَّا تَنَصَّلَ بالضحى ... عن الصبح فَوْدٌ بالظلام مُخَضَّبُ وهجَّرتِ الرمضاءُ والآلُ مائحٌ ... كأَنَّ على أَمْواجها العيسَ مَرْكَبُ وقد زَجَلَتْ جنُّ الفلاة بمهمهٍ ... إذا جئتَ منها سبسباً عَنَّ سَبْسَبُ إلى ذروةِ النورِ العَلائِيِّ إِنَّهُ ... إلى ذروة النُّورِ الإِلهِيِّ يُنْسَب وأنشدني له من قصيدة أولها: متى يشتفي المشتاقُ من لوعةِ الأسى ... ودائي دوائي، والأَسَى مَعْدِنُ الأَسَا ومنها: غزالٌ كحيلُ الطرف أَحوى مُفَلَّجٌ ... تَدَرَّعَ جلبابَ الملاحةِ واكتسى ويتلو كتابَ السحرِ من لَحَظَاتِهِ ... كأنَّ لدين السحرِ فيها مُدَرِّسَا ومنها: ألا فاتَّخِذْ تلك الرياضَ منازهاً ... فإن أميرَ الغيثِ فيهن عَرَّسَا وكنْ بظباءٍ الإِنس صبّاً متيماً ... بأشنبَ معسلِ الثَّنِيَّاتِ أَلْعَسَا له اسمٌ متى ما شئت كَشْفَ غيوبه ... كما يكشف الصبحُ المبلَّجُ حِنْدِسَا مُدامٌ وحُورٌ ثُمَّ مِسْكٌ ودميةٌ ... فهذا اسم ظبيٍ جلَّ أَنْ يتقيَّسا وأنشدني له في ولد نقيب العلويين بمصر الملقب بأنس الدولة وكان مقدماً على الشعراء لنسبه، وشعره نازل: سَمَتْ بابن أُنْسِ الدَّولة الرتبُ التي ... تُطَاوِلُ قَرْنَ الشمسِ حتى تَطُولَهُ يحاولُ قولَ الشعر غايةَ جُهْدِهِ ... وتأبى له أَعراقُهُ أَنْ يَقُولَهُ وكم قائلٍ لمَّا ذكرتُ انتسابَه ... لآل رسولِ الله هاتِ دليلَهُ فقلت لهم أَقْوَى دليلٍ أقمته ... عليه بأنَّ الشعر لا ينبغي لهُ وأنشد أيضاً الأمير أسامة بن منقذ هذه الأبيات وقال: كنت في خدمة ابن عمه وهو ينشد هذه الأبيات، وأنشدني له في العذار بيتين أغرب في معناهما على الابتكار: وكأنَّ العذار في حُمْرَةِ الخدِّ ... على حُسْنِ خَدِّكَ المنعوتِ صولجانٌ من الزُّمُرُّدِ معطو ... فٌ على أُكْرَةٍ من الياقوت ما أحسن هذين البتين، لولا أنه ذكر الخد في البيت الأول مرتين. أقول: الشريف الأخفش، بسماع شعره ميت الحس ينعش، وخلي القلب يدهش، فهو كالديباج المنقش، والبستان المعرش، مذهبه في التجنيس مذهب، ونظمه في سماء الفضل كوكب، واستثقالي بتكرير الخد في وصف العذار كما حكي عن ابن العميد أنه استثقل قول أبي تمام: جوادٌ متى أمدحْهُ أَمْدَحْهُ والوَرَى ... معي ومَتى ما لُمْتُهُ لمته وَحدِي فقال: تكرار أمدحه ثقل روح، وقابل المدح باللوم وكان يجب أن يقابل بالهجاء وهذا نظر دقيق. ونقلت من بعض التعاليق، بدمشق من قصيدة للأخفش في عبد المجيد المنبوز بالحافظ بمصر: ذَكَرَ الدوحَ بِشَاطِي بَرَدَى ... وحَباباً فيه يطفو بَرَدا والصَّبَا تمرحُ في أرجائه ... فتصوغُ الموجَ منه زَرَدَا يَتمنَّى القِرْنُ أن يلبسه ... بين أبطالِ الوغى لو جمدا رَكَدَتْ سارحةُ الريح به ... فجرتْ خيلاً ومرَّتْ سَرَدا ينثرُ البدرُ عليه فضةً ... وتذيبُ الشمسُ فيه عسجدا رشأٌ لو لم تكن ريقتُهُ ... قهوةً صافية ما عَرْبَدا

стр. 631

تحجب الكلَّةُ منه قمراً ... ويحوزُ الدرع منه أَسَدا قمرٌ إن هزَّ رمحاً في الوغى ... هزَّ من عطفيه غصناً أَملدا ليْتَهُمْ إذ منطقوا أَعطافَهُ ... بالثريا قلَّدُوه الفرقدا طافَ بالراح التي لم تَدَّرِعْ ... بحسام المزج إلا زَبَدَا فَعَلاَها دُرُّهُ ياقوتةً ... ذاب سقماً جسمها فاطَّرَدَا ومنها في المديح، وقد أفضى به الغلو إلى الكفر الصريح: صِرْفُ جِرْيالٍ يرى تحريمها ... من يرى الحافظَ فَرْداً صَمَدَا بَشَرٌ في العينِ إِلا أنَّهُ ... من طريقِ العقل نورٌ وهدى جلَّ أن تدركه أعيننا ... وتعالى أن تراه جَسَدا فَهْو في التسبيح زُلْفَى راكعٍ ... سَمِعَ الله به من حمدا تدركُ الأفكارُ فيه نبأً ... كادَ من إجلاله أن يُعْبَدا واقتصرت على هذه أنموذجاً لشركه، وأخرت الباقي من سلكه؛ وأنشدت له مطلع قصيدة: عوجا بمنعرج السفحين أو رُوحَا ... فقد قضى مَرْبَعٌ كنتم له روحا وللشريف الأخفش من قصيدة يمدح فيها الشريف القاضي المفضل إمام ابن حيدرة بن علي قاضي بلبيس كان وأولها: لنجرانَ، فالبرقُ الحجازيُّ أَبْرَقَا ... وعُسْفانَ، فالمُزْنُ اليمانيُّ أودقَا ومن جملتها: شريفٌ يدُ الشرعِ انتقتْ منه قاضياً ... فكان لهذا الدين أفضلَ مُنْتَقَى خلائقُهُ في العدلِ تُرْضَى وتُرتجَى ... وسطوته في الحقِّ تُخْشَى وتُتَّقَى إذا ما تَعَدَّى ماردٌ لسمائه ... أَعدَّ له نجماً من القَذْفِ مُحْرِقَا يُثَبتُ مَنْ لَمْ يَرْقَ في ذروة العُلاَ ... ويَدْحَضُ عن عَرْشِ المعالي مَنِ ارْتَقَى وسبَّاقُ غاياتٍ بإِبطاءِ وَثْبَةٍ ... ولم يُبْطِ بالتثبيت إلا ليسبقا هو الغيث يَمِّمْهُ إذا كان مُمْطِراً ... وخُذْ حذراً منه إذا كان مُصْعِقا وما اصفرَّ لونُ التبرِ عند اجتماعه ... بكفيه إلا خيفةً أن يُفَرَّقا وآخر هذه القصيدة: فلا طَمَحَتْ بي نحو غيركَ عَزْمَةٌ ... ولا بابٌ منك دونِيَ مُغْلَقَا ومن شعراء بني رزيك: الخطيب المفيد أبو القاسم هبة الله بن بدر المعروف ب ابن الصياد وجدت له في مجموع ما ألفه الجليس بن الحباب في شعراء ابن رزيك والمداح فيه، من قصيدة أولها: بسمعي عن التَّعذَالِ فيك تَصامُمُ ... فجهديَ عِصْيَانِي إذا لامَ لائِمُ منها يصف عدوه: ولما رأَى الغَدَّارُ قُرْبَ حلولهِ ... تيقَّنَ أن الموتَ ما منه عاصمُ ولو كان ذا حَزْمٍ لما حَامَ قبل أن ... يرى الخيلَ بل من قبلِ تبدو الصوارم أمستخبرٌ هَل من قَدَارٍ لريشةً ... على هزِّ بحرٍ مَوْجُهُ متلاطم وله فيه من قصيدة: كأنَّ اختطافَ الهامِ عندكَ بِالظبا ... ابتهاجاً به يومَ الوغى ثَمَرٌ يُجْنَى غداةَ جعلتَ البيضَ أَغمادها الطُّلاَ ... وخَيْلَ العِدَا تُقْنَى وسُمْرَ القَنَا تَقْنَا وله من قصيدة يذكر فيها قتله أرناط مقدم خيل الفرنج: عنْ سيفِ دين الله سلْ أَرناطا ... حيثُ المنية كاسُها يُتَعَاطى والمشرفيَّةُ قد حَكَتْ في جيشهِ ... في العَلِّ والنَّهَلِ القَطَا الفُرَّاطا قد شام طيرُ الكفرِ منه مِنْسَراً ... أَشْغَى وعاينَ مِخْلباً عَطَّاطا هو مُلْبِسٌ جُثَثَ العِدَا في الحربِ مِنْ ... حُلَلِ النجيعِ مجاسداً ورياطا فجيادُهُ تشكو مزاحمةَ القَنَا ... وتردُّ خِرْصَان الرماحِ سياطا هو فارسُ الإسلام يحفظ بالظُّبَا ... من دينه الأَطرافَ والأوساطا كم قد أنارَ من الأَسِنَّةِ أَنجما ... لما أثار من العَجَاج غُطاطا

стр. 632

فتخالُهُ مَلَكاً رمى بشهابه ... في الرَّوْعِ شيطانَ الحروب فَشَاطا وله من أخرى: شرَّدْتَهُمْ حتى لقد قَاسَوْا على ... تلك العِقَابِ أَليمَ كلِّ عِقَابِ سِيمُوا العذابَ وذكَّرَتْهُمْ حالَهَمْ ... حِفظَاتُ أيامٍ سَلَفْنَ عِذَاب هابُوكَ فانْذَعَرُوا ومِنْ أَعذارهمْ ... أن السَّوامَ تهابُ ليثَ الغاب وله من أخرى: لله أنت على أَقبَّ مُطَهَّمٍ ... نَهْدٍ بجوزاءِ السماءِ مُشَنَّفِ ومنها: أَضْرَمْتَ في أَكبادهمْ من بَعْدِهِ ... بالنصل نارَ تأسُّفٍ وتَلَهُّفِ ففؤادُ ذي الجأشِ الربيطِ مخافةً ... يحكي جناحَ الطائرِ المُترَفْرِفِ وله من أخرى: وشرَّدَها إِشفاقُها منكَ فاغتدتْ ... ترى الأَرْضَ خوفاً وهْيَ من ضِيقها فِتْرُ فذلُّوا كأنَّ العِزَّ ما كانَ بَيْنَهُمْ ... وصاروا كأنَّ الفقرَ عندهمُ قَبْرُ وله من أخرى: أَضْحَتْ لواتَهُ شُرَّداً من بأْسِهِ ... فلديهمُ سعةُ الفضاءِ مَضيقُ لم يضربوا طُنُباً لخوفهمُ فهمْ ... مثلُ الوعولِ إذا حواها النِّيقُ إن غابَ فيهم وجهُهُ فخيالُهُ ... ليلاً كما هو في النهار طَرُوق لو هبَّتِ الريحُ اغتدى لسماعها ... قلبُ الشجيع القلبِ وهْوَ خَفُوق جعلوا الهزيمةَ عنه بِرّاً إذ لهم ... لسواه في شَقِّ العِصِيِّ عُقُوق وسمعت أن هذا ابن الصياد كان من شعراء الصالح بن رزيك. وكان سريع الخاطر في النظم لا يقف قلمه، ولا يتضع فيه علمه، ويغريه الصالح بجلسائه يهجوهم وكانوا يتعرضون به وسمعت أن ابن الحباب كان كبير الأنف وكان ابن الصياد مولعاً بأنفه قد هجاه بأكثر من ألف مقطوعةٍ وما كان يصده شيءٌ عنه حتى انتصر له أبو الفتح بن قادوس فقال فيه: يا من يعيبُ أُنوفَنَا ... الشمَّ التي ليست تعابُ الأَنْفُ خلقةُ ربنا ... وقرونك الشمُّ اكتساب ابن قيصر من أهل الاسكندرية كان كثير المنظوم، قليل الجيد منه. قرأت في مجموع: كتب الفقيه الرشيد أبو الحسن علي بن قيصر في جواب كتاب: وصلَ الكتابُ فلا عَدِمْتُ يَداً ... نَثَرَتْ عليه جَوَاهِرَ الكَلِمِ وعجبتُ كيف تَرَى لها أَثَراً ... وبنانُها يَنْهَلُّ كالدِّيَمِ ووجدت له في مجموع شعراء ابن رزيك قصيدة فيه أولها: الصبرُ عن بانِ الحمى وعقيقهِ ... في حقِّ ساكنِهِ أَجلُّ عُقوقِهِ ظبيٌ ظُبَا أَلحاظِهِ فتَّاكةٌ ... تُغْنيه يومَ الروعِ عن إبريقهِ لو قال يوم الأنس: سيانِ عندي الخمرُ في إبريقه ... أو ما حواه ثغرُه من ريقهِ أين هذا من قول ابن حيوس: فعلُ المُدَامِ ولونُها ومَذَاقُها ... في مُقْلَتَيْهِ وَوَجْنَتَيْهِ وَرِيقهِ تمام قصيدة ابن قيصر: لا فرقَ بين خيالِهِ وَوِصالِهِ ... في سَرْد ماطِلِه وفي تحقيقهِ ومنها: والله ما للشمس في إشراقِها ... وضياءِ بهجتها كبعض شروقهِ كالرِّئْمِ حالَ نفارِهِ، والبدر عند ... كمالِهِ، والغصنِ عند بُسُوقِه لا تجعلِ الهجران بعضِ عقوبتي ... فتكلِّفَ السُّلوَانَ غيرَ مطيقِه وارفقْ فمن دينِ المُرُوَّةِ في الهوى ... وعداته رفق الهوى برفيقه والله ما صَدَقَ الملامُ ولا جرى ... ذا العذلُ عند ذوي النُّهَى بطريقه كلُّ الجوارح في يديه فأَيُّها ... يُصْغي لزورِ العذل أو تنميقه فَذَرِ الملامَ فحبذاه لذكرِه ... فيه، ملام الصبِّ في مَعْشوقه يا راكب المَهْرِيِّ أَضحى ظلُّه ... في عُرْضةِ البَيْداء من مَسبوقه بلِّغ إلى المَلِكِ الهمامِ أَمانةً ... تبليغُها للحرِّ من توفيقه

стр. 633

حتامَ حظِّي في الحضيضِ وإنه ... في الفضل عند الناس في عَيُّوقِهِ مثلي بمصرَ وأنت مالكُ رِقِّهِ ... مثلُ العُقابِ مُفَرَّداً في نِيقهِ ومنها: والله حَلْفَةَ صادقٍ بَرٍ بها ... يُضْطَرُّ سامعُها إلى تصديقه لو كنتُ أَرضَى الشِّعرَ خطَّةَ فاضلٍ ... لجعلتُ عِرْضَكَ روضةً لأنيقهِ ومنها: إنّ الحديثَ صلاحُه بصلاحِ مُنْهيه ... كذاك فُسُوقُه بفسوقِه والصيرفيُّ يبينُ عند محكِّهِ ... كم بين خالصِهِ إلى سَتُّوقِه ولقد أشاعَ الناس أنك في الورى ... من ليس يَنْفقُ باطلٌ في سوقه أَبْطِلْ بنورِ العقل سلطانَ الهوى ... واعملْ بكلِّ الجهد في تَطْليقه فأجابه الصالح بن رزيك بقصيدة منها: نفق التأدُّبُ عندنا في سُوقِهِ ... وبدا اليقينُ لنا بلَمْعِ بروقهِ أَهدى ليَ القاضي الفقيهُ عرائساً ... فيها بديعُ الوشي من تنميقه فأجلْتُ طَرْفِي في بديعِ رياضه ... من ورده وبَهارِهِ وشقيقه فكأنما اجتمع الأحبّةُ فانبرتْ ... يدُ عاشقٍ تهْوِي إلى معشوقه أَدَبٌ سعى منه إلى غاياتهِ ... وأَتى فَسَدَّ عليه مَرَّ طريقه ولقد علمتُ بأن فضلَكَ سابق ... يُعْتَدُّ مَنْ جاراهُ مِنْ مَسْبوقه فلذا اقتصرتُ ولم أَرَ الإِمعانَ في ... شأوِ امرىءٍ أصبحتُ غيرَ مطيقه وأَرى الزمان جرى على عاداته ... في جمعه طوراً وفي تفريقه والشوقُ في قلبي تضرَّمَ وهْجُهُ ... فمتى أراه يكفُّ عن تحريقه والدمعُ من عيني يَسُحُّ فهل يُرَى ... من بحره يوماً نجاةُ غريقه نَزَّهْتُ في بستانِ نظمك ناظري ... فَحَظِيتُ من زَهْرِ الرُّبَى بأنيقه يات من تَدُلُّ فنونُ ما يأتي به ... من حَلْيِ مَنْطِقِه على توفيقه أنت امرؤٌ مَن قال فيك مقالةَ ... الغالي فكلُّ الخلقِ في تصديقه وأَنا أَرَى تقديمَ حاجةِ صاحبي ... من دون حاجاتي أَقلَّ حقوقه وكذا الكريمُ فمهمِلٌ لأموره ... لا مُهمِلٌ أبداً أُمورَ صديقه هذا النجاحُ، فكل ما قد رُمْتَهُ ... قد تمَّ فانظرْ منه في تحقيقه محمد بن هانىء هو أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن مفضل الأزدي الأندلسي موضعه مع شعراء الأندلس واتفق إيراده ها هنا وينسب إلى ابن هانىء المغربي الأندلسي. كان في العصر الأقرب، وهو معروفٌ بالنظم المهذب، وتوفي في آخر أيام الصالح بن رزيك قبل سنة ستين، على ما سمعته من المصريين، وطالعت ديوانه بمصر فنقلت منه ما انتقدته، وعقلت ما عقدته، ونسخت ما نسخ السرح، ونسج الزهر، وانحلت العقود الصحيحة لنسيم شمال أسحاره، وتمثلت العقول الصاحية لتسنيم شمول عقاره. ووجدت له على قافية الهمزة من قصيدة: سَدَلَتْ غدائرَ شعرِها أَسماءُ ... وَسَرَتْ فما شَعَرَتْ بها الرُّقَبَاءُ والليلُ تحت سَنَا الصباحِ كأَسودٍ ... وَضَحَتْ عليه عِمَامةٌ بيضاء زارتْ نُعَاماها وزارَ خيالها ... فتيمَّمَتْ بكليهما تَيْماءُ ومشتْ تميس يجرُّ فضلَ ذيولها ... دِعْصٌ يميلُ، وبانةٌ غَنَّاء هُنَّ المها يحوي كناسُ قلوبنا ... منهن ما لا تحتوي السِّيراءُ يُوحِشْنَ أفئدةً وهنَّ أَوانِسٌ ... ويرُعْنَ آساداً وهنّ ظباء وتحولُ دون قبابها هنديةٌ ... بيضاءُ، أو يَزَنِيَّةٌ سمراء ومنها في المخلص: لأُمَزِّقَنَّ حشا الدُّجُنَّةِ نحوها ... والليلُ قد دَهِمَتْ به الدهْناءُ في متن زنجيِّ الأَديمِ كأنما ... صَبَغْتهُ مما خاضَها الظلماء

стр. 634

وكأن محمرَّ البروقِ صوارمٌ ... سُفِحَتْ على صفحاتِهِنّ دماء أَو يَثْنِيَنِّي لا أَزورُ خيامَها ... ولأَسعدَ القاضي الأشمِّ مضاء ومنها في المديح وتقريظه بالقضاء: قاضٍ له دِينٌ وصدقُ شهادةٍ ... ذو الجاه فيها والضعيفُ سواءُ وعدالة حُفِظَتْ بعقلٍ راسخٍ ... لا تستميلُ جنابَهُ الأَهواء وله من أخرى أولها: لمن الآنساتُ وهْيَ ظِباءُ ... واليعافيرُ حُجْبُها السِّيَرَاءُ والشموسُ التي لويْنَ غصوناً ... لَمْ تُرَنِّحْ خصورَها صَهباءُ فاختفَى في القُدودِ أَرْيٌ ورَاحٌ ... وبدا في الخدود نارٌ وماء تنثني قامةً وتَجْرَحُ طَرْفاً ... فهْيَ للسَّمْهَرِيَّةِ السَّمْراءُ طَرَقَتْ والكَبَاءُ والمندلُ الرطبُ ... عليها وحَلْيها رُقَبَاء ومنها: ودُوَيْنَ الفتاةِ أبيضُ رقرا ... قُ الحواشي ولأْمَةٌ خَضْرَاء وفتى لاحَ فوق أدهمَ نهدٍ ... قمراً في عنانه ظلماءُ وكماةٌ تجلو الأسنَّةَ شُهْباً ... ودُجَاهَا العَجَاجَةُ الشَّهْبَاءُ تصدُرُ المرهفاتُ عن مورد الها ... مِ كما ضرَّجَ الخدودَ حَيَاءُ يا لحى اللهُ ريبَ دهرٍ خؤونٍ ... سادَ فيه كرامَهُ اللؤماء! وزماناً نحبُّه! فكأنا ... حِين يَسْطُو بنا له أعداء ومنها في المخلص: بالعلا يُعْرَفُ الكرام ولكنْ ... عُرِفَتْ بالمُوَفَّقِ العلياءُ ماجدٌ لو عَرَا اللّيَاليَ داءٌ ... كان في رأيه لهنَّ شفاء راحةٌ لا تُرَاحُ من هَدْمِ جُودٍ ... ببنانٍ لها المعالي بناء هدم الجود ليس بتقريظ، وإنما المدح لو قال من هدم المال بالجود. فهو والدهرُ حِنْدِسيٌّ بهيمٌ ... غُرَّة في جبينه زَهْرَاء ولو ان الصّبَا لها منه عَزْمٌ ... نَهضَتْ بالجبال وهْيَ رُخَاء طَوْدُ حِلْمٍ رَسَتْ به الأرضُ لمَّا ... شمخت منه ذِرْوَة شَمَّاءُ ومنها: ذكرُكَ الراحُ والمُذَكِّرُ ساقٍ ... وكأنَّ المسامعَ النُّدَمَاءُ فإذا ما أُديرَ حمدُك صِرْفاً ... هزَّ أَعطافنا عليك الثناء وله في جارية رقاصة: ولطيفةٍ في الرقص يُعْطَفُ قَدُّها ... كتعطُّفِ اليَزَنِيَّةِ السمراءِ تختصُّ بالحركات منها سرعةٌ ... كتخصُّصِ الأرواح بالأعضاء خَفَّتْ فلو رقصت بأعلى لُجَّةٍ ... ما بلَّ أخْمَصَها حَبَابُ الماءِ وله وأَغْيَدَ خدُّه يَنْدَى فيجري ... على وَرْدِيِّهِ الدرُّ المذابُ صفا ماءُ الشبابِ بِوجْنَتَيْهِ ... فلاحَ عليه من عَرَقٍ حَبَابُ وله في الأوصاف: نديمي أَفِقْ فالفجرُ قد لاح ضوءُهُ ... كما سَالَ نَهْرٌ أو كما سُلَّ مِقْضَبُ وذا فلكٌ ساقٍ يديرُ كؤوسَهُ ... نجوماً إذا وافَتْ فمَ الغَرْبِ تُشْرَبُ وقد شاخض زنجيُّ الدُّجى والذي بدا ... به من هلالٍ حاجبٌ لاحَ أَشْيَبُ وله من قصيدة: أَوْدَعُوا الزُّهْرَ حُدوجاً وقبابا ... وسَرَوا في شَعَرِ الليلِ فشابا ولوى الطرفُ سناهُمْ فانبرى ... يحسب الجُرْدَ اليعابيبَ الرِّكابا صيَّرُوا الجنح سَنَا الصبح وما ... سَفَرُوا عن غُرَرِ الغيدِ نِقَابا إذ توارى الفجرُ بالليلِ كما ... وَلَجَ السيفُ اليمانيُّ القِرَابا وَحَنى قوسَ هلالٍ رُبَّما ... طَرَدَتْ سهماً رأيناه شهابا إنَّما ودَّعَ قلبي جَلَدِي ... يوم ودَّعْتُ سُلَيمى والرَّبابا ومنها: حُجِبَتْ في نورها وَجْنَتُها ... فرأيتُ الشمسَ للشمس حِجَابا وَجْنَةٌ حمراءُ تَنْدَى عرقاً ... مثلما رَقْرَقَتِ الراحُ الحَبَابَا

стр. 635

نفختْ ريحُ الصبا جَمْرَتَها ... فانبرتْ تُظْهِر في الماء التهابا وجرى الصُّدْغُ على أَوَّلِها ... مثلما طرَّزْتَ بالسَّطْرِ الكتابا وله في العذار: وأَسمرَ ذَنْبي للعواذلِ حُبُّهُ ... وذلك ذنبٌ لست منه بتائبِ عُذِلْتُ على حُبِّي له حينَ ذَبَّلَتْ ... له الشفةُ اللمياءُ خُضْرَةَ شارب وقد كنتُ أَهوى الحاجبين الَّلذَيْ لَهُ ... فكيف وقد صارتْ ثلاثَ حواجب وله أَلا كلُّ شيءٍ للأنامِ مُحَبَّبٌ ... إِليَّ بغيضٌ، والحبيبُ حَبيبُ أما عجباً أن هام فيه رقيبُهُ ... وأَني على ذاك الرقيبِ رقيب ومما برى جسمِي وأَرَّق ناظري ... وعلَّمَ قلبي فيه كيف يذوب حبيبٌ اراه سائغاً، كلَّ ساعةٍ ... ينال سوايَ وصلَهُ وأَخيب فوا أسفا لي إِنني ليثُ غابةٍ ... ويظفَرُ دوني بالفريسةِ ذيبُ وله من قصيدة في أثنائها: أَغارُ على ذيلها بالصَّبَا ... إذا شمَّرَتْ منه ما سحَّبَا وأخشى على جَمْرَتَيْ خَدِّهَا ... بِمَرِّ النواسمِ أن تُلْهَبَا تَعَالَى النقابُ سنا وجهه ... فخِلْتُ النقاب به نُقِّبَا وما احمرَّ من صبغةٍ لونُهُ ... ولكن بوجنتها خُضِّبَا مشى وهْو في خدِّها عقرباً ... فمثَّلَ في وردةٍ عقربا سقى اللهُ ليلتنا بالعُذَيْبِ ... غمائمَ من أَمْنِه عُذَّبَا فكم بتُّ بين مِراحِ الظباءِ ... تجاذِبُني، وصفاحِ الظُّبَا وقد لاح لي بدرُهَا مَشْرَعاً ... لَمَحْتُ على مائه طُحْلُبَا إلى أَنْ جَرَى صُبْحُها أَشقراً ... فطاردَ من فجره أشهبا ولاعبَ فضِّيَّ بَرْدِ الغما ... م برقٌ فصيَّره مُذْهَبا ومنها: ويمنعُ شمسَهُمُ أَنْ تلوحَ ... عجاجُ الوغى ودُخان الكَبَا وله من قصيدة: زادَ العقيق بخدٍ غيرِ مُنْتَقِبِ ... قاني الغلالَةِ كالهنديِّ مُخْتَضِبِ بدرٌ تَمَزَّقَ عنه الليلُ حين سرى ... كذلك البدرُ يَسْري غَيْرَ محتجب ذو غُرَّةٍ قُنِّعَتْ بالحسن من قَمَرٍ ... ولَبَّةٍ قُلِّدِتْ بالحَلْي من شُهُب خدٌّ أَلَمَّ لريعانِ الشبابِ به ... سحرٌ تدرَّعَ فيه الماءُ باللهب ومنها في المخلص: لا تُصْغِرَنِّي لكونِ الجسم مُغْتَرِباً ... فإنَّ في الجسم عقلاً غيرَ مُغْتَرِب يَغْنَى اللبيبُ بعقلٍ منه عن فِطَنٍ ... حيث استقرَّ وعن أُمٍ له وأب وهل أَخافُ من الأيام نائبةً ... وللسديد يدٌ تَسْطُو على النُّوَبِ ومنها في المدح: لو كنتَ إذْ تُوزَنَ الأعمالُ سائِلَهُ ... ما حازَ من صالح الأَعمالِ لم يُجِبِ يا مُبْغِضَ الذَّهَبِ المحبوب راحته ... حتى كأَنَّ ذهابَ الحَمْدِ في الذهب وله في العذار من قطعة: ولما أَشاعَ الحبُّ في الناس مِلَّةً ... وقادَ قلوباً كيف شاء وأَلْبَابا جلا الحُسْنُ للعشاق وَجْهَكَ قِبْلَةً ... وصوَّر فيه من عِذَارَيْكَ مِحْرابا وله من قصيدة: تلكَ البدورُ العامِريَّاتُ ... لها من الأَنْصُلِ هَامَاتُ بدورُ أَسدافٍ تَثَنَّى بها ... في السَّيْرِ قُضْبٌ بَشَرِيَّات تشكو نواهنَّ قلوبٌ وما ... لها سواهُنَّ سماوات كِدْنَ يَكِدْنَ القُضْبَ لو بُدِّلَتْ ... أَوْراقُهُنَّ الذهبيَّاتُ كلُّ عقيقيَّةِ خَدٍ لها ... فروعُ فَرْقٍ سَبَجِيَّات ومنها: ويُرْعَشُ الرِّدْفُ كأنَّ الذي ... لاعَبَهُ منهنَّ حَيّاتُ يا شَرَكاً صيدَ بها طائرُ القَلْبِ ... أَما منكنَّ إفلات
следующие страницы →